فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و ان لميكن فهم فيأخذه عنا
فمنه الينا ما تلونا عليكم و منا اليكم ما تلوتم به عنا
فصل - اعلم بعد ما عرفت احوال الاثر الصادر الاول و مراتبه المطلقات ان كل مطلق منها له تمثل في الخارج لايوجد الا به و فيه و عليه و لنبدء بذكر المطلق الادني المشهود الذي هو الجسم و هو الجوهر الغليظ الذي له حدود مطلقة منها الطول المطلق و العرض المطلق و العمق المطلق و لا تمثل للطول المطلق الا في اطوال خاصة و لا للعرض المطلق الا في عروض خاصة و لا للعمق المطلق الا في اعماق خاصة فان الابعاد التي لا مقادير لها محدودة مقدرة ليس يمكن ان توجد في الخارج نعم اذا وجدت الابعاد المقدرة المحدودة و انت نظرت اليها مع قطع النظر عن مقاديرها و مخصصاتها من الامكنة و الاوقات و الاوضاع و الرتب و غيرها وجدت الابعاد المطلقة و لايمكن درك ذلك ايضا بالمشاعر المحدودة بل درك ذلك شأن العقل و الفؤاد و كذلك بعد ما وجدت الاجسام المقدرة فنظرت اليها مع قطع النظر عن مخصصاتها وجدت الجسم المطلق و هو قائم عليها و فوقها فوقية دهرية فان قلنا ان الجسم المطلق مقدم علي الاجسام و خلق قبلها فانما نريد التقدم الدهري و القبلية الدهرية و هو لايوجد في رتبته الا و ان يكون التمثلات في رتبتها و هو اوجد في مكانها منها و اقرب منها اليها و اولي بها منها و لذلك تقول للعرش انه جسم لا غير و للكرسي انه جسم لا غير و هكذا بواقي الاجسام و ليس شيء منها مركبا من جسم و غير جسم البتة و ان قلنا انه مركب من جسم و هيئة خاصة فالمراد من هذا الجسم الجسم المقيد الذي هو المادة الشخصية و الا فجميعه ليس بشيء الا الجسم [ص 30] بقول مطلق و هيئته مما به الجسم جسم و مما به تمام الجسم كما قال علي عليه السلام فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه فاذا كل واحد من الاجسام المقيدة بمادته و صورته جسم و جميعها جسم و كل واحد منها غير الآخر و ليس كل واحد منها غير الجسم لابشرط البتة و ليس الجسم لابشرط غيرها وجودا و كونا و عينا و ان كان غيرها كلا و جمعا و احاطة فالجسم لابشرط ليس بعرش من حيث انه غير الكرسي دون غيره بل هو عرش و كرسي و افلاك و عناصر و كلها و بعضها و لا وجود له الا هكذا اي في تمثله بعرش و كرسي و افلاك و عناصر و هذه التمثلات مما به الجسم جسم و ذلك نظر لايفوز به الا من اتاه الله الحكمة و يؤتي الحكمة من يشاء و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا و مايذكر الا اولوا الالباب فالحكيم مرة لايري في السماوات و الارض الا الجسم لابشرط و يري بحرا سيالا متشاكلا و قاعا صفصفا لايري فيها عوجا و لا امتا و مرة يري سماوات و ارضا نعم مواد هذه من غير صورة ليست بجسم و صور هذه من غير المواد ليست بجسم فان الجسم معني مركب من مادة و صورة نعم موادها وحدها و صورها وحدها و مجموعها كلها وجود لابشرط فمرة يري الحكيم في الجواهر و الاعراض جميعا وجودا صرفا بحرا متشاكلا ليس فيه و معه غيره بوجه من الوجوه اذ سوي الوجود عدم و لميضم الي الوجود عدم في تكوين الاشياء فلايري الا الوجود نعم لهذا الوجود تعين الصلوح و هو التعين الاول فكل موجود ايضا لايخلو من هذا التركيب و بهذا الاعتبار كل شيء وجود مركب من بسيطين لايمكن تفككهما في مشعر من المشاعر حتي لايصدق علي كل جزء الوجود كما ذكرنا في الجسم فاذا لاتري شيئا الا الوجود المطلق معري عن قيد الاطلاق فانه من خاصة الرتبة السرمدية فلاينزل كما لاينزل جنسية الحيوان في انواعه [ص 31] و افراده و لاتصدق عليها و انما يصدق عليها الحيوان معري عن خاصة الجنسية و كذلك امر الجسم و لذا قلنا ان الظاهر في التمثلات الصادق عليها الجسم لابشرط اذا (كذا) اطلاقه خاص رتبته فلاتغفل بالجملة الجسم لايوجد خارجا الا في الاجسام الظاهرة نعم الذهن يلتفت اليه باطلاقه من غير التفات الي التمثلات فانه حينئذ يمثله الذهن في الذهن فلميوجد ايضا بغير تمثل و امثل لك في ذلك مثالا اريد ان اقول لولا المياه الخارجية في الدنيا من بدو الايجاد الي ختمه لميكن ماء مطلق في الدهر في عرصة الكلية بالفعل و ان كان في قوة الجسم و صلوحه و لما خلق الله قطرة ماء في وقت وجد الماء الدهري في الدهر و خرج من قوة الجسم الي الفعلية و هو عين تلك القطرة مع قطع النظر عن حدودها الزمانية لااقول انها ماء و حدود زمانية بل حدودها مما به الماء ماء و الماء الذي غير الحدود الزمانية اهبية الماء و هي المادة الشخصية فهي غير هيئة القطرة و البحر و النهر و اما الماء الكلي الدهري فهذه الهيئات تمثلاته و مما به الماء ماء اي لايكون الماء الا هكذا علي بيان مرادي فليس الماء البحر الذي دون النهر بل هو بحر و نهر و مجموعهما و بعضهما فافهم و علي ذلك فقس الجسم بانه لولا هذه التمثلات هنا لماكان الجسم في الدهر موجودا و لولا هذه الموجودات لميكن الوجود المطلق موجودا بالجملة الجسم موجود هكذا في تمثلاته و انما الواجب معرفة تمثلاته كيف كانت و تكون هل كانت ابدا زمانيا ام لمتكن و هل تكون ابدا او تنقطع فاعلم ان الجسم المطلق لا تعين فيه من وقت او مكان او كم او كيف او جهة او رتبة او وضع او اضافة او فعل او انفعال لانه فوقها كما عرفت نافذ في جميعها و لا تخصص له بوقت دون وقت و لا بمكان دون مكان و لا بحد دون حد و هو صالح لجميعها علي حد سواء اي صالح للتمثل بكلها و للتجلي بجميعها علي [ص 32] حد سواء و لا مرجح في نفسه لواحد منها دون الآخر لانه امكان الكل و الكل فيه بالقوة و القوة عدم الفعل و لا تمايز للاعدام و لا مرجح لشيء منها معه اي مع الجسم و لا فوقه اي فوق الجسم لان ما فوقه اعم منه فاذا لا معني لتجليه في وقت دون وقت و في مكان دون مكان و في حد دون حد و لا مخرج لشيء منها منه دون شيء آخر فاذا الواجب ان يتمثل في جميع الحدود اي يجب ان يكون تمثلاته كلها ثابتة ابدا دهريا لا تقدم لاحد منها علي الآخر و ان لايكون الجسم موجودا الا في جميع تمثلاته هكذا كما انه كل تمثل موجود في الوجود المطلق بالقوة معدوما بلا مرجح لواحد منها دون الآخر و بلا مرجح من نفس الوجود و لا معه اذ ليس شيء سواه و لا فوقه اذ لا تعين له فان لميكن لميكن بالكلية و ان كان يجب ان يكون في جميع تمثلاته هكذا علي ما تري و لايكون الا هكذا فاذا جميع الموجودات الدهرية موجودة سرمدا و جميع الموجودات الزمانية موجودة دهرا نعم في الزمان تقدم للزمانيات و تأخر و ترتب و علل و معلولات و اسباب و مسببات و شروط و مشروطات و مرجحات كما تري و هي كلها دهرا موجودات ثابتة في محالها و حدودها و لكنها دهرا بحر متشاكل الاجزاء من نظر الي الجميع بالعين المدركة للجميع لايري الا بحرا متشاكل الاجزاء فلايمكن ادراك هذا المقام بالخيال و المشاعر المثالية فانها لاتدرك الا البعض و لاتصل الي غيره الا بعد التجاوز عنه فحضور الكل في الدهر ليس كحضور اواني متعددة علي مائدة و انت تراها و تعدها بل حضور المجموع في الدهر كحضور الحروف في المداد ألاتري انك لو اردت رؤية