فصل - فلو تفكرت في مطاوي ما ذكرنا لعرفت ان العبادة هي آثار روح الايمان اينما وجدت وجدت كما ان النفس النباتية اذا وجدت في جسم حصل فيه آثار النما و الروح الحيوانية اذا حدثت في بدن حصل فيه الحس و الحركة بلا تكلف فاذا وجد روح الايمان في بدن حصل فيه العبادة و جري جميع اعضائه في طاعة مولاه من غير تكلف نعم يقع التكلف علي امارته و حيوانيته و نباتيته فهما يذبلان و يتأثران و يتنكأان و اما روح الايمان فانها تتقوي بالعبادة فتنشط و تتلذذ و تترقي و تزداد شوقا و لايأخذها ابدا كسالة و لا ملالة و لا سأمة و جميع ذلك يقع علي الامارة و الحيوانية فلذلك امروا بالاقتصاد في العبادة مراعاة لجانب البدن و النفس الامارة و الروح الحيوانية و النباتية كما روي في الكافي بسنده عن ابيالجارود عن ابيجعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان هذا الدين متين فاوغلوا فيه برفق و لاتكرهوا عبادة الله الي عباد الله فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفرا قطع و لا ظهرا ابقي و عن حفص البختري عن ابيعبدالله قال لاتكرهوا الي انفسكم العبادة و عن عمرو بن جميع عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله يا علي ان هذا الدين متين فاوغل فيه برفق و لاتبغض الي نفسك عبادة [ص 147] ربك ان المنبت يعني المفرط لا ظهرا ابقي و لا ارضا قطع فاعمل عمل من يرجو ان يموت هرما و احذر حذر من يتخوف ان يموت غدا و عن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام قال مر بي ابي و انا بالطواف و انا حدث و قد اجتهدت في العبادة فرآني و انا اتصاب عرقا فقال لي يا جعفر يا بني ان الله اذا احب عبدا ادخله الجنة و رضي عنه باليسير و في اخري قال اجتهدت في العبادة و انا شاب فقال لي ابي يا بني دون ما اراك تصنع فان الله عزوجل اذا احب عبدا رضي منه باليسير ، الي غير ذلك من الاخبار فلاجل ذلك امروا بالاقتصاد في العبادة حتي لاتمل الامارة فتدبر و لاتعجز الحيوانية فتبرك و لاتعجز النباتية فتذبل فحد الاقتصاد يتفاوت بحسب ارتياض هذه النفوس و تعودها و اطمينانها فلاتجري كلها مجري واحدا و المحتاج الي الرياضة هذه النفوس لا النفس الناطقة القدسية فان الطاعة و العبادة طباعها فافهم .
فصل - اعلم ان النية من اعظم اركان العبادة بل هي عبادة النفس الناطقة و ساير الاعمال هي عبادة ساير المراتب و هي كلها تنزل النية و تفصيلها فالاعمال نية ظاهرة و النية عمل باطني و النية في العمل كالروح في الجسد فما لميكن عمل لايكون للنية ظهور و ما لميكن نية لايكون العمل حيا مؤثرا نافعا فاذا اجتمعا صار العمل مؤثرا نافعا فلاجل ذلك روي في الكافي عن ابيحمزة عن علي بن الحسين عليهما السلام قال لا عمل الا بالنية و في الوسائل عن محمد بن يعقوب بسنده عن ابيعثمن العبدي عن جعفر عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله لا قول الا بعمل و لا قول و لا عمل الا بنية و لا قول و عمل و نية الا باصابة السنة و عن سفيان بن عيينة عن ابيعبدالله عليه السلام في حديث و النية افضل من العمل الا و ان النية هي العمل ثم تلا قوله تعالي قل كل يعمل علي شاكلته يعني علي نيته و عن ابنبابويه بسنده [ص 148] عن ابيحمزة الثمالي عن علي بن الحسين عليه السلام قال لا حسب لقرشي و لا عربي الا بتواضع و لا كرم الا بتقوي و لا عمل الا بنية و لا عبادة الا بتفقه و عن الطوسي عن النبي صلي الله عليه و آله انما الاعمال بالنيات و انما لكل امرء ما نوي و من المجالس باسناده عن ابيذر عن رسول الله صلي الله عليه و آله في وصيته له قال يا اباذر ليكن لك في كل شيء نية حتي في النوم و الاكل الخبر و اعلم ان النية نيتان نية نفس العمل يعني ان ينوي الانسان انه يصلي او يصوم او يحج و هي النية العامية التي يعرفونها من النية و نية وجه العمل و هي الباعثة علي العمل المحركة للانسان للعمل فلا بد في العمل من نية حسنة حتي يكون العمل حسنا و ان كانت سيئة كان العمل سيئا و هذا معني قول النبي صلي الله عليه و آله لكل امرء ما نوي و في الوسائل عن الكليني بسنده عن ابيبصير قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن حد العبادة التي اذا فعلها فاعلها كان مؤديا فقال حسن النية بالطاعة و عن البرقي بسنده قال سأل عيسي بن عبدالله القمي اباعبدالله عليه السلام و انا حاضر فقال ما العبادة فقال حسن النية بالطاعة من الوجه الذي يطاع الله منه انتهي ، و حقيقة هذا الامر ان للانسان نفسين نفسا امارة بالسوء و نفسا ناطقة قدسية اما النفس الامارة بالسوء فهي نفس منكوسة ظهرها الي العقل و الي عليين و وجهها الي الحيوانية و النباتية و الي سجين فاذا كان المستولية علي بدن الانسان هذه النفس و كانت هي الآمرة الناهية المستعملة للحواس و الاعضاء فهي لاتنوي في اعمالها الا شرا كيفما عملت فهذه الخبيثة ان تركت الاعمال الشرعية كانت كافرة و ان فعلت افسدتها فكانت باطلة و ان اصلحتها اشركت فيها فكانت مشركة اما غيرها بالله عز و جل و اما نفسها و جلب منافعها و دفع مضارها ان لمتعتن بالعبادات فقد تهاونت و ان اعتنت وسوست فيها و دنستها و ان [ص 149] لمتدنسها بالوسواس عجبت و ان لمتعجب اشركت و ان لمتشرك فخرت و تجبرت و افسدتها باي نية كانت و ان خلي عملها يوما ما من العيوب ابطلته بعصيان بعده و لاتتركه باقيا فهي كالحسكة اي وجه منها علا فيه شوكة او كالعذرة اي وجه منها علا فهي نتن الرايحة و لايكاد يصلح نيتها ابدا ابدا و لايكاد يعتدل عملها و ان اعتدل لايكاد يقع علي وجه صحيح حتي انها اذا منعت بخلت و ان اعطت بذرت و ان اقتصدت قصدت بها رياء او سمعة او منفعة او دفع مضرة ان سكتت اخلت بواجب و ان نطقت نطقت بحرام ان قعدت تقاعدت عن الفرايض و ان مشت مشت الي حرام و معصية بالجملة ليس عندها ذكر الله بوجه من الوجوه تستعين بشيطان علي شيطان و تلوذ بشيطان من شر شيطان ان سخطت سخطت تجبرا و ان رضيت رضيت شهوة ان تباعدت تباعدت كبرا و ان تقاربت تقاربت مكرا ماادري كيف اصفها اعاذنا الله من شرها و حسبك انه ليس عندها ذكر من الله سبحانه فهذه النفس ان استولت علي بدن لايكاد يصح نيته و عمله و سمها ما شئت من فاسقة و مجرمة و عاصية و شاكة و كافرة و مشركة و خبيثة و منافقة فانها اهله و محله و المستولي علي اغلب الابدان هذه الخبيثة و لذلك يكون المؤمن اقل من الكبريت الاحمر و لايكاد يصدر منهم عمل لله سبحانه فهذه النفس لاتنوي نية حسنة و نية خير ابدا ابدا و ان كان المستولية علي البدن النفس القدسية فهي بنت العقل و جزوه و تأييداتها منه و عملها علي حسب اشارته و دلالته و هي لاتعبد الا الرحمن و لاتكتسب الا الجنان فهي لاتنوي الا خيرا و لاتعمل الا لله وحده لا شريك له ان سكتت فكرت و ان نطقت ذكرت ان ضحكت لمتخرق و ان غضبت لمتنزق تباعدها زهد و نزاهة