فصل - اعلم انه قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا فكما ان هيهنا بسائط في عالم النفوس ايضا بسايط و كما ان هيهنا مواليد هنالك ايضا مواليد و كما ان المواليد هنا مختلفة في المادة و الصورة و الاعتدال و الانحراف هنالك ايضا مختلفة و كما ان هيهنا لاتتحقق في المولود الصورة الانسانية الا بعد كمال اعتداله و صفائه و جامعيته لمراتب العالم فان الصورة الانسانية هي مجموع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي تمثل التوحيد و النبوة و الولاية و الاعمال الصالحة و عبادة الله سبحانه و صفة مشية الله المحبوبة كذلك هناك لاتتحقق للنفس الناطقة الصورة الانسانية الا ان تكون معتدلة غاية الاعتدال مصفاة غاية الصفاء مستجمعة للمراتب و اعتدالها و صفائها بالاتصاف بصفات العقل و امتثال اوامره و نواهيه فان العقل وسط الكل فاذا تكون علي احسن تقويم و علي الصورة الانسانية و هي النفس الناطقة القدسية الانسانية اشبه الاشياء بالنفوس الملكية و مقرها العلوم الحقة الثابتة في الكرسي و كما ان هيهنا اذا لمتكن [ص 60] المواد معتدلة و مصفاة و مستجمعة للمراتب تنحرف صورها الي صور الحيوانات و روحها من فلك القمر كذلك هناك تكون النفوس غير المعتدلة غير المستجمعة للمراتب غير المصفاة منحرفة عن الصور الانسانية الي صور الحيوانات علي حسب اختلاف موادها و هي الحيوان الناطق و هي تكون علي صورة الانسان اذا كانت مطيعة للقدسية و ان كانت عاصية لها تكون علي حسب اختلاف موادها اما نابحا و اما صاهلا و اما ناعقا و اما زائرا او غير ذلك علي حسب ما يقتضيه طباعه و ذلك ان الحيوانية التي في عالم النفوس ليس في حد ذاتها لها فصل مستقر و هو تابع لاكتساباتها و اعمالها و انما اكتفي عن فصلها بفصل القدسية لانها هيأت لركوب القدسية فان ركبتها صورتها بصورتها كما تصور النار الدخان المشتعل فيها بصورتها و ان نزلت عنها فهي كدخان صالح لصور مختلفة فيعتريها الصور علي مقتضيات طبايعها و موادها كما و كيفا و القدسية لاتركبها الا اذا اعتدلت و لاتنزل عنها الا اذا انحرفت فان اعتدلت تصورت بصورة القدسية و ان انحرفت انحرفت علي حسب طبعها و انما تتصور هذه الحيوانية بالصور المنحرفة او المعتدلة بحسب الملكات الحاصلة لها و الاعمال و الاقوال و الاخلاق التي تداوم عليها حتي تصدر عنها من غير قصد جديد و اعلم ان الوجود المطلق المسمي من حيث تجليه بما دونه بالمشية هو من حيث الرب صورة الله و جسرنا علي هذه اللفظة لما روي ان الله خلق آدم علي صورته و صورته سبحانه صفته التي تجلي بها لا غير و صفته هي كماله الذي هو مقتضي واحديته فجميع علوم الله و اخلاقه و صفاته الكمالية و اسمائه الحسني و صفاته النعمي تخطيطات صورته و تلك الصورة صورة واحدية سرمدية امرية مقدسة عن جميع شوائب الكثرات ما لبست علي المادة السرمدية المتحدة معها و هي حقيقة الصورة الانسانية [ص 61] و مبدؤها و منتهاها فالوجود المطلق من حيث الحق هو الانسان المطلق و الآدم الاول و جميع ما سواه آثاره و اولاده و الاثر التام الكامل في اصل الفطرة و الايجاد يكون علي صورة مؤثره كما يكون نور الشمس علي صفتها و نور القمر علي صفته و نور الشعلة علي صفتها و كل شبح علي حسب ذيه فمادة الاثر تحكي مادة المؤثر و صورته تحكي صورته من حيث الصدور عن المؤثر و هو حيث وجوده و لكن بعد ما صدرت الآثار حدث لها من حيث انفسها قابليات و ماهيات و خصوصيات رتب ليست من المؤثر و لا اليه لانها علي خلاف كينونته ألاتشاهد هاتين الجهتين في الماء مثلا فانك مرة تنظر اليه و تري الجسم اي المتحيز القابل للابعاد فهذا حيث المؤثر فيه و وجوده فتسميه باسمه و يدل عليه و هو ظهوره به عرف الجسم نفسه و هو جسم محض لا غير و مرة تنظر اليه بانه ماء غير تراب له مادة غير مادة التراب و صورة غير صورة التراب و هذا الحيث منه ليس من الجسم و لا اليه و هو علي خلاف كينونته فلو كان هذا الحيث منه جسما لكان الجسم غير التراب و يفني بفناء الماء و الحال ان التراب جسم و الجسم المطلق ليس بغير التراب و ليس يفني الجسم بفنائه فالماء له وجود هو الجسم و ماهية هو المائية التي بها حدد و ميز عن التراب و هكذا لكل شيء وجود و ماهية فالآثار من حيث الوجود الذي هو حيث الصدور و حيث كونها شبحا للمؤثر تكون علي صفة المؤثر بل هي صفة المؤثر و تمثله و ظهوره و اما من حيث الماهية الذي هو حيث انفسها تكون علي خلاف المؤثر في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و عن الانجيل ظاهرك للفناء و باطنك انا و الماهيات تختلف في طاعة الوجود و المتابعة له و في الرقة و الغلظة و الصفاء و الكدورة و التوحد و التكثر فكل ماهية اطاعت الوجود حق [ص 62] الطاعة صفت و اعتدلت و استقامت فظهر فيها الوجود الذي هو شبح المؤثر علي حسب المؤثر كالمرآة الصافية المستقيمة العرية عن اللون و الشكل فانها تحكي شبح الانسان علي ما هو عليه انسانا مستقيما علي احسن تقويم و ان لمتطع الوجود و عملت بهواها و كانت غليظة كثيفة متكثرة انصبغ الشبح فيها علي حسبها كالمرآة المصبوغة المنحرفة لها منها لون و شكل فان بلغ لونها و شكلها مبلغا غير الصورة الانسانية تغييرا جزئيا يشينها و يقبحها و ان بلغ مبلغا اكثر يجعلها كصور الشياطين الجنية المشوهة و ان بلغ مبلغا اكثر يجعلها كصور الحيوانات كالمرآة التي صنعها الافرنج و تحكي صورة الانسان كخنزير او كلب و ان بلغ مبلغا اكثر يجعلها كصور النباتات و ان بلغ مبلغا اكثر يجعلها كجماد و انت لو تأملت في صور جميع ما هو غير الانسان الكامل لوجدت جميعها انحرافات صورة الانسان و اعوجاجاتها و جميع ذلك لانحراف القابلية و حيث الانية و الماهية و جميع هذه المنحرفات قائمة بذلك الشبح المطلق الواقع من شبح الانسان المطلق الاول كما ان جميع الاشباح المحرفة في المرايا باختلافها قائمة بشبحك المستقيم الملقي فيها من شبحك المتصل بك المستقيم فافهم ضرب الامثال و كم من آية في السماوات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون فاختلاف المواليد في الصور بحسب اختلاف مرايا قوابلها و تلك الصورة الانسانية ايضا تظهر في كل عالم بحسب مواد ذلك العالم فما كانت المواد رقيقة كانت تلك الصورة رقيقة و ما كانت غليظة كانت غليظة ففي كل عالم ظهرت بحسبه الي ان ظهرت في المواد الجامعة المعتدلة الجسمانية علي هذه الصورة المشهودة و كلما تصعد صاعدا و رقت المادة و نعمت نعمت الصورة و تشاكلت تخطيطاتها و اطرافها و حدودها و نهاياتها و كلما تنزل [ص 63] نازلا و غلظت المادة و خشنت خشنت الصورة و تباينت تخطيطاتها و اطرافها و حدودها و نهاياتها حتي جاءت علي ما تري بالجملة لذلك قلنا ان لعالم النفس الناطقة مواليد كما ان لهذا العالم مواليد و كما ان المولود المعتدل الجامع لمراتبه يكون علي هيئة الانسان يكون المولود المعتدل الجامع لمراتب عالم النفس علي هيئة الانسان لكن بحسب لطافة مواد ذلك العالم و ذلك المولود هو الذي حصل فيه حصة من الكرسي من حيث طاعته للعرش و من العرش بالفعل فان كان جامعا و لكن غير معتدل و صاف و فيه حصة من نفس عكس الكرسي و هو الصخرة كان ذلك المولود علي صورة ابليس الكلي الجامع و ذلك اذا لميكن حصة الكرسية تابعة لامر العقل فتكون مادتها من ظلمة مخالفة العقل و صورة عكس العقل الذي هو الجهل الاول الكلي و صورتها من علمها الباطل و عملها الطالح و هذه هي النفس الامارة و بنت الجهل و وزيره و النفس الاولي قدسية مادتها من تأييد العقل و صورتها من علمها الحق و عملها الصالح و هي بنت العقل و وزيره و هما نفسان ممتازتان لاتجتمعان بل تتعاقبان علي الابدان و هذه النفس الامارة صورتها مجمع صور الباطل و هي عكس صورة الانسان التي هي مجمع صور الحق و هذه النفس ادهي و امر و اشر من النفوس الشيطانية الجنية بسبعين مرة و رئيسهم و سيدهم و اميرهم و ما كان فيه غير جامع لها و كان فيه حصص عنصرية و حصص من افلاكها من حيث انفسها لا من حيث كونها تفصيل العرش و الكرسي فذلك المولود ينحرف صورته الي صور الشياطين الجنية و ذلك ان الافلاك ان كانت في طاعة العرش كانت سموات و ابواب الجنان و عليين و ان كانت في طاعة هواها كانت اراضي و ابواب النيران و سجين ألاتري انك بمشاعرك النفسانية الفلكية تقدر ان تطيع و تقدر ان تعصي فان اطاعت [ص 64] فهي حظاير الجنان فان الجنة الاصلية في الكرسي و سقف الجنة عرش الرحمن و ان عصت فهي ضحضاح النار فان النار الاصلية في عكس الكرسي و هو سجين و صخرة جهنم فان كانت هذه النفس من حصص فلكية و هي مطيعة منقادة للعقل و القدسية تكون علي صورة الانسان فان عصت يوما انقلبت الي صورة الشياطين حين تعصي فان تابت و عادت الي الطاعة عادت الي الانسانية ثم اذا صار ملكتها الطاعة تكون صورته الاصلية الصورة الانسانية و تتلبس بصورة الشياطين بالعرض و تزول عنها و اذا صار ملكتها العصيان تكون صورته الاصلية الشيطانية و قد تتصور بصورة الانسان بالعرض و ستزول عنها و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس الآية ، و ما كان غير جامع و كان فيه حصص عنصرية و حصة من جوزهر القمر فذلك المولود ينحرف صورته الي صور الحيوانات و صورته من ملكاته و طبايعه فان حصة جوزهر القمر غالبة التعلق بالطبايع العنصرية شديدة التكسب منها فيحصل لحيونته فصل من تكسباته اما نابحا او صاهلا او زائرا او غيرها و هذا الحيوان لرقة مادته سريع التقلب في الصور و لكن ان انقاد للناطقة القدسية تصور بصورة علمها و عملها النازلة اليه فيكون حيوانا علي صورة الانسان ما انقاد و اطاع فمهما عصي انقلب صورته الي هيئة تناسب عصيانه ثم قد يكون ملكته الطاعة فلو خلي و تطبعه عاد الي الانسانية و حيونته عرضية فما يقع في اللمم عرضا يصير علي صورة الحيوانات بالعرض و قد يكون ملكته العصيان فلو خلي و طبعه عاد الي الحيوانية و انسانيته بالعرض ما اطاع بالعرض ان هم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فلهم قلوب لايعقلون بها و لهم آذان لايسمعون بها و لهم اعين لايبصرون بها و ان لمتكن فيه حصة فلكية مطلقا و لميصر فيه شيء منها بالفعل و كانت حصصه [ص 65] الفعلية العناصر و حصل فيه صوافيها انحرف الي النباتية و صورته حينئذ علي حسب طبعه اللهم الا ان يعتدل و يكون مطيعا لظواهر اوامر العقل و القدسية فيكون علي صورة الانسان و لكن هذه الصورة باقية ما يطيع فان عصي انقلب علي حسب عصيانه و طبعه نباتا كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو و يتأصل ما هو بالملكة و يصير عرضيا ما هو باللمم و ان كان فيه حصة من العناصر و ليس صوافيها فيه بالفعل يصير علي صورة الجمادات علي حسب اجزائه كما و كيفا و ان اعتدلت الحصص فيه و كانت مطيعة يكون جمادا علي صورة الانسان و ان كانت عاصية فهي كالحجارة او اشد قسوة و هذه المواليد من حصص عالم النفس الحية فان الدار الآخرة لهي الحيوان و هي كلها ناطقة الا ان صورها تختلف كما ان مواليد هذا العالم كلها جماد و مع ذلك تختلف صورها باختلاف الحصص و الاعتدال و الانحراف و المطاوعة لمشية الله و مخالفتها و كما ان الانسان الجمادي في هذا العالم فيه جمادية و نباتية و حيوانية و انسانية و كلها علي صورة الانسان و في الحيوان الجمادي جمادية و نباتية و حيوانية و كلها علي صورة الحيوان و في النبات الجمادي جمادية و نباتية و كلتاهما علي صورة النباتية و الجماد الجمادي علي صورة الجمادات كذلك في عالم النفوس حرفا بحرف ففي الانسان جميع تلك النفوس موجودة و لذلك لما قال كميل اريد ان تعرفني نفسي قال عليه السلام اي النفس تريد ثم شرح النفوس فتدبر ثم اعلم ان هذه النفوس العاصية كلها امارة بالسوء الا ان الرئيس هو بنت الجهل و خادمها الشيطانية و مركبها الحيوانية و مرتعها النباتية و ارضها و بيتها و اصطبلها و مربطها الجمادية و للامارة درجات اذا توجهت الي الطاعة فان عرفت الاوامر و النواهي فهي ملهمة و ان عملت ببعضها و تركت بعضها فهي [ص 66] اللوامة تلوم علي الطاعة بطبعها و علي المعصية بتطبعها و ان ذلت و انقادت للكل فهي المطمئنة فان انست فاستحسنت الطاعة فهي راضية فان احسنت و بادرت فهي مرضية و ان صارت ملكتها و طبعها الثاني تدخل في عباد الله فتكون كما قال الله سبحانه فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين و مواليكم فتكون اخت العقل في الدين و ليست من ابيه و لا من امه و اما القدسية فهي بنته و جزؤه فان مادتها صورته و صورتها امتثال امره بالجملة اذا دخلت في جملة الموالي تدخل الجنة بسلام فتتنعم بنعيم صورة اعمالها الحسنة و امتثالها و طاعتها و مادته اوامر العقل الواصلة اليها بالتبع فان العقل لايكلف الا نفسه و هي القدسية و يحرض المؤمنين تبعا لنفسه و لقوامها و عيشها و الانسان الكوني الجامع لمجموع صور العالمين الذي هو انموذج الكل و العالم الصغير فيه حصة من عرش ذلك العالم و هي عقله و حصة من عكسه و هي جهله و حصة من كرسي ذلك العالم و هي نفسه القدسية و حصة من صخرة السجين و هي نفسه الامارة و حصة من افلاك ذلك العالم و هي جنيته المؤمنة و هي ظل القدسية و حصة من اراضي ذلك العالم و هي شيطنته و حصة من جوزهر قمر ذلك العالم و هي حيوانيته و حصة من ارض الموت و هي مسوخيته و حصة من صوافي عناصره الطيبة و هي ما له من ورق طوبي و حصة من صوافي عناصره الخبيثة و هي ما له من ورق الزقوم و حصة من ظواهر عناصره الطيبة و هي تربته و طينته الطيبة الحلوة و حصة من ظواهرها الخبيثة و هي طينته الخبيثة المرة فمن اطاع و غلب من هذه المراتب مراتبه النورية انقادت فيه الحصص الظلمانية و اسلمت و آمنت فكان الشخص انسانا مؤمنا و من غلب من هذه المراتب مراتبه الظلمانية فرت المراتب النورانية و لحقت باصولها لان اهل الحق [ص 67] لايرتدون و لايطيعون الباطل و لايعصون الله بطاعة المخلوق و هو معني ما روي لايزني الزاني و هو مؤمن يعني اذا قارف الزنا فارقه روح الايمان و بقي فيه روح الاسلام فاذا انزعج و تاب عاد اليه روح الايمان فحين يفارقه روح الايمان يلحق باصله و اما اذا اطاع يطيع باقي ارواحه روح ايمانه و تؤمن و تنقاد له و معني لحوقها باصولها و فرارها دقيق يحتاج الي رسم فصل مستقل .
فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق الانسان الكوني من مجموع حصص بسايط عالم النفوس اذا كان تاما كاملا يعني اذا كان الانسان كاملا يكون فيه من كل بسيط من عالم النفوس حصة بالفعل تكون منشأ آثار و افعال و قد يكون ناقصا و ليس فيه من كل واحد منها فيه حصة بالفعل و لكن تكون بالقوة كالبله و المجانين و المستضعفين و ذلك ان استكمال الحصص في الجملة شرط وقوع التكليف التام عليه و اخذه بالحدود و ارادة جميع ما جاء به النبي صلي الله عليه و آله التي متعلقها جميع الاطوار منه ففيه حصة من عرش عالم النفوس و منها قلبه و حصة من كرسي ذلك العالم و منها صدره و حصة من فلك زحل ذلك العالم و منها عاقلته و من مشتريه و منها عالمته و من مريخه و منها واهمته و من شمسه و منها وجوده و من زهرته و منها خياله و من عطارده و منها فكره و من قمره و منها حيوته و من صوافي عناصره و منها نباتيته و كبده و من ظواهرها و منها جماديته و اخلاطه و ساير بدنه و لكل واحدة من هذه الحصص وجود اي جهة الي ربها به تعرف لها و هو ما تري فيها من الوجود الحق و ماهية و هي حيث هي هي ذات مادة و صورة تمتاز بها عن غيرها و لكل منهما مقتضيات و وجودها مثال العالي الملقي في هويتها المصبوغ بصبغها المتخصص بذلك الصبغ بها و ماهيتها هي حيث نفسها و هما في انفسهما متضادتان في الآثار و الصفات و المقتضيات [ص 68] و لكن لايضاد احديهما مطلق العالي الطاوي لهما بل هما في الدلالة عليه علي السواء نعم هما في انفسهما متضادتان في النور و الظلمة و الخير و الشر و الكمال و النقص و العلو و السفل و السعادة و الشقاوة و الحسن و القبح و غيرها و هما في مقامهما مشيتان لله جل و عز محبوبة و مبغوضة و كل واحدة من هذه الحصص لا حراك لها الا بمحرك اعلي و هو العقل الكلي الذي من ورائها او الجهل الكلي و ذلك ان عالم النفوس كما عرفت سابقا صورة للعقل الكوني الكلي الذي فوقها و العقل الكوني ايضا في عالمه له وجود و ماهية فوجوده جهته الي ربه التي بها تعرف له و هي ما يري فيه من الوجود الحق و ماهيته هي حيث هو هو في مادته و صورته و هو من حيث الماهية جهل كوني كلي و جميع الوجودات الدانية مثل وجوده و جميع الماهيات الدانية مثل ماهيته و هو من حيث الرب عقل و من حيث النفس جهل فان كانت تلك الحصص النفسية متوجهة مستمدة من جهة وجودها بامتثالها اوامر العقل و طاعتها له يقع في مرآة مادتها و صورتها مثال العقل و النفس الكلية الالهية و ذلك المثال مستجن فيها و يستخرج بترقيق حجبها بالطاعة و العمل بطبع ذلك المثال و التهيؤ بهيئته فيشتعل ذلك المثال فيها و يحييها و يحركها و ذلك المثال هو الوجود و المادة و الصورة هي الماهية فذلك المثال هو جهتهما الي ربهما الظاهر لهما بالعدل بذلك المثال و ان كانت معرضة عن العقل مستمدة من جهة ماهيتها اي من حيث هي هي بمادتها و صورتها باعراضها عن الوجود الطاوي لهما و مخالفتها للعقل و عصيانها غلظت و كثفت فحجبت ذلك المثال فستر عنها وجهه و لميجر عليها احكامه فبقيت دخانا باردا غير مشتعل بنار المثال و لكن يشتعل فيها حينئذ مثال الجهل الكلي الطاوي لهما من حيث انفسهما و ذلك الجهل الكلي هو وجه الماهية الكلية [ص 69] التي في العالم كما ان العقل الكلي هو وجه الوجود الكلي الذي في العالم و ان شئت ان تريهما بعينك لارينك مثالهما في هذا العالم فانت لو نظرت الي اي واحد من هذه الاجسام التي في هذا العالم من حيث الجسمية لوجدته متحيزا قابلا للابعاد فهذا الحيث هو حيث وجود كل واحد منها و الجسم طاو للجميع و ان نظرت الي كل واحد من حيث مادته و صورته اللتين بهما يكون غير غيره فهو ماهيته و حيث هو هو و كذلك اذا نظرت الي اي شيء في هذا العالم من حيث انه وجود فتراه كائنا ثابتا فهذا حيث وجوده و حيثه الي ربه و ان نظرت اليه من حيث مادته و صورته اللتين بهما غير غيره فذلك حيث ستره ربه و حيث انيته و ماهيته و حيث هو هو فوجود كل دان حيث اثريته للعالي و حكايته له و ماهيته حيث هو هو و ستره للعالي فالمدرك للمعاني الكلية ان كان مطيعا لامر الله سبحانه متصفا بصفات مشيته المحبوبة اي عاملا علي حسب وجوده علي ما عرفت فهو عقل يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان و ان كان عاملا بمقتضي ماهيته الساترة للرب و جهة الوجود فهو الجهل و اعلم ان كليات هذه العوالم التي سميناها قبل كونية و هي فوق عليين و سجين و الجنة و النار و السعادة و الشقاوة فان هذه الامور في عرصة الصفات المتممة و التمثلات و الصفات فالجسم من حيث انه جسم ليس بعلوي و لا سفلي و لا سماوي و لا ارضي و انما هما في ظهوراته و كذلك حال ساير الكليات فالكلي الذي سميناه بالعقل الكلي اي اول صادر عن المشية و عرصة المعاني الكلية فانما هو عقل كوني و انما يكون عقلا شرعيا يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان في محمد و آلمحمد عليهم السلام العاملين علي حسب محبة الله و اما في اعدائهم فيكون جهلا كليا يعصي به الرحمن و يكتسب به النيران و كذلك الفؤاد الكلي هو محبة الله و معرفته في محمد و آلمحمد عليهم السلام [ص 70] و اما في عدوهم فهو عداوة الله و انكاره بل و كذلك مشية الله المحبوبة هي المشية المتعلقة بمحمد و آلمحمد عليهم السلام و اما المتعلقة باعدائهم هي المشية المبغوضة الخذلانية فالكليات من حيث انفسها كونية ليس فيها سعادة و لا شقاوة و انما تكون سعيدة و شقية في الاشخاص و لذلك كان الناس مع فعلية المراتب فيهم امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين فعند ذلك اختلفوا فمنهم من آمن و صار من اهل العقل و النفس الناطقة القدسية و السعادة و الجنة و منهم من كفر و صار من اهل الجهل و النفس الامارة و الشقاوة و النار فاذا الحصة العرشية التي في الانسان قلبه فان كانت مطيعة يشتعل فيها نار مثال العقل الكلي الشرعي فتحيي بها و ان كانت عاصية يشتعل فيها نار مثال الجهل الكلي الشرعي فتحيي بها فذلك المثال المصبوغ بصبغه عقله او جهله الخاص به و كذلك الحصة الكرسية فيه التي هي صدره ان اطاعت اشتعل فيها مثال النفس الكلية الالهية و الا فمثال النفس الامارة الكلية الشيطانية الانسانية الكونية و ذلك المثال المخصوص هو نفسه الخاصة به فاما ناطقة قدسية او امارة بالسوء و هكذا في كل مرتبة من مراتبه فتبين ان الناطقة القدسية في الانسان غير الامارة و ان كان مظهرهما واحدا فان عمل الانسان بمقتضي الناطقة القدسية يكون انسانا شرعيا و هي روح ايمانه و ان عمل بمقتضي نفسه الامارة يكون شيطانا انسيا و هي روح كفره و كذا الحصص الفلكية التي فيه فان عمل الانسان بمقتضي عقله يكون المثل الملقاة فيها نفسه الجنية المؤمنة و ان عمل بمقتضي جهله تكون نفسه الجنية الشيطانية الامارة بالسوء و هذه النفس فما دونها طبعها الظلم و الغشم و الفساد لو لميسخرها نفس انسانية لبعدها عن المبدء فان حدث في الانسان روح الايمان و عمل بمقتضاه صار انسانا و سخر ساير النفوس الامارة بالسوء فتطيع الي [ص 71] ان تسير في مراتبها التي ذكرت و ذلك ان النفس الامارة كانت متمكنة فيه قبل مجيء العقل و روح الايمان فكلما عمل الانسان بمقتضي العقل ضعفت النفس الامارة الي ان لمتقدر علي التمرد فاسلمت الي ان اطمئنت تحت طاعة العقل و تصورت بصورة طاعته و امتثاله فصارت اخته و ان عمل بمقتضي النفس الامارة و الجهل فيكون شيطانا انسيا و ان تكرر عنه ذلك الي ان لمير العقل لنفسه محلا رفع العقل الكلي عنايته عنه و لحق مثاله به فذلك حين يفارقه روح الايمان و يتصور محله و مظهره و هو النفس الناطقة الشيطانية التي له بصورة النفس الامارة و الظاهر فيها هو الجهل و النفس الامارة الكلية له و هكذا الامر في كل مرتبة من مراتبه و مثال ذلك ان دماغ الانسان اذا كان معتدلا صافيا يكون متوجها الي العقل الكلي فيقع مثاله فيه و كلما يزيده اعتدالا و صفاء يزداد ظهوره فيه و ان كدر الدماغ و سدت الرطوبات و الابخرة مجاريه حالت بين البدن و بين العقل فرفع العقل عنايته عنه و ذهب مثاله اليه و لحق به و بقي الدماغ ظلمانيا من نور العقل و جن الانسان فاجرت الحيوانية اراداتها في بدنه علي خلاف الاعتدال و علي حسب طبعها فيكون كالبهائم او السباع او الطيور او غيرها فاذا رد الي الاعتدال و الصفا توجه العقل ثانيا اليه و القي فيه مثاله فحمل الحيوانية و النباتية علي الاعتدال الانساني و صار عقالا لهما فالمولود الكامل التام في عالم النفوس له كما ذكرنا جمادية و نباتية و حيوانية و جنية و انسانية كونية و كل واحدة منها بكونيتها صالحة للسعادة و الشقاوة فان كانت معتدلة و صافية متوجهة الي العقل ظهر عليها مثاله و جري منها افعاله و ان كانت منحرفة كدرة متوجهة الي الجهل ظهر عليها مثاله و جري منها افعاله و ذلك المثال هو حقيقة جهة كل مرتبة الي مبدء الخير و مبدء الشر و مبدؤ الخير هو قاعدة الوجود [ص 72] الكلي و مبدؤ الشر قاعدة الماهية الكلية و قاعدة الوجود في غاية القرب و الحكاية و قاعدة الشر في غاية البعد و الحجب و هما منطبقتان في الخارج ليس بينهما بون حسي كما مثلنا لك في هذا الفصل و اعلم ان المتبادر المعروف في الاخبار من اطلاق لفظ العقل و العرش و الكرسي ما كان منها علي حسب رضاء الله جل جلاله فلايقال ان العقل عصي و لا في العرش و الكرسي مخالف لرضاء الله جل جلاله فالحصة العرشية و الكرسية و العقل و مثاله كلها من النور و الخير و كلها من متعلقات الانسان و لاتوجد في غيرها و نحن اذا ذكرنا فيها الوجهين قيدناها بالكونية لتعلم المراد ففي الحقيقة العقل لايعصي و انما يعصي الجهل و الحصة العرشية لاتعصي و انما تعصي الحصة التي من الحوت و الحصة الكرسية لاتعصي و انما تعصي الحصة التي من الصخرة و الثور فلاتغفل بعد ذلك اذا عرفت و لذلك كان يقال ان النفس التي من الكرسي لاتكون الا قدسية انسانية و النفس التي من حصص الافلاك ان كانت عاصية فانما هي تكون امارة و تسير في مراتبها الي ان تدخل في عباد الله فالامارة و ان كانت من عكس الكرسي الا ان افعالها تظهر في النفوس الفلكية فافهم و اعلم ان الذي قلنا ان الناطقة القدسية اذا غلبت تسخر الامارة و تسبيها و الامارة اذا غلبت تفر القدسية و تلحق بمبدئها تعبد الله فمرادنا ان الانسان ما اصابه من حسنة فمن الله و ما اصابه من سيئة فمن نفسه فهي هي لاتفارق نفسها ابدا فمبدؤ الشر عنده دائما و هي نفسه و اما مبدؤ الخير فهو العالي ليس منه و لا اليه كما ان الجدار مبدؤ الظل منه و اليه لايفارقه و مبدؤ النور الذي عليه الشمس فاذا استولي عليه الشمس نورته و تسخره للنور فيستنير و ينير ما يقابله بالعرض و اذا اعرض الجدار عنها رفعت عنايتها عنه فلميكن [ص 73] له نور من ذات نفسه و لايقدر الجدار علي احالة نور الشمس ظلمة و كذلك المدرك للمعاني الكلية المسمي بالعقل الكوني الذي عليه مدار التكليف له جهتان جهة نسبة الي مشية الله و محبته و جهة هو هو فان غلب عليه جهة الرب لايعدم جهة نفسه و انما ترققها و تلطفها و تعدلها و ان غلب عليه جهة النفس يرفع العالي عنايته الشرعية عنه و يبقي باقيا بالعناية الكونية و هو المحل الذي يتصور بصورة المعصية و يتبع جهة النفس فافهم .
فصل - اريد ان اذكر هنا سر التنعم و التألم فانه مسئلة مشكلة يتحير فيها الالباب اعلم ان احب الاشياء الي الشيء وجوده و ابغض الاشياء الي الشيء فناؤه و عدمه و الشيء يتقوي بشكله و يتضعف بضده فاذا ورد علي الانسان ما يشاكله يقوي وجوده و يتقوي به كما يقوي النار النار و اذا ورد علي الانسان ما يضاده يضعف وجوده و يتضعف به حتي اذا غلب الضد يفنيه و يعدمه كما يضعف الماء النار شيئا بعد شيء الي ان يطفيها و يعدمها و ذلك بين واضح و ان الله سبحانه خلق الانسان من وجود و ماهية فوجوده جهة خيره و نوره و وحدته و ثباته و دوامه و ماهيته جهة شره و ظلمته و كثرته و تزعزعه و فنائه و ذلك ان الازلية و الغناء و الاستيلاء و القوة و القدرة و البهاء كلها لله الاحد جل جلاله فالانسان من حيث الحكاية لله و من حيث انه ظهوره يكون له كل خير و من حيث نفسه هو عادم جميع ذلك لانه ضد تلك الجهة من كل جهة و كل من هاتين الجهتين تحتاج الي المدد و تتقوي بالمدد المشاكل البتة و تضعف بالمنافر فاذا عمل الانسان بمقتضي وجوده يكون عمله اقدام سلوكه الي الله سبحانه و تقربه اليه و لسان سؤاله ما يناسب الوجود فيمده الله الوهاب بما هو مشاكل وجوده و لما كان و لايمكن للماهية التفرد عن الوجود و الانفصال عنه تعاون الوجود في عمله و تشايعه علي خلاف طبعها فتستمد هي ايضا بالعرض من جنس مدد [ص 74] الوجود فلما كان المدد مشاكلا للوجود يتقوي و يرد عليه ما يحبه فيستر به و يتنعم و يتلذذ بكل مدد وارد و اما الماهية و ان كانت تتألم في الاوائل للمنافرة و يشق عليها السير الي مبدء الوجود الا انها كلما تشايع الوجود بقهره اياها تستأنس الي ان تتلذذ و تعود الي الفطرة الاولية التي فطر الخلق عليها و تترك الفطرة المغيرة التي يدل عليها قوله لآمرنهم فليغيرن خلق الله و لا تبديل لخلق الله و ذلك ان كلما دخل عرصة الاكوان هو تمثل الوجود المطلق و ظهوره و آية الحق قال الحسين عليه السلام أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك الدعاء ، فالوجود و الماهية في الدلالة عليه سبحانه واحد و كلاهما مخلوقان علي فطرة التوحيد و ان الماهية تضاد الوجود لا امر الله جل و علا كل شيء سواك قائم بامرك الذي خلق الليل و النهار و جعل الظلمات و النور فالماهية ما دامت منهمكة في المضادة مع الوجود تتألم من جنس مدده فاذا استأنست و ذكرت فطرتها الاولية تلذذت بما يشاكل الوجود البتة فلاجل ذلك تصير راضية ثم مرضية ثم تدخل في عباد الله و الجنة و يتبدل سوادها و ظلمتها بالزبرجدي الشفاف و تتلألأ و تشرق نيرة و تدخل في جملة الانوار ألمتسمع ان الركن الثالث من اركان العرش نور اخضر منه اخضرت كل خضرة فالماهية عند انهماكها في مضادة الوجود سوداء مظلمة حالكة كالليل الدامس حاجبة لما ورائها من سر التوحيد و نور التفريد و لكن اذا عملت بمقتضي الوجود يتغير لونها حتي تصير زرقاء كدرة ثم زرقاء صافية ثم تخضر خضرة غليظة حاجبة ثم تترقق و تتلطف شيئا بعد شيء حتي تصير زبرجدية شافة لما ورائها فيشتعل فيها نور التفريد فتصير من ادلة التوحيد كما يشتعل الدخان الاسود الكدر بالنار بعد تربيه شيئا بعد شيء و اتصافه بصفة النار و ان كان في