جميع الحروف التي في العالم بنظر واحد لايمكن ذلك الا بان تنظر بعين مدادية و تلك عين عقلية و فؤادية و اما اذا اردت ان تنظر الي ذلك بعين تري بها الفا و باء و جيما فانك لاتقدر علي [ص 33] احضار الجميع و ماجعل لرجل من قلبين في جوفه كما انك لاتقدر علي احضار حرفين في عينك الا علي نحو التعاقب و لعلك تسرع التعاقب و تزعم انك رأيتهما في آن واحد فحضور الجميع في عرصة الدهر حضور مدادي و ان كان المداد لايكون الا هكذا و لذلك لايقدر العالم بالعلم المثالي علي العلم بالحروف الا علي مبلغ احاطته و سياحته و اطلاعه و اما العالم بالعلم العقلي فانه يعلم الاشياء قبل كونها محيط بها من جميع جهاتها فاذا ذلك شأن العقل الكلي لا العقول الجزئية المخصصة فانها محدودة فكل واحد منها يطلع علي ما كان و ما يكون علي قدر ذوبانه و رقته و نفوذه و علي حسب بعده من صفة العقل الكلي و قربه منها فافهم هذه الحكم التي لاتجد حقيقتها في كتاب و لاتسمعها في خطاب فلايطلع علي جميع الاجسام التي كانت و تكون بلا نهاية الا الجسم الكلي و هو بعلمه بنفسه و علي نحو علمه بنفسه يعلم الاشياء لايعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات و لا في الارض مما كان و مما يكون الي ما لا نهاية له و اما الاجسام الجزئية فهي محدودة ممثلة في الواقع و علمها علي قدر سعتها و نفوذها و كذلك لايطلع علي جميع الموجودات الدهرية و الزمانية ما كان منها و ما يكون الا الوجود المطلق و علمه بها علي نحو الاطلاق فعلمه بنفسه علمه بالكل علي نحو علمه بنفسه فلايعلم زيدا غير عمرو و لا جوهرا دون عرض بل يعلم الكل و البعض بعلمه بنفسه فهو يعلم الاشياء بعلمه الذي هو ذاته حين لا شيء سواه فاذا هو عالم و لا معلوم و في عرصة التمثلات يعلمها بها في محالها و هي علمه بها بتقدمها و تأخرها و ترتبها فلايعلم اذ لمتكن و يعلم اذ قد كانت و هكذا و كذلك علم الجسم الكلي بالاجسام يعلمها بعلمه الذي هو ذاته بعلمه بذاته فاذا هو عالم و لا معلوم و اما في عرصة التمثلات فمن علمه ما قد كان و من [ص 34] علمه ما قد يكون و يعلم ما قد كان و لايعلم ما لميكن و علمه بها نفس كونها في حدودها فيعلمها بها و ليس علمه بها كعلم ناظر من اعلي الجبل بما في سفحه و علم من في السماء بما في الارض و ذلك من غامض علومنا و مكنونها الذي من الله علينا به و خصنا به و فضلنا به علي كثير من خلقه تفضيلا اني رددت العبارة و كررت الاشارة لكي تفهمه ان كتب لك و مع ذلك ان فهمته فانت انت فالحمد لله علي ما هدانا و له الشكر علي ما ابلانا بالجملة جميع ما في عرصة الزمان مما كان او يكون الي ما لا نهاية له موجود في حده و مكانه دهرا و جميع ما في عرصة الدهر في اي رتبة منه موجود في حده و رتبته سرمدا فاذا ما كان من الزمان قد رسم في لوح الامضاء و ما يكون منه بعد اما في حد القضاء او القدر او الارادة او المشية فلاجل ذلك يحتمل البداء فيما يكون في العلم الزماني و اما في العلم الدهري الكلي فلا بداء و لا محو و لا اثبات بل كلها ممضاة لكن بامضاء كلي غير مخصص بشيء دون شيء و ليس كامضاء كل الاواني علي مائدة بل امضاء الكل هنالك امضاء نفس ذلك الجسم الكلي فبامضائه قد امضي الكل فلا شيء سواه كما لا معلوم سواه و يحتمل البداء في العلم الدهري في مراتبه و الامداد النازلة اليه الا ما قد كان منه و امضي في رتبته و اما في العلم السرمدي فكلها ممضاة بنفس امضاء السرمد فهو امضاء كلي غير مخصص و ليس كما ذكرنا من امضاء الاواني علي المائدة بل بامضائه قد امضي الكل فاذا لا ممضي سواه اذ لا شيء سواه فالعالي لايتغير علمه بالداني ابدا ابدا و انما التغير للداني في الادني و يجري البداء و المحو و الاثبات و ذكر المشية و صفة الارادة و حد التقدير و ضم القضاء و نتيجة الامضاء فيه لا في العالي و الكل عنده ممضي مبين العلل مشروح الاسباب فعلمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها بالجملة قد جري القلم في [ص 35] ميدان بيان هذه الامور استطرادا و لمنكن بصدد بيانها و لميكن في قصدنا شرحها فلنعد الي بيان ما وضعنا الكتاب لاجله .
فصل - اعلم بعد ما عرفت ان جميع المراتب السبعة التي هي الفؤاد و العقل و الروح و النفس و الطبع و المادة و المثال ثابتة للجسم ظاهرة فيه بالفعل مظهرة منه آثارها و هو مشتعل بجميعها اشتعال الدخان بالنار و هو مشرق متلألئ بها مغيب في ظهورها باب لها و ان له مراتب من حيث وجوده و ماهيته و انه حاك لها من حيث وجوده لا ماهيته ان له تمثلات في الخارج عامة و هي الافلاك و العناصر و المراد بهذا الجسم الذي هذه الافلاك و العناصر تمثلاته هو الجسم الذي هو اطلاق هذه الاجسام العرضية و كلامنا في هذا الفصل فيه لا الجسم المجرد البسيط الجوهري فهذا الجسم له وجود و ماهية فالافلاك تمثلات جهة وجوده اي الغالب فيها جهة الوجود و العناصر تمثلات جهة ماهيته اي الغالب فيها الماهية و ذلك ان الوجود و الماهية كرتان مصمتتان متداخلتان حادتان الا ان الماهية تأخذ من ادني الكرة الذي هو وسط جوفها و ترق كلما تصعد صاعدة الي جانب المحدب و الوجود يأخذ من اعلي الكرة الذي هو محدبها و يغلظ شيئا بعد شيء كلما يهبط هابطا فالافلاك الواقعة في جانب الاعلي فيها وجود شديد قوي و ماهية رقيقة ضعيفة و اعلاها العرش و هو عند محدب الوجود و قاعدته و رأس مخروط الماهية و في غاية ضعفها و لاجل ذلك هو في غاية التوحد و الاطلسية و التجرد النسبي و اوسطها الكرسي و هو دوين ذلك في شدة الوجود و ضعف الماهية و اسفلها الافلاك و هي في غاية التكثر الفلكي و ضعف الوجود الفلكي و قوة الماهية الفلكية و هي مع ذلك وجودها اقوي من ماهيتها و العناصر الواقعة في جانب الاسفل فيها ماهية قوية و وجود ضعيف و اسفلها التراب و هو عند [ص 36] قاعدة الماهية و غاية قوتها و رأس مخروط الوجود و غاية ضعفه و اعلي منه الماء و هو اقوي وجودا و اضعف ماهية و فوقه الهواء و هو ايضا اقوي وجودا و اضعف ماهية من الماء و فوق ذلك النار و هي اقوي الكل وجودا و اضعفه ماهية و اشبهه بالافلاك و مع ذلك ماهيتها اقوي من وجودها و نريد بالوجود و الماهية هنا مادة هذه الاجسام و نهاياتها و حدودها و المادة مقدسة عن تلك الحدود مبراة عن خصوصياتها و فيها نحو اطلاق اذ هي آية المطلق الاعلي اي الجسم و هي في مقام الامر المفعولي بالنسبة الي الجسم المطلق و هو الامر الفعلي بالنسبة الي تلك المادة و تلك المادة تحكي قدسه و براءته عن تلك الحدود و تلك الحدود خصوصيات و شخصيات لحصص تلك المادة فالحدود جمود ذوبان المادة لانه مانع عن الظهور في الغير و النفوذ في ما سويها و المادة ذائبة لا خصوصية لها بفرد دون فرد كما ان الخشب صالح للباب و السرير و غيرهما يمكن تلبسه بصورة كلها و اما الباب يمتنع عن ان يكون سريرا و بالعكس فالحدود البابية جمود تلك الحصة من الخشب و الخشب مذاب تلك الحدود و تلك الحدود نهايات كانت كامنة في المادة بالقوة خرجت بترجيح المرجح و تكميل المكمل فشبه بان المادة كانت كماء مايع يسيل ثم جمد فاستقر في مكانه و تشكل بشكل خاص فجموده يحفظ صورته و السيال لايحفظ الصورة بالجملة الغالب علي الافلاك جهة المادة السائلة و لها حدود رقيقة و جمود ضعيف هو اشبه شيء بالسيلان فكأنها لمتنجمد شديدا و اما العناصر فالغالب عليها الجمود و خفي فيها السيلان و ما يتبعه من الاحكام و اللوازم فالافلاك لغلبة السيلان عليها اشبه شيء بالمطلق الاعلي السيال النافذ في كل الامكنة غير المحدود بحد المبرا عن الجمود و التخصص و العناصر ابعد شبها بالمطلق الاعلي و ان كان المطلق الاعلي قد اعطي الكل [ص 37] اسمه و حده الا ان الافلاك حكاة جهة فعلية الجسم المطلق و غلبة وجوده و العناصر حكاة جهة مفعولية الجسم المطلق و غلبة حدوده و اعلم ان الجسم المطلق و ان كان مطلقا الا انه ليس بمجرد بسيط حقيقي و ليس ببحر واحدي حقيقي بل الجسم المطلق العرضي هذا في اقصي الكليات و هو اشدها تكثرا و له في نفسه في مقام اطلاقه مراتب تشكيكية و كله جسم فهو كبحر اعلاه ارق ماء و اسفله اغلظ ماء و كله ماء و هكذا الجوهر جسم و ليس مرادي بتشكيك درجاته انه تشكيك زماني و درجات مكانية بل له درجات دهرية و تشكيك دهري و كله جسم متشاكل الاجزاء بالنسبة الي الزمان ففي الحقيقة الجسم الصادق علي العرش اعلي الجسم الدهري و الصادق علي الارض اسفل الجسم الدهري و ذلك ضرورة ان الجسم ليس بواحد حقيقي سرمدي و فيه تكثر دهري و توحد زماني فافهم ذلك فانه دقيق فلاجل ذلك اعطي الكل اسمه و حده فالعرش جسم حاك لاعلاه و الارض جسم حاك لاسفله و كلاهما جسم و كم من عالم يسمع تنزه المادة عن الصورة فيزعمه عن مطلق الصورة و ليس كذلك بل من صورة ادني منها و يسمع تنزه المطلق عن التمثلات فيزعمها مطلق التمثل و ليس كذلك بل من التمثلات الدانية فالجسم المطلق ليس بمنزه عن مطلق اعلي و ادني بل عن اعلائية العرش و ادنائية الفرش و له اعلي يغلب فيه جهة وجوده و هو دهري و اسفل يغلب فيه جهة الماهية و هو دهري فلما تمثل في الخارج تمثل اعلاه بالاعالي و ادناه بالاداني و كلها جسم فاذا عرفت ذلك اقول فالغالب علي الافلاك جهة المادة الكثيرة الشبه بالجسم المطلق و اعلاه و الغالب علي العناصر جهة الماهية الكثيرة الشبه باسفل الجسم المطلق فلاجل ذلك ظهرت المراتب الغيبية في الافلاك علي حسب مراتبها و اشتعل بها كل واحد منها علي حسب صفائها و كدورتها و لمتظهر في العناصر [ص 38] و خفيت فيها مستجنة الا انها صالحة للترقيق و استخراج اللطافة الفلكية منها حتي تصير حاكية لتلك المراتب الغيبية و مشتعلة بها اشتعال الافلاك و انما ذلك لاجل ان هذه الاجسام المشهودة مركبات من البسائط الجوهرية الهورقلياوية و في كل واحد منها كل واحد علي اختلاف في الكم و الكيف و سمي كل واحد منها باسم الغالب فيه علي حذو اخلاط البدن المركبة من هذه العناصر و يمكن التدبير في كل واحد بزيادة جزء و نقصان و تغيير في الكم و الكيف حتي يقف موقف الآخر كما تشاهد في الماء المحال هواء فيمكن في كل جزء من اجزاء هذا العالم التطهير و التصفية و الترقية و التنزيل حتي يصير كجزء آخر و يمكن ان يدبر العناصر حتي تصير كالافلاك و بالعكس و لا كذلك البسايط الجوهرية فان بعضها تنزل بعض و لايمكن ان يتجاوز كل واحد محله نعم يتصفي و يترقق الي ما لا نهاية له و يصير اشد حكاية للاعلي كلما يترقق و اما ان يستحيل الي الاعلي فلايكون فان الادني صفة تابعة للاعلي و ظل فرعي له فلاينقلب الي الاعلي و لايستحيل اليه و كذا البسايط البرزخية فان لها ايضا انقلابات و استحالات فانها ايضا مركبات و اما البسايط الاخروية التي هي الجواهر الحقيقية فلايتجاوز شيء منها مبدأه و مقامه فالافلاك هذه في عرصة التمثلات لها مراتب من حيث الرقة و الغلظة و كلها صالحة للصعود و النزول و الاستحالة لما ذكر فالعرش منها لغاية رقته و لطافته مادة و صورة صار يحكي العقل الظاهر في الجسم المطلق و لاجل ذلك كان اول ما خلق من عالم التمثلات و الكرسي منها لاجل انه دون العرش في المادة و الصورة صار يحكي النفس الظاهرة في الجسم المطلق و في الحقيقة العقل الظاهر في العرش شعاع العقل الظاهر في الجسم المطلق و النفس الظاهرة في الكرسي شعاع النفس الظاهرة في الجسم المطلق و مثالها ثم [ص 39] لما كان النفس مقام الصور العلمية الجزئية و هي في الحقيقة مقام تعلق العقل المعنوي الكلي بالشهاديات كان لها رؤس و وجوه متعلقة بالشهاديات علي حسب انواع الشهاديات و هي اي النفس بالنسبة الي تلك الرؤس و الوجوه كلية و ان كانت بالنسبة الي العقل جزئية فلما كانت الشهاديات اي الطبيعيات اي من الطبيعة فما دونها من المادة و المثال و الجسم لها مرتبتان دهرية و زمانية وجب ان يكون للنفس رؤس لدهرياتها و وجوه لزمانياتها فتنقسم دهرياتها علي حذو الغيب الي اقسام منها مقام الطبيعة التي هي بمنزلة فؤادها و المادة و هي بمنزلة عقلها و المثال و هو بمنزلة روحها و الجسم و هو بمنزلة نفسها و للنفس رأس للتعلق بالطبيعة المجردة عن المعنوية المادية و الصورية المثالية و لادراكها و رأس للتعلق بالمادة المعنوية الكلية و لادراكها و رأس للتعلق بالمثال الصوري و رأس للتعلق بالجسم و لادراكه و ذلك ان الغيب له مقام الفعلية و الشهادة لها مقام المفعولية و الاثر الجامع لهما مخلوق بنفسه عند الوجود المطلق الاعلي و عند النفس تتم مراتب الفعل فالفؤاد هو الذكر الاول و النقطة و المشية له و العقل هو العزيمة و العين و الالف اللينية و الارادة و الروح هي الهندسة الايجادية و الحروف و القدر و النفس هي التركيب و الكلمة التامة و القضاء و عندها تتم كلمة الفعل و العلة و الامضاء هو وقع الاثر كما شاء الله و لهذا الفعل الذي هو الحركة الايجادية رؤس بحسب حروف ما يكتبه في لوح امكان المفعول و تلك الرؤس ما ذكرنا و هي الرؤس الاربعة الكلية فلما صارت التمثلات حكاة تلك المراتب و محالها و مجاليها ظهر الرأس المتعلق بالطبيعة بفلك الشمس فانها مربية الطبيعة الكلية في هذا العالم و هي قطب جميع الافلاك و ممدها و هي المادة الثانية علي ان الوجود و الفؤاد هو المادة الاولي و ظهر الرأس المتعلق [ص 40] بالمواد و الاهبية بفلك زحل فانه مدرك المعاني الجزئية المجردة عن الصور و كوكب الحكماء و ارباب العقول و مابعث الله نبيا الا و هو ذو مرة سوداء صافية و ظهر الرأس المتعلق بالمثال البرزخي بفلك القمر فانه مربي الحيوة و الروح الحيوانية التي هي مثالية برزخية و هو عين الحيوان التي بباب الجنة يغتسل اهلها فيها ثم يدخلون الجنة و هو كبد الحوت التي هي اول اكل اهل الجنة و ظهر الرأس المتعلق بالجسم بفلك المشتري فانه النفس الظاهرة و الصور الجزئية و ليس المراد بهذا الجسم الاجسام الظاهرة بل الجسم الدهري المطلق فلاجل ذلك صار المشتري مقام الصور العلمية و النفس الظاهرة و كوكب العلماء و مربيهم ثم لهذه الرؤس وجوه للتعلق بشهاديات تلك المراتب فوجه الرأس الظاهر في زحل المريخ صاحب الطبيعة الحارة اليابسة في ظاهره و الباردة الرطبة في باطنه و الوهم الذي هو مدرك المعاني الجزئية المستنبطة عن المدركات المادية و وجه الرأس الظاهر في القمر الزهرة التي هي صاحبة الخيالات و الصور الجزئية المثالية المرتبطة بالمواد الشهودية فتنزع عنها الصور و تدركها و وجه الرأس الظاهر في المشتري هو عطارد صاحب الصور الفكرية المركبة من المواد و الصور و الصورتين و هو محل الملائكة الثلاثة سيمون و شمعون و زيتون الموكلين بالصور الفكرية فالثلثة الرؤس مجردات بالنسبة عن المواد و الثلثة الوجوه مرتبطات بالمواد الشهودية و الصور المنتزعة عنها و هي خدام للثلثة العليا تنزع الصور عن المواد الشهودية و تسلمها الي الثلثة العليا فتأخذها مجردة و تدركها من حيث اعلاها و اما الرأس الظاهر في الشمس فليس له وجه فانه القطب الساري في الكل و الحقيقة التي بها تقوم الكل و ليس في المواد الظاهرة امر حقيقي ينتزع فما ادت الثلثة الدنيا الي الثلثة العليا تجرده الشمس [ص 41] عن جميع صوره و تدرك حقيقته فالشمس آية الجسم المطلق في مقام الافلاك و زحل و المريخ آية العرش و العقل و القمر و الزهرة آية الروح التي بين العرش و الكرسي و هي برزخ بينهما و المشتري و عطارد آية الكرسي و النفس فتدبر في تقدير العزيز الحكيم و جهل كثير من العلماء بحقايق الاشياء فلاجل ذلك نقول ان الشمس تستمد من باطن العرش و هو العقل و تمد زحل و تستمد من باطن الكرسي و هو الروح و تمد القمر ثم تستمد من ظاهر العرش اي النفس و تمد المشتري و من ظاهر الكرسي و هو الصور العلمية و تمد عطارد و تستمد من باطن العرش و الكرسي و هما العقل و اعلي الروح و تمد المريخ فانه محل الوهم و المعاني الجزئية و تستمد من ظاهر العرش و الكرسي و هما اسفل الروح و الصور العلمية و تمد الزهرة التي هي محل الخيال و الصور الجزئية فبذلك صارت الافلاك حية مشتعلة بتلك المراتب الغيبية بالفعل و صارت افعال الله الظاهرة فالجسم المطلق مقام المشية و الذكر الاول و ظاهره الشمس و العرش مقام الارادة و ظاهره زحل و المريخ زحل يحكي اعلاها اي اياها من حيث هي و المريخ يحكي اسفلها اي اياها من حيث التعلق و بين العرش و الكرسي مقام القدر و قد نقسم الكرسي بالكرسي و فلك البروج فنقول الكرسي فلك الروح و فلك البروج فلك النفس و ذلك لان الكرسي مقام اجماله و هو الروح و فلك البروج مقام تفصيله و هو النفس فعلي هذا الوجه الكرسي مقام الروح و القمر يحكي اياه من حيث هو و الزهرة تحكي اياه من حيث التعلق و فلك البروج مقام القضاء و المشتري يحكي اياه من حيث هو و عطارد يحكي اياه من حيث التعلق فبذلك تم كلمة فعل الله سبحانه فاذا حصل الاثر في السفليات امضي فالافلاك مقام القدر و القضاء و الارض مقام الامضاء و الكتاب و لله سبحانه البداء ما دام [ص 42] الامر في السماء فاذا وقع القضاء بالامضاء في الارض فلا بداء و علم ما فوق فلك الشمس علم مغيب و علم ما دونه اظهر فانه علم مرتبط بالسفليات و الملائكة التي فيها انس بالارضيات و لذلك يسرع تعلقها بالارضيات و ارتباطها بها في السيميا و التسخيرات و الاستنزالات و لنعنون للارض و احكامها فصلا علي حدة ليتبين المطلب علي كمال الوضوح .
فصل - اعلم ان الارض في عالم التمثلات مقام المفعول كما كانت الافلاك مقام الفعل فهي اي الارض لغلظة مادتها و صورتها و حكايتها اسفل الجسم المطلق الدهري اي الجسم من حيث انه جسم كما بينا صارت تحجب انوار المراتب العالية و ميتة لا حراك لها و يمكن ان تتلطف حتي تصير بلطافة الافلاك فتحكي ما تحكيها فتصير فعلا لله سبحانه و مشية سفلية و محلا للمشية العليا التي هي الفؤاد و العقل و الروح و النفس كما صارت الافلاك فعلا لله سبحانه ظاهرا بحكايتها لها و قد قلنا ان هذه الاربع مراتب فعل الله في الاثر الكلي لان الاثر الكلي علي صفة الوجود المطلق الاعلي الذي هو المشية السرمدية المطلقة بل هي صفته بعينها و تمثله في الخارج و هذه البسايط هي تمثل التمثل و الخلق الثاني و الظهور الخارجي فكما لا تمثل و لا وجود للاثر الكلي الا بها لا تمثل للوجود المطلق و لا وجود في الخارج الا بمراتب الاثر الكلي فالوجود المطلق في الاثر الكلي فوقه في سرمديته و الاثر الكلي في هذه البسايط فوقها في دهريتها فالوجود المطلق سرمدية هذه البسايط لا غير و لاجل ذلك قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و صارت العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية فمما هيهنا نحن نستدل علي ما هنالك و نقول ان الوجود المطلق الذي هو غاية الغايات و مبدؤ المبادي هو مخلوق بنفسه ففيه حيث فعلية و حيث [ص 43] مفعولية و حيث فعليته له مراتب عشر و حيث مفعوليته له مراتب اربع كما في هذا العالم و الوجود المطلق هو بمنزلة الجامع الحاصل من بين هذه الافلاك و هذه العناصر علي ما سنبينه ان شاء الله و كما ان الوجود المطلق هو المشية السرمدية هناك الجامع هو محل المشية اي تمثلها و وجودها في هذا العالم بل هو المشية الظاهرة و امر الله و حكمه و لذلك يترجم عنه و يعبر و يقوم مقامه في الاداء في هذا العالم بالجملة البسايط السفلية تمثل تمثل حيث مفعولية الوجود المطلق الذي هو الامكان و هي ميتة لا حراك لها الا انها امكان صالح لان يحيي و يشتعل بتلك النيران التي هي جهات الفعل فيدور عليها الافلاك التي هي فعل الله و مشيته الظاهرة و يطرح عليها امثلتها و شعلاتها و انوارها فتنزلت و هي حية لانها علي صفة الافلاك فيها مثل ارواح الافلاك و انوارها فتقع علي الارض و تنفذ بلطافتها في اعماق الارض كما ينفذ الاكسير الفعال في اعماق الجسد الملقي عليه و يغوص فيه و الغاية في ذلك تكميل الارواح الناقصة الكامنة فيها بالقوة و اخراجها الي الفعلية و هي لغاية تكثرها مختلفة الاجزاء في المطاوعة علي حسب رطوبتها و يبوستها فاذا وقع تلك الشعلات الحية علي الارض اثارت منها لطايفها المطاوعة و ضربت بعضها ببعض و حدث فيها حركة عرضية فاختلط بعضها ببعض فحدث منها المركبات الجمادية علي حسب اختلاف الاجزاء في الكم و الكيف و اختلاف قوي الفاعلة التي هي واردات التقدير فهي اي الجمادات مركبات عرضية من اجزاء مستقلة بانفسها قبل التركيب فاذا فككها و اهلكها ايدي التقدير عادت الي البسايط عود ممازجة و تختلف مدد كونها علي حسب شدة التركيب و رخاوته و يبس المركب و رطوبته و صلابة الاجزاء و لينها و قد تعمل ايدي التقدير في البسايط اكثر و تأخذ اجزاء اعدل و تصفيها و تبين [ص 44] الصوافي من الارمدة في الجملة و ان كانت نافذة في الارمدة نفوذ الماء في الطين و اجزاء تلك الصوافي متشاكلة في التمثل الظاهري و ان كانت مختلفة في الطبايع و ذلك من حكمة الحكيم و تقدير العزيز العليم في المركبات التي يراد منها مزاج واحد رحماني فان الاجزاء ما لمتتصف لمتتشاكل و ما لمتتشاكل لمتتداخل و ما لمتتداخل لمتتمازج و ما لمتتمازج لمتتفاعل و ما لمتتفاعل لمتتماثل و ما لمتتماثل لمتتحابب و ما لمتتحابب لمتتضام و ما لمتتضام لمتتحد و ما لمتتحد لمتتقابل نور الواحد الفرد و ما لمتتقابل نور الواحد لمتحكه و ما لمتحكه لميلق فيها مثاله و ما لميلق فيها مثاله لميظهر عنها افعاله و لمتصر عرشا مستوي الرحمن فافهم ان كنت تفهم هذا البيان و مرادي بالمشاكلة تشكيل التمثل الخارجي و ان اختلفت الاجزاء في الطبايع و وجود المشاكلة مع مخالفة الطبايع دليل علي طبايع غيبية بها تحصل للاشياء امزجة مختلفة ألاتري ان الماء الحاد في غاية البياض و السيلان و الرقة و هو حار يابس و ماء العنب المصفي ابيض رقيق سيال و حار رطب و مقطر النيلوفر ابيض رقيق سيال و بارد رطب و مقطر بزرالبنج ابيض رقيق سيال و بارد يابس فهذه المياه متشاكلة في الصورة قابلة للتداخل و الامتزاج و التفاعل مع ان طبايعها مختلفة فاذا تفاعلت كسر كل واحد سورة الآخر باخراج ما في كيانه الي عيانه فتتماثل حينئذ طبايعها فتتحابب فتتضام فتتحد فيحصل لها مزاج واحد ثم ان كانت الاجزاء متساوية كما و كيفا طبيعيا حصل مركب معتدل و الا فمنحرف بالجملة ربما تعمل ايدي التقدير علي حسب ما ذكرنا و استخرجت من هذه العناصر الظاهرة صوافي و ضربت بعضها ببعضها حتي حصل لها صورة وحدانية طبيعية فاوجدت نباتا و هذه الصوافي هي النفس النباتية و هي متلبسة بارمدتها و اكدارها و جعلت الاكدار عليها [ص 45] وقاية لها و تلك الاكدار جمادية فاذا حصلت النفس النباتية حصل لها قوي جاذبة من نارها و هاضمة من هوائها و دافعة من مائها و ماسكة من ترابها و مربية من الصورة الوحدانية الحاصلة لها و خاصيتان الزيادة التي هي النما و النقصان الذي هو الذبول فربت و نبتت فصعدت بنارها و شايعها البواقي بالمماثلة و انتشرت بهوائها و شايعه البواقي و لانت و تسفلت بمائها و شايعه البواقي و نزلت و هبطت بترابها و شايعه البواقي و جذبت المشاكل بنارها و هضمته بهوائها و دفعت عن نفسها الارمدة بمائها و امسكت المماثل بترابها و احالته الي شكله بصورتها الوحدانية فربت و نمت بذلك فزادت ما دامت محفوظة بيد التقدير و طاوعت فاذا عصت و جفت الرطوبة المطاوعة فيها ذبلت و ذلك تقدير العزيز الحكيم فاذا وردت عليها مقادير مضادة لمقادير تكوينها فرقتها و عادت الي البسايط عود ممازجة لا عود مجاورة ثم قد تعمل ايدي التقدير بسر التدبير في هذه البسايط اكثر و تنفذ اشعة الافلاك في اعماقها فتأخذ اجزاء ارق و اعدل كما و كيفا فتدبرها حتي تنبه راقدة الفلكية الكامنة فيها و تكملها و تقوي ما فيها من الفلكية بالقوة فتصفي الاجزاء مرة عن الاكدار الجمادية فتستخرج منها الصوافي العنصرية النباتية ثم تعمل فيها حتي تلطفها و تصفيها بخارا و تذر عنه الاعراض النباتية و تجعله كجرم فلك القمر في الصفاء و الشفف و اللطافة و الرقة و تقوي ما في ذلك البخار من الروح المثالي و ذلك الروح المثالي مثال الروح المثالي الكلي الذي في الجسم المطلق كما بينا و فرد منه و ظهور له فيشتعل ذلك الروح في ذلك البخار فيحيي و يتحرك بالبسط و القبض و ذلك المثال هو النفس الحيوانية و ذلك البخار هو نبات صاف لطيف يليق بان يشتعل فيه النفس الحيوانية بخلاف نفس النبات المحضة فانها غليظة جامدة و لاتليق باشتعال الروح الحيوانية كما ان [ص 46] الاكدار الجمادية المحضة ماكانت تليق بالنفس النباتية و اكدار النبات التي صارت لباس النفس النباتية كانت الطف و اصفي و اطوع للنفس النباتية و الجماد المحض ماكان يطاوع النبات و كذلك اكدار نبات استخرج منه الحيوان اصفي من اكدار نبات محض و ذلك كبدن الحيوان و جسم الشجر و المعدن و الجماد فنبات الحيوان ايضا الطف من النبات المحض البتة فذلك البخار نبات الحيوان و الصوافي التي في الشجر نبات النبات و علي هذه فقس ما سيأتي فالبخار الحاصل نبات رقيق صلح لرعي الحيوان فلما عمل ايدي التقدير في ذلك البخار قوت ما في كمونه من النفس الحيوانية المثالية كما تقوي النار الخارجية النار التي في الدخان فتشتعل في الدخان فتصير شعلة تعمل عمل النار و تري فهي نار مرئية مشهودة و تلك الروح الحيوانية هي من عالم المثال و هي صورة قد خرجت من كمون المادة الدهرية تقوم بها و ان اردت الكشف عن ذلك حتي تشاهدها فاعلم ان هذه البسايط المشهودة مركبة من البسايط الاصلية الهورقلياوية و البسايط المشهودة لديها بمنزلة الصفراء لدي النار و الدم لدي الهواء و البلغم لدي الماء و السوداء لدي التراب فهذه البسايط المشهودة مركبة من البسايط الهورقلياوية و الغالب علي النار الظاهرة نارها و علي الهواء الظاهر هواؤها و علي الماء الظاهر ماؤها و علي التراب الظاهر ترابها و هذه البسايط المشهودة زمانية مركبة فاذا عادت الي الهورقلياوية حصل نار محضة و هواء محض و ماء محض و تراب محض بالنسبة و هي التي يحصل منها مزاج النبات و طبعه كما مر و كل واحد منها مركب من مادة و صورة و كذلك افلاك هذا العالم مركبة من اجرام هورقلياوية فاذا تفكك تركيبها عادت الي افلاك ذلك العالم و هي الافلاك البسيطة بالنسبة و كل فلك منها مركب من مادة و صورة فصور تلك البسايط الفلكية و العنصرية [ص 47] هي المثال البرزخي و مادتها هي عالم الهباء و المادة الدهرية و اما الجسم فهو الامر الساري في هذه التمثلات الدنياوية و المادة الدهرية مع الصور المثالية و ان كانت جسما ايضا الا انه جسم برزخي و لذلك روي ان الروح جسم رقيق البس قالبا كثيفا و القالب الكثيف هو الجسم المشهود الدنياوي فعالم المثال هو عالم الصور الدهرية القائمة بالمادة الدهرية و له افلاك و عناصر و عالم الاجسام تنزل عالم المثال اذ الصورة الجسمية صورة حاصلة من تركب الصور المثالية و تكثفها بالتركيب كما تري ان الهواء جسم رقيق لايحجب ما وراءه و الماء جسم رقيق لايحجب ما وراءه فاذا ضرب بعضهما ببعض رغا الماء و ازبد جسما مرئيا حاجبا لما وراءه و كذلك الاجسام الرقيقة الهورقلياوية اذا ضرب بعضها ببعض و تركبت حصل منها جسم هذه الدنيا العرضي الكثيف الغليظ في السماويات بحسبها و في الارضيات بحسبها الا ان السماويات اقل تكثرا و اشبه بالاصل و العنصريات اكثر تكثرا و ابعد عن الاصل فلاجل ذلك صارت السماويات احكي لعالم المثال و العنصريات احجب فاذا عملت التقادير في هذه العناصر الظاهرة و ركبتها مرة بالجمادية و صفتها مرة بالنباتية ثم صفتها مرة اخري و جعلتها بخارا صافيا و خلصتها عن التراكيب الجمادية و النباتية المحضة و ارمدتها عملت فيه مرة اخري و كملت ما فيه من البسايط الاولية الهورقلياوية و ركبتها حتي حصل لها صورة واحدية و جعلتها بلطافة افلاك هورقليا صارت روحا حيوانية لها مادة دهرية برزخية و صورة دهرية برزخية و كان امتدادها امتدادا برزخيا و صار ذلك البخار الدنياوي الذي كان في الصفا بمنزلة هذه الافلاك لباسا لها و مشتعلا بها فحيي و تحرك قبضا و بسطا فالروح الحيوانية ايضا مركبة من البسايط البرزخية المستقلة قبل التركيب و مرتبطة من حيث الاسفل بهذه [ص 48] العناصر لان هذه العناصر مركبة ايضا من تلك البسايط الا انها ليست علي حسب الاعتدال الكامل كما و كيفا و تركيب هذه البسايط تركيب جمادي و تركيب تلك الروح تركيب معتدل كما و كيفا و اجزاؤه اصفي فلو اعتدل هذه البسايط ايضا حييت كالروح البخاري و كالروح الحيوانية و ان الدار الآخرة لهي الحيوان فاذا اختل الآلات الجسمانية و بطل تركيبها بطل البخار و تفرق فتفرق بسائطها ايضا فعادت الروح الحيوانية الي البسايط الهورقلياوية عود ممازجة لا عود مجاورة و انما ذلك في الحيوان المحض و هذه الروح هي النفس الحيوانية فاذا صارت بالفعل حصل لها خمس قوي باصرة و سامعة و شامة و ذائقة و لامسة بحسب خواص بسائطها فبالنار تبصر و بالهواء تسمع و بالماء تشم و بالتراب تذوق و بالمجموع تلمس الا انها فيها في عالمها شديدة التماثل و تتمثل و تتفرق في هذا البدن كما تري و لها خاصيتان الرضا بوجدان المشاكل و الغضب بوجدان المنافر ثم اذا عملت التقادير مرة اخري في الروح الحيوانية و صفتها لان تصير قابلة لظهور النفس الانسانية بقول مطلق عليها طهرتها عن ارمدة هي اللائقة بالحيوانات المحضة و عملت فيها حتي جعلتها بلطافة افلاك عالم المثال فحينئذ صلحت لركوب النفس الانسانية عليها ثم عملت فيها حتي كملت ما فيها من صلوح النفس الانسانية و هي الحقيقة الواحدة التي فيها فقوتها حتي اخرجتها الي الفعلية و اشعلتها في الروح الحيوانية فصارت انسانا و حصل لها قواها و خواصها و ان اردت الكشف عن حقيقة تلك النفس و صفة توحدها فاعلم ان البرزخ الذي عرفته صورته عالم المثال و مادته عالم المادة و تلك المواد من حيث تلبسها بالصور متحصصة ممتازة و من حيث الطبيعة متشاكلة و امكانها هي الطبيعة التي يدفن فيها اهل البرزخ اذا ماتوا و عادوا اليها عود ممازجة و هي عرصة لا حاس فيها [ص 49] و لا محسوس الا انها طبايع جوهرية قد تألف منها افلاك البرزخ و عناصرها و هي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة المجردة عن المواد و المدد الدنياوية و المادة التي دونها و المثال الذي تحتها فان المواد حصص منها و الصور حدود لها اي للمواد فهي امكان طبيعي للمواد و المراد بالكيفيات المجردة الكيفيات الجوهرية التي بها تقوم جوهرية الاثر عند مؤثره من حيث صدوره عن الفاعل و من حيث هو هو و الرابط بينهما لا الكيفيات العرضية مثل ما علي الاجسام الظاهرة فالطبيعة التي هي امكان عالم البرزخ هي الكيفيات الجوهرية المجردة عن المواد و مثلها الصالحة للتحصص و التكمل و التنزل و هي سارية في جميع سموات ذلك العالم و ارضيه يعني كلها منها و هذه الطبيعة مآل اهل البرزخ و معادهم يعودون اليها عود ممازجة كائنين ما كانوا بالغين ما بلغوا و يبقون فيها مدي ما بين النفختين الي ان ينفخ فيه نفخة الاحياء و الحشر و قدر ذلك المدي باربعمائة سنة بالجملة انت لو تفكرت في تلك الكيفيات الجوهرية الاضافية و صفيتها عن الاكدار الطبيعية التي بها تميزت الكيفيات بعضها عن بعض و حصلت الواحد الساري النافذ فيها حصل لك النفس الدهرية المعراة عن المواد و المدد و آية تلك التصفية انك لو طهرت هذه العناصر عن خصوصية نارها و هوائها و مائها و ترابها و استخرجت ذلك الجسم المشترك بينها غير النافي لواحد منها الحاصل بتطهيرها و تشكيلها و تداخلها و تمازجها و اتحادها و تلطيفها كما بينا حصل الروح البخاري و ذلك خارج عن اقطار النار و الهواء و الماء و التراب معري عن صورها و موادها بل هو مركب كالافلاك من البسايط البرزخية و ليس من المواليد العنصرية و لاجل ذلك نقول ان الافلاك اجسام غير مركبة من الطبايع العنصرية و لها وحدانية بالنسبة الي العناصر فحارها غير حار [ص 50] بالنار و باردها غير بارد بالماء و هكذا بخلاف المركبات من العناصر و انما عناصر استخرجت منها تلك الروح هي التي تركتها الطبيعة وراءها و هي الاخلاط فهي امر خارج عن الطبايع العنصرية و فوقها و كانت بالصلوح في كلها و مع ذلك ليست بمثابة الجسم المطلق و انما هي جسم مقدر محدود بالفعل الا انها خارجة عن الطبايع و كذلك الامر في النفس المستخرجة من الطبايع فهي معراة عن حرارة الطبيعة و برودتها و رطوبتها و يبوستها و فوقها كانت فيها بالصلوح و لا تنافي واحدة منها كما لا تنافي الفلكية واحدا من العناصر و ليست تحصل الفلكية بمحض تفاعل العناصر بل تحتاج الي القاح الافلاك و تكميلها ما فيها من جنسها هذا و جميع العناصر ايدي الافلاك و تفاعلها بفعل الافلاك بها القت في هويتها مثالها فاظهرت عنها افعالها و كذلك استخراج النفس الجزئية من الطبيعة ليس الا بتلقيح النفس الكلية و جميع الكيفيات الجوهرية ايديها و حروف كلمتها فافهم فاذا عملت التقادير في هذه العناصر و صفتها شيئا بعد شيء حتي جعلتها نباتا ثم حيوانا بانشاء خلق آخر في الرحم عند التولد الجسماني اي تمام البدن و حصوله عن قوة العناصر عملت في الروح الحيوانية مرة اخري حتي بلغت طبايعها فصفتها عن اكدارها المميزة و تركتها وراءها و استخرجت من كل واحد منها ما فيها من النفسانية غير المنافية لشيء منها و هي مشاكلة مماثلة في المادة و الصورة فتعانقت و تضامت فاتحدت و حدثت النفس الواحدية المعراة عن المواد البرزخية و الدنياوية و صورهما و هذه جوهرة دهرية واحدية غير مركبة من جزئين مستقلين يمكن تفككهما و عودهما الي اصلهما بل هي مركبة من اجزاء لايقوم بعضها الا ببعض و لايوجد بعضها الا مع وجود بعض و هي الشيء الجوهري الحقيقي الواحدي المطهر عن شوب الاعراض البرزخية و الدنياوية [ص 51] و الاثر التام الكامل المستقل فلها المراتب الثمان جوهرية فلها فؤاد و عقل و روح و نفس و طبع و مادة و مثال و جسم مطهرة مصفاة متشاكلة متماثلة متضامة متحدة بوحدة واحدية يري ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها اي يعمل باطنها اعمال ظاهرها و ظاهرها اعمال باطنها و حكم بعضها حكم كلها و حكم كل جزء منها حكم الجزء الآخر و لا بد لنا ان نشرح هذا المقام في فصل علي حدة ليتبين لك حقيقة المرام .
فصل - اعلم ان الدور بلحاظ آخر ثلث دار الدنيا و دار البرزخ و دار الآخرة اما دار الدنيا فهذه الدار المحسوسة التي سقفها الفلك التاسع و فرشها الارض التي يكون الانسان فيها ما دام حيوته و فيها افلاك و عناصر عرضية مركبة مستقلة قبل مواليدها و يتألف منها مواليد تدوم الي منتهي اجلها ثم تتفكك حتي تعود الي اصولها عود ممازجة و مواليدها جماد و معدن و نبات لا غير و لهذه الثلثة درجات في الكثافة و اللطافة و الغلظة و الرقة و يختلف هيئاتها علي اشكال مختلفة بحسب اختلاف اجزائها في الكم و الكيف و الرقة و الغلظة فما كان منها اعدل و ارق يطاوع المبدء و يكون علي حسب هيئة تقدير القدير و ما كان منها منحرفا و غليظا فيغير صورة التقدير علي حسب قابليته و هذه المواليد تؤلف من بسايط دار الدنيا المستقلة قبل التأليف فتدوم الي منتهي ما قدر لها من الاجل ثم يقدر الله جل جلاله اسبابا مفككة لها فيفككها و هو موتها و فسادها و بوارها فتعود اجزاؤها الي البسايط العامة فتعود اليها عود ممازجة انما مثل الحيوة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فاصبح هشيما تذروه الرياح منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة اخري كما بدأكم تعودون فهذه الدار برمتها دار فناء و سينقضي آجال بسايطها ايضا و تتفكك و تبدل الارض غير الارض و السماوات نعم يبقي مثلها في امكنة وجودها [ص 52] و اوقات حدودها في اللوح المحفوظ الكلي يعلمها الله سبحانه و هي محفوظة بحفظ الله لايضل ربي و لاينسي و لاتزعم ان حضورها عند الله سبحانه حضور الاواني علي المائدة عندك بل قد اشرنا سابقا الي نحو علم العالي بالداني في العالي و هو لايشغله علمه بشيء عن علمه بشيء اذ هو مستو علي عرشها ليس شيء منها اقرب اليه من شيء آخر و هو اولي بها منها نافذ في جميع امكنتها محيط بها يعلم كل واحد منها في موضعه و حده و له علم واحدي بها في مقام اجتماعها و توحدها و هل تلك المثل في الزمان او الدهر لا شك انها محيت من لوح الزمان حين مضيها و اثبتت في الدهر فتلك المثل دهرية مجتمعة في الدهر حاضرة عند الله سبحانه كل في مكانه و حده و ان قلت ان ما دخل في ملك الله لايخرج من ملك الله فكيف محيت تلك المثل عن لوح الزمان قلت ان الزمان نسبة بين الحادثين الواقعين في وقتين علي مادة واحدة فيكون الطين علي هيئة اللبنة فتكسرها و تجعله علي صورة فخار و تريد ان تكسر الفخار و تجعله كأسا فاللبنة واقعة في ماضي الفخار و قد محيت صورتها عن لوح الطين و اثبت عليه صورة الفخار و الكأس واقعة في مستقبل الفخار و سيمحي صورة الفخار و يثبت علي لوح الطين صورة الكأس فبهذا المحو و الاثبات يتحقق الزمان و لولا هذا المحو و الاثبات لميتحقق ماض و لا حال و لا مستقبل فاذا اجتمع الماضي و الحال و المستقبل في عرصة واحدة في صف واحد فلا زمان فحينئذ يراعي ترتبها علي ما تقوم بها فهي دهرية حينئذ و كما انها حاضرة في الدهر باجمعها يراها الدهري باجمعها معا و هذا النظر الذي تري به عمروا ثم زيدا ثم بكرا في الصف الواحد هو نظر زماني بعين زمانية فهي مجتمعة في الدهر و اجتماعها جعلها دهرية و العين الدهرية تراها جميعها و رؤيتها جميعها بالعين الدهرية في حيث اجتماعها و توحدها في رتبة النفس ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه [ص 53] و الانسان في اي مقام ابدا يري شيئا واحدا فحضورها عند النفس في الدهر حضور وحداني و تراها بوحدتها بعين دهرية و اما بافعالها و مشاعرها المصاقعة لها في تكثرها تراها في تكثرها كلا في حده و مقامه كما تري انت بخيالك زيدا في المسجد يوم الجمعة حال الصلوة فجميع ما سلف من الزمان الآن في الدهر و جميع ما سيأتي في الدهر و الحال معهما في الدهر الا ان نسبة الحال الي سابقه و لاحقه زمان و هذه النسبة هي الزمان و لو عقلت للحال دهرية حال وجوده و زمانية عرفت ما اقوله بل للحال زمانية و دهرية و سرمدية في حالة واحدة بالجملة هذه هي الدنيا و هي اعليها محدب العرش و اسفلها مركز الارض و كلها دار فناء لا دار بقاء و اما دار البرزخ فهي دار فوق هذه الدنيا و بعدها و هي دار لها افلاك و عناصر سقفها عرشها و فرشها ارضها و بينهما مواليد قد تولدت من بسايطها فافلاكها في افلاك هذه الدار و عناصرها في عناصر هذه الدار و مواليدها في مواليد هذه الدار و هذه الدار بالنسبة الي تلك الدار عرضية لانها حدثت من امتزاج عناصر تلك الدار و ضرب بعضها ببعض و تعاكس اشعتها و انوارها و اختلاط بعضها ببعض فهذه الدار لها مادة و صورة مادتها صورة عالم البرزخ و صورتها هذه الصور الكثيفة الدنياوية و ان قلت ان مواليد عالم البرزخ ايضا مركبة من بسايطها البرزخية فما بالها لا تكون كثيفة كبسائط هذه الدنيا و مواليدها قلت ان المركب من اللطائف الروحانية المطهرة عن الادناس الغريبة المكثفة ليس كالمركب من ذوي الادناس و الغرائب المنافرة ألاتري ان الجبل مركب من عناصر هذه الدنيا و الماس ايضا مركب من عناصر هذه الدنيا لكن الماس من لطائف العناصر و مطهراتها و مصفياتها و مشاكلاتها و مماثلاتها و اجزاء الجبل غير مطهرة و غير مصفاة فهذه الدنيا حصلت من تراكم تنزل بسائط البرزخ و تعاكس اشعتها و انوارها [ص 54] غير مشاكلة و غير مماثلة و اما مواليدها فمن تركيب ذوات تلك الطبايع و بينهما فرق عظيم بالجملة مواليد ذلك العالم برزخية و هي ايضا ثلثة الا انها كلها حية لصفائها و حكايتها المراتب العالية و آثارها فلاجل ذلك ان مواليد البرزخ كلها حيوان ذو حيوة حساسة دراكة مريدة متحركة فهي في البرزخ جماد حي و معدن حي و نبات حي يعني نسبة ادني مواليده الي اعلاها كنسبة الجماد الي النبات علي حذو ما مر آنفا و قد مر صفة تكونها من ان يد التقدير بعد ما عملت في بسايط هذا العالم و صفتها و ركبتها بخارا مستعليا علي الاخلاط و العناصر مخضت ذلك البخار مخض السقاء حتي جمعت من كمونها اصول عناصرها الجوهرية البرزخية الحيوانية فالفتها حيوة حيوانية فاشتعلت في ذلك البخار فتحرك و اراد و احس و ليس حيوانية الحشرات المتقطعة كحيوانية الدواب و لا حيوانية الدواب كحيوانية بدن الانسان مع انها كلها من مواليد البرزخ و تلك الحيوانات لما كانت مركبة من بسايط دار البرزخ المستقلة في الجملة اذا فنيت و تفككت عادت الي ما منه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة الا ان تفككها علي الاختلاف فمنها ما هو طويل العمر و هو اشدها مفارقة لبسايط هذه الدنيا و اكثرها تصفيا و منها ما هو قصير العمر و هو اشدها خلودا في الدنيا و ركونا اليها حتي ان منها ما يتقطع تقطع الاجسام الدنياوية فمنها ما لايبقي بعد خراب البدن و يتفرق بتفرقه و منها ما يبقي قليلا و منها ما يبقي الي نفخة الصعق نعوذ بالله منها و كلها فانية زايلة تعود الي ما بدأت منه عود ممازجة و اما قول اميرالمؤمنين عليه السلام ان النفس الحيوانية اصلها الافلاك فالمراد ان الافلاك لاشتعالها بحيوة البرزخ ملقحة للبخار المكون في قلب الحيوان و نسبة حيوة بخار القلب الي الفلك كالضوء من الضوء و السراج من السراج و لان الحيوة الحيوانية حقيقة من افلاك [ص 55] عالم البرزخ التي هي في افلاك هذه الدنيا المشتعلة بها فسميت بها كما يسمي الدخان المشتعل بالنار و يسمي البخار الذي في القلب بالروح الحيواني و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام انبعاثها من القلب و الذي ظاهر في القلب هو البخار المشتعل بالحيوة بالجملة لدار البرزخ ايضا افلاك هي جهات فعل الله سبحانه و عناصر هي جهات مفعوليته و لها عقل هو عرشها و نفس هي كرسيها و الافلاك جهات تعلقات النفس بعناصرها و طبايع هي عناصرها و مواد هي حصصها و امثلة هي صورها و اجسام هي المؤلفة من عناصرها و ان كان كل تلك الدار بالنسبة الي هذه الدار برزخا بين الدهر و الزمان و من حيث الصورة مثالا في كلية ما سوي الله سبحانه و هو المثال الذي قدمناه سابقا في ضمن كليات العالم بالجملة اهل دار البرزخ اذا ماتوا بالموت العام الذي يبطل فيه كل حاس و محسوس يدفنون في الطبيعة الكلية التي هي الكيفيات الجوهرية التي منها تركبت بسائط تلك الدار فلاتبقي الا الطبايع الجوهرية و يفني جميع تراكيبها و مثلها و موادها و تعود الي ما بدأت منه من الطبايع و تلك المثل ايضا تمحي من لوح موادها و تثبت في عالم الآخرة الذي هو وسط الدهر و يعلمها الله كما مر و هي حاضرة في امكنة حدودها و اوقات وجودها عند الله سبحانه علي نحو ما مر و ليست اذا ببرزخية فانما هي دهرية محضة و وجود المحو في رتبة لايوجب خروج الشيء عن علم الله و انتفاؤه عن موضع حده و وقته بل لا محو في الحقيقة و كل مثال زماني او برزخي ثابت في حده و مقامه ابد الابد لايضل ربي و لاينسي و ما دخل في ملك الله لايخرج من ملكه كما ان زيدا دخل في ملك الله و لايخرج من ملك الله و لكن كان دنياويا فصار برزخيا و سيصير اخرويا و كذلك المثل كانت حين كانت زمانية فصارت بعد المحو الظاهر الوجداني عن لوح الزمان برزخية ثم دهرية و هي [ص 56] هي تلك المثل الزمانية كما ان زيدا هو الزيد الزماني فافهم و اما الدار الآخرة فهي دار بعد دار البرزخ و فوقها و لها افلاك و عناصر و افلاكها في افلاك البرزخ في افلاك هذه الدار و عناصرها في عناصر البرزخ في عناصر هذه الدنيا و مواليدها في مواليد البرزخ في مواليد هذه الدنيا و قد تنزلت الي البرزخ فصارت فيه بالقوة و تنزلت بالبرزخ الي الدنيا فصارت فيها بالقوة و انما يخرج و يحيي بنداء اقبل كل جزو يجيب من الدنيا حتي يستخرج منه البرزخ ثم الآخرة فان اجاب فله برزخ او و آخرة و ان لميجب فلا آخرة له او و لا برزخ و مواليد تلك الدار كلها نفوس ناطقة اي تنطق الا ان بعضها علي الصورة الانسانية و هي الناطقة القدسية اشبه الاشياء بالنفوس الملكية و هي التي مقرها العلوم و هي من كرسي ذلك العالم و بعضها علي الصورة الشيطانية و هي الامارة بالسوء و هي من افلاك ذلك العالم لكن من حيث انفسها و بعضها علي صورة الحيوانات و هي التي من فلك قمر ذلك العالم و بعضها علي صورة النباتات و هي التي من صفايا عناصر ذلك العالم و بعضها علي صورة الجمادات و هي من ظواهر عناصر ذلك العالم لكن جميعها حية نفسانية ناطقة و لاتكون الا في الانسان فالتي في الشياطين و الحيوان و النبات و الجماد ليست حصصا من تلك النفوس و تلك النفوس ليس فيها كثرات عالم الدنيا و البرزخ بل كل واحدة منها متحدة بوحدة واحدية دهرية يعني لا قوام لجزء من اجزائها الا مع الآخر كالكسر و الانكسار حيث لا ظهور للكسر الا بالانكسار و لا تحقق للانكسار الا بالكسر و جميع تلك الدار حية بالذات و ان الدار الآخرة لهي الحيوان و لجميع مراتبها شعور انساني و لتلك الدار افلاك و عناصر متشاكلة متماثلة متداخلة غير متزايلة فعرشها في كرسيها و هما في افلاكها و هي جميعها في عناصرها و هي بعضها في البعض تتحد منظرا و تتعدد مخبرا كل مرتبة منها [ص 57] شرط المرتبة الاخري لاتحقق للدانية الا بالعالية و لا ظهور للعالية الا بالدانية و اما النفوس الجزئية فقد امتازت بعضها عن بعض بصورها و تخطيطاتها التي هي الصور العلمية و العملية الحاصلة لها من اكتساباتها من الابدان البرزخية و الدنياوية و شدة حكايتها لما ورائها و ضعفها و ذلك ان الدار الآخرة لما تلبست بالاعراض البرزخية استجنت فيها و تبدل حيوتها بالموت و فعليتها بالقوة و تنزهها بالتلوث و قوتها بالضعف و وجودها بالعدم في رتبة البرزخ لا في رتبتها ثم لما تلبست بالصورة الدنياوية جرت تلك الاحوال علي اللباس البرزخي ايضا فتمثلا بالصور الدنياوية و هي صالحة للتطهير و التصفية و رفع الغرايب و الاعراض الحاجبة فلما عمل ايدي التقدير في الحصص الدنياوية و اخذت في تدبيرها طهرت و صفت عن الاعراض الهبائية حتي خرجت من كمونها النفس البرزخية الحيوانية ثم طهرتها و صفتها عن كثراتها و اعراضها و غرايبها الطبيعية حتي خرجت عن كمونها النفس الناطقة و تلك الحصص مختلفة الاجابة مختلفة الكم و الكيف مختلفة التطهر و التصفي و التخلص فلاجل ذلك اختلفت النفوس المستخرجة علي حسب اختلاف اجابتها لنداء ألست بربكم بالسبق و التأخر و حسن الاجابة و سوئها فلاجل ذلك اختلفت النفوس الجزئية فلا ظهور للانفس الا بالاجابة و هي مقدمة وجودا فوق تلك الاجابة حين الاجابة لا قبل و لا بعد علي حسب تلك الاجابة فساع سريع نجا و لاحق بطيء رجا و متأخر في النار هوي و كلها نفوس مستخرجة موجودة بالفعل و اما النفس الكلية الكونية فهي موجودة مستخرجة من البرزخ الكلي و هو موجود مستخرج من الدنيا الكلية اي الجسم الكلي و لها تمثلات كلية مستخرجة من التمثلات البرزخية و الدنياوية فان الدنيا الكلية قد اجابت منها البسايط الكلية الفلكية حين خلقت و حصل لها برازخ و اجابت [ص 58] البرازخ الكلية الفلكية حين خلقت و حصل لها نفوس كلية فلاجل ذلك تكون الافلاك ذوات نفوس و حيوة دائما و اما الارض الدنياوية فهي ايضا مجيبة في مستقبل الاوقات الزمانية و مستخرجة منها الارض البرزخية في مستقبل الاوقات البرزخية و هذا المضي و الحال و الاستقبال الزمانية و البرزخية متعددة مترتبة في رتبها و هي كلها مجتمعة في الدهر في آن واحد دهري فالارض الدهرية النفسانية ايضا في الدهر ثابتة حية موجودة ثبوت نفوس الافلاك فالنفس الكلية الكونية في الدهر موجودة ابدا دهريا في الدهر برمتها لاتترقب حدوث فعلية لها مثل ما تترقب الزمانيات و البرزخيات فلا محو فيها و لا اثبات و ليس فيها اختلاف البداوات و ان كان يتدرج ظهورها في الزمان و البرزخ في اوقاتهما فالنفس الكلية نفس الجسم الكلي الموجود في جميع الازمنة و الامكنة و نفس الطبيعة الكلية البرزخية الموجودة في جميع اوقاتها و امكنتها و تمثلاتها العامة ايضا موجودة متداخلة لا متزايلة متحدة في المنظر مختلفة في المخبر لاختلافها في السبق و التأخر و حد الاجابة و اما النفوس الجزئية فهي و ان كانت باجمعها موجودة في الدهر و لا مضي و لا حال و لا استقبال زمانية و لا برزخية فيه و لكنها تمثلات النفس الكلية و كمالاتها و شؤنها و مراتب اشعتها و انوارها فتعطي النفس الكلية كل واحدة منها اسمها و حدها و تعددها بحسب اختلاف اجابتها في التقدم و التأخر و كيفية الاجابة فان قلنا انها قبل ظهور النفس الناطقة من البدن الدنياوي لا وجود لها في الدهر فحق فانها حين تخلصها هنا توجد و تمتاز في الدهر و لكن هذا الحين حين دهري و ان قلنا انها موجودة في الدهر الآن و ان تخلصت و حصلت بعد الف سنة من بدنها الآتي بعد الف سنة فحق فان الدهر ليس فيه مضي و لا حال و لا استقبال و هذا الآن آن دهري فالقول [ص 59] الفصل ان الله سبحانه خلق النفوس باجمعها قبل ان يخلق ابدانها في هذه الدنيا باربعةآلاف سنة من سني الدهر و قبلية الدهر و الآن جميع النفوس برمتها موجودة في الدهر و كانت في الدهر قبل ان يخلق الله آدم و حواء باربعةآلاف سنة و قبل يومنا هذا باربعةآلاف سنة و قبل آخر يوم من ايام الدنيا باربعةآلاف سنة و اني قبل ان اقول لك زيد قائم ماكنت قائلا لك و ماكنت تعلمه انت في اربعةآلاف سنة قبل هذا فاذا اخبرتك به و علمت قد اخبرتك به و علمته قبل الآن باربعةآلاف سنة فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و اني لو هذبت العبارة و اقتصرت علي الاشارة ماكنت تفهمه و لكني كررت العبارة و اوضحت الاشارة لتفوز بالمراد ان كتب لك .