كتاب طريق النجاة المجلد الاول
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله الرحمن الذي علم القرآن خلق الانسان علمه البيان و الصلوة علي محمد سيد الانس و الجان الذي به اهتدينا الي الايمان و وفقنا للاذعان و علي آله الذين بنورهم عمر الله عرصة الامكان و جعلنا من اهل الايقان و رهطه الذين بهم انار الله البرهان و اقام الحجج و نصب السلطان و لعنة الله علي اهل الطغيان و اصحاب العدوان و حزب الشيطان .
و بعد يقول العبد الاثيم و الفاني الرميم كريم بن ابرهيم ان هذه تذكرة للمتقين و عبرة للمعتبرين و منار للمهتدين و دليل للسالكين و سبيل للسايرين و هداية للمستهدين و عون للمستعينين و غوث للمستغيثين و ارشاد للضالين و تنبيه للغافلين و تأييد للذاكرين و تكميل للمبتدين و ذكري للمنتهين كتبتها تقربا الي الله لتكون تنبيها لنفسي الغافلة و لاخواني المؤمنين نفعني الله و اياهم بها و جعلها ذخرا لي ليوم الدين بحق محمد و آله الطيبين الطاهرين و رهطه المخلصين و ذلك اني وجدت العلم ثلثة علما هو من المبادي البعيدة للعمل و هو العلم بحقايق الاشياء و يسمي بعلم الحقيقة و علما مقرونا بالعمل و هو العلم باصلاح النفس و تزكية الاخلاق و كيفية التخطي و السير الي الله سبحانه و يسمي بعلم الطريقة و علما بكيفية الاعمال و حسنها و قبحها و حلالها [ص 3] و حرامها و يسمي بعلم الشريعة و وجدتني قد كتبت كتبا عديدة في علم الحقيقة و علم الشريعة و اغفلت علم الطريقة مع انه من المهمات التي لاينبغي الاخلال بها و كان يعوقني من ذلك عوائق الدهور و مجاري المقدور الي ان يسر الله و له الحمد تصنيفي و تأليفي لهذا الكتاب المستطاب و ساعدني الاستخارة و ارجو الله الوهاب ان يوفقني لاتمامي له علي وجه يحبه الله و يرضاه و علي نهج انتفع به و احبه و اهواه ما شاء الله كان و ما لميشأ لميكن و لا حول و لا قوة الا بالله و لما كان تفصيل هذا العلم مما لايمكنني الآن لاشتغالي باجوبة مسائل المؤمنين و المسلمين في ساير العلوم و قد كتب فيه ساير اصحابنا كتبا عديدة رأيت ان اكتب في ذلك ما اغفلوه و اقيد منه ما اهملوه و اقتصر في ذلك بشرح فقرة خاصة من حديث كميل و حديث الاعرابي في صفة النفس القدسية و اشرح الحيوانية في الانسان و الامارة بالسوء تبعا و ان كان يذكر فيه بعض ما يتعلق بباقي الحديثين اتماما للكلام و توضيحا للمرام و لكن المقصود بالذات في هذا الكتاب شرح تلك الفقرة من كل واحد منهما و ساذكر ذينك الحديثين في عنوان الكتاب تبركا بهما و اطلاعا للراجعين الي هذا الكتاب عليهما اما حديث كميل فهو ما رواه الملا محسن القاشاني في الكلمات المكنونة و محمد بن محمد بن حسن الشهير بابنقاسم العاملي في الاثنيعشرية و هذا الحديث و ان وجدناه مرسلا الا انه في نفسه كلام يشهد بانه صدر من معدن العلم و الحكمة و محل النبوة و سنخ الولاية و قد ارسلاه عن كميل بن زياد قال سألت مولانا اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب عليه السلام قال قلت يا اميرالمؤمنين روحي فداك اريد ان تعرفني نفسي قال يا كميل اي النفس تريد ان اعرفك قال قلت يا مولاي و هل هي الا نفس واحدة قال يا كميل انما هي اربعة النامية النباتية و الحسية الحيوانية و الناطقة القدسية و الكلية ( و الملكية نسخةل ) [ص 4] الالهية و لكل واحدة من هذه خمس قوي و خاصيتان فالنامية النباتية لها خمس قوي ماسكة و جاذبة و هاضمة و دافعة و مربية و لها خاصيتان الزيادة و النقصان و انبعاثها من الكبد ( و هي ظ ) اشبه الاشياء بانفس الحيوانات و الحسية الحيوانية لها خمس قوي سمع و بصر و شم و ذوق