ثوب الرياء يشف عما تحته و ان التحفت به فانك عاري
فعلامة صدق الخوف و صحته الهرب من صفات النفس و العمل بمقتضاها من فعل المعاصي و ترك الطاعات و الهرب من الاخلاق الردية و ترك الاخلاق الحسنة و الهرب من العلوم الباطلة الخبيثة و الهرب عن ترك العلوم الطيبة علوم آلمحمد عليهم السلام و الهرب عن الاعراض عن الله و ترك ذكره بالجملة علامة الخوف ترك جميع ما كره الله ثم ربما يظهر آثار الخوف في طبيعة الانسان فيظهر في لونه و اعضائه و اقواله الظاهرة و الباطنة كما سيأتيك في الفصل الآتي بقي شيء في هذا الفصل و هو ان امر الخوف و الرجاء ليس علي ما يزعمه الناس من ان الانسان ينبغي ان يكون خائفا في بعض الاوقات بلا رجاء و راجيا في بعض الاوقات بلا خوف فان ذلك جمع بين عصيانين الامن و اليأس فانه كما ذكرنا ان الرجاء بلا خوف امن و الخوف بلا رجاء يأس و هما محرمان و كذا لايجوز ان تكون خائفا عند العصيان لا راجيا و راجيا عند الطاعة لا خائفا بل المؤمن يجب ان يكون ابدا في كل حال راجيا خائفا اي يكون له حالة بين الخوف و الرجاء مركبة منهما و يشرح تلك الحالة فقرات من مناجاة لامير المؤمنين عليه السلام احب ذكرها هنا فانها معلمة وجوه الخوف و الرجاء علي اكمل وجه فمنها الهي ان كان صغر في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائك املي الهي كيف انقلب بالخيبة من عندك محروما و كان ظني بك و بجودك ان تقلبني بالنجاة مرحوما الهي لماسلط علي حسن ظني بك قنوط الآيسين [ص 206] فلاتبطل صدق رجائي لك بين الآملين الهي عظم جرمي اذ كنت المبارز به و كبر ذنبي اذ كنت المطالب به الا اني اذا ذكرت كثير جرمي و عظيم غفرانك وجدت الحاصل من بينهما عفو رضوانك الهي ان دعاني الي النار بذنبي مخشي عقابك فقد ناداني الي الجنة بالرجاء حسن ثوابك الهي ان اوحشتني الخطايا عن محاسن لطفك فقد آنستني باليقين مكارم عطفك الهي ان انامتني الغفلة عن استعداد لقائك فقد انبهتني المعرفة يا سيدي بكرم آلائك الهي ان عزب لبي عن تقويم ما يصلحني فماعزب ايقاني بنظرك لي فيما ينفعني الهي ان انقرضت بغير ما احببت من السعي ايامي فبالايمان امضتها الماضيات من اعوامي الهي جئتك ملهوفا قد البست عدم فاقتي و اقامني مقام الاذلاء بين يديك ضر حاجتي الهي كرمت فاكرمني اذ كنت من سوّالك و جدت بالمعروف فاخلطني باهل نوالك الهي مسكنتي لايجبرها الا عطاؤك و امنيتي لايغنيها الا جزاؤك الهي اصبحت علي باب من ابواب منحك سائلا و عن التعرض لسواك بالمسئلة عادلا و ليس من جميل امتنانك رد سائل ملهوف و مضطر لانتظار خيرك المألوف الهي اقمت علي قنطرة من قناطر الاخطار مبلوا بالاعمال و الاعتبار فانا الهالك ان لمتعن عليها بتخفيف الاثقال الهي أمن اهل الشقاء خلقتني فاطيل بكائي ام من اهل السعادة خلقتني فابشر رجائي الهي ان حرمتني رؤية محمد صلي الله عليه و آله في دار السلام و اعدمتني تطواف الوصفاء من الخدام و صرفت وجه تأميلي بالخيبة في دار المقام فغير ذلك منتني نفسي منك يا ذا الفضل و الانعام الهي و عزتك و جلالك لو قرنتني في الاصفاد طول الايام و منعتني سيبك من بين الانام و حلت بيني و بين الكرام ماقطعت رجائي منك و لاصرفت وجه انتظاري للعفو عنك ، الي ان قال الهي ان اقعدني التخلف عن السبق مع الابرار فقد اقامتني الثقة بك علي مدارج الاخيار الهي سمع العابدون بجزيل [ص 207] ثوابك فخشعوا و سمع الزاهدون بسعة رحمتك فقنعوا و سمع المولون عن القصد بجودك فرجعوا و سمع المجرمون بسعة غفرانك فطمعوا و سمع المؤمنون بكرم عفوك و فضل عوارفك فرغبوا حتي ازدحمت مولاي ببابك عصائب العصاة من عبادك و عجت اليك منهم عجيج الضجيج بالدعاء في بلادك و لكل امل قد ساق صاحبه اليك محتاجا و قلب تركه وجيب خوف المنع منك مهتاجا و انت المسؤل الذي لاتسود لديه وجوه المطالب و لمترزأ بنزيله فظيعات المعاطب الهي ان اخطأت طريق النظر لنفسي بما فيه كرامتها فقد اصبت طريق الفزع اليك بما فيه سلامتها الهي ان كانت نفسي استسعدتني متمردة علي ما يرديها فقد استسعدتها الآن بدعائك علي ما ينجيها الهي ان عداني الاجتهاد في ابتغاء منفعتي فلميعدني برك بي فيما فيه مصلحتي الهي ان قسطت في الحكم علي نفسي بما فيه حسرتها فقد اقسطت الآن بتعريفي اياها من رحمتك اشفاق رأفتها الهي ان اجحف بي قلة الزاد في المسير اليك فقد وصلته الآن بذخاير ما اعددته من فضل تعويلي عليك الهي اذا ذكرت رحمتك ضحكت اليها وجوه وسائلي و اذا ذكرت سخطتك بكت لها عيون مسائلي ، الي ان قال الهي ادعوك دعاء من لميرج غيرك بدعائه و ارجوك رجاء من لميقصد غيرك برجائه ، الي ان قال الهي قد علمت حاجة نفسي الي ما تكفلت لها به من الرزق في حيوتي و عرفت قلة استغنائي عنه من الجنة بعد وفاتي فيا من سمح لي به متفضلا في العاجل لاتمنعنيه يوم فاقتي اليه في الآجل فمن شواهد نعماء الكريم استتمام نعمائه و من محاسن آلاء الجواد استكمال آلائه الهي لولا ما جهلت من امري ماشكوت عثراتي و لولا ما ذكرت من الافراط ماسفحت عبراتي ، الي ان قال الهي كيف ينقل بنا اليأس الي الامساك عما لهجنا بطلابه و قد ادرعنا من تأميلنا اياك اسبغ اثوابه الهي اذا هزت الرهبة [ص 208] افنان مخافتنا انقلعت من الاصول اشجارها و اذا تنسمت ارواح الرغبة منا اغصان رجائنا اينعت بتلقيح البشارة اثمارها الهي اذا تلونا من صفاتك شديد العقاب اسفنا و اذا تلونا منها الغفور الرحيم فرحنا فنحن بين امرين فلا سخطتك تؤمننا و لا رحمتك تؤيسنا الهي ان قصرت مساعينا عن استحقاق نظرتك فماقصرت رحمتك بنا عن دفاع نقمتك ، الي ان قال الهي لا سبيل لي الي الاحتراس من الذنب الا بعصمتك و لا وصول لي الي عمل الخيرات الا بمشيتك فكيف لي بافادة ما اسلفتني فيه مشيتك و كيف لي بالاحتراس من الذنب ما ان لمتدركني فيه عصمتك الهي انت دللتني علي سؤال الجنة قبل معرفتها فاقبلت النفس بعد العرفان علي مسألتها أفتدل علي خيرك السوّال ثم تمنعهم النوال و انت الكريم المحمود في كل ما تصنعه يا ذا الجلال و الاكرام الهي ان كنت غير مستوجب لما ارجوا من رحمتك فانت اهل التفضل علي بكرمك فالكريم ليس يصنع كل معروف عند من يستوجبه الهي ان كنت غير مستأهل لما ارجو من رحمتك فانت اهل ان تجود علي المذنبين بسعة رحمتك الهي ان كان ذنبي قد اخافني فان حسن ظني بك قد اجارني ، الي ان قال الهي كيف ادعوك و انا انا ام كيف ايئس منك و انت انت الهي ان نفسي قائمة بين يديك و قد اضلها حسن توكلي عليك فصنعت بها ما يشبهك و تغمدتني بعفوك الهي ان كان قد دنا اجلي و لميقربني منك عملي فقد جعلت الاعتراف بالذنب اليك وسائل عللي فان عفوت فمن اولي منك بذلك و ان عذبت فمن اعدل منك في الحكم هنالك ، الي ان قال الهي انك لمتزل بي بارا ايام حيوتي فلاتقطع برك عني ايام وفاتي الهي كيف ايأس من حسن نظرك لي بعد مماتي و انت لمتولني الا الجميل في ايام حيوتي الهي ان ذنوبي قد اخافتني و محبتي لك قد اجارتني فتول من امري ما انت اهله و عد بفضلك علي من غمره جهله ، [ص 209] الي ان قال الهي لولا ما قرفت من الذنوب مافرقت عقابك و لولا ما عرفت من كرمت مارجوت ثوابك و انت اولي الاكرمين بتحقيق امل الآملين و ارحم من استرحم في تجاوزه عن المذنبين ، الي ان قال الهي القتني الحسنات بين جودك و كرمك و القتني السيئات بين عفوك و مغفرتك و قد رجوت الايضيع بين ذين مسيء و محسن الهي اذا شهد لي الايمان بتوحيدك و انطلق لساني بتمجيدك و دلني القرآن علي فواضل جودك فكيف لايتهيج رجائي بحسن موعودك الهي ان نظرت الي بالهلكة عيون سخطتك فمانامت عن استنقاذي منها عيون رحمتك الهي ان عرضني ذنبي لعقابك فقد ادناني رجائي من ثوابك الهي ان عفوت فبفضلك و ان عذبت فبعدلك فيا من لايرجي الا فضله و لايخاف الا عدله صل علي محمد و آلمحمد و امنن علينا بفضلك و لاتستقص علينا في عدلك الي آخر المناجاة ، و روي في آخرها ثم اقبل اميرالمؤمنين عليه السلام علي نفسه يعاتبها و يقول ايها