الاول مضادا لطبع النار فهذه الحالة المشتعلة الزبرجدية هي الفطرة الاولية لها التي خلقت عليها [ص 75] اذ جميع ما سوي الله سبحانه اثر مشيته و الاثر يحكي مؤثره و يطابق صفته فلاجل ذلك يتنعم الماهية ايضا اخيرا و ان كانت تتألم اولا و لذلك كانت تصعب عليها الطاعة و تكون كلفة لها و كلفت بها حفت الجنة بالمكاره و حفت النار بالشهوات و ذلك في اول الامر و ان اولياء الله يتلذذون بمناجاة الله و ذكره كما يتلذذ ساير الناس بالمعاصي و يتألمون من المعاصي كما يتألم ساير الناس من الطاعة فاهل الجنة لهم وجودهم و ماهيتهم و مع ذلك يتنعمون بنعيمها و ملاقاة الله كما يتنعمون في الدنيا بعبادة الله و طاعته فما لميستحل الانسان الطاعة و يتلذذ منها في الدنيا لمتدخل نفسه في جملة عباد الله و جنته و اما اذا عمل الانسان بمقتضي ماهيته من حيث مضادتها للوجود شايعها الوجود اذ لميقدر علي التفرد عنها فمشت باقدام اعمالها الي مقام البعد عن المبدء و الظلمة و الكثرة و استمد وجوده ايضا بالعرض مما يشاكلها فيتألم الوجود بورود غير المجانس غاية التألم و اما الماهية و ان كانت تتلذذ بورود تلك الامداد ما لمتذكر فطرتها الاولية في الدنيا فتكون الدنيا سجن المؤمن اي الوجود و جنة الكافر الا انها اذا زالت عنها اعراض الدنيا و صفت في الجملة و ظهر فيها بدايات الخلق الاول تألمت من واردات الامداد المنافية للوجود و فطرتها الاولية و تدعو اللهم اخر لنا القيمة فاذا قامت القيمة و صفت من اعراض البرزخ ايضا ذكت حواسها و عادت الي الفطرة الاولية التي طباعها الطاعة و التلذذ بها و لزمها ما اكتسبت من الامداد المنافية لها فيتألم اهل النار بوجوداتهم و ماهياتهم و اعلم ان الله سبحانه يقول ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و محال ان يخلقهم للعبادة ثم يجعل كيانهم و طباعهم منافيا للعبادة كيف و قد خلق الكل بمشيته و جعل موادهم تمثل مادة المشية و صورهم تمثل صورة المشية ألاتري ان العرش مثلا جسم [ص 76] بمادته و صورته و الفرش جسم بمادته و صورته موادهما تمثل مادة الجسم و صورهما تمثل صورة الجسم فلاينافيان الجسم لا بمادتهما و لا بصورتهما فاذا كلفا بالعمل بمقتضي الجسم كان ذلك طباعهما فاما اذا انهمك الفرش في فرشيته المضادة للعرش و عمل بمقتضاها كان ذلك من تبديله الفطرة الاولية و كذلك حال كل شيء في الوجود و الماهية فانهما تمثلا الوجود المطلق وجوده اي مادته تمثل مادة الوجود المطلق و صورته تمثل صورته فهو متمكن من العمل بمقتضي الوجود المطلق المطابق لمحبة الله اذ هو عالم احببت ان اعرف و لميكلف الخلق الا بالعمل بمقتضي محبة الله فلما اعرضوا و نظروا الي انفسهم و عملوا بمقتضي تضاد بعضها مع بعض و انهمكوا في روية بعضهم لبعض و نسوا الله جل جلاله خالقهم و باريهم جاءت المعاصي و اما الوجود لبقائه علي الفطرة كان طباعه العمل بمقتضي المشية لو خلي و طبعه و اما الماهية لانهماكها في التضاد صار طباعها المغيرة المعاصي فتتلذذ بالعرض في الدنيا ما دام لمتذك حواسها و لمتذكر فطرتها الاولية فالدنيا جنة الكافر لغفلته و انهماكه فيها فاذا زال عنها الاعراض ذكت مشاعرها و ذكرت فطرتها الاولية و لكنها مسجونة في مكتسباتها التي احاطت بها فتتألم اشد التألم هذا و قد تبعها وجودها و غلظ فيها و لها ميول متشاكسة و اهواء مختلفة و دواع متشتتة و تتجاذبها تلك الميول و الاهواء و الدواعي و تقطعها اربا اربا و يتقطع معها الوجود لما غلظ فيه فيتألم و يتألم بالتفرق و التقطع المضاد للاتصال و التوحد فيتأذي دائما بتلك الاسباب فافهم راشدا موفقا جعلنا الله و اياكم من المخلصين في التوحيد و العاملين بمقتضي التفريد و لميكلف الله سبحانه الا بالتوحيد و مقتضياته و شؤنه في كل باب و جميع الشرايع امر بالتوحيد في كل مرتبة بحسبها و في كل شيء بحسبه و ماامروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [ص 77] من قال لا اله الا الله مخلصا وجبت له الجنة و اما صفة النعيم و العذاب الاليم فاعلم ان الله سبحانه هو القديم القائم بنفسه الغني عما سواه الاحدي المقدس عن القوة و الاستعداد و الصلوح المتذوت بالفعل الذي لايتغير و لايتبدل و جميع ما سواه مخلوق له فقير اليه قائم به موجود له ممكن ان اوجده الله جل و عز يكون و ان لميوجده لايكون يحتاج في وجوده الي ترجيح الله وجوده علي عدمه و فعليته علي قوته و يمكن فيه التغير و التبدل علي حسب ترجيح المرجح فاول ما احدث خلقه الوجود المطلق فهو مساوق مع الامكان لايتقدم احدهما علي صاحبه خلقه به و هو قائم بامره و هو امره و قد وجد بترجيح الله وجوده و هو ترجيح الله فاذا قد خرج جميع ما في امكانه الي كونه فوجوده حاد امكانه و امكانه حاد وجوده اي لميبق في امكانه قوة لمتخرج الي الوجود و لميوجد ما ليس في امكانه و لما كان هو ترجيح الله لما في امكانه و هو لايفقد نفسه هو نفسه و نفسه هو كان موجودا سرمديا فهو وقت بين القدم و الحدث و هو امر الله و هو خلقه و هو مشيته المخلوقة بنفسها فهو مشية مشاؤها نفسها لا غير ثم خلق بهذه المشية اي بظهورها الوجود الكلي المقيد و الوجود الكلي المقيد هو ظهوره فالوجود المقيد ايضا مخلوق بنفسه اذ نفسه ظهور الوجود المطلق فللوجود المقيد حيث فعلية هي تمثل حيث فعلية الوجود المطلق و حيث مفعولية هو تمثل حيث مفعولية المطلق و ذلك ان الوجود المقيد بحيثيه بكله تمثل الوجود المطلق لا وجود له في الخارج اي لا ظهور الا فيه و به كما لا تمثل للجسم المطلق الا في البسايط و هذان الحيثان في الوجود المطلق بسيطان متحدان و في الوجود المقيد مركبان ممتازان و ان لميوجد احدهما بدون الاخر الا ان النفس تقدر علي التوجه الي احدهما بدون الاخر و هذا الوجود المقيد الكلي امر الله المفعولي و هو [ص 78] خلق الله القائم بامره و هو امره و قائم بالوجود المطلق اي بظهوره و هو ظهوره فحيثه الفعلي فؤاده و عقله و روحه و نفسه و حيثه المفعولي طبعه و مادته و مثاله و جسمه و هذه المراتب الثمانية كلها دهرية كما ان الوجود المطلق سرمدي و كلها كليات كما ان الوجود المطلق معري عن الكلية و الجزئية و هذه الكليات من امكان مقيد و لمتخرج من المطلق اذا الامكان المطلق لايصلح الا للوجود المطلق فالامكانات المقيدة شبح منفصل عن الوجود المطلق اي عن صورته لا مادته التي هي الامكان المطلق اي بعد ما خرج من كمون الامكان المطلق فعلية الوجود المطلق و صورته كانت تلك الصورة صالحة للتجلي بالامكان المقيد فلما حدث الامكان المقيد خرج من كمونه الوجودات المقيدة ثم لما خلق الله ذلك الوجود الكلي المقيد احدث به التمثلات الجزئية اي بظهوره الذي هو نفس تلك التمثلات فخلقها الله جل و عز بامره و هي امره و خلقها بالوجود المطلق الذي هو الامر الاول اي بظهور ظهوره و خلقها بذلك الوجود الكلي اي بظهوره و هي ظهوره فهي في عرصتها مخلوقة بنفسها لها حيثان ممتازان في الخارج فحيث فعليتها و امريتها السموات و حيث مفعوليتها و مخلوقيتها الارضون و هما تمثلا حيثي الوجود الكلي الدهري كما هو تمثل الوجود المطلق بحيثيه و لا وجود للكلي اي لا ظهور في الخارج الا فيها فخلق الله سبحانه بحيث فعليتها من امكان عناصرها المواليد و هي مخلوقات الله سبحانه بين ذلك الفعل و ذلك الامكان فالمولود هنا آية الوجود الكلي المقيد و هو آية الوجود المطلق فالوجود المطلق ايضا مولود حدث من عمل سماوات السرمد في ارض امكانه فاخرج منه الولد الذي هو الوجود المطلق الا انها هناك كلها مساوقة حادة بعضها لبعض و كذلك لما دارت السموات الدهرية التي هي حيث الفعلية و هي الفؤاد الي [ص 79] النفس علي ارض الامكان الدهري التي هي الطبيعة فما دونها خرج من بينهما ولد الموجود الكلي الدهري و هي ايضا مساوقة دهرا حادة دهرا و لما خلق الله التمثلات دارت السموات التي هي حيث الفعلية علي الارضين التي هي حيث المفعولية فخرجت المواليد علي حسب اختلافها و آية الوجود المطلق و الوجود الكلي و تمثلهما هو الانسان الجامع فهو مشية الله الظاهرة و العقل الكلي الظاهر و الروح و النفس الكلية و هكذا ساير المراتب الظاهرة في عرصة التمثلات و باقي المواليد وجودات ناقصة لمتطاوع تمام امر الآمر و لسنا بصدد بيان هذه الامور هنا و انما تجري استطرادا بالجملة هذه الموجودات الكونية علي ما سمعت كلها مخلوقة لله سبحانه خلقها بمشيته علي تفصيل سمعت و يعبر عن المشية بالامر و بكلمة كن فالله الآمر جل جلاله يخاطب القوة الكامنة في الامكان بقوله كن فيرجح بهذه الكلمة وجود تلك القوة علي عدمها فيقويها حتي يخرجها الي الفعلية و هي لولا كلمة كن لمتوجد ابدا لانه لا رجحان لها من حيث نفسها و كلمة كن موجودة كاملة في الوجود لها قوة تكميل تلك القوة و ترجيح وجودها علي عدمها فلما اشرق كلمة كن علي ارض ذلك الامكان غاص نورها في اعماقها حتي نبه رواقد قواها و احيي مواتها و قوي ضعيفها حتي اقامها و اخرجها الي عرصة الفعلية فعلي ذلك يختلف كلمة كن بحسب اختلاف ما ينبغي ان يوجد فكن لزيد غير كن لعمرو و هي غير كن لبكر و هكذا فان كل مكمل يكمل علي حسب ما هو كامل فيه ظاهر به فالكلمة الباردة تخرج الباردة و الحارة الحارة و الرطبة الرطبة و اليابسة اليابسة و هكذا فلله سبحانه لكل مخلوق امر موجود كامل بالغ في صفة ذلك المخلوق كما انك تكتب الالف بحركة غير الحركة التي تكتب بها الباء و هكذا فالحركة التي للالف كاملة بالغة [ص 80] في الالفية بها تخرج الالفية من المداد و الحركة التي للباء كاملة بالغة في البائية بها تخرج الباء من المداد فالفعل لايكون الا الكامل في الوجود حتي يقدر علي ترجيح ما في قوة الامكان و تكميل ناقصه و الا لايكون فعلا و لما كان الوجود المطلق هو الكامل في الوجود صار فعلا مطلقا يتشعب منه جميع الافعال و هو الكن المطلقة و جميع ما هو غيرها شؤنها و ظهوراتها و كل شأن و ظهور كامل في الوجود الخاص يمكن ان يكمل به قوة مشاكلة له فالكاينات موجودة بقوله سبحانه كن و بقبول تلك القوة الامكانية فتحدث جميعها بين ذلك الفعل و ذلك القبول و لها مادة و صورة مادتها من شعاع ذلك الفعل المتعلق بها و صورتها من قبول تلك القوة و قبول ارض الامكان و تلك المادة هي مثال ذلك الفعل الملقي في مرآة قابلية ذلك الامكان او هي كنطفة الرجل الملقاة في رحم المرأة و صورتها من نطفة امها و تمثل ذلك ان الوضع المخصوص الفلكي هو كلمة كن الكاملة في صفتها يقع فضل كمالها و نورها علي الارض فيقوي ما يشاكله من قويها و يقويه و يخرجه الي الفعلية فيكون الولد بين هذا الفعل و هذا القبول مادته من ذلك النور و صورته من استعداد الارض و قبولها و ذلك النور الذي سميناه المادة هو مثال ذلك الوضع الملقي في هوية تلك القوة و هو جهتها الي ربها و هي من حيث هي جهة نفسها فذلك المثال هو الوجود و تلك الهوية هي الماهية و الولد مركب من هذا الوجود علي حسب تلك الماهية و هما يدان للفاعل ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي فلما خلق الله هذا الشخص المولود صار هو امكانا لامور يمكن ان تظهر منه مع بقائه علي ما هو عليه من الحركات و السكنات من قيام او قعود او اكل او شرب او عطاء او منع و من الاخلاق و الصفات و العلوم و العقايد و الاعمال و غيرها و كلها فيه [ص 81] مستجن استجنان الاشياء في الامكان كما كان كونه من امكانات امكانه السابق فما يمكن ظهوره منه ايضا معدوم و بالقوة لايخرج من العدم الي الوجود الا بمرجحات هي اوامر الله سبحانه و هي افعال الله الكاملة في ذلك الوصف فيحتاج حينئذ في خروج تلك الاوصاف عنه الي مشيات لله سبحانه يكون لها انوار و مثل تقع علي ارض قابلية امكانه فتقوي ضعاف قواه و تحيي موات ما هو مستجن مقبور فيه و تنبه رواقد ما فيه من القوي و لولا تلك المشيات لميظهر شيء من تلك القوي الي الفعلية ابدا ابدا كما لميخرج كينونته من امكانه بنفسها و تلك المشيات كلمات كونية كل كلمة منها كاملة في صفة خاصة ظاهرة بها ضرورة اختلاف تلك الكلمات في تعددها و قد جعلها الله مختلفة في صفاتها ليخرج بكل كلمة مستجنا من تلك المستجنات في امكان المواليد فابتلي بعضها ببعض و جعل كمال كل واحد يده في اخراج ما في الآخر بالقوة فبتلك الكلمات التي هي اوامره و هي كلمة كن منه اخرج من ارض قابلية كل مولود ما استجن فيها فيسطع من كل كلمة نور هو مثاله و يقع علي ارض قابلية المولود و يخالطها و يغوص فيها فينبه ما فيها راقد من جنسه ألاتري ان الانسان يتقوي شجاعته بمقارنة الشجعان و جبنه بمعاشرة الجبان و علمه بمساورة العلماء و فسقه بمجالسة الفساق و هكذا و بذلك يكون المرء علي دين خليله و من يتولهم منكم فانه منهم و لاتركنوا الي الذين ظلموا فتمسكم النار و جميع هذه الكلمات هي اوامر الله التشريعية اذ نحن نسمي هذه المواليد الوصفية بعرصة التشريع كما نسمي ذوات تلك المواليد بالعرصة الكونية و عرصة التكوين فالتكوين يوجد بالاوامر الكونية و التشريع يوجد بالاوامر الشرعية فالصفات الفعلية الكاملة المكملة كلمات كن في التشريع كما ان الذوات الفعلية الكاملة المكملة كلمات في [ص 82] التكوين و كما ان المكونات حدثت باشراق كلمات كونية و قبول الامكان تحدث الشرعيات ايضا باشراق كلمات شرعية و الكلمات الشرعية هي الصفات الكاملة في الاكوان و كما انه لولا الكلمات الكونية لميحدث مكون ابدا لولا الكلمات الشرعية لايحدث شرع ابدا فالصفات الكاملة علي قسمين منها صفات تطابق رضاء الله و محبته و تطابق غرض الله من الايجاد و هي صفات اكوان عملت بوجوداتها و جهاتها الي ربها فهي علي وفق مقتضي التوحيد و ظهور التفريد فهي مشية الله المحبوبة و مما امر الله به و منها صفات تخالف رضاء الله و محبته و غرض الله من الايجاد و هي صفات اكوان عملت بماهياتها و جهاتها الي انفسها فهي علي وفق التكثر و مخالفة لظهور التوحيد فهي مشية الله المبغوضة و هذا الحب و البغض في عرصة التشريع و الا ففي التكوين هي كلها كمالات كونية توافق مشية الله الكونية فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة ، سجد له سواد الليل و بياض النهار ، و ان من شيء الا يسبح بحمده ، كل قد علم صلوته و تسبيحه ، و الله جل و عز اجل من ان يكون في ملكه عاص متمرد عن امره هذا و جميع ما يري و ما لايري ظهوره ليس لغيره من الظهور ما ليس له لايري