و لمس و لها خاصيتان الرضا و الغضب و انبعاثها من القلب (ظ) و هي اشبه الاشياء بانفس الاناسي (ظ) و الناطقة القدسية لها خمس قوي فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياء بالنفوس الملكية ( الكلية ظ ) و لها خاصيتان النزاهة و الحكمة و الكلية ( و الملكية نسخةل ) الالهية لها خمس قوي بقاء في فناء و نعيم في شقاء و عز في ذل و فقر في غناء و صبر في بلاء و لها خاصيتان الرضا و التسليم و هذه التي مبدؤها من الله و اليه تعود قال الله تعالي و نفخنا فيه من روحنا و قال يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية و العقل وسط الكل و زاد في الاثنيعشرية لكيلايعقل احدكم شيئا من الخير و الشر الا بقياس معقول و في الروايتين في ساير الفقرات تفاوت يسير ذكرنا اسدها و اوفقها بساير الاخبار و اما حديث الاعرابي فقد روي الملا محسن في الكلمات المكنونة مرسلا و يشهد بصدوره عن مهبط الوحي ايضا صحة معانيه و سبك مبانيه قال روي ان اعرابيا سأل اميرالمؤمنين عليه السلام عن النفس فقال عن اي نفس تسأل فقال يا مولاي هل النفس انفس عديدة فقال عليه السلام نعم نفس نامية نباتية و نفس حسية حيوانية و نفس ناطقة قدسية و نفس الهية ملكوتية قال يا مولاي ما النباتية قال قوة اصلها الطبايع الاربع بدؤ ايجادها عند مسقط النطفة مقرها الكبد مادتها من لطايف الاغذية فعلها النمو و الزيادة و سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة فقال يا مولاي و ما النفس الحيوانية قال قوة فلكية و حرارة غريزية [ص 5] اصلها الافلاك بدؤ ايجادها عند الولادة الجسمانية فعلها الحيوة و الحركة و الظلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيوية مقرها القلب سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودها و يضمحل تركيبها فقال يا مولاي و ما النفس الناطقة القدسية قال قوة لاهوتية بدؤ ايجادها عند الولادة الدنيوية مقرها العلوم الحقيقية الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية سبب فراقها تحلل الآلات الجسمانية فاذا فارقت عادت الي ما منه بدأت عود مجاورة لا عود ممازجة فقال يا مولاي و ما النفس اللاهوتية الملكوتية فقال قوة لاهوتية جوهرة بسيطة حية بالذات اصلها العقل منه بدأت و عنه وعت و اليه دلت فاشارت عودتها اليه اذا كملت و شابهت و منها بدأت الموجودات و اليها تعود بالكمال فهي ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي من عرفها لميشق و من جهلها ضل و غوي فقال السائل يا مولاي و ما العقل قال العقل جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشيء قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب انتهي ، و هما حديثان ينبغي ان يكتبا بالنور في وجنات الحور يشهد بصحتهما غزارة معانيهما و طلاوة مبانيهما و المقصود بالذات في كتابنا هذا شرح احوال النفس الناطقة و الامارة و الحيوانية التي في بدن الانسان و مبدئها و منتهاها و حقيقتها و قويها و خواصها و ما يزكيها و يصلحها علي نحو الكلية و بيان ما فيهما و ايضاح خوافيهما و لعلنا نذكر شطرا من شرح ساير النفوس اذا احتجنا في اتمام الكلام و ايضاح المرام اليه و سميتها بطريق النجاة و جعلت لها مقدمة و سبعة ابواب و خاتمة و ارجو الله سبحانه ان يوفقني ببركة ساداتي و موالي سلام الله عليهم لاتمامها علي وجه يوجب رضاه و رضا ساداتي [ص 6] سلام الله عليهم و التقرب اليه و اليهم و ينفعني و اخواني المؤمنين في الدنيا و الدين و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي الساعين في اطفاء نورهم اجمعين .
