فصل - في حسن الاعتراف بالتقصير و قبح العجب و الادلال بالعمل اعلم ان من حق العبد ان يكون مطيعا لمولاه في جميع جهات ذاته و صفاته و افعاله فانه بجميع جهات وجوده عبد مخلوق و رق مرزوق خلقه الله لا من شيء و احدثه بعد ان لميكن و اخرجه من العدم محفوظا بامره و حكمه بحيث انه لو اعرض عنه طرفة عين رد الي العدم فانه لا استقلال له الا بحفظه و لا وجود له الا باعتبار امره فاذا الحق عليه ان يكون متبعا لمشية الله المحبوبة في الشرع كما كان متبعا له في الكون فيعبده بحقيقته و فؤاده بان لاينظر ابدا الا اليه و لايحب سواه و لايخرج من ظله و لايري سواه و لايسمع من غيره ابدا ابدا و يعبده بعقله بان لايعتمد علي غيره و لايرجو سواه و لايطيع احدا غيره و يشاهد فضله في جميع ما للموجودات و بها و فيها و منها و اليها و يكون ذا يقين لايعتريه شك و لا ريبة و لا تردد خاطر و يعبده في نفسه بان لايخاف احدا الا ربه و لايري حيث يكرهه و لايفقده من حيث يحب الله و يكتسب العلوم الطيبة الحقة الدينية و يعرض عن الاباطيل و الشكوك و الشبهات و يتخلق باخلاق الله و يتصف بصفات الله و يهرب [ص 177] من مساخط الله و يتبرء من اعداء الله و امثال ذلك و يعبده بمشاعره الباطنة فلايتفكر في الوساوس و يكون جميع تفكره في الله و في قدرته و في عظمته و آثاره و لايتخيل الا صور محاب الله و لايتوجه الا الي عليين و لايجري في خاطره ما يكرهه الله و لايهم بشيء يسخطه و لايقصد الا ما يحبه الله و لايتوجه الا الي جاه الله و وجهه و هكذا و يعبده في بدنه بان لاينظر الا الي آياته في الآفاق و في الانفس و ما يحب الله و للعبرة و التعلم و الاهتداء الي ما يريد الله و لايصغي الا الي الناطقين عن الله و لايأكل و لايشرب الا لله و لاينطق الا بما يرضيه الله مجملا لايتحرك و لايسكن و لايتحول من حال الي حال الا بامر الله و اذنه و يكون عنده كالميت بين يدي الغسال و شارح جميع ذلك و دليله و استاده و اسوته و مقتداه الشبح الذي منك في المرآة بالنسبة الي وجهك حيث لايكون الا كما انت عليه و لايتحرك و لايسكن الا معك و بك فمن كان كذلك بالنسبة الي مشيته المحبوبة فهو مطيع حقا و عبد صدقا و قد قام بحقيقة العبودية فيكون كنهها الربوبية و هذه العبودية لمتحصل و لاتحصل و لنتحصل الا لمحمد و آلمحمد عليهم السلام الذين قد اضمحل فيهم الانية و هم واقفون عند قاعدة الوجود و رأس مخروط الانية و الماهية و الطبيعة التي هي علي خلاف كينونة الله و مع ذلك هم خائفون وجلون مستغفرون باكون معتذرون مقرون بالتقصير لاجل تلك الذرة من الانية المضمحلة المتلاشية الفانية عند حيث اثريتهم و هي التي يسمونها شيطانا و يستعيذون منه بالله عز و جل و بتضرعهم الدائم و استغفارهم المستمر و جدهم في التضرع و الاستكانة يفنون اثر تلك الذرة و يبطلونها و لولا ما يعملونه من موجبات المغفرة لقوي فيهم تلك الانية و صارت منشأ اثر و صاروا مقصرين في العبودية ألمتسمع ما روي عن النبي صلي الله عليه و آله [ص 178] لو عصيت لهويت و قول الحسين عليه السلام في دعائه غير ضنين بنفسي فيما يرضيك عني اذ به قد رضيتني الدعاء ، و كلمن هو دونهم من الخلق يكون للانية فيهم تحقق و هي علي خلاف كينونة الله و هي الغافلة المعرضة المدبرة عن الله و العاصية له علي حسبه فاني يمكن للمخلوق المستمسك بنفسه ان يكون مؤديا حق عبادة الله عز و جل فجميع العباد مقصرون في عبادة الله غير مؤدين حقه و لايمكنهم الخروج عن حد التقصير فمن زعم عدم تقصير من نفسه فانما هو من باب الجهل و الغفلة عما هو عليه انظر الي كلام مولينا سيد الساجدين صلوات الله عليه مما رواه في حلية الابرار عن ابنبابويه بسنده عن طاووس قال كان علي بن الحسين زينالعابدين عليه السلام يدعو بهذا الدعاء الهي و عزتك و جلالك و عظمتك لو اني منذ بدعت فطرتي من اول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكل شعرة في كل طرفة عين سرمد الابد بحمد الخلايق و شكرهم اجمعين لكنت مقصرا في بلوغ اداء شكر اخفي نعمة من نعمك علي و لو اني كربت معادن حديد الدنيا بانيابي و حرثت ارضها باشفار عيني و بكيت من خشيتك مثل بحور السماوات و الارضين دما و صديدا لكان ذلك قليلا في كثير ما يجب من حقك علي و لو انك الهي عذبتني بعد ذلك بعذاب الخلايق اجمعين و جعلت للنار خلقي و جسمي و ملأت جهنم و اطباقها مني حتي لايكون في النار معذب غيري و لايكون لجهنم حطب سواي لكان ذلك بعدلك قليلا في كثير ما استوجبه من عقوبتك انتهي ، فبالله عليك يا اخي انظر الي هذا الدعاء بنظر العبرة و انظر هل بقي مقام للعجب لاحد من الخلق و هل يخرج احد بعد من حد التقصير فاذا كان امامك يقول ذلك و هو معصوم مطهر فما ظنك بعملك و مااطعت الله طرفة عين في تمام عمرك الا و هو مشوب بمفاسد عديدة مما [ص 179] قد علمتها و ما لمتعلمها فاكثر و اكثر فاطرد عنك وسوسة الاعجاب و تضرع الي الله سبحانه من كل باب و لاتزعمن كما يزعمه الجهال ان ذلك لمحض التعليم للرعية فان المعصوم لايواجه الله بالكذب لتعليم الرعية و لايضيع نفسه لاصلاح غيره بل اعرف من ذلك غاية عظمة الله جل جلاله حيث ان معصوما مثله يعتذر عنده كذلك و انما جميع ذلك لاجل تلك الذرة من الانية و بهذه الاعتذارات يبطلونها و يبطلون اثرها و لما كان تلك الذرة سارية في كل مراتبهم ينسبون العصيان و التقصير الي كل اعضائهم و ذلك العصيان عدم قيام ذلك العضو بحق العبودية التي يريدونها من الفناء المحض عند سطوع نور الربوبية و بذلك الاقرار يعمدون الي افنائها انظر الي ما كان الكاظم عليه السلام يقول علي ما رواه في بلد الامين في سجوده رب عصيتك بلساني و لو شئت و عزتك لاخرستني و عصيتك ببصري و لو شئت و عزتك لاكمهتني و عصيتك بسمعي و لو شئت و عزتك لاصممتني و عصيتك بيدي و لو شئت و عزتك لكنعتني و عصيتك بفرجي و لو شئت و عزتك لعقمتني و عصيتك برجلي و لو شئت و عزتك لجذمتني و عصيتك بجميع جوارحي التي انعمت بها علي و لميكن هذا جزاؤك مني ثم كان يقول الف مرة العفو العفو و يلصق خده الايمن بالارض و يقول بصوت حزين ثلثا بؤت اليك بذنبي و عملت سوء و ظلمت نفسي فاغفر لي فانه لايغفر الذنوب غيرك يا مولاي ثم يلصق خده الايسر بالارض و يقول ثلثا ارحم من اساء و اقترف و استكان و اعترف انتهي ، انظر في مضامين هذا الدعاء و غيره من ادعيتهم و اعرف منها عظمة الله جل و عز بتصاغرهم عنده و استكانتهم لديه و انهم كيف يداقون في عبوديتهم و يعتذرون من تلك الانية التي هي من لوازم الخلقية التي لا بد للمخلوق منها و يعتقدون ان ما يخالط عملهم [ص 180] بالطاعات و الحسنات من مقتضاها هو معصية فان الانية بنفسها