فيها نور الا نوره و لايسمع فيها صوت الا صوته و لكن في عرصة التشريع صفات هي من مقتضيات الوجودات و صفات هي من مقتضيات الماهيات فالصفات الاولي محبوبة مرغوب فيها و الثانية صفات مبغوضة علي ان الوجودات دائمة ثابتة مؤتلفة و متحدة قاهرة غالبة نافذة و الماهيات زائلة فانية متفرقة متكثرة مقهورة مغلوبة جامدة فالوجودات محبوبات هذه الرتبة و الماهيات مبغوضات هذه الرتبة علي ما عرفت في التنعم و التألم آنفا فلما خلق الله الاكوان و جعلها امكان ما كلفها به و لميمكن خروج [ص 83] قوة وصفية تشريعية منها الا بكلمات فعلية وصفية شرعية خلق لاخراج تلك القوي تلك الكلمات التي هي اوامره التشريعية محبوبة او مبغوضة و اخرج بها تلك القوي و هي مقادير الله التي هي في اعمال العباد التي هي القبولات كالروح في الجسد فلولا روح القدر لميكن لجسد القبول حصول و لولا جسد القبول لميكن لروح القدر ظهور فجميع الاكوان اقدار الله و اوامره و مشياته و ايديه في اخراج ما كمن في امكانها كل فيما هو كامل فيه فكل واحد من حيث يد الفاعل و من حيث يد القابل و يحدث الاكوان الشرعية من بينها فاذا عرفت ذلك فاعلم ان مجمع تلك المشيات و معدن تلك الارادات و اعظم تلك الاسباب وجود محمد و آلمحمد المعصومين المطهرين عليهم السلام العاملين في جميع عقايدهم و علومهم و صفاتهم و اعمالهم و اقوالهم و جميع ما يبرز منهم بمقتضي امر الله سبحانه و مشيته المحبوبة التي هي وجودهم سلام الله عليهم ثم بعدهم في الدرجة الانبياء ثم الاوصياء ثم النقباء ثم النجباء ثم العلماء ثم الصلحاء ثم الذين فيهم صفة محبوبة او صفات محبوبات علي نهج الكمال ثم الحيوانات التي فيها صفة او صفات حسنة ثم النباتات التي فيها طبيعة حسنة ثم الجمادات و جميع ذلك كلمات امرية في جهة فعلية كاملة فيها و لما كان محمد و آلمحمد عليهم السلام اول كل خير و اصله و فرعه و معدنه و ماواه و منتهاه و كلمن فيه جهة كمال و خير فانما هو منهم و اليهم فان ذلك الشيء في ذلك الخير عامل بجهة وجوده و جهة وجود كل من هو دونهم فانما هو مثالهم الملقي في هوية ذلك الشيء فان الانبياء فمن دونهم خلقوا من شعاعهم بل من شعاع تنزل نورهم و تنزل تنزلهم و هكذا فمهما كان في شيء خير فمنهم و اليهم في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله [ص 84] و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و فيها الحق معكم و فيكم و منكم و اليكم و انتم اهله و معدنه الزيارة ، فهم سلام الله عليهم اصل الشجرة الامرية التشريعية و الباقي رؤس ذلك الامر و وجوهه كما ان اصل المشية الكونية هو الوجود المطلق و لها رؤس و وجوه في ساير العوالم و المراتب فمحمد و آلمحمد عليهم السلام هم امر الله التشريعي و كلمة كن للتشريع خاطب الله سبحانه بها ما استجن في القوابل و تفصل تلك الكلمة التامة المباركة بجزئيات يعبر عنها بالفاظ و هي صل و صم و زك و حج و انفق و احسن و امثال ذلك فهذه الفاظ حقايقها صلوتهم و صيامهم و زكوتهم و حجهم و هكذا كما ان في الكون تفصل كلمة كن المطلقة الي كن زيدا و كن عمروا و كن فقيرا و كن غنيا و كن اسود و كن ابيض و هكذا فجميع عقايدها المباركة و علومها و صفاتها و اعمالها و احوالها و اقوالها هي بانفسها مشية تشريعية بها يستخرج الله كنوز قوي امكانات الاشياء ان لكم في رسول الله اسوة حسنة و هذه الاوامر هي تعبيرات تلك العقايد و العلم و الصفات و غيرها عبر بها في الشرع فتلك الاوامر كائنة ما كانت مشيات الله و كلماته يسطع عنها انوار منبثة فتشرق علي ارض قوابل الاكوان التي هي امكان الصفات التشريعية فتغوص فيها فمنها ما يحيي ما فيه بالقوة من جنس تلك الانوار و يتقوي بها فيخرج الي الفعلية فيتصف صاحبه به كما ان نور الوضع المخصوص السماوي المناسب للياقوت اذا وقع علي الارض فمن الاراضي ما يتقوي ما فيها من الياقوتية و منها ما لايتقوي فما تقوي منها يصير معدن الياقوت و يتكون فيه الياقوت له وجود من ذلك النور الملقي و صورة من خصوص الارض و هكذا ساير المواليد فاذا لما وقع نور صلوة تلك الكلمة التامة علي ارض قوابل الاكوان فمنها ما يتقوي ما فيه من قوة الصلوة فيخرج [ص 85] منه الصلوة الي الفعلية فيكون ذلك الامكان كائنا شرعيا مصليا و منه ما لايتقوي صلوته فلاتخرج فلايتكون فلايكون مصليا و علي هذه فقس ما سواها من جانب الخير و اعلم ان عكس جميع ما ذكر ثابت في جانب الشر و سجين يعني ان اعدائهم اصل كل شر و من فروعهم كل فاحشة و جميع الكلمات الشرية رؤس و وجوه للكلمة التامة الشرية التي هي الاول ابوالدواهي و هي الكلمة الامرية الشرعية المبغوضة و هي اسم من اسماء الله سبحانه و فعل من افعاله ألمتسمع في الدعاء ان الامام عليه السلام يسأل الله بالامم الهالكة و يسميها اسم الله سبحانه و ألمتسمع الله يقسم بالليل اذ ادبر و اذا سجي و من هذا الباب قسم الله سبحانه بالتين و الزيتون و طور سينين و البلد الامين و ساير خلقه فانها كلها اسماؤه و كلماته فلميقسم الله الا باسمائه المباركة و صفاته الكاملة فتلك الكلمة اسم الله و فعله و يضاف جميع ما يصدر منه الي الله سبحانه و لكن القلوب الضعيفة لاتتحمل هذه المعاني قال الله سبحانه قد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا و قال زينا لهم اعمالهم مع ان الشيطان يزين لهم اعمالهم كما في آي اخر قل الله خالق كل شيء ، قل كل من عند الله يضل من يشاء و يهدي من يشاء مع ان الشيطان و اتباعه يضلون الناس الله خلقكم و ما تعملون بالجملة هي كلمة مبغوضة لله سبحانه من سلطها الله عليه و اخرج بها ما استجن فيه من جنسها فقد ابغضه في القدسي ما معناه اني انا الله لا اله الا انا خلقت الخير و الشر طوبي لمن اجريت علي يديه الخير و ويل لمن اجريت علي يديه الشر الخبر ، و لايلزم من ذلك ابدا جبر فان الامر بين الامرين و هو الفعل و القبول و ليس اخراج تلك الكلمة ما في الاكوان من جنسها بالالجاء و الاضطرار ألمتسمع نطق تلك الكلمة و احتجاجها حيث يقول ماكان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم [ص 86] فاستجبتم لي فلاتلوموني و لوموا انفسكم ما انا بمصرخكم و ما انتم بمصرخي الآية ، بالجملة كما ان تلك الكلمة المحبوبة نفس صفاتها اوامر و عبر عنها بالفاظ كذلك تلك الكلمة المبغوضة نفس صفاتها اوامر خذلانية فانها تدعو الي نفسها و لكن الكلمة المحبوبة تنهي عنها كما ان الكلمة المبغوضة تنهي عن صفات الكلمة المحبوبة فهي بنفسها في نفسها الي نفسها امر و دعاء تقول اترك الصلوة و افطر الصوم و كل حق الفقراء و اترك الحج و الجهاد و نصرة الاولياء و هكذا فيرد هذه الاوامر و تلك الاوامر الاولي علي الانسان و تغوصان في ارض امكانه و هو بنفسه مركب من وجود يقدر ان يطيع به الاوامر المحبوبة و ماهية يقدر ان يطيع بها الاوامر المبغوضة فايها غلبت عليه و اطاع ايها يظهر من ارض امكان كونه نبات ذلك العمل اما حلوا او مرا فكذلك يصدر من الناس اعمالهم و لولا ذلك لميصدر من احد عمل و ما تري من انك فاعل بالارادة تفعل ما تشاء فهو لغفلتك عن الواقع اليس ان بدنك لايتحرك الا بتحريك روحك و ان روحك لايتحرك الا