لاتجزعن لوحدة و تفرد و من التفرد في زمانك فازدد
فسد الاخاء فليس ثم اخوة الا التملق باللسان و باليد
و اذا نظرت جميع ما بقلوبهم ابصرت ثم نقيع سم الاسود
فاذا فتشت ضميره عن قلبه وافيت منه نقيع سم الاسود
و عن اميرالمؤمنين عليه السلام مداومة الذكر خلصان الاولياء ملازمة الخلوة دأب الصلحاء ، الي غير ذلك من الاخبار و الآثار الحاثة علي الخلوة و الاعتزال و اعلم ان العلماء لما نظروا في هذه الاخبار و الاخبار الحاثة علي المعاشرة و مؤالفة الناس و الاهتمام بامورهم و عيادة مرضاهم و تشييع جنايزهم و احيائهم و تلقيهم و حضور مجالسهم و مساجدهم و زيارتهم و اداء حقوقهم و امثال ذلك اختلف آراؤهم في جمعها و وضع كل منها موضعه فكل جمع بينها علي حسب فهمه و مزاجه و الاخبار صريحة نادية باختلاف احوال الخلق [ص 403] و اغراضهم و حوائجهم و مراتبهم و ليس في كلام الحجج عليهم السلام اختلاف و نحن نذكر لك بحول الله و قوته ما تعرف به موضع كل واحد منها و نبين لطيف اشاراتهم عليها اعلم ان الجمع بين هذه الاخبار بوجوه منها ان الواجب علي المؤمن ان يكون عبدا لله سبحانه عاملا لاجله خادما له مخلصا فيه رائيا ربه في جهة الخدمة حاضر القلب متوجها اليه متقربا اليه ممتثلا امره و نهيه لايتحرك و لايسكن الا به فمن كان يمكنه ان يخدم ربه هكذا معاشرا للخلق مؤديا لحقوقهم كما يخدمه هكذا في الخلوات بلا تفاوت فسيان عنده الخلاء و الملاء فذلك لايحتاج الي الاعتزال و التخلي بل الافضل له المعاشرة و تحمل المحنة لهداية الناس و لذلك لميؤمر الانبياء حال بعثتهم و الاوصياء بالاعتزال عن الخلق و لو اعتزل الابرار بقي الفجار بلا هاد لهم و لميقم لله حجة علي خلقه و لميعرف الحق من الباطل و لفسدت السموات و الارض فانهما خلقا للحق و بالحق فلميمدح الاعتزال لاجل اولئك الابطال و اما من كان ضعيف النفس و يري انه لايملك نفسه في الملاء حتي يقع في الخطيئة و الغفلة عن الله جل و عز و اما في الخلوة فيأمن من الخطايا و الغفلات و يعبد الله علي الوجه الذي امر به فذلك يجب عليه الاعتزال عن الخلق و ما عليه ان يهلك الناس جميعا قال الله سبحانه عليكم انفسكم لايضركم من ضل اذا اهتديتم و قال ان ارضي واسعة فاياي فاعبدون اي ان لميمكنكم العبادة هنا فهناك فيجب عليه الاعتزال و ترك جميع المعاشرات المباحة و المندوبة اللهم الا ان يجب امر لا محيص له عنه فيطلع و يباشر ثم يعتزل لحفظ نفسه عن الوقوع في الموبقات و ان قلت ان في المعاشرة مندوبات و هي مرغوب فيها و قد ندب الشارع اليها و وعد عليها ثوابات عظيمة قلت في الاعتزال ايضا مندوبات من الذكر و الفكر و التفرغ للعبادة فليس اذا ترك تلك المندوبات في العشرة [ص 404] خوفا من الوقوع في المعاصي معها الي مندوبات الخلوة التي لايخاف فتنة معها كان تاركا للاولي بل هو عامل بالاولي فالعزلة لامثال هؤلاء اولي من العشرة البتة و منها ان الانسان اذا رأي في نفسه ضعفا و علم انه يقع بالعشرة في الفتن و المهالك و المعاصي و الخطايا و يري انه اذا اعتزل امن من تلك الموبقات و سلم نفسه و ان لميعمل بعبادات الخلوة فذلك ايضا يكون الاعتزال بالنسبة اليه اولي و ان فاته مندوبات العشرة فان العمل بالمندوبات مع الوقوع في الخطايا لا خير فيها اذ فعل المندوب مستحب و ترك الخطيئة واجب فان لميقدر علي ترك الخطيئة في الملأ وجب عليه حبس النفس في الخلأ حتي يأمن البوائق و لعمري لو لميكن في الاعتزال غير انه لايؤذي احدا و لايغتاب و لايسمع غيبة و لايشتم و لايظلم و لايأكل مال احد و لايماري السفهاء و لاينظر نظرا محرما و لايسمع محرما و لايمشي الي محرم و لايتعلم عصيانا و لايهون عنده المعاصي برؤية الهتاكين و لايزداد حبه للدنيا بمعاشرة احباء الدنيا و ابنائها و يفرغ من بوايق ثلث دينه فان ثلث الدين في معاملة الله و حججه و ثلثه في معاملة نفسه و ثلثه في معاملة الخلق لكفي به فضلا اللهم اذا عرض واجب فذلك لا اعتزال منه و يجب عليه المباشرة و اما في غيره فلو لميكن في العزلة الا حفظ ثلث دينه عن الموبقات لكفي و اليه يشير كلام اميرالمؤمنين عليه السلام طوبي لمن لزم بيته و اكل كسرته و بكي علي خطيئته و كان من نفسه في تعب و الناس منه في راحة و من الذي عرف نفسه و داءها و دواءها و زعم انه يقدر علي حفظ نفسه من موبقات العشرة اللهم الا العميان الذين لايعرفون دقايق العصيان فانهم لعدم معرفتهم بالعصيان و فساد انفسهم يظنون عدم عصيانهم اذا لميرتكبوا الكباير و الصغاير الظاهرة بابدانهم فوضع لهم مندوبات العشرة و لولا اولئك لفسد النظام و لولا الحمقاء لخربت الدنيا [ص 405] و نظير ذلك ما قال رسول الله صلي الله عليه و آله في الابل تلك اعناق الشياطين و يأتي خيرها من جانبها الاشئم قيل ان سمع الناس هذا تركوها قال اذا لايعدمها الاشقياء الفجرة انتهي ، و المراد ان الناس اصناف و بهم يعمر الدنيا و ان الله سبحانه خلق للعشرة و اداء حقوقها قوما و اما الاذكياء المتنبهون البصيرون بعلل النفس و ادواءها و حيلها فيرون انهم يهلكون في العشرة و يأمنون بوائقها في العزلة فاولئك الواجب عليهم العزلة و اما الغافلون الذين لايعقلون تلك المحن و يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون فيعاشرون الخلق و يحبونها و لايملكون انفسهم عنها و يشتهونها و لايعقلون ضرائها ابدا لدقتها فوضع لاولئك مندوبات يقوم بهم مدينة المسلمين و تلك لهم في مقامهم عبادة و لو تركوها لتركوا العبادة ألاتري ان الاحسان الي المسلمين عبادة و انه لا شك ان تنقية بالوعة مسلم قربة الي الله عبادة فهل تري انه يستحب لكل مؤمن سري او غير سري ان يترك العبادات المندوبة و الطيب و الطهر و لبس النظيف و حضور مواضع العبادة و الذكر و الفكر جميعا و يشتغل عمره في تنقية بالوعة المسلمين علي انها عبادة و هل ترضي لنفسك ذلك ألست تقول اني اشتغل بعبادة اخري انظف من ذلك و اطيب و ان ذلك لمن لا مروة له و لا قدر من المسلمين و هل سمعت بنبي او وصي نبي او ولي اشتغل باداني الامور التي يستنكرها الطباع السليمة و اهل المروة فلعمرك ان قوما من المؤمنين يرون مساورة الناس و معاشرتهم و تحمل اذاهم و استشمام نتن اعمالهم و اقوالهم و اخلاقهم بمنزلة عمل ذلك الكناس فتلك و ان كانت مستحبة الا انهم لايستبدلون الذي هو ادني بالذي هو خير و يرون الخلوة في مكان نظيف بطهارة سابغة و طيب ذكي و الاشتغال بالفكر و النظر في الآفاق و الانفس و الذكر و مجالسة الله جل و عز و مشاهدة انوار جماله احسن من [ص 406] الجنة باسره فضلا عن الدنيا و يتنزهون عن كنس الدنيا و تنقية بالوعتها نعم هو ثواب لأنوف مسكرة و انفاس منتنة و نفوس غير انفة من رذائل الاعمال و اداني الخصال و ان الله سبحانه لما راي العالم يحتاج الي انواع العمل خلق لكل عمل اهلا و له في كل رتبة امر و نهي فمن امتثل في رتبته امره فيها فقد عبد الله و له ثوابه و اعلم ان الآخرة شبيهة بالدنيا