فصل - اعلم انه قد مضي في هذا الكتاب مكررا و سيأتي ان شاء الله ذكر الوجود و الماهية و معرفتهما اصل يبتني عليه اكثر مسائلنا فلا علينا ان نذكر هنا شطرا من شرحهما حتي يكون الناظر في كتابنا هذا علي بصيرة من امرهما اعلم انا مرة نطلق الوجود و نريد به المادة سواء كانت مادة نوعية او مادة شخصية و نطلق الماهية و نريد بها الصورة سواء كانت الصورة النوعية او الصورة الشخصية و المراد بالنوع الوجود المقيد و هو الخلق الاول و هو بمنزلة الماء في خلق النبات و هو الماء الذي منه كل شيء حي له مادة و هي الرطوبة المأخوذة من الامكان المقيد و صورة و هي اليبوسة المأخوذة منه فالرطوبة هي الشبح المنفصل من امر الله الكوني و مثاله الملقي و اليبوسة هي نفس تلك الرطوبة و انيتها و هي حيث هي هي و هي الصورة المقومة مادته تحكي مادة امر الله الكوني و صورته تحكي صورة امر الله و هو الوجود النوعي ثم يؤخذ من هذا النوع حصة و هي المادة الثانية و الوجود الثاني و المادة [ص 91] الشخصية و حصة من ارض الامكان فيتركب منهما النبات و لكن هذه الحصة الارضية هي تمثل الحصة الارضية الاولي و هي الصورة المتممة و الصورة الشخصية و هي الكم و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة و الوضع و الاجل و الكتاب فمثال الخلق الاول الخشب فان له مادة نوعية و صورة نوعية بها يمتاز عن ساير الانواع و بهما يحصل الخشب فبعد تحقق الخشب يؤخذ منه حصة و يضم بها حدود السرير و هي الصورة المتممة الشخصية التي لايتمثل الشيء في الخارج الا بها و هي الظهور الذي هو تمام البطون و الفعلية التي هي تمام القوة و سمي الخشب بالنوع لان جميع الاشخاص كالسرير و الباب و الضريح و غيرها مما يصنع من الخشب فيه بالقوة و هو صالح لان يتصور بصور جميعها فهو نوع بالنسبة الي تلك الاشخاص و امكان لها ثم يؤخذ منه حصة و تصور بالصورة الشخصية البابية او السريرية و المراد بهذه الحصص هنا ليس علي ظاهرها فان الخشب من حيث انه خشب لايتحصص و لو تحصص الخشب النوعي لميصدق علي كل حصة اسم تمام الخشب و انما التحصيص الواقعي يقع علي الكم الظاهري له ألاتري انك لو فرقت منا من الماء في ثمان اوان كان كل حصة ثمن المن لا ثمن الماء و كل حصة ماء تام فالمن الكمي يمكن ان يتحصص بثمان حصص فهو امكان الحصص و اما صورة الماء المقومة فهي ليست بامكان الحصص المتحصص المنفعل بل هي امكان الظهور بالمن و الاثمان و لذا يعطي جميع الافراد اسمه و حده كما حققنا في ساير كتبنا و يدرك ذلك في الافراد اذا قطعت النظر عن جميع المعينات الشخصية ألاتري انك لو قطعت النظر عن خصوصية حدود الباب و السرير و الضريح و الصنم و الصندوق لوجدت الخشب في جميعها علانية ظاهرا و هو المادة النوعية السارية في الكل و هذا احد معاني الوجود و الماهية [ص 92] و مرة نطلق الوجود و نريد به جهة الشيء الي ربه سواء فيها المادة النوعية و الشخصية و الصورة النوعية و الشخصية فانهما برتبتيهما لهما جهة آئية لله الحق جل و عز و هي المعبر عنها بالفؤاد عند آلمحمد عليهم السلام المشار اليه في الكتاب ماكذب الفؤاد ما رأي و هي النور الذي خلق منه المؤمن المشار اليه في النبوي اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله الذي فسره الصادق عليه السلام اي النور الذي خلق منه و المشار اليه في قوله عليه السلام ان الله خلق المؤمن من نوره و صبغه في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة و مرة نطلق الماهية و نريد منها جهة الشيء الي نفسه و هي حيث هو هو فهي من حيث هي هي لاتدل علي الله و لايعرف بها و لكن معرفة هذين عسير جدا الا لمن كتب الله له و لااظنني قد شرحت ذلك في كتاب كما احب و لااجد احدا يتحملها حق تحملها و لكن لا علي من الاشارة اليها بغامض العبارة علي وجه الاختصار اعلم ان الله سبحانه احد لايتناهي الي حد فلايتناهي الي سرمد و لا الي دهر و لا الي زمان و لا الي امكان و لا كون و لا عين لا الي ذات و لا صفة و لا الي فعل و لا الي اثر لا الي جوهر و لا الي عرض و لا الي شيء مما هو سواه و ذلك لاجل ان جميع ما سواه معه ممتنع فهو اذ ذاك هو ليس شيء غيره علي معني الامتناع و جميع ما سواه مركب من وجود اي مادة و ماهية اي صورة كائنا ما كان بالغا ما بلغ و ممكن ذو قوة لايخرج شيء من قوته الي الفعلية الا بفعل الله سبحانه و امره الذي هو مكمل جميع تلك القوي و مخرجها من العدم الي الوجود بفضل كماله الذي هو شعاعه و نوره و مثاله فكل ما سواه مركب من ذلك المثال و من قابلية تلك القوة و ذلك المثال هو مادة ذلك المكون و تلك القابلية هي صورته فهذا التركيب في المخلوق الاول المخلوق بنفسه اي المشية علي حسبها و في ساير آثارها [ص 93] علي حسبها و تلك المخلوقات برمتها بمادتها و صورتها كمال الله الحق و ظهوره تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها و اليه الاشارة بقول الحسين عليه السلام أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي يكون الآثار هي التي توصلني اليك و بما في الدعاء لايري فيها نور الا نورك و لايسمع فيها صوت الا صوتك و بما في الدعاء ايضا انت اوجد في مكاني و بما في الكتاب سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق أولميكف بربك انه علي كل شيء شهيد اي موجود في غيبتك و في حضرتك و بقوله قل اي شيء اكبر شهادة قل الله و هو قوله تعالي شهد الله انه لا اله الا هو فهذا المقام هو العين الحق الذي اعار الله خلقه اياها حتي يروه بها و يعرفوه بها و هو الفؤاد ماكذب الفؤاد ما رأي و هذا الحيث يدرك بعد كشف السبحات و محو الموهومات و هتك الاستار لظهور الاسرار و هذا الحيث هو الحق الظاهر و ظاهر الحق و في حيث الرب درجات و مقامات لسنا بصدد بيانها هنا و لها حيث الي نفسها من سرمد و دهر و زمان و عقل و نفس و جسم و سماء و ارض و غير ذلك و هو الماهية التي بها امتنع منها و هذا الحيث اغلظه و قاعدته عند التراب الذي هو ابعد المراتب عن المبدء و يرق كلما يصعد صاعدا الي السرمد يعني انك اذا قطعت النظر عن جهة ظهور الرب و لمتنظر اليه و لمتره و وقعت في ورطة الكثرات و الخصوصيات وجدت اشياء عديدة متباينة متضادة متعاندة و عرصة ظلمانية اذا اخرجت يدك لمتكد تراها و حجبت عن رؤية تلك الانوار و منعت عن درك تلك الاسرار و ابتليت بالاغيار و ضرب امامك الاستار فحينئذ وجدت زيدا و عمروا و بكرا و سماء و ارضا و غير ذلك من المخلوقات فهذه عرصة الماهيات و الطبايع التي هي علي خلاف كينونة [ص 94] الحق فالمخلوق نفسه كونه هو هو خطيئة موبقة و معصية و مخالفة مهلكة و لنعم ما قال الشاعر :