المناجي ربه بانواع الكلام و الطالب منه مسكنا في دار السلام و المسوف بالتوبة عاما بعد عام مااراك منصفا لنفسك من بين الانام فلو دافعت يومك يا غافلا بالصيام و اقتصرت علي القليل من لعق الطعام و احييت مجتهدا ليلك بالقيام كنت احري ان تنال اشرف المقام ايتها النفس اخلطي ليلك و نهارك بالذاكرين لعلك ان تسكني رياض الخلد مع المتقين و تشبهي بنفوس قد اقرح السهر رقة جفونها و دامت في الخلوات شدة حنينها و ابكي المستمعين عولة انينها و الان قسوة الضماير ضجة رنينها فانها نفوس قد باعت زينة الدنيا و آثرت الآخرة علي الاولي اولئك وفد الكرامة يوم يخسر فيه المبطلون و يحشر الي ربهم بالحسني و السرور المتقون انتهي ، و نحن انما استطرفنا من فقراتها طرفا لا لاجل ان بواقيها ليست في الدرجة العليا من حسن المطالب بل لاجل انا [ص 210] اردنا ان نقيد هنا ما يناسب منها الخوف و الرجاء فانت لو تدبرت في مضامينها لوجدته عليه السلام لميلمح الي جانب الخوف لمحة الا و نظر الي جانب الرجاء نظرة و لميؤخره داعي الرهبة خطوة الا و قدمه باعث الرجاء خطوة فهو ابدا متردد بين داعيي الخوف و الرجاء حاذر عن محذور القنوط و الامن فان اسمنه لذيذ مشتهي الرجاء اهزله مرعوب منظر الخوف فهو ابدا متردد بين هذين طاير بهذين الجناحين يسوقه زاجر الخوف و يقوده داع الرجاء و يهيجه حبه لمولاه و لو تفكرت في هذه الفقرات لوجدتها مشحونة بانواع اسباب الخوف و علل الرجاء و لعرفت ان المؤمن لا بد له من ان يكون ابدا خائفا في جميع الحالات لانه لايفقد نفسه الجانية التي وجودها ذنب لايساويه ذنب و هو من اعظم اسباب الخلود في النار و لايفقد ربه الكريم العفو المتفضل المبتدئ بالنعمة الداعي الي طلب الرحمة و الجنة الواعد للمغفرة و العفو و الاجابة فان كان لايفقد احدهما ابدا فكيف ينقطع خوفه او رجاؤه و اعلم انه ليس الخوف ضد الرجاء فانهما يجب ان يجتمعا بل الخوف ضده الامن و هو غير الرجاء فان الامن هو يقين النجاة و الرجاء توقع الخير في تردد ما و الرجاء ضده القنوط فان الخوف هو توقع الشر في تردد و القنوط يقين الشر و يقين بعدم الخير بالجملة الانسان لا بد و ان يكون في كل حال راجيا خائفا اي يكون له حالة بين الخوف و الرجاء مركبة منهما و ليس مرادي ان لايكون راجيا و لا خائفا بل مرادي ان يكون راجيا خائفا معا يعني ينبغي ان يكون له حالة الحيران لايدري كيف يكون حاله أيؤخذ بذنبه ام يعفي عنه كالمقصر الواقف بين يدي السلطان العطوف العفو الرؤف الشديد البطش الشديد الانتقام قد وقف شفعاء مقبولون من جهة و مدعوا حقوق عليه من جهة فيكون هو والها حيران لايدري ما يقضي عليه قال الله سبحانه نبئ عبادي اني انا الغفور الرحيم [ص 211] و ان عذابي هو العذاب الاليم فاذا صار العبد واقفا بين هاتين الحالتين متحيرا في امر نفسه يكون دائما خائفا راجيا و يعتدل جناحاه و يقف علي القطب لايميل الي ملاحظة المنافع الفضلية و لا المضار العدلية و يعرض عن نفسه فيتعلق به روح الحب الواقف فوق الخوف و الرجاء فيؤثر المحبوب علي ما سواه و يباشر اوامره و يجتنب نواهيه و ينسي نفسه و يستأنس بظل المحبوب و اما الراجي المحض فهو طالب للمنافع و الخائف المحض فمجتنب للمضار و لايخلو من ملاحظة نفسه و قد مر الادلة علي ذلك في الاحاديث السابقة فراجع و نعنون هنا فصلا نذكر فيه بعض خوف الاولياء سلام الله عليهم لتعرف حد الخوف و تقتدي بهم صلوات الله عليهم .
فصل - في ذكر بعض خوف الانبياء و الاولياء سلام الله عليهم ففي حلية الابرار عن اميرالمؤمنين عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان اذا قام الي الصلوة يسمع لصدره و جوفه ازيز كازيز المرجل علي الاثافي من شدة البكاء و قد امنه الله عز و جل من عقابه فاراد ان يتخشع لربه ببكائه و يكون اماما لمن اقتدي به و عن علي بن ابرهيم القمي في حديث عن ابيذر قال دخلنا علي رسول الله صلي الله عليه و آله عشيا فرأيناه كئيبا حزينا فسلمنا عليه فلميرد علينا السلام فلما اصبحنا اتيناه فرأيناه ضاحكا فرحا مستبشرا فقلنا له بآبائنا و امهاتنا دخلنا عليك البارحة فرأيناك كئيبا حزينا ثم عدنا اليك اليوم فرأيناك فرحا مستبشرا فقال كان قد بقي عندي من فيء المسلمين اربعة دنانير لماكن قسمتها و خفت ان يدركني الموت و هي عندي و قد قسمتها اليوم فاسترحت منها و عن ابيجعفر احمد القمي قال الصادق عليه السلام بينا رسول الله صلي الله عليه و آله ذات يوم قاعد اذ نزل عليه جبرئيل كئيبا فقال رسول الله صلي الله عليه و آله يا اخي جبرئيل ما لي اراك كئيبا حزينا فقال و كيف لااكون [ص 212] كذلك و قد وضعت منافخ جهنم اليوم فقال رسول الله صلي الله عليه و آله و ما منافخ جهنم فقال ان الله امر النار فاوقد عليها الف عام فاحمرت ثم اوقد عليها الف عام فابيضت ثم اوقد عليها الف عام فاسودت فهي سوداء مظلمة ظلمات بعضها فوق بعض فلو ان حلقة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت علي الجبال لذابت من حرها و لو ان قطرة من الزقوم و الضريع قطرت في شراب اهل الدنيا لمات اهل الدنيا من نتنها قال فبكي رسول الله صلي الله عليه و آله و بكي جبرئيل عليه السلام فاوحي الله اليهما اني قد آمنتكما من ان تذنبا فتستحقان النار و لكن كونا هكذا و قد مر في فصل اجتهاد الائمة عليهم السلام في العبادة حديث ابيالدرداء و غشية علي عليه السلام من خوف الله مع احاديث اخر دالة علي خوفهم صلوات الله عليهم و روي في حلية الابرار من كشف الغمة قال قال طاووس رأيت رجلا يصلي في المسجد الحرام تحت الميزاب و يدعو و يبكي في دعائه فجئته حين فرغ من صلوته فاذا هو علي بن الحسين فقلت له يا ابن رسول الله رأيتك علي حالة كذا و كذا و لك (ظ) ثلثة ارجو ان تؤمنك من الخوف احدها انك ابن رسول الله و الثاني شفاعة جدك رسول الله و الثالث رحمة الله تعالي فقال يا طاووس اما اني ابن رسول الله فلايؤمنني لان الله تعالي يقول فلا انساب بينهم يومئذ و اما شفاعة جدي فلاتؤمنني لان الله تعالي يقول و لايشفعون الا لمن ارتضي و اما رحمة الله فان الله تعالي يقول ان رحمة الله قريب من المحسنين و لااعلم اني محسن و قال سقط لعلي بن الحسين ابن في بئر ففزع اهل المدينة لذلك حتي اخرجوه و كان قائما يصلي فمازال في محرابه فقيل له في ذلك فقال ماشعرت اني كنت اناجي ربا عظيما و عن يوسف بن اسباط قال حدثني ابي قال دخلت مسجد الكوفة فاذا شاب ينادي و يناجي ربه و يقول في سجوده سجد وجهي متعفرا بالتراب لخالقي و حق [ص 213] له فقمت اليه فاذا هو علي بن الحسين فلما انفجر الفجر نهضت اليه فقلت له يا بن رسول الله تعذب نفسك و قد فضلك بما فضلك فبكي ثم قال حدثني عمر بن عثمن عن اسامة بن زيد قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله كل عين باكية يوم القيمة الا اربعة عين بكت من خشية الله و عين فقئت في سبيل الله و عين غضت عن محارم الله و عين باتت ساهرة ساجدة يباهي الله بها الملئكة يقول انظروا الي عبدي روحه عندي و جسده في طاعتي حتي جافي بدنه المضاجع يدعوني خوفا و طمعا خوفا من عذابي و طمعا في رحمتي اشهد اني قد غفرت له و في الحلية عن ابنبابويه بسنده عن طاوس اليماني قال مررت بالحجر فاذا انا بشخص راكع و ساجد فتاملته فاذا هو علي بن الحسين فقلت يا نفس رجل صالح من اهل بيت النبوة والله لاغتنمن دعاءه فجعلت ارقبه حتي فرغ من صلوته و رفع باطن كفيه الي السماء و جعل يقول سيدي سيدي هذه يداي قد مددتهما اليك بالذنوب مملوة و عيناي بالرجاء ممدودة و حق لمن دعاك بالندم تذللا ان تجيبه بالكرم تفضلا أمن اهل الشقاء خلقتني فاطيل بكائي ام من اهل السعادة خلقتني فابشر رجائي سيدي أللضرب خلقت اعضائي ام لشرب الحميم خلقت امعائي سيدي لو ان عبدا استطاع الهرب من مولاه لكنت اول الهاربين منك لكنني اعلم اني لاافوتك سيدي لو ان عذابي مما يزيد في ملكك لسألتك الصبر عليه غير اني اعلم انه لايزيد في ملكك طاعة المطيعين و لاينقص منه معصية العاصين سيدي ما انا و ما خطري هب لي بفضلك و جللني بسترك و اعف عن توبيخي بكرم وجهك الهي و سيدي ارحمني مصروعا علي الفراش تقلبني ايدي احبتي و ارحمني مطروحا علي المغتسل يغسلني صالح جيرتي و ارحمني محمولا قد تناول الاقرباء اطراف جنازتي و ارحم في ذلك البيت المظلم وحشتي و وحدتي و غربتي قال طاوس فبكيت حتي علا نحيبي فالتفت الي [ص 214] فقال ما يبكيك يا يماني أوليس هذا مقام المذنبين قلت حبيبي حقيق علي الله ان لايردك و جدك محمد صلي الله عليه و آله قال فبينما نحن كذلك اذ اقبل نفر من اصحابه فالتفت اليهم فقال معاشر اصحابي اوصيكم بالآخرة و لست اوصيكم بالدنيا فانكم بها مستوصون و عليها حريصون و بها مستمسكون معاشر اصحابي الدنيا دار ممر و الآخرة دار مقر فخذوا من ممركم لمقركم و لاتهتكوا استاركم عند من لاتخفي عليه اسراركم و اخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل ان تخرج منها ابدانكم أمارأيتم و سمعتم ما استدرج به من كان قبلكم من الامم السالفة و القرون الماضية ألمتروا كيف فضح مستورهم و امطر مطر الهوان عليهم بتبديل سرورهم بعد خفض عيشهم و لين رفاهيتهم صاروا حصايد النقم و مدارج المثلات اقول قولي هذا و استغفر الله لي و لكم و قد مر دعاؤه عليه السلام الذي اوله الهي و عزتك و جلالك المنبئ عن خوف لا غاية له و لا نهاية و عن كمالالدين بن طلحة الشامي من المخالفين قال قال افلح مولي ابيجعفر خرجت مع محمد بن علي خارجا فلما دخل المسجد نظر الي البيت فبكي حتي علا صوته فقلت بابي و امي ان الناس ينظرون اليك فلو رفقت بصوتك قليلا فقال لي ويحك يا افلح و لم لاابكي لعل الله تعالي ان ينظر الي منه برحمة فافوز بها عنده غدا قال ثم طاف بالبيت ثم جاء حتي ركع عند المقام فرفع رأسه من سجوده فاذا موضع سجوده مبتل من كثرة دموع عينه و كان اذا ضحك قال اللهم لاتمقتني و روي المجلسي رحمه الله عن ابنبابويه (ره) بسند معتبر عن علي بن الحسين عليه السلام ما معناه انه كان في بنياسرائيل رجل نباش فمرض بعض جيرانه و خاف علي نفسه ان يموت و يسرق ذلك النباش كفنه فطلبه فقال له اي جار كنت لك قال كنت جارا حسنا لي فقال لي اليك حاجة قال قل فان حاجتك مقضية فاحضر عنده كفنين فقال اختر [ص 215] احسنهما لك و اترك لي الآخر اكفن فيه و اذا دفنت فلاتنبش قبري و لاتأخذ كفني فابي النباش و بالغ المريض حتي اختار احسنهما فلما مات المريض و دفن قال النباش في نفسه مايعلمه بعد موته اني اخذت كفنه فنبش قبره فاذا صاح عليه صايح لاتفعل فخاف و تركه و رجع فقال لولده اي اب كنت لكم قالوا خيرا فقال لي اليكم حاجة قالوا قل فان حاجتك مقضية قال اريد ان تحرقوا جسدي اذا مت و تدقوا عظامي فاذا عصفت الريح تنسفوا نصف رمادي الي البر و نصفه الي البحر ففعلوا فاوحي الله الي البر ان اجمع ما فيك و الي البحر ان اجمع ما فيك فاحياه الله و اقامه فقال له ما حملك علي هذه الوصية فقال و عزتك فعلت ما فعلت من خوفك فقال الله تعالي لما فعلت ذلك من خوفي لارضين عنك خصماءك و لابدلن خوفك بالامن و اغفر لك ذنوبك و عنه ما معناه انه كان النبي صلي الله عليه و آله ذات يوم قاعدا تحت شجرة في يوم شديد الحر فاذا برجل قد جاء و نزع ثيابه و تمعك علي التراب و قد يضع بطنه علي التراب و قد يمسح جبهته و يقول يا نفسي ذوقي فان عذاب الله اعظم منها فنظر اليه النبي صلي الله عليه و آله فلبس ثيابه فطلبه النبي صلي الله عليه فقال له ما حملك علي ما صنعت قال خوف الله و اذقت نفسي هذا الحر لتعلم انها لاتطيق عذاب الله الذي هو اشد من هذا فقال له رسول الله صلي الله عليه و آله لقد خفت الله حق خوفه فقد باهي الله بك ملئكة السماوات ثم قال لاصحابه ادنوا منه يدعو لكم فدنوا منه فقال اللهم اجمع امرنا علي الهداية و اجعل التقوي زادنا و اجعل الجنة مآبنا و عنه عن النبي صلي الله عليه و آله ما معناه انه كان في الزمان السالف ثلثة يمشون في طريق فجاءهم مطر فلاذوا بغار فاذا بحجر نزل و سد عليهم باب الغار فقال بعضهم والله لاينجيكم من هذه المهلكة الا الصدق تعالوا نذكر لله تعالي عملا يعلم الله انا صدقنا فقال واحد منهم اللهم [ص 216] ان كنت تعلم انه كان لي اجير فعمل لي عملا علي ان يأخذ مني ارزا فغاب قبل ان يأخذ اجرته فزرعت ارزه له و اشتريت له بحاصله بقرا فلما جاء و طلب مني اجرته قلت تلك البقر منك فقال اني اطلب منك قليل ارز فقلت له هذا القطيع كله من حاصل ذلك الارز و كله لك فاعطيته اياه كله الهي ان كنت تعلم اني فعلت ذلك من خوفك ادفع عنا هذا البلاء فتنحي الحجر قليلا و قال الآخر الهي ان كنت تعلم انه كان لي ابوان كبيرين و آتي كل ليلة بلبن غنمي لهما و لعيالي و ابطأت ليلة فناما و يصيح اهلي و عيالي جوعا و كنت لااطعمهم كل ليلة حتي اطعم ابوي فكرهت ان اوقظهما و كرهت ان اطعم عيالي قبلهما فبقيت عندهما خوف ان يستيقظا و لماكن حاضرا فانتظرتهما الي الصبح الهي ان كنت تعلم اني فعلت ذلك خوفا منك ففرج عنا فتنحي الحجر ايضا قليلا و قال الثالث الهي ان كنت تعلم انه كان لي بنت عم و احبها كثيرا و اردت ان اخدعها فقالت لاامكن نفسي منك حتي تاتيني بمائة دينار فحصلت مائة دينار و اعطيتها فرضيت فلما قعدت منها مقعد الرجل من اهله قالت خف الله و لاتكسر خاتم الله فقمت و تركت الدنانير لها فان كنت تعلم اني فعلت ذلك خوفا منك فباعد هذا البلاء عنا فتنحي الحجر و خرجوا و في الكافي بسنده عن مالك بن عطية عن ابيعبدالله عليه السلام قال بينا اميرالمؤمنين صلوات الله عليه في ملأ من اصحابه اذ اتاه رجل فقال يا اميرالمؤمنين انني اوقبت غلاما فطهرني فقال له يا هذا امض الي منزلك لعل مرارا هاج بك فلما كان من غد عاد اليه فقال له يا اميرالمؤمنين انني اوقبت علي غلام فطهرني فقال له يا هذا امض الي منزلك لعل مرارا هاج بك حتي فعل ذلك ثلثا بعد مرته الاولي فلما كان في الرابعة قال له يا هذا ان رسول الله صلي الله عليه و آله حكم في مثلك بثلثة احكام فاختر ايهن شئت [ص 217] قال و ما هن يا اميرالمؤمنين قال ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت او اهدار من جبل مشدود اليدين و الرجلين او احراق بالنار فقال يا اميرالمؤمنين ايهن اشد علي قال الاحراق قال اني قد اخترتها يا اميرالمؤمنين قال خذ لذلك اهبتك فقال نعم فقام فصلي ركعتين ثم جلس في تشهده فقال اللهم اني قد اتيت من الذنب ما قد علمت و انني تخوفت من ذلك فجئت الي وصي رسولك و ابن عم نبيك فسألته ان يطهرني فخيرني ثلثة اصناف من العذاب اللهم فاني قد اخترت اشدها اللهم فاني اسالك ان تجعل ذلك كفارة لذنوبي و ان لاتحرقني بنارك في آخرتي ثم قام و هو باك حتي جلس في الحفرة التي حفر لها اميرالمؤمنين عليه السلام و هو يري النار تأجج حوله قال فبكي اميرالمؤمنين صلوات الله عليه و بكي اصحابه جميعا فقال له اميرالمؤمنين عليه السلام قم يا هذا فقد ابكيت ملئكة السماء و ملئكة الارض فان الله قد تاب عليك فقم و لاتعاودن شيئا مما فعلت و روي المجلسي رحمه الله بسند معتبر عن الباقر عليه السلام ما معناه انه كانت زانية في بنياسرائيل قد فتنت كثيرا من شبان بنياسرائيل فقال بعضهم يوما لو رآها فلان العابد لافتتن بها فقالت والله لاادخل داري حتي افتنه فقصدته في ليلتها و دقت بابه و قالت آوني حتي ابيت في بيتك ليلتي فابي عليها فقالت ان بعض شبان بنياسرائيل قصدوا بي الزنا و فررت منهم و ان لمتؤوني يلحقوا بي و يفضحوني ففتح عليها الباب فلما دخلت القت جلابيبها فلما بصر بها العابد افتتن بها و مد يده اليها فتذكر من ساعتها فتركها و كان له قدر علي الاثافي تحته نار فادخل يده في النار فقالت ما تصنع قال احرق يدي لخطائي فخرجت و اعلمت بنياسرائيل ان العابد يحرق يده فلما جاؤا وجدوا قد احترقت تمام يده و بسند معتبر آخر عن الصادق عليه السلام ما معناه انه كان في بنياسرائيل عابد فضافت [ص 218] عنده امرأة فوسوس اليه الشيطان فيها و كلما كان يوسوس اليه يدخل اصبعا منه في النار حتي يخرج ذلك الخيال من رأسه و لميزل يفعل ذلك الي الصبح فلما اصبح قال لها اخرجي فبئس الضيف كنت لنا و روي عن النبي صلي الله عليه و آله ما معناه انه كان من زهد يحيي انه دخل بيتالمقدس يوما فنظر الي العباد و الرهبان و الاحبار قد لبسوا قمصا من الشعر و علي رؤسهم قلانس من الصوف و في اعناقهم سلاسل قد ربطوها بالاساطين فلما رآهم جاء الي امه فقال يا امه حوكي لي قميصا من الشعر و قلنسوة من الصوف حتي اذهب الي بيتالمقدس و اعبد الله مع العباد و الرهبان فقالت له اصبر حتي يجيء ابوك نبي الله و اشاوره فلما جاء زكريا حكت له قول يحيي فقال له زكريا يا بني ما حملك علي هذا و انت صبي فقال له يحيي يا ابه أمارأيت اصغر مني قد ذاق الموت فقال بلي فقال زكريا لامه افعلي ما يقول فحاكت له قميصا من الشعر و قلنسوة من الصوف فلبسهما و ذهب الي بيتالمقدس فاشتغل بالعبادة مع العباد حتي اكل القميص بدنه فنظر يوما الي بدنه فرآه قد نحف فبكي فاوحي الله اليه يا يحيي أتبكي من نحافة بدنك و عزتي و جلالي لو نظرت الي جهنم نظرة للبست قميصا من حديد عوض الحلس فبكي يحيي حتي تقرح وجهه بحيث انه قد بدي اسنانه فلما انتهي خبره الي امه جاءت باكية اليه و اجتمع حوله عباد بنياسرائيل و اخبروه ان وجهك تقرح كذا فقال ماشعرت به فقال له زكريا لم تفعل ذلك يا بني اني سألت الله ابنا اسر به فقال له يحيي يا ابه انت امرتني بذلك و قلت ان بين الجنة و النار عقبة لايجوزها الا البكاؤن من خوف الله قال له زكريا نعم يا بني انا قلت كذا اجهد في عبادة الله فان الله امرك بامر آخر ايضا فقالت له امه يا بني اتأذن لي ان اهيئ لك قطعتي لبادة اضعهما علي وجنتيك حتي تسترا اسنانك و تجذبا دمعتك قال شأنك فصنعت [ص 219] له قطعتي لبادة فوضعهما علي وجنتيه و عصرت كمها فجري الماء من بين اصابعها فلما ابصر زكريا منه هذه الحال بكي و توجه الي السماء فقال الهي هذا ابني و هذا دمعه و انت ارحم الراحمين و كان زكريا اذا اراد ان يعظ بنياسرائيل كان ينظر يمينا و شمالا فان كان يحيي حاضرا لميذكر الجنة و النار و كان ذات يوم يحيي غائبا فشرع في الموعظة فتقنع يحيي بعبائه و جلس بين الناس و لمير زكريا يحيي فقال ان حبيبي جبرئيل اخبرني ان الله تعالي يقول ان في جهنم جبلا يسمي سكرانا و في اسفله واد يسمي غضبان لانه سعر بغضب الله و في ذلك الوادي بئر عمقها مسيرة مائة سنة و في تلك البئر توابيت من النار و فيها ثياب و سلاسل و اغلال من النار فلما سمع يحيي ذلك رفع رأسه و صاح واغفلتاه ما اغفلنا من سكران و توجه الي البرية فقام زكريا من مجلسه و ذهب الي ام يحيي و قال اطلبي يحيي فاني اخاف ان لاترينه الا بعد موته فخرجت في طلبه حتي وصلت الي قوم من بنياسرائيل فسألوها اين تذهبين يا ام يحيي قالت في طلب ابني يحيي فانه سمع اسم النار و توجه الي البرية فذهبت حتي وصلت الي راع فسئلته عن شاب بهذه الصفة و هذه الهيئة قال لعلك تريدين يحيي قالت نعم قال رأيته الآن في العقبة الفلانية و قد تنقع رجلاه في ماء عينه و قد رفع رأسه الي السماء و هو يقول بعزتك يا مولاي لااذوق البارد ما لمار مكاني عندك فلما جاءته امه و رأته ذهبت اليه و وضعت رأسه بين ثدييها و احلفته بالله ان يأتي معها الي البيت فاتي و التمست منه ان ينزع منه قميص الشعر و يلبس قميص الصوف فانه انعم و الين فقبل يحيي فلبس الصوف و طبخت له عدسا فتناول منه فغلبه النوم الي وقت الصلوة فنودي في منامه يا يحيي تريد بيتا خيرا من بيتي و تطلب جارا خيرا مني فلما سمع ذلك تنبه فقال الهي اقل عثرتي و عزتك لاآوي ظلا الا ظل بيتالمقدس [ص 220] فقال يا اماه جيئيني بقميص شعري فاعطته فتعلقت به حتي تمنعه فقال لها زكريا يا ام يحيي اتركيه فقد كشف عن قلبه الغطاء فلاينتفع بعيش الدنيا فقام فلبس القميص من الشعر و قلنسوة الصوف و ذهب الي بيتالمقدس و طفق يعبد مع الاحبار و الرهبان حتي استشهد و ذكر الديلمي في الارشاد انه روي ان ابرهيم عليه السلام كان يسمع منه في صلوته ازيز كازيز المرجل من خوف الله تعالي في صدره و كان سيدنا رسول الله صلي الله عليه و آله كذلك و كان اميرالمؤمنين عليه السلام اذا قال وجهت وجهي للذي فطر السموات و الارض يتغير وجهه و يصفر لونه فيعرف ذلك في وجهه من خيفة الله و كانت فاطمة عليها السلام تنهج ● في صلوتها من خوف الله و كان علي بن الحسين عليه السلام يتغير وجهه في صلوته من خوف الله انتهي ، و اني اذكرك يا اخي و نفسي الغافلة ان الخوف حالة نفسانية و ليس بقول و لا عمل فاذا حصل الخوف في النفس انعكس عكسه في العالمة و وقع منها في الخيال و وقع منه في الحس المشترك و وقع في الاخلاط و ظهر آثاره في ظاهر البدن مما بينا و حدث عنه الهرب و ما كان من الخوف حاصلا علي هذا النمط فهو الخوف الصحيح و هو يورث الرجاء فانك اذا خفت من معاصي الله و الاعراض عنه هربت منها و توجهت الي الله سبحانه و شاهدت الفضل و حصل لك الرجاء و ما كان سبب الخوف من بدنك فهو سوداء هاجت في بدنك و حصل منها ابخرة ردية سوداء مظلمة و صعدت الي دماغك و تعلق بها شياطين فاوحشوك من وجه غلبوا علي حسب كمية تلك الابخرة و كيفيتها و خصوصياتها فما كان كذلك تلتجي به من ضرر شيطان الي شيطان و من معصية الي معصية و يورث ذلك لك اليأس من الله و ذلك كالرجل [ص 221] الذي كان يخاف وقوع الموت به فشرب الخمر لان يغفل و يطمئن و يخاف من سطوة سلطان فيلتجي الي سلطان آخر او يبتلي بقطاع طريق يريد واحد منهم قتله فيلتجي بالآخر و يلوذ به و يضربه واحد فيفر الي آخر منهم و كلهم قطاع طريق و عدوه و مهلكه فامثال هذا الخوف ناشئة من الاخلاط الفاسدة و هو نوع من الماليخوليا و يورث لك اليأس و انت لو فتشت اغلب احوال الناس لوجدتها من طبايعهم و علامة ذلك اختلافها في المواطن فمن خاف الله خافه في جميع اعماله فمن يخافه في طهارته دون صلوته فذلك من شيطان تعلق به و من رجاه في الدنيا و لميرجه في الآخرة او في وجه دون وجه فذلك من شيطان متعلق و كذلك الذي يسخو بالضيافة و لايؤدي الزكوة و الذي يحلم في الله بزعمه و لايغضب و يصدق في مواضع لا ضرر له فيها و يكذب في مواضع يضر به الصدق و هكذا كلها من ارض الطبايع و سكنتها من الشياطين و لايؤل الي خير ابدا و اغلب تقوي الناس و اعمالهم و طاعاتهم امور طبيعية لايؤل الي الله سبحانه و الايمان روح اذا حصل في البدن له اقتضاء في جميع اخلاقه و احواله و افعاله و اقواله علي نهج واحد و يعمل في كلها علي حسب رضاء الله و امره و حكمه البتة فعلامة الخوف الصادق الحق ظهور آثاره في البدن و الهرب من المعاصي و عدم اليأس و اجتماعه مع الرجاء كما بينا هذا و متعلقهما اثنان فان الانسان يجب ان يخاف من مقتضيات اعماله السيئة و يرجو الله في فضله و لا منافاة بينهما ألاتري انك لو كان عن يسارك اسد ضار و عن يمينك حافظ شجاع كلما التفت الي الاسد خفته و كلما التفت الي الحافظ الشجاع رجوته و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
فصل - في الحزن و لما كان الحزن قريبا من الخوف و لازما له احببنا ان نذكر فصلا آخر للحزن و فضله و هو انقباض الروح الي الداخل لنفرته [ص 222] عن مكروه ادركه فان كان المكروه قد مضي فيكون غما و ان كان يتوقعه ان يقع فهو الهم فالحزن اعم منهما و ضده الفرح و هو انبساط الروح الي الخارج لملايم ادركه فاذا انقبض الروح الي الداخل و اجتمع في القلب متأثرا عن ذلك المكروه تعطل العين عن النظر و الاذن عن السماع و اللسان عن النطق و الاعضاء عن الحركة و لربما اشتد احتقان الحرارة في القلب و صعدت الي الرأس و جري الدمع كما قال الله تعالي تري اعينهم تفيض من الدمع حزنا ان لايجدوا ما ينفقون و الحزن في العالم المملو من المكاره و الآلام من علامات الشعور و الحس فان ذا الحس يتألم و من لا حس له لايتألم كالميت فالعاقل في الدنيا محزون ابدا و اعلم ان الحزن حزنان حزن مذموم و حزن ممدوح اما الحزن المذموم فهو الحزن علي فوت ما فات من الدنيا و نعيمها و ذلك من شدة حب الدنيا و هو من جنود الجهل و لذلك عد مولانا الصادق عليه السلام الفرح من جنود العقل و الحزن من جنود الجهل و ذلك ان الفرح منبعث عن الرضا بقضاء الله و الحزن منبعث عن السخط بفوات الدنيا و ذلك مذموم و اما الحزن الممدوح فهو الحزن بنقصان الايمان و تفريط العمر و التقصير في طاعة الله و طاعة رسوله و طاعة اوليائه و في اداء حقوقهم و ذلك من قوة العقل و من خواصه و علامته و ذلك يورث الاعراض عن الدنيا و الاقبال الي الله تعالي بخلاف الحزن الاول فانه يورث الادبار عن الله عز و جل و الاقبال الي الدنيا و بينهما بون بعيد اكثر من الثريا الي الثري و لنعم ما قال الديلمي ليس العجب من ان يكون الانسان حزينا بل العجب انه كيف يخلو من الحزن ساعة واحدة و كيف لايكون كذلك و هو يصبح و يمسي علي جناح سفر بعيد اول منازله الموت و مورده القبر و مصدره القيمة و موقفه بين يدي [ص 223] الله تعالي اعضاؤه شهوده و جوارحه جنوده و ضمايره عيونه و خلواته عيانه يمسي و يصبح بين نعمة يخاف زوالها و منية يخاف حلولها و بلية لايأمن نزولها مكتوم الاجل مكنون العلل محفوظ العمل صريع بطنته و عبد شهوته و عريف زوجته متعب في كل احواله حتي في اوقات لذته بين اعداء كثيرة نفسه و الشيطان و الاهل و العائلة يطلبونه بالقوت و حاسده يحسده و جار يؤذيه و اهل يقطعونه و قرين سوء يريد حتفه و الموت موجه اليه و العلل متقاطرة عليه و لقد جمع هذا كله مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام قال عين الدهر تطرف بالمكاره و الناس بين اجفانه الي آخر كلامه و في كتاب الاثنيعشرية عن علي بن الحسين عليهما السلام الناس في زماننا علي ست طبقات اسد و ذئب و ثعلب و كلب و خنزير و شاة فالاسد فملوك الدنيا يحب كل واحد ان يغلب و لايغلب و اما الذئب فتجاركم يذمون اذا اشتروا و يمدحون اذا باعوا و اما الثعلب فهؤلاء الذين يأكلون باديانهم و لايكون في قلوبهم ما يصفون بالسنتهم و اما الخنزير فهؤلاء المخنثون و اشباههم لايدعون الي فاحشة الا اجابوا و اما الكلب يهر علي الناس بلسانه و يكرمه الناس من شر لسانه و اما الشاة فالمؤمن تجز شعورهم و تؤكل لحومهم و يكسر عظمهم فكيف يصنع الشاة بين اسد و ذئب و ثعلب و كلب و خنزير انتهي ، اقول لايكاد يسلم و ينجو من ايديهم فكيف يفرح المؤمن و هو في كل حال يخاف حلول الآفات عليه من كل جانب يروي عن افلاطون انه قال الافلاك قسي و الحوادث سهام و انت غرض و الله الرامي فاين المفر فسمع ذلك حكيم فقال ففروا الي الله و لنعم ما قال و في مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام الحزن من شعار العارفين لكثرة واردات الغيب علي سرايرهم و طول مباهاتهم تحت سر الكبرياء و المحزون ظاهره قبض و باطنه بسط يعيش مع الخلق [ص 224] عيش المرضي و مع الله عيش القربي و المحزون غير المتفكر لان المتفكر متكلف و المحزون مطبوع و الحزن يبدو من الباطن و الفكر يبدو من المتجددات و بينهما فرق قال الله عز و جل انما اشكو بثي و حزني الي الله و اعلم من الله ما لاتعلمون فبسبب (ظ) ما تحت الحزن علم خص به من الله دون العالمين و روي في الارشاد ان النبي صلي الله عليه و آله كان دائم الفكر متواصل الحزن فان الحزن من اوصاف الصالحين و ان الله تعالي يحب كل قلب حزين و اذا احب الله قلبا نصب فيه نائحة الحزن و لايسكن الحزن الا قلبا سليما و قلب ليس فيه الحزن خراب و لو ان محزونا كان في امة لرحم الله تلك الامة و في جامع الاخبار عن اميرالمؤمنين عليه السلام علامات المؤمن اربعة اكله كاكل المرضي و نومه كنوم الغرقي و بكاؤه كبكاء الثكلي و قعوده كقعود الواثب و عنه عليه السلام المؤمن يكون صادقا في الدنيا راعي القلب حافظ الحدود ، الي ان قال كثير التبسم دائم الحزن كثير التفكر قليل النوم و الضحك و قال دخل سلمان علي اميرالمؤمنين عليه السلام فقال كيف اصبحت يا اميرالمؤمنين قال اصبحت والله مشغول القلب بثمان خصال فقال سلمان و ما هن يا اميرالمؤمنين فقال ان الله يطالبني بالفرض و النبي بالسنة و الملك بصدق اللسان و النفس بالشهوة و العيال بالقوت و ملك الموت بالروح و القبر بالجسد و منكر و نكير باقامة الحجة فالويل كل الويل يا سلمان لمن لميكن فيه هذه الخصال و قيل للحسين بن علي عليه السلام كيف اصبحت يا بن رسول الله قال اصبحت و ربي فوقي و النار امامي و الموت يطلبني و الحساب محدق بي و انا مرتهن بعملي لااجد ما احب و لاادفع ما اكره و الامور بيد غيري فان شاء عذبني و ان شاء عفي عني فأي فقير افقر مني قال قلت لامير المؤمنين عليه السلام كيف اصبحت [ص 225] قال كيف يصبح من كان لله عليه حافظان و علم ان خطاياه مكتوبة في الديوان فان لميرحمه ربه فمرجعه الي النيران و قيل لسلمان الفارسي رضي الله عنه كيف اصبحت قال كيف يصبح من كان الموت غايته و القبر منزله و الديدان جواره فان لميغفر فالنار مسكنه و في الكافي عن اميرالمؤمنين عليه السلام في صفات المؤمن بشره في وجهه و حزنه في قلبه و عن عمرو بن جميع العبدي عن ابيعبدالله عليه السلام شيعتنا الشاحبون الذابلون الناحلون الذين اذا جنهم الليل استقبلوه بحزن ، الي غير ذلك من الاخبار و اعلم ان الحزن من جبلة روح الايمان فان المؤمن اذا رأي من نفسه التقصير في حق مولاه الذي خلقه لا من شيء لايبرح عن الحزن لاسيما اذا تفكر في قصر العمر و غلبة النفس و استحواذ الشيطان و ضعف العقل و كثرة المكاره و العوايق الدنياوية المانعة عن التفرغ للطاعة و العبادة و اصلاح النفس و لكن مع ذلك لايمنعه حزنه ذلك عن التبسم في وجوه المؤمنين و البشر في وجه الاهل و الاولاد و الاخوان فان الحزن الذي من الطبيعة يمنع الانسان عن البشر الطبيعي فان الطبيعة لها جهة واحدة و اما الحزن الذي هو من طباع روح الايمان فلاينافي البشر في وجوه الاخوان فان روح الايمان من نور الرحمن مستول علي الطبايع يستعمل كل طبع في محله بلا مصادمة و ممانعة فلو كان سبب الحزن في يمينه و سبب الفرح في شماله يحزن اذا نظر الي اليمين و يفرح اذا نظر الي الشمال في آنين متقاربين و ذلك هو الفرق في الصفات الطبعانية و الصفات الايمانية فالايمان يجمع بين المتضادات و الطبع يختص باحدي الجهات و اعلم ان الحزن الذي هو من روح الايمان ليس يورث الكسالة عن الاعمال الصالحة بل يكون باعثا لصاحبه علي المسارعة الي الجد و الاجتهاد في الطاعة من غير [ص 226] كسالة و لا سآمة بخلاف الحزن الطبيعي فانه يورث الكسالة و السآمة و الانضجار و الملالة و اعلم ان المؤمن المحزون اذا حزن علي ما فرط من عمره بادر الي العمل ليلحق بالسابقين و سارع الي السلوك الي رب العالمين و مثل هذا ان الانسان اذا تأخر في سفره عن السفر فان قعد في محله و حزن علي تفريطه و بكي علي تقصيره فاته السابقون و لحقه المتأخرون و جازوا عنه فبقي منفردا يقطعه قطاع الشياطين و ان بادر الي المشي اول ما تنبه لحق السابقين و فات المتأخرين و امن من شر الشياطين و قطاع طريق الدين فيا حبيبي ان كنت محزونا علي ما فرطت و متألما مما قصرت لاتجعل حزنك سبب تأخرك عن السفر و علة اخري لتقصيرك في السلوك بل بادر مسارعا الي السلوك لعلك تجبر كسر ما فرطت في هذه المدة الباقية من عمرك فان السفر طويل و الزاد قليل و الامر جليل و العايق كثير و العمر قصير و اياك ثم اياك من الحزن الطبيعي فانه يقعد السالك و يثبطه و يكون وبالا عليه و سبب ندامة يوم القيمة وفقنا الله و ساير المؤمنين للطاعات و جنبنا عن السيئات بحق محمد و آله سادة البريات عليهم افضل الصلوة و لما كان من آثار الخوف و الحزن البكاء احب ان اعنون فصلا في امر البكاء .