علي خلاف كينونة الله فبتلك الاعتذارات يتخلصون من شوبها و يسترضون الله من انفسهم و بذلك الاعتراف و الاستغفار صاروا معصومين من الركون اليها و الرضا بها و ما لميكن للعبد مقام فوقها لميعتذر منها و لميسخطها فان جهة النفس لاتسخط نفسها و انما الساخطة عليها جهة الرب فنفس تلك الاعتذارات هي من آثار مقام لهم فوقها من جهة الرب و تلك الاعتذارات دليل تخلص تلك الجهة من الرضا بها و مفارقتها لها و عصمتها بعصمة الله من الميل اليها و النظر اليها و الرضا بها فمن قصر في الاعتذار و الاستغفار دليل علي هويه في مهاوي الانية و هي سجينه و جحيمه كل بحسبه فهم سلام الله عليهم بجدهم في العبادات و اجتهادهم في الطاعات و استغفارهم من السيئات تخلصوا من الانيات و استأنسوا بظل خالق البريات و صاروا معصومين مطهرين عن ادناس الماهيات فالمراد من سيئاتهم هي طاعاتهم التي هي فوق طاعات جميع الكائنات و منتهي جهد المخلوق لشوبها بمقتضي الانية المضمحلة المتلاشية التي هي شرط استمساك وجود المخلوق اذ لميخلق الله شيئا فردا قائما بذاته و مقدار تلك الانية كذرة هبائية في جميع الفالف عالم و استغفر الله من كثرة التحديد فبذلك كان يقال حسنات الابرار سيئات المقربين فاذا كان هذا حال المعصوم الحقيقي فما ظنك بالانبياء و المرسلين ثم الاولياء المقربين ثم ما ظنك برعيتهم المتبعين ثم ما ظنك بمثلي و مثلك الغريق في بحار السيئات الحقيقية فاقول الهي من كانت محاسنه مساوي فكيف لايكون مساويه مساوي و من كانت حقايقه دعاوي فكيف لايكون دعاويه دعاوي فاخلع عنك يا اخي سربال الاعجاب و تقمص بقميص الابتهال و الانتحاب و استغفر الله المتعزز بالكبرياء و تب اليه فاليه المتاب ففي الوسائل عن [ص 181] الكليني بسنده عن سعد بن ابيخلف عن ابيالحسن موسي عليه السلام قال قال لبعض ولده يا بني عليك بالجد و لاتخرجن نفسك من حد التقصير في عبادة الله عز و جل و طاعته فان الله لايعبد حق عبادته و عن الفضل بن يونس عن ابيالحسن عليه السلام قال اكثر من ان تقول اللهم لاتجعلني من المعارين و لاتخرجني من التقصير قال قلت اما المعارون فقد عرفت ان الرجل يعار الدين ثم يخرج منه فما معني لاتخرجني من التقصير فقال كل عمل تريد به الله عز و جل فكن فيه مقصرا عند نفسك فان الناس كلهم في اعمالهم فيما بينهم و بين الله مقصرون الا من عصمه الله عز و جل و عن جابر قال قال ابوجعفر عليه السلام لااخرجك الله من النقص و التقصير و عن ابيعبيدة الحذاء عن ابيجعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله قال الله عز و جل لايتكل العاملون لي علي اعمالهم التي يعملونها لثوابي فانهم لو اجتهدوا و اتعبوا انفسهم و اعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي و النعيم في جناتي و رفيع الدرجات العلي في جواري و لكن برحمتي فليثقوا و فضلي فليرجوا و الي حسن الظن بي فليطمئنوا و عن ابنبابويه بسنده عن سعد الاسكاف عن ابيجعفر عليه السلام قال ثلث قاصمات الظهر رجل استكثر عمله و نسي ذنوبه و اعجب برأيه و عن عبدالرحمن بن الحجاج عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال ابليس اذا استمكنت من بني آدم في ثلث لمابال ما عمل فانه غير مقبول اذا استكثر عمله و نسي ذنبه و دخله العجب و عن الكليني بسنده عن ابيعبيدة عن ابيجعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله قال الله تعالي ان من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده و لذيذ [ص 182] وساده فيجتهد لي الليالي فيتعب نفسه في عبادتي فاضربه بالنعاس الليلة و الليلتين نظرا مني له و ابقاء عليه فينام حتي يصبح فيقوم و هو ماقت زار عليها و لو اخلي بينه و بين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك فصيره العجب الي الفتنة باعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه باعماله و رضاه عن نفسه حتي يظن انه قد فاق العابدين و جاز في عبادته حد التقصير فيتباعد مني عند ذلك و هو يظن انه يتقرب الي الحديث ، و بسنده عن عبدالرحمن بن الحجاج قال قلت لابيعبدالله عليه السلام الرجل يعمل العمل و هو خائف مشفق ثم يعمل شيئا من البر فيدخله شبه العجب به فقال هو في حاله الاولي و هو خائف احسن حالا منه في حال عجبه و بالاسناد عن يونس عن بعض اصحابه عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله في حديث قال موسي بن عمران عليه السلام لابليس اخبرني بالذنب الذي اذا اذنبه ابن آدم استحوذت عليه قال اذا اعجبته نفسه و استكثر عمله و صغر في عينه ذنبه و قال قال الله عز و جل لداود يا داود بشر المذنبين و انذر الصديقين قال كيف ابشر المذنبين و انذر الصديقين قال يا داود بشر المذنبين اني اقبل التوبة و اعفو عن الذنب و انذر الصديقين ان لايعجبوا باعمالهم فانه ليس عبد انصبه للحساب الا هلك و بسنده عن علي بن سويد عن ابيالحسن عليه السلام قال سألته عن العجب الذي يفسد العمل فقال العجب درجات منها ان يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه و يحسب انه يحسن صنعا و منها ان يؤمن العبد بربه فيمن علي الله عز و جل و لله عليه فيه المن و بسنده عن علي بن اسباط عن رجل يرفعه عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان الله علم ان الذنب خير للمؤمن من العجب و لولا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب ابدا و عن ميمون بن علي عن ابيعبدالله عليه السلام [ص 183] قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام اعجاب المرء بنفسه دليل علي ضعف عقله و عن ابيعامر عن رجل عن ابيعبدالله عليه السلام من دخله العجب هلك و عن اسحق بن عمار عن ابيعبدالله قال اتي عالم عابدا فقال كيف صلوتك فقال مثلي يسأل عن صلوته و انا اعبد الله منذ كذا و كذا قال فكيف بكاؤك فقال ابكي حتي تجري دموعي فقال له العالم ان ضحكك و انت خائف افضل من بكائك و انت مدل ان المدل لايصعد من عمله شيء و عن احمد بن ابيداود عن بعض اصحابنا عن احدهما عليهما السلام قال دخل رجلان المسجد احدهما عابد و الآخر فاسق فخرجا من المسجد و الفاسق صديق و العابد فاسق و ذلك انه يدخل العابد المسجد مدلا بعبادته يدل بها فتكون فكرته في ذلك و تكون فكرة الفاسق في التندم علي فسقه و يستغفر الله عز و جل مما صنع من الذنوب و عن البرقي بسنده عن ابيحمزة الثمالي عن ابيعبدالله عليه السلام او علي بن الحسين عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله في حديث ثلث مهلكات شح مطاع و هوي متبع و اعجاب المرء بنفسه و عن النبي صلي الله عليه و آله لا وحدة اوحش من العجب و عن الحسين بن سعيد بسنده