في شرح كيفية تكون النفس الناطقة و الامارة و الحيوانية التي في الانسان و معرفة حقيقتها و بدئها و عودها و ما يؤل اليها و ذلك اني لماقصد في هذا الكتاب قصد المؤلفين قبلي لكتب المواعظ و النصايح من ذكر ظواهر الامور و انما قصدي شرح حقيقة الطريقة و استكشاف حقيقة النفس و حقيقة اسباب تزكيتها و اسرارها ليظهر سر اوامر الانبياء سلام الله عليهم و نواهيهم و حقيقة معالجاتهم لادواء النفوس و لان النفوس المرتاضة بالعلم و ان كانت تسلم لظواهر اوامرهم الا انها لاتطمئن كما ينبغي و لاتجد برد اليقين و راحة القلب عن الاضطراب حتي تعرف حقيقة ما دعيت اليه و لان معرفة حقيقة الامر احث للانسان علي مندوبه و اردع له من محذوره البتة كما تري من شدة طلب الانسان لخير يدركه بحواسه الظاهرة و شدة حذره من شر ما يدركه بها فوهن كل امرء فيما ندب اليه و حذر عنه حقيقة من ضعف يقينه و الا فالنفوس مجبولة علي الحذر عما يضرها و الطلب لما ينفعها و مضطرة اليهما عادة فلاجل ذلك اردت ان اذكر في هذا الكتاب سر الطريقة و حقيقتها حتي يصير سماعها عيانا و غيوبها كالشهود ان شاء الله فنحن نبدء في هذه المقدمة بشرح احوال النفوس من مبدئها الي منتهاها و ما يؤل اليها و تفصيل ذلك يقتضي رسم فصول .
فصل - اعلم ان النفس لغة الروح كقوله سبحانه الله يتوفي الانفس اي الارواح و الدم كقولهم ما لا نفس له سائلة لاينجس الماء بموته فيه اي ما لا دم له سائلا [ص 7] و الجسد و العين و عين الشيء و العظمة و العزة و الهمة و الانفة و الغيب و الارادة و العقوبة و غير ذلك و مرادنا هنا النفس الحيوانية التي في الانسان و الامارة بالسوء و النفس الناطقة القدسية و هي حقيقة الانسان من حيث هي هي و هي التي ان زاد فيها زايد او نقص منها ناقص خرجت عن كونها هي هي كالعشرة فانك ان زدت عليها واحدا صارت احدعشر او نقصت عنها واحدا صارت تسعة و علي اي حال خرجت عن كونها عشرة فكذلك حقيقة زيد و نفسه هي التي لاتقبل الزيادة و النقيصة مع بقاء كونه زيدا و اما ما يزاد عليها و ينقص و لاتتفاوت هي و لاتخرج عن مسمي زيد فهي اعراض خارجة عنها لمتبدء منها و لاتعود اليها فهي منزهة عن كل كم و كيف و جهة و رتبة و وقت و مكان و وضع و اضافة و ملك و فعل و انفعال و ما يؤل اليها بعروضه و زواله لاتخرج عن كونها هي هي و يصدق عليها ما سميت به و لو انك راجعت نفسك في جميع تلك العوارض لوجدتها هي هي بلا تفاوت بزيادة او نقيصة فتلك هي الحقيقة التي سأل عنها كميل اميرالمؤمنين عليه السلام حين كان رديفا له يوما علي ناقته التي ركب فقال كميل ما الحقيقة قال عليه السلام ما لك و الحقيقة يا كميل فقال كميل أولست صاحب سرك قال بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني فقال كميل أومثلك يخيب سائلا قال اميرالمؤمنين عليه السلام الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير اشارة فقال كميل زدني بيانا قال عليه السلام محو الموهوم و صحو المعلوم فقال كميل زدني بيانا قال هتك الستر لغلبة السر فقال زدني بيانا قال عليه السلام جذب الاحدية لصفة التوحيد فقال زدني بيانا قال عليه السلام نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره قال زدني بيانا فقال عليه السلام اطفء السراج فقد طلع الصبح انتهي ، و هي التي اشار اليها النبي صلي الله عليه و آله في [ص 8] حديثه اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و اشار اليها اميرالمؤمنين عليه السلام في حديثه من عرف نفسه فقد عرف ربه و في الكتاب سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم و قوله و في الارض آيات للموقنين و في انفسكم ، و عن الانجيل اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفناء و باطنك انا انتهي ، و هي التي تعبر عنها بانا فتقول مالي و زوجتي و ولدي و يدي و رجلي و بدني و مشاعري و قواي و خيالي و فكري و مثالي و مادتي و طبعي فذلك الذي تعبر عنه بانا و تضيف اليه كل شيء دونك هو نفسك و كل شيء تغفل عنه حين توجهك الي نفسك فهو غيرها البتة و هي هي الدائمة الباقية في جميع اطوارك و احوالك و افعالك كصباك و شبابك و هرمك و صحتك و مرضك و قيامك و قعودك و امثال ذلك و انما تتغير تلك الاطوار و الاحوال و الافعال و هي هي ثابتة لاتتغير بهذه التغيرات و لاتجد نفسك في شبابك غير ما تجده في هرمك و في صحتك غير ما تجده في مرضك و في قيامك غير ما تجده في قعودك و هي التي تعصي و تطيع و تمدح و تلام و تثاب و تعاقب و تراد و تخاطب و تريد و تخاطب و تحمد و تعاتب و قد تفر تلك النفس من بدن الانسان او لمتستفر و تخلفها الامارة بالسوء فتكون هي المعبر عنها بانا و تضيف كل شيء اليها كما يأتيك انشاء الله و قد تستولي علي بعض الابدان الحيوانية الناطقة فتكون هي التي تعبر عنها بانا بل قد تستولي النامية الناطقة علي بعض الابدان فتكون هي المعبرة عنها بانا كما يأتيك انشاء الله و الغرض في هذا الكتاب معرفتها و معرفة ما يدسيها و يزكيها و يسعدها و يشقيها .
فصل - اعلم ان جميع مواليد هذا العالم من المعصومين الاربعةعشر و الانبياء سلام الله عليهم اجمعين و الاناسي و الحيوانات و النباتات و المعادن و الجمادات كلها من بسايط هذا العالم و هي الافلاك و العناصر و البسايط مقدمة [ص 9] عليها تقدما زمانيا لان صور المواليد اعراض عارضة عليها و هي اي البسايط لها بمنزلة الامكان قد اخذ لها منها حصص و ركبت كما يأتي و هي بنفسها ايضا مركبة من بسايط اصلية سابقة عليها سبقا برزخيا بين الزمان و الدهر و لذلك تعد من الدنيا تارة و من الآخرة اخري و تسمي بهورقليا اي الملك الآخر و تسمي بالاقليم الثامن و فيه الجنتان المدهامتان و جابرسا و جابلقا و تلك البسايط كانت سابقة علي هذه البسايط العرضية الدنياوية اولا و ستظهر في الرجعة آخرا و لذلك تظهر الجنتان المدهامتان في آخرها و هما المسماتان بجنة الدنيا و فيها كان آدم و حوا علي نبينا و آله و عليهما السلام بعد ان خلقا ثم اخرجا منها بعد ما اكلا من الشجرة فتغيرت البلاد و من عليها باكلهما و اعراضهما فان جميعها تابعة للانسان بالجملة سبق البسايط الاصلية علي هذه البسايط ليس بسبق دهري و لا بسبق زماني فان الزمان الدنياوي امتداد هذه الاعراض و الدهر هو الامتداد الرتبي بين الذوات و الصفات و كلاهما مفقود هنا فسبقها سبق بين هذين فيه مسحة من هذا و مسحة من هذا و