و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و انبار التبن يسوي مبلغا يسوي اضعافه فص ماس و مع ذلك في التبن دنائته و في الفص رفعته و كذلك الثواب فرب ثواب لو اشتغلت به دهرا لميساو عملا آخر في ساعة تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة و زيارة الحسين عليه السلام افضل من سبعين حجة و سبعين عمرة و علي هذه فقس ما سويها فاعتزل من الناس يا اخي الضعيف و دع الملاء لاهلها و انج نفسك من المهالك فلا خير في نافلة اضرت بالفرايض كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام لا قربة في النوافل اذا اضرت بالفرايض و دع من لايعقل الفرايض و شأنه و منها ان العشرة حسنة اذا صلح الزمان و صلح اهله فكانوا ردءا للتدين و اعوانا للتقوي و اخوانا ناصرين لك علي الشياطين و اما اذا صار اهل الزمان اعداء الدين ساعين في اطفاء نور رب العالمين و اعوان الشياطين مانعين للمؤمنين عن الذكر و الفكر و العبادة و الزهد ضالين مضلين عاصين داعين الي العصيان وجب الفرار منهم كما يفر المرء من الاسد و انت لو تدبرت في هذه الازمان لمتجد نفسا واحدة في الف نفس بل الوف تكون غير مانعة عن التقوي و الدين ،
تغيرت البلاد و من عليها و وجه الارض مغبر قبيح
و لنعم ما قال الشاعر :
و اخوان حسبتهم دروعا فكانوها و لكن للاعادي [ص 407]
حسبتهم سهاما صائبات فكانوها و لكن للفؤاد
و قالوا قد صفت منا القلوب فقد صدقوا و لكن عن ودادي
و راجع اشعارا كتبها الصادق عليه السلام للسفيان و نحن لمنجد احدا في هذا الزمان عاشرته ساعة الا مانعا لخير يفوتك بسببه او مزينا شرا في نظرك و لا اقل من ذكر الدنيا و اكاذيب من آداب نفاقية و اغفالك عن الله او غيبة يغتابونها او كذب او بهتان او هزل او تزيين للدنيا او اباطيل تضر و لاتنفع او شبهات في الدين فضلا عن كلمات كفر و زندقة يتداولونها و لايشعرون فما حسن هذه المعاشرات و ان كان مؤمن واحد فيهم بعد واحد يكون معينك في الدين و يذكرك الله رؤيته و يزيد في علمك منطقه و يرغبك في الآخرة عمله فذلك بمنزلة النفس و العين و لا اعتزال عنه و لاينافي عشرته الاعتزال و لا اعتزال عن الحق و اهله و انما الاعتزال عن الشيطان و اتباعه و ذلك اهل للحق و انتما معتزلان و لكن اني و اني تلك نفوس قد مقتوا الدنيا و اهلها و زهدوا فيها و تركوها لاهلها فاتخذوا قفار الارض مأمنا لهم و حصنا حصينا عن جنود ابليس و من شر امثالنا ففي الكافي عن مهزم الاسدي قال قال ابوعبدالله عليه السلام يا مهزم شيعتنا من لايعدو صوته سمعه و لاشحناه يديه و لايمتدح بنا معلنا و لايجالس لنا عائبا و لايخاصم لنا قاليا ان لقي مؤمنا اكرمه و ان لقي جاهلا هجره قلت جعلت فداك فكيف اصنع بهؤلاء المتشيعة فقال فيهم التمييز و فيهم التبديل و فيهم التمحيص تأتي عليهم سنون تفنيهم و طاعون يقتلهم و اختلاف يبددهم شيعتنا من لايهر هرير الكلب و لايطمع طمع الغراب و لايسأل عدونا و ان مات جوعا قلت جعلت فداك فاين اطلب هؤلاء قال في اطراف الارض اولئك الخفيض عيشهم المنتقلة ديارهم ان شهدوا لميعرفوا و ان غابوا لميفتقدوا و من الموت لايجزعون و في القبور يتزاورون ان لجأ [ص 408] اليهم ذو حاجة منهم رحموه لنيختلف قلوبهم و ان اختلف بهم الدار الخبر ، و لنعم ما قال الشاعر :
لله تحت قباب العرش طائفة اخفاهم عن عيون الناس اجلالا
فاولئك فارون منا و من امثالنا فرار المعزي من الاسد و تاركوننا مع الاشرار فاين لك بمؤمنين كذلك روي انه قالت الحواريون يا روح الله من نجالس قال جالسوا من يذكركم الله رؤيته و يزيد في علمكم منطقه و يرغبكم في الآخرة عمله ، و قد نهونا سادتنا صلوات الله عليهم عن معاشرة جماعة اجمع صفاتهم لك من غير ذكر احاديثها لادائها الي الطول في غير محله و هم اللئيم الاحمق و الشرار و الفاجر و الكذاب و العبيد و السفلة و الفاسق و البخيل و قاطع الرحم و الانذال و الاغنياء و النساء بالمحادثة و اهل التهمة و اهل البدع و من لاتنتفع بدينه او دنياه و المجذوم و السكران و عامل التماثيل و اللاعب بالنرد و الشطرنج و الاربعةعشر و الابرص و ولد الزنا و الاعرابي و الشاعر الذي يقذف المحصنات و في رواية الشعراء مطلقا و المتفكهين بسب الامهات و اصحاب الخمر و البربط و الطنبور فهل تري في اهل زمانك احدا يخرج عن هذه الخصال الا واحدا بعد واحد و ان فقد واحد كل ذلك فلايفقد انك لاتنتفع بدينه فاذا من تعاشره و من تساوره من اهل زمانك فاذا العزلة خير في هذا الزمان من العشرة و منها ان الانسان مدني الطبع و لهم حوائج شتي و مطالب مختلفة و خلقوا لاجل ذلك علي طبايع مختلفة ليشتغل كل واحد منهم بشغل و يقوم كل واحد بحاجة و من الحوائج ما يمكن الاتيان به في الملاء و منها ما لايمكن ألاتري ان مطالعة الكتب و الفكر في الدقايق العلمية لايمكن التأتي بها في السوق و تحتاج الي مكان فارغ و اما بيع مال صغير و شراء شيء له فيمكن ذلك في السوق بل لا بد لها [ص 409] من السوق فكذلك يا هذا ان كنت طالبا لتحصيل حقيقة الانسانية و روح الايمان فان ذلك ليس يحصل في الملأ ألمتسمع ان قواها الذكر و الفكر و العلم و الحلم و النباهة و خواصها النزاهة و الحكمة فاني يحصل شيء من ذلك مع عشرة الخلق و تلقي كل قادم و مشايعة كل مسافر و عيادة كل مريض و تشييع كل جنازة و تزاور اخوان المكاشرة و القيام بحوائجهم و الاهتمام بامورهم و الخدمة لهم و امثال ذلك و ان قلت ان هذه الامور مندوب اليها و عبادة و لو كانت مبعدة عن الله لماامر الله بها و ان كانت مقربة فلم تقول الخلوة و العزلة افضل قلت قد ذكرت لك ان الانسان مدني و مختلف الطبع و ينبغي ان يقوم كل واحد منهم بحاجة فامثال هذه الامور لاناس لايقدرون علي تحصيل حقيقة الانسانية او لانسان كامل لايتفاوت له الخلأ و الملأ و لو اشتغل الناس كلهم بتلك الامور فمن يشتغل بكسب المعارف و العلوم و كيف يحصل حقيقة العلم و المعرفة ما لميتق الانسان و ما لميحصل حقيقة الانسانية و العبودية و ما لميتفرغ الانسان للعلم و العمل كيف يقدر عليه فالعزلة مخصوصة باناس خاصين ان تعديتهم لا خير لغيرهم في العزلة و هم قوم اغنياء عن دنيا الناس و دينهم فمن كان محتاجا الي شيء من ذلك لايسعه العزلة و قد مر الاشارة الي الحاجة في الدين في الخبر و من لايحتاج الي الناس في امور دينه و قد حصلها اصولا و فروعا عن علم و معرفة و لايحتاج في معاشه الي احد من اهل الدنيا فالاولي له العزلة و من احتاج و عاشر الناس فقد تعرض للحقوق و يلزمه حقوق فان الامور متلازمة فاذا لزمه حقوق فليؤدها البتة و ليصبر و ليتحمل و عن ابيعبدالله عليه السلام لاتتعرضوا للحقوق فاذا لزمتكم فاصبروا لها و عنه عليه السلام يا بني اياكم و التعرض للحقوق و اصبروا علي النوائب انتهي ، بالجملة من كان مكفيا في دينه و دنياه لايحتاج الي دينهم و دنياهم [ص 410] و اعتزل فقد حرز ثلث دينه و صلح لان يصلح ثلثي دينه الآخرين بحول الله و قوته و يمكنه التفرغ للذكر و التوجه الي المذكور .