عن الثمالي عن علي بن الحسين عليهما السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ثلث منجيات خوف الله في السر و العلانية و العدل في الرضا و الغضب و القصد في الغني و الفقر و ثلث مهلكات هوي متبع و شح مطاع و اعجاب المرء بنفسه و من نهج البلاغة عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال سيئة تسوؤك خير عند الله من حسنة تعجبك و قال الاعجاب يمنع الازدياد و قال عجب المرء بنفسه احد حساد عقله و عنه عليه السلام في حديث حسبك من العلم ان تخشي الله و حسبك من الجهل ان تعجب بعلمك انتهي ، و اعلم ان سرور المرء بصدور [ص 184] الطاعة منه و حزنه بصدور المعصية منه من مقتضيات الايمان و ذلك ممدوح و ليس سرور المرء بالطاعة عجبا و ذلك ان المؤمن يعلم ان الحسنات من الله سبحانه و يسر باجراء الله سبحانه الطاعة علي يديه و يحزن بخذلان الله اياه حتي صدر منه المعصية و من لميسره الطاعة و لميحزنه المعصية فليس بمؤمن الا ان المؤمنين يؤتون ما اتوا و قلوبهم وجلة انهم الي ربهم راجعون و ذلك ان الاعجاب ان يري العبد لنفسه كرامة و يحسب انه بنفسه احسن صنعا و يري لنفسه بحسن يزعمه لها مزية علي غيره و يحتقر غيره و لذلك يزعم تفرده بذلك الحسن فلايستأنس بالمحتقرين في عينه فلذلك روي لا وحدة اوحش من العجب و السار بحسنته يري لله جل و عز عليه نعمة مجددة باجراء الطاعة علي يديه فيزداد بذلك خشوعا و شكرا و اعترافا بعدم قدرته علي اداء شكر نعمته فاني و اني فروي في الوسائل عن الكليني بسنده عن ابيالعباس قال قال ابوعبدالله عليه السلام من سرته حسنته و ساءته سيئته فهو مؤمن و عن سليمن عمن ذكره عن ابيجعفر عليه السلام قال سئل النبي صلي الله عليه و آله عن خيار العباد فقال الذين اذا احسنوا استبشروا و اذا اساؤا استغفروا و اذا اعطوا شكروا و اذا ابتلوا صبروا و اذا غضبوا غفروا انتهي ، و اعلم ان العجب ليس هو الوسوسة التي تخطر ببال الانسان من نجوي الشيطان مع كراهته ذلك و انما هو اذا ركن اليها و افتخر بها و احبها و اراد ان يحمد بعمله فقد روي عن الكليني عن يونس بن عمار عن ابيعبدالله عليه السلام قال قيل له الرجل يكون في صلوته خاليا فيدخله العجب فقال اذا كان اول صلوته بنية يريد بها ربه فلايضره ما دخله بعد ذلك فليمض في صلوته و ليخسأ (ظ) الشيطان و اعلم ان الانسان يدخله العجب ما لميتفكر في عمله و جل حيلة الشيطان [ص 185] في منع التفكر فانت تفكر في عباداتك و طاعاتك و في مقدارها و قيمتها و قابليتها فان اعمالك حركات بدنك و حركات بدنك مثل حركات ساير الناس في ساير اعمالهم بلا تفاوت فلو تدبرت في حركات الناس لوجدت الرجل منهم يعمل بالمساحي طول نهاره في الشمس الحارة في حر القيظ و يثير قصبات عديدة من الارض حتي يكد يده و يعرق جبينه و اجرته خمسمائة دينار بحساب هذا الزمان و انت تركع في الظلال مثلا عشرين ركعة او اقل او ازيد فكم يكون اجرتك في جنب اجرته و ما مقدار تعبك لله العظيم في جنب تعبه لبطنه و طبخه القاذور و لعل العامل بالمساحي انت بنفسك فتعمل لبطنك الف مرة ازيد من عملك لربك و لو شئت قس نفس الصلوة فان الناس قوموها علي انفسهم و يوجرون انفسهم للصلوة للاموات فيأخذون لصلوة سنة ثمانيةعشرالف دينار بحساب هذا الزمان فما مقدار صلوة واحدة منك في جنب صلوة سنة و ما قيمتها فعلي من تمن و باي شيء تدل و ان شئت ان تعجب بقيام ليلك ساعة و ساعتين فتفكر في هؤلاء المكارين انهم يسافرون رجالا في كل ليلة وراء دوابهم في هذه البراري و الظلمات مع خوف و وجل و قد يقطعون و يجرحون و يقتل بعضهم و لايتركون سيرتهم و لربما يسرون في امطار و ثلوج و برد الشتا في البلاد الباردة و الليالي المظلمة و اجرتهم في كل ليلة خمسمائة دينار بحساب هذا الزمان و لايدلون بعملهم و لايعجبون و انت تنام اول الليل في الفرش من الرياش و الملاحف الحسنة ثم تقوم آخر الليل بالف دلال و تركع ركعات لاتدري هل قبلت منك ام لمتقبل و انت مع ذلك قائم بين يدي السلطان العظيم مستهزئ به ان لمتكن متوجها اليه حق التوجه و ذلك المكاري يتحمل تلك المشاق لبطنه و انت تريد ان تعمل لخالق البريات و رب الموجودات فاي مقدار لقيامك هذا في [ص 186] جنب قيام اولئك المكارين و هم يعملون لاكلة ساعة و انت تعمل للحيوة الابدية هب انك احييت الليل كله اليس كل كلاب القرية تحيي الليالي كلها و تعدو علي السطوح و تنبح طول ليلها فما مقدار عملك في جنب عملها و ما مقدار احيائك ليلة او ليلتين و ان اعجبت بصومك فتفكر في ان الناس قوموا علي انفسهم صيامهم فيصومون شهرا للاموات بخمسةآلاف دينار او ستة بحساب هذا الزمان فما مقدار ذلك في جنب ما تتمني بعملك و اي حق لك علي الله ازيد من ستةآلاف دينار في صيامك شهرا فاي دلال بقي لك بعد ذلك و اي عجب يقتضي عملك ذلك و ان اعجبت من حجك ها ان الناس يسافرون لبطنهم في البر و البحر و يخاطرون بانفسهم في مخاوف البر و اهوال البحر و الامواج و الطوفان و لايعجبون مثل عجبك و لايدلون علي احد و لايمنون و انت بسفرك في عمرك مرة علي دواب فارهة و خدم و حشم بعد تسويفات هي كباير موبقات و عدم رغبة الي الحج و زيارة الله جل شانه الذي هو الكفر الصراح سافرت فصرت تعجب و تدل علي ربك و تمن فانصف في نفسك و تستنيب رجلا لامواتك من طريق اربعة اشهر الي مكة بثلثين تومانا او اربعين فهذا قيمة عملك و النايب يؤجر نفسه بهذا المقدار و يركب الاخطار و ليس بمعجب من عمله و لا بمدل علي احد فباي شيء تدل و من اي شيء تعجب و ان كنت تعجب بصدقة دينار ها ان الناس يصرفون في ضيافاتهم للاغنياء بمحض التوهم في ضيافة واحدة ثلثين تومانا و اربعين و اقل و ازيد و لايعجبون و لايدلون و لايمنون عليهم و انت قد اقرضت الله جل جلاله خمسة دنانير بالف كره و تمن عليه و تدل و تعجب كانك فتحت ملكا و ان كنت تعجب بجهادك فها ان الناس يخدمون السلاطين و يأخذون في كل سنة ستة توامين و يسكبون دمائهم علي اقدامهم باختيارهم [ص 187] فروح قيمته ستة توامين لايقتضي عجبا و لايناسب دلالا فقصر يا هذا عن دلالك بهذه الاعمال التي لو عملها احد لك ما قبلتها بل والله قليتها و كرهتها بل سخطت عليه و عاقبته فاين محل العجب و اين محل الدلال و ما اشبه عجبك هذا بعجب من قام بين يدي سلطان عظيم في مجلس قد حضر فيه امناء دولته و غص برؤساء عسكره و احاط به جنوده و زين مجلسه بالحكماء و العلماء و العقلاء فانت قد جئت علي كره و حنين و انين كانك يذهب بك الي المذبح فقمت بين يديه و تتوجه كالمجانين يمينا و شمالا و تلعب بيدك و رجلك و لعلك نزعت سراويلك و قد تبول و قد تتغوط و قد تجامع و قد تسرق و تهذي و تهجر و تصيح و تنوح و تضحك و تبيع و تشتري و تطفر و تلعب كالمجانين حتي سخط عليك السلطان و من حضر و قبحوا وجهك و لعنوك و طردوك و تفلوا في وجهك و سفهوك و جننوك و صرت تعجب بعد هذه الفضيحة و الخزي بحضورك مجلس السلطان و صرت تمن و تدل فراجع نفسك يا هذا و تفكر في مقدارك و خيالاتك الواهية و احاديث نفسك في ايام اقبالك بزعمك و صلوتك و زيارتك و توجهك و انصف هل ما فعلته عبادة او اهانة و سخرية و استهزاء بجبار السماء و هل هو عبادة و اداء فرض او عصيان و اعراض و كفر نعوذ بالله و انت قد اغتررت بستر الله عليك و سكوته في وقتك عنك و املائه لك و امهاله اياك فحسبت انك احسنت الصنع فعملك عصيان عظيم و حسبانك حسنها و رضاؤك بها ثم عجبك بها عصيان اعظم و اعظم بل لو كنت منصفا لوجدت اصل وجودك والله من اعظم المخالفات لله رب العالمين و انها لاتعمي الابصار و لكن تعمي القلوب التي في الصدور فمع هذه الاعمال الشنيعة و الحركات الفظيعة صرنا ندل علي رب العباد بادائنا الفرض و صرنا نتوقع جنة عرضها السموات و الارض [ص 188] و والله لو لميؤاخذنا بهذه الكباير الموبقات التي سميناها عبادات لكنا من الرابحين فانصف بالله عليك هل بقي عليك مقام عجب و محل دلال فاعرف ان عملك من حيث هو ليس الا العصيان و ان سلم عن كل عيب و وصمة لكان قيمته ما عرفت فلميبق لنا الا فضل الله جل جلاله و هو اهله و محله فان عظم الثواب بعظم المعطي لا عظم العامل الآمل ألاتري ان مسكينا لو اهدي الي سلطان وردة يعطيه بمقتضي سلطنته ما يغنيه سنة مثلا و الورد في السوق كل من منه بعباسيين و كما ان الهدايا علي مقدار مهديها يكون العطايا علي مقدار معطيها و لذلك وعد الله عباده علي عمل جزئي عطايا جزيلة ألمتسمع ان من قال لا اله الا الله وجبت له الجنة و من تباكي للحسين عليه السلام وجبت له الجنة و من عمل في عمره حسنة واحدة قبلت له ساير اعماله و ان من احب عليا عليه السلام يدخل الجنة و حبه كفارة جميع معاصيه و امثال ذلك فتبين ان الله جل جلاله يعامل عباده علي حسب فضله لا علي حسب مقدار اعمالهم و خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم و ان ادني ما يعطي المؤمن سبعة امثال الدنيا قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون لا ان يعجبوا باعمالهم التي هي في الحقيقة كباير موبقات و استهزاءات و سخريات و كذلك لاتنظر الي حقارة معاصيك فانها من اعمالك و علي حسب مقدارك بل انظر الي عظمة من تعصيه فان العبد كلما يصير احقر و السيد يصير اعظم يصير العصيان اجل و اعظم فلو عاملك بمقتضي جلاله و عظمته و علي حسب ما تستحق بخطاياك لكنت من الهالكين المخلدين في العذاب باول عصيان عصيت فلو اخذ الله الناس بظلمهم ماترك علي ظهرها من دابة و لكن يعفو عن كثير و ان تجتنبوا كباير ما تنهون عنه و هي ولاية الاعداء يكفر عنكم سيئاتكم و يغفر لكم قل يا عبادي الذين اسرفوا علي انفسهم لاتقنطوا [ص 189] من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم و العذر الذي عندنا في حضرته انه لميخلقنا معصوما حسب و يمسك رمقنا الرجاء و حسن الظن به و لا حول و لا قوة الا بالله و لما مر في خلال هذه الفصول ذكر الخوف و الرجاء و الحب احب ان اشرحها هنا علي ما ييسر الله لنا ليكون تذكرة للمتذكر و عبرة للمعتبر .
فصل - في الخوف من الله سبحانه اعلم ان الخوف هو توقع النفس ضررا ينالها من منافر لها في نفسها او ما يؤل اليها مع تألم منه و له اصل و فرع اما اصله فادراكها الشيء المنافي لكينونتها فاذا قابلت النفس بمرآة مدركها الي الشيء و وقع شبحه في مدركها فوجدته منافيا لكينونتها و مفككا لتركيب وجودها و اعتقدت انه مفنيها و واصل اليها توقعت ضرره فهذا التوقع و التألم هو خوفها علي نفسها و اما ما يري من انه ربما يعتقد الشخص في الشيء انه مفنيه فلايخاف منه و يقدم عليه ساكن الجٰاش فهو لما يرجوه من الاقدام عليه من الفوز بامر آخر و قد غلب رجاؤه خوفه حتي اضمحله و الا فاعتقاد الافناء الخالص عن شوب الرجاء من جهة اخري و علمه بوصوله اليه يوجب توقع ضرره البتة و هو خوف الكائن و ذلك لا سترة عليه و اما فرعه و ثمره الهرب فان النفس اذا خافت اي توقعت ان هذا الشيء المقارن مفنيها هربت منه ابقاء علي نفسها و لربما يسبق ذلك التوقع الهرب فيموت الانسان فرقا قبل ان يهرب لما يأتي ان شاء الله و هذا الخوف يضعف و يقوي علي حسب مراتب الاعتقاد و المعتقد فالشاك في ضرر المقارن لايخاف البتة و اولي منه بعدم الخوف المتوهم للضرر فاذا ظن الضرر حصل له اقل درجات الخوف و يشتد كلما يشتد الظن الي ان يحصل اليقين فيتقوي الخوف بمقداره و كلما يشتد اليقين بالضرر يشتد الخوف و كذلك يتفاوت [ص 190] الخوف بحسب تفاوت قلة الضرر و كثرته فغاية الخوف اذا حصل اشد اليقين بتلف نفسه و هلاكه بالمرة فما لميبلغ الخوف حد الموت فرقا و بقي له استمساك يفر و يهرب الي جانب المتيقن نفعه و حفظه من ضرر الضار او المظنون نفعه و حفظه و تيقن النفع او ظنه يوجب الرجاء و هو ضد الخوف و سيأتي شرح حاله انشاء الله فاصل الخوف الذي ينشأ منه اما خارجي موجود في الحال كالاسد المقبل فيقع شبحه في العين ثم في الحس المشترك ثم في الخيال فيدرك النفس صورته المجردة فتجدها منافية لكينونتها فتخاف منه و هذا القسم يحصل في الحيوانات لكن عن طبع و اما ذهني و هو كأن يتفكر في انه لو كان كذا كيف كان يكون فيتصور في ذهنه صورة ان لو كان كذا فينتزع النفس صورته المجردة فتجدها منافية و تعتقد انها تنالها فتخاف منها اي تتوقع نيل ضررها فاذا حصل العلم بالشيء الضار في الصدر اي النفس و اعتقدت وصوله اليها خافت اي توقعت وقوع ضرره فاذا صح الخوف هربت فان النفس تعرض عما يضرها و تنفر عنه فيقع شبحها و شبح خوفها و اعراضها في القلب فيضطرب القلب فان كان اصل الخوف اي الشيء الضار في الخارج هرب الروح من ظاهر الاعضاء الي جوف القلب الذي هو مأمنه و يراه ابعد عن الضار من الاعضاء فلاجل ذلك يبرد الاطراف حتي تكاد ان تموت فيرجع الروح اليها شفقة عليها فيهرب و يرجع فكلما يهرب تتركها فتتساقط و كلما يرجع يمسكها و لما كان هذا التردد بسرعة يحدث في الاطراف ارتعاش و لما كان الدم مركب الروح و الروح متعلق به في الشرائين و العروق الكبار و الصغار يجتمع في القلب و ما حوله و ينصرف عن الوجه و الاطراف و ان بقي قليل في الاطراف يكاد من جهة برد الاطراف و هرب الروح ان ينجمد فيزول حمرة الوجه و يصفر [ص 191] في كمودة كلون الاموات و يكمد لون الايدي و الارجل و يزول نضارتها و يكمد لون الاظفار فتصير كاظفار الموتي و يقل رطوبة الاطراف و الفم لانصراف الدم و الرطوبات بمشايعة الروح فيتوتر انفه و يغور عينه بمشايعة الروح و الدم و يصير وجهه اشبه شيء بالموتي و لربما لايرجع الروح الي الاطراف من شدة الفرق زمانا فيجمد الدم فاذا رجع الروح ماقدر علي حله و اذابته فانسد المجاري و يبس العصب فيشل اليد و يعرج الرجل و لربما يشتد الخوف بحيث لايقدر الروح و لايجسر ان يرجع الي الاعضاء زمانا طويلا فيجمد دماء الاطراف بالكلية و ينسد المجاري ثم لايقدر النفوذ فيها فيحتقن في القلب ثم لايلحقه مدد لانسداد طرق المجاري فمات خنقا و صبرا و ان لميبلغ هذا المبلغ فلربما يغشي عليه ساعة و يتراخي الاعضاء و تتساقط ثم يرجع الروح بعد قليل فيفيق و قد يدمع العين اذا كان الخوف قليلا لاجتماع الروح و الدم في القلب و صعود الحرارة الي الوجه و العين و اذابتها الرطوبات الجامدة فيها و اجرائها من المجاري و اما اذا اشتد فلاتصعد الحرارة الي الوجه و الراس لفراره الكلي عن الظاهر و تحصنه في القلب فيحتقن الحرارة في القلب و لربما يجتمع الحرارة في القلب فلايطيق فيصيح صيحة كالشيء الذي يجتمع فيه حرارة زائدة قوية فينفتق فتقة لها صوت بحسب ما ينفتق فلربما يصيح صيحة ثم يموت فهذا هو هرب الروح اذا صح الخوف و لربما يشايع الروح البدن فيهرب من قرب الشيء الضار الي البعيد منه ان امكن لئلايناله ضرره و ان وجد الانسان مهربا ظاهريا و مأمنا يقل مفارقة الروح ظاهر البدن و يسكن ارتعاشه و ساير اعراضه هذا اذا كان المخوف في الخارج و اما اذا كان المخوف في الذهن فانه اذا تصور في الذهن صورة الشيء المنافر استوحش منها النفس و اعتقدت [ص 192] انها ضارة بها فتنفرت منها فوقع مثالها في القلب في الروح البخاري و لما كان الروح البخاري اذا صعد الي الدماغ رأي هنالك الصور فاذا وجد هناك ما يكره انزعج و تنفر و رجع الي مأمنه الذي هو القلب و تخلي عن الدماغ الذي وجد فيه الصورة فتعطل مبدء الحركة عن الروح و بطل شعوره و تفرق حواسه و محي تصوراته عن لوح خياله و بطل فكره و وهمه و علمه و عقله و تعطل اعضاؤه عن الحركة ثم اذا خاف الروح علي الاعضاء من فراره عاد الي مبدء الحركة فاذا تردد كذلك بسرعة حصل الارتعاش في الاعضاء ايضا و توارد الخيالات غير مستقرة و شايع الروح الدم و اجتمع في القلب فاصفر اللون كما ذكرنا و بتراجع الروح يتراجع الدم فيتغير اللون فيصفر مرة و يبيض مرة و يحمر مرة و يخضر مرة علي حسب اختلاف التراجع و اضطراب الروح و سرعة عوده و بطئه و جمود الدم في الجملة و ذوبانه و بقائه قليلا و ذهاب اكثره او كله بالجملة اذا صح الخوف في صدر و هو النفس صار منشأ آثار هكذا و هي طبيعية لاتتخلف البتة و ليس ذلك بمحض قول و ادعاء فاذا وجد العلامات في وجه عرف انه خائف مستوحش و الا فلا فعلامة الخوف الهرب ظاهرا و باطنا و تلك الآثار ظهور الهرب الباطني و معني الهرب الظاهري مباعدة ما يخاف منه في الظاهر و الهرب منه فلو قابل رجل اسدا و قال الرجل اني اخاف من هذا الاسد كثيرا و تراه ساكن الجٰاش مطمئن القلب احمر اللون ساكن الاعضاء و لايفر و لايهرب منه بل يقبل الي الاسد ضاحكا مستبشرا و يعانقه و يجلس عنده و ينام لاتكاد تصدقه في ادعائه الخوف و ان حلف بالايمان المغلظة فان علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا و لكل شيء موجود اثرا و اقتضاء فمن ذلك اعرف قدرك و قدر كلمن تري من الناس انهم يدعون انهم يخافون الله و لايري فيهم آثار الخوف مثل ما يري [ص 193] فيهم من آثار الخوف من بعوضة و بقة فان الخائف منها بالليل يهرب و يتحصن ببعض الملاحف و الازر و يضج من لدغها البتة فما لنا لانرجو لله وقارا و قد خلقنا اطوارا و لاننزله منزلة بقة نعوذ بالله فاذا عرفت ذلك فاعلم ان ذات الله جل جلاله لاتدرك و لاتناسب شيئا و لاتنافر و لايمكن نسبة الخوف اليها و كذلك مشيته الكونية فليست تنافر و تباين شيئا حتي يخاف منها و هي الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء و انما يخاف عدل الله الذي لايطيقه السماوات و الارض و يرجي فضله و عدل الله سبحانه هو الزامه الآثار المؤثرات و المقتضيات بالفتح المقتضيات بالكسر و المسببات الاسباب نعوذ بالله منه فمن حصل له العلم باثر كل مؤثر و مقتضي كل مقتض و سبب كل مسبب و اعتقد ذلك فهو العالم بالاشياء و يحصل له الخوف لانه يعلم ان المخلوق لايخلو من انية و ماهية و مقتضاها الاعراض عن المبدء و المعاصي و السيئات ان عمل الانسان بها و ان عمل بالوجود فلايكاد يخلو من شوب الماهية و هو نقص في العمل و سبب لعدم لياقته بطاعة الله و مخالفته لمحبة الله فاذا عرف ذلك من المخلوق و عرف ان مقتضي العمل بالماهية البعد عن المبدء و هو سبب كل نقص و شر و بلاء و لأواء و تعب و محنة و عذاب و مصيبة و نكبة و ذلة و فقر و فاقة في الدنيا و الآخرة و يري نفسه ملازمة للعمل بالماهية و علم ان الملزم تلك المقتضيات بالفتح بالمقتضي بالكسر هو الله سبحانه و هو مجريها و مبديها و معيدها و اعتقد ذلك خاف من الله سبحانه و كلما يشتد علمه بالله سبحانه و عدله و غناه المطلق و احديته يشتد خوفه و في دعاء يوم الاربعاء اللهم اشد خلقك خشية لك اعلمهم بك و افضل خلقك بك علما اخوفهم لك و اطوع خلقك اقربهم منك و اشد خلقك لك اعظاما ادناهم اليك لا علم الا خشيتك و لا حلم الا الايمان بك ليس لمن [ص 194] لميخشك علم و لا لمن لايؤمن بك حلم الدعاء ، و في دعاء الالحاح للسجاد عليه السلام سبحانك اخشي خلقك لك اعلمهم بك و اخضعهم لك اعملهم بطاعتك و اهونهم عليك من انت ترزقه و هو يعبد غيرك الدعاء ، قال الله سبحانه انما يخشي الله من عباده العلماء و سر ذلك ما ذكرنا من ان من علم الزام الله سبحانه كل اثر مؤثره و حصل في صدره صورة هذا المعني هو عالم بالاشياء و عالم بالله عز و جل و يخاف لامحة فاذا صح خوفه هرب من العمل بمقتضي الماهية و الانية البتة أليس انك لو كان لك داعيان و تعلم ان احدهما يدعوك الي الهلاك و البوار و احدهما يدعوك الي النجوة و البقاء و حصل في صدرك صورة دعوة الداعي الاول و مقتضي دعوته تنفرت نفسك منه و خافت علي نفسها من طاعته و متابعته و هربت من طاعته و تركته الي الداعي الآخر البتة فكذلك من عرف الوجود و الماهية و مقتضاهما و حصل له العلم به و انتقش في صدره صورته خاف من متابعة الماهية البتة و من مخالفة الوجود البتة و هو عدل الله سبحانه في الكاينات فلايخاف الا عدل الله و لايرجا الا فضله كما يأتي اليس ان من علم ان النار محرقة و مقتضاها الاحراق لما يلاقيها و حصل في صدره علم ذلك خاف من مقاربتها و تباعد عنها البتة أوليس ان من علم ان الاسقاط للبدن من اعلي جبل مكسر للاعضاء مميت له البتة و تصور مقتضاه و ملازمته للاسقاط لايلقي نفسه من اعلي الجبل بل يتباعد من موضع يظن انه يقع بل بعد حصول العلم بالمقتضي و المقتضي يهرب الانسان من مواضع ظن وقوع السوء بل لعل بعض المحتاطين المتقين علي انفسهم يهربون من مواضع شك وقوع السوء فمن لايتقي مواضع الشر ليس بعالم بالله فلو حصل العلم لرجل خاف لامحة فانه امر طبيعي و اذا حصل الخوف هرب لامحة فانه طبيعي و اذا هرب نجا لامحة فانه مقتضاه الذي الزمه الله اياه فمن [ص 195] اجهل ممن يعمل بمعاصي الله و من اعلم ممن يتقي مخالفة الله جل جلاله و قد روي في تفسير قوله تعالي انما التوبة علي الله للذين يعملون السوء بجهالة الآية ، يعني كل ذنب عمله العبد و ان كان به عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه و قد حكي الله قول يوسف لاخوته هل علمتم ما فعلتم بيوسف و اخيه اذ انتم جاهلون فنسبهم الي الجهل لمخاطرتهم بانفسهم انتهي ، و ذلك ان العلم هو حضور المعلوم عند العالم فما دام الانسان متوجها الي الشيء هو عالم به فيخاف منه و اذا غفل ليس صورة المعلوم عنده فهو جاهل و عند ذلك يأمن بوائقه بجهله فيقترفه و يخاطر بنفسه فيلزمه مقتضاه فيعذب بسببه هذا و يتأكد الخوف اذا تصور الانسان ان مقتضي الاعراض عن الشمس اظطلام الوجه و ان الانسان لايقدر علي التوجه الي الشمس الا بتوفيق الله و الله سبحانه نور لا ظلمة فيه و خير لا شر فيه و كمال لا نقص فيه فمن اعرض عنه بوجهه وقع في مهاوي الظلمة و الشر و النقص و هو لايقدر علي التوجه ثانيا الي الله سبحانه الا بتوفيقه و تسديده و تأييده و فضله و منه و جوده و هو في حال اعراضه مستحق لمقتضاه و لايستحق غيره و المعرض لايقدر علي الاقبال و انت من حيث انت انت و انت نفس الانية و الماهية فانت لاتقدر علي الاقبال و الاستنارة فمقتضي ذلك ان تبقي باول اعراض اعرضت ابدا في العذاب و النكال و لايمكن لك الاقبال اذ لايتأتي منك انت الا الظلمة و الشر فانت تستحق الخلود باول اعراض اعرضت فانت لو عرفت ذلك و صورت في نفسك تصويرا ثابتا مستقرا لانفتق مرارتك و ارتعش اعضاؤك و جري دمعتك و عرفت انك لا نجاة لك لولا فضل الله فله الحمد من ذي اناة لايعجل و من مفضل يمن عليك بالتوبة و الرجوع الي الله و الاقبال و ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك انظر الي الحايط هل يتأتي منه الا الظلمة و هل نوره [ص 196] الا من فضل الشمس و جودها فكيف لايخاف الانسان اذا حصل له هذه العلوم و رأي من هلك و عرف بما هلك و رأي من نجي و عرف بما نجي ففي مناجاة اميرالمؤمنين عليه السلام الهي لولا ما قرفت من الذنوب مافرقت عقابك و لولا ما عرفت من كرمك مارجوت ثوابك و فيها الهي ان عفوت فبفضلك و ان عذبت فبعدلك فيا من لايرجي الا فضله و لايخاف الا عدله صل علي محمد و آلمحمد و امنن علينا بفضلك و لاتستقص علينا في عدلك الدعاء ففي مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام الخوف رقيب القلب و الرجاء شفيع النفس من كان بالله عارفا كان من الله خائفا و اليه راجيا و هما جناحا الايمان يطير بهما العبد المحقق الي رضوان الله و عينا عقله يبصر بهما الي وعد الله و وعيده و الخوف طالع عدل الله ناهي وعيده و الرجاء داعي فضل الله و هو يحيي القلب و الخوف يميت النفس قال النبي صلي الله عليه و آله المؤمن بين خوفين خوف ما مضي و خوف ما بقي و بموت النفس يكون حيوة القلب و بحيوة القلب البلوغ الي الاستقامة و من عبد الله علي ميزان الخوف و الرجاء لايضل و يصل الي مأموله و كيف لايخاف العبد و هو غير عالم بما يختم صحيفته و لا له عمل يتوسل به استحقاقا و لا قدرة له علي شيء و لا مفر و كيف لايرجو و هو يعرف نفسه بالعجز و هو غريق في بحر آلاء الله و نعمائه من حيث لاتحصي و لاتعد و المحب يعبد ربه علي الرجاء بمشاهدة احواله بعين غير متهم و الزاهد يعبد ربه علي الخوف قال اويس لهرم بن حيان قد عمل الناس علي رجاء فقال بل تعمل علي الخوف و الخوف خوفان ثابت و معارض فالثابت من الخوف يورث الرجاء و المعارض عنه يورث خوفا ثابتا و الرجاء رجاءان عاكف و باد فالعاكف منه يورث خوفا ثابتا يقوي بسببه المحبة و البادي منه يصحح اهل العجز و التقصير و الحياء انتهي ، و فيه عنه عليه السلام و قد مر [ص 197] و نعيده تبركا قال عليه السلام نجوي العارفين تدور علي ثلاثة اصول الخوف و الرجاء و الحب فالخوف فرع العلم و الرجاء فرع اليقين و الحب فرع المعرفة فدليل الخوف الهرب و دليل الرجاء الطلب و دليل الحب ايثار المحبوب علي ما سواه فاذا تحقق العلم في الصدر خاف و اذا صح الخوف هرب و اذا هرب نجا و اذا اشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل و اذا تمكن من رؤية الفضل رجا و اذا وجد حلاوة الرجاء طلب و اذا وفق للطلب وجد و اذا تجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة و اذا هاج ريح المحبة استأنس في ظلال المحبوب و آثر المحبوب علي ما سواه و باشر اوامره و اجتنب نواهيه و اختارهما علي كل شيء غيرهما و اذا استقام علي بساط الانس بالمحبوب مع اداء اوامره و اجتناب نواهيه وصل الي روح المناجاة و القرب الخ ، قوله عليه السلام فالخوف فرع العلم معناه اذا حصل العلم بالزام الله سبحانه مقتضي كل مقتض اياه اعتقد انه يلزمه مقتضي عمله و يناله ضرره و توقع وقوع ضرره عليه فخاف و ذلك التوقع فرع علمه بذلك الالزام ففي الوسائل عن الكليني بسنده عن ابيعبيدة الحذاء عن ابيعبدالله عليه السلام قال المؤمن بين مخافتين ذنب قد مضي لايدري ما صنع الله فيه و عمر قد بقي لايدري ما يكتسب فيه من المهالك فلايصبح الا خايفا و لايصلحه الا الخوف و عن الصدوق بسنده في وصية النبي صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام يا علي ثلث منجيات خوف الله في السر و العلانية و القصد في الغني و الفقر و كلمة العدل في الرضا و السخط و قال من الفاظ رسول الله صلي الله عليه و آله رأس الحكم مخافة الله عز و جل و باسناده عن علي بن غراب قال قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام من خلا بذنب فراقب الله تعالي فيه و استحيي من الحفظة غفر الله عز و جل له جميع ذنوبه و ان كانت مثل ذنوب الثقلين و عنه [ص 198] عن عبدالله بن القسم الجعفي عن ابيعبدالله (ع) قال سمعته يقول الخائف من لمتدع له الرهبة لسانا ينطق به و روي في الكافي بسنده عن الحرث بن المغيرة او ابيه عن ابيعبدالله (ع) قال قلت له ما كان في وصية لقمن قال كان فيها الاعاجيب و كان اعجب ما كان فيها ان قال لابنه خف الله عز و جل خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك و ارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك ثم قال ابوعبدالله (ع) كان ابي عليه السلام يقول انه ليس من عبد مؤمن الا و في قلبه نوران نور خيفة و نور رجاء لو وزن هذا لميزد علي هذا و لو وزن هذا لميزد علي هذا و عن اسحق بن عمار قال قال ابوعبدالله عليه السلام يا اسحق خف الله كأنك تراه و ان كنت لاتراه فانه يراك و ان كنت تري انه لايراك فقد كفرت و ان كنت تعلم انه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته من اهون الناظرين اليك و عن الهيثم بن واقد قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول من خاف الله اخاف الله منه كل شيء و من لميخف الله اخافه الله من كل شيء و عن ابيحمزة قال قال ابوعبدالله عليه السلام من عرف الله خاف الله و من خاف الله سخت نفسه عن الدنيا و عن صالح بن حمزة رفعه قال قال ابوعبدالله عليه السلام ان من العبادة شدة الخوف من الله عز و جل يقول الله عز و جل انما يخشي الله من عباده العلماء و قال جل ثناؤه و لاتخشوا الناس و اخشوني و قال تبارك و تعالي و من يتق الله يجعل له مخرجا قال و قال ابوعبدالله ان حب الشرف و الذكر لايكونان في قلب الخائف الراهب و عن ابيحمزة الثمالي عن علي بن الحسين عليهما السلام قال قال ان رجلا ركب البحر باهله فكسر بهم فلمينج ممن كان في السفينة الا امرأة الرجل فانها نجت علي لوح من الواح السفينة حتي الجئت الي جزيرة من جزائر البحر و كان في تلك الجزيرة رجل يقطع الطريق و لميدع لله حرمة الا انتهكها فلميعلم الا و المرأة قائمة علي رأسه فرفع [ص 199] رأسه اليها فقال انسية ام جنية فقالت انسية فلميكلمها كلمة حتي جلس منها مجلس الرجل من اهله فلما ان هم بها اضطربت فقال لها ما لك تضطربين فقالت افرق من هذا و اشارت بيدها الي السماء قال فصنعت من هذا شيئا قالت لا و عزته قال فانت تفرقين هذا الفرق و لمتصنعي من هذا شيئا و انما استكرهتك استكراها فانا والله اولي بهذا الفرق و الخوف و احق منك قال فقام و لميحدث شيئا و رجع الي اهله و ليست له همة الا التوبة و المراجعة فبينا هو يمشي اذ ضامه راهب يمشي في الطريق فحميت عليهما الشمس فقال الراهب للشاب ادع الله يظلنا بغمامة فقد حميت علينا الشمس فقال الشاب مااعلم ان لي عند ربي حسنة فاتجاسر علي ان اسأله شيئا قال فادعوا انا و تؤمن انت قال نعم فاقبل الراهب يدعو و الشاب يؤمن فما كان باسرع من ان اظلتهما غمامة فمشيا تحتها مليا من النهار ثم تفرقت الجادة جادتين فاخذ الشاب في واحدة و اخذ الراهب في واحدة فاذا السحابة مع الشاب فقال الراهب انت خير مني لك استجيب و لميستجب لي فخبرني ما قصتك فاخبره بخبر المرأة فقال غفر لك ما مضي حيث دخلك الخوف فانظر كيف تكون فيما تستقبل و في ارشاد الديلمي مرسلا قال علي بن الحسين عليه السلام ابن آدم انك لاتزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك و ما كان الخوف شعارك و الحزن دثارك ابن آدم انك ميت و محاسب فاعد الجواب و اوحي الله الي موسي بن عمران يا موسي خفني في سر امرك احفظك في عوراتك و قال الصادق عليه السلام ما الدنيا عندي الا بمنزلة الميتة اذا اضطررت اليها اكلت منها يا حفص ان الله تعالي علم ما العباد عاملون و الي ما هم صايرون فحلم عنهم عند اعمالهم السيئة بعلمه السابق فيهم و انما يعجل من يخاف الفوت فلايغرنك من الله تاخير العقوبة ثم تلا قوله تعالي تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في [ص 200] الارض و لا فسادا و العاقبة للمتقين و جعل يبكي و يقول ذهبت الاماني عند هذه الآية ثم قال فاز والله الابرار و خسر الاشرار تدري من الابرار هم الذين خافوه و اتقوه و قربوا اليه بالاعمال الصالحة و خشوه في سر امرهم و علانيتهم كفي بخشية الله علما و كفي بالاغترار به جهلا يا حفص ان الله يغفر للجاهلين سبعين ذنبا قبل ان يغفر للعالم ذنبا واحدا يا حفص من تعلم و عمل كتب في الملكوت عظيما ان اعلم الناس بالله اخوفهم منه و اخشاهم له ازهدهم في الدنيا و قال له رجل يا ابن رسول الله اوصني فقال اتق الله حيث كنت فانك لاتستوحش و في جامع الاخبار قال رسول الله صلي الله عليه و آله من كان بالله اعرف كان من الله اخوف و قال صلي الله عليه و آله يا بن مسعود اخش الله تعالي بالغيب كأنك تراه فان لمتره فانه يراك يقول الله تعالي من خشي الرحمن بالغيب و جاء بقلب منيب ، ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود ، و قال روي ان النبي صلي الله عليه و آله كان يصلي و قلبه كالمرجل يغلي من خشية الله قال الله تعالي الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، و قال الصادق عليه السلام ارج الله رجاء لايجريك علي معصية و خف الله خوفا لايؤيسك من رحمته و قال النبي صلي الله عليه و آله كل عين باكية يوم القيمة الا ثلث اعين عين بكت من خشية الله و عين غضت عن محارم الله و عين باتت ساهرة في طاعة الله و قال النبي صلي الله عليه و آله اذا اقشعر قلب المؤمن من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات من الشجرة ورقها و مر الحسن بن علي عليه السلام بشاب يضحك فقال هل مررت بالصراط قال لا قال و هل تدري الي الجنة تصير ام الي النار قال لا قال فما هذا الضحك قال فمارأي ذلك الفتي بعدها ضاحكا و قال الصادق عليه السلام لايكون المؤمن مؤمنا حتي يكون خائفا راجيا و لايكون خائفا راجيا حتي يكون عاملا لما يخاف و يرجو و في الوسائل عن الطوسي [ص 201] بسنده عن الحسين بن موسي بن جعفر عن ابيه عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال ان المؤمن لايصبح الا خائفا و ان كان محسنا و لايمسي الا خائفا و ان كان محسنا لانه بين امرين بين وقت قد مضي لايدري ما الله صانع به و بين اجل قد اقترب لايدري ما يصيبه من الهلكات الا و قولوا خيرا تعرفوا به و اعملوا به تكونوا من اهله صلوا ارحامكم و ان قطعوكم و عودوا بالفضل علي من حرمكم و ادوا الامانة الي من ائتمنكم و اوفوا بعهد من عاهدتم و اذا حكمتم فاعدلوا و في الكافي عن حمزة بن حمران قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول ان مما حفظ من خطب النبي صلي الله عليه و آله انه قال ايها الناس ان لكم معالم فانتهوا الي معالمكم و ان لكم نهاية فانتهوا الي نهايتكم الا ان المؤمن يعمل بين مخافتين بين اجل قد مضي لايدري ما الله صانع فيه و بين اجل قد بقي لايدري ما الله قاض فيه فليأخذ العبد المؤمن من نفسه لنفسه و من دنياه لآخرته و في الشبيبة قبل الكبر و في الحيوة قبل الممات فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من مستعتب و ما بعدها من دار الا الجنة و النار و عن داود الرقي عن ابيعبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل و لمن خاف مقام ربه جنتان قال من علم ان الله يراه و يسمع ما يقول و يعلم ما يعمله من خير او شر فيحجزه القبيح من الاعمال فذلك الذي خاف مقام ربه و نهي النفس عن الهوي و عن الحسن بن ابيسارة قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول لايكون المؤمن مؤمنا حتي يكون خائفا راجيا و لايكون خائفا راجيا حتي يكون عاملا لما يخاف و يرجو ، الي غير ذلك من الاخبار الواردة في هذا المضمار و اعلم ان حقيقة الخوف و الرجاء و منشأهما ان الله سبحانه خلق كل مؤمن من نور و ظلمة و وجود و ماهية و جهة من ربه و جهة من نفسه فالنور الذي فيه هو اثر مشية الله و مثالها و منها و هو جهته الي ربه و ظاهر ربه و ربه الظاهر و [ص 202] يسمي بالوجود عند بعض الحكماء و العرفاء السالفين و هو المثال المشار اليه في حديث اميرالمؤمنين عليه السلام تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله فهذا المثال هو نور المشية و هي اولي به و هو منها بدئ و اليها يعود فهذا المثال هو حقيقة روح الايمان و منشأ كل طاعة و عبادة و خير و كمال و حسن خلق و تقوي و جميع الحسنات العملية و القولية و الاخلاقية و العلمية و جميع ذلك آثاره و مقتضياته و من طباعه منه يبدو و اليه يعود و هو اولي به و لهذا المثال مراتب من مبدء الانسان الي منتهاه و درجات و في كل درجة له اقتضاءات و لعلنا شرحنا ذلك في موضع اليق و الظلمة التي فيه هي حيث نفسه بمادتها و صورتها و كل عصيان و سيئة و شر و نقص و سوء خلق و سوء عمل او قول او علم منسوب اليها و هي اولي بها و هي منها و اليها و هي حقيقة روح الكفر و الشرك و الشقاق و النفاق و الضلالة و الجهل و كل سئ ، في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و المراد بالروح هو ذلك المثال الملقي و نفخت فيه من روحي و المراد بالطبيعة هو حيث انيته و حيث هو هو و ذلك ان الله وجود حق و انية الخلق عدمية الاصل و ان الله غني و هي فقيرة و ان الله متوحد و هي متكثرة الي غير ذلك فهي علي خلاف كينونة الله و جميع مقتضياتها علي خلاف مقتضيات مشية الله و محاب الله بقول مطلق فما صدر من معصية من العبد فهي منها و اليها و ما صدر منه من طاعة فهي من ذلك المثال الذي هو ظاهر الرب و الرب الظاهر و صفة المشية و نورها و منها و اليها فما صدر منه من طاعة فهي من الله قد انعم بها علي خلقه و اجراها علي يديه من غير استحقاق فان الماهية ليست بمستحقة للوجود و العطاء و الجود فلو عوملت بما تقتضيه لكانت تبقي ابد الابد في العذاب السرمد ألاتعلم ان الظلمة [ص 203] لاتقتضي النور و الشر لايقتضي الخير و الكثرة لاتقتضي الوحدة و الكثيف لايقتضي اللطيف و القبح لايقتضي الحسن فهي اقتضت ان تكون علي ما هي عليه فجعلها الله اياها ثم هي لاتقتضي الوجود و الخير و النور فجميع ما من الله ابتداء منه جل و عز كما في الدعاء كل نعمك ابتداء و جميع احسانك تفضل و في آخر يا مبتديا بالنعم قبل استحقاقها فافاضة الوجود من الله ذي الجود ابتداء و اجراء الطاعات علي يدي العبد محض احسان فانه لولا الطاعات لميبق الا المعاصي و المعاصي لاتجعل الانسان مستأهلا للطاعات و الفيوض و الامداد ابدا فبعد ان ركب الله بمنه و جوده عبده من نور و ظلمة صار النور منشأ الرجاء و صارت الظلمة منشأ الخوف و صار النور عرصة الفضل و الظلمة عرصة العدل فمقتضي الفضل ان يغفر له كل ذنب و يستر له كل عيب و يقضي له كل حاجة ان عمل العبد بمقتضي وجوده و مقتضي العدل ان لايغفر له ذنب و لايستر له عيب و لايقال له عثرة و لايقضي له حاجة ابدا ابدا و يعذب بالنار سرمدا فان بالطاعة ينجو الانسان من النار و لا طاعة الا من عرصة الفضل و من الله و الي الله فلو عدل الله في حقه و ما يستحقه بعمله الذي هو منه و اليه و هو اهله لعذبه سرمد الابد في النار و لايستحق الرحمة ابدا ابدا و لا طاعة له حتي يتوصل و يتوسل بها الي الله سبحانه و هو من رحمته و فضله القي في هويته مثاله فاظهر عنها الطاعات و نسبها اليه لانها تظهر منها و جزاه بها احسانا بعد احسان ألمتسمع تفسيرهم سلام الله عليهم عن الله جل و عز لقوله تعالي هل جزاء الاحسان الا الاحسان قال اي ما جزاء من انعمت عليه بالتوحيد الا الجنة فله الحمد من اله بر رؤف ينعم علي عبده بالتوحيد و الخير ثم يقبل منه و ينسبه اليه و يجزيه به و كل ذلك ابتداء منه جل و علا و يأتي تمام الكلام في الرجاء ان شاء الله و الغرض هنا ان نعرفك ان النور اصل الرجاء و الظلمة [ص 204] اصل الخوف فلولا النور لكان العبد كله ظلمة و لولا الظلمة لكان العبد كله نورا بفضل الله و جوده و العبد المركب منهما يجب ان يكون فيه رجاء و خوف متساويان لايزيد هذا علي هذا و لا هذا علي هذا لانه من حيث نفسه بكله يقتضي العذاب الدائم المخلد و فضل الله سبحانه المحيط بجميع الخلق غير الممنوع عمن طلبه و توجه اليه يقتضي النعيم الدائم ألاتري ان الشمس يرجي منها الاستنارة و الماء يرجي منه الري و النار يرجي منها الاحراق اذا كانت مبذولة غير ممنوعة من حيث نفسها فكذلك فضل الله المبذول غير الممنوع عن احد يرجي منه و فيه النجاة الدائمة و اذا طلبته بكلك لايمتنع عن كلك فاذا يجب ان يساوي خوفك و رجاؤك بحيث لايزيد احدهما علي الآخر البتة فان الفضل و ان كان بلا نهاية الا انه يتقدر فيك بقدرك فيساوي نفسك و خوفك علي نفسك فافهم و ليس ينقص الخوف الا بنسيان مقتضي نفسه الذي يستحقه و يقع حينئذ في عرصة الامن من مكر الله و لايأمن مكر الله الا القوم الخاسرون و ليس ينقص الرجاء الا عند ترك مطالعة الفضل و سوء الظن بالله و ظن البخل به و ملاحظة صرف نفسه و مقتضاها و يقع في عرصة اليأس من الله و لاييئس من روح الله الا القوم الكافرون و نقصان الخوف ذرة من مبادي الامن من مكر الله و اقل مراتبه و نقصان الرجاء و لو ذرة من مبادي اليأس من روح الله و اقل مراتبه و هما مذمومان و لذا امرنا بالخوف في عين الطاعة و بالرجاء في عين المعصية و العصاة مبشرون ليعتدلوا و المطيعون منذرون ليعتدلوا فيطيروا بهذين الجناحين الذين بهما اعتداله و قوامه الي درجات القدس فلو نقص احدهما فقد عصي و هبط و احترق جناحه و وقع في مهاوي سجين و اذا اعتدلا سلك الانسان في مسالك العبودية معتدلا و وصل الي مقام القدس و القرب و ان مال عن احد الجانبين ضل و اعلم ان الخوف له متعلقان خوف لما فرط الانسان في سالف [ص 205] زمنه و لزوم مقتضاه له لولا فضل الله و خوف لما سيأتي حيث لايدري بماذا يختم عمله أيغرق في بحر عدل الله ام يغوص في لجة فضل الله ثم ليس الخوف محض ادعاء و قول بل له علامات و