اذا قلت مااذنبت قالت مجيبة وجودك ذنب لايقاس به ذنب
فهذه هي الماهية التي نقول انها ظلمة و شر و نقص و فساد فانها من مقتضيات الكثرة و نقول ان جهة الرب نور و خير و كمال و صلاح و امثال ذلك فانها من مقتضيات الوحدة فجهة الرب هي الربوبية و جهة النفس هي العبودية المشار اليهما بقوله عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية و الحق و الخلق المشار اليهما في حديث الرضا عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما لانك لاتجد جهة الرب الا بكشف جهة النفس و لا جهة النفس الا بقطع النظر عن جهة الرب و لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و اعلم انه لا تفاضل في جهة الرب و لا تعدد و لا اختلاف فان كل ما فيه شائبة الاختلاف فهو من الخلق و في الخلق و اما الماهية ففي مراتبها اختلافات كثيرة فمنها رقيقة و منها غليظة و منها كثيفة و منها لطيفة و منها حاجبة و منها شافة حاكية و منها اشد توحدا و منها اشد تكثرا و منها شهادية و منها غيبية الي غير ذلك من الاختلافات و اكثفها و اغلظها و احجبها و اشدها تكثرا التراب المسمي بالذرة الذي هو ابعد الموجودات عن المبدء و كلما تصعد صاعدة ترق و تلطف و تصير اشد شفوفا و اقل تكثرا و اكثر توحدا الي ان يصل اعلي العقل الكلي في العالم المسمي بالدرة فتفاضل الاشياء برقة الماهية و غلظتها و شفوفها و حجبها و توحدها و تكثرها و بهذه الاختلافات الماهية حصل لها مبدؤ و منتهي و امر و خلق و علل و معلولات و اسباب و مسببات و منير و انوار و مؤثر و آثار و طول و عرض و ترتب و تشوش و مادة و صورة و جنس و نوع و فصل و شخص و جوهر و عرض و غير ذلك من الكثرات [ص 95] فجميع ذلك في الماهية و ليس في جهة الرب جل جلاله اختلاف و تعدد بوجه من الوجوه و يستوي عنده العلل و المعلولات و الاسباب و المسببات ان كل من في السموات و الارض الا اتي الرحمن عبدا لقد احصيهم و عدهم عدا و لكن هذه الماهيات في كونها ماهية منها ما قد رقت و شفت و تشاكلت اجزاؤها حتي توحدت فصارت فانية مضمحلة متلاشية من حيث نفسها فلمتر و رأي منها جهة الرب كلما نظرت و فحصت فلمير الا الرب و صفاته و اسماؤه و افعاله و اخلاقه و منها ما بقي فيها استمساك ما فبقي ذكرها و صدر عنها آثار ضعيفة في الجملة و منها ما يشتد فيه ذلك و يشتد الي ان يبلغ مبلغا لميبق فيه لربه ذكر الا قليلا و غايتها ان لايبقي فيها ذكر للرب و لميبد له اثر و صفة و فعل و يكون جميع الذكر و الظهور و الصفة و الفعل و الاثر لنفسها و هي مقام التراب الذي هو في غاية الحجب لانوار الرب جل و علا فمن كان ماهيته علي وفق صفة الرب جل و علا فهو السعيد و المؤمن و من اهل الجنة و عليين و اهل النور و الخير و الكمال و الهيمنة و السلطنة و الاستيلاء و الحكم اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشيء كن فيكون و غنيا لاتفتقر و حيا لاتموت و من كان ماهيته علي خلاف صفة الرب و ضدها فهو الشقي و الكافر و من اهل النار و سجين و اهل الظلمة و الشر و النقص و المقهورية و المحكومية و المحنة و المهنة و ان الله سبحانه لما خلق الاشياء من الامكان امكن في الماهيات الترقي و التنزل و الترقق و التغلظ فيمكن للماهية الغليظة ان تصير رقيقة شافة و للماهية الرقيقة ان تصير غليظة حاجبة و جعل لترقيقها و تغليظها اسبابا من الدعاة الي الحق و الخير و الدعاة الي الشر و الباطل و هؤلاء الدعاة هم الكاملون المكملون كل في صفته و علي حسبه و ذلك ان الماهيات تنقسم نوعا الي ثلثة منها ما هي رقيقة غير حاجبة لانوار الله جل و عز و لطيفتها [ص 96] اكثر و اغلب و صفات الرب ظاهرة فيها و بالفعل فهي الكاملة المكملة و منها ما لطيفتها مساوية لنفسها فلاتعدوها فهي التامة بنفسها غير المؤثرة في غيرها و منها ما لطيفتها مغلوبة مستورة و الظهور و الاثر لكثيفتها فهي الناقصة المستكملة ثم منها ما هي منصوبة و منها ما هي منكوسة فمنها كاملة في الخير و منها كاملة في الشر فالكاملون من الفريقين هم الدعاة و الهداة و المكملون و الناقصون هم المستكملون القابلون لتكميل كل من الفريقين و اما التامون فهم علي ما هم عليه من حالهم و لولا الكاملون المكملون لميترق مترق و لمينزل نازل فكل مولود يولد علي الفطرة و ان ابويه يكملانه نحو ما هما عليه و يستخرجان من كمونه نحو ما هما عليه فيجعلانه مسلما او كافرا و اعلم ان هذه الماهية كما عرفت مركبة من مادة و صورة نوعية و شخصية فهي رقتها و توحدها بغلبة المادة عليها و غلظتها بغلبة جهة الصورة عليها كما هو ظاهر لكل ذي عين فالمادة جهة اثرية الشيء لامر ربه المشابهة لصفة مادة الامر الظاهرة من صورتها و جهة الاثرية غير جهة الرب فلاتغفل و الصورة جهة نفس المادة و انفعالها عند فعل الله جل و عز و هي لها حدود موافقة لصفة امر الرب و صورته كما مر و مرة نطلق الوجود و نريد به المثال الملقي من السموات علي هويات الارض و نطلق الماهية فنريد بها ما للمولود من هوية الارض و هذا هو في الشرع الكوني و مرة نطلق الوجود و نريد به الحصة الفلكية التي في المولود و نطلق الماهية و نريد بها الحصة الارضية فيه و هذا ايضا في الشرع الكوني و مرة نريد من الوجود شعاع الداعي الي الحق او الباطل و من الماهية قبول المدعو و هذا في الكون الشرعي و هذه الوجوه الاخيرة لها اعتباران يمكن ان يعبر عن وجوداتها جهة الرب و عن ماهياتها جهة النفس و يمكن ان يعبر عن وجوداتها بالمادة و عن ماهياتها بالصورة و اعلم [ص 97] ان الرب جل جلاله ليس في حد حتي يكون لشيء جهة اليه و جهة الي خلافه و انما المراد بالرب هنا مبدؤ المبادي و غاية الغايات و نهاية النهايات فاذا رأي في الاشياء فالمرئي جهة الرب و ان رأي نفس الاشياء فالمرئي جهة النفس و لا جهة للرب غيرها و الرب هو الوجود الحق الذي به عرف الله نفسه و به يعرف فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .
فصل - اعلم ان للنفس القدسية قوي و خواص كما ذكره مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام فقويها خمس ذكر و فكر و علم و حلم و نباهة و خواصها النزاهة و الحكمة و نحن عازمون بحول الله و قوته ان نفصل سبعة ابواب لتفصيل هذه القوي و الخواص ان شاء الله و اما هنا فنريد ان نذكر كليات في هذه الامور لتعلمها نوعا اعلم ان القوي للنفس ظهوراتها و افعالها المصبوغة باصباغ جهات عرش استوائها و اركانها و تلك النفس آية الرحمانية و سر الواحدية المستوية المستولية علي ذلك العرش فيسطع من تلك الرحمانية الواحدية نور واحدي من حيث الصدور و مثال واحدي فيلقي في هوية ذلك العرش و ينطبع فيها ثم ينصبغ باصباغها و يتهيؤ بهيئاتها و يظهر من ورائها مقرونا بما اكتسب منها فتصير منشأ افعال متعددة كما يظهر نور الشمس في زجاجات ملونة و يتلون فيها ثم يخرج منها انوارا متعددة فتحمر و تصفر و تخضر و تبيض و لميكن شيء من هذه الكثرات في اصل النور من حيث الصدور من الشمس فكذلك النفس بمنزلة الشمس فلما استوت علي زجاجات جهات عرشها و القت مثالها الواحدي فيها خرج من ورائها افعال متعددة فتسمي تلك الافعال بقوي تلك النفس فالنفس النباتية التي هي صفايا العناصر و حيث واحديتها لما استوت علي عرش العناصر القت مثالها في اركان عرشها فانصبغ في النار علي حسبها و خرج منها جاذبة و في الهواء علي حسبه و خرج منه هاضمة و في الماء [ص 98] و خرج منه دافعة و في التراب و خرج منه ماسكة فهي مثل النفس النباتية المنصبغة في مرايا هذه العناصر قد اعطت النفس كل واحدة منها اسمها و حدها و تصورت بصورة هويات تلك المرايا و العناصر فالجاذبة نفس جاذبة و الهاضمة نفس هاضمة و هكذا البواقي فهذه هي قوي للنفس كانت كامنة فيها فخرجت الي الفعلية متخصصة متعينة في المرايا و اما المربية فهي مثال منصبغ في المجموع المركب و اما الخواص فهي عرض النفس الخاص بها لايوجد في غيرها كالضاحك للانسان مثلا فهو صفة لها تعرض عليها بمقتضي طبعها فخاصيتا النفس النباتية الزيادة و النقصان فانها اذا امدت بالمشاكل زادت و ان لمتمد تحللت فنقصت و كذلك النفس الحيوانية هي رحمانية مستوية علي عرش الاعضاء النباتية فالقت في هويتها مثالها فانصبغ في كل عضو علي حسبه و ظهر من ورائه متعينا بتعينه فصار منشأ فعل متعين فانصبغ في العين بصبغها و خرج باصرة و في الاذن و خرج منها سامعة و في الانف فخرج منه شامة و في الفم فخرج منه ذائقة و من جملة الاعضاء فخرج لامسة و انما صارت الاعضاء الدراكة علي خمسة انواع لان سر العناصر و الطبايع جري فيها و لذلك ينسب العين الي النار و ادراكها للاضواء و الاذن الي الهواء و ادراكها للاصوات و الانف الي الماء و ادراكه للروايح التي هي من ابخرة الماء و الفم الي التراب و ادراكه للطعوم التي هي من التراب و الاعضاء الي المجموع المركب و ادراكها لحرارة النار و برودة الماء و لين الهواء و يبس التراب و ما يؤل اليها و لاجل ذلك صار انواع المثل ايضا خمسة و هذه الاعضاء ابواب الروح الحيوانية اليها تلقي في كل عضو مثالها و تعطيه اسمه و يختص بخصوصية الباب فالباصرة نفس حيوانية دراكة للاضواء و السامعة نفس دراكة للاصوات و هكذا البواقي و هذه القوي [ص 99] افعال و مثل للنفس الحيوانية و لها خاصيتان ناشئتان من الحيوانية فانها ان وصلتها المشاكلة لها رضيت او المنافرة فسخطت و غضبت و اما الانسانية اي النفس الناطقة القدسية فعرشها الدماغ اي المراتب الحيوانية و الاعضاء الحيوانية و لها مثال واحدي مطلق يلقي في اركان عرشها التي هي مراتب الحيوانية و ينصبغ في تلك الاركان فيظهر من كل ركن علي حسبه و يصير منشأ فعل و مرادنا بالحيوانية النفس البرزخية المثالية السارية في افلاك هذا العالم و بها حيوتها و حركاتها و الظاهرة في الروح البخارية الحادثة في قلوب الحيوانات التي ساوت بلطافتها الافلاك و هذا تأويل قوله تعالي و جعل القمر فيهن نورا اي قمر عالم المثال الذي هو النفس الحيوانية الكلية هو نور السموات الجسمانية الظاهرة و حيوتها جميعا فالنفس الحيوانية هي نفس الافلاك لا نفس اجرام الافلاك فقول اميرالمؤمنين عليه السلام فيها ان اصلها الافلاك اي نفوس الافلاك و غيوبها بالجملة هذه الحيوانية مركوب الناطقة القدسية و عرشها و لهذه الحيوانية مراتب من بدو تكونها الي غاية كمالها كما تشاهد في محلها الذي هو الروح البخارية فانها اول ما تتولد تتولد في القلب و هو منبعثها كما عرفت ففي هذا المقام يساوي لطافة جوهرها جرم فلك القمر فهي بخار و موج مكفوف و عين الحيوة علي باب الجنان ثم تصعد بعد اشتداد الحرارة عليها و تجفيفها دخانا الي الدماغ ثم استوي الي السماء و هي دخان و يجري في تجاويف الدماغ و يتلطف في كل منزل حتي يصير كفلك من الافلاك فيحكي في كل منزل من النفس التي في غيبه امرا ازيد فاذا ساوي لطافته فلك الزهرة صار حاكيا لخيال تلك النفس و اذا صار بلطافة فلك عطارد صار حاكيا لفكرها و اذا صار بلطافة فلك المريخ صار حاكيا لوهمها و اذا صار بلطافة المشتري صار حاكيا لعلمها و اذا صار بلطافة [ص 100] فلك زحل صار حاكيا لعقلها و اذا صار بلطافة الكرسي صار حاكيا للنفس الكلية الظاهرة فيه و اذا صار بلطافة العرش صار حاكيا للعقل الكلي الظاهر فيه و ان كان ليس يصير في كل حيوان صاحب هذه المراتب لعدم الاعتدال التام في كل احد بالجملة النفس الحيوانية التي في البرزخ لها هذه المراتب ايضا في عالمها و ليست بنفسها خيالا و لا فكرا و لا وهما و لا علما و لا عقلا و لا ما فوقها بل كلها حيوة و تترقق و تتلطف كما ان البخار الذي في القلب ليس الا ناميا و يترقق و يتلطف في مراتبه و مراقيه حتي يصير بلطافة افلاك هذه الدنيا فكذلك النفس الحيوانية ليست الا حيوة و لكن لها ترققات و تلطفات في مراتبها حتي تصير بلطافة افلاك عالم البرزخ فتحكي في كل درجة من الناطقة التي من ورائها شيئا فتلقي الناطقة مثالها في هوية تلك المراتب و تظهر عنها افعالها فتلك الادراكات هي كلها فعل النفس و هو من حيث الصدور من النفس واحد و من حيث الظهور في تلك المواقع يتعدد و يتصور بصورة الخيال و الفكر و الوهم و العلم و العقل كما ان فعل الروح الحيوانية من حيث الصدور عنها واحد و من حيث الظهور في اعضاء البدن يكون بصرا و سمعا و شما و ذوقا و لمسا و لاامنع ان يكون للنفس الحيوانية بعض اظلال تلك المشاعر فيكون لها خيال ظلي و فكر ظلي و وهم ظلي و اذا كانت في الانسان يكون لها علم ظلي و عقل ظلي ايضا فان كمالات مراتب الوجود متدرجة حتي اني لاامنع ان يكون لمراتب الروح البخارية ايضا ظل ظل من هذه المشاعر و للاعضاء الظاهرة ظل شعور الحيوانية ايضا بالجملة اذا صار النفس الحيوانية البرزخية بلطافة فلك زهرة عالم البرزخ يقع فيها مثال الناطقة و ينصبغ و يتشكل فيها فيكون خيالا فتدرك به الصور و اذا صارت بلطافة فلك عطارد ذلك العالم يقع فيها مثال الناطقة و ينصبغ و يتشكل فيها [ص 101] فيكون فكرا فتدرك به الفكر و هكذا البواقي و ذلك ان مدركات هذه القوي كلها من عالم المثال و البرزخ و ان كان بعضها مقرونا بالمواد و منتزعا عنها و بعضها غير مقرون و يكون لبعضها معنوية بالنسبة الي بعض فاقول جملة ان بين النفس الحيوانية المثالية و هذا البدن مقام برزخي و هو من فلك قمر عالم البرزخ و هو بدن تام في داخل هذا البدن الظاهر فذلك البدن البرزخي برزخ بين اصل هذه الاجسام الدنياوية و المثال اسفله مرتبط متعلق بالبدن الدنياوي و اعلاه مرتبط بعالم المثال و هو اسفل مقامات الحيوانية البرزخية و اول نشوها و يسمي هذا المقام باليونانية ببنطاسيا و هو حساس و يظهر فيه اسفل مقام فعل الناطقة و كمال حسه به فهذا المشعر يسمي بالحس المشترك لارتباطه بالطرفين فما وقع من مثل الاجسام في المشاعر الخمسة الظاهرية تؤديه الي الحس المشترك و يتلقي منها فيدركه اولا بالتلقي و الاخذ و اخيرا باستقلال ضعيف فانه يدرك الصورة بعد انقطاع وقوعها في الحواس الظاهرة و منه ما يدرك الانسان صوت الرحا بعد انقطاعه بقليل و ما يدرك الانسان الفرس الجارية سريعا اطول و القطر النازل خطا و امثال ذلك في كل حاسة فلما وقع الصورة فيه لميقدر علي حفظها حتي يؤديها الي الخيال فالخيال يدرك الصورة بعد غيبوبة ذي الصورة عن الحاسة الظاهرة و الانقطاع و الانمحاء عن الحس المشترك و لكن لايدرك الصورة بذات نفسه الا بالاخذ عن الآخذين عن المواد الظاهرة فاذا حصل الصورة في الخيال يتأملها الوهم فيدرك معناها و هو شيء يستنبطه الوهم منها صوابا ام خطاء و ليس فعله الرواية بل هو دراية منه و لكن في الروايات و ذلك كاستنباطه الضرر و النفع و العداوة و المحبة و الملايمة و المنافرة و المناسبة و المباينة و التساوي و التفاوت و القلة و الكثرة و امثال ذلك و لما كان فعله عن اجتهاد يجري فيه الخطاء و الصواب بخلاف [ص 102] الخيال و الحس المشترك و الحواس الظاهرة فانها صرف رواية و ان كان الراوي ايضا لايخلو بعض الاحيان عن خطاء في النقل قالوا و من وراء الوهم شخص الحفظ و هو بالنسبة الي الوهم كالخيال بالنسبة الي الحس المشترك فما استنبطه الوهم يؤديه الي الحافظة و هي خزانته فتحفظه له و قالوا محلها التجويف الآخر من الدماغ و الذي اري ان الحافظة ليست بمشعر باطني كاخواتها فليس في الحواس الباطنة مقام يدخر فيه المعاني او الصور و لانقول ايضا ان الخيال يدخر الصور بل الخيال مشعر كالمرآة اذا قابلت النفس به الي صورة في عالم المثال انطبع فيه تلك الصورة و الا فلا شيء فيه كالعين اذا قابلت بها الي مبصر انطبع فيها و الا فلا شيء فيها و كذلك جميع الحواس الباطنة و هي كلها كالحواس الظاهرة ان قابلت بها الي محسوس انطبع فيها شبحه و الا فلا شيء فيها و قد حققنا امر الحواس في محالها في كتبنا مفصلا فاذا وقع صورة في العين مثلا تؤديها الي الحس المشترك ان استعملته للادراك فيؤديها الي الخيال و تنطبع فيه ان استعملته و يستنبط الوهم معناها ان استعملته و الا فلا و اما الحافظة و الذاكرة فهي النفس في عالمها و هي المحيطة بجميع المثل البرزخية التي حصلته و عرضت عليها الحواس فوصل اليها منها صورة مجردة عن المواد و القوة و الاستعداد و تحفظها في نفسها علي نحو دهري مجردة مشاكلة لها فتكون حدودها و سعة نفس كل ذي نفس علي حسب علومها و كذلك هيئتها و تخطيطاتها و تعيناتها و لذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام مقرها العلوم بعد ما جعل مقر الحيوانية القلب و مقر النباتية الكبد و لميجعل لها مقرا في البدن بل تلك الصور الحاصلة هي النفس الخاصة اي هوية النفس الناطقة الخاصة التي القت النفس الكلية فيها مثالها فاظهرت عنها افعالها فحقايق الصور الحاصلة لكل شخص هي هوية [ص 103] نفسه و مبدء تحصل تلك الصور للشخص عند الولادة الجسمانية و اكتساب الحواس الظاهرة من الخارج مثلا و تأديتها الي الحواس الباطنة فاذا وصلت الي الحواس الباطنة الحيوانية تصورت بصور علمية و تعينت بتعينات علمية فبتصورها بها استعدت لظهور مثال النفس الكلية فيها كما اذا تصور البدن هنا بصورة كلب استعد لوقوع مثال الحيوانية الكلية فيه لانه حينئذ لسان داع طالب له فيفاض عليه مثال الحيوانية فينصبغ فيه بصبغ الكلبية فيكون حيوانا نابحا و لعلك عرفت ان ذلك المثال هو جهة تلك الصور الي الحيوانية الكلية الكامنة فيه كمون النار في الزيت المستخرجة منه بالتكميلات بايدي الفاعل التي هي نفوس الافلاك فبعد حصول الحيوانية اذا تصورت بالصور العلمية و الخصال النفسانية صارت لسانا داعيا طالبا من النفس الكلية الالهية نفسا ناطقة فيلقي فيها مثالها و ذلك المثال هو سر كامن فيها بالقوة يستخرج منها بتكميلات ايدي الفاعل بالتعليمات العامة الملكية و الخاصة من الاب و الام و ساير المربين فبالتعليمات العامة يحصل لها نفس مطبوعة و بالتعليمات الخاصة يحصل لها نفس مسموعة بالجملة اذا حصلت الصور في الحواس الباطنة استخرج من قوة تلك الصور صورة مجردة هي مثال النفس الكلية المصبوغة بصبغ تلك الصور العلمية و العملية و تزداد و تنبسط و تترقي و تتنزل و تتلطف و تتكثف شيئا بعد شيء بحسب اختلاف التكسبات العلمية و العملية فتلك النفس هي الحافظة للصور علي نحو الوحدة و التجرد و القدرة علي انشاء ما شاءت مما اكتسبت من الصور و هي الذاكرة و هي الخزانة لها و هي اللوح التي اثبتت فيها و رسمت علي نحو الوحدة فاذا ارادت تصور صورة فاما ان وجهت خيالها الي موضع تلك الصورة و وقتها ان كانت رأتها او احاطت بها فانطبع في خيالها الصافي الساذج مثال [ص 104] تلك الصورة علي هيئتها كما ينطبع صورتك في المرآة و اما ان صورت الخيال بتلك الصورة فان الخيال فعلها تصوره كيفما شاءت ثم تقابل به الي امكان عالم المثال فيظهر فيه صورة مقرونة بمادة برزخية كما انك اذا صورت مرآة بصورة صبغا و شكلا ثم قابلت بها جدارا ابيض لا شكل فيه و لا لون وجد في المرآة صورة علي لون و شكل اردتهما و لميكن علي الجدار صورة مثلها فالذي في المرآة له مادة من مثال الجدار و صورة من نفس صورة المرآة ألاتري انك تقدر علي تصوير اي شكل و اي صورة شئت في خيالك فتصور فرسا ذات رأسين و شجرة اوراقها رؤس مثلا و ساقها من اللؤلؤ و ازهارها مثلا من الياقوت و ليس شيء في الخارج كذا و لا في عالم المثال و انما تتصورها بالجملة ان النفس اذا ارادت صورة يجري فعلها علي حسب ارادتها و تصور علي حسب ارادتها كما تصور حركة يدك علي هيئة الالف او الباء او غيرها مثلا فيطاوعها المشعر الحيواني لاستيلائها عليه ثم تقابله مع امكان عالم المثال فتحصل له مادة فتنصبغ في صبغ الخيال فتدركه بخيالك علي ما تريد او توجه خيالها الي الصورة الدهرية في محلها فيقع فيه مثالها و ربما ركبت منهما فهكذا تتذكر ما شئت و تتصور بالفعل ما حفظته و ليس في الباطن مشعر يخزن فيه الصور فلو كان كذا لكان اللازم ان تكون ذاكرا في مشاعرك جميع ما تعلمه ملتفتا اليه و لاتغفل عنه و هذا خلف بالبداهة و اما النفس فليس لها الصور في نفسها حاصلة علي نحو التفصيل المثالي او الجسماني بل الحاصل لها امر دهري جمعي وحداني تكون بحصوله لها قادرة علي جميع تفاصيل ما عندها خلاصته لا ازيد و لا اقل نعم النفس الكلية هي القادرة علي تذكر كل صورة و انزاله في حواسها لانه فيها مبادي جميع الصور الدنياوية ما كان منها و ما هو كائن و جميع الصور [ص 105] المثالية ما كان منها و ما هو كائن و اذكارها و لاجل ان النفوس الجزئية ليس لها الا ما حصلته لاتقدر علي تصوير ما سيأتي و ما يكون بعد علي حسب الواقع باختيارها اللهم الا ان تتلقاه من مواقع التقدير و لايقع فيها بداء اتفاقا و ذلك ان الخيال كما يأتيه الصورة مرة من الحواس الظاهرة و مرة من انعكاس الصورة فيه من النفس قد يأتيه صورة من مواقع التقدير اذا قابلها و كان معتدلا صافيا فارغا فيعمل فيه ايدي التقدير بواسطة الملئكة الحاملين للمقادير النازلين بها الي الارض فيصادفون ذلك الخيال فيقع اشباح ما ينزلون به فيه فيظهر فيه صورة المقدور و لربما يكون فيه اعوجاج في الجملة فيغير صورة المقدور او لميكن فيحكيها علي ما ادي اليه الملئكة فالانسان اذا حفظ خياله عن الظاهر فلميأته مثاله منه و حفظه عن هواه و ميل نفسه فلميلعب به و توجه الي المقادير في اغلب اوقاته يتلقي من الملئكة المقدرات كثيرا و يطلع علي المقدورات كثيرا حتي ان خيال الشخص الكلي يتلقي من الملئكة متي ما اراد و شاء و يوافق جميع تصوراته المقادير فان كان معصوما يكون كلها وحيا من الله سبحانه و الهاما و نكتا و قذفا ثم يحصل للمؤمنين ذلك علي حسب درجاتهم في اليقظة و المنام و في المنام اكثر و قد يحصل لغير المؤمن اذا صفي خياله بل يحصل لبعض المرضي اذا غفلوا عن الظاهر و عن تصرفات نفسهم فيخبرون عن امور مقدورة فيقع منها ما لميقع فيه بداء و قد يحصل للكافرين و المنافقين اصحاب الخيالات المنكوسة صورة تلقاها من الشياطين و هو سر التكهن فما اخذته الشياطين استراقا من الملئكة تقع و ما زادوا عليها و نقصوا من تلقاء انفسهم يتخلف فافهم هذه المسائل الشريفة فاني بينت لك حقائقها و لا قوة الا بالله و قد يكون اصل النفس الناطقة في ذاتها معتدلة صافية و ذلك بمجاهداتها و رياضاتها الشرعية و تكون شديدة التوجه الي النفس [ص 106] الكلية كثيرة الخلوص فتتصل بالنفس الكلية اتصالا تاما فيأتيها تأييدات و تسديدات و الهامات خاصة و كمالات خاصة ليست من باب تكسباتها و علومها و اعمالها بل من باب اتصالها بخزانة علم الله التي هي النفس الكلية ثم ينعكس منها الي خيالها فيقع في خيالها صور علمية موهوبة و الهامات لدنية و هو قوله و علمناه من لدنا علما و ذلك حظ الخصيصين و هو ما روي عن الصادق عليه السلام ان اولي الالباب الذين عملوا بالفكرة حتي ورثوا منه حب الله فان حب الله اذا ورثته القلوب استضاء به و اسرع اليه اللطف فاذا نزل منزلة اللطف صار من اهل الفوايد فاذا صار من اهل الفوايد تكلم بالحكمة و اذا تكلم بالحكمة صار صاحب فطنة فاذا نزل منزلة الفطنة عمل بها في القدرة فاذا عمل بها في القدرة عمل بها في الاطباق السبعة فاذا بلغ هذه المنزلة صار يتقلب في لطف و حكمة و بيان فاذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته و محبته في خالقه فاذا فعل ذلك نزل المنزلة الكبري فعاين ربه في قلبه و ورث الحكمة بغير ما ورثته الحكماء و ورث العلم بغير ما ورثته العلماء و ورث الصدق بغير ما ورثه الصديقون الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت و ان العلماء ورثوا العلم بالطلب و ان الصديقين ورثوا الصدق بالخشوع و طول العبادة فمن اخذ بهذه السيرة اما ان يسفل و اما ان يرفع و اكثرهم الذي يسفل و لايرفع اذا لميرع حق الله و لميعمل بما امره به فهذه صفة من لميعرف الله حق معرفته و لميحبه حق محبته فلاتغرنك صلوتهم و صيامهم و رواياتهم و علومهم فانهم حمر مستنفرة ثم قال يا يونس اذا اردت العلم الصحيح فعندنا اهل البيت فانا ورثناه و اوتينا شرح الحكمة و فصل الخطاب الخبر ، فاولئك الخصيصون يأخذون من مبدئهم علوما موهوبة لدنية ليست من مقتضيات التكسبات و المجاهدات و انما هو بتعليم [ص 107] خاص خصهم الله به دون غيرهم و ان كان اصل ذلك الاعتدال بعلومهم و اعمالهم و خلوصهم و بما خلقوا خلقة بائنة من خلقة ساير الحكماء و العلماء و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء بالجملة طال الكلام و بعدنا عن المقام و ان كان هذا و امثاله حقيقة المرام فلنعد الي ما كنا بصدد بيانه فاذا وقع في الخيال صورة من اي هذه الجهات نظر فيها الوهم و استنبط منها معناها كما مر و للانسان مشعر آخر يسمي بالفكر و هو اذا ساوي حيوته حيوة فلك عطارد و هذا المشعر متقلب تحت العقل و النفس فقد يستعمله النفس فيركب صورة بصورة و يلاحظ نسبتها و قد يستعمله العقل فيركب المعاني الجزئية و يلاحظ نسبها و قد يستعملانه معا فيركب معني مع صورة و يلاحظ نسبتهما فهو آلة لهما في هذه الخدمة كما يتقلب كوكب عطارد في الصفات مع ساير الكواكب و قد يسمي بالمتخيلة و هذا الفكر ايضا كالوهم يخطي و يصيب اذ شأنه الاجتهاد و هو كثير الخطاء ما لميكن موزونا بالموازين معتدلا خاليا عن اصباغ الاعراض و الاغراض و الامراض و لا بد له من التوزين بميزان الدين حتي يأمن الخطاء و لايأمن بالوزن بالموازين المنطقية فان المنطق لايعدل الا صورته ان كان حقا و اما مادة الفكر فلاتعدل بالمنطق و جل الخطاء منها فلايعرف بسببه حقيقة الشيء و انما يعتدل به في ترتيب صورة البرهان و هي مبتنية علي الحقايق و هي لاتعرف الا بالكتاب و السنة و الآفاق و الانفس و لربما يعتدل الفكر بسبب كثرة التوزين و عمل صاحبه بالاعمال الشرعية حتي يتفق ان يوافق الموازين اكثر وارداته و ان لمتوزن ثم اذا ساوي الروح الحيوانية في اللطافة فلك المشتري انطبع فيها مثال النفس الناطقة و ينصبغ فيها فيكون قوة عالمة للنفس تدرك بها الصور مجردة عن المواد و المدد و يخدمها الخيال فانه اذا حصل فيه الصورة من الخارج بواسطة [ص 108] الحواس و الحس المشترك و هي لاتكون الا مقرونة بمادة عرضها علي العالمة فاخذت منها الصورة مجردة عن المادة و المدة الزمانية و البرزخية اما التجرد عن الزمانيات فوجودي و اما التجرد عن البرزخيات فوجداني فان العالمة من عالم البرزخ و ليس معلومها في الخارج مجردا عن المادة و المدة البرزخية نعم انها لاتلتفت اليها فتدركها مجردة عنها و ليس تلك الصورة الحاصلة للعالمة مجردة عن مطلقة المادة و المدة فان لها مادة و مدة ملكوتية نعم انها اشبه شيء بالفعلية المحضة و ابعد شيء عن القوة فان ذلك المقام مقام دهرية تلك المعلومات و مقام ذاتيتها و جميع ما به هي هي حاصلة لها دفعة بالفعل و لا ترقب لها في كونها هي هي فهي اشبه شيء بالفعلية المحضة و لذا لما سئل اميرالمؤمنين عليه السلام عن العالم العلوي فقال صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد الخبر ، و قال في صفة النفس القدسية هي اشبه شيء بالنفوس الملكية و انما ذلك لاجل ان الدهر دار تذوت و فعلية فالمعلومات النفسانية كلها صور ذاتية متشاكلة متحدة و ذلك ان عرصة الدهر عرصة الذات الخالية عن الاعراض الخارجة عن حقيقتها و النفس دهرية متذوتة مطهرة عن الاعراض الخارجية صادرة عن امر واحد بل هي مخلوقة بنفسها عند مؤثرها القريب و جميع عللها منها فهي متذوتة فعلية بلا ترقب و لا قوة و لا استعداد واحدة متوحدة و معلوماتها النفسية هي صورتها و كمال حاصل لها متحدة معها باتحاد واحدي فهي كلها صور ذاتية متشاكلة متحدة و اما معلوماتها الفعلية ففيها تكثر و تعدد بحسب القابلية فاذا اجتمعت عند النفس اتحدت و كانت صورة واحدة فما تدركه النفس بنفسها هو معلوم وحداني يتفصل في قواها و مشاعرها و ما تدركه بقويها و افعالها فهو متعدد بحسب مراتبه فما اكتسب افعالها من القوابل العديدة من الاصباغ و الاشكال فهي ما يتبعها في الدهر و يلحقها [ص 109] من نعيم او عذاب اليم فان الافعال بعد ما فارقت المظاهر ترجع الي فاعلها كما يرجع نور الشمس الي الشمس اذا انكسرت المرايا و لتلك الافعال و المثل اكتسابات قد اثرت في طباعها هذا و اصول جميع ما اكتسب حاصلة للنفس فتلك المثل باصباغها تكون محفوظة بما اكتسبته النفس فتحيط بها فهي اما جهنم محيطة بها و ان جهنم لمحيطة بالكافرين و اما نعيم و قصور تحويها و حور تعانقها و اشجار تلف بها و امثال ذلك بالجملة المراد بالصورة المجردة الصورة المجردة عن المواد و المدد الزمانية و البرزخية و تجردها سبب توحدها و تشاكلها و عدم قوة و ترقب لها كما عرفت فالعالمة تدرك الصور المجردة بالنسبة كما ذكرنا ان ما تدركه مجردة عن الزمانيات وجودا و عن البرزخيات وجدانا لانها من عالم البرزخ فهي آية النفس في القوي و خليفتها و مظهرها و عينها و يدها و جنبها تدرك النفس الصور التي عرض عليها الخيال مجردة فتتحد تلك الصور في العالمة في الجملة و ليست الصور التي فيها علي حد الصور التي في الخيال جزئية ممتازة بعضها عن بعض فان هذه الجزئية فرع المادة و المدة و القوة و الاستعداد و المظاهر و القوابل و المكملات و القوالب و غيرها و اما في العالمة فتجتمع جميع الصور الخيالية فتكون صورة واحدة فالملكوتية و الدهرية علي العالمة غالبة و هي آية الدهر في البرزخ و اذا تلطفت الروح الحيوانية حتي صارت بمثابة فلك زحل ظهر عليها مثال النفس بالعاقلة فيحدث فيها لها قوة عاقلة تدرك بها المعقولات الجبروتية الاضافية و هي ما ينتزعه العاقلة مما يعرض عليها الواهمة من المعقولات الجزئية فتجتمع فيها معني كليا واحديا علي حذو ما بينا في النفس هنا و العاقلة خليفة العقل و مثاله و فعله و آيته و عينه المفتوحة في عالم البرزخ و توحد مدركه ايضا اضافي و اذا اعتدلت الحيوانية حتي صارت باعتدال فلك الشمس صارت خليفة الفؤاد و مدركة [ص 110] الحقايق الظاهرة فتنتزع الحقيقة من جميع ما تؤدي اليها ساير القوي لاسيما العاقلة فتدركها مجردة عن الصورية و المعنوية و الجزئية و الكلية علي حسب اقتضاء عالم البرزخ و تبلغ مقام القطبية و تكون من اهل الفؤاد الظاهر فهذه مختصر من احوال قوي الناطقة الظاهرة في عرش استوائها في المقامات الحيوانية و الحيوانية ليست تبلغ هذه المبالغ في كل احد و في كل حيوان بل في الحيوانية في الانسان و لا في كل انسان بل في الانسان الكامل البالغ مبلغ النقباء كما ان ساير الافلاك اي ما سوي الشمس لايحصل الا في النجباء و لكل منا مقام معلوم بقي شيء و هو انه كما يحصل في الحواس الظاهرة صورة و تؤديها الي الحس المشترك و يؤديها الي الخيال صورة جزئية و يؤديها الي الواهمة معني جزئيا فيؤدي الخيال الي العالمة صورة مجردة و الواهمة الي العاقلة معني مجردا و يؤدي الكل الي النفس صورة واحدة دهرية قد ينعكس الامر من النفس عند اعتدال القوي و ارادة النفس فيقع منها مثال الي العاقلة و منها الي العالمة و منها الي الواهمة و منها الي الخيال ثم ينطبع منه الي الحس المشترك ثم ينطبع منه في البدن فيصور الاعضاء و الاخلاط بصورة منعكسة فيها فيظهر منها آثارها و منه الكلام الذي يتكلم به الانسان و منه ما يصيب البدن من غضب النفس و شهوتها و اذا كانت النفس قوية لطيفة فيها هيمنة ما و مفارقة تامة عن البدن بتجردها الكامل و ذلك في النفوس الكاملة المفارقة فقد تؤثر و تنعكس منها في غير بدنها من المواليد و البسايط و اذا كانت كلية تقدر علي القاء مثال ارادتها و عكسها في جميع الآفاق و الانفس فتتحرك الكل بارادته و يحدث فيها حوادث بمحض عزمه كما ينعكس من نفسك الشهوة الي مشاعرك الباطنة فينطبع فيها صورة نكاح فينعكس منها علي الدم و الاعصاب و العضلات و الآلات فيحدث في عضو البدن انتشار [ص 111] و يندفق منه المني بشهوة او ينعكس الغضب في مشاعرك فينطبع فيها صور مبغوضة و ينعكس منها علي الدم فيتهيج و الي الاعضاء فترتعش و الفم فينفتح و الصوت فيرتفع فكما ان النفس الجزئية المرتبطة بهذا البدن ينعكس منها اراداتها الي بدنها فتؤثر في اعضائه و اخلاطه كذلك النفس الكلية المنقطعة عن كل ما سوي مبدئها المفارقة عن جميع القيود مرتبطة بهذا العالم فاذا ارادت شيئا انطبع منها ارادتها في النجوم ثم منها الي العناصر و المواليد فظهر ما تريد كما تريد و اذا لمتكن نفس كلية و لكن تجردت عن الخصوصية و الركون الي البدن الخاص و فارقت الخصوصيات و الاضداد فقد شاركت السبع الشداد في عدم الخصوصية بحسبها فحينئذ جري ارادتها علي الافلاك و النجوم و العناصر و المواليد علي حسب قويها و هذا هو باب استجابة الدعاء و جريان ارادات المؤمن علي حذو قول ذلك الكامل انا نترك ما نريد لما يريد فاذا اردنا يوما شيئا يريد و لكن هذا ليس علي حذو ارادات النفس الكلية و لكن بقدر قوة ايمان كل مؤمن فلايصير المؤمن مستجاب الدعوة الا بانقطاعه عما سواه سبحانه حتي عن نفسه و عن دعائه و حاجته فاذا حصل له هذه الحالة وقع مراده علي الفور ان لميعقبه بعده بما يؤخره فقد حكي لي ان قوما سألوا شيخنا الاوحد ان يستسقي فذكر حاجتهم و هو في بعض السكك فدعا فتغير الهواء في الفور و استعد للمطر فقال في نفسه من اين لك هذا المقام حتي يستجيب دعاؤك علي الفور فتأخر المطر الي الغد و كان سبب التأخر التفاته الي نفسه و لو علي نحو التذلل فاعتبر من ذلك فلو لميلتفت الانسان الي غير الله و لو علي جهة المحو و النفي لاستجاب له الدعاء من فوره كما يحصل للانبياء و لكن ذلك مقام عظيم و امر جسيم رزقنا الله و ساير المؤمنين ذلك بحق محمد و آله الطاهرين [ص 112] صلوات الله عليهم اجمعين و اعلم ان القوي التي ذكرها مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام و هي الذكر و الفكر و العلم و الحلم و النباهة و الخاصيتين النزاهة و الحكمة فانما هي للنفس الناطقة القدسية و هي النفس الانسانية التي هي بنت العقل و هي التي مقرها العلوم الحقيقية الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية و هي قوة لاهوتية و اشبه الاشياء بالنفوس الملكية و هي غير النفس الامارة و ذلك ان الناطقة القدسية هي غيب الكرسي و تنزل العقل مادتها صورة العقل و صورتها حدود تلك المادة و هي لاتكون الا عابدة للرحمن مكتسبة للجنان و علي الهيئة الانسانية ابدا و لاتتلبس بالصورة الحيوانية ابدا و اما النفس الامارة فهي من الاراضي ارض الشقاوة و الالحاد و الغضب و الشهوة و الطبيعة و العادة و الموت و هي من حيث طبعها علي هيئة الشياطين اللهم الا ان تسلم و تطمئن تحت طاعة العقل و الناطقة القدسية فتتصور بالصورة الانسانية تبعا لهما فقويها من حيث نفسها ما ذكرنا من الشقاوة و الالحاد و الغضب و الشهوة و الطبع و العادة و الموت الذي هو عدم التأثر و التنبه اموات غير احياء و مايشعرون ايان يبعثون و اما الناطقة القدسية الانسانية فقويها ما ذكره مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام و هي الذكر و الفكر و العلم و الحلم و النباهة فالذكر مثالها الملقي في مرآة الخيال و الوهم فالخيال ذكر صورة و الوهم ذكر معني و هما ان كانا تابعين للانسانية يكون الخيال صورا حقة عليينية و الوهم معان حقة عليينية فانهما منصوبان متوجهان الي عليين فلاينطبع فيهما الا صور و معان حقة و ان كانا منكوسين لاينطبع فيهما الا من سجين صور و معان شيطانية باطلة و الفكر مثالها الملقي في مرآة فلك الفكر اذا كان منصوبا فلايكون فيه الا تركيب صور و معان لاستخراج الاعتبارات [ص 113] الحقة و النتايج العليينية و العلم مثالها الملقي في مرآة فلك العالمة المنصوبة فلايقع فيها الا علوم حقيقية دينية مطابقة للكتاب و السنة و الآفاق و الانفس و اما الحلم فهو مثالها الملقي في فلك العاقلة فان الحِلم من الحُلُم و هو ضد السفاهة و خفة العقل و هو من شأن العقل و النباهة و هي الحقيقة الجامعة بين تلك الاربع و هي مثالها الملقي في فلك الشمس المدرك للحقايق فهذه القوي هي قوي النفس الناطقة القدسية الانسانية و ان استعمل هذه الافلاك النفس الامارة و كانت منكوسة و متوجهة الي سجين يكون ذكرها و فكرها و علمها و سفاهتها و تنبهها للاباطيل و الامور الباطلة السجينية علي حسب الاراضي المذكورة و تكون لها ابواب جهنم و سيأتي تفصيل القوي في ضمن الابواب ان شاء الله و للنفس القدسية الانسانية خاصيتان النزاهة عن الخصال الشيطانية و الحيوانية و النباتية و الجمادية و الحكمة العلمية و العملية لانها جزء العقل و من طينته موادها من تأييداته و شأنها معرفة حقايق الاشياء و الاحاطة بها من جميع جهاتها فينعكس منه فيها تلك المعارف و الحكم العلمية و العملية و ليس هذه الخاصية في النفس الامارة و الحيوانية و النباتية فهذه ما وسعنا بيانه من معرفة النفس و احوالها و ما يليق بهذا الكتاب و لو استقصينا في بيانها لخرجنا عن وضع الكتاب بالكلية فنقتصر بما ذكرنا فلنشرع في بيان الابواب السبعة لتفصيل قوي النفس و خاصيتيها بتوفيق الله سبحانه و نذكر في كل باب فصولا ينشرح فيها بيان ما نعنون الباب به و لا حول و لا قوة الا بالله .
في الذكر و فيه مقاصد :
المقصد الاول - في بيان معني الذكر و محله و اقسامه و فيه فصول :
[ص 114] فصل - اعلم ان مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام جعل الذكر من قوي النفس الناطقة و المراد به استحضار ما غاب عن الحواس الظاهرة فهو من خواص النفس الناطقة الانسانية المهيمنة علي جميع الزمان الدهرية الملكوتية و ذلك ان النفس الحيوانية لانهماكها في الطبايع و كونها منكبة علي وجهها متوجهة الي المنتهي معرضة عن المبدء انصبغت مشاعرها باصباغ الطبايع الزمانية مع انها بنفسها ايضا برزخية مثالية فاختص ادراكاتها بالزمانيات لاتدرك الا ما حاذي مشاعرها الزمانية فلاتدرك شيئا مما مضي و شيئا مما سيأتي الا ما هي فيه من الحال فلاجل ذلك خص مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام قويها بالقوي الخمس الظاهرة و لميجعل لها شيئا من القوي الباطنة الملكوتية فالقوي الخمس تدرك ما قابلها من المدركات المساوقة معها في الزمان و اما الامثلة التي محيت عن الزمان فليست تدركها بوجه و اما الحس البرزخي فهو من حيث اسفله يأخذ من القوي الظاهرة المدركة للحال المساوقة و من حيث الاعلي يدرك ما كان في لوح الارتسام الدهري كالخيال و اما الذكر فهو من المشاعر الباطنة فان تعلق بالصور فهو الخيال و ان تعلق بالمعاني فهو الوهم و صفة الذكر للمذكور ان الصور الزمانية هي الفعليات الخارجة من قوي الاجسام كما حققناه في محله و انما تخرج بمكملات و علل استولت عليها فاذا استولت علل اخري تضادها و ذهبت العلل الاولي فنيت تلك الصور التي كانت خارجة اولا لانها لا بقاء لها من غير علة و ليست بقائمة بنفسها و ليست بواجبة الوجود و قيامها بالاجسام قيام تحقق لا قيام صدور فاذا ذهب المؤثر و لميكن في الآن الثاني لميكن اثر في الآن الثاني و قد كان في الآن الاول لوجود السبب في الآن الاول فالاثر يمحي عن لوح الاجسام يعني ليس في الآن الثاني و هو باق في محل ارتسامه الدهري قد رسمه يد القدر بالقلم علي لوح مكانه و وقته [ص 115] فلايمحي ابدا و ذلك اللوح ليس من الزمان لان الزمان ايضا من مرسومات ذلك اللوح و ليس ذلك اللوح من البرزخ فانه غير مرتبط بالحال بل هو لوح دهري و قد رسم في ذلك اللوح جميع ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و هو لوح