فصل - من الشروط العظيمة المراقبة و هي في اللغة المحارسة و المحافظة و ان ينتظر كل واحد من الشخصين الآخر و المراد هنا استشعار الحضور لدي الله جل و عز و ان الله سبحانه يراه و هو حاضر لديه ناظر اليه فالانسان اذا كان مستشعرا ذلك فهو حاضر و يسعه ان يخاطب الله و يكالمه و يناجيه و الا فهو غايب عنه في مشعره و ان لميكن غايبا في الواقع فالانسان اذا داوم علي استشعار حضور الله لديه و نظره اليه و استشعر عظمته و جلاله و كبريائه و سلطانه الغالب و استيلاءه القاهر في نوره و بهائه و جماله و كماله و استحقار نفسه لديه و تلاشيه و اضمحلاله عنده و استشعر حضور نفسه لديه كحضور عبد آبق عاص مخالف امر مولاه متبع هواه مسود الوجه لدي السلطان الكبير العظيم الجليل القاهر الغالب المقتدر اقشعر جلده و وجل قلبه و جري دمعه و خضع لديه و خاف منه و اضطرب و اضمحل و وجب بحيث لايتمالك نفسه و هذه الحالة احسن الحالات و افضل القربات و بديهي ان كل شيء يتقوي بالامداد بمثله ففي الاول يكون ذلك حالة عارضة و ربما تعسر عليك و تحتاج الي تكلف و يضطرب قلبك اضطراب العصفور في يد الصياد و يريد ان يفر و يطير و يأتي لك النفس بخيالات حمر و صفر يشغلك بها كما يأتي الام طفلها بها لدي بكائه لتشغله فاذا داومت علي ذلك و يئس منك النفس سكنت و احسنت التوجه و الاستشعار و صار الامر لك اوضح و ابين ففي الاول يكون قلبك كماء متموج لايتبين فيه الوجه كما هو و تري الشبح في طرايق و اشكال لاتشابهك بوجه فاذا سكن الماء رأيت وجهك فيه و عرفته و لمتنكر منه شيئا و تراه شعرة بشعرة فاذا واظبت علي ذلك و اعتادت النفس حتي تطبعت صار [ص 411] ذلك سجية لها و مقاما بحيث يعسر عليها مفارقتها و لاتقدر علي التوجه الي الغير الا بعسر شديد و يضطرب قلبها كذلك العصفور المصيد ليفر و يطير الي وكره و مأمنه قال الصادق عليه السلام العارف شخصه مع الخلق و قلبه مع الله لو سهي قلبه عن الله طرفة عين لمات شوقا اليه الخبر ، و ما احسن ما قال الشاعر :
صحبوا الدنيا بجسومهم و اليك بانفسهم عرجوا
اولئك هم السابقون المقربون و اولئك اهل الحضور و اصحاب الحبور و الواصلون الي مقام السرور اولئك خلفاؤ الله و خاصته و اولياؤ الله و صفوته و هم اهل المحبة و النظر و السماع و المشار اليهم و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون فهم الواقفون ابدا لديه و الواصلون اليه اي الي حضرته و قربه لا ذاته كما زعمته الصوفية الكفرة و المتمتعون بلقائه الناظرون اليه المشار اليهم بقوله وجوه يومئذ ناضرة الي ربها ناظرة بالجملة هم اهل القرب و ذلك المقام هو مقصود الانام من فعل الاعمال بقصد القربة فهذا هو القربة فلمثل هذا فليعمل العاملون و اليه فليسرع السالكون و اياه فليقصد القاصدون و قد حث آل الله سلام الله عليهم علي هذا المقام فمن ذلك قول رسول الله صلي الله عليه و آله في وصية ابيذر المعروفة قال صلي الله عليه و آله يا اباذر اعبد الله كانك تراه فان كنت لاتراه فانه يراك و في الكافي بسنده عن سليمان بن عمرو قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول ان الله عز و جل لايستجيب دعاء بظهر قلب ساه فاذا دعوت فاقبل بقلبك ثم استيقن بالاجابة و عن ابنالقداح عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين صلوات الله عليه لايقبل الله دعاء قلب لاه و عن سليم الفراء عمن ذكره عن ابيعبدالله عليه السلام قال اذا دعوت فاقبل بقلبك و ظن حاجتك بالباب و عن اسحق بن عمار قال قال ابوعبدالله [ص 412] عليه السلام يا اسحق خف الله كأنك تراه و ان كنت لاتراه فانه يراك و ان كنت تري انه لايراك فقد كفرت و ان كنت تعلم انه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته من اهون الناظرين اليك و عن داود الرقي عن ابيعبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل و لمن خاف مقام ربه جنتان قال من علم ان الله يراه و يسمع ما يقول و يعلم ما يعمل من خير او شر فيحجزه القبيح من الاعمال فذلك الذي خاف مقام ربه و نهي النفس عن الهوي و في ارشاد الديلمي في مناجاة النبي صلي الله عليه و آله يا احمد هل تدري اي عيش اهني و اي حياة ابقي قال اللهم لا قال اما العيش الهنيئ فهو الذي لايفتر صاحبه عن ذكري و لاينسي نعمتي و لايجهل حقي يطلب رضاي ليله و نهاره و اما الحيوة الباقية فهي التي يعمل صاحبها لنفسه حتي تهون عليه الدنيا و تصغر في عينه و تعظم الآخرة عنده و يؤثر هواي علي هواه و يبتغي مرضاتي و يعظم حق عظمتي و يذكر علمي به و يراقبني بالليل و النهار عند كل سيئة او معصية و ينفي قلبه عن كل ما اكره و يبغض الشيطان و وسواسه الخبر ، الي غير ذلك من الاخبار و اعلم ان اعظم اسباب اعتدال الانسان مراقبة الله و لايراقب الله الا من نظر بنور الله اذ غير ذلك النور لايري نور الله و لايشاهد جمال الله و لايحضر حظيرة القدس و دار القرب و كل شيء سواه غايب محجوب عن مشاهدة انوار الله و ينبغي للعبد مراقبة الله في كل حال فيعلم ان الله جليسه و شاهده يعلم احواله و يري افعاله و يسمع اقواله و يطلع علي اسراره لايخفي عليه خافية قال الله سبحانه و ماتكون في شأن و ماتتلو منه من قرآن و لاتعملون من عمل الا كنا عليكم شهودا اذ تفيضون فيه و مايعزب عن ربك من مثقال ذرة في السماوات و لا في الارض و لا اصغر من ذلك و لا اكبر الا في كتاب مبين ، و روي انه كان رسول الله صلي الله عليه و آله اذا قرأ هذه الآية بكي بكاء شديدا و قال الله سبحانه [ص 413] و ماكنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم و لا ابصاركم و لا جلودكم و لكن ظننتم ان الله لايعلم كثيرا مما تعملون فيجب ان يستشعر الانسان دائما معني قوله و هو معكم اينما كنتم و قوله كان الله علي كل شيء رقيبا و قوله أولميكف بربك انه علي كل شيء شهيد روي يعني موجود في غيبتك و حضرتك فيستشعر انه يجلس و يقوم و يتحرك و يسكن و يتكلم و يسكت و يخرج و يدخل في محضره و مرآه فيحجزه ذلك عما يكرهه و يسخطه و ذلك علامة صدق المراقبة و ان المراقبة تورث الحياء و الوقار و ترك اللهو و اللعب و الهجر و سوء القول و المعاصي صغيرة كانت او كبيرة و تعظيم اولياء الله و تبجيل احباء الله و ملازمة الفرايض و السنن و الهيبة و الجلال في اعين الناس و الخوف من الله و الرجاء اليه و الحب له بمشاهدة جماله و كماله و اعلم يا اخي انا كما عودنا انفسنا بمراقبة الدنيا و التوجه اليها حتي صارت القلوب تطير اليها طيران الطير الي وكره و اشتقنا اليه اشتياق الطفل الي امه نضحك اذا اقبلت الينا و نبكي اذا ادبرت يجب ان نعود انفسنا بمراقبة الله و ذكره و طاعته حتي نبلغ منها مقاما و ان جميع الخصال بالعادات و الانسان يخلق علي الفطرة صالحة للخير و الشر فاذا كان كذلك فعودها بالخير تكن من اهله و ان الله سبحانه لميخلق في اصل الخلقة احدا شقيا و الآخر سعيدا و الشقاوة و السعادة اكتسابية ليس للانسان الا ما سعي و ان سعيه سوف يري بالجملة المراقبة رأس كل خير و يأتي تفسيرها علي نهج الحكمة و المعرفة في الذكر القلبي و نحن ذاكرون ظاهرها هنا فالمراقبة من الشروط العظيمة للذكر و العبادة فان لمتكن مراقبة و حضور يكون الاذكار و العبادات كحركات النائم و الساهي و لا عبرة بها و لا انتفاع الا علي ما ذكرنا من كونها بنفسها عادة حسنة و تصير النفس بها سهل القياد اذا اراد العقل منها الطاعة يوما فتنقاد بسرعة من غير كلفة و الا فلا [ص 414] فائدة فيها ازيد من ذلك فاذا اردت الذكر فراقب الله عز و جل و ادخل حظيرة قدسه و قم بين يديه قيام العبد الذليل و توجه اليه توجه الواله المشتاق و احفظ روحك و نفسك و وهمك و خيالك و فكرك و ظاهر بدنك عن جميع ما ينافي الادب و العبودية و اذكر الله جل جلاله بصدق و ايمان و انت في هذه الحالة تقدر ان تخاطبه بانت فانك في حضوره و اما اذا لميؤذن بالدخول في ذلك الحرم فانت غائب و لاتقدر ان تخاطبه بانت مثلا اذا حصل لك الحالة الاولي لك ان تقول لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين و اما اذا لميؤذن لك بذلك فينبغي ان تكتفي بلا اله الا هو او لا اله الا الله فانك غايب عنه محجوب بآمالك و اعمالك و في الدعاء انت لاتحتجب عن خلقك الا ان تحجبهم الآمال و في دعاء الاعمال دونك فلاتخاطب ربك و انت تهيم في بوادي الوساوس و الخيالات و متوجه الي المخلوقات فانه نوع من الاستهزاء و ان كان مطلق الذكر مع التوجه الي الغير عند قوم من الاستهزاء و لكن السلطان لايتوقع من البدوي ما يتوقعه من العاكفين في حرم كبريائه ، محاسن قوم عند قوم مثالب ، حسنات الابرار سيئات المقربين و تدبر في حالة الذكر خلاصة ما اذكره لك فان العلم حجاب غليظ عند العمل و لا بد من ترك تفاصيله و الاخذ بروحه و خلاصته فتذكر في حال الذكر انك نوره سبحانه ألمتسمع اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و النور عكس المنير و شبحه و مثاله و ما لمتنظر انت الي المرآة و تتوجه اليها لايتوجه نورك الذي فيها اليك فان اعرضت عنها اعرض المثال عنك علي حسب اعراضك و ان توجهت اليها توجه اليك علي حسب توجهك فانت لاتقدر ان تذكر الله جل جلاله حتي يذكرك فهو المبتدي بالنعمة و الكرم و الجود مع غنائه عنه فهو ما لميذكر بالرحمة و التوفيق لمتذكره فاخضع لدي رحمته و توفيقه و نظره اليك خضوع [ص 415] العبد الحقير لدي نظر السلطان الكبير اليه فان العبد لايتمالك نفسه حتي يخر علي وجهه ساجدا باكيا مضطربا فتذكر نظره اليك و اخضع لديه و اشكره عليه و اعلم ان له المنة و الرحمة و النعمة و اما اذا رأيت ذكرك دون ذكره فان ذلك يورث لك العجب و المن و الاذي و الدلال و لعلك تثبت لنفسك حقا عليه و تطلب منه اجرا و العبد و ما في يده لمولاه ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لايقدر علي شيء فانت لاتقدر علي حركة و سكون و عمل و خير و طاعة و بر الا بحوله و قوته و في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام من كان ذاكرا لله علي الحقيقة فهو مطيع و من كان غافلا عنه فهو عاص و الطاعة علامة الهداية و المعصية علامة الضلالة و اصلهما من الذكر و الغفلة فاجعل قلبك قبلة للسانك و لاتحركه الا باشارة القلب و موافقة العقل و رضاء الايمان فان الله عالم بسرك و جهرك و كن كالنازع روحه او كالواقف في العرض الاكبر غير شاغل نفسك عما عناك مما كلفك به ربك في امره و نهيه و وعده و وعيده و لاتشغلها بدون ما كلفك و اغسل قلبك بماء الخوف و في نسخة الحزن و اجعله ذاكرا لله من اجل ذكره اياك فانه ذكرك و هو غني عنك فذكره لك اجل و اشهي و اتم من ذكرك له و اسبق و معرفتك بذكره لك تورثك الخضوع و الخشوع و الاستحياء و الانكسار و يتولد من ذلك رؤية كرمه و فضله السابق و تصغر عند ذلك طاعتك و ان كثرت في جنب مننه فتخلص لوجهه و رؤيتك ذكرك له يورثك الرياء و العجب و السفه و الغلظة في خلقه و استكثار الطاعة و نسيان فضله و كرمه و لاتزداد بذلك من الله تعالي الا بعدا و لايستجلب به علي مضي الايام الا وحشة و الذكر ذكران ذكر خالص بموافقة القلب و ذكر صادق بنفي ذكر غيره كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله لانحصي ثناء عليك انت كما اثنيت علي نفسك فرسول الله صلي الله عليه و آله [ص 416] لميجعل لذكر الله تعالي مقدارا عند علمه بحقيقة سابقة ذكر الله عز و جل له من قبل ذكره له فمن دونه اولي فمن اراد ان يذكر الله فليعلم انه ما لميذكر الله العبد بالتوفيق لذكره لايقدر العبد علي ذكره تعالي انتهي ، فذلك صفة المراقبة علي وجه الاجمال و سيأتي تفصيله في الذكر القلبي ان شاء الله .
فصل - اعلم ان الذاكرين مختلفون في اشتراط اذن الاستاذ هل فيه مدخلية ام لا فمنهم من يقول لايحتاج الي ازيد من اذن الرسول صلي الله عليه و آله و الحجج عليهم السلام فانهم اذنوا الرعية عموما و حكمهم علي الواحد حكمهم علي الجماعة فلايحتاج الي اذن استاد و مرشد آخر و منهم من يقول يشترط اذن الاستاد لخصوص الذاكر و الذكر و بغير ذلك قليل الاثر و لنا في ذلك تحقيق و تدقيق و هو انه لا شك ان الاذكار كما قدمنا لها خصوصيات و ليس كل ذكر لكل حاجة البتة كما انه ليس ذكر شديد العقاب يناسب طلب الرحمة و لا ذكر يا عفو يا غفور يناسب دفع العدو و هكذا و من وجوه المناسبة ما هو خفي و منها ما هو جلي فاذا جاء التفاوت في الاذكار عند الحاجات جاء في الاشخاص و الاحوال و الاوقات و الامكنة و من البين ان نسبة شيئين الي شيء واحد لاتكون علي السواء فاذا جاء التفاوت في الكل احتيج الي من يعرف ما يناسب الذكر في اوقاته و احواله و عند حاجاته و ان قلت انهم عليهم السلام شرحوا لكل حاجة ذكرا و دعاء و ما ذكروه و شرحوه موجود في كتب الاصحاب رضوان الله عليهم قلت نعم ان الانسان اذا سمع من استاذ متق متدين ان احد الدعوات المأثورة صحيح الرواية عنده مجرب مؤثر البتة يكون الانسان اشد علما و وثوقا به من رواية رآها في كتاب و لمير المصنف و لمير الراوي و لايعرفهم و لايدري حالهم الا من باب الظنون الاجتهادية و ذلك مما لا شك فيه فبذلك الركون و السكون و الوثوق [ص 417] يصير اشد تأثيرا و اقول ايضا ان كتب الاصحاب و الاحاديث نحو كتب الاطباء فيها شرح الامراض و ادويتها و طريق صنعتها و ليس كل احد يقدر علي معرفة المرض و معرفة دوائه من كتب الاطباء و الا لكان كل من يبلغ ماله قيمة كتاب طبيبا ماهرا بل معرفة المرض و معرفة دوائه امر خطير و لذلك تري لايؤثر للذين لميأخذوا من استاذ اثرا تاما كاملا هذا و من البينات الواضحة البديهية ان رجلا ذا نفس قوية يؤلف حروفا لعقد سم او نهش او لدغ و يؤثر و يأذن لغيره ان يقرأ تلك الحروف و يعقد فيؤثر و بغير اذنه و اجازته لايؤثر فرأينا النفس القوية تؤثر مثل هذا التأثير بل يقول صاحبها للحمي اخرجي و لاترجعي فتخرج و يقول للجراد الواقعة علي بستان اخرجي فتخرج فاذا اذن صاحب نفس هكذا و لاسيما اذا كان عالما عاملا في الطريقة الحقة لرجل في مداومة اسم من اسماء الله لحاجة يكون اشد تأثيرا البتة و ذلك مما لاينكر بل لو قال له من يطمئن به في الجملة حتي مثل الاب للابن و الزوج للزوجة لكان اشد تأثيرا من ان يختار لنفسه البتة و ان قلت هذا من الادلة التي تصلح للنافين فان الائمة اصحاب نفوس قوية و قد امروا الناس بها قلت انهم لميأمروا الآن شخصا واحدا بذكر واحد بل وصل منهم الف ذكر لحاجات شتي و انما الكلام في اختياري احد تلك الاذكار و تمييزي الصالح لي و غير الصالح و لا شك انهم اخبروا عن نفس قوية و جميع ما اخبروا به حق و لكن الكلام في المختار لي منها و ليس ينبغي توكيله الي المريض العليل فان اصابة العليل لقليلة و اشتهر ان رأي العليل عليل و ليس كلها يناسبني البتة كما عرفت و مع ذلك كله لست اقول انه واجب علي معني انه لايجوز الاشتغال بذكر قبل الاستيذان من الاستاد و لست اقول انه لايؤثر مطلقا بل اقول ان اثره قليل ضعيف ما لميأذن من الاستاد البصير الخبير الذي يسكن اليه و لهذا سر خفي [ص 418] عام احب ان اذكره هنا و هو ان الله سبحانه احد لا تعين فيه بشيء من الاشياء دائم لا فناء له و قد خلق مشية هي اشد الاشياء بساطة و قدسا و عموما حتي انها لا تعين لها الا انها هي هي و لذا قلنا انها هي التعين الاول فلاتختص بوجه و لا بشيء و لا بوقت و لا بمكان و لا بحد من الحدود فالفايض منها مثلها في القدس و العموم و عدم التعين و انما التعين و الخصوصيات في القوابل و اوانيها فكل قابلية تستمد منها علي حسب شكلها و لونها و حدها و علي حسبها فيتعين المفاض فيها لها و لاتستمد هي الا ان تتوجه الي المفيض توجها تاما مطمئنة ساكنة كما يتعين ماء البحر في الاناء المربع علي شكل المربع اذا كان الاناء ساكنا جامدا علي التربيع مصورا علي هيئة و اما اذا كان رطبا رجراجا لايتعين بتعين و لايتصور بصورة خاصة و يتشكل كل طرفة عين بشكل ليس يتشكل ما فيه علي هيئة التربيع المعين البتة و لاينعقد عليه فانه في كل آن علي شكل فاذا كان الاناء مضطربا مواجا في الاشكال و الالوان لاضطرب هيئة الماء فيه البتة و لمتتعين فكذلك اواني النفوس اذا توجهت الي المفيض المطلق بحاجتها و رفعتها اليه و جاءت باناء حاجتها امتلأت من بحر فيض الله علي حسب مرادها و تعين ذلك الفيض فيها علي شكلها و اما اذا كانت مضطربة مواجة لميتقدر ماء الفيض فيه بقدر معين و لمتقض له حاجة معينة البتة افهم ما اقول لك من الحكمة فهذا اصل اصيل في جميع الاذكار و الادعية و الاعمال و لذلك نقول يشترط في الاعمال العلم بكونها محبوبة لله سبحانه حتي يؤثر في النفس و في الآخرة فيثاب به الانسان و ان كان ظانا او شاكا فليس يثاب لترجرج النفس فيهما و اضطرابها فقد يتوجه من وجه الي المفيض و قد يتنكس فان امتلأ آنيته من وجه تفرغ من وجه فقد يقول انه لله رضا و قد يقول ليس لله فيه رضا فقد يترقب الرضا من الله و قد يترقب [ص 419] السخط من الله فلاجل ذلك لايثاب ثوابا مستقرا معينا و ان كان ظانا فان الوهم الذي في مقابله ينكسه البتة و لو بعد حين قال الصادق عليه السلام من ظن و شك فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و كذلك الحال في الدعوات و لاجل ذلك روي عن الصادق عليه السلام اذا دعوت فاقبل بقلبك و استيقن بالاجابة و في رواية و ظن حاجتك بالباب فاذا عرفت هذا الاصل فاقول ان الاستاد الذي يطمئن اليه النفس اذا امر بذكر او دعاء يستيقن الانسان انه نافع صحيح مجرب فيتوجه نفسه به الي المفيض جل شأنه و تستفيض علي حسب مراده مطمئنا و ان لميأخذ منه هو دائما متزلزل لايستقر فمرة يرجح في نفسه هذا و مرة يرجح هذا و مرة يراه نافعا من حيث و مرة يراه غير مناسب و مرة يعرضه خطرة في صحته و هكذا يتردد في الريب و لايوفق للمداومة و يبرد و يتركه عن قليل و اما اذا كان مأخوذا عن استاد عالم مجرب فانه يداوم عليه عن سكون و اطمينان فيؤثر بل اقول ان للنفس المطلقة اثرا في نفس اخري غير منكورة فان الانسان اذا قال له رجل آخر افعل كذا هو اشد شوقا اليه من ان يختار ذلك العمل بنفسه و لايعمل الانسان لنفسه ما يعمل لغيره البتة بل قد نجد النفس مؤثرة و ان علمت انها كاذبة في دعواها فان الرجل يمدح الرجل بما يعلم انه كذب محض فيبطر به و يحب المادح به او ينم اليه احد عن احد بما يعلم انه كاذب فيسوء ظنه بالمذموم و تأثير النفوس عجيب و ربما يصف للانسان عجوز شيئا فيطمئن الانسان اليه و يحسن ظنه بها فيستعمله و لو قال احد لك اني جربت هذا الذكر لهذا الامر يحسن ظنك به البتة و يكون سبب مداومتك عليه و ان لميكن ذلك الاحد موثوقا به و ذلك مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه فاذا كان الامر كذلك فنفس الاستاد العالم العامل المتقي الزكي الصدوق المربي العازم [ص 420] علي التربية و المعالجة اشد تأثيرا البتة فلو كان ذلك باذنه و اجازته و تعيينه يصير اشد تأثيرا و تصير اشد مداومة و وثوقا و اطمينانا به البتة و ان سبب تأثير الادعية و الاذكار لمن رووها من المستمعين علي ما رووا هو استماعهم عن الامام و امره اياهم بها و اما اذا رووا تلك الادعية و الاوراد لغيرهم فلاتكاد تؤثر ذلك التأثير كما لايؤثر لك الآن مثل ما اثر لهم و ليس ذلك من شدة اقبالهم و قلة اقبالك بل الناس من حسب التمثال اكفاء و كان السائلون امثالنا و لعله كان يسأل البدوي او الجمال او الحمال او السفان او مثلهم و كان يؤثر بسرعة و الآن ليس كذلك فاشتراط اذن الاستاد في قوة التأثير مما لايجوز الريب فيه و لا شك يعتريه قال الله تعالي فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون بالبينات و الزبر ، و عن ابيالحسن الثالث عليه السلام في حديث اعمدا في دينكما علي كل مسن في حبنا و كل كثير القدم في امرنا فانهم كافوكما و عن علي بن الحسين عليه السلام في حديث و لكن الرجل كل الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لامر الله و قواه مبذولة في رضي الله يري الذل مع الحق اقرب الي عز الابد من العز في الباطل و يعلم ان قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه الي دوام النعيم في دار لاتبيد و لاتنفد و ان كثير ما يلحقه من سرائها ان اتبع هواه يؤديه الي عذاب لا انقطاع له و لايزول فذلكم الرجل نعم الرجل فبه فتمسكوا و بسنته فاقتدوا و الي ربكم به فتوسلوا فانه لاترد له دعوة و لاتخيب له طلبة و عن الصادق عليه السلام في حديث فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و عن ابيجعفر عليه السلام من دان الله بغير سماع عن صادق الزمه الله التيه الي يوم القيمة و عنه عليه السلام في قوله تعالي فلينظر الانسان الي طعامه قال الي العلم الذي يأخذه عمن [ص 421] يأخذه و قال الصادق عليه السلام في حديث اما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا علي هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه الخبر ، و عن النبي صلي الله عليه و آله يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد و قد اوردنا هذه الاخبار لعموم الفاظها و شمولها موضع الحاجة فان الاذكار و الادعية من الدين و لها فقيه عالم و من سواه عوام فيها و عليهم ان يقلدوه و ليس هذا الا من باب ذاك فكما انه لايجوز ان لايكون الانسان فقيها و لا آخذا عن فقيه كذلك هنا يجب ان يكون الانسان اما عالما بطرقها و اما آخذا عن عالم و لايحصل الاطمينان التام بغير ذلك و لايؤثر تأثيرا تاما و ليس فوق العيان بمستوضح و السلام و اما ما ابتدعته الصوفية من الاذكار المخترعة التي ماانزل الله بها من سلطان و وضعوا لها جلسات و رياضات غير مشروعة و طريق اداء لميجر به السنة فذلك كله بدعة لايجوز الاخذ به و لانمنع تأثيره في نفوس الضعفة و لا كل تأثير بمحبوب لله سبحانه و ان رقي الجوكية كلها او اكثرها مؤثرة مع انها من الكفرة و قد نهونا عن قرائتها لما فيها من الاشراك و كذلك هذه الاذكار المبتدعة مع السهر و الجوع و الصمت و غيرها تؤثر لامحة و تورث للنفس انقطاعا لامحة لكن من النفوس من تنقطع الي سجين و منها ما تنقطع الي عليين ففي ارشاد الديلمي في مناجاة النبي صلي الله عليه و آله يا احمد ان العبد اذا جاع بطنه و حفظ لسانه علمته الحكمة و ان كان كافرا تكون حكمته حجة عليه و وبالا و ان كان مؤمنا تكون حكمته له نورا و برهانا و شفاء و رحمة الخبر ، فلايغرنكم حصول بعض الكشف لهم و اتصال بعض الشياطين بهم فان وراء هذا الحجاب شياطين و ملائكة روحانية فمن هتك هذا الحجاب و دخل الباب اتصل به الروحانيون اما [ص 422] شياطين و اما ملئكة و يحصل له بعض ما فوق عادات الجسمانيين و ليس بشيء فان الغرض نجاة النفس عن مهاوي سجين و الاتصال بعليين دار قرب الله جل جلاله و استعتاب الله أليس تدري ان في عالم المثال جنات و جحيم أيكفي الدخول في عالم المثال و ان دخل الجحيم نعوذ بالله فلايغرنكم كلمات الصوفية و حالاتهم و خضوعهم و زهدهم و ذكرهم و رياضاتهم و فكرهم و صمتهم و صومهم فانك لو تعديت في الدنيا من عبدتها لوجدت هذه الخصال في الكل و ان عبدة الدنيا من غثاء الناس و سفلتهم عند جميع الفرق و نعد نحن عند الجميع من حشو العالم و ارذاله و الحمقاء الذين خلقوا لتعميره و من المنهمكين المنغمسين في اقذار الطبايع و المشغولين بعبادة البطن و الفرج و طبخ القاذور و التعادي و التعاوي كالكلاب و السباع و كالبهائم و في جميع الفرق و الملل جماعة رفضوا الدنيا لاجل الآخرة و اشتغلوا بالرياضات و المجاهدات الشاقة طلبا للآخرة و مرادي بالآخرة ما وراء الدنيا من عرصة الارواح سواء كانت من عليين او سجين و قد حكي لي اخ ثقة من اهل الهند انه راي رجلا علق نفسه من شجر مدة من الدهر و قد كتب لالهسوهنلال في كتاب دبستان المذاهب من رياضات الجوكية و خوارق عاداتهم ما يتعجب الجاهل من حبس النفس مدة و القيام علي ارجلهم سنين و امثال ذلك و ان لله تعالي عطايا في الارواح كما له عطايا في الاجسام و كما انه يعطي في الاجسام الكافر و المؤمن من السلطنة و الملك و القوة و القدرة و الخدم و الحشم كذلك يعطي في الارواح و ليس السلطنة دليل الايمان و النجاة و ليس مقصود العقلاء محض رفع التعلق عن الدنيا و ان دخل النار و انما المقصود رفع التعلق عن الدنيا و الانقطاع الي الله سبحانه و التقرب اليه الذي فيه راحة الابد و النجاة في الآخرة و لذلك جاءت الانبياء و هذا هو الفرق بينهم و بين ساير المرتاضين من الفرق و انما رضوا صلوات الله عليهم بنا مؤمنين لان [ص 423] صلاح الدنيا خير من فساد الدنيا و الآخرة و باتباع ناموسهم يصلح معاش الخلق و معادهم ان اتبعوهم و الا فنحن من غثاء الدنيا و زبالاتها بحيث لو القينا الي السناسية و الجوكية ماقبلونا البتة فضلا عن الانبياء و المرسلين و الاولياء المكرمين و ان للآخرة رجالا شعثا غبرا قد رفضوا الدنيا و ما فيها وراء ظهورهم لايلتفتون اليها و الي اهلها كما لايلتفت الانسان المتنزه الي العذرة و يهرب منها و من ديدانها و كل همهم في عبادة ربهم و طاعة مواليهم لايأنسون الا الي امثالهم و لايعرفهم الا مثلهم و اين هم و كم هم اولئك هم الاقلون عددا الاعظمون خطرا آه آه شوقا الي لقائهم و التبرك بتراب اقدامهم و اقتفاء آثارهم و القيام الي خدمتهم قال الله سبحانه و قليل من عبادي الشكور ، و قليل ما هم ، و ان اكثرهم لايعقلون ، و قد روي في الكافي بسنده عن قتيبة الاعشي قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول المؤمنة اعز من المؤمن و المؤمن اعز من الكبريت الاحمر فمن رأي منكم الكبريت الاحمر و عن كامل التمار قال سمعت اباجعفر عليه السلام يقول الناس كلهم بهائم ثلثا الا قليلا من المؤمنين و المؤمن غريب ثلث مرات و عن ابنرياب قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول لابيبصير اما والله لو اني اجد منكم ثلثة مؤمنين يكتمون حديثي مااستحللت ان اكتمهم حديثا و عن سدير الصيرفي قال دخلت علي ابيعبدالله عليه السلام و ذكر حديثه و ظنه كثرة الشيعة ، الي ان قال نظر عليه السلام الي غلام يرعي جداء فقال عليه السلام والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ماوسعني القعود و نزلنا و صلينا فلما فرغنا من الصلوة عطفت الي الجداء فعددتها فاذا هي سبعةعشر و عن سماعة بن مهران قال قال لي عبد صالح يا سماعة امنوا علي فرشهم و اخافوني اما والله لقد كانت الدنيا و ما فيها الا واحد يعبد الله و لو كان معه غيره لاضافه الله عز و جل اليه حيث يقول [ص 424] ان ابرهيم كان امة قانتا لله حنيفا و لميك من المشركين فغبر بذلك ما شاء الله ثم ان الله آنسه باسمعيل و اسحق فصاروا ثلثة اما والله ان المؤمنين لقليل و ان اهل الكفر لكثير أتدري لم ذاك فقلت لاادري جعلت فداك فقال صيروا انسا للمؤمنين يبثون اليهم ما في صدورهم فيستريحون الي ذلك و يسكنون اليه و عن حمران بن اعين قال قلت لابيجعفر عليه السلام جعلت فداك ما اقلنا لو اجتمعنا علي شاة ماافنيناها فقال ألااحدثك باعجب من ذلك المهاجرون و الانصار ذهبوا الا و اشار بيده ثلثة قال حمران قلت جعلت فداك ما حال عمار قال رحم الله عمارا ابااليقظان بايع و قتل شهيدا فقلت في نفسي ما شيء افضل من الشهادة فنظر الي فقال لعلك تري انه مثل الثلثة ايهات ايهات و عن علي بن جعفر قال سمعت اباالحسن عليه السلام يقول ما كل من يقول بولايتنا مؤمنا و لكن جعلوا انسا للمؤمنين ، الي غير ذلك من الاخبار و اما غير هؤلاء الاخيار فخلقوا لسياسة دوابهم و عمارة بلدانهم و خدمة مزارعهم و اموالهم و لايصرفون من الدنيا الا لاجل بقاء انفسهم لخدمة المؤمنين و امثالنا نحن اقل و اذل عند الله من ان يمهد لنا ارضا ذات فجاج و سماء ذات ابراج و يجري شمسا و قمرا و كواكب و يخلق لنا هذه المخلوقات ان لهذه السفينة ربانا و لهذه الدار ديارا هو محل عناية الله المنان و موقع نظر السبحان و قد جعل الله سبحانه لخدمهم نواميس لنظم الملك و جعل لهم علي اعمالهم اجورا فان هم الا اكرة و بئس الاكرة و لايعبدون الله الا لاجل ذلك و لكل منا مقام معلوم يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون اغتروا بمقام الدنيا و اشتغلوا بزخرفها و احمرها و اصفرها و جعلها الشيطان لعبة لصبيانه فقد يخوفهم بها و قد يمنيهم و قد يصفرها و قد يحمرها و قد يصغرها و قد يكبرها و قد يصفيها و قد يكدرها و يزينها ليشغلهم عن نفسهم و عاقبتها و ما خلقت لاجلها الي [ص 425] ان يأتيهم الاجل بغتة و هم غافلون و الله الغني يخلق الفالف مثلها فلايبالي و لايغتم و لايهتم و من كفر فان الله غني عن العالمين آه آه اللهم ارحم وحدتي و كربتي و غربتي و ضعفي و طول سفري و قلة زادي و عجزي عن احتمال سخطك برحمتك يا ارحم الراحمين بالجملة ان اذن الاستاد و اجازته دخيل و لها اثر جليل و بدونها له نفع قليل و قليل و لعلك لاتحتاج بعد الي دليل و الله يهدي من يشاء الي سواء السبيل .