و دنوها لين و رحمة ان رضيت لميدخلها رضاها في اثم و ان سخطت لميخرجها سخطها من قول الحق ان قدرت لمتتعاط [ص 150] ما ليس لها ان عاملت عدلت ان حدثت صدقت ان وعدت وفت فهي كالمسك اي وجه منه علا طيب الرايحة فهذه النفس تقدر علي نية الخير و النية الحسنة و الطاعة لله و لرسوله صلي الله عليه و آله و العمل بالسنة الحنيفية ثم ان استولت هذه النفس علي امرء و عمل بمقتضاها حتي قهرت النفس الامارة تنقاد تلك الخبيثة و تطيع و تنوي ما تنوي القدسية قهرا و تبعا الي ان تطمئن و تسكن فتكون كالكلب المعلم فيحل صيدها كما قال الله تعالي فكلوا مما امسكن عليكم و الا فهي من حيث طبعها لاتنوي خيرا و لاتشتهي الا شرا و اما حقيقة اصلاح النية ففيه تفصيل ينبغي ان اذكره هنا و هو ان الله سبحانه خلق كل نسمة من وجود و ماهية و نور و ظلمة و جعل لكل واحد منهما فيه ظهورا و هو العقل الذي هو ظهور الوجود و النفس التي هي ظهور الماهية فالعقل خليفة النور و الوجود و وزيره لايدعو الا الي البر و العمل به و النفس هي خليفة الظلمة و الماهية تدعو الي الشر و العمل به و هذه النفس التي هي في مقابلة العقل هي الامارة بالسوء و هذان قد جعلا في قوة كل نسمة فهما قبل عرض دعوة المكملين كامنان في امكان كل انسان و هو صالح لان يكمل ما فيه من العقل فيصير بالفعل و يشتعل به و ان يكمل فيه النفس و تصير بالفعل و يشتعل بها و لان يشتعل بهذا مرة و بهذه اخري و اما هما معا فلايظهران و لايظهر آثارهما فانه يلزم منه التفكك و بعد ما استخرجا بواسطة المكملين يكونان موجودين في الدهر قائمين فوق شهادة الانسان و فوق النفس الحيوانية و النباتية و هما متقلبتان مطاوعتان تحتهما فقد يستولي عليهما العقل و يشايعه النفس و قد يستولي عليهما النفس فيشايعها العقل فاذا استولت النفس و قهرت العقل لايمكن ان يصدر من صاحبها نية خير و عمل خير كما في اغلب الخلق و ان عملوا عملا صورته خير فلهم [ص 151] في ذلك اغراض شتي نفسانية كما ذكرنا و اذا استولي العقل و قهر النفس امكن له نية الخير و العمل به بل لايصدر منه غير ذلك و ان عمل عملا صورته شر فانه فعله بنية خير كما صنعه خضر عليه السلام من خرق السفينة و قتل النفس بالجملة هذا الانسان الظاهر هو امكان استخراج كل منهما منه و هو مخير بان يطاوع اسباب الخير و يظهر منه العقل او يطاوع اسباب الشر فيخرج منه النفس فهذا الانسان مختار قادر علي طاعة كل من المكملين و لذا كلفه الله بطاعة محمد و آلمحمد عليهم السلام و نهاه عن طاعة اعدائهم بل هو قادر علي الرجوع الي طاعة محمد و آلمحمد عليهم السلام و ان اطاع سنين عديدة اعداءهم فان هذا الانسان ليس النفس بذاتيته دون العقل بل و لا العكس و لذا امره بالتوبة و الرجوع عن الكفر و ان زعم زاعم انه بعد طاعته للاعداء و ظهور النفس فيه صعب عليه الرجوع و التوبة قلت الصعوبة غير الامتناع و الله العدل اولي بالعذر لايكلف نفسا الا وسعها فاذا ابطأ السالك في الباطل سنين اجابة الحق لايلومه الله علي ابطاء الاجابة و لايريد منه سرعة السابقين و ان لامه بسلوك الباطل سنين مع وجود داعي الحق في المقابل بالجملة انت يا ايها الانسان و يا ايتها النفس الجانية الفانية تقدر علي نية الخير و انت مختار فان اطعت المكملين للعقول ازداد قوة العقل فيك يوما فيوما و قوي نيتك الخير يوما فيوما و انت في اول الامر لاتقدر علي نية بخلوص نية السابقين و عباد الله المخلصين و لايراد منك ذلك و لاتكلف بذلك و انما يراد منك ان تحسن نيتك علي ما تقدر عليه فمن عمل بما قدر آتاه الله قوة علي ما لايقدر فيزداد قوته في الخير .
فصل - هنا مسئلة مشكلة لا علينا ان نشير اليها و هي ان الناقص اعماله ايضا ناقصة و نيته ايضا ناقصة فكيف يصير العمل سبب ترقي العامل بل ذلك جار في جميع [ص 152] العاملين فان لكل شخص درجة و اعماله علي حسب حاله في تلك الدرجة كائنة ما كانت فكيف يوجب العمل ترقي العامل عن درجته و جواب هذه المسئلة لايوجد الا عندنا و لا قوة الا بالله و لايعرف الا في حكمتنا التي منحنا الله اياها و له الحمد و هو ان الذات هي الفعلية المحضة التي لا قوة فيها بوجه من الوجوه و هي الوجود المحض و الامكان هو دار قوة و عدم و لايخرج من تلك القوي شيء الي الفعلية الا بفضل الذات و جودها الذي هو امره و فعله فاذا وقع نور امره و مثال فعله علي تلك القوي اخرجها من العدم الي الوجود و من القوة الي الفعلية و الفعلية اشرف من القوة و مقدمة عليها وجودا و ان كانت مؤخرة عنها ظهورا و الوجود اشرف من العدم فالامكان كلما يخرج من قويها شيء الي الفعلية يزداد شبها بامر الله جل شأنه و يرتفع رتبة و يزداد نعامة و رقة و انبساطا كما يزداد الزيت شبها بالنار اذا خرج النار التي في امكانه الي الفعلية فاذا عرفت ذلك اقول ان الله سبحانه خلق كل انسان من وجود و ماهية و وجوده امكان جميع الاعمال الصالحة و الصفات الحسنة فيمكن ان يتصف بكلها و ما لميتصف بصفة هي في قوته و ماهيته امكان جميع الاعمال الطالحة و الصفات القبيحة فيمكن ان تتصف بكلها و ما لمتتصف بصفة هي في قوتها فاذا عمل الانسان بمقتضي وجوده و خرج من قوته الي الفعلية صفات حسنة ازداد نعامة و لطافة و شبها بامر الله سبحانه المحبوب فترقي درجة و اذا عمل في تلك الدرجة باعمال حسنة اخر ازداد نعامة و لطافة و شبها بمشية الله المحبوبة و هكذا فلذلك يترقي الانسان باعماله الصالحة علي ما يمكنه في اي درجة كان و اذا عمل بمقتضي ماهيته ازدادت نعامة و شبها بمشية الله المبغوضة و صارت ادهي و امر و ابغض الي الله سبحانه فان عدم الشر خير من وجوده فيتنزل و يزداد [ص 153] بعدا عن مبدء الخير و عن الله سبحانه في الشرع فالطاعات مرقية للانسان كائنة ما كانت و المعاصي منزلة للانسان كائنة ما كانت و لاجل ذلك نري في علم التكسير انه كلما يزداد تكسير الحروف و يخرج من قويها حروف و تراكيب كانت كامنة فيها ازدادت انبساطا و كمالا و قوة و احاطة و كذلك في علم الاكسير كلما يزداد انحلاله و تنعيمه و تهبيته يزداد غوصا و نفوذا و انتشارا و تأثيرا في الجسد الملقي عليه و ذلك سر التضعيف فكلما حللته و عقدته ترقي درجة و يكمل اكثر مما كان يكمل و الحل لايكون الا بالحرارة و الرطوبة و العقد لايكون الا بالبرودة و اليبوسة فاذا حصل في المؤمن رطوبة المطاوعة و اثر فيه حر نار التكليف التي هي نار الفلق انحل و رق و ظهر منه فعلية كانت من ورائه و كمنت فيه و ظهر علي ظاهره ما كان في باطنه و قرب من المبدء الذي هو الفعلية المحضة من ورائه و تقرب اليه فاذا انعقد عليه صعد درجة فاذا انحل ثانيا ظهر من كمونه فعلية اعلي و اشرف كلما رفعت لهم عملا وضعت لهم علما تدلج بين يدي المدلج من خلقك فيا ايها المستنصح الصفي لاتستصغر طاعة فانها مصعدك درجة لامحة و لا معصية فانها منزلك درجة لامحة .
فصل - و هنا دقيقة اخري احب التنبيه عليها لان غرضي في هذا الكتاب معرفة حقيقة الطريقة و اسرارها فاعلم ان المادة كما عرفت مقام القوة و العدم و الصورة كما عرفت مقام الفعلية و الوجود و الصورة كانت قبل بروزها كامنة في المادة و في قوتها و لمتك تخرج الي الخارج و الشهود الا بمكمل خارجي و ليس لنفس المادة في اخراج تلك الصورة الي عرصة الشهود صنع و انما الصنع من المكمل الخارجي و الذي من المادة هو المطاوعة و القبول و المكمل صفة تكميله ان يلقي علي المادة نار مثال فعله [ص 154] فاذا كان للمادة رطوبة مطاوعة انحلت المادة بتلك الحرارة و الرطوبة انحلالا فتنعم و تتلطف و ترق و هو تمكين الفاعل للمفعول الذي لا بد منه في التكميل و التكوين فاذا مكنه و اعده قوي ذلك المثال الذي هو الذات الظاهرة الخاصة و الفعلية الخاصة ما من جنسه في تلك المادة في كمونها فيصير ذاتا خاصة مثله و تصير بالفعل فيشتد تذوت تلك المادة من تلك الجهة فاذا تذوتت المادة من تلك الجهة صارت منشأ اثر مشاكل كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله فاذا تقوي ما من جنس ذلك المثال الفعلي في المادة احال ظاهر المادة المتمكن بتمكين الفاعل اياه الي شكله فصار ذلك الظاهر المستحيل ظاهر ذلك المتقوي فتكثف ذلك المتقوي في ذلك الظاهر و ترقق ذلك الظاهر بذلك المتقوي فاشتعل غيبه في شهادته فاتصفت المادة بظهور ذلك المتقوي من باب انتم لباس لهن كما خصص و عين ذلك الظاهر ذلك الغيب علي حسب رقته و غلظته و كمه و كيفه و صفائه و كدورته فاما ان يوافق ذلك المثال و اما ان يخالف فذلك الظاهر يصير ذاتا ظاهرة و ذلك المتقوي يصير ذاتا باطنة و كذلك يتذوت بالفعل المادة بظاهرها و باطنها فتزداد استقلالا و شبها بذلك الفاعل المكمل و هكذا اذا عمل فيه مكمل آخر اقوي فالمادة الامكانية تزداد تذوتا ابدا و لاتصير ذاتا محضة و فعلية خالصة لانها في دار القوة و لما كانت و ما في قوتها لا نهاية لها تخرج شيئا بعد شيء بلا نهاية فتزداد شبها بذات المكمل ابدا بلا نهاية و لاتصل اليها ابدا فمرادنا من ان الصورة فعلية و وجود و المادة قوة و عدم هذا فالمادة التي هي العدم تتذوت آنا فآنا و تصير بالفعل شيئا بعد شيء و هذه الصورة لها غيب و شهادة كما عرفت و يتغير ذاتية المادة بهذه الصورة غيبها بغيبها و شهادتها بشهادتها [ص 155] و تترقي غيبا و شهادة لاجل انها تتذوت غيبا و شهادة فالصورة التي هي اشرف من المادة هذه الصورة و هي مقدمة وجودا و مؤخرة ظهورا و هي صورة شرعية عارضة علي المادة بتكميل المكمل الخارجي الذي كمل المادة فجعلها اكمل غيبا و شهادة و باطنا و ظاهرا و مادة و صورة و اما المادة و الصورة الكونيتان فالمادة اشرف من الصورة فان الصورة هناك انفعال المادة و جهتها من نفسها و المادة هناك اثر فعل الفاعل و هما كالكسر و الانكسار و الانكسار فعل الكسر و الفاعل اشرف من الفعل البتة و الكسر اشد شبها بفعل الفاعل من الانكسار و اشد فعلية و تذوتا فبعد ما وجدتا و صارتا شيئا واحدا صار هذا الشيء الواحد مادة للصورة الشرعية و محلا لها و كذلك الصورة الشرعية لها مادة و صورة و مادتها اشرف من صورتها مادتها اثر فعل المكمل و مثاله و صورتها من قبول ذلك الكون و مثال هذين المقامين كالمرآة و المثال الملقي فيها من الشمس فالمرآة لها مادة و صورة فمادتها التي هي اثر فعل الفاعل اشرف من صورتها التي هي الانفعال و بعد حصولهما و تحقق المرآة يقع فيها مثال الشمس و يفيدها صورة و هي صورة البريق و اللمعان و الصفرة فهذه الصورة اشرف من المرآة و لهذه الصورة مادة من مثال الشمس و صورة من قبول المرآة و هذه المادة ايضا اشرف من هذه الصورة و الصورة الحاصلة للمرآة من اشراق الشمس مقدمة علي المرآة وجودا مؤخرة عنها ظهورا فالصورة التي هي اخس من المادة بقول مطلق هي انفعال الاثر و هي الصورة الكونية فالشرع مطلقا روح الكون مقدم عليه وجودا مؤخر عنه شهودا ظاهر عليه بالوصفية كما يظهر الوجود علي الماهية بالوصفية فتكون موجودة هن لباس لكم و انتم لباس لهن فافهم و يكفي في هذا الكتاب هذا القدر من البيان فلنعد الي ما كنا فيه من امر النية .
[ص 156] فصل - في الاخلاص اعلم ان الواجب للانسان اصلاح النية و اصلاحها اخلاصها لله سبحانه بان تقصد الله وحده بعبادتك و طاعتك لاتشرك به شيئا فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا و الشرك شركان شرك ظاهر بايقاعك العمل رياء و سمعة فذلك قبحه واضح و قد اوضح و قيل و كتب حتي عرفه كل عالم و جاهل و لانحتاج الي شرحه هنا و لكن الاشكال و الداء العضال الذي يقتضي شرحه الحال هو الشرك الباطني و هو ان تعمل العمل لتفوز بنعيم الجنان او تنجو من حريق النيران فلهذه النية وجهان فاما ان تجعل المقصود بالعمل نجاتك و تعمل بامر الله ليحصل لك النجاة فلو حصلت لك بعملك بامر غيره لفعلت فتطيعه لاجل نجاتك علي حذو قول الشاعر :
احب ابامروان من اجل تمره و لو لميكن تمر له مااحبه
فانت حينئذ معبودك نفسك و انما الله هو جهة العبادة و ليس بمعبود البتة و اما ان تعبد الله وحده و تريد الجنة لانها دار رضاه و تكره النار لانها دار سخطه فحينئذ يكون المعبود هو الله جل جلاله و الجنة و النار جهة العبادة فلو لميرض الله الجنة لمتردها و لو لميسخط الله النار لمتكرهها فذلك هو الاخلاص في العبادة و التوحيد في العبادة حقا و هذا هو الذي يعبر عنه بقصد القربة الي الله جل جلاله فليس قصد القربة ايضا علي ظاهره فانها ايضا تحتمل الشرك و التوحيد معا فانك لو قصدت قربه لتكمل نفسك و تعلو و تصير مستوليا علي غيرك قادرا علي ما تريد فذلك ايضا شرك كالعمل الذي تريد به الجنة لتتنعم و تتلذذ و تنجو من العذاب و تصير ملكا في الجنة و خدمها و حشمها اذ ليس الجنة الا دار قرب الله فلو قصدت القربة لكمال نفسك علي معني انه لو حصل بقرب غيره [ص 157] لاطعته لكنت مشركا البتة كمن يطيع السلطان لاجل قربه و يريد القرب لاجل الاستيلاء و المناصب و نيل الرياسة و حطام الدنيا فلو حصل له ذلك بغير هذا السلطان لآثر طاعته علي طاعة هذا فذلك طاعة النفس و عبادتها و انما السلطان جهة عبادة و اما لو قصدت قربه لاجل رضاه جل جلاله ذلك و