فصل - في حسن الظن بالله جل جلاله اعلم ان هذا من المسائل المشكلة لما عرفت سابقا ان رجاء المؤمن بالله ينبغي ان يكون علي قدر خوفه بحيث اذا وزن احدهما بالآخر لميزد عليه فمع ذلك كيف ينبغي ان يحسن الظن بالله اعلم ان الله سبحانه قدوس منزه عن مجانسة مخلوقاته و مبرؤ عن مماثلة مذروءاته فليس جل قدسه محدودا بحد و مقيدا بقيد فليس يضطر الي صفة خاصة و لايتقدر بقدر معين بخلاف ساير مخلوقاته فان جميعها متعين بتعين اطلاقي او تقييدي كلي او جزئي و كل ذي تعين مضطر الي تعينه لايمكنه بعد التعين و صيرورته هو هو ان يتحول عنه و ليس مرادي بالاضطرار امتناع ما سوي تعينه عليه في امكانه الاول بل مرادي انه بعد ما تعين و كان هو اياه لايمكنه التحول عنه مع كونه هو اياه مثلا ان الالف لايمكن ان تكون غير الف و هي الف و ان كان يمكن في المداد ان يكون الفا و باء و جيما و يمكن ان يكسر الالف و ترد الي المداد فلاتكون الفا ثم يصاغ باء او جيما او غيرها و اما بعد كونها الفا مع كونها الفا لايمكن ان تكون غير الف فهي مضطرة ان تكون الفا و لذلك نسب اليه الاضطرار مولانا الصادق عليه السلام في حديثه مع عبدالملك حيث قال أماتري الشمس و القمر و الليل و النهار يلجان فلايشتبهان و يرجعان قد اضطرا [ص 265] ليس لهما مكان الا مكانهما فان كانا يقدران علي ان يذهبا فلم يرجعان و ان كانا غير مضطرين فلم لايصير النهار ليلا و لا الليل نهارا اضطرا والله يا اخا اهل مصر الي دوامهما و الذي اضطرهما احكم منهما و اكبر فقال الزنديق صدقت ثم قال ابوعبدالله عليه السلام يا اخا اهل مصر ان الذي يذهبون اليه و تظنون انه الدهر ان كان الدهر يذهب بهم لم لايردهم و ان كان يردهم لم لايذهب بهم القوم مضطرون يا اخا اهل مصر لم السماء مرفوعة و الارض موضوعة لم لاتسقط السماء علي الارض لم لاتنحدر الارض فوق طباقها و لايتماسكان و لايتماسك من عليها الخبر ، فجميع المخلوقات مضطرون بتعينهم الي ما هم عليه من التعين و القيد و بقبولهم ما هم عليه و باختيارهم الامكاني الاولي و الله جل جلاله غير مقيد بقيد و غير متعين بعين غير محدود بحد غير متناه بنهاية بوجه من الوجوه فلاجل ذلك هو المختار الذي لايشوبه الاضطرار بوجه من الوجوه فاذا ليس يضطر بصفة من الصفات و فعل من الافعال فلايمكن البت عليه بشيء و القطع عليه بحكم و لايجب عليه شيء يفعل ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته فقد روي في الكافي بسنده الي ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام في حديث ان رسول الله صلي الله عليه و آله خرج في جنازة سعد و قد شيعه سبعونالف ملك فرفع رسول الله صلي الله عليه و آله راسه الي السماء ثم قال مثل سعد يضم قال قلت جعلت فداك انا نتحدث انه كان يستخف بالبول فقال معاذ الله انما كان من ذعارة في خلقه علي اهله قال فقالت ام سعد هنيئا لك يا سعد قال فقال رسول الله صلي الله عليه و آله يا ام سعد لاتحتمي علي الله انتهي ، و لما كان الله جل جلاله لايمكن ان يحتم عليه لايمكن ان يقطع عليه علي سبيل البت و اليقين انه يفعل كذا و يقع من مشيته كذا و كذا يقينا فانه جل جلاله ليس بمضطر الي شيء و لا متعين بشيء و لا مقيد فكيف يمكن ان يقطع عليه [ص 266] من حيث قدرته بل لايضطر الي شيء و ان وعد به و اخبر انبياءه و رسله و انزل في كتبه نعم يجب بعض الاشياء في حكمته التي وضعها و له تغيير اصل الحكمة من مبدئها و منشأها فاذا لايحصل القطع بشيء من الاشياء في ملكه ما لميمض و لميقع و له البداء في كل شيء ما لميمض فلايجب وجود معلول مع وجود علة و لا حصول مسبب مع حصول سبب و لا وجود شيء مع وجود المقتضي و رفع المانع و لايحتم شيء من ذلك ايجاد شيء علي الله جل جلاله و له قطع المعلولات عن العلل و المسببات عن الاسباب و المفعولات عن الافعال فان جميع الخلق ابدا واقفة علي باب الاذن منه جل جلاله و ذلك الاذن غير حتم عليه جل جلاله و لايضطر اليه و لايتقيد به ابدا تعالي من هو هكذا و لا هكذا غيره فلاجل ذلك قال الله جل جلاله و رأي المجرمون النار و ظنوا انهم مواقعوها فان قبل الوقوع هو واقف بباب الاذن و ما لميمض هو في عرصة الامكان فاذا وقع وقع الاكوان علي الاعيان و كان ما كان فلاجل ذلك ظنوا انهم مواقعوها من جهة العلامات و الدلايل و ظنهم هذا من غاية اليقين الحاصل لهم بقدرة الله علي ما يشاء كيف يشاء و كون البداء له في جميع الاشياء فظنوا انهم مواقعوها و لميستيقنوا الوقوع و قال وجوه يومئذ باسرة تظن ان يفعل بها فاقرة كلا اذا بلغت التراقي و قيل من راق و ظن انه الفراق و قال و استعينوا بالصبر و الصلوة و انها لكبيرة الا علي الخاشعين الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم و انهم اليه راجعون بالجملة لما كان الله جل جلاله بيده ازمة الامور و لايخرج شيء من تحت قدرته يقدم منها ما يشاء و يؤخر منها ما يشاء و يقلبها كيف يشاء لايمكن في ملكه الاطمينان بوجود معلول عند رؤية العلة و الوثوق بحصول مقتضي عند وجود المقتضي فلاجل ذلك لايمكن لاحد من المؤمنين اليقين بمغفرة الله له و عفو الله [ص 267] عنه ما لميقع و ان توجه اليه و علم ان مقتضي التوجه الي النور الاستنارة اذ لو لميفعل له الامر و الحكم و من الذي يجسر ان يقول لم لمتفعل و لمن يكون عليه حق واجب و اي دعوة تحتم عليه الاجابة و اي عبادة تحتم عليه المغفرة فالمؤمن ابدا علي جناح تزلزل و لايصلحه الا هذا التزلزل و هو الحالة بين الخوف و الرجاء و هو من غاية اقراره بتوحيد ربه و قدسه عن الاضطرار نعم يحصل له ظن بالنجاة اذا سمع ما وعد الله المؤمنين المغفرة و الاولياء النجاة و المذنبين الشفاعة و الداعين الاجابة و المتوجهين الانارة و ان قلت لم لايقطع بوعد ربه قلت لما يشوبه من اعماله السيئة التي يراها مقتضية للهلاك و اوعد الله عليها الهلاك فالذي وعد النجاة وعد الهلاك و الذي جعل مقتضي الطاعة الخلود في الجنة جعل مقتضي العصيان الخلود في النار الا انه يسمع انه سبقت رحمته غضبه و يسمع من الانبياء و الاولياء سعة رحمة الله و يقرأ في الكتاب لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا و يري في نفسه حب الله و حب انبيائه و حب اوليائه عليهم السلام و حب المؤمنين و يري حسن صنيع الله بخلقه و المناسب للمغفرة التي قال فيها هو اهل التقوي و اهل المغفرة و اولويته بالرحمة و اولوية الرحمة بشانه و قوله و يعفو عن كثير فمن النظر في هذه و امثالها يظن ان يغفر الله له و هذا الظن لايزيد رجاءه علي خوفه بل هذا الظن هو من باب الرجاء و انما الظن حصل له مما ابرز الله من نفسه لخلقه و الاسباب التي هيأها في الخلق و الرجاء متعلق به من حيث كماله جل جلاله ألاتري انك من حيث قدرة زيد علي الفعل و الترك ترجو ان يعطيك شيئا و تخاف ان يمنعك فاذا شفع لك عنده عظيم مطاع يحصل لك الظن بالعطاء يعني يحصل لك الظن بوقوع احد شقي ما يقدر عليه علي السواء و ليس هذا الظن متعلقه قدرة زيد فيكون هو علي العطاء اقدر منه علي المنع بل [ص 268] قدرته عليهما علي حد سواء لاتزيد هذه علي هذه و لا هذه علي هذه و انما جاء الظن من قبل الاسباب الخارجية كذلك المؤمن رجاؤه يساوي خوفه و هما يحصلان من اليقين بقدرة الله علي الاخذ و العفو و الزام الله كل مقتض مقتضاه و لكن يحصل الظن بالنجاة من اسباب هيأها في ملكه لنجاة المؤمنين و ابرزها من نفسه و من عمله بهم و هذا الظن من باب ذلك الرجاء بعينه و لذا لميفرقوا سلام الله عليهم بين الرجاء و الظن في اخبارهم ففي الوسائل عن الكليني بسنده عن بريد بن معوية عن ابيجعفر عليه السلام قال وجدنا في كتاب علي عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله قال علي منبره و الذي لا اله الا هو مااعطي مؤمن قط خير الدنيا و الآخرة الا بحسن ظنه بالله و رجاءه له و حسن خلقه و الكف عن اغتياب المؤمنين و الذي لا اله الا هو لايعذب الله مؤمنا بعد التوبة و الاستغفار الا بسوء ظنه بالله و تقصير من رجائه له و سوء خلقه و اغتياب المؤمنين و الذي لا اله الا هو لايحسن ظن عبد مؤمن بالله الا كان الله عند ظن عبده المؤمن لان الله كريم بيده الخير يستحيي ان يكون عبده المؤمن قد احسن به الظن ثم يخلف ظنه و رجاءه فاحسنوا بالله الظن و ارغبوا اليه و بسنده عن سفيان بن عيينة قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول حسن الظن بالله ان لاترجو الا الله و لاتخاف الا ذنبك و عن سنان بن طريف قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول ينبغي للمؤمن ان يخاف الله خوفا كأنه مشرف علي النار و يرجوه رجاء كأنه من اهل الجنة ثم قال ان الله تبارك و تعالي عند ظن عبده به ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا و عن ابنبابويه باسناده في وصية علي عليه السلام لمحمد بن الحنفية قال و لايغلبن عليك سوء الظن بالله عز و جل فانه لنيدع بينك و بين خليلك صلحا و عن عبدالرحمن بن الحجاج عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان آخر عبد يؤمر به الي النار فيلتفت فيقول الله جل جلاله [ص 269] اعجلوه فاذا اتي به قال له عبدي لمالتفت فيقول يا رب ماكان ظني بك هذا فيقول الله جل جلاله عبدي ما كان ظنك بي فيقول يا رب كان ظني بك ان تغفر لي خطيئتي و تدخلني جنتك قال فيقول الله جل جلاله ملئكتي و عزتي و جلالي و آلائي و ارتفاع مكاني ماظن هذا بي ساعة من حيوته خيرا قط و لو ظن بي ساعة من حيوته خيرا ماروعته بالنار اجيزوا له كذبه و ادخلوه الجنة ثم قال ابوعبدالله عليه السلام ماظن عبد بالله خيرا الا كان له عند ظنه و ماظن به سوء الا كان الله عند ظنه به و ذلك قول الله عز و جل و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ارديكم فاصبحتم من الخاسرين ، و عن ابنبابويه بسنده عن محمد بن اسمعيل بن بزيع قال قال لي الرضا عليه السلام احسن الظن بالله فان الله عز و جل يقول انا عند ظن عبدي بي فلايظن بي الا خيرا و في ارشاد الديلمي قال رجل يا رسول الله اني الم بالمعاصي و ارجو العفو مع ذلك فقال يا هذا اتق الله و اعمل بطاعته و ارج مع ذلك القبول فان احسن الناس بالله ظنا و اعظمهم رجاء اعملهم بطاعته و قال اميرالمؤمنين عليه السلام لاصحابه ان استطعتم ان يشتد خوفكم من الله و يحسن ظنكم به فاجمعوا بينهما فانما يكون حسن ظن العبد بربه علي قدر خوفه منه و ان احسن الناس بالله ظنا اشدهم منه خوفا فدعوا الاماني منكم و جدوا و اجتهدوا و ادوا الي الله حقه و الي خلقه فما مع احد براءة من النار و ليس لاحد علي الله حجة و لا بين احد و بين الله قرابة فماضرب الله تعالي مثل آدم في انه عصي باكل حبة الا عبرة لكم و تذكرة انتهي ، و ذلك ان من اسباب حصول الظن الحسن به جل شأنه انه منحك الخوف و انت تخافه اشد الخوف و ترجوه احسن الرجاء و روي ان رسول الله صلي الله عليه و آله مر بقوم يضحكون فقال أتضحكون لو علمتم ما اعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا فنزل جبرئيل و قال يا محمد ربك يقرؤك السلام و يقول [ص 270] لك نبئ عبادي اني انا الغفور الرحيم و عن اميرالمؤمنين عليه السلام الثقة بالله و حسن الظن به حصن لايتحصن به الا كل مؤمن و التوكل عليه نجاة من كل سوء و حرز من كل عدو و اوحي الله تعالي الي داود عليه السلام قل لعبادي لماخلقكم لاربح عليكم و لكن لتربحوا علي و في عدة الداعي قال رسول الله صلي الله عليه و آله ادعوا الله و انتم موقنون بالاجابة و عن سليمان الفراء عمن حدثه عن ابيعبدالله عليه السلام قال اذا دعوت فظن حاجتك بالباب و روي ان الله سبحانه قال لموسي علي نبينا و آله و عليه السلام حين ارسله الي فرعون توعده و اخبره اني الي العفو و المغفرة اسرع مني الي الغضب و العقوبة و روي انه استغاث بموسي حين ادركه الغرق و لميستغث بالله فاوحي الله اليه يا موسي لمتغث فرعون لانك لمتخلقه و لو استغاث بي لاغثته و في الكافي بسنده عن ابيعبيدة الحذاء عن ابيجعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله قال الله تبارك و تعالي لايتكل العاملون لي علي اعمالهم التي يعملونها لثوابي فانهم لو اجتهدوا و اتعبوا انفسهم اعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي و النعيم في جناتي و رفيع الدرجات العلي في جواري و لكن برحمتي فليثقوا و فضلي فليرجوا و الي حسن الظن بي فليطمئنوا فان رحمتي عند ذلك تدركهم و مني يبلغهم رضواني و مغفرتي تلبسهم عفوي فاني انا الله الرحمن الرحيم و بذلك تسميت و في الوسائل عن الطوسي بسنده عن انس قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله لايموتن احدكم حتي يحسن ظنه بالله عز و جل فان حسن الظن بالله ثمن الجنة ، الي غير ذلك من الاخبار و اعلم ان الانسان من حيث نفسه لايستحق من الله الا العذاب الابدي و هو اولي به و لكن الرب جل جلاله قد ظهر باصل كل خير و مبدؤ كل نور [ص 271] و من توجه اليه يستنير بفضله و جوده علي حسب توجهه فالاول اصل الخوف و الثاني اصل الرجاء و هما يقينيان و الذي ينزل الانسان عن اليقين بوقوعهما الي حد الظن انه سبحانه غير مقيد بقيد و غير مضطر بفعل يفعل ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته الا ان الموافق للحكمة التي ابرزها من نفسه ان يجري فعله علي نهج الحكمة و النظم الاكمل علي فهم هذه العقول الموجودة و له تغيير كل ذلك و تغيير العقول حتي تفهم غير ذلك و تري غير ذلك اولي و انسب فقدسه الانزه نزل العقول عن اليقين الي الظن فالنبي و ان كان نبيا يظن ان الله ينجيه و لايقدر ان يستيقن و سمعت قوله تعالي في الكفار و ظنوا انهم مواقعوها فان اليقين حتم و الله جل جلاله لقدسه الاعظم لايحتم عليه بشيء فافهم فالظن بالنجاة من باب الرجاء و كذلك لايمكن الحتم في باب الخوف ايضا ان يجري عليه مقتضيات عمله السيئ و ان كان يعلم قطعا ان مقتضي عمله السيئ الهلاك الابدي و مع ذلك لايقطع بان الله يهلكه و يعذبه ابدا فانه حتم علي الله و الله لايحتم عليه بشيء فمتعلق هذين اليقينين و هذين الظنين اثنان فان القطع فيما امضي و الظن فيما لميمض و الذي امضي ان الله سبحانه جعل العصيان من مقتضيات النيران يقينا و الطاعة من مقتضيات الجنان يقينا و الذي لميمض اجراؤ الله المقتضي بالفتح علي حسب المقتضي فان له المشية يفعل ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته و يخبر عن هذين الامرين ما رواه في كنز الدقايق من معاني الاخبار بسنده عن ابيالسفايح عن ابيعبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل و من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم قال ان جازاه انتهي ، و مثل هذين المقامين ان الله سبحانه جعل البنفسج مسهلا للصفراء يقينا و امضي كونه مقتضيا لذلك و الراوند مسهلا للبلغم يقينا و امضي كونه مقتضيا لذلك و لكن لايجب علي الله سبحانه ان يأذن للبنفسج ان يسهل صفراء من شربه [ص 272] و ان يأذن للراوند ان يسهل بلغم من شربه فانه لايحتم عليه شيء فقد يشربهما الانسان و لايعملان عملا كما امضي ان يكون مقتضي النار الاحراق و لميؤذن لحرقها ابرهيم و انت لاتكون موحدا مقرا بقدسه سبحانه حتي تستيقن انه جل قدسه غير ملتزم بشيء من الاشياء و ان قلت عدم ظهور المقتضي بالفتح من جهة الموانع قلت ان الموانع ايضا من اسباب الاذن و لاتزعم من قولي ان الموانع من اسباب الاذن انه لولا الموانع لاذن حتما بل الواجب ان تعتقد انه لو وجد جميع مقتضيات وجود شيء و عدم جميع موانعه في الملك لايجب علي الله جل جلاله اذنه له بالخروج بالامضاء فان ما في الامكان حين هو في الامكان معدوم و بالقوة و لايخرج الي عرصة الوجود الا بمشية الله سبحانه و هي مهيمنة علي الكل و جاعلة المقتضي مقتضيا موجودا لا من شيء و جاعلة المانع مانعا موجودا لا من شيء فلايحكم عليها ما هي اجرته و لايلزمها ما هي ابدته فلاجل ذلك كل شيء ما لميمض واقف موقف الاذن و ما دام الشيء في عرصة الامكان و لميطأ عرصة الكون محتاج الي الاذن و لو كان جميع الملك الموجود مقتضيا لوجوده و لايكون له مانع ابدا فانه ما لميطأ عرصة الكون واقف علي باب الاذن فان اذن الله له بالخروج خرج و الا فلا و من اسباب عدم جريان المقتضيات بالفتح انه لايكون الشيء شيئا الا بفاعل و قابل فان كان اسباب الفاعلة بكلها موجودة فلايجري اثرها ما لميأذن للقابلة بالقبول بالجملة ان المؤمن و ان علم ان مقتضي الطاعة النجاة قطعا و هو وجه رجائه لايقطع بنجاته و كذا و ان علم ان مقتضي المعصية الهلاك و هو وجه خوفه لايقطع بهلاكه ثم ليس يقف موقف الشك لما يشاهد من رحمة الله بالمذنبين و معاملته مع العاصين و وضعه الشفعاء و استغفارهم للمؤمنين و سبق الرحمة الغضب و بشارته في كتابه بالمغفرة و اخبار النبي [ص 273] صلي الله عليه و آله و عترته الطاهرين شيعتهم بالشفاعة و العفو و امثال ذلك يحسن ظنه بربه و ان الله جل شأنه عند ظن عبده ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا ففي دعاء الاعتقاد المروي عن الكاظم و الرضا عليهما السلام الهي ان ذنوبي و كثرتها قد اخلقت وجهي عندك و حجبتني عن استيهال رحمتك و باعدتني عن استيجاب مغفرتك و لولا تعلقي بآلائك و تمسكي بالرجاء لما وعدت امثالي من المسرفين و اشباهي من الخاطئين بقولك يا عبادي الذين اسرفوا علي انفسهم الآية ، و حذرت القانطين من رحمتك فقلت و من يقنط من رحمة ربه الا الضالون ثم ندبتنا برحمتك الي دعائك فقلت ادعوني استجب لكم الآية ، لكان ذل الاياس علي مشتملا و القنوط من رحمتك بي ملتحقا الهي قد وعدت المحسن ظنه بك ثوابا و اوعدت المسيء ظنه بك عقابا و قد امسك رمقي حسن الظن بك في عتق رقبتي من النار و تغمد زللي و اقالة عثرتي الدعاء ، ثم ان لنا في معني الظن حكمة دقيقة احب ان اذكرها هنا و لا قوة الا بالله العلي العظيم اعلم ان امر الله و مشيته من حيث نفسه مطلق لا تعين له بوجه و لا خصوصية له بشيء دون شيء و انما يتخصص و يتعين في بطون القوابل كما ان حركتك المطلقة لا تعين لها بشيء دون شيء و لكنها اذا ظهرت في بطن قابلية الضرب الامكاني صارت ضرب و احدث الله بها الضرب الكوني الذي هو المصدر التأكيدي و المفعول المطلق في قولك ضربت ضربا و اذا ظهرت في بطن النصر صارت نصر و هكذا في بطن الخياطة صارت خاط و في بطن الكتابة صارت كتب و علي هذه فقس ما سواها و كذلك المشية المطلقة لله جل جلاله ليست تختص بشيء دون شيء و اذا وقع اثرها كان علي صفتها مطلقا غير متعين كما ان الشمس غير متعينة و نورها ايضا غير متعين و السماء غير متعينة و المطر النازل غير متعين و لما وقع في بطن ارض الامكان انصبغ في بطن [ص 274] الخلق فصار خلق و في بطن الرزق فصار رزق و في بطن الحيوة فصار احيي و في بطن الموت فصار امات و هكذا فلا تعين للمشية و اثرها الواقع علي الارض الجرز الذي به التكميل و جميع التعينات في بطون القوابل هذا في التكوين مجملا و قس عليه التشريع و ما امرنا الا واحدة و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فنور الشارع او عكس نوره ساطع لا تعين له بشيء دون شيء و لا بشخص دون شخص و انما يتعين في بطون الممتثلين و المخالفين علي حسب اعمالهم فتكون صورة له و هو مادة لها و منهما الثواب و العقاب كما قدمنا و من الصور القابلة اوهام الخلايق و لهم عبادات تلزمهم في تلك المرتبة من العقايد و العلوم و الخوف و الرجاء و حسن الظن و حسن اليقين و التصورات الحقة و ترك الوساوس و الخطرات و ظن السوء و الشك و الريب و امثال ذلك و امر الله الذي منه الثواب و العقاب كما عرفت واحد و امر الله الكوني في تلك الرتبة واحد لا تعين له بوجه و انما يتعينان علي حسب صورة وهم الانسان ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا و آثار ذلك اوضح من الشمس في رابعة النهار فان الانسان اذا ادام فكر الصحة صح بدنه و اذا ادام ذكر المرض و الخوف منه مرض البتة اذا اكل علي انه يضره يضره او ينفعه ينفعه و الرجل يديم ذكر الشهوة فيهيج دمه بالشهوة و لربما ينزل و يديم ذكر الغضب فيهيج فيه الدم و يري فيه آثار الغضب و ربما يديم رجل فكر كراهة شيء فيكرهه او حب شيء فيحبه و هذا باب من العلم يفتح منه الف باب بل الانصاف انه علم برأسه له فصول و ابواب و مسائله مستورة تحت الحجاب لايجوز ان يرفع عن محياها النقاب بالجملة كلما صور الانسان وهمه و ذهنه بصورة و قابل به الامكان يأخذ منه مادة و تتصور بصورة ذهنه و يحصل شيء يترتب عليها احكامه فان كان تلك الصورة غير مستقرة [ص 275] ثابتة و كانت زايلة و لمتصر بعد ملكة للوهم مستقرة فيه حتي تشغله عن غيرها من غير ارادة كانت ضعيفة التأثير البتة فاذا ثبتت و استقرت و رسخت اثرت تأثيرا كاملا حتي انها ربما تميت في لحظة و تحيي في لحظة و تغير البدن تغييرا اعظم من السم النقيع و اسرع ان استقرت و ثبتت و الا فعلي حسب قوة الاستقرار و عدمها و من الصور حسن الظن بالله جل جلاله و انه يرحمني و يستجيب لي و هو عطوف بي و رحيم بي و هكذا فان الانسان اذا صور نفسه بهذه الصور و قابل بها الي الامكان الشرعي و اخذ منه مادة حصل في النفس موجود حكمه حكم تلك الصور كما اذا حصل قابلية ضرب و قوبل بها الحركة المطلقة حصل بينهما ضرب و اذا حصل ضرب فقد ضرب و حدث الضرب البتة و هو ما يرجا او يخاف افهم ما اقول فان حصل الظن الحسن في النفس فهو قابلية طيبة تأخذ المادة من امكان فضل الله العام و يتولد من بينهما ولد ايجاد الله سبحانه مظنونه متعلقا به و يوجد الله له ما ظن و لذا روي ان الله تبارك و تعالي عند ظن عبده به ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا و قال الله سبحانه و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ارديكم فاصبحتم من الخاسرين و قال و يعذب المنافقين و المنافقات و المشركين و المشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دايرة السوء و غضب الله عليهم و لعنهم و اعد لهم جهنم و ساءت مصيرا و قال و ظننتم ظن السوء و كنتم قوما بورا الحاصل ان الصور الحاصلة في الاوهام منشأ آثار عجيبة و تؤثر في النفس آثارا غريبة و ان كانت الواهمة و مرادي منها المشاعر الباطنة غير مقيدة بالشخص الخاص فلربما تؤثر في الغير ايضا علي حسب احاطته فلربما تؤثر في العالم فبخيال يغير المتخيل اوضاع السماوات و الارض و انما ذلك علي حسب استقرار الصورة و سعة المرآة و اعلم ان الصورة لاتستقر حال الشك و الوهم و انما تستقر و ترسخ [ص 276] عند اليقين فان تعذر فعند الظن الا ان رسوخها في حال الظن قليل اقل من رسوخها في حال اليقين و لذا اعتبر في صحة الاعمال الشرعية و ترتب الحكم عليها حصول ظن الصحة للعامل او اليقين و تصير منشأ تأثير في الدنيا و قبول و ثواب في الجنة و سر ذلك ما اشرنا اليه علي حسب الايجاز خوفا من فرعون و ملائه ان يفتنهم بالجملة ما من الله جل جلاله مطلق و التعين مما من العبد سواء عينها في بدنه ام خياله او نفسه او عقله او فؤاده فاينما حصل القابلية حصل الكون ضعيفا كان او قويا و لاجل ذلك امرنا بادامة العمل و استوائه رجاء ان يحصل الملكة التامة و لايحصل الانطباع التام مع استعمال المزيل و الغفلة عن تلك الهيئة المرادة و اعلم انك لو تصورت بصورة حيوان لصرت حيوانا و الله جعلك كذا بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية و لو تصورت بصورة انسان لصرت انسانا و الله جعلك انسانا يهديهم ربهم بايمانهم اولئك الذين كتب في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه هو الذي انزل السكينة في قلوب المؤمنين و من يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يصعد في السماء فامرك الله جل جلاله بحسن الظن به و حسن الرجاء فيه و التوكل عليه و التفويض اليه بل و توحيده و معرفة رسوله و معرفة اوصيائه و اوليائهم و محبتهم و بغض اعدائهم حتي يجري عليك الاحكام بحسب تلك الصور سيجزيهم وصفهم بقي شيء و هو انه علي ما تقول لم امر الانسان بالخوف من الرحمن قلت لميؤمر الانسان بالخوف المحض بل نهي عنه و هو القنوط الصراح و لايقنط من رحمة ربه الا الضالون و انما امر بحالة بين الخوف و الرجاء و هو حقيقة حالة التوحيد و العبودية المحضة التي كنهها الربوبية و الاثر المترتب علي ذلك كاثر السكنجبين و المرتب علي الرجاء كاثر الدبس و المرتب علي الخوف كاثر الخل مثلا [ص 277] و اني يساوي اثرهما اثر السكنجبين فالذي بين الخوف و الرجاء هو واقف حقيقة في مقام المحبة المهيمنة عليهما و من نزل عنها فاما خائف قانط و اما راج آمن كما سمعت في تقسيم العبادات في الحديث و كلاهما مذمومان فاسع يا حبيبي دائما في حسن الظن بالله جل جلاله و تصور القبول و الرحمة و العطف من الله و التفكر في معروفه اليك و احساناته بك من بدو فطرتك الي حالك و صنايعه عندك و آلائه لديك حتي يتقوي حسن ظنك بانك بمحض دعائك يستجيب لك و بمحض استغفارك يغفر لك و بمحض توبتك يقبل منك و بمحض توجهك يتوجه اليك و بمحض ذكرك يذكرك و بخوفك يؤمنك و برجائك يوصلك و ان تأخر اثر ظنك فلاتيأس و حدث نفسك انه لاجل مصلحة لو اعلمها لكنت بتأخر الاثر اسر حتي يستقر حسن الظن في نفسك فعند ذلك يستحيي الله جل جلاله ان يخالف ظنك فاذا كمل حسن ظنك لايتخلف ارادتك اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشيء كن فيكون و لايرد دعاؤك فان الله عند ظن عبده ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا و نعوذ بالله اذا استولي علي الانسان سوء ظن فانه لايقال له عثرة و لايقبل له توبة و لايرفع له عمل و لايستجاب له دعاء و اعلم ان حسن الظن بنفسه عبادة منجية و ان لميضم به شيء كما سمعت في الحديث فيمن يؤمر به الي النار ثم يرد بكذبه في حسن الظن و ان ضم اليه شيء من الصالحات فبخ بخ فذلك الناجي المقبول العمل المغفور الزلل و اعلم مجملا انه لايهلك هالك الا بسوء ظنه بربه و لاينجو ناج الا بحسن ظنه بربه كما عرفت سر حكمته و الاعمال الصالحة هي الظنون الحسنة الجسمانية كما ان الظن الوهمي هو العمل الصالح الوهمي و الشيطان اذا جملة سعيه في اساءة ظنك بربك فجاهده و عالج نفسك و منها بحسن الظن و حدثها به حتي تطمئن [ص 278] و اي علاج اقرب لها من قول نفس صاحب الامر و خلفائه عنه ان ظنوا بي خيرا فاني ارحمكم و اغفر لكم ذنوبكم و استر عليكم عيوبكم و اقيل عثرتكم و اقبل توبتكم و يحذركم من سوء الظن به و يوعد عليه العقاب .
فصل - هنا مسئلة مشكلة احب الاشارة اليها و هي ان الله سبحانه غني مطلق لا حاجة به الي شيء و احد حق لا اقتضاء في ذاته لشيء و مقتضي هذين الاصلين ان يكون جميع الاقتضاء للخلق سواء كان للرحمة او النقمة فاذا كان جميع الاقتضاء من الخلق كان جميع الرحمة او النقمة من باب العدل فما معني الفضل و ما معني ابتدائه بالنعم و كيف يحصل الرجاء لمخلوق لايري لنفسه طاعة و يري نفسه مستحقة لجميع انواع العذاب كما مر في دعاء السجاد عليه السلام و يظهر من ساير دعواتهم صلوات الله عليهم و كيف يحصل للعبد حسن الظن بربه و هذه من المسائل الصعبة فاقول و لا قوة الا بالله العلي العظيم اعلم ان الله سبحانه لا شك في احديته و غنائه المطلق و كيف لايكون احدا غنيا من يكون جميع ما سواه ممتنعا معه ابدا ازلا و لا شك انه لايحدث فيه مقتض للخلق و لا حاجة له الي عطاء او منع و لايبرز منه شيء و لايحدث فيه و لا منه حركة و لا ميل و لا شهوة للخلق و هذا اذا ما نظرت اليه فهو في هذا النظر هو هو لا شيء سواه و هو قوله عليه السلام كان الله و لميكن معه شيء و مرادي من قولي معه في قولي يكون جميع ما سواه ممتنعا معه ليس قيدا للممتنع فان الممتنع المقيد ممكن بل ما سواه ممتنع محض مطلق ألاتري ان البياض من حيث انه بياض يمتنع ان يكون سوادا و البياض شيء ممكن و السواد شيء ممكن و ليس كذلك ما سوي الاحد فانه ممتنع محض و لا شيء سوي الاحد بوجه من الوجوه و حيث من الحيوث فليس له ظهور و تمثل و جلوة ابدا ابدا علي معني [ص 279] الامتناع المحض و هنا عرصة اخري تسمي بعرصة التجلي و ليست سوي الاحد و لا عينه و لا معه و لا دونه كما ان العدد عرصة ليست سوي الاحد و لا عينه و لا معه و لا دونه و ليست من الاحد بتبعض و لا عنه بتجز لاتنتهي اليه عودا كما لمتنشأ منه بدءا و ليست بمنسوبة اليه و لا بمحمولة عليه و لا بمذكورة معه بل هي هو كونا و عينا و وجودا و ليست هي هو كلا و لا جمعا و لا احاطة فالحيثان للعدد و الغيور اياه تحد و لايميز بها عنه الاحد و لميوجد هذا التجلي بعد عدم و لايطلق مع ذلك عليه القدم لانطوائه تحت الاحد و لما يجري عليه من العدد و لايقال ان هذا ظهور الاحد اذ لا شيء سوي الاحد يضاف اليه و لكن لهذا التجلي حيثان حيث ايس له و هو ليسه و هو حيث هو هو و هو عرصة الميم و التجلي و حيث ليس له و فناء و هو ايسه و عدمه و هو عرصة الحاء و اليهما الاشارة بقوله حم و الكتاب المبين و هو عرصة المتجلي فيضاف احد الحيثين الي الآخر ، و كل الي كل مضاف و منسوب ، و هو بحيثيه سوي الاحد الحق و غيريته تحديده و لكن حيث ليسه ايس احدية ظاهرة في العدد و يضاف اليه و يحد فهذا الحيث هو مضاف اليه الكل و الذات المنسوب اليها الجل و القل و هو عند كشف السبحات غاية الغايات و نهاية النهايات و منتهي التعبيرات المنقطع لديه الاشارات المغيب للصفات كائنة ما كانت بالغة ما بلغت و حيث ايسه الذي هو ليسه هو عرصة الجود و عالم الوجود الكائن المخترع لا من شيء المبتدع لا علي احتذاء شيء و هو عرصة الامكان و اول خزانة الاكوان و الاعيان و المشية المخلوقة بنفسها و الارادة القائمة بذاتها و هو عالم السرمد الموجود في رتبته ابد الابد و الازلية الاولية و القدمة الاضافية و ليس لاحد من الكائنات به التمييز بين هذين الحيثين و الفصل بين المقامين بل احدهما [ص 280] عين الآخر في كل مشعر و بها اوجد الله الاكوان و بها اقام الله الاعيان و نسبتها الي ما دونها نسبة الاحد الي الاعداد بل هذا هو الاحد المضاف المراد عند ذكر الاعداد لدي اولي السداد و هذا الوجود الاقدس هو مبدؤ المبادي و غاية الغايات و من ظله تحقق جميع المذروءات فلما تجلي هذا الوجود تحقق بتجليه الغياب و الشهود و تحقق لكل منها به ماهية و وجود و جميع الموجودات تمثله في عرصة الحدود فالوجودات تمثل ايسه و الماهيات تجلي ليسه و كلتاهما من فضله و جوده احدثها لا من شيء و صورها لا علي شيء فهو المبتدي بالنعمة و البادي بالرحمة جودا و كرما اذ اوجد ما كان عدما و لاينافي ذلك غناءه المطلق و احديته الحق اذ ذلك فضل غنائه و تمثل احديته بلا كيف و لا اشارة و انما الفضل و الجود من طباع هذا الوجود و لعدم تناهيه بالغياب و الشهود فاول ما احدث من فضله و جوده ارض الامكان بسماء الاحسان فادار تلك السماوات علي تلك الارض و طرح انوارها عليها و القي في هويتها مثالها و احدث منهما الاكوان القائمة في الاعيان فحدث لها وجود هو من فيض تلك السموات و ماهية هي من قابلية تلك الاسطقصات و الزمهما مقتضياتهما علي ما شرحنا و قدمنا في الفصول السابقة فان قلنا ان كل نعمه ابتداء و كل احسانه تفضل فعلي معني انه هو موجد جميع الوجودات و الماهيات لا من شيء من غير قابلية سابقة سائلة و لا استعداد سائل منه فلمتكن الا من محض جوده و كرمه جل جلاله و عز افضاله اذ هي بنفسها جوده و افضاله و ان قلنا انه يعذب من يعذب بعدله و ينعم علي من ينعم بفضله فنريد به ان المثال الملقي من سموات افضاله ليس من طباع ارض القوابل و لا منها و لا اليها و انما هو من سماء جوده و فضله فان السموات كما حققناه في محله ايدي مشيته و اكمام ارادته مضمحلة لديها [ص 281] شافة عنها و لاتنسب الا اليها فما صدر عن المولود من جهته المثالية من خير فهو من الله و الي الله ما اصابك من حسنة فمن الله و ما صدر عنه من جهته النفسية فهو منه و اليه فما عامله الله بمقتضي حسناته فهو من فضله و ما عامله بمقتضي سيئاته فهو بعدله كما حققناه فيما سبق فهما بمنزلة النور الظاهر علي الجدار و الظل الظاهر عنه حرفا بحرف فما اصابه من نور و مقتضاه فمن الشمس و هي اولي به و ان كان ظهوره بالجدار و ما اصابه من ظل و مقتضاه فمن نفس الجدار و هو اولي به و ان كان ظهوره بالشمس و قد عرفت ان ذلك في عرصة التشريع و اما في الكون فقل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا و علي وجه آخر ان عرصة العدل هي عرصة الشرع لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت و عرصة الفضل هي عرصة الكون و كل احد يجد في نفسه ان الله سبحانه تفضل عليه في ذاته و صفاته و اعماله و اقواله و مضافاته من اهله و ولده و ماله و عزه و شرفه و صحته و علمه و قوته و غير ذلك من المحاسن و المكارم و النعم ما لميكسبه بعمله و لايستحقه بحسن طاعاته فما وصل الي زيد بعد كونه زيدا من نعمة و لميكسبه و لميستحقه بصنعه فهو من فضل الله عليه و ان كان ذلك بقابلية كونية منه او من جملة العالم الا انه لميكسبه بيده و لميتعب لاجله فهو من فضل الله و ان الله سبحانه جواد كريم قد وضع العالم بحيث يرجو الانسان منه اتمام الاكرام و يظن به احسان الختام كما هو في جبلة الانسان بالنسبة الي من يديم الاكرام اليه بلا مسألة فافهم و علي وجه آخر ان العباد علي صنفين اهل عدل و اهل فضل اما اهل العدل فهم الذين لميتمسكوا بجميع عري الايمان عن جهل فيعاملهم الله بعدله يوم القيمة و فيهم قوله تعالي لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت و هؤلاء يحاسبون علي اعمالهم [ص 282] فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره و اما اهل الفضل فهم المتمسكون بجميع عري الايمان التي حتم الله علي نفسه و وعد ان ينجي من تمسك بها و يغفر له من غير استثناء فقال لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا و قال فيومئذ لايسئل عن ذنبه انس و لا جان فاولئك الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا عسي الله ان يتوب عليهم و هم محبوا علي عليه السلام الذين هم احباؤ الله و ان الله سبحانه لايسيء الي احبائه و لايسويهم بمن عاداه البتة و يعفو عن سيئاتهم و يصفح عن زلاتهم و يغفر لهم و هم اهل المغفرة و الجود و الصفح و العفو لحبهم لله و تالله لايجتمع حب الله و رسوله و اوليائه مع دخول النار و لااخبرنا بفضله عنه و لا هكذا الظن به فهذا هو بضاعة الانبياء و المرسلين و الاوصياء و الاولياء المكرمين علي ذلك يعتمد الكل و به يحسن ظن الكل و لعمري هو السبب الاعظم و الصراط الاقوم و الحبل الامتن من تمسك به امن الاخطار في الدنيا و الآخرة و قد بلغ ذلك حد التواتر في اخبار آلمحمد عليهم السلام ان محبهم ناج و لهم الشفاعة فيهم و يشهد بها صحيح الاعتبار و قد اشتبه علي كثير الذنب و العصيان و ذلك ان الشيعة محبوا آلمحمد عليهم السلام و مؤمنون بهم و هي بعينها هي حب الله و الايمان به فهم مؤمنون بالله مسلمون له منقادون فان صدر عنهم خلاف فانما هو ذنب و خطيئة و سيئة و ليسوا بعصاة و لا ببغاة و لا عداة كيف و هم ساخطون علي انفسهم بصدور ذلك عنهم نادمون علي ما فرطوا فهم من المنسوبين الي الله خدام له عبيد فهفواتهم و خطاياهم ذنوب تغفر و لهم ان الله يغفر الذنوب جميعا و اما اعداؤهم فهم الطغاة البغاة العداة العصاة و هم مأخوذون بكلها محاسبون عليها معذبون و هم جميع عصيانهم كفر و معصية و اصل الحب من الفضل حيث خلقك اذ لمتكن [ص 283] خلقة احببت آلمحمد عليهم السلام قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .
فصل - و لما اتينا علي ما قدر الله من بيان معني الخوف و الرجا و شرح ما عسي ان يكون معضلا في معناهما احببنا ان نختم هذا المقصد بشرح احوال الحب الذي هو اصلهما و قطبهما الذي عليه يدور رحاهما اعلم ان المحبة هي ميل النفس الي المحبوب و سببه المجانسة او المماثلة او المشاكلة و ذلك انهما اذا كانا مجانسين او مماثلين او مشاكلين اقتضيا حيزا واحدا و رتبة واحدة و جهة واحدة فيقتضيان الاجتماع و الاقتران و هو ميل كل واحد الي الآخر هذا و كل شيء يتقوي من جنسه و يتضعف من ضده فيميل كل شيء الي ما يقويه و ينفر عما يضعفه اذ بالاول يحفظ وجوده و يستمد منه و بالثاني ينقص وجوده و يقارب الفساد و العدم و لذا يكون ميل الاضعف الي الاقوي اكثر من ميل الاقوي الي الاضعف و يشتد الميل باشتداد المشابهة و يضعف بضعفها فكلما يرق ما به التمايز و يقوي ما به الاشتراك يزداد الحب و كلما يعكس ينقص فميل المجانس الي المجانس اقوي من ميل المماثل الي المماثل و ميل المماثل الي المماثل اقوي من ميل المشاكل الي المشاكل فان الصور في الشخص اغلظ منها في النوع و هي في النوع اغلظ منها في الجنس و الجنسان او النوعان او الشخصان المتقاربان اقوي حبا من المتباعدين و المتمايز بالصورة اقل حبا من المتمايز بالمعني لان المعني ارق و حكم الوحدة في المعاني اقوي من حكمها في الصورة و المتمايز بالحقيقة اكثر حبا من المتمايز بالمعني فان الوحدة هنالك اغلب ألاتري ان اولي الافئدة اقل تنافرا من اولي الالباب و اولوا الالباب اقل تنافرا من العلماء و العلماء اقل تنافرا من ساير المؤمنين و المؤمنون اقل تنافرا من ساير الناس و هكذا ينزل [ص 284] الامر الي الجمادات فهي اكثر الموجودات تنافرا و اقلها ميلا و انما ذلك علي حسب مراتب ظهور الوحدة و خفائها و غلبتها و ضعفها فاشد الموجودات محبة الخلق الاول صلوات الله عليهم فلايوازي حب بعضهم بعضا حب احد احدا لكمال المجانسة التي فيهم و كمال غلبة الوحدة عليهم حتي انهم خلقوا من نور واحد و طينة واحدة و روح واحدة ذرية بعضها من بعض و اشد الناس لهم حبا بعدهم شيعتهم المتبعون لهم فانهم خلقوا من فاضل طينتهم و عجنوا بماء ولايتهم من تبعني فانه مني فهم منهم صلوات الله عليهم سلمان منا اهل البيت انتم من آلمحمد و في الدعاء اللهم ان شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا و عجنوا بماء ولايتنا و في الخبر رواه في غاية المرام و امالي الطوسي شيعتنا جزء منا يسوؤهم ما يسوؤنا و يسرهم ما يسرنا الخبر ، و كلما يزداد شيعتهم شبها بهم و يقل التنافر و التمايز يشتد الحب بينهم و كذلك حب الشيعة بعضهم لبعض و لما كان محمد و آلمحمد عليهم السلام اول صادر عن المشية و كانوا اشبه الاشياء بالمشية التي هي صفة الله و سمته كانوا هم اشد الخلق حبا لله جل و عز حتي سمي محمد صلي الله عليه و آله بالحبيب و في الدعاء لا حبيب الا هو و اهله و اشد المؤمنين شبها بهم اشدهم شبها بمشية الله و صفته فهم اشد الخلق حبا لله جل و عز ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله بل لمحمد و آلمحمد عليهم السلام مقام اعلي من ذلك و هو مقام المعاني و كونهم صلوات الله عليهم معاني اسماء الله و صفاته و ظواهرها اي الظاهر بها قال عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده و بلغ بهم المجانسة مقام نحن و الله الاسماء الحسني التي لايقبل الله من العباد الا بمعرفتنا و مقام لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك و مقام لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن هو [ص 285] فهم في هذه المقامات راقون مرقي المحبة حجاب بين المحب و المحبوب فهتكوا الحجاب و رفع لهم النقاب ففنوا في جمال المحبوب حتي لميبق لانفسهم اثر معه فصار محبتهم محبة الله و ولايتهم ولاية الله في الزيارة من والاكم فقد والي الله و من احبكم فقد احب الله و من ابغضكم فقد ابغض الله و من اعتصم بكم فقد اعتصم بالله و في اخري من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و في الخبر بنا عرف الله و لولانا ماعرف الله و بنا عبد الله و لولانا ماعبد الله و ذلك لكمال المجانسة و الاتحاد مع صفة الله و ظهوره و اما الذات الاحدية القديمة فلايجانسها شيء و لايماثلها حادث و لايشاكلها مخلوق ليس كمثله شيء و هو السميع البصير و في الدعاء تنزه عن مجانسة مخلوقاته ، و انما التجانس في المتجانسين اينما كان في الصفة لا الذات و هم صفة الله جل جلاله فمحبتهم لله جل و عز و محبة الله لهم فوق ادراك جميع الخلائق حتي الانبياء و المرسلين و الملئكة المقربين و المؤمنين الممتحنين فليس حق المحبة الا محبة الله لهم و محبتهم لله جل و عز .
فصل - اذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان المحبة لها اصل و فرع اما اصلها فهو المعرفة كما قال الصادق عليه السلام الحب فرع المعرفة و اما فرعها فايثار المحبوب علي ما سواه كما قال عليه السلام و دليل المحبة ايثار المحبوب علي ما سواه اما كون اصلها المعرفة فان الله سبحانه خلق الانسان في الخلق الاول مثلث الكيان له صورة و هي نفسه و معني و هو عقله و حقيقة و هي فؤاده و كلها شاعرة دراكة فبالنفس يميز الانسان الصور الممتازة و يسمي هذا الادراك بالعلم فانه حضور صورة المعلوم عند العالم سواء كانت صورته المتصلة او المنفصلة و ضد هذا العلم الجهل و هو عدم حضور المعلوم عند العالم و بالعقل يميز المعاني الكلية و يسمي هذا الادراك باليقين فانه الجزم [ص 286] بمطابقة الواقع بخلاف العلم فانه ادراك ما لديه و ليست النفس تحيط بما لديها و بالواقع حتي تعلم النسبة بينهما و مثال ذلك الصورة الحاصلة في باصرتك فانها تدرك تلك الصورة انها هي هي و ليس من شأن الباصرة ادراك ان هذه الصورة مطابقة للواقع ام مخالفة و عرضها مغير من الوسائط او من نفسها ام لا و انما تحتاج في ادراك ذلك الي مشعر اعلي محيط بتلك الصورة و بالخارج حتي يوازنهما و يعلم الموافقة و المخالفة و هذه احد شؤن النفوس و كذلك ساير ادراكاتها فلها و منها ادراك ما حضر لديها و هو العلم الاصطلاحي و اما العقل فهو جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عالم بالشيء قبل كونه كما عرفت في اول الكتاب من حديث اميرالمؤمنين (ع) و هذا هو الفرق بين الانسان و الحيوان فان الحيوان لايدرك الا ما انطبع في حواسه الخمس و اما مبدأه و منتهاه و موافقته و مخالفته مع الخارج فلا و انما ذلك حظ العقل المحيط فالعقل يدرك المعاني التي هي فوق الحدود الصورية الجارية في جميع الحدود بافرادها و انواعها و اجناسها فيعلم الموافقة مع الخارج و المخالفة فشأنه اليقين و ضده الشك بالمعني الاعم اذا عمي بسبب الركون الي النفس و تخصص و لميقدر علي الاحاطة و هذا العقل ليس يصل الي الحقيقة و لكنه يصل الي الكلية و هي مميزة معنوية و هي اشبه الاشياء بالحقيقة و اما الفؤاد فهو نور حقيقي عري عن الصورية و المعنوية و الكلية و الجزئية فهو يشاهد الاشياء بمشاهدة نفسه اي بكونه هو هو و الشيء لايخفي عن نفسه فان علم شيئا انه غير نفسه فبالعقل ان كان ميزه بالمعنوية و بالنفس ان كان ميزه بالصورية و ذلك انهما آلتان له يدرك بهما ما يجانسهما و اما بنفسه في نفسه فلايدرك الا ما يتحد معه فلايجد شيئا غير نفسه و يعبر عن ادراكه بالمعرفة و هذه لايضادها الا الانكار و الجحود فانه ليس يمكن ان لايكون الشيء مدرك نفسه ففي الحقيقة لا ضد لها [ص 287] الا ان ينكر صاحبه و يجحد عنادا و لجاجا كما قال سبحانه يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و العقل و النفس شأنهما الاستدلال اما النفس فشأنها الاستدلال الصوري و اما العقل فشأنها الاستدلال المعنوي و اما الفؤاد فليس له استدلال و انما شأنه الوصول و المعاينة و لاجل ان طبقات الناس كانت علي وفق هذه المراتب اي منهم اصحاب مشاعر نفسانية صورية و هم العلماء و منهم اصحاب مشعر عقلاني و هم اولوا الالباب و منهم اصحاب مشعر فؤادي و هم العرفاء الحكماء امر الله تعالي نبيه ان يكلمهم علي قدر عقولهم و مشاعرهم و يدعوهم بما يدركون و ينتفعون به فقال ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن فالمجادلة للعلماء و الموعظة للعقلاء و الحكمة للحكماء و وبخ قوما لايجرون علي حسب الفطرة و لايتمسكون باحدي هذه الدعوات فقال و من الناس من يجادل في الله بغير علم و لا هدي و لا كتاب منير فالكتاب المنير للحكماء و الهدي للعقلاء و العلم للعلماء و لما كان الفؤاد حيث اثرية الشيء للمشية و وجوده و النفس حيث نفسه و العقل هو البرزخ كان الفؤاد متحدا مع صفة مشية الله و النفس مخالفة لها و العقل بين بين فالعقل المرتفع له مشابهة ما و المنخفض له تمايز ما يعني له موافقة و امتياز لازم للموافق فالنفس مستوحشة خائفة لما تجد في نفسها من منافرة و مخالفة للوحدة و القدس و العقل راج للنجاة من حيث اسفله و حسن الظن من حيث اعلاه و اما الفؤاد فهو غريق لجة المحبة لايجد شيئا غير المحبوب لايجد نفسا منافرة فيخاف و لا عقلا موافقا فيرجو فان الموافق فيه اثنينية الا انه موافق كبياض و بياض و سواد و سواد فهما متحدان جنسا و نوعا مختلفان في المميزات فيرجو اللحوق فالثلثة علي حذو قوله عليه السلام ساع سريع نجي و لاحق بطيء رجا و متأخر في النار هوي فالفؤاد هو الساع السريع الناجي [ص 288] و من السابقين و العقل هو البطيئ الراجي و من اصحاب اليمين و النفس هي المتأخرة الهالكة و اصحاب الشمال فبذلك اختص الخوف باصحاب النفوس و العلم و الرجاء باصحاب العقول و اليقين و الحب باصحاب الافئدة و المعرفة فمن عرف حب و من حب آثر المحبوب علي ما سواه فمن آثر غيره فقد اعرض عنه و من اعرض عنه فقد نافره و باعد عنه و من باعده و نافر عنه فله حيز غير حيزه و من له حيز غير حيزه سالك الي حيزه و كل حيز غير حيز النور ظلمة و غير حيز الخير شر و غير حيز الكمال نقص و الساير الي الظلمة و الشر و النقص مشرك بالله العظيم هاو في دركات الجحيم فاولي الافئدة لو غفلوا طرفة عين يجرون علي انفسهم قوله تعالي و من يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا و قوله من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيمة اعمي قال رب لم حشرتني اعمي و قد كنت بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها فكذلك اليوم تنسي و ذلك ان نسيان العبد ربه هو نسيان الرب عبده بل انهم لو اعرضوا عن آية من آياته التي اريهم في الآفاق و في الانفس يرون انفسهم من الهالكين لقوله تعالي و من اظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم اعرض عنها انا من المجرمين منتقمون و ان الشرك لظلم عظيم فاذ لميكن اظلم من المعرض عن الآيات فظلمه اعظم ظلم و الظلم العظيم هو الشرك بالله العظيم و ان الله لايغفر ان يشرك به انظر الي عظم خطر المحبين و صعوبة امرهم فخطر المخلصين خطر عظيم و تكليفهم اصعب التكاليف و لايقدرون علي ادائه الا بتوفيق الله جل جلاله و اما الراجون و الخائفون فهم علي جناح لايكلف الله نفسا الا وسعها و ما آتيها معاذ الله ان ناخذ الا من وجدنا متاعنا عنده فذلك وجه اضطراب المحبين و استجارتهم برب العالمين و تضرعهم و اعتذارهم الي مالك يوم الدين و ببكائهم الدائم و خوفهم اللازم [ص 289] و استغفارهم المستمر يجبرون كسرهم قال الحسين عليه السلام في دعائه غير ضنين بنفسي فيما يرضيك عني اذ به قد رضيتني ، قال شيخنا الاوحد اعلي الله مقامه في الفوائد الكشفية ان المقربين قرأوا قوله تعالي قل انظروا ماذا في السماوات و الارض فنظروا فلميخل وجودهم في حال عن وارد بآية من آيات الله و قرأوا قوله تعالي و مايأتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم انباء ما كانوا به يستهزؤن فعرفوا ان من غفل عن مراداته من تلك الآيات فقد اعرض عنها و من اعرض فقد كذب بالحق لما جاءه و من كذب فقد استهزء بالوحي و استحق وعيد ذلك فشغلهم بما عرفهم من نفسه و صفته و فعله عما سواه و هم في ذلك علي مراتب ذواتهم فظهر من ذلك عصمة الانبياء و الحجج عليهم السلام و ظهر الجواب عما ورد عنهم من نسبة المعصية اليهم بان المعصية معصية حقيقة في مقامها و قد تكون طاعة فيما دونها فيعاتبون عليها فيما بينه و بينهم و يثني عليهم بالثناء الخالد فيكون المعصية عند ترقيهم من مقام هم فيه و ما تحته معصومون ابدا الي مقام لميصلوا اليه فاذا اراد الله نقلهم الي الاعلي بانه لهم يظهر لهم التقصير في الاسفل فهم ابدا مقصرون من نحوه تامون من نحوهم و ان شئت قلت بالعكس فافهم و في الدعاء تدلج بين يدي المدلج من خلقك انتهي كلامه في هذه الفائدة الشريفة بالجملة الحب فرع المعرفة و المعرفة ادراك الفؤاد كما شرحنا و بينا .