فصل - و من الشروط اللازمة المداومة و السر في ذلك ان الله سبحانه خلق ما خلق من المادة الامكانية التي يستوي فيها جميع الصور و لا اختصاص لها بشيء من الاشياء ثم استخرج منها صورة خاصة و طبعها عليها علي حسب ارادته الظاهرة في صور الفواعل كما ان الطين يستوي فيه جميع الصور و يستخرج منه صورة خاصة علي حسب صورة القالب و كذلك تقدير العزيز العليم و تلك الفواعل في كل عالم محل مشيته و وكر ارادته لاتجري الا علي حسب ارادة الله سبحانه الي ان الفاعل الاول هو بعينه مشيته سبحانه و ليس الكلام في هذا و انما الكلام في ان الصورة تكون ظاهرة علي المادة ما قام الفاعل عليها و ان زال زالت فان الصورة ليست بواجبة تقوم بنفسها و تحتاج في قيامها في الخارج الي مقيم لها و ما يري من حركة الحجر بعد رفع اليد و بقاء اللبنة علي هيئتها بعد رفع القالب فان ذلك كان منهما باسباب عديدة سماوية بعض تلك الاسباب اليد و القالب و امثل لك في اللبنة حتي تقيس عليها الباقي فاعلم انك اذا وضعت الطين في القالب هو ساكن بطبعه فتغمز عليه بيدك فيتحرك و يتعدي موضعه الي ان يصل الي اطراف القالب فيمنعه القالب عن التجاوز و ترفع اليد فلايتحرك بعد و ترفع القالب فيبقي علي ما هو عليه و هذه الصورة فيها محفوظة باسباب علوية ألاتري انه لو سخن الهواء [ص 426] حتي يذوب الارض ذابت اللبنة و ذهبت صورتها و لو زلزل الله الارض حتي تتفتت تتفتت اللبنة و تذهب صورتها و لو احال الله الارض الي الهواء بالاذابة و التبخير لانتشرت هواء و هكذا فاللبنة قائمة علي هذه الهيئة بمقادير الله و كان يدك سبب تحريك زال برفعها و القالب كان مانع التجاوز الذي هو فرع التحريك و لايحتاج اليه بعد زواله بالجملة الصور الامكانية باقية في عالم الفعلية بابقاء الفاعل و قيامه عليها و تزول بزواله فما دام الفاعل علي المادة تصورت علي حسب ارادته و اذا اعرض عنها زالت صورتها فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الانسان في هذه الدنيا بمنزلة الامكان للاكوان الشرعية فانه خلق خلقة يمكن فيه السعادة و الشقاوة و الايمان و الكفر و الخير و الشر و خلق لاستخراج كل واحدة من هذه من قوته اسبابا و عللا و هي ائمة الهدي و ائمة الردي و هو قوله في الاولين و جعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا و في الآخرين و جعلناهم ائمة يهدون الي النار ، و عن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام الدنيا لاتكون الا و فيها امامان بر و فاجر قال الله و جعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا و اما الفاجر فالذي قال الله و جعلناهم ائمة يدعون الي النار فهذان الداعيان علل استخراج ما في الانسان من قوة السعادة و الشقاوة و الايمان و الكفر فهما مشيتان شرعيتان محبوبة و مبغوضة و لهما مثالان واقعان علي ارض امكان قلوب الاناسي ارض الجرز فان توجهت القلوب الي المشية المحبوبة الداعية بامر الله و الي الله و طاوعتها و امتثلت اوامرها الشرعية التي هي اذكر و تفكر و اعلم و احلم و تنبه و صل و صم و امثالها حدث من مثال تلك المشية الملقي في قابلية الانسان و من مطاوعته كون شرعي يسمي بالسعيد و المؤمن و الخير و امثال ذلك و ان توجهت الي المشية المبغوضة الداعية الي الشيطان بامر الشيطان و طاوعتها و امتثلت اوامرها اغفل و اعرض و اجهل و اسفه و اكذب و اغتب [ص 427] و افسق و امثالها حدث من مثالها و من قبول الانسان كون شرعي يسمي بالشقي و الكافر و الشرير و الفاسق و امثال ذلك و هذا الكون موجود باق ما دام الانسان متوجها الي المشية الشرعية مطاوعا لها ممتثلا لها و ان اعرض لمحة بعد الف سنة توجه فيها سقط عن مقامه و فني ذلك الكائن كما روي عن النبي صلي الله عليه و آله لو عصيت لهويت قال الله تعالي لئن اشركت ليحبطن عملك ، و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين فتبين و ظهر ان الواجب علي المؤمن المداومة علي الطاعة و الامتثال و الذكر و المراقبة و انه لو غفل طرفة عين لتأخر بقدر غفلته فمن كان غافلا فهو مول مدبر ما دام غافلا و من كان متوجها ذاكرا فهو مقبل سالك الي ربه فالسالك لا بد له من المداومة في آناء الليل و النهار مطاوعا دائما اوامر الله مجتنبا دائما نواهي الله حتي يكون سالكا الي الله تعالي دائما قال شيخي الاوحد و ملاذي الامجد اعلي الله مقامه في فوائد له ان المقربين قرأوا قوله تعالي قل انظروا ما ذا في السموات و الارض فنظروا فلميخل وجودهم في حال عن وارد بآية من آيات الله و قرأوا قوله تعالي و مايأتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم انباء ما كانوا به يستهزؤن فعرفوا ان من غفل عن مراداته من تلك الآيات فقد اعرض عنها و من اعرض فقد كذب بالحق لما جاءه و من كذب فقد استهزئ بالوحي و استحق وعيد ذلك فشغلهم بما عرفهم من نفسه و صفته و فعله عما سواه في ذلك علي مراتب ذواتهم فظهر من ذلك عصمة الانبياء و الحجج عليهم السلام و ظهر الجواب عما ورد عنهم من نسبة المعصية بان المعصية معصية حقيقية في مقامها و قد تكون طاعة فيما دونها فيعاتبون عليها فيما بينه و بينهم و يثني عليهم بالثناء الخالد فتكون المعصية عند ترقيهم من مقام هم فيه و ما تحته معصومون ابدا الي مقام [ص 428] لميصلوا اليه فاذا اراد الله نقلهم الي الاعلي بانه لهم فظهر لهم التقصير في الاسفل فهم ابدا مقصرون من نحوه تامون من نحوهم و ان شئت قلت بالعكس فافهم و في الدعاء تدلج بين يدي المدلج من خلقك انتهي ، ذكرت الفائدة بطولها لكثرة محصولها و المراد ان الاعراض تكذيب بالحق و استهزاء بالخالق و يوجب البعد من الله و الطرد و هو مناف مع السلوك الي الله سبحانه و قد روي في الكافي بسنده عن زرارة عن ابيجعفر عليه السلام قال قال احب الاعمال الي الله عز و جل ما داوم عليه العبد و ان قل و عنه عليه السلام ما من شيء احب الي الله عز و جل من عمل يداوم عليه و ان قل و عن ابيعبدالله عليه السلام قال كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول اني لاحب ان اداوم علي العمل و ان قل و عنه عليه السلام اني لاحب ان اقدم علي ربي و عملي مستو و عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله افضل الناس من عشق العبادة فعانقها و احبها بقلبه و باشرها بجسده و تفرغ لها فهو لايبالي علي ما اصبح من الدنيا علي عسر ام علي يسر و عن ابيعبدالله عليه السلام قال في التورية مكتوب يا بن آدم تفرغ لعبادتي املأ قلبك غني و لااكلك الي طلبك و علي ان اسد فاقتك و املأ قلبك خوفا مني و الاتفرغ لعبادتي املأ قلبك شغلا بالدنيا ثم لااسد فاقتك و اكلك الي طلبك و عنه عليه السلام ما من شيء الا و له حد ينتهي اليه ، الي ان قال فان الله عز و جل لميرض منه بالقليل و لميجعل له حدا ينتهي اليه ثم تلي يا ايها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا و سبحوه بكرة و اصيلا ، و عنه عليه السلام شيعتنا الذين اذا خلوا ذكروا الله كثيرا و عن رسول الله صلي الله عليه و آله من اكثر ذكر الله احبه الله و في رواية اظله الله في جنته و قد مر الحث علي كثرة الذكر و كفي في فضل الذكر الدائم ان الذاكر دائما يخاطب الله دائما و يرد اليه الجواب دائما من الله و يلبيه و ينعم [ص 429] له و هو دائم الحضور فلو ان حجرا واجه الشمس ساعة سخن فما ظنك بمواجهة قلب المؤمن مع ربه و اعلم ان الذاكر متوجه الي ربه و لميتوجه الي ربه الا بعد ان توجه ربه اليه و من ادام الله التوجه اليه يسعد و يستنير قلبه و يطرد عن قلبه الظلمة و الشيطان و الوساوس و من غفل عن الله لميغفل الا بعد اعراض الله وجهه عنه لما رأي فيه مما يكرهه فمن ادام الله اعراض وجهه عنه لميسعد ابدا و استولي عليه الشيطان و الظلمة و الوساوس و الشقاء البتة و ذلك بديهي ان شاء الله .