محبته قربك منه فذلك هو التوحيد فهذا التوحيد امر عظيم و خطب جسيم لايناله الا الخصيصون الابرار و الكملون الاخيار و لاجل ذلك روي في الوسائل عن الكليني بسنده عن هرون بن خارجة عن ابيعبدالله عليه السلام قال العبادة ثلثة قوم عبدوا الله عز و جل خوفا فتلك عبادة العبيد و قوم عبدوا الله تبارك و تعالي طلب الثواب فتلك عبادة الاجراء و قوم عبدوا الله عز و جل حبا له فتلك عبادة الاحرار و هي افضل العبادة و عن ابنبابويه عن يونس بن ظبيان قال قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ان الناس يعبدون الله عز و جل علي ثلاثة اوجه فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء و هو الطمع و آخرون يعبدونه خوفا من النار فتلك عبادة العبيد و هي رهبة و لكني اعبده حبا له عز و جل فتلك عبادة الكرام و هو الامن لقوله عز و جل و هم من فزع يومئذ آمنون و لقوله عزوجل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم فمن احب الله عز و جل احبه الله و من احبه الله تعالي كان من الآمنين و من نهج البلاغة عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال ان قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار و ان قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد و ان قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار انتهي ، و هذا هو قول النبي صلي الله عليه و آله حين عوتب علي اجتهاده فقال أفلااكون عبدا شكورا و قال الله سبحانه اعملوا آل داود شكرا و قليل من عبادي الشكور و ذلك ان العمل لاجل الشكر و لاجل حبه [ص 158] جل جلاله مقام عظيم و خطب جسيم و هو حظ الخصيصين الاخيار و الكملين الاحرار و هل هذا الشرك اي العبادة رغبة و رهبة مغفور ام لا الذي افهم من الآيات و الاخبار انه مغفور و لكنه نقص و قصور و انما يعفو الله سبحانه عنهم لاجل عدم قدرتهم علي عبادة الاحرار فانه مقام الخصيصين الاخيار و لو لميقبل الا عنهم لهلك الناس اجمعون و غفران الله لشيعة آلمحمد قويهم و ضعيفهم من الامور المتواترة في الاخبار بل الظاهر من الاخبار رجاء الغفران لاهل التوحيد غير الناصبين اذا كانوا محسنين و من البديهيات ان العبادة حبا و شكرا ليست بحاصلة لواحد منهم فليس هذا الشرك كالشرك الجلي يعني لايوجب دخول النار و الخلود فيها و لكن له اثر و هم مأخوذون به بحط الدرجات و نقصان الحظ في الآخرة و الجنة و في الحقيقة كل منحط عن درجة عالية مأخوذ بذنب اكتسبه الا ان الذنوب لها درجات فمنها ما يوجب حط الدرجة في الجنة و منها ما يوجب الخروج عن الجنة و الوقوع في الاعراف و منها ما يوجب دخول النار فهذا الشرك شرك يوجب انحطاط الدرجة الا ان يلحقه شفاعة شفيع فيصعد عن تلك الدرجة المنحطة و ذلك منتهي تحرير المسئلة و الذي يظهر من الكتاب و السنة قال الله سبحانه معاذ الله ان ناخذ الا من وجدنا متاعنا عنده و الله سبحانه اجل من ان يعد عبده الضعيف الطامع انك لو عملت لي كذا فلك عندي كذا فيعمل العبد ذلك العمل طمع عدته سبحانه فيحرمه و كفاه ايمانه بالله و تصديقه له و لرسوله المخبر عنه و لاوليائه المؤدين عنه و بجنته و ناره و الحشر و النشر لاسيما اذا فهم ان ذلك نقص و عاتب نفسه و لمتطاوعه قصورا و لكل منا مقام معلوم أليس يقول الله سبحانه لمثل هذا فليعمل العاملون أذلك خير نزلا ام شجرة الزقوم و يقول يدعوننا رغبا و رهبا و يقول ادعوا [ص 159] ربكم تضرعا و خيفة و امثال ذلك و يدل عليه قوله عليه السلام في حديث هرون بن خارجة و هي افضل العبادة فلاختيها ايضا فضل نعم الكمال كل الكمال في الاخلاص في النية و الحر لايرضي بغير العمل خالصا لوجهه الكريم و لايؤثر علي وجه ربه شيئا و عن الكليني بسنده عن السكوني عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث بالاخلاص يكون الخلاص و عن علي بن اسباط عن ابيالحسن الرضا عليه السلام ان اميرالمؤمنين عليه السلام قال طوبي لمن اخلص لله العبادة و الدعاء و لميشغل قلبه بما تري عيناه و لمينس ذكر الله بما تسمع اذناه و لميحزن صدره بما اعطي غيره و عن سفيان بن عيينة عن ابيعبدالله قال الابقاء علي العمل حتي يخلص اشد من العمل و العمل الخالص الذي لاتريد ان يحمدك عليه احد الا الله عز و جل و بالاسناد قال سألته عن قول الله عز و جل الا من اتي الله بقلب سليم قال السليم الذي يلقي ربه و ليس فيه احد سواه قال و كل قلب فيه شك او شرك فهو ساقط و انما ارادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة و عن البرقي بسنده عن يونس بن مسكان عن ابيعبدالله عليه السلام في قول الله حنيفا مسلما قال خالصا مخلصا لايشوبه شيء و عن علي بن سالم عن ابيعبدالله عليه السلام قال الله عز و جل انا خير شريك من اشرك معي غيري في عمل لماقبله الا ما كان لي خالصا و عن بعض اصحابنا عن ابيجعفر عليه السلام قال ما بين الحق و الباطل الا قلة العقل قيل و كيف ذلك يا بن رسول الله قال ان العبد يعمل العمل الذي هو لله رضا فيريد به غير الله فلو انه اخلص لله لجاءه الذي يريد في اسرع من ذلك ، الي غير ذلك من الاخبار و لما كان الاخلاص من المعاني المشكلة احب الاشارة اليه اعلم ان كل شيء يحب ما يجانسه و يألف به و يبغض ما يخالفه [ص 160] و ينفر عنه فان المجانس يقتضي ما يقتضي مجانسه فيريد ما يريد و يكون علي ما يكون و يطلب حيزه و درجته و حده و مكانه و يتصف بما يتصف و يميل الي ما يميل و كلما يزداد المجانسة و ينقص ما به التمايز بينهما ازداد تدانيهما فيريد كل واحد الاتصال بالآخر حتي يريد كل واحد عين ما يريد الآخر و يريد ان يكون في عين الحد الذي يكون فيه الآخر فذلك هو انجذاب كل واحد الي الآخر و ميل كل واحد الي الآخر لا لاجل شيء غير نفسه و لايلاحظ احدهما جلب منفعة من الآخر و لا دفع مضرة بل لايريد كل واحد منهما الا ان يكون علي ما عليه الآخر فاذا كان احدهما اقوي في جنس ما عليه الآخر انجذب اليه الآخر و يجذب الاقوي الاضعف لانه يقع مثال القوي علي الضعيف فيتكمل ما في الضعيف ما هو من جنس القوي اسرع شيء لسر المجانسة فيقتضي اللحوق بدرجة القوي و هذا هو جذب القوي و دعوته اياه لللحوق به و هو انجذاب الضعيف اليه و تكمله به و سيره اليه و لحوقه به و اما المنافر فهو طالب حيز غير حيز المنافر فهو مدبر عنه فار منه يتصف بغير ما يتصف به الآخر و يميل الي غير ما يميل اليه و يطلب غير ما لديه و يقتضي غير ما يقتضي البتة و من البين ان الانسان روحه من روح الله و طبيعته علي خلاف كينونة الله كما في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و المراد من الروح هو جهة الرب و الطبيعة جهة النفس فهو من حيث انه اثر الرب علي طبق مشية الله التي هي محبة الله و ظهور الله و صفات الله و اسماؤه و من حيث نفسه علي خلاف مشية الله المحبوبة فحيث النفس منافر لصفات الله و كماله و لايكاد يطلب رضا الله سبحانه و يطلب قربه و الاتصال بصفات الله ابدا ابدا و لايعمل شيئا ابتغاء وجهه و اما حيث الرب فهو مجانس لصفات الله [ص 161] جل و عز و كماله و هو صفته و كماله و مثاله و آيته فلايكاد يطلب شيئا سواه و لايعمل لغيره و لايري معه غيره و لايقصد شيئا عداه و حيث الرب هو نور الله الذي اشار اليه رسول الله صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و فسره وليه بالنور الذي خلق منه و هو مادة روح الايمان و يعبر عنه بالفؤاد ماكذب الفؤاد ما رأي و هو الوجه الناظر الي ربه الناضر فمن تحقق فيه ذلك النور امكن له الاخلاص و قصد الله جل جلاله و لايريده لاجل جلب نفع او دفع مضرة بل يريده بالطبع بلا وجه و لا سبب و لا باعث و انما يحبه له و به و ينجذب اليه بلا علة غيره و من لميتحقق فيه ذلك فان تحقق فيه العقل قصد الله جل جلاله طمعا و ان تحقق فيه النفس قصد الله خوفا كما يأتي تفصيل الخوف و الرجاء في فصلين مستقلين انشاء الله تعالي و اما من فقد هذه المراتب فلايكاد يقصد فان الطبيعة فما دونها علي خلاف كينونة الله ففي مصباح الشريعة في باب البيان قال عليه السلام نجوي العارفين تدور علي ثلثة اصول الخوف و الرجاء و الحب فالخوف فرع العلم و الرجاء فرع اليقين و الحب فرع المعرفة فدليل الخوف الهرب و دليل الرجاء الطلب و دليل الحب ايثار المحبوب علي ما سواه فاذا تحقق العلم في الصدر خاف و اذا صح الخوف هرب و اذا هرب نجا و اذا اشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل و اذا تمكن من رؤية الفضل رجا و اذا وجد حلاوة الرجا طلب و اذا وفق للطلب وجد و اذا تجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة و اذا هاج ريح المحبة استأنس في ظلال المحبوب و آثر المحبوب علي ما سواه و باشر اوامره و اجتنب نواهيه و اختارهما علي كل شيء غيرهما و اذا استقام علي بساط الانس بالمحبوب مع اداء اوامره و اجتناب نواهيه وصل الي روح المناجاة و القرب الخبر ، [ص 162] فتبين ان القرب لايحصل الا بالحب و الحب فرع المعرفة و المعرفة من شأن الفؤاد ماكذب الفؤاد ما رأي فالاخلاص و قصد القربة و العمل حبا لله و شكرا هو شأن اولي الافئدة و ليس هو شأن اولي الالباب العقلاء و لا شأن اولي النفوس العلماء و انما هو شأن الحكماء العرفاء و هم الخصيصون من النبلاء و هل هذا المقام كسبي يجب الاجتهاد في طلبه او هو خلقي موهوبي فاقول كما قلت سابقا في امر النية و ازيد هنا زيادة و هي ان الله سبحانه جعل في قوة الانسان جميع ما اراد منه و خلق لاخراجها اسبابا و هي الدعاة الي الخير و دعوتهم هي مثالهم الملقي علي مادة الانسان فهذا هو ما من الله سبحانه و لا قصور فيه و قد هيأه و اوجده و بقي من الانسان المطاوعة التي جعلها في وسعه و جعله مختارا و ان كان باختيار محفوظ بحفظه ان يطاوع و يمتنع و كلف بالمطاوعة فاذا طاوع الانسان اوامر الشارع و باشرها و اجتنب نواهيه بقدر ما يمكنه في رتبته و مقامه استعد للترقي الي الدرجة العلياء فان امتثل اوامر الشارع ظاهرا وجد له بدن الايمان و صورة الاذعان و طلب من الله حقيقته فوهب الله له ذلك كما اذا تصور البدن في الرحم بصورة الانسان افيض عليه روح الانسان و ان تصور بصورة الحيوان افيض عليه روح الحيوان و ذلك التصور هو التمكين و هو يحصل بتمكين الشارع بامره و نهيه و امثل لك في ذلك مثالا لكي تعتبر به ان الدهن مايع سيال بارد و لكن جعل الله في غيبه النار و هي الآن فيه بالقوة و حجبها رطوبة الدهن و برده فاذا قارنه نار بالفعل القت عليه مثالها الذي هو الحرارة و اليبوسة فبيبوسته يجفف رطوبات الدهن الظاهرة و يفرقها و بحرارته يطرد برده و يسخنه و هذا هو مثال تمكين القابلية و تصوير البدن في رحم الصنعة فاذا تمكن القابلية و تصورت بصورة مناسبة للنار و هي الدخان افيض عليه [ص 163] النار من غيبه علي شهادته فيشتعل نارا و يصير ذا حقيقة نارية و هو قبل ظهور النار عليه كان جميع اعماله ناقصة اذ العمل الكامل هو عمل النار و هو الاحراق و التجفيف و التكليس و امثال ذلك و اني للدهن و الدخان ذلك و لكنه اذا طاوع النار الداعية المكملة بقدر ما يمكنه وصل الي درجة ظهر عليه النار و اشتعلت فيه فالقت في هويته مثالها فاظهرت عنه افعالها فالنار مثل الشارع الداعي الي الحق و الي طريق مستقيم و مثالها مثل دعوته و دلالته الي مشاكله ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، و من يتولهم منكم فانه منهم ، من تبعني فانه مني ، و مثل تلطف الدهن و تسخنه و تجففه مثل امتثال العبد الناقص و تصوره بصورة لايقة لافاضة الفؤاد عليه فان الشارع الداعي بصورته هذه افيض عليه الفؤاد لو عصيت لهويت فاذا شاكله الناقص استحق ما استحقه علي حسب المشاكلة فاذا تصور بصورة مشاكلة لصورة الداعي ذي الفؤاد بالفعل استحق افاضة الفؤاد و روح الايمان عليه من غيبه و صيرورته فيه بالفعل فاياكم اياكم ان يغويكم الشيطان و يقول لكم ان الفؤاد امر موهوبي و انت لست من اهله و لست من فرسان ميدان الاخلاص و من جلاس مجلس الاختصاص بل اعملوا بالطاعات و تصوروا بصورة الدعاة حتي يفاض عليكم ما افيض عليهم غاية الامر انه علي حسب صفائكم و كدورتكم و روي ما معناه ما من شيء يقربكم من الجنة و يبعدكم من النار الا و قد امرتكم به و ما من شيء يبعدكم من الجنة و يقربكم من النار الا و قد نهيتكم عنه فلايحصل لكم شيء مما يمكن للعباد ان ينالوه الا بالعمل و الطاعة علي حسب ما يمكنكم من عمل بما علم اورثه الله علم ما لميعلم فافهم .