بميل يحدث فيه و ذلك الميل كان في كمونه فالذي يخرج الميل الي الظهور دواع تقارن الروح فتخرج من كمون الروح ميله علي حسب قبول الروح و لولا تلك الدواعي لميتحرك ميل الروح ابدا اذ لا مرجح له من ذات نفسه و الا لكان ابديا فاذ وجدناه حدث و لميكن عرفنا ان له مرجحا من غير نفسه و ذلك المرجح هو الداعي المشوق المزين فيخرج ميلك من الكمون الي البروز فيتحرك الروح الي ذلك الوجه فيتحرك معه البدن بالمشايعة و الاتصال فتحسب انك تتحرك من غير محرك داع بالجملة الشيء المعدوم لايرجح وجوده نفسه و لايرجحه معدوم مثله فلا بد و ان يرجحه موجود غيره كائنا ما كان بالغا ما بلغ و لعلك تنبهت و استشعرت ان من اعظم اسباب التكميل [ص 87] للناقصين وجود الانبياء و المرسلين ثم الاوصياء المرضيين (ظ) ثم الاولياء السابقين المقربين ثم الاخوان من اصحاب اليمين فمن عدل عنهم وقع تحت مرجحات الشر المغوية الرجسة الملعونة او يبقي كمالاته في عرصة العدم و يبقي ناقصا و ذلك عادة الله سبحانه في خلقه و بابه فيهم لذلك التكميل فمن حاد عنه حاد عن الحق الي الباطل و لذلك تري جل الخلق الا قليلا قليلا مرتمسين في رموس النقص و الغفلة و الجهالة و تريهم سنين عديدة علي حال واحدة ان لميتنزلوا و انما ذلك لعدم يقينهم بآيات الله و عدم وقوع القول عليهم فاذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم ان الناس كانوا بآياتنا لايوقنون فافهم ان كنت تفهم فاذا عرفت هذه المقدمات حان لك ان اذكر صفة النعيم و العذاب الاليم فاعلم ان النعيم كما عرفت هو المدد الملايم للوجود اذ به التلذذ و التقوي و الصحة لا غير و العذاب هو المدد المنافر للوجود كما عرفت اذ به التألم و التضعف و المرض لا غير فالمدد النازل علي الانسان مددان مدد كوني و هو ما يصله من مشية الله الكونية من النور الساطع الدائم الذي به حفظه فلو قبض ذلك النور لمحة لرد الكائن الي عدم قوة الامكان فبادامة ذلك النور و اشراقه الدائم يحفظه راجحا بالفعل موجودا فذلك النور هو ما من الله سبحانه في مدده و ينصبغ في مرآة قابليته الخاصة حتي يتخصص ذلك النور به فتلك الهوية مستمدة دائما و الله جل جلاله ممده دائما و تلك الهوية بتوجهها الي الله سبحانه و انفعالها و قبولها تستمد دائما و يمده الله جل جلاله دائما و كذلك يكون الامر في الشرع فالامر الشرعي يسطع منه نور منبث علي القوابل الامكانية و هو امر و نداء اقبل و نوره المصدر الصادر عنه فالامر قول صل و الصلوة نوره و مثاله المنبث علي مرايا القوابل و هكذا زك زكوة و حج حجا [ص 88] و صم صوما فتلك الانوار الساطعة تقع علي القوابل فما اجاب منه و صلي و صار مصليا و صام و صار صائما و هكذا نبت من ارض قابليته نبات ذلك العمل فالمدد الشرعي هنا هو تأييد الشارع و امداده ببث نور اعماله و اقواله و احواله فمن عمل بتلك الاوامر هو القابل لذلك المدد و هو المستمد فالقبولات التي هي الاعمال هي اقدام السالكين في السير الي رب العالمين و السنة السائلين حاجتهم في سؤال خير الرازقين و قاضي حوائج السائلين و تلك الامداد المذكورة هي استجابة الدعاء و قضاء الحاجة و التأييد و التسديد الذين آمنوا و عملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم و كذلك في طرف المقابل يحصل من الامر الشرعي الخذلاني ظل يقع علي القوابل و هو المدد الظلماني المولم المبعد عن الخير و اعمالها السنتها السائلة و ايديها التي هي بالحوائج مرفوعة و اقدامها السالكة فتلك الامداد النورية هي حقيقة الجنة و تلك الامداد الظلمانية هي حقيقة النار اذ لا ملذذ سوي الاولي و لا مولم سوي الثانية و الاعمال صورهما كما روي الاعمال صور الثواب و العقاب و هذه الاعمال تخصص تلك الامداد العامة باصحابها كما يخصص الثمن المال العام في السوق بباذله و لولا ذلك الثمن منك لميتخصص شيء من السوق بك و كذلك سوق الجنة و النار لا خصوصية لهما باحد من المكلفين و انما يختص نعيمها بالمكلف الخاص بحسب عمله فان قلنا ان الجزاء يوم القيمة نفس الاوصاف فانما نريد به ان الاوصاف صور الجزاء تسمية الشيء بصورته الظاهرة به كما تسمي زيدا زيدا بصورته فزيد صورة و الصورة زيد فبهذا اللحاظ قال الله سبحانه سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم ، و ماتجزون الا ما كنتم تعملون ، ليس للانسان الا ما سعي و ان لوحظ ان نفس الجزاء هو ذلك المدد العام و [ص 89] انما يخصص و يتعلق بالشخص بسبب عمله فيقال ان الجزاء بسبب العمل الفلاني و بهذا اللحاظ قال الله سبحانه كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بانهم كفروا بآياتنا و قالوا أئذا كنا عظاما و رفاتا أئنا لمبعوثون و قال ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا و اتخذوا آياتي و رسلي هزؤا و قال ان الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون و قال ذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون بالجملة النعيم هو المدد النوري النازل من المشية المحبوبة الشرعية التي هي وجود محمد و اهل بيته الطيبين الطاهرين الساطع المنبث في عرصات الاكوان المقوي لوجوداتهم فهو الجنة و النعيم كما روي ان الجنة و الحورالعين خلقتا من نور الحسين عليه السلام و يختص بكل شخص بعمله و ينصبغ في مرآة عمله و يحصل له درجات و مراتب و انواع فالامداد المتعلقة بهم باعمالهم الصادرة عن جماديتهم تتصور بصورة القصور و الارض و الانهار و المتعلقة باعمالهم الصادرة عن معدنيتهم تتصور لهم بصور الذهب و الفضة و الماس و اليواقيت و غيرها و المتعلقة باعمالهم الصادرة عن نباتيتهم تتصور لهم بصورة الاشجار و الازهار و الانوار و غيرها و المتعلقة باعمالهم الصادرة عن حيوانيتهم تتصور لهم بصورة الطيور و الخيل و النجائب و غيرها و المتعلقة باعمالهم الصادرة عن جنيتهم تتصور بصور الوصائف و الخدم و غيرهم و المتعلقة باعمالهم الصادرة عن انسانيتهم تتصور بصور الحور و الازواج و غيرهن و المتعلقة بعقايدهم و علومهم يحصل لهم درجات علمية الجنة اسفلها طعام و شراب و اعلاها علم و المتعلقة بارواحهم و عقولهم و افئدتهم يحصل لهم زيارة الانبياء و آلمحمد عليهم السلام و لقاؤ الله اذا تنعم اهل الجنة بالجنة تنعم اهل الله بلقاء الله و علي عكس ذلك تتصور الامداد الظلمانية بمهاوي جهنم و اوديتها و جبالها و حجارة الكبريت و الزقوم [ص 90] و كلابها و سباعها و حشراتها و الشياطين المقيضة و اعلم ان الذي يقتضيه الادلة ان صنوف النعيم و العذاب في الآخرة تكون علي صفة صنوف مواليد هذه الدنيا لا علي هيئاتها في هذه الدنيا فان الهيئات الدنياوية علي حسب المواد الدنياوية الكثيفة و علي حسب اقتضاء اوضاع الدنيا فاما في الآخرة فهيئات صنوف النعيم و العذاب تكون علي صفة هذه المواليد كما ان هيئة الانسان تكون علي هيئة عقائده و اعماله و اخلاقه فعقارب جهنم تكون علي هيئة النميمة و خيل الجنة تكون علي هيئة الجمال و التكبر علي اعداء الله و علي هذه فقس ما سويها و ما من دابة في الارض و لا طاير يطير بجناحيه الا امم امثالكم فافهم و في ما ذكرنا في هذا الفصل من الاصول حل مشكلات كثيرة ان فهمته .