العلم المفعولي الكوني العيني لله سبحانه و كذلك قد رسم في ذلك اللوح جميع المثل البرزخية فهذه المرسومات من حيث الاسفل تفاصيل النفس الملكوتية و تجلياتها و ظهوراتها و افعالها و من حيث الاعلي هي النفس الملكوتية يعني ان الاحدية الاضافية السارية فيها هي النفس و تلك الصور المرسومة التي هي كالاعداد هي تجلياتها و افعالها و هي قائمة بالنفس قيام صدور باقية بابقائها و ان النفس تدركها في نفسها علي نحو الوحدة الاجمالية و تدركها بها في محالها علي نحو التفصيل و هي علمها و معلوماتها و هذا الادراك هو الادراك الاحاطي الشهودي و جميعها عند النفس علي شرع سواء و تدرك ايضا اياها بنحو آخر يعني تدرك بعضها ببعض بمعني انها تدرك مثال زيد بعينه و باعين الامثلة الشاهدة له ألاتري انك لو جالست جماعة ادركتهم و ادركوك و ادرك بعضهم بعضا فاذا القيتم الامثلة في امكنتها يكون مثالك ابدا مدرك امثلتهم و امثلتهم مدركة لك و مثال بعضهم مدرك بعض ابدا فالنفس تدرك الجماعة في نفسها بالوحدة و تدرك الجماعة من الاعلي بالتفصيل و الاحاطة و الاولوية و يدرك بعض الجماعة ببعض بعين ادراك بعضهم بعضا و كذلك الله رب العالمين يعلم كل شيء به و بمن علمه و شاهده فافهم فالخيال و الفكر و الوهم و العلم و التعقل كلها افعال النفس الا انها من حيث الصدور منها واحد و انما تتعين بهذه المذكورات في تلك الصور فحضور الصور عندها خيال و حضور المعاني الجزئية عندها وهم و حضور نسبها عندها فكر و هذه الصور [ص 116] و المعاني التي ذكرنا هي اسفلها و حضور اعلي الصور علم و حضور اعلي المعاني تعقل كما ان الفعل الصادر من الحيوانية واحد و في العين بصر و في الاذن سمع و في الانف شم و هكذا فالخيال نفس الصور الجزئية البرزخية و الوهم نفس المعاني الجزئية البرزخية و هكذا ساير المشاعر الباطنة بل و كذلك المشاعر الظاهرة فالبصر عين المبصر و السمع عين المسموع و الشم عين المشموم و هكذا ألاتري ان امامك مرئي و لك عين و من ورائها روحك و فائدة العين انها روشن للروح يصل منه المرئي الي الروح فيدركه به متي انصبغ الروح بصبغ المرئي و ذلك الصبغ هو مخصص الروح و جاعله بصرا فهو بصير بذلك الصبغ و في ذلك الصبغ فلو وصل الصبغ من غير ذلك الروشن ادركه و كذلك حكم ساير الرواشن و المشاعر غاية الامر ان ساير اعضائك تمنع وصول الصبغ الي الروح و العين لاتمنع فهي باب لوصول الصبغ الي الروح فافهم ما ذكرت فانه مشكل و كذلك الحواس الباطنة فان فعل النفس في بطن الصور الجزئية ينصبغ بها فيكون خيالا فان توجه النفس الي الصور ادركتها و قيل تخيلت و الا لمتتخيل كما انها اذا توجهت الي المرئي رأته و الا فلا و اما الروح البخارية في تجاويف الدماغ فليس بخيال و لا وهم و لا غير ذلك و ليست هي رواشن وصول المثل الي النفس و انما هي مجالي افلاك البرزخ و كراسي استوائها كما ان الروح البخاري في القلب ليس بنفس حيوانية و انما هو كرسي استوائها و مركبها و اما الحيوانية المتعلقة بذلك البخار في تلك التجاويف فهي افلاك الحس المشترك و هي رواشن لوصول الصور المثالية الي النفس كالحواس الظاهرة في الاجسام فيها تصل صور حال المثال الي النفس كما ان بالحواس الظاهرة تصل صور حال الزمان الي النفس و اما ما في لوح [ص 117] الارتسام فلاتدرك بحواس البرزخ و انما تدرك هي بافعال النفس الدهرية التي هي نفوس افلاك البرزخ ففي فلك عطارد البرزخ فعل النفس المسمي بالفكر و في فلك زهرة البرزخ فعل النفس المسمي بالخيال و هكذا و تلك الافعال نفوس تلك الافلاك كما ان النفس نفس كرسي البرزخ و العقل نفس عرش البرزخ بالنفس فدرك النفس ما في لوح الارتسام بنفس افعالها المجردة فان توجهت الي المرسومات كانت ادراكات و الا فلا يعني اذا توجهت الي الصور كان خيال و الا فلا خيال و ان توجهت الي المعاني كان وهم و الا فلا وهم كما انها اذا لمتبصر فلا بصر بالفعل و اذا لمتسمع فلا سمع بالفعل و انما لها قوة ادراك المبصرات و المسموعات و كذا البواقي كساير الافعال طرا فالذكر حقيقة استحضار النفس الناطقة لتلك المرسومات طرا و لكن كان مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام خصه بالخيال و الوهم حيث جعله في عرض الفكر و العلم و الحلم فذكر الصور الجزئية من حيث الاسفل و التعلق بالماديات و الانتزاع منها خيال و ذكر المعاني الجزئية من حيث استنباطها من الصور المادية وهم و اما الفكر هو النسبة بين الصورتين او المعنيين او الصورة و المعني و مما بينا قد ظهر معني لوح الارتسام الذي خفي علي الكثيرين و منه قد تبين معني ان صور جميع الاعمال و الامكنة و الازمنة تحضر يوم القيمة و تكون مشهودا للجمع و اعلم ان تلك المثل قائمة بالمواد الدهرية الظاهرة في جميعها المتلبسة بكلها في آن واحد دهري و ذلك ان المواد الدهرية لسعتها و توحدها و نفوذها و قدسها عن التعينات تسع الصور العديدة في آن واحد كما ان جميع جزئيات هذا العالم من العرش الي الفرش من اول الزمان الي آخره كلها جسم و الجسم المطلق مهيمن علي الكل ظاهر بالكل في الكل في اوقاتها و امكنتها و لايأبي عن [ص 118] الظهور في الصور المختلفة وضعا و مكانا و زمانا بقي شيء و هو ان نفس زيد الجزئية هي جهة وحدة صورة خاصة و لها من العلوم و الكمالات بحسب ما اكتسبته و به تمتاز في ذاتها عن ساير النفوس و افعالها ايضا علي حسب مقدار تلك الصور و ما انطبع فيها و قارنها و النفس الكلية هي جهة وحدة الكل الظاهرة بالكل و افعالها هي ما تعلقت بالكل فهي العالمة بكل صورة و اما النفوس الجزئية فليست عالمة الا بصورها و ما قابلته و انطبع فيها في الدنيا و البرزخ من ساير الموجودات و ما حصل له في الدنيا في حواسه الباطنة من حق او باطل فافهم و اعلم ان تلك المرسومات فمنها ما يوافق هيأت المشية المحبوبة صلوات الله عليها فهو عليون و من الجنة و الي الجنة و منها ما يخالفها فهو سجين و من النار و الي النار فهي من حيث الاسفل علي ما تري في هذه الدنيا من التخطيطات لانها تحضر الموقف علي ما هي عليه و اما من حيث الاعلي مما يلي النفس و من حيث التجرد عن المواد يخالف تخطيطاتها و حدودها تخطيطات هذا العالم و حدوده كما تري ان اللبن في الرؤيا صفة العلم و الخس مثلا صفة علم الفقه و التمر صفة علم المحبة و الحكمة و الصفرة صفة المرض و امثال ذلك فالصور من حيث الاعلي علي صفة نعيم الجنة او مولمات النار نعوذ بالله لان الاعمال صور الثواب و العقاب كما روي و اما صورة زيد علي صفة نفسه علي ما اشرنا اليه و قد جاءت هذه الاشارات استطرادا .