فيها كان مأوي الجان قبل خلق آدم علي نبينا و آله و عليه السلام و يكونون الآن هناك و هم مواليد تلك العناصر و ابدانهم خلقت منها فهم يسيرون في غيب هذه البسايط و يتصرفون فيها بجسمانيتهم و لايرون و يظهر آثارهم في هذه الاجسام من التحريك و التسكين لانهم من جواهر هذه العناصر بعينها فكما يحرك الهواء التراب و لايري و انما يري اثره في التراب كذلك يتصرفون في هذه الاجسام العرضية و يري آثارهم و لايرون و سبب عدم احساس الانسان اياهم بحواسه الظاهرة انها خلقت من هذه الاعراض بعد ما غلظت و كثفت و الجان خلقوا من العناصر الصافية الهورقلياوية فهم ينفذون بلطافتهم في هذه الاجسام الغليظة نفوذ النار في طابقة الحديد و الحجر مع انهم الطف من هذه النار [ص 10] بسبعين مرة بل هم و بسايطهم حتي ترابها الطف من محدب محدد الجهات فلاجل ذلك يجيئون و يذهبون و ينفذون من الاجسام الغلاظ من غير تصادم فلايحسون بالحواس الظاهرة التي لاتدرك الا المصادم لها نعم يدركون بالحس المشترك المساوق لعالمهم اذا قابلوه و يدركون في المنام و الحس المشترك و سيظهرون لاعين الاناسي في الرجعة حين تطهر هذه البسايط عن الاعراض و تطهر الابدان عنها فتكون الارض ذلك اليوم كالسماء في هذا اليوم و الطف و لذا روي ان الرجعة في السماء كما اظن و لااذكر الآن موضع الرواية حتي ارويها بلفظها و اما كثافة هذه العناصر فلبعدها عن المبدء و غلبة البرد عليها و غلبة عصيان بني آدم و اعراضهم عن ربهم و تصادم العناصر الاصلية و ضرب بعضها ببعض و تركب بعضها مع بعض بدوران الافلاك و طرح انوارها و حركة العناصر بمشايعتها و تتلطف كلما تصعد صاعدة الي ان تعود كما بدأت و تبدل الارض غير الارض و السموات و يؤتي بارض جديدة لميعص الله عليها و هذه الاجسام برمتها ظهورات الجسم الكلي و اشعته و تمثلاته قد اعطي الكل اسمه و حده و هو مقدم علي هذه الاجسام تقدما دهريا رتبيا قائم عليها ظاهر متمثل بها في الخارج كما يأتي انشاء الله و مرادي بالجسم الكلي هنا الجسم العرضي الكلي الصادق علي هذه الاجسام العرضية و هو المتحيز العرضي القابل للابعاد بالجملة لقد طال الكلام استطرادا و لمنك بصدد بيان هذه الامور .
فصل - و انت لو تدبرت في هذه الاجسام التي مبدؤها محدب محدد الجهات و منتهاها التراب وجدتها جوهرة لها كم و كيف و جهة و رتبة و مكان و وقت و وضع مطلقة التي نسميها بالجسم و يطلق علي جميعها و علي كل ذرة منها اسم الجسم و يري جميعها علي ما وصفنا بل جسمانيتها اظهر من [ص 11] خصوصيتها بحيث لاتخفي علي الاطفال غير المميزين و ان كانوا لايقدرون علي التعبير عنها كما ان الماء باطلاقه اظهر لهم من خصوصية البحر و النهر و العين و المطر و خصوصيات يكتسبها من الاواني بالبداهة ألاتري ان الام تري ولدها الماء في اناء و انائين فهو يعرف الماء اينما وجده باي شكل و في اي تمثل وجده و لعله لايعرف خصوصية التمثلات فهو يلتفت الي الماء و يعرفه قبل ان يلتفت الي خصوص البحر و يعرفه و كذلك حال الجسم باطلاقه فهو يعرف في تمثلاته قبل عرفان تمثلاته و لذلك كنا نقول ان الظاهر في ظهوره اظهر من ظهوره فالجسم في التراب اظهر من التراب و في الماء اظهر من الماء و هكذا و هو امر موجود محسوس يحسه كل ذي عين حتي الحيوانات كما تعرف الحيوان الماء و لاتعرف خصوص تمثلاته فالمطلق امر موجود حقيقي في الخارج الا انه متمثل في اعراضه كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام الذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه فهو لايتمثل في الخارج الا في هذه الهيئات العرضية بحيث لولاها لميكن موجودا فانها لازمة لوجوده في الخارج بل هي عين وجوده في الخارج فان الوجود عندنا هو التمثل في الخارج كما روي في الدعاء في صفة الله جل و عز لميمثل فيكون موجودا فلولا تمثلات الجسم لكان معدوما و لميكن له وجود خارجي و لكنه بعد التمثل قائم عليه ظاهر به واقعا في خارج الذهن و ليس بامر اعتباري غير محقق و كيف و هو امر محسوس يحسه كل ذي مدرك جسماني حتي الحيوانات كما مثلنا من دركها الماء و معرفتها به و انكار وجود المطلق في الخارج من اعجب العجاب و هو يري كلما يراه انه جوهر ذو عرض مطلق و يصدق هذا الاسم علي كل ذرة من هذا العالم و يري ذلك منه بالبداهة بل حقيقة خفي المطلق من شدة ظهوره و استتر لعظم نوره و كلما يصعد المطلق صاعدا يصير اوضح [ص 12] و ابين ألاتري ان الحديد في الآلات الحديدية اوضح من خصوص الآلات و المعدني المنطرق في الحديد اوضح من الحديد و المعدن المطلق في المعدني المنطرق اوضح من المعدني المنطرق و الجسم الطبيعي العنصري في المعدني المطلق اوضح من المعدني المطلق و الجسم المطلق في الجسم الطبيعي اوضح من الجسم الطبيعي البتة و هذه الامور من البديهيات فعلي ذلك كلما يصعد المطلق صاعدا يصير ابين و اوضح فعلي ذلك الوجود المطلق الامكاني اي الممكن المطلق ابين من الجسم المطلق لانه اعلي و اعم منه حتي ان الوجود المطلق لايكاد يخفي علي الحيوان ساعة تولده و يخفي عليه ساير المطلقات التي دونه فتري في كل جوهر و عرض الوجود الممكن بينا واضحا بلا سترة كيف و قد نفذ في كل سترة و خفاء و ظهور و حجاب و محجوب و معلوم و مجهول فهو ابين الاشياء و اظهرها و هو امر محقق خارجي و ان كان قد ظهر في التمثل الخارجي و لايوجد الا بها بناء علي ان الوجود الخارجي هو التمثل فهو فيها موجود قائم فوقها و نريد بالوجود المطلق الامكاني التحقق المطلق الذي يري من كل من جواهر الموجودات و صورها و جميع ما لها و بها و منها و فيها و بينها بحيث لايشذ عنها شاذ المعطي كل متحقق اسمه و حده فهو بريء عن جميع الحدود منزه عن كل الصفات مسلوب عنه كل تعين الا انه صالح للتجلي بالكل و لان يتمثل بجميع الجواهر و الاعراض و نسبتهما اليه علي حد سواء فهو جوهر صالح للظهور بجميع الجواهر و الاعراض منزه في نفسه عن كلها مطلق عن جميع قيودها و هو الامكان المطلق للكل محسوس مشهود في الكل و ليس بعديل الجواهر فيمتاز عن الاعراض و لا بنظير الاعراض فيمتاز عن الجواهر و لميتصف بالاعراض فيكون جوهرا و لميتقوم بالجواهر فيكون عرضا و لا شيء معه [ص 13] سواه و لا دونه غيره فيقترن به او ينتسب اليه فافهم و افتح عينك و شاهد كما نشاهد و سبق كل مطلق علي مقيداته سبق دهري رتبي سوي الممكن المطلق فان سبقه علي ما دونه سرمدي و ليس سبقه عليها من جنس امتداد مقيداته فليس تنتهي المقيدات عرضا الي المطلق و لمتبدأ عرضا منه و ان كان بدؤها و عودها طولا اليه متناهيا طولا به منقطعا لديه و اما الوجود اللابشرط فهو بسيط و ليس يقال في حقه انه فوق شيء و لا تحت شيء و لا انه كلي و لا جزئي و لا انه مؤخر عما دونه و لا انه مقدم علي ما سواه اذ لا سواه و يمتنع غيره و ليس له عرض و لا تمثل و لا ظهور و تجل و لايقال له بين اذ لا بيان له و لا ظاهر اذ لا ظهور له و لا خفي اذ لا خفاء له و لا متمثل اذ لا تمثل له و لا متصف اذ لا صفة له فليس بقريب و لا بعيد و لا مقارن و لا مباين و لا داخل و لا خارج و لا موجود و لا معدوم و لا معلوم و لا مجهول و لا بخارجي و لا ذهني و لا دليل عليه و لا سبيل اليه و لا بيان عنه و لا تعبير و لا اسم له و لا رسم و ليس في شيء و لا فيه شيء و لا من شيء و لا الي شيء و لايضاف الي شيء و لايضاف اليه شيء و لايشبه شيئا و لايشبهه شيء و لا و لا و لا الي ما لا نهاية له و ليس بعين الاشياء و لا غير الاشياء بالجملة كل معبر عنه سواه و كل معروف بنفسه غيره و كل قائم في سواه معلول و كل مدلول عليه دونه و كل مميز خلقه مردود الي مميزه و كل معلوم ممكن مردود الي عالمه ليس بجنس فيعادله الاجناس و لا بنوع فيماثله الانواع و لا بشخص فيشاكله الاشخاص الي غير ذلك من التنزيهات التي بينها محمد و آلمحمد عليهم السلام في خطبهم و دعواتهم و احاديثهم و لو اجتمع الجن و الانس علي ان ينزهوا ذلك الوجود مثل ما نزهوه لميقدروا و احسن القول قول الله سبحانه سبحان الله رب العرش عما يصفون و لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي [ص 14] المرسلين و الحمد لله رب العالمين فمن وصفه بانه كل الاشياء او حال بالاشياء او متجل بها او منير الاشياء او مؤثرها او فوق الاشياء او عينها او غيرها او شيء مما سوي ذلك من الاوصاف فقد شبهه و من شبهه فقد ميزه و من ميزه فقد حدده و من حدده فقد قرنه و من قرنه فقد ثناه و من ثناه فقد جزاه و من جزاه فقد الحد في توحيده و اخرجه عن احديته و من اخرجه عن احديته فقد اشرك به فسبحان ربك رب العزة عما يصفون و اقول كما قال الرضا عليه السلام الهي بدت قدرتك و لمتبد هيئتك فقد جهلوك و قدروك و التقدير علي غير ما به وصفوك و اني بريء يا الهي من الذين بالتشبيه طلبوك ليس كمثلك شيء الهي و لنيدركوك فظاهر ما بهم من نعمك دليلهم عليك لو عرفوك و في خلقك يا الهي مندوحة ان يتناولوك بل سووك بخلقك فمن ثم لميعرفوك و اتخذوا بعض آياتك ربا فبذلك وصفوك تعاليت ربي عما به المشبهون نعتوك .
فصل - ثم ان بين هذا الجسم و بين ذلك الوجود المطلق الامكاني مراتب اخر تختلف باللطافة و الكثافة و الاجمال و التفصيل و الرقة و الغلظة علي نحو التشكيك بعضها فوق بعض و ليست النسبة بينها علي نحو الاثرية و المؤثرية و الاحاطة و الطي و المحاطية و الانطواء فلاجل ذلك لايعطي كل رتبة ما دونه بقول مطلق اسمه و حده كالاثر و المؤثر و ليس يشارك ما دونه مع ذلك في المادة اذ مادة الدانية اغلظ و اكثف من المادة العالية و صورتها اغلظ من صورة العالية فانما هي تشكيكية خاصة و عرضية كاللب و القشر و الطافي و الراسب ