فصل - في التقوي و هي حفظ النفس عن مخالفة امر الله جل جلاله و ارتكاب ما نهي عنه قال الله تعالي ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا و اتقوا الله و هي جماع الخير كله و لا خير فيمن ليس بمتق البتة و لما كان متعلقها ما امر الله تعالي به و نهي عنه فيكون لها مراتب اعلاها التقوي في توحيد الله جل جلاله بالتوحيد له في ذاته بان يعتقد انه تعالي احد لايثني و لايجزي قائم بنفسه لنفسه غني عما سواه قديم يتعالي عن درك جميع خلقه بكل وجه لاتدركه [ص 240] الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و يجتنب عن الاشراك به سواه اي الاعتقاد بان معه غيره و بوحدانيته في صفاته بان يعتقد انه بوحدته الواحدية متجل في جميع صفاته لم‌يتجل بها غيره و ليس بمتصف بها سواه فليس بسلطان سواه و لا برب دونه و لا خالق غيره و لا رازق عداه و هكذا فليس كمثله شيء و هو السميع البصير و انه هو سبحانه اولي بكل صفة حسنة كونية او شرعية من ذيها انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا فهو اولي بكل كمال كوني عام او شرعي خاص من صاحبه و متوحد في الاتصاف به و يجتنب عن ان يعتقد انه يشبهه شيء او يشركه شيء في صفة فضلا عن ان يكون اولي بصفة كمال ليس كمثله شيء و هو السميع البصير و بوحدانيته الفعلية بان يعتقد انه بوحدته الواحدية ظاهر بجميع اركان عرش الايجاد الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه و تعالي عما يشركون اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات ام جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء و هو الواحد القهار الله خلقكم و ما تعملون فكل ما يطلق عليه لفظ شيء هو سبحانه خالقه خلق المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية و انما سمي الشيء شيئا لانه مشاء ما من شيء في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن كان يزعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد اشرك و يجتنب عن ان يعتقد في ملكه سبحانه خالقا غيره و رازقا سواه و محييا و مميتا دونه فلايخاف من شيء عداه و لايرجو احدا غيره و لايتوكل علي احد دونه و لايري لحاجته قاضيا سواه و لايري في الملك محركا و مغيرا غيره و لا حول و لا قوة الا به و بوحدانيته في العبادة فيعتقد انه بوحدته الواحدية هو المعبود الحق و المقصود المطلق [ص 241] فلا معبود بالحق سواه كونا و شرعا فلايشرك بعبادة ربه احدا و لايقصد بطاعته دونه شيئا فيقيم وجهه لدينه حنيفا و لايعمل ابتغاء رضاء غيره لا وضيعا و لا شريفا و يعتقد انه يعبد من حيث امر و شاء فيري حال العبادة انطوائه تحت الاحد ثم يقصد وجهه الذي يتوجه اليه الاولياء فان كل معبود مما دون عرشه الي قرار ارضه السابعة السفلي باطل مضمحل ماخلا وجهه الكريم فانه اعز و اجل و اكرم من ان يصف الواصفون كنه جلاله او تهتدي القلوب الي كنه عظمته و يتوجه الي بابه الذي فتحه علي وجه اوليائه و يرفع اليه يد الاستكانة و التبتل و الابتهال و يثني عليه بصفاته النعمي و يدعوه باسمائه الحسني و لايكون قصده الا بلوغ رضاه و شكره ثناءه علي انه مستحق للشكر و الاسترضاء و اداء حقه لا لاجل المزيد و التقرب اليه للاستكمال و الاستيلاء و نيل الجنة و النعيم و النجاة من عذاب الجحيم و لايصرف نظره عن جهات عبادته و يجعلها نصب عينيه فانها وجوه الامتثال و ابواب الابتهال الي حضرة المتعال و لايعبد ذو الجلال الا فيها و بها في كل حال ثم بعد ذلك التقوي في معرفة النبي صلي الله عليه و آله في مرتبة البيان بان يعرفه بانه توصيف الله نفسه لخلقه به و وجه معرفته الذي به يعرف في جميع مراتب التعريف به عرف الله و لولاه ماعرف الله فيعبده به لايشرك به شيئا و بانه معاني اسمائه و صفاته و ظواهرها اخترعه من نور ذاته و فوض اليه امور عباده و هو المالك لما ملكه قبل ان يملكه و حين ان ملكه و بعد ان ملكه و القادر علي ما اقدره عليه و بانه باب الله الي خلقه منه ينزل جميع ما ينزل منه الي خلقه و به ينظر اليهم و باب خلقه اليه منه يصعد جميع ما يصعد منهم اليه و به ينظرون اليه و اليه يرفعون حوائجهم و اليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه و بانه هو امام الخلق و قطبهم و مركز دايرتهم عليه يدور الرحي و اليه يشد الرحال و يفد الرجال و يجب الرد اليه في القل و الجل [ص 242] و امتثال اوامره و اجتناب نواهيه في الكل و تصديق جميع ما جاء به و اخبر عنه من وعد و وعيد و غيب و في امور الموت و البرزخ و القيمة و الجنة و النار و يجب التأسي به و الاقتداء و اقتفاء اثره و اتباع امره و ايثار ذاته علي ذاته و عترته علي عترته و ان يكون اهله احب اليه من اهله ثم بعد ذلك التقوي في معرفة الائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين بان يعرفهم بعد نبيه صلي الله عليه و آله في المراتب الاربع علي ما مر فانهم من نور واحد و يعرفهم بانهم خلفاء رسول الله صلي الله عليه و آله بعده و اوصياؤه و حجج الله التي بهم احتج علي خلقه فيتأسي بهم و يقتدي بهداهم و يواليهم و يعادي اعداءهم و يتبرء منهم من ذواتهم و صفاتهم و افعالهم و اعمالهم و اقوالهم و احوالهم و يجانبهم و يجانب من مال اليهم و لايتشبه بهم في شيء من ذلك فان من يتولهم منكم فانه منهم و يتبع سادته في جميع ما امروا به و نهوا عنه و يرد اليهم جميع ما يرد عليه منقطعا اليهم مسلما لهم لايجد في نفسه حرجا مما قضوا و يسلم لهم تسليما رضيه ام كرهه و يخالف هواه و يتابع مولاه ثم بعد ذلك التقوي في اوليائهم و اعدائهم بان يوالي اوليائهم و ينفق علي الذين دونه من فضل ما آتاه الله من جاه و قوة و مال و يبر عليهم و ينظر اليهم نظر رحمة و شفقة و يري سادته فيهم فيواليهم فيهم و يرفق بهم و يعفو عن مسيئهم و يعلم جاهلهم و يرقيهم بالرفق و اللين و الرحمة و لايكون فظا غليظ القلب و علي المساوين له بالمواساة و النصف من جاهه و ماله و قوته و حاله و يجعلهم شعاره و دثاره و يساورهم بالصدق و يجعلهم كنفسه يعاملهم كما يحب ان يعامل و يعاشرهم كما يحب ان يعاشر و يؤثر الذين هم فوقه في الايمان و العلم و العمل بجاهه و ماله و حاله و يراهم اولي به و بما له مما آتاه الله و خوله في نفسه و ماله و يتبع مراضيهم و يجتنب مساخطهم و يقتدي بهداهم و يتقرب الي الله و الي [ص 243] ساداته بولايتهم و البراءة من اعدائهم و يعرفهم خلفاء ساداته في المراتب الاربع علي حسب مقاماتهم و يجعلهم نصب عينيه علي تفصيل قد ذكرناه في ابواب الجنان و بان يعادي اعداءهم و يتقرب الي الله و الي ساداته بعداوة اعدائهم و يجانب الركون اليهم و المودة لهم و التشبه بهم في مآكلهم و مشاربهم و ملابسهم و السلوك مسلكهم و النصيحة لهم و التخلق باخلاقهم و الاتصاف بصفاتهم و ارتكاب اعمالهم و احسن ميزان وجدناه في ولاية الاولياء محبة الام الشفيقة لولدها و في عداوة الاعداء عداوة الضرة لضرتها فانه لا منتهي لتلك و لا غاية لهذه و علامة صدق التولي و التبري وجود آثارهما كما هي موجودة فيهما و ظاهرة منهما ثم بعد ذلك التقوي في امتثال ما ورد عن النبي و الائمة عليهم السلام من الاوامر و النواهي فيلتزم الفرايض و يجتنب عن المحرمات و يعمل بالمستحبات و يترك المكروهات ما امكن و يرتكب المباحات لاجل اباحة الله سبحانه و رسوله اياها ثم بعد ذلك التقوي في الاخلاق النفسانية بان يتصف بالسماحة و الشجاعة و الحلم و الرفق و الصبر و امثال ذلك من المكارم التي هي من حدود الانسانية و يجتنب عن اضداد ذلك من الشيطانية و البهيمية و النباتية و الجمادية ثم بعد ذلك التقوي في الخلق بان يعمل فيهم بالعدل و النصفة و يسير فيهم بالمروة و الرأفة و يتصف بصفات الربوبية في المربوبين فيرأف بضعيفهم و يشفق علي صغيرهم و يوقر كبيرهم و يعطف علي جميعهم و يعدل في الرعية و يقسم بالسوية و لايظلمهم قولا و فعلا و يؤدي الي كل ذي حق حقه و يأمرهم بالمعروف و ينهيهم عن المنكر و يعفو عن مسيئهم و يعرض عن الجاهلين و يقول بالحسن ، الي غير ذلك من الآداب التي ادب الله سبحانه نبيه صلي الله عليه و آله و سلك بها في خلقه الي غير ذلك من وجوه التقوي التي هذه اجمالها و قد قام الشرع الشريف و السنة [ص 244] السنية باجمالها و تفصيلها و يدور جميع اقسامها علي ثلثة تقوي الله في معاملته مع الله سبحانه و تقوي الله في نفسه و تقوي الله في عباده و اشار الله سبحانه الي هذه الاقسام بقوله ليس علي الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات و هو تقوي الله في الله ثم اتقوا و آمنوا و هو تقوي الله في النفس ثم اتقوا و احسنوا و هو تقوي الله في عباده علي ما شرحنا و بينا فاذا اتصف بهذه الصفات الكريمة التي ذكرت و حفظ نفسه عن تركها و فعل اضدادها دخل في عرصة المتقين الذين اعد لهم جوار رب العالمين و استوجب من الله تعالي المحبة كما قال بلي من اوفي بعهده و اتقي فان الله يحب المتقين و كفي بها فخرا للمؤمنين و الولاية لقوله تعالي ان الظالمين بعضهم اولياء بعض و الله ولي المتقين و كفي بها لهم عزا و شرفا و كفاية و معية الله سبحانه بلا نهاية لقوله تعالي و اعلموا ان الله مع المتقين و ذلك مقام لايساوي و يصير من وفد الرحمن فيستوفي منه الرحمة العامة الشاملة فيتصف بها كما قال جل جلاله نحشر المتقين الي الرحمن وفدا و نسوق المجرمين الي جهنم وردا و يستحق الرحمة لقوله اتقوا الله لعلكم ترحمون و قال و ان تصلحوا و تتقوا فان الله كان غفورا رحيما و الفلاح لقوله اتقوا الله لعلكم تفلحون و رفع الخوف و الحزن لقوله فمن اتقي و اصلح فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون و النجاة من سجين و دار البعد لقوله تعالي ثم ننجي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا و حصول الفرقان و تكفير السيئات و غفران الذنوب لقوله تعالي يا ايها الذين آمنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا و يكفر عنكم سيئاتكم و يغفر لكم و الله ذو الفضل العظيم و قال و من يتق الله يكفر عنه سيئاته و يعظم له اجرا و يستحق البشارة في الدنيا و الآخرة لقوله تعالي الذين آمنوا و كانوا يتقون لهم البشري في الحيوة الدنيا [ص 245] و في الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم و يستوجب المخرج من كل ضنك و الرزق من حيث لايحتسب لقوله تعالي و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لايحتسب و يستأهل الجنة لقوله تعالي مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الانهار اكلها دائم و ظلها تلك عقبي الذين اتقوا و عقبي الكافرين النار و قال قل أذلك خير ام جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء و مصيرا لهم فيها ما يشاؤن كان علي ربك وعدا مسئولا و الذي جاء بالصدق و صدق به اولئك هم المتقون لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين و قال و سارعوا الي مغفرة من ربكم و جنة عرضها السموات و الارض اعدت للمتقين و قال و قيل للذين اتقوا ماذا انزل ربكم قالوا خيرا للذين احسنوا في هذه الدنيا حسنة و لدار الآخرة خير و لنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الانهار لهم ما يشاؤن كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفيهم الملئكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون و قال ان المتقين في جنات و عيون ادخلوها بسلام آمنين و قال ان المتقين في جنات و نهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر و يستحق الكرامة لقوله ان اكرمكم عند الله اتقيكم و البركة من السماء و الارض لقوله و لو ان اهل القري آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الارض و يورث قبول الاعمال لقوله انما يتقبل الله من المتقين و لقوله و لكن يناله التقوي منكم و الفوز لقوله ان للمتقين مفازا و المقام الامين لقوله ان المتقين في مقام امين و عدها الله عز و جل من محكمات الامور حيث يقول ان تصبروا و تتقوا فان ذلك من عزم الامور و جعلهما سبب الاجر العظيم حيث يقول ان تؤمنوا و تتقوا فلكم اجر عظيم و سبب دفع كيد الاعداء حيث يقول ان تصبروا و تتقوا لايضركم كيدهم شيئا و خص بها اولي الالباب و وعدهم [ص 246] الفلاح حيث يقول فاتقوا الله يا اولي الالباب لعلكم تفلحون و يقول فاتقوا الله يا اولي الالباب الذين آمنوا قد انزل الله اليكم ذكرا رسولا فعلم من هذه الآيات الشريفة ان التقوي درجة علية و منزلة سنية و فيها جماع الخيرات و الفوز بالكمالات و التقرب الي رفيع الدرجات و لاجل ذلك وصي الله الامم بذلك و لو كان شيء غيرها اعم للخيرات و اشمل للمبرات لوصي الله به عباده فقال و لقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم و اياكم ان اتقوا الله و لاجل ذلك كانت الحجج سلام الله عليهم يوصون العباد بها في اكثر خطباتهم و احاديثهم و قد ورد بذلك اخبار كثيرة نذكر بعضها تبركا فمنها ما رواه في نهج البلاغة في خطبة له عليه السلام اوصيكم عباد الله بتقوي الله التي هي الزاد و بها المعاذ زاد مبلغ و معاذ منجح دعا اليها اسمع داع و وعاها خير واع فاسمع داعيها و فاز واعيها عباد الله ان تقوي الله حمت اولياء الله محارمه و الزمت قلوبهم مخافته حتي اسهرت لياليهم و اظمأت هواجرهم فاخذوا الراحة بالنصب و الري بالظماء بلاء و استقربوا الاجل فبادروا العمل و كذبوا الامل فلاحظوا الاجل الخطبة ، و فيه عنه عليه السلام في خطبة له قد كفاكم مؤنة دنياكم و حثكم علي الشكر و افترض من السنتكم الذكر و اوصاكم بالتقوي و جعلها منتهي رضاه و حاجته من خلقه فاتقوا الله الذي انتم بعينه و نواصيكم بيده و تقلبكم في قبضته ان اسررتم علمه و ان اعلنتم كتبه قد وكل بذلك حفظة كراما لايسقطون حقا و لايثبتون باطلا و اعلموا انه من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن و نورا من الظلم و يخلده فيما اشتهت نفسه و ينزله منزل الكرامة عنده في دار اصطنعها لنفسه ظلها عرشه و نورها بهجته و زوارها ملائكته و رفقاؤها رسله الخطبة ، و فيه عنه عليه السلام فان تقوي الله مفتاح سداد و ذخيرة معاد و عتق من كل ملكة و نجاة من كل هلكة [ص 247] بها ينجح الطالب و ينجو الهارب و تنال الرغائب و فيه روي ان صاحبا لامير المؤمنين صلي الله عليه يقال له همام كان رجلا عابدا فقال له يا اميرالمؤمنين صف لي المتقين حتي كأني انظر اليهم فتثاقل عن جوابه صلي الله عليه ثم قال له يا همام اتق الله و احسن فان الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون فلم‌يقنع همام بذلك القول حتي عزم عليه قال فحمد الله و اثني عليه و صلي علي النبي و آله صلي الله عليه ثم قال صلي الله عليه اما بعد فان الله سبحانه خلق الخلق حيث خلقهم غنيا عن طاعتهم آمنا بمعصيتهم و انه لاتضره معصية من عصاه و لاتنفعه طاعة من اطاعه و قسم بينهم معايشهم و وضعهم من الدنيا مواضعهم فالمتقون فيها هم اهل الفضائل منطقهم الصواب و ملبسهم الاقتصاد و مشيهم التواضع غضوا ابصارهم عما حرم الله عليهم و وقفوا اسماعهم علي العلم النافع لهم نزلت انفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء لولا الاجل الذي كتب الله لهم لم‌تستقر ارواحهم في اجسادهم طرفة عين شوقا الي الثواب و خوفا من العقاب عظم الخالق في انفسهم فصغر ما دونه في اعينهم فهم و الجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون و هم و النار كمن قد رآها و هم فيها معذبون قلوبهم محزونة و شرورهم مأمونة و اجسادهم نحيفة و حاجتهم خفيفة و انفسهم عفيفة صبروا اياما قصيرة اعقبتهم راحة طويلة و تجارة مربحة يسرها لهم ربهم ارادتهم الدنيا و لم‌يريدوها و اسرتهم ففدوا انفسهم منها اما الليل فصافون اقدامهم تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا يحزنون به انفسهم و يستثيرون به دواء دائهم فاذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا اليها طمعا و تطلعت نفوسهم اليها شوقا و ظنوا انها نصب اعينهم و اذا مروا بآية فيها تخويف اصغوا اليها مسامع قلوبهم و ظنوا ان زفير جهنم و شهيقها في اصول آذانهم فهم جاثون علي اوساطهم مفترشون لجباههم و اكفهم [ص 248] و ركبهم و اطراف اقدامهم يطلبون الي الله في فكاك رقابهم و اما النهار فحلماء علماء ابرار اتقياء قد براهم الخوف بري القداح ينظر اليهم الناظر فيحسبهم مرضي و ما بالقوم من مرض و يقول قد خولطوا و لقد خالطهم امر عظيم لايرضون من اعمالهم القليل و لايستكثرون الكثير فهم لانفسهم متهمون و من اعمالهم مشفقون اذا زكي احد منهم خاف مما يقال له فيقول انا اعلم بنفسي من غيري و ربي اعلم مني بنفسي اللهم لاتؤاخذني بما يقولون و اجعلني افضل مما يظنون و اغفر لي ما لايعلمون فمن علامة احدهم انك تري له قوة في دين و حزما في لين و ايمانا في يقين و حرصا في علم و علما في حلم و قصدا في غني و خشوعا في عبادة و تجملا في فاقة و صبرا في شدة و طلبا في حلال و نشاطا في هدي و تحرجا عن طمع يعمل الاعمال الصالحة و هو علي وجل يمسي و همه الشكر و يصبح و همه الذكر يبيت حذرا و يصبح فرحا حذرا لما حذر من الغفلة و فرحا بما اصاب من الفضل و الرحمة ان استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم‌يعطها سؤلها فيما تحب قرة عينه فيما لايزول و زهادته فيما لايبقي يمزج الحلم بالعلم و القول بالعمل تراه قريبا امله قليلا زلله خاشعا قلبه قانعة نفسه منزورا اكله سهلا امره حريزا دينه ميتة شهوته مكظوما غيظه الخير منه مأمول و الشر منه مأمون ان كان في الغافلين كتب في الذاكرين و ان كان في الذاكرين لم‌يكتب من الغافلين يعفو عمن ظلمه و يعطي من حرمه و يصل من قطعه بعيدا فحشه لينا قوله غايبا منكره حاضرا معروفه مقبلا خيره مدبرا شره في الزلازل وقور و في المكاره صبور و في الرخاء شكور لايحيف علي من يبغض و لايأثم فيمن يحب يعترف بالحق قبل ان يشهد عليه لايضيع ما استحفظ و لاينسي ما ذكر و لاينابز بالالقاب و لايضار بالجار و لايشمت بالمصائب و لايدخل في الباطل و لايخرج من الحق ان صمت لم‌يغمه [ص 249] صمته و ان ضحك لم‌يعل صوته و ان بغي عليه صبر حتي يكون الله هو الذي ينتقم له نفسه منه في عناء و الناس منه في راحة اتعب نفسه لآخرته و اراح الناس من نفسه بعده عمن تباعد عنه زهد و نزاهة و دنوه ممن دنا منه لين و رحمة ليس تباعده بكبر و عظمة و لا دنوه بمكر و خديعة قال فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها فقال اميرالمؤمنين صلوات الله عليه اما والله لقد كنت اخافها عليه ثم قال هكذا يصنع المواعظ البالغة باهلها فقال له قائل فما بالك انت يا اميرالمؤمنين فقال صلي الله عليه ويحك ان لكل اجل وقتا لايعدوه و سببا لايتجاوزه فمهلا لاتعد لمثلها فانما نفث الشيطان علي لسانك و في الكافي بسنده عن ابي‌عبيدة عن ابي‌جعفر عليه السلام قال كان اميرالمؤمنين عليه السلام يقول لايقل عمل مع تقوي و كيف يقل ما تقبل و عن مفضل بن عمر قال كنت عند ابي‌عبدالله عليه السلام فذكرنا الاعمال فقلت انا ما اضعف عملي فقال مه استغفر الله ثم قال لي ان قليل العمل مع التقوي خير من كثير بلا تقوي قلت كيف يكون كثير بلا تقوي قال نعم مثل الرجل يطعم طعامه و يرفق جيرانه و يوطي رحله فاذا ارتفع له الباب من الحرام دخل فيه فهذا العمل بلا تقوي و يكون الآخر ليس عنده فاذا ارتفع له الباب من الحرام لم‌يدخل فيه و عن يعقوب بن شعيب قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول مانقل الله عز و جل عبدا من ذل المعاصي الي عز التقوي الا اغناه من غير مال و اعزه من غير عشيرة و آنسه من غير بشر و فيه بسنده الي يزيد بن عبدالله عمن حدثه قال كتب ابوجعفر عليه السلام الي سعدالخير بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فاني اوصيك بتقوي الله فان فيها السلامة من التلف و الغنيمة في المنقلب ان الله عز و جل يقي بالتقوي عن العبد بعد ما عزب عنه عقله و يجلي بالتقوي عماه و جهله و بالتقوي نجا نوح و من معه في السفينة و صالح و من معه من الصاعقة و بالتقوي فاز الصابرون و نجت تلك العصب [ص 250] من المهالك و لهم اخوان علي تلك الطريقة يلتمسون تلك الفضيلة الحديث ، و اعلم ان احاديث هذا الباب اكثر من ان يسطر و انما ذكرنا ما ذكرنا تبركا و جميع الخيرات في التقوي فانها هي حفظ النفس عن مخالفة اوامر الله و ارتكاب مناهي الله و اعلم ان التقوي ليست صرف الاتيان بما امر الله و الاجتناب عما نهي الله فان الطبيعة الجمادية و النباتية و الحيوانية قد توافق مقتضي الامر و النهي و ليست من التقوي في شيء ألاتري ان الحجر لايكذب و لايغتاب و لايظلم و ليس عدم صدور هذه و امثالها منه من باب التقوي و كذلك الشجر و ان الكلب يقظان طول ليله و البوم يكف عن الاكل طول نهاره و ليس ذلك و امثاله منهما و امثالهما بتقوي و انما ذلك مقتضي طبايعهما و كذلك الانسان اذا صدر عنه بعض الاعمال الموافقة لامر الله و لم‌يفعل بعض الاعمال المنهي عنها عن طبيعة جمادية او نباتية او حيوانية او لاجل مرادات شيطانية فليس ذلك منه بتقوي و انما التقوي هي فعل روح الايمان فكم من اناس يصدر عنهم صفات و اعمال حسنة و ليسوا من اهل التقوي و لايثابون باعمالهم و قد قال الله سبحانه للعقل اياك اعاقب و اياك اثيب و هو ما يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان دون غيره و ان وافق فعله فعله نعم اذا كان طبيعة انسان ظاهري علي وفق مرضات الله سهل الامر علي العقل ان ركبها في السلوك به مسلك التقوي فهو بمنزلة حمار ذلول يسلك به الانسان اين يشاء و اما اذا كان صعبا شموسا صعب اذلاله و تعليمه عليه فتدبر .

فصل - في الرجاء و هو توقع النفس النفع من ذي نفع في ارتياح و له سبب و ثمر اما سببه فيقين الانسان بشيء انه نافع له مقو لوجوده او نافع لما يؤل اليه فاذا تيقن بالشيء انه نافع له اذا اقترن به توقع نفعه و ثمر هذا التوقع طلبه و الاقتران به و الميل اليه و الاتصال به و المرجو ما يتردد فيه الانسان [ص 251] كالمخوف و لايقال للمقطوع به مرجوا و مخوفا ألاتري انه لايقال ارجو ان يطلع الشمس و اخاف ان تغرب الا عند ملاحظة مشية الله فيهما و يقال ارجو ان ينزل المطر و اخاف ان ينقطع فاليقين الذي هو سبب الرجاء هو اليقين بحصول المقتضيات و كذا العلم في الخوف هو العلم بحصول المقتضيات و محل التردد فيهما هو وقوع المقتضي بالفتح فيتردد المؤمن لانه تحت مشية الله و لاتلتزم بشيء و اعلم ان لحصول المرجو سببين فاعلي و قابلي فالفاعلي مشية الله و عطفه و جوده و عطف اوليائه و هو لا نقصان فيه و اما القابلي فاستعداد العبد و عمله و هو منشأ التردد اذ لايدري هل هو قابل لتعلق الجود به ام لا مع القطع بان الله لايقطع عطاءه عن السائلين و لايمنع فيضه عن المستعدين فيجب لمن بلغ هذا المقام من المعرفة ان يسعي ليلا و نهارا في احسان العمل و تكميل القابلية و كلما يكمل العبد قابليته يظهر له بدايات المرجو و كلما يظهر له شيء منها يزداد شوقا و رجاء و اذا حصل الرجاء لنفس الانسان في نفع شيء ادركته مالت اليه طبعا و وقع شبحه في خياله فادام تصوره و الفكر فيه كيف يتوصل اليه و كيف ينتفع به و كيف يسترضي صاحبه و كيف يستعطفه و كيف يحتال في طلب ما عنده فيقع شبح ما في فكره في اخلاط بدنه فتهيج و يهيج روحه و يميل الي الظاهر تدريجا ليحتال لطلب ما اعتقد نفعه و يشايعه الدم بمشاركة البلغم فيحمر الوجنات و يسخن الاعضاء بخلاف الميل في الغضب فانه بمشاركة الصفراء و دفعي و لذلك يلين جانب الراجي و يلين في تكلمه و يتواضع و يتملق و يعرضه السرور و يظهر البشاشة و الملق و يدخل علي المرجو منه من حيث يحب فيتكلم بما يحب و يثني عليه و يمجده و يحمده و يمدحه و يجلس حيث يحب و يقوم حيث يحب و يظهر له الموافقة و يعمل بمحابه و يظهر له الاخلاص و المحبة [ص 252] حتي يستعطفه و يستخرج منه ما يحب و يحتال بلطائف الحيل حتي ينتفع منه بما يتوقع منه لاسيما اذا كان المرجو منه غنيا لايعبؤ الا بالسائلين الموافقين و لايعتني الا بالمستعدين و يفحص كل الفحص عن وجوه محابه و مساخطه فيعمل بمحابه و يجتنب عن مساخطه حتي يستدر ضرع عطفه و يستمطر سحاب لطفه و يستدرك منه ما يرجوه و هذه الامور امور طبيعية لا كسبية نشاهدها في كل من يرجو شيئا حتي ان الهرة اذا ارادت ان تأخذ منك شيئا و انت تأكل جاءت و اظهرت اللين و تلاعبت و تماسحت (ظ) بك و تبصبصت بتحريك ذنبها و حمحمت او ماءت و لاذت بك حتي تستعطفك و ليس ذلك منها بتدبير و روية و انما هو طبيعة منها تحملها علي ذلك فاذا كل من يدعي الرجاء و لايطلب و لايحاول مطلوبه فهو كاذب بتة و قد ذم الله سبحانه قوما يدعون الرجا بلا عمل فقال فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادني و يقولون سيغفر لنا و ذم صاحب البستان اذ دخل جنته و قال مااظن ان تبيد هذه ابدا و مااظن الساعة قائمة و لئن رددت الي ربي لاجدن خيرا منها منقلبا و صرح بان الرجاء علامته الطلب بقوله ان الذين آمنوا و الذين هاجروا و جاهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله و اما غيرهم فلا رجاء لهم البتة كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة يدعي بزعمه انه يرجو الله كذب و العظيم ما باله لايتبين رجاؤه في عمله و كل من رجا عرف رجاؤه في عمله الا رجاء الله تعالي فانه مدخول و كل خوف محقق الا خوف الله تعالي فانه معلول يرجو الله في الكبير و يرجو العباد في الصغير فيعطي العبد ما لايعطي الرب فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع بعباده أتخاف ان تكون في رجائك له كاذبا او تكون لاتراه للرجاء موضعا و كذلك ان هو خاف عبدا من عبيده اعطاه من خوفه ما لايعطي [ص 253] ربه فجعل خوفه من العباد نقدا و خوفه من خالقه ضمارا و وعدا الخطبة ، و قد مر من كلام الصادق عليه السلام ان الرجاء فرع اليقين و دليل الرجاء الطلب و اذا اشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل و اذا تمكن من رؤية الفضل رجا و اذا وجد حلاوة الرجاء طلب و اذا وفق للطلب وجد و مر ان الرجاء شفيع النفس و الرجاء داعي فضل الله و هو يحيي القلب و قوله عليه السلام كيف لايرجو و هو يعرف نفسه بالعجز و هو غريق في بحر آلاء الله و نعمائه من حيث لاتحصي و لاتعد و ان الرجاء رجاءان عاكف و باد فالعاكف منه يورث خوفا ثابتا يقوي بسببه المحبة و البادي منه يصحح اهل العجز و التقصير و الحياء و قد مر في وصية لقمان ارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك و في الكافي بسنده عن ابن ابي‌نجران عمن ذكره عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قلت له قوم يعملون بالمعاصي و يقولون نرجو فلايزالون كذلك حتي يأتيهم الموت فقال هؤلاء قوم يترجحون في الاماني كذبوا ليسوا براجين ان من رجا شيئا طلبه و من خاف من شيء هرب منه و عن علي بن محمد رفعه قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام ان قوما من مواليك يلمون بالمعاصي و يقولون نرجو فقال كذبوا ليسوا لنا بموال اولئك قوم ترجحت بهم الاماني من رجا شيئا عمل له و من خاف من شيء هرب منه و طريق تحصيل الرجاء ان تعرف الله سبحانه فان من عرف ان الله جل جلاله و عظم آلاؤه نور لا ظلمة فيه و كامل لا نقص فيه و سلطان قادر لا عجز فيه و قوي لا ضعف فيه و مدرك لايفوته شيء و عزيز لا ذل فيه و غني لا فقر فيه و جواد لا بخل فيه و كريم لا لؤم فيه و صادق لا كذب فيه و محيط لايحاط به و واجد لا فقدان فيه و قاهر لا مقهورية فيه و خير لا شر فيه و حي لا موت فيه و دائم لا فناء له و ثابت لا زوال له و هكذا ساير كمالاته عرف ان من توجه اليه و دنا منه و تقرب اليه حصل له هذه [ص 254] الكمالات بلا ارتياب و انما امر العباد بالتوجه اليه و التقرب منه لاجل حصول هذه الكمالات كما انك و لله المثل الاعلي لو توجهت الي الشمس استنار وجهك و لو دنوت من النار سخن بدنك و هذا وعد من الله الصادق و حكم من الله العدل قال الله سبحانه ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم و قال اذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون فبعد ما اخبر الله بذلك عن نفسه و هو الصادق الغني و وعد علي نفسه كيف يمكن ان يتخلف ذلك و قد قال لاتحسبن الله مخلف وعده رسله و قال ان الله لايخلف الميعاد ، و في الدعاء رب من ذا الذي دعاك فلم‌تجبه و من ذا الذي سألك فلم‌تعطه و من ذا الذي ناجاك فخيبته او تقرب اليك فابعدته و في دعاء آخر متي خاف من فنائك آمل ام متي انصرف بالرد عنك سائل الهي مادعاك من لم‌تجبه لانك قلت ادعوني استجب لكم و انت لاتخلف الميعاد الدعاء ، فكيف يمكن في وعد الله الصدق ان يتوجه اليه عبد و يتقرب اليه سالك ثم لاينال من جوده و كرمه ما يصلح به امر دنياه و آخرته و لايغفر له ذنبه و لايستر عليه عيبه و لاينال طلبته و لايحيي حيوة الابد و لايبلغ امنيته و ان كانت لاتعد فمن لم‌يرج الله هذا الرجاء دل علي عدم معرفته بالله عز و جل و انزاله اياه منزلة المخلوقين الناقصين المحدودين العادمين و الا فمن اقر باحديته جل جلاله التي هي اصل كل كمال و نور و خير وجب ان يعتقد مستيقنا انه لو تقرب اليه و توجه اليه لغفر الله له ذنوبه و لو كانت بعدد ذرات الكاينات و قضي له حاجاته و لو سأل ملك الموجودات و لاينتقص من خزائنه مثقال ذرة فانه الموجد عن عدم و خزانته بين الكاف و النون انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فكيف يفتقر رب كذلك او ينتقص اله كذلك فان كنت يا هذا لاترجو ربك كذلك فاسع في طلب معرفته [ص 255] اولا و حصول اليقين و مشاهدة فضله العام الشامل فاذا كان الشمس التي هي خلقه منيرة لمن توجه اليها و لو كان الشخص عايشا في الظلمات الف‌الف سنة و تزيل ظلمته طرفة عين بمحض ان يسألها النور بتوجهه اليها و كانت النار التي هي جزء من ملكه مسخنة لمن استسخنها بتوجهه اليها و لو عاش في البرد الف‌الف سنة و كان الماء مرويا لمن شربه و الهواء مروحا لمن تنفس فيه و لو كان الشخص محروما عنها دهورا فما ظنك بخالقها و موجدها لا من شيء بل والله اعرف ربي بانه يقبل التوبة عن عبده و يغفر له بتوجه واحد اليه و لو اذنب الف‌الف دهر في كل آن بذنوب الخلايق اجمعين و يعطيه بسؤال واحد في طرفة عين ملك الدنيا و الآخرة و من لم‌ينل منه ذلك فانما هو من قصور في توجهه و نقصان من مسألته فلايخافن عبد الا نفسه و لايرجون احد الا ربه فلو كنت عارفا بربك و لم‌تنل منه حاجتك لكان الواجب عليك التوبة و الاستغفار علي ما قصرت في دعائك و تخاف من ذنبك المانع عن كمال التوجه فلايورثن لك عدم الاستجابة اليأس و لو منعت عن كل ما سألت ابدا فان النقصان في السؤال لا في المسؤل و في مناجاة اميرالمؤمنين عليه السلام الهي لئن عذبتني الف حجة فحبل رجائي منك لايتقطع فان انت يا هذا لم‌تنتفع بالمسك الاذفر فلاتنكر رايحة المسك و انما العيب من خيشومك و ان لم‌تر الشمس المشرقة ابدا فلاتجحد نور الشمس فانما العمش في عينك و ان انت لم‌تتوجه الي الشمس لاتنكر انارتها فانها قائمة بالانارة ابدا فالواجب علي المؤمن ان يكون آيسا من خير نفسه خائفا عليها منها راجيا خير ربه محسنا ظنه به فانه اهل التقوي و المغفرة و انت اهل الاساءة و العصيان و يجب عليه ان لايرجو احداً الا الله فانه لا خير في ماهيات الخلق و ما هم به هم و لايقدرون علي نفع و لا ضر و لا حيوة و لا موت و لا حركة و لا سكون فان حيوة [ص 256] الكل بالله و حركة الكل في كل وجه بالله و هم من حيث انفسهم اموات غير احياء و مايشعرون ايان يبعثون و هم في انفسهم معدومون و انما يكونون موجودين بامر الله و افاضته الوجود عليهم و حفظه اياه لهم فمن ذا الذي يليق بالرجاء دونه و انما العاقل يرجو الصائغ لا المطرقة و العلاة فانها اسباب لا حركة لها الا بالصائغ و لايقدر علي قضاء ففي ارشاد الديلمي عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال اذا اراد احدكم ان لايسأل الله شيئا الا اعطاه فليقطع رجائه من الناس و ليصله به فاذا علم ذلك منه لم‌يسأله شيئا الا اعطاه انتهي ، و في الوسائل عن الكليني بسنده عن حفص بن غياث عن ابي‌عبدالله عليه السلام اذا اراد احدكم ان لايسأل ربه شيئا الا اعطاه فلييأس من الناس كلهم و لايكون له رجاء الا من عند الله فاذا علم الله ذلك من قلبه لم‌يسأل الله شيئا الا اعطاه و عن احمد بن فهد روي ان الله اوحي الي عيسي عليه السلام ادعني دعاء الحزين الغريق الذي ليس له مغيث يا عيسي سلني و لاتسأل غيري فيحسن منك الدعاء و مني الاجابة قال و اوحي الي موسي عليه السلام يا موسي ما دعوتني و رجوتني فاني ساغفر لك علي ما كان منك انتهي ، و اعلم ان من توجه الي غير الله فقد ادبر عن الله و من رجا شيئا من غير الله فقد يأس من الله تعالي و من ادبر عن الله و يئس منه لايستجاب له البتة و خذله الله و وكله الي من يرجوه ثم لايقدر احد علي قضاء حاجته ان الذين تدعون من دون الله لن‌يخلقوا ذبابا و لو اجتمعوا له و ان يسلبهم الذباب شيئا لايستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب ماقدروا الله حق قدره و في الوسائل عن ابن‌بابويه بسنده عن سورة بن كليب عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله قال الله عز و جل من سألني و هو يعلم اني اضر و انفع استجبت له و عنه صلي الله عليه و آله ادعوا الله و انتم موقنون بالاجابة [ص 257] و عن ابي‌عبدالله عليه السلام اذا دعوت الله فاقبل بقلبك و ظن حاجتك بالباب و عن الكليني بسنده عن احمد بن محمد بن ابي‌نصر قال قلت لابي‌الحسن عليه السلام جعلت فداك اني قد سألت الله حاجة منذ كذا و كذا سنة و قد دخل قلبي من ابطائها شيء فقال يا احمد اياك و الشيطان ان يكون له عليك سبيل حتي يقنطك ، الي ان قال صاحب النعمة في الدنيا اذا سأل فاعطي طلب غير الذي سأل و صغرت النعمة في عينه فلايشبع من شيء و اذا كثر النعم كان المسلم من ذلك علي خطر للحقوق التي تجب عليه و ما يخاف من الفتنة فيها اخبرني عنك لو اني قلت لك قولا كنت تثق به مني فقلت له جعلت فداك اذا لم‌اثق بقولك فبقول من اثق و انت حجة الله علي خلقه قال فكن بالله اوثق فانك علي موعد من الله عز و جل أليس الله عز و جل يقول و اذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان و قال لاتقنطوا من رحمة الله و قال و الله يعدكم مغفرة منه و فضلا فكن بالله اوثق منك بغيره و لاتجعلوا في انفسكم الا خيرا فانه مغفور لكم و عن الحسين بن علوان عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه قرأ في بعض الكتب ان الله تبارك و تعالي يقول و عزتي و جلالي و مجدي و ارتفاعي علي كل شيء لاقطعن امل كل مؤمل من الناس غيري باليأس و لاكسونه ثوب المذلة عند الناس و لانحينه من قربي و لابعدنه من فضلي أيؤمل غيري في الشدائد و الشدائد بيدي و يرجو غيري و يقرع بالفكر باب غيري و بيدي مفاتيح الابواب و هي مغلقة و بابي مفتوح لمن دعاني من‌ذا الذي املني لنائبة فقطعته دونها و من الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم‌يرضوا بحفظي و ملأت سماواتي ممن لايمل من تسبيحي و امرتهم ان لايغلقوا الابواب بيني و بين عبادي فلم‌يثقوا بقولي ألم‌يعلم من طرقته نائبة من نوايبي انه لايملك كشفها احد غيري الا من بعد اذني [ص 258] فما لي اراه لاهيا عني اعطيته بجودي ما لم‌يسالني ثم انتزعته عنه فلم‌يسألني رده و سأل غيري أفتراني ابدأ بالعطاء قبل المسئلة ثم اسأل فلااجيب سائلي أبخيل انا فيبخلني عبدي أوليس الجود و الكرم لي أوليس العفو و الرحمة بيدي أوليس انا محل الآمال فمن يقطعها دوني أفلايخشي المؤملون ان يؤملوا غيري فلو ان اهل سمواتي و اهل ارضي املوا جميعا ثم اعطيت كل واحد منهم مثل ما امل الجميع ماانتقص من ملكي عضو ذرة و كيف ينقص ملك انا قيمه فيا بؤسا للقانطين من رحمتي و يا بؤسا لمن عصاني و لم‌يراقبني و عن احمد بن فهد قال روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون قال هو قول الرجل لولا فلان لهلكت لولا فلان مااصبت كذا و كذا و لولا فلان لضاع عيالي ألاتري انه قد جعل لله شريكا في ملكه يرزقه و يدفع عنه قلت فيقول ما ذا يقول لولا ان من الله علي بفلان لهلكت قال نعم لا بأس بهذا او نحوه انتهي ، و انت لو تدبرت في هذه الاخبار الساطعة المنار و ما ذكرنا من صحيح الاعتبار لاشرق علي قلبك نور الرجاء و شاهدت فضل الله جل و علا و هاج فيك داعية الطلب و وصلت بفضل الله جل جلاله الي المطلب و ان حدثتك نفسك و وسوس لك الشيطان ان الله سبحانه نعم هو اهل للرجاء و هو لايعوزه شيء و لايجوز اليأس منه جل جلاله الا اني لااقدر علي التوجه حق التوجه و علي الدعاء حق الدعاء و علي عبادته حق عبادته و لنجاتي من نفسي و ساير الاشياء موانع عديدة فبذلك يغلب عليك القنوط من رحمة الله و يبرد لوعة طلبك و يقعدك عن دعائه و التضرع اليه و التبصبص لديه فاجبها بان الله سبحانه بعث انبياءه الي الكفار و المشركين و دعاهم الي الايمان و التوبة و الاستغفار و وعدهم الانجاء و العفو و المغفرة و امرهم بالدعاء و العبادة و الطاعة و وعدهم الاجابة و القبول و هم في اول ايمانهم ليسوا من [ص 259] المقربين الكاملين و لا من المؤمنين الخصيصين فلو لم‌يقبل الله الا عن الكاملين المقربين فما ذا يصنع الآبقون التائبون و لو لم‌يستجب الا عن الخصيصين السابقين فكيف دعا الي نفسه العوام اللاحقين بل هو سبحانه عدل رؤف رحيم رفيق بعباده الضعفاء فكل من اتي بما يمكنه و بما هو في وسعه يقبل منه فانه عز من قائل قال لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و العبد الآبق البعيد اذا ندم و تاب يتوجه الي مولاه من وراء الحجاب و يأتيه من بعد لا محالة و لايسعه غير ذلك و لاجل ذلك امر عباده بالرفق و الشفقة علي الضعفاء حتي يلحقوا بالاقوياء و للايمان درجات و منازل لايتحمل صاحب الدنيا ما يتحمل صاحب العلياء و من الذي يقدر علي عبادته جل جلاله حق عبادته غير الاربعة‌عشر سلام الله عليهم و هم فيما هم عليه تسمعهم ما ذا يقولون في دعائهم و كيف يسألون و كيف يعتذرون أليس ان الله سبحانه استجاب للكفار و المشركين و المدعين الربوبية و المضادة لرب العالمين هذا فرعون ذوا الاوتاد مع عناده و كفره و عتوه و ادعائه الربوبية لنفسه و علمه بانه لايتوب و لايؤمن و لايرجع و لايؤب و لايخشع استجاب دعاءه و اعطاه سؤله كرما منه و جودا و قلة مقدار لما سأله عنده مع عظمته عنده اخذا بحجته عليه و تاكيدا له حين فخر و كفر و استطال علي قومه و تجبر و بكفره عليهم افتخر و بظلمه لنفسه تكبر و بحلمه عنه استكبر و في الوسائل عن الكليني بسنده عن حديد عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان العبد ليدعو فيقول الله عز و جل للملكين قد استجبت له و لكن احبسوه بحاجته فاني احب ان اسمع صوته و ان العبد ليدعو فيقول الله تبارك و تعالي عجلوا له حاجته فاني ابغض صوته و عن عبدالله بن المغيرة عن غير واحد من اصحابنا قال قال ابوعبدالله عليه السلام ان العبد الولي لله يدعو الله عز و جل في الامر ينوبه فيقول [ص 260] للملك الموكل به اقض لعبدي حاجته و لاتعجلها فاني اشتهي ان اسمع صوته و نداءه و ان العبد العدو لله عز و جل يدعو الله عز و جل في الامر ينوبه فيقال للملك الموكل به اقض حاجته و عجلها فاني اكره ان اسمع نداءه و صوته قال فيقول الناس مااعطي هذا الا لكرامته و لامنع هذا الا لهوانه انتهي ، فاذا كان هذا شأن استجابة الله للكافر كيف يكون استجابته و قبوله للمؤمن و ان كان مفتتنا أليس ان الله يحب التوابين و أليس انه يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيئات و هل التوبة الا للمذنبين و السيئات للبعيدين فما اقنطك من رحمة رب العالمين و هو يقول يا عبادي الذين اسرفوا علي انفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم أليس يخاطب هذه الضعفاء ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين أليس يقول و ان ربك لذو مغفرة للناس علي ظلمهم أليس يقول و ماكان الله معذبهم و هم يستغفرون و ان كان لاتعتمد علي استغفارك فهلاتعتمد علي استغفار الملائكة لك الذين يحملون العرش و من حوله يسبحون بحمد ربهم و يستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة و علما فاغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم ربنا و ادخلهم جنات عدن التي وعدتهم و من صلح من آبائهم و ازواجهم و ذرياتهم انك انت العزيز الحكيم و قهم السيئات و من تق السيئات يومئذ فقد رحمته و ذلك هو الفوز العظيم و ألاتري نفسك في المؤمنين التائبين ألاتري نفسك من اهل الارض و يقول الله سبحانه و الملئكة يسبحون بحمد ربهم و يستغفرون لمن في الارض و هلاتعتمد علي استغفار نبيك كما امر الله سبحانه و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات و قد فعلوا كما تسمع كثيرا في دعواتهم بالجملة لو تدبرت في القرآن لوجدت اسباب الرجاء فيه وافرة ثم تفكر في نفسك انت علي [ص 261] ما انت عليه اليس انه قد توجه اليك و ذكرك في ملكوته و وكل عليك ملئكة و اعطفهم عليك و ارأفهم بك فابتدع خلقك من مني يمني و اسكنك في ظلمات ثلاث من بين لحم و دم و جلد لم‌يشهدك خلقك و لم‌يجعل لك شيئا من امرك و غذاك حيث لم‌يصل يد حبيب و عالج هنالك امراضك و لاينالك طبيب و حفظك مما يضرك حيث لايكون سواه رقيب ثم اخرجك الي الدنيا تاما سويا و حفظك في المهد طفلا صبيا و رزقك من الغذاء لبنا مريئا و عطف عليك قلوب الحواضن و كفلك الامهات الرواحم و كلاك من طوارق الجان و سلمك من الزيادة و النقصان حتي استهللت ناطقا بالكلام و اتم عليك سوابغ الانعام و رباك زائدا في كل عام و دفع عنك الاسقام و خصك بمكارم بين الانام الي ان كمل فطرتك و اعتدل مرتك فهمك ما جاءت به رسله و اوجب عليك طاعته و عبادته و وفقك للقبول و انالك المأمول و لم‌يرض لك نعمة دون اخري و رزقك من انواع المعاش و صنوف الرياش و عززك بين الانام و وقاك من طوارق الايام فان دعوته اجابك و ان سألته اعطيك و ان سكت عنه ابتدأك و ان اطعته شكرك و ان شكرته زادك ثم ما صرف و درأ عنك من الضر و الضراء اكثر مما عددنا من العافية و السراء و انت في جميع الآنات غائص في بحار رحمته و انت علي ما انت عليه الآن لاتصبح الا و هو يذكرك بخصوصك و يوكل عليك امناء من ملئكته و يبعث اليك برزقك من صنوف ما تحتاج اليه و يضع اطباق غداءك و عشائك علي رؤس عباده و يرسل اليك بها و يضع اسفاط ثيابك و رياشك كل يوم في يد مواليه و يبعث اليك بها و يرسل اليك الاطباء اذا مرضت و يجعل لك ممرضين من عباده و امائه ان دنفت كم اعد و كم اذكر و ان تعدوا نعمة الله لاتحصوها كل ذلك بذكر خاص منه لك و عمد و توجه منه [ص 262] اليك و انت انت علي ما انت عليه فما آيسك و اقنطك فهل يمكن ان يتوجه اليك في كل ذلك من غير دعاء منك و تضرع و بكاء و لايتوجه اليك اذا انبت اليه تائبا و توجهت اليه آيبا و دعوته راجيا و تضرعت اليه شاكيا و توسلت اليه باسمائه العظام و اوليائه الكرام حاشا لايظن بهذا الرب الرؤف و الاله العطوف هذا الظن ان هذا الا من الشيطان الرجيم عليه و علي اوليائه العذاب المقيم هذا و قد ذكرنا ان الرجاء فيه تردد ما و سبب التردد خوف نقصان الاسباب القابلة فالرجاء رجاء مع الخوف و لولا الخوف لكان يقينا لا رجاء و الخوف خوف بسبب الرجاء المشيب به و الا لم‌يكن خوفا و كان يقينا بالهلاك فالخوف خوف بسبب شوب الرجاء فالخوف بلا رجاء يأس و قنوط و حرام و الرجاء بلا خوف غرور و حمق و حكم علي الملك العلام .

فصل - اعلم ان الله سبحانه احدي الذات لايتغير و لايتبدل و لايحدث فيه البداوات و لا ميول و اقتضاءات و لايحدث غضب علي عاص و لا محبة لمطيع و انما خلق خلقا كرما و جودا بلا كيف لايسأل عما يفعل و هم يسألون و الزم كل مقتض مقتضاه و كل علة معلوله و خلق الخلق خلقة يتمكنون بها علي اعمال امكنها فيهم لسر الاختيار الربوبي الظاهر في خلقه الذين هم آثار مشيته المختارة ثم امرهم و نهاهم فيما هم متمكنون من فعله و عرفهم مقتضيات اعمالهم بعد ما الزم كل عمل اثره و هداهم النجدين و مكنهم من سلوكهما و جعلهم مختارين متمكنين من فعل الطاعات التي آثاره التقرب اليه و نيل الكرامات و الخيرات و من فعل المعصية التي آثارها التباعد عنه و الوقوع في الهلكات في الدنيا و الآخرة و ارسل اليهم الرسل و انزل اليهم الكتب اتماما للحجة و ايضاحا للمحجة فمن عمل بالطاعات لزمه اثرها و هو القربات [ص 263] و من عمل بالمعاصي لزمه اثرها و هو الهلكات و اصل هذا التمكن من تركيب الخلق من الوجود و الماهية و الوجود حيث اثريته لفعل الله المطابق له و الطاعات فعله و هي راجعة الي فعل الله و هو اولي بها و الماهية حيث نفس الشخص و المعاصي اثرها و ان كانت بقدر الله و هي اولي بها فما اصابه من حسنة فمن الله و ما اصابه من سيئة فمن نفسه فلم‌يحمد حامد الا ربه و لم‌يلم لائم الا نفسه و الوجود هو عرصة الفضل لانه ابتداء بالنعمة من الله جل جلاله و الماهية عرصة العدل لانها يجري عليها ما تقتضيه فالوجود هو مبدء الرجاء بفضل الله و جوده و الماهية هي منشأ الخوف من عدل الله جل و عز فهو سبحانه لايرجي الا فضله و لايخاف الا عدله فالطاعات هي بنفسها المبشرة بفضل الله و كرمه و المعاصي هي بنفسها المنذرة بعدل الله و اخذه فمن وفق للطاعات فليعلم ان الله سبحانه قد توجه اليه بالفضل و الكرم و من عصي الله فليعلم ان الله سبحانه قد خذله و وكله الي نفسه فينبغي لمن يزعم انه يرجو الله ان يعمل بالطاعات ليلزمه اثرها الذي الزمها الله تعالي بفضله و جوده و لمن يزعم انه يخاف الله ان يجتنب المعاصي التي الزمها الله اثرها بعدله و كذب من زعم انه يرجو الله و لايطيع و كذب من زعم انه يخاف الله و لايجتنب معاصيه ان كان يعلم ان الله الزم كل عمل مقتضاه و صدق في وعده و وعيده و صدقت رسله و كتبه و اما ما يجب ان يرجو الانسان و ان عمل بمعصية الثقلين فلاجل ان نفس الايمان و معرفة الفضل و الرجاء عمل وفقه الله له و بشره به بفضله و ان يخاف الانسان و ان عمل بطاعة الثقلين فلان بقاء الماهية نفسها من الاسباب المنذرة بعدل الله فهو يجب ان يكون خائفا راجيا ما فيه من الوجود و الماهية لان الاثر باق ما بقي المؤثر و لتعلم ان الانسان ما دام حيا باقيا علي اي حال كان متمكنا من تحصيل الجنة و النار و هذا الامكان من كونه مركبا [ص 264] من سببهما فلاتيئس من رحمة الله ما فيك وجود و لاتأمن سخط الله ما فيك ماهية و اسع في تحصيل الجنة ما فيك وجود و لاتيئس من روح الله و اعلم انك اذا وفقت بعد الامر بالدعاء لم‌تحرم الاجابة و اذا وفقت للتوبة لم‌تحرم القبول و اذا وفقت للاستغفار لم‌تحرم المغفرة و اذا وفقت للطاعة لم‌تحرم التقرب و اذا رأيت نفسك في هذه الاحوال فاستبشر بفضل الله و لاتكن من القانطين فلنعنون بعد ذلك فصلا آخر في وجوب حسن الظن بالله فان هيهنا مقامه اللايق به .