فصل - في البكاء من خشية الله اعلم ان الروح لما هرب من ظاهر البدن خوفا من ضرر ما علم ضرره و توقع غايلته اجتمع في القلب و تقلص من الاطراف فاشتد حرارة القلب لاسيما و يجتمع الدم بمشايعته في القلب و يجتمع حرارة البدن كلها في القلب فتصعد من القلب الي الدماغ و الرأس و ذلك اذا كان الخوف بقدر و الا فلايجسر الروح ان يتوجه الي الدماغ و الرأس و الوجه لاسيما اذا انطبع صورة ما يخافه في دماغه فيهرب الروح من تلك الصورة و يعطل الدماغ بالجملة اذا كان الخوف بقدر يصعد الحرارة [ص 227] الي الوجه و الرأس فتذيب الرطوبات الجامدة هناك لان الدماغ خلق في ظاهره باردا رطبا و يصعد ابخرة الدم الي الدماغ فتحل تلك الرطوبات الجامدة الغليظة اللزجة فتجري من المنافذ من العين و المناخر هذا و اذا توجه الحرارة الي العين سخنت و هي شحمانية و خيف عليها السيلان فيجري الله تلك الرطوبات المالحة من العين لحفظها فان الملح يجمد الشحم و سبب ملوحة الدمع عمل الحرارة في الرطوبة الغليظة كما يحصل الملح في الملاحة بسبب عمل حرارة الشمس في الرطوبات الممزوجة بلطائف الارض التي هي سبب غلظتها و لذا تجمد الملح بعد الانحلال و حصول الملوحة فيه و ذلك لغلظته بالجملة هذا سبب الدمعة الطبيعية و لربما يكثر الدمعة فتقرح الاجفان و يجري الدم و لربما يصعد الدم بصعود الحرارة الي الوجه و العين فيجري من الآماق اذا زاد الدم و خرق العروق و لذلك يحمر الوجنتان و الشفاه و جوف الفم و ربما يشتد الحرارة و لايكفي القلب التروح بالنفس المتعارف يطيل النفس و يزفر صعداء لكي يستريح و ربما لايكفيه الزفرة فيصعق و يشهق و يصيح لعله يفيق من الحرارة و لربما ينهج و يقع له البهرة و تعاقب الانفاس العالية بسرعة و ان اشتدت الحرارة و الخوف ربما يحصل للدم و رطوبات الصدر غليان و ازيز كازيز المرجل كما كان يسمع من صدر النبي صلي الله عليه و آله حال الصلوة و كلما يكون الدم ارق و رطوبات البدن ارق يكون الدمع اغزر (ظ) و القلب ارق و اشد رحمة و لذلك يكون جريان دمع المرتاضين اسرع و مقداره منهم اكثر و قلوب المترفين و المنعمين اقسي و دمعهم اقل و لاجل ترقيق الدم يغزر (ظ) العدس الدمعة و كانت تطعم ام يحيي عليه السلام يحيي العدس و لربما يجري الدمع من شدة الفرح لتوجه الحرارة الي الظاهر و الي الوجه الذي هو باب القلب فتعمل في الرطوبات [ص 228] و ترققها و تجريها من العين و لربما يبكي الانسان من شدة الحزن فان الحرارة تجتمع في القلب و الرأس بسبب الحزن فيشتد الخيال و الفكر في باعث الحزن فهذا سبب البكاء و منشاؤه الطبيعي فالانسان اذا خاف من الله سبحانه و من عدله بتوجهه الي مقتضيات اعماله او حزن من صدور الاعمال القبيحة عنه و تفريطه في طاعة ربه و اتلاف عمره في الاباطيل او مصيبة احبائه و ساداته جري دمعه و علا زفيره و شهق و صعق و اذا اشتد ذلك ربما غشي عليه و انصرف الروح عن الظاهر بالكلية و لربما طال غشيته و جمد دم الاطراف و انسد مجاري الروح فمات و انخنق الروح في القلب فاذا عرفت ذلك فاستمع الي فضل البكاء و آثاره قال الله تعالي أفمن هذا الحديث تعجبون و تضحكون و لاتبكون و قال فليضحكوا قليلا و ليبكوا كثيرا و قال في مدح قوم تري اعينهم تفيض من الدمع حزنا الايجدوا ما ينفقون و قال في مدح قوم آخرين و تري اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ، ففي جامع الاخبار عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال يباهي الله الملئكة بخمسة بالمجاهدين و الفقراء و الاناسي الذين يتواضعون لله تعالي و الغني الذي يعطي الفقراء كثيرا و لايمن عليهم و رجل يبكي في خلوة من خشية الله عز و جل و قال صلي الله عليه و آله كل عين باكية يوم القيمة الا ثلث اعين عين بكت من خشية الله و عين غضت عن محارم الله و عين باتت ساهرة في طاعة الله و قال صلي الله عليه و آله من بكي علي ذنوبه حتي يسيل دموعه علي لحيته حرم الله ديباجة وجهه علي النار و قال صلي الله عليه و آله من خرج من عينيه مثل الذباب من الدمع من خشية الله آمنه الله به يوم الفزع الاكبر و عن الحسين بن علي عليهما السلام انه قال ما من عبد قطرت عيناه قطرة او دمعت دمعة الا بوأه الله تعالي بها في الجنة الخبر ، [ص 229] و قال الحسن بن علي عليهما السلام البكاء من خشية الله نجاة من النار و عن النبي صلي الله عليه و آله ما من مؤمن يبكي من خشية الله الا غفر الله ذنوبه و ان كانت اكثر من نجوم السماء و عدد قطر البحار ثم قرأ فليضحكوا قليلا و ليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون و قال صلي الله عليه و آله حرمت النار علي عين بكت من خشية الله و قال صلي الله عليه و آله ماتقطر في الارض قطرة احب الي الله تعالي من قطرة دمع في سواد الليل من خشية الله لايراه احد الا الله عز و جل و روي المجلسي بسند معتبر عن النبي صلي الله عليه و آله ما معناه من ذرفت عينه من خشية الله كان له بكل قطرة قطرت من دموعه قصر في الجنة مكلل بالدر و الجوهر و فيه ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر و عن الصادق عليه السلام ما معناه ربما يكون بين المرء و بين الجنة اكثر مما بين الثري الي العرش لكثرة ذنوبه فما هو الا ان يبكي من خشية الله ندما عليها حتي يصير بينه و بينها اقرب من جفنه الي مقلته و عنه عليه السلام ما معناه رب ضاحك باللهو و اللعب في الدنيا يكثر بكاؤه يوم القيمة و رب باك في الدنيا علي ذنوبه خائف يكثر يوم القيمة سروره و ضحكه و في الوسائل عن ابنبابويه عن ابيبصير عن ابيعبدالله الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال كان فيما وعظ الله به عيسي بن مريم عليهما السلام ان قال يا عيسي بن البكر البتول ابك علي نفسك بكاء من قد ودع الاهل و قلا الدنيا و تركها لاهلها و صارت رغبته فيما عند الله و في ارشاد الديلمي عن ابيعبدالله عليه السلام قال اوحي الله تعالي الي عيسي عليه السلام يا عيسي هب لي من عينيك الدموع و من قلبك الخشوع و من بدنك الخضوع و اكحل عينيك بميل الحزن اذا ضحك البطالون و قم علي قبور الاموات فنادهم برفيع [ص 230] صوتك لعلك تأخذ موعظتك منهم و قل اني لاحق في اللاحقين و قال عليه السلام البكاؤن خمسة آدم و يعقوب و يوسف و يحيي بن زكريا و فاطمة عليهم السلام فاما آدم فانه بكي علي الجنة حتي صار في خديه امثال الاودية و بكي يعقوب علي يوسف حتي ذهب بصره و بكي يوسف علي يعقوب حتي تأذي به اهل السجن و قالوا اما ان تبكي بالليل و تسكت بالنهار او تبكي بالنهار و تسكت بالليل و بكت فاطمة عليها السلام علي فراق رسول الله صلي الله عليه و آله حتي تأذي اهل المدينة فكانت تخرج الي البقيع فتبكي فيه و بكي علي بن الحسين عليهما السلام عشرين سنة و مارأي آكلا و لا شاربا الا و هو يبكي فلاموه في ذلك فقال اني لماذكر مصارع ابي و اهل بيتي الا و خنقتني العبرة و قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان لله عبادا كسرت قلوبهم من خشية الله فاسكتتهم عن النطق و انهم لفصحاء الباء نبلاء يستبقون اليه بالاعمال الصالحة الزكية لايستكثرون له الكثير و لايرضون له بالقليل يرون في انفسهم انهم اشرار و انهم لاكياس ابرار و اوحي الله الي موسي ماتزين لي المتزينون بمثل الزهد في الدنيا و ماتقرب الي المتقربون بمثل الورع من خشيتي و ماتعبد لي المتعبدون بمثل البكاء من خيفتي فقال موسي يا رب بم تجازيهم علي ذلك فقال اما المتزينون بالزهد فاني ابيحهم جنتي و اما المتقربون بالورع عن محارمي فاني انحلهم جنانا لايشركهم فيها غيرهم و اما البكاؤن من خيفتي فاني افتش الناس و لاافتشهم حياء منهم و في الكافي نحوه الا انه قال اما البكاؤن من خشيتي ففي الرفيق الاعلي و اما الورعون عن معاصي فاني افتش الناس و لاافتشهم و قال رسول الله صلي الله عليه و آله يا علي عليك بالبكاء من خشية الله يبني لك بكل قطرة الف بيت في الجنة و قال صلي الله عليه و آله لو ان باكيا في [ص 231] امة لرحم الله تلك الامة لبكائه و قال صلي الله عليه و آله اذا احب الله عبدا نصب في قلبه نائحة من الحزن فان الله تعالي يحب كل قلب حزين و اذا ابغض الله عبدا نصب في قلبه مزمارا من الضحك و لايدخل النار من بكي من خشية الله حتي يعود اللبن الي الضرع و لنيجتمع غبار في سبيل الله و دخان جهنم في منخري مؤمن ابدا و قال صلي الله عليه و آله البكاء من خشية الله يطفئ بحارا من غضب الله و قد وبخ الله تعالي علي ترك البكاء عند استماع القرآن عند قوله أفمن هذا الحديث تعجبون و تضحكون و لاتبكون و مدح الذين يبكون عند استماعه بقوله و اذا سمعوا ما انزل الي الرسول تري اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ، و قال عليه السلام لكل شيء كيل او وزن الا البكاء فان الدمعة تطفي بحارا من النار و روي ان يحيي بن زكريا بكي حتي اثرت الدموع في خديه و عملت له امه لبادا علي خديه تجري عليها الدموع و قال الحسن عليه السلام مادخلت علي ابي قط الا وجدته باكيا و روي ان النبي صلي الله عليه و آله بكي حين وصل ابنمسعود في قراءته عليه فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد و جئنا بك علي هؤلاء شهيدا فانظروا الي الشاهد كيف يبكي و المشهود عليهم يضحكون والله لولا الجهل لماضحكت سن و كيف يضحك من يصبح و يمسي لايملك نفسه و لايدري ما يحدث عليه من سلب نعمة او نزول نقمة او مفاجاة منية و امامه يوم يجعل الولدان شيبا يشيب الصغار و يسكر الكبار و يوضع ذوات الاحمال و مقداره في قوله خمسينالف سنة و قال النبي صلي الله عليه و آله ما من قطرة احب الي الله من قطرة دمع خرجت من خشية الله و من قطرة دم سفكت في سبيل الله و ما من عبد بكي من خشية الله الا سقاه الله من رحيق رحمته و ابدله الله ضحكا و سرورا [ص 232] في جنته و رحم الله من حوله و لو كانوا عشرينالفا و مااغرورقت عين من خشية الله الا حرم الله جسدها علي النار و ان اصابت وجهه لميرهقه قتر و لا ذلة و لو بكي عبد في امة لنجي الله تلك الامة لبكائه و قال صلي الله عليه و آله من بكي من ذنب غفر له و من بكي من خوف النار اعاذه الله منها و من بكي شوقا الي الجنة اسكنه الله فيها و كتب له الامان من الفزع الاكبر و من بكي من خشية الله حشره الله مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا و قال صلي الله عليه و آله البكاء من خشية الله مفتاح الرحمة و علامة القبول و باب الاجابة و قال صلي الله عليه و آله اذا بكي العبد من خشية الله تحاتت عنه الذنوب كما يتحات الورق فيبقي كيوم ولدته امه و روي الكليني بسنده عن محمد بن مروان عن ابيعبدالله عليه السلام قال ما من شيء الا و له كيل او وزن الا الدموع فان القطرة تطفي بحارا من نار فاذا اغرورقت العين بمائها لميرهق وجهه قتر و لا ذلة فاذا فاضت حرمها الله علي النار و لو ان باكيا بكي في امة لرحموا و في عدة الداعي قال الصادق عليه السلام اذا اقشعر جلدك و دمعت عيناك و وجل قلبك فدونك دونك فقد قصدك قصدك و في القدسي و عزتي و جلالي ماادرك العابدون ما ادرك البكاء عندي شيئا و اني لابني لهم في الرفيع الاعلي قصرا لايشاركهم فيه غيرهم و فيما اوحي الي موسي عليه السلام و ابك علي نفسك ما دمت في الدنيا و تخوف العطب و المهالك و لايغرنك زينة الدنيا و زهرتها و عن اميرالمؤمنين سلام الله عليه لما كلم الله موسي عليه السلام قال الهي ما جزاء من دمعت عيناه من خشيتك قال يا موسي اقي وجهه من حر النار و آمنه يوم الفزع الاكبر و من خطبة الوداع لرسول الله صلي الله عليه و آله و من ذرفت عيناه من خشية الله كان له بكل قطرة من [ص 233] دموعه مثل جبل احد يكون في ميزانه من الاجر و كان له بكل قطرة عين في الجنة علي حافتيها من المدائن و القصور ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر و عن ابيجعفر سلام الله عليه ان ابرهيم علي نبينا و آله و عليه السلام قال الهي ما لعبد بل وجهه من الدموع من مخافتك قال تعالي جزاؤه مغفرتي و رضواني يوم القيمة انتهي ، و اعلم ان البكاء سلاح المؤمن الضعيف كما ان البكاء سلاح الاطفال به يأخذون ما يشتهون و قد جعل الله في جبلة النفوس الرحم و الرقة علي الباكين فضلا عن البكائين و لا شك ان النفوس خلقت علي طبق مشية الله و صورت علي هيئتها ما لميبدل خلقها و الذي عليه جملتها ليس من المبدلات بل هو من اصل الفطرة الموافقة لصفة مشية الله فليس ذلك الا ان الله سبحانه يرحم علي الباكين و مجازات الباكين بالرحمة في الظهور و الصعود و الا ففي الوجود و النزول رحمة الله مقدمة علي الباكين و ما لميذكر الله الرب عبده بالرحمة لميرق قلب عبده فانه مثال مشية الله تابع لها و ما لمتضحك انت لميضحك مثالك في المرآة و ما لمتنظر اليه لمينظر اليك فما لميذكر الرب عبده بالرحمة لميرق قلب العبد و ما لميرق قلبه لميجر دمعه فالباكي يشمله رحمة الله قبل ان يفيض دمعته فاذا شمله رحمة الله لميشق و اذا دعا الله سبحانه بتخشع حصل له برحمة الله استجيب له و سر ذلك ان المسئول لو صلب عند سؤال السائل قلبه لميتأثر من مسألة السائل و لميمل اليه و الي قضاء حاجته و ذلك يكون عند المنافرة التامة بين السائل و المسئول و ان رق قلب المسئول عند سؤال السائل و ذلك عند مناسبتهما و مناسبة الحاجة قضي حاجته و جبر كسره و امده بما عنده و ذلك ان المتناسبين كاعضاء بدن واحد و طبع البدن يمد كل عضو علي حسبه و حسب حاجته [ص 234] و يستعمل كل عضو في حاجة كل عضو و يتألم ساير الاعضاء عند تألم عضو واحد فان الم الاعضاء بروحها و الروح هو المتألم بتألم العضو المؤف فلاجل ذلك يتألم جميع الاعضاء فاذا رأيت بالسائل ضرا و حاجة رق قلبك فان الروح الكلية صلوات الله عليها هي المتألمة بتألم السائل و انت حي به و هو يرق له فترق له فلايرحم احد احدا الا اذا رحمه الله قبل رحمة الراحم كما في الصحيفة فما كل ما نطقت به عن جهل مني بسوء اثري و لا نسيان لما سبق من ذميم فعلي لكن لتسمع سماؤك و من فيها و ارضك و من عليها ما اظهرت لك من الندم و لجأت اليك فيه من التوبة فلعل بعضهم برحمتك يرحمني لسوء موقفي او تدركه الرقة علي لسوء حالي الدعاء ، فهو الرحيم القاضي لحاجة السائلين من كل راحم و قاض و لاينال السائل الحي بتلك الحيوة ضر و رقة الا و قد اصاب روحه الضر و الرقة قال اميرالمؤمنين عليه السلام يا رميلة انا نمرض لمرضكم فكما يرق قلب السائل يرق روحه و ما به حيوته و يرحمه الله جل جلاله برحمة اوليائه و يرق له برقة اوليائه و يحزن له بحزن اوليائه و لو قال قائل ان الله يبكي لعبده الباكي ببكاء اوليائه فان بكاء اوليائه هو بكاؤه لا غير لميقل شططا كما روي في القدسي ان برخا يضحكني كل يوم ثلث مرات و في القدسي قد نسب الله الي نفسه المرض و الاستطعام و الاستسقاء الي غير ذلك من النسب التي لاتحصي كثرة فهذا ايضا من ذلك الباب فاذا بكي الولي الاعظم لبكاء وليه كما مر في حديث ذلك اللاطي ينسب الي الله فان جميع ما منهم من الله و جميع ما اليهم الي الله فاذا بكي الله علي عبد و رق له جبر كسره لدفع الاذي عنه فان اذاه اذاه و ضره ضره الذين يؤذون الله و رسوله الآية ، فقضاء حاجة المؤمن قضاء حاجة الله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فافهم و لو كان للناس تحمل [ص 235] لذكرت اسرارا عجيبة و لا قوة الا بالله و لكن لا خير في كثير منهم بالجملة البكاء من الآثار الدالة بالحق علي الرحمة و اشد الناس بكاء احقهم بالرحمة فلاجل ذلك كان الاولياء الذين هم نفس الله التي كتب عليها الرحمة كما قال عز من قائل كتب علي نفسه الرحمة اشد الناس بكاء ألمتسمع ان اميرالمؤمنين قال ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان اذا قام الي الصلوة يسمع لصدره و جوفه ازيز كازيز المرجل علي الاثافي من شدة البكاء و قد آمنه الله عز و جل من عقابه فاراد ان يتخشع لربه ببكائه و يكون اماما لمن اقتدي به و قد مر من بكاء علي عليه السلام و غشيته ما ينكسر القلوب عنده و ترق و كفي بما روي عن الحسن عليه السلام انه قال مادخلت علي ابي قط الا وجدته باكيا و قد مر من بكاء علي بن الحسين عليهما السلام ما يبهر العقول و بكي علي الحسين عليه السلام عشرين سنة او اربعين سنة و ماوضع بين يديه طعام الا بكي حتي قال مولي له جعلت فداك يا بن رسول الله اني اخاف عليك ان تكون من الهالكين قال انما اشكو بثي و حزني الي الله و اعلم من الله ما لاتعلمون اني لماذكر مصرع بنيفاطمة الا خنقتني لذلك العبرة و دخل محمد بن علي الباقر عليهما السلام المسجد فلما نظر الي البيت بكي حتي علا صوته فقيل له لو رفقت بصوتك فقال ويحك و لم لاابكي لعل الله ان ينظر الي منه برحمة فافوز بها عنده غدا ثم طاف بالبيت ثم جاء حتي ركع عند المقام فرفع رأسه من سجوده فاذا موضع سجوده مبتل من كثرة دموع عينيه و في الوسائل عن الصدوق بسنده عن احمد بن الحسن الميثمي عمن ذكره عن ابيعبدالله عليه السلام قال كان اسم نوح عبدالغفار و انما سمي نوحا لانه كان ينوح علي نفسه و روي عنه عليه السلام انه كان اسمه عبدالملك و انما سمي نوحا لانه بكي خمسمائة سنة و روي ان اسمه عبدالاعلي [ص 236] و عن جابر عن ابيجعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ليس شيء الا و له شيء يعدله الا الله فانه لايعدله شيء و لا اله الا الله لايعدله شيء و دمعة من خوف الله فانها ليس لها مثقال فان سالت علي وجهه لميرهقه قتر و لا ذلة بعدها ابدا و عن اسمعيل بن ابيزياد عن جعفر بن محمد عن ابيه عليهم السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله طوبي لصورة نظر الله اليها تبكي علي ذنب من خشية الله لميطلع علي ذلك الذنب غيره و في عدة الداعي انه روي ان ابرهيم عليه السلام كان يسمع تأوهه علي حد ميل و عن المفضل بن عمر عن الصادق سلام الله عليه قال حدثني ابي عن ابيه عليهما السلام ان الحسن بن علي سلام الله عليهما كان اعبد الناس في زمانه و ازهدهم و افضلهم و كان اذا حج حج ماشيا و رمي ماشيا و ربما مشي حافيا و كان اذا ذكر الموت بكي و اذا ذكر البعث و النشور بكي و اذا ذكر الممر علي الصراط بكي و اذا ذكر العرض علي الله تعالي ذكره شهق شهقة يغشي عليه منها و كان اذا قام في صلوته ترتعد فرايصه بين يدي ربه عز و جل و كان اذا ذكر الجنة و النار اضطرب اضطراب السليم و سأل الله تعالي الجنة و تعوذ بالله من النار و في ارشاد الديلمي قالت عايشة قام النبي صلي الله عليه و آله من فراشه يصلي و يقرؤ القرآن و يبكي ثم جلس يقرأ و يدعو و يبكي حتي اذا فرغ اضطجع و هو يقرأ و يبكي حتي بلت الدموع خديه و لمته قلت يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر قال بلي أفلااكون عبدا شكورا و روي المجلسي رحمه الله مرفوعا عن النبي صلي الله عليه و آله ما معناه ان شعيبا بكي من محبة الله حتي ذهب عيناه فرد الله عليه عينه ثم بكي حتي ذهب عينه مرة ثانية ثم رد الله عليه عينه ثلث مرات ثم اوحي الله اليه في الرابعة الي متي تبكي ان كنت [ص 237] تبكي خوفا من النار فقد آمنتك منها و ان كنت تبكي شوقا الي الجنة فقد ابحتها لك فقال الهي و سيدي انت تعلم ان بكائي ليس من خوف النار و لا شوق الجنة و لكن استقر حبك في قلبي فابكي شوقا الي لقائك فاوحي الله اليه لاجل ذلك اخدمك كليمي و في الوسائل عن ابنطاوس عن بعض موالي علي بن الحسين عليه السلام انه خرج يوما الي الصحراء فتبعته فوجدته قد سجد علي حجارة خشنة فوقفت و انا اسمع شهيقه و بكاءه و احصيت له الف مرة و هو يقول لا اله الا الله حقا حقا لا اله الا الله تعبدا و رقا لا اله الا الله ايمانا و صدقا ثم رفع رأسه من سجوده و ان لحيته و وجهه قد غمر بالماء من دموع عينيه فقلت له يا سيدي أماآن لحزنك ان ينقضي و لبكائك ان يقل فقال لي ويحك ان يعقوب بن اسحق بن ابرهيم كان نبيا ابن نبي و كان له اثناعشر ابنا فغيب الله واحدا منهم فشاب رأسه من الحزن و احدودب ظهره من الغم و الهم و ذهب بصره من البكاء و ابنه حي في دار الدنيا و اني رأيت ابي و اخي و سبعةعشر من اهل بيتي صرعي مقتولين فكيف ينقضي حزني و يذهب بكائي و عن الصادق عليه السلام ان زينالعابدين عليه السلام بكي علي ابيه اربعين سنة صائما نهاره قائما ليله فاذا حضر الافطار جاءه غلامه بطعامه و شرابه فيضعه بين يديه فيقول كل يا مولاي فيقول قتل ابن رسول الله جائعا قتل ابن رسول الله عطشانا فلايزال يكرر ذلك و يبكي حتي يبل طعامه بدموعه و يمزج شرابه بدموعه فلميزل كذلك حتي لحق بالله عز و جل ، و قد مر بكاء يحيي و غيره من الانبياء فاولئك الذين هدي الله فبهديهم اقتده ، و من العجب حثهم صلوات الله عليهم علي البكاء حتي رضوا من الناس التباكي فقد روي في الكافي بسنده عن عنبسة العابد قال قال ابوعبدالله عليه السلام ان لمتك بكاء فتباك و عن سعيد بن يسار بياع السابري قال [ص 238] قلت لابيعبدالله عليه السلام اني اتباكي في الدعاء و ليس لي بكاء قال نعم و لو مثل رأس الذباب و عن علي بن ابيحمزة قال قال ابوعبدالله عليه السلام لابيبصير ان خفت امرا يكون او حاجة تريدها فابدأ بالله فمجده و اثن عليه كما هو اهله و صل علي النبي صلي الله عليه و آله و سل حاجتك و تباك و لو مثل رأس الذباب ان ابي عليه السلام كان يقول ان اقرب ما يكون العبد من الرب و هو ساجد باك و عن اسمعيل البجلي عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان لميجئك البكاء فتباك فان خرج منك مثل رأس الذباب فبخ بخ و في عدة الداعي عن ابيعبدالله عليه السلام ان لميك بك بكاء فتباك انتهي ، و اعلم ان التباكي هو حمل النفس علي البكاء و اعجب من حثهم علي التباكي ما رواه عن اسحق بن عمار قال قلت لابيعبدالله عليه السلام اكون ادعو فاشتهي البكاء و لايجيئني و ربما ذكرت بعض من مات من اهلي فارق و ابكي فهل يجوز ذلك فقال نعم فتذكرهم فاذا رققت فابك و ادع ربك تبارك و تعالي انتهي ، فانهم رضوا ان يبكي الانسان لامواته ثم يتوجه الي ربه فانه يرق قلبه و يلين و يأخذ اهبته للدعاء و لكن ايها المدعي للعقل و الايمان انظر فيما يحق له البكاء فان كان ينبغي البكاء لمفارقة صديق فاي صديق اصدق لك من روح الايمان و قد فارقك بمعاص ارتكبتها و موبقات اكتسبتها اذ لايبقي روح الايمان مع معصية و ان كان ينبغي البكاء لزوال نعمة فاي نعمة اعظم من جنان القدس يزول عنك بسيئات اعمالك و ان كان ينبغي البكاء لخوف حلول مصيبة فاي مصيبة اعظم من نار جهنم تدوم و لاتخف و كلما خبت زادها الله سعيرا و ان كان يحق خوفا من سلطان و من غضبه فاي سلطان اعظم من الله و اي غضب ادهي من غضب الله و اي جرم اعظم مما اكتسبته نعوذ بالله و ان كان يحق لاعراض حبيب فاي حبيب [ص 239] اعظم من الله و اوليائه و اي اعراض اشد من اعراضهم بالجملة اسباب البكاء مجتمعة فيك بقدر ان تبكي مثل بحور السموات و الارض لولا قسوة القلب و اعلم ان القسوة من طول الامل و نسيان الاجل و الغفلة عن الله و معاشرة اهل الدنيا و البطالين و العمل بالشهوات و محادثة النساء فقد روي في الكافي بسنده عن علي بن عيسي رفعه قال فيما ناجي الله عز و جل به موسي عليه السلام لاتطول في الدنيا املك فيقسو قلبك و القاسي القلب مني بعيد و عن السكوني عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام لمتان لمة من الشيطان و لمة من الملك فلمة الملك الرقة و الفهم و لمة الشيطان السهو و القسوة و في وصية النبي صلي الله عليه و آله يا باذر من اوتي من العلم ما لايبكيه لحقيق ان يكون اوتي علم ما لايعمل به ما لاينفعه لان الله عز و جل نعت العلماء فقال ان الذين اوتوا العلم من قبله اذا يتلي عليهم يخرون للاذقان سجدا و يقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا و يخرون للاذقان يبكون و يزيدهم خشوعا يا اباذر من استطاع ان يبكي فليبك و من لميستطع فليشعر قلبه الحزن و ليتباك ان القلب القاسي بعيد من الله و لكن لايشعرون و في عدة الداعي عن سيف بن عميرة عمن ذكره عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان الله عز و جل لايستجيب دعاء بظهر قلب قاس .