فصل - في بعض المسائل المتعلق بامر النية اعلم ان النية كما عرفت [ص 164] عمل باطني كما ان العمل نية ظاهرة يعني ان العمل قصد الجسد الي جهة العبادة و ميله و حركته اليها و النية هي عمل الروح و حركتها الي جهة العبادة لاجل المعبود فالنية روح العمل و العمل جسدها لا ظهور لها الا به و لا حيوة له الا بها و تختلف درجات النية بحسب اختلاف درجات الباطن من المثال و المادة و الطبيعة و النفس و الروح و العقل و الفؤاد و سيأتي تفصيل ذلك في خلال المقاصد ان شاء الله و لكن قد ينوي الانسان نية و يميل بباطنه الي شيء لعدم المانع الباطني لميله و لايظهر من بدنه صورتها التي هي العمل لاجل المانع في الشهادة فيحصل له النية بلا عمل فهذه النية ان كانت خيرا كانت صادرة من فؤاده اي نوره و عقله و نفسه الناطقة القدسية و تجري في ساير مراتبه لقهرها اياها و ان كانت شرا كانت صادرة من ظلمته و جهله و نفسه الامارة بالسوء و تجري في ساير مراتبه لقهرها اياها قل كل يعمل علي شاكلته فنية الخير من تلك المراتب النورية من مقتضي ذاتها فهي متأصلة و ان لمتظهر في البدن و نية الشر من تلك المراتب الظلمانية من مقتضي ذاتها فهي ايضا متأصلة في سجين و ان لمتظهر في البدن فنية الخير مكتوبة للمؤمنين و يثابون بها البتة و نية الشر مكتوبة للكافرين و يعاقبون بها البتة ففي الوسائل عن الكليني بسنده عن السكوني عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله نية المؤمن خير من عمله و نية الكافر شر من عمله و كل عامل يعمل علي نيته و عن ابيهاشم قال قال ابوعبدالله انما خلد اهل النار في النار لان نياتهم كانت في الدنيا ان لو خلدوا فيها ان يعصوا الله ابدا و انما خلد اهل الجنة في الجنة لان نياتهم كانت في الدنيا ان لو بقوا فيها ان يطيعوا الله ابدا فبالنيات خلد هؤلاء و هؤلاء ثم تلا قوله تعالي قل كل يعمل علي شاكلته قال علي نيته و عن [ص 165] ابنبابويه بسنده عن جابر عن ابيجعفر عليه السلام قال قال لي يا جابر يكتب للمؤمن في سقمه من العمل الصالح ما كان يكتب في صحته و يكتب للكافر في سقمه من العمل الشر ما كان يكتب في صحته ثم قال يا جابر ما اشد هذا من حديث انتهي ، و قد اوضحنا سره ببركاتهم صلوات الله عليهم و اما اذا نوي المؤمن الشر و لميعمله ببدنه فان نية شر المؤمن ليست من ذاته و انما هي من لطخه بطينة الكافر و هي بالنسبة اليه عرضية فلايكتب له حتي يعمله ببدنه و اما نية خيره فمن مقتضي ذاتيته و لها تأصل و تذوت و تكون منشأ اثر فتكتب له و يثاب بها ففي الوسائل عن الكليني بسنده الي زرارة عن احدهما عليهما السلام قال ان الله تبارك و تعالي جعل لآدم في ذريته ان من هم بحسنة فلميعملها كتبت له حسنة و من هم بحسنة و عملها كتبت له عشرا و من هم بسيئة لمتكتب عليه و من هم بها و عملها كتبت عليه سيئة انتهي ، و هذا مخصوص بالمؤمنين فانهم من ذرية آدم و اما الكفار فليسوا من ذرية آدم بل هم من ذرية ابليس لعنه الله كما روي من احبنا كان نطفة العبد و من ابغضنا كان نطفة الشيطان و روي في قوله تعالي و لقد كرمنا بني آدم ان الله لايكرم روح الكافر و لكن يكرم ارواح المؤمنين الخبر ، و لاجل ذلك خص الامر بالمؤمنين فيما رواه في الوسائل عن الكليني بسنده عن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان المؤمن ليهم بالحسنة لايعمل بها فتكتب له حسنة و ان هو عملها كتبت له عشر حسنات و ان المؤمن ليهم بالسيئة ان يعملها فلايعملها فلاتكتب عليه انتهي ، و سر العشر ان المؤمن خلق من عشر قبضات تسعة من الافلاك و واحدة من الارض فمن عمل من المؤمنين بحسنة مرت علي قبضاته العشر و كتبت له في كل قبضة حسنة و اذا لميعمل و لميتوجه نفسه الي بدنه بل الي الاعلي التحقت النية بمبدئها فكتب [ص 166] له حسنة و اما ما رواه عن ابنبابويه عن حمزة بن حمران عن ابيعبدالله عليه السلام قال من هم بحسنة فلميعملها كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشرا و يضاعف الله لمن يشاء الي سبعمائة و من هم بسيئة فلميعملها لمتكتب عليه حتي يعملها فان لميعملها كتبت له حسنة و ان عملها اجل تسع ساعات فان تاب و ندم عليها لمتكتب و ان لميتب و لميندم عليها كتب عليه سيئة انتهي ، و اما سر المضاعفة فان المؤمن كلما يتقوي في مراتب ايمانه ينحل عقد وجوده و يصير فيه ما جعل الله في قوته بالفعل اكثر علي حسب درجة ايمانه فبذلك يحصل له درجات عديدة و في كل درجة يكتب له حسنة الي ان يوفي الصابرون اجرهم بغير حساب و اما سر تأجيل تسع ساعات فان اصل السيئة من الماهية و اصلها في غاية البعد عن المبدء فان لميعمل بها المؤمن فلاتكتب عليه لانها ليست متأصلة في المؤمن و لاتستقر في مراتبه بمحض النية و اما ان عمل ببدنه ذلك فان تاب و ندم عليها لمتكتب عليه ايضا و ان لميندم و لميتب منها صعد بخاره الي مراتبه حتي يبلغ صدره الذي من القبضة الكرسية و لميبلغ قلبه الذي من القبضة العرشية فان العقل يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان و المؤمن قلبه محفوظ بحفظ الله فان لميتب حتي وصل صدره استقرت عليه و كتبت عليه سيئة واحدة فانها في مراتبه الثمانية العليا عرضية و لاتنطبع فيها لغلبة نور الوجود عليها و لطافتها و من ماهيته و قبضته الارضية ذاتية و تثبت فيها لكثافتها و ما لمتصل الي صدره لمتثبت في جسده فانه تابع لنفسه فان مكنته نفسه استقرت فيه و الا فلا فلاتكتب عليه الا سيئة واحدة و روي انه يؤجل سبع ساعات فالسبع بملاحظة ان الحصة التي فيه من فلك زحل هي عاقلته و هي [ص 167] تابعة للعقل و بملاحظة ان صدره ايضا محفوظ و نفسه مطمئنة مؤيدة بتأييد العقل و عن محمد بن الحسن بسنده عن ابيذر عن النبي صلي الله عليه و آله في وصية له قال يا اباذر هم بالحسنة و ان لمتعملها لكي لاتكتب من الغافلين و عن عبدالعظيم الحسني عن ابيجعفر عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليهم السلام في حديث قال ان الله بكرمه و فضله يدخل العبد بصدق النية و السريرة الصالحة الجنة و اما ما روي ان نية المؤمن خير من عمله و النية افضل من العمل مع ان العمل لايخلو من نية فقد روي في تفسيره في الوسائل عن ابنبابويه بسنده عن زيد الشحام قال قلت لابيعبدالله عليه السلام اني سمعت تقول نية المؤمن خير من عمله فكيف تكون خيرا من العمل قال لان العمل ربما يكون رياء للمخلوقين و النية خالصة لرب العالمين فيعطي عز و جل علي النية ما لايعطي علي العمل قال و قال ابوعبدالله عليه السلام ان العبد لينوي من نهاره ان يصلي بالليل فيغلبه عينه فينام فيثبت الله له صلوته و يكتب نفسه تسبيحا و يجعل نومه عليه صدقة و بسنده عن الحسن بن الحسين الانصاري عن بعض رجاله عن ابيجعفر عليه السلام انه كان يقول نية المؤمن افضل من عمله و ذلك لانه ينوي من الخير ما لايدركه و نية الكافر شر من عمله لان الكافر ينوي الشر و يأمل من الشر ما لايدركه و عن النبي صلي الله عليه و آله نية المؤمن ابلغ من عمله و كذلك نية الفاجر اقول فقد ظهر من هذه الاخبار ان نية المؤمن افضل من عمله من وجهين احدهما ان نوع نيته افضل من نوع عمله فان عمله قليل و نيته كثيرة فهو ينوي ان يعمل اعمالا كثيرة و لايتمكن منها و ثانيهما انها افضل من عمله خصوصا فانه يريد ان يزكي عمله و يؤديه علي وجه لايشوبه نقص و دنس بوجه من الوجوه [ص 168] و لايقدر علي ان يعمل علي ما يحب فنية المؤمن دائما افضل من عمله و يعطيه الله بنيته من الاجر ما لايعطيه بعمله نوعا و شخصا و نذكر هنا بعض الاخبار الواردة في الباب عظة للمؤمنين ففي الوسائل عن الكليني بسنده عن عمر بن يزيد عن ابيعبدالله عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان يقول من اسر سريرة رداه الله رداها ان خيرا فخير و ان شرا فشر و بسنده عن عبدالله بن موسي عن جعفر عن ابيه عليه السلام قال سألته عن الملكين هل يعلمان بالذنب اذا اراد العبد ان يفعله او الحسنة فقال ريح الكنيف و الطيب سواء قلت لا قال ان العبد اذا هم بالحسنة خرج نفسه طيب الريح فقال صاحب اليمين لصاحب الشمال قم فانه قد هم بالحسنة فاذا فعلها كان لسانه قلمه و ريقه مداده فاثبتها له و اذا هم بالسيئة خرج نفسه منتن الريح فيقول صاحب الشمال لصاحب اليمين قف فانه قد هم بالسيئة فاذا فعلها كان لسانه قلمه و ريقه مداده فاثبتها عليه و عن ابنبابويه بسنده عن بكر بن محمد الازدي عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان المؤمن لينوي الذنب فيحرم رزقه .
فصل - في الوسوسة في النية و التعمق في الاعمال فعن الكليني بسنده عن عبدالله بن سنان قال ذكرت لابيعبدالله عليه السلام رجلا مبتلي بالوضوء و الصلوة و قلت هو رجل عاقل فقال ابوعبدالله عليه السلام و اي عقل له و هو يطيع الشيطان فقلت له و كيف يطيع الشيطان فقال سله هذا الذي يأتيه من اي شيء هو فانه يقول لك من عمل الشيطان انتهي ، اعلم ان الوسوسة في النية و العمل هي من اعمال النفس الامارة اذا استولي عليها شياطين ارض العادة و غلب عليها رجز الشيطان بالنسيان و الغفلة عما صنع و اشتغال القلب بغير العمل الذي يعمله و هو عمدة كيد الشيطان في افساد العمل و من [ص 169] مكره ربما يشغل في حال طاعة بطاعة اخري فلاتوجه الي هذه و لاعمل تلك و هذا داء عضال و هذه الشياطين شديدة التشبث بالانسان و اذا تشبثت بانسان قل ما تفارقه و قل ما يقدر الانسان علي مفارقتها و علاجه ان يتعمد الانسان بترك ما يزيد عن عمل المعتدلين الذين يعتقد تقويهم و اعتدالهم و التفقه في المسئلة و الابتهال الي الله سبحانه و مداومة الذكر و يعرف الانسان في الاغلب انه من الشيطان فيتعمد بترك ما يقر علي نفسه بانه من الشيطان خوفا من الله سبحانه و من الشرك به فانه شرك و قد يعين علي رفعه اصلاح المزاج فانه مرض طبيعي في كثير من الناس و لكنه مشكل جدا و رفعه من طريق معالجة النفس اسهل و هو ما ذكرنا من التعمد و العزم و الاستعاذة بالله و الابتهال اليه في دفعه عنه و التمسك بالادعية الواردة في ذلك و الاذكار المأثورة و عدم حماية الشيطان و نصرته و تأويل وساوسه فان اغلب من يبتلي بهذا المرض ينصرون الشيطان و يأولون وسوسته و يحمونه حماية و ذلك مما يزيد في الوسوسة و يشبه الامر علي النفس حتي تحسبه تقوي و احتياطا في الدين و خوفا من الله جل و عز و مما يعرفك انه ليس بتقوي و خوف من الله جل و عز انه في شيء واحد او شيئين من جهة او جهتين فلربما يكون في الوضوء دون الغسل و لربما يكون في الطهارة دون الصلوة و متقي الله يتقي في جميع امور دينه جزئيها و كليها فان كلها من الله و حكم الله و دينه و اوعد علي مخالفة كلها و يكشف عن ذلك ما رواه في الوسائل عن ابنادريس بسنده عن ابيبصير قال قلت لابيعبدالله عليه السلام ان عيسي بن اعين يشك في الصلوة فيعيدها قال هل يشك في الزكوة فيعطيها مرتين و عن الكليني بسنده عن محمد بن مسلم عن ابيجعفر عليه السلام قال اذا كثر عليك السهو فامض علي صلوتك فانه يوشك [ص 170] ان يدعك انما هو من الشيطان و بسنده عن زرارة و ابيبصير جميعا قالا قلنا له الرجل يشك كثيرا في صلوته حتي لايدري كم صلي و لا ما بقي عليه قال يعيد قلت فانه يكثر عليه ذلك كلما اعاد شك قال يمضي في شكه ثم قال لاتعودوا الخبيث من انفسكم نقض الصلوة فتطمعوه فان الشيطان خبيث معتاد لما عود فليمض احدكم في الوهم و لايكثرن نقض الصلوة فانه اذا فعل ذلك مرات لميعد اليه الشك قال زرارة ثم قال انما يريد الخبيث ان يطاع فاذا عصي لميعد الي احدكم انتهي ، و اعرفك سر ذلك فان بناءنا في هذا الكتاب علي تعريف الحقايق اعلم ان من خواص الطبايع و الصور انها لكل واحدة منها جهة واحدة و اقتضاء واحد لجمودها و ان جهة الرب و النفس مستعلية علي الطبايع و الصور ظاهرة بكلها غير مقيدة بشيء منها كما تري من ان العين شأنها الرؤية و الاذن شأنها السماع و الانف شأنه الشم و هكذا و ان الروح هي الرائية السامعة الشامة الذائقة و غيرها مستعلية علي الاعضاء كلها و كذلك النار مثلا جاذبة و الهواء هاضم و الماء دافع و التراب ماسك و اما النفس النباتية فهي الجاذبة الهاضمة الدافعة الماسكة و هكذا في جميع المراتب و كل دان خاص و كل عال عام فانت اذا كان احتياطك و تعمقك في شيء خاص او اشياء خاصة فاعلم انه من جهة طبايعك و خصوص بعض جهات انيتك فلو كان ذلك من جهة عقلك المحيط بالكل و من حيث ربك المستعلي علي جميع جهات انيتك لميكن مخصوصا بشيء او اشياء خاصة و ذلك مثل ما تري من الرجل انه معتن بصلوته غير مبال بترك الصوم او مصر علي صومه غير مبال بمنع زكوته و تراه شديد التعمق في طهارته غير مهتم بحجه فلاتحسبن شيئا من ذلك من التقوي بوجه و ان للناس طبايع و عادات يجرون [ص 171] عليها فتفهم و اجره في جميع المراتب فلو انت كنت من اولياء الله و مريدي الله لمتكن تحب رجلا واحدا او رجالا مخصوصين من المؤمنين بل كنت تحب جميع المؤمنين و ان فرقت بينهم في الولاية فبكثرة ظهور الله في احدهم و قلته و لو كنت تعبد بقوة الايمان لمتكن تمنع الزكوة و تصوم و تحتاط في صلوتك دون حجك فان وجدت من نفسك ذلك فاعلم انه ليس من روح الايمان فانما هو من عادة او طبيعة او انس او غير ذلك من جهات الانية آه آه كم غفلنا عن امر الدين و اسأنا و اطعنا الشياطين و حسبنا انفسنا من المحسنين المتقين و زين لنا الشيطان اعمالنا و سول لنا انا من العابدين و لو فتشت عن الناس لاتجد اكثرهم شاكرين و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون اعاذنا الله من شرور انفسنا و موبقات آثامنا و جعلنا من التائبين ،
اذا قلت مااذنبت قالت مجيبة وجودك ذنب لايقاس به ذنب
فصل - في اصلاح السريرة اعلم ان من عرف الله عز و جل و علم انه عالم الغيب و الشهادة و سامع السر و النجوي و المطلع علي الضماير و اخفي و آمن بذلك و صدقه وجب عليه اصلاح السريرة كما يصلح علانيته بلا تفاوت و يجتنب من اقذار السريرة كما يجتنب من اقذار العلانية و يؤدي فرايض السريرة كما يؤدي فرايض العلانية و يعمل بسنن السريرة كما يعمل بسنن العلانية فانه ان يصلح علانيته لله فالله رب العلانية و السر معا و المطلع عليهما معا و امر و نهي في السر كما امر و نهي في العلانية و وعد و اوعد في السر كما وعد و اوعد في العلانية و كلفه فيه كما كلفه فيها و يؤاخذه به كما يؤاخذه بها فان كان لايبالي بامر سريرته و لايعتني بها و يستخف باصلاحها و يتهاون و غاية همته في اصلاح العلانية و يغتم و يضطرب من فسادها و [ص 172] لايبالي ان فسد سريرته اضعاف ذلك فليعلم انه لميصلح علانيته لله عز و جل و انما اصلحها لنفسه و للناس و ليس الداعي الي اصلاحها روح الايمان و تقوي الله عز و جل و انما ذلك من شهوات النفس الامارة و مكائدها و تريد ان تعرف بالصلاح و يعلو ذكرها و رتبتها عند الناس او تخاف منهم او تستحي او اعتادت او مكرت مكرا و نصبت فخا او غير ذلك من اغراضها و امراضها الخبيثة اعاذنا الله منها و الا فمن وجد في قلبه روح الايمان و اتقي الله و اراد امتثال امره لايتفاوت عنده العلانية و السر ابدا ابدا و السر سران سر قلبي باطني و سر بمعني الخلوات في مقابلة مجمع الناس و اصلاح السر الثاني ايسر من اصلاح السر الباطني القلبي و الكمال كل الكمال في اصلاح الباطن فقد روي في الوسائل عن الكليني بسنده عن فضل ابيالعباس عن ابيعبدالله عليه السلام قال ما يصنع احدكم ان يظهر حسنا و يسر سيئا أليس يرجع الي نفسه فيعلم ان ذلك ليس كذلك و الله عز و جل يقول بل الانسان علي نفسه بصيرة ان السريرة اذا صحت قويت العلانية و عن داود عن ابيعبدالله عليه السلام قال من اظهر للناس ما يحب الله عز و جل و بارز الله بما كرهه لقي الله و هو له ماقت و عن السكوني عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله سيأتي علي الناس زمان تخبث فيه سرائرهم و تحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا لايريدون به ما عند ربهم يكون دينهم رياء لايخالطهم خوف يعمهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلايستجيب لهم و عن عمر بن يزيد عن ابيعبدالله عليه السلام في حديث ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان يقول من اسر سريرة رداه الله رداها ان خيرا فخير و ان شرا فشر و عن مسمع عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ما زاد خشوع الجسد علي ما في القلب فهو عندنا منافق [ص 173] و عن ابنبابويه بسنده عن عبدالله بن ابييعفور قال سمعت الصادق عليه السلام يقول قال ابوجعفر عليه السلام من كان ظاهره ارجح من باطنه خف ميزانه و عن مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله سئل فيما النجاة غدا فقال انما النجاة في ان لاتخادعوا الله فيخدعكم فانه من يخادع الله يخدعه و يخلع منه الايمان و نفسه يخدع لو يشعر قيل له فكيف يخادع الله قال يعمل بما امره الله ثم يريد به غيره فاتقوا الله في الرياء فانه الشرك بالله ان المرائي يدعي يوم القيمة باربعة اسماء يا فاجر يا كافر يا غادر يا خاسر حبط عملك و بطل اجرك فلا خلاص لك اليوم فالتمس اجرك ممن كنت تعمل له و احاديث الرياء و السمعة كثيرة تركناها خوف الاطالة و اكتفينا بما ذكرنا و اي شيء اعظم من ان يصير الشخص فاجرا و كافرا و غادرا و خاسرا و مشركا و اما السريرة الظاهرية فقد روي عن الكليني بسنده عن السكوني عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام ثلث علامات للمرائي ينشط اذا رأي الناس و يكسل اذا كان وحده و يحب ان يحمد في جميع اموره انتهي ، و اما ذكر الانسان عمله الذي عمله في السريرة فيؤل الي نيته فان كان يذكره لاسماع الناس و ان يحمدوه عليه فهو سمعة مذمومة و ان كان يذكره لوجه صحيح يؤل الي الله جل و عز فلا بأس به فقد صدر عن الاخيار ذكره كثيرا فقد روي في الوسائل عن ابنبابويه بسنده عن جميل بن دراج قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن قول الله عز و جل فلاتزكوا انفسكم هو اعلم بمن اتقي قال قول الناس صليت البارحة و صمت امس و نحو هذا ثم قال عليه السلام ان قوما كانوا يصبحون فيقولون صلينا البارحة و صمنا امس فقال علي عليه السلام و لكني انام الليل و النهار و لو اجد بينهما شيئا لنمته و عن [ص 174] الكليني بسنده عن علي بن اسباط عن بعض اصحابه عن ابيجعفر عليه السلام انه قال الابقاء علي العمل اشد من العمل قال و ما الابقاء علي العمل قال يصل الرجل بصلة و ينفق نفقة لله وحده لا شريك له فكتبت له سرا ثم يذكرها فتمحا فتكتب له علانية ثم يذكرها فتكتب له رياء انتهي ، و المتقي لايزكي نفسه ابدا و هو يري ادناسها و قبايح اعمالها بل كما روي عن علي عليه السلام في حديث همام اذا زكي احد منهم خاف مما يقال له و قال انا اعلم بنفسي من غيري و الله اعلم مني بنفسي اللهم لاتؤاخذني بما يقولون و اجعلني احسن مما يظنون و اغفر لي ما لايعلمون الخبر ، و اما اذا اطلع احد من الناس علي طاعة الانسان و سر بذلك و لميعملها للرياء و السمعة و حب المحمدة فلا بأس بذلك كما روي في الوسائل عن الكليني بسنده عن زرارة عن ابيجعفر عليه السلام قال سألته عن الرجل يعمل الشيء من الخير فيراه انسان فيسره ذلك قال لا بأس ما من احد الا و هو يحب ان يظهر له في الناس الخير اذا لميكن صنع ذلك لذلك و عن ابنبابويه بسنده عن عبدالله بن الصامت قال قال ابوذر (ره) قلت يا رسول الله الرجل يعمل العمل لنفسه و يحبه الناس قال تلك عاجل بشري المؤمن انتهي ، و اعلم انه قد يكون اراءة العمل و اظهاره او تحسينه عند الناس لغرض يؤل الي الله كارشاد الغير و تشويقه و لان يقتدي به و امثال ذلك فان ذلك ليس برياء بل هو عبادة اخري انضمت الي عبادة و انما الاعمال بالنيات كما روي عن الكليني بسنده عن ابياسامة عن ابيعبدالله عليه السلام انه قال في حديث كونوا دعاة الي انفسكم بغير السنتكم و كونوا زينا و لاتكونوا شينا و عن ابن ابييعفور عن ابيعبدالله عليه السلام كونوا دعاة للناس بغير السنتكم ليروا منكم الورع و الاجتهاد و الصلوة و الخير فان ذلك داعية و عن [ص 175] ابنادريس في السراير عن عبيد قال قلت لابيعبدالله عليه السلام الرجل يدخل في الصلوة فيجود صلوته و يحسنها رجاء ان يستجر بعض من يراه الي هواه قال ليس هذا من الرياء انتهي ، و اما فضل عبادة السر فكثير نذكر منه هنا طرفا فقد روي في الوسائل عن بكر بن محمد الازدي عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال الله عزوجل ان من اغبط اوليائي عندي عبدا مؤمنا ذا حظ من صلاح احسن عبادة ربه و عبد الله في السريرة و كان غامضا في الناس فلميشر اليه بالاصابع و كان رزقه كفافا و صبر عليه فعجلت به المنية و قلت تراثه و قلت بواكيه و عن عمار الساباطي قال قال لي ابوعبدالله عليه السلام يا عمار الصدقة والله في السر افضل من الصدقة في العلانية و كذلك والله العبادة في السر افضل منها في العلانية و بهذا الاسناد عن ابيعبدالله عليه السلام قال و كذلك والله عبادتكم في السر مع امامكم المستتر في دولة الباطل و تخوفكم من عدوكم في دولة الباطل و حال الهدنة افضل ممن يعبد الله في ظهور الحق مع امام الحق الظاهر في دولة الحق و عن الطوسي بسنده عن علي بن فضال عن ابيه عن ابيالحسن الرضا عليه السلام قال من شهر نفسه بالعبادة فاتهموه علي دينه فان الله عز و جل يكره شهرة العبادة و شهرة اللباس و عن الحميري بسنده عن ابيالبختري عن جعفر عن ابيه عن جده عليهم السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله اعظم العبادة اجرا اخفاها و عن ابنبابويه بسنده عن يونس بن ظبيان عن الصادق عليه السلام انه قال الاشتهار بالعبادة ريبة و عن الطوسي حديث عجيب بسنده عن الحصين بن مخارق عن الصادق عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليهم السلام ان رجلا وفد اليه من اشراف العرب فقال له علي عليه السلام هل في بلادك قوم قد شهروا انفسهم بالخير لايعرفون الا به قال نعم [ص 176] قال هل في بلادك قوم قد شهروا انفسهم بالشر لايعرفون الا به قال نعم قال فهل في بلادك قوم يجترحون السيئات و يكتسبون الحسنات قال نعم قال تلك خيار امة محمد النمرقة الوسطي يرجع اليهم الغالي و ينتهي اليهم المقصر انتهي ، و المراد ان الاولين مراؤن و الجماعة الثانية فساق هتاكون و الثالثة قوم يصدر عنهم المعاصي لانهم غير معصومين و يصدر عنهم الطاعات فليسوا بمرائين مشركين معجبين بطاعاتهم لمكان سيئاتهم و لا بفساق هتاكين لمكان حسناتهم يستغفرون الله علي سيئاتهم و يحمدون الله علي طاعاتهم فبذلك صاروا النمرقة الوسطي و لميمدحهم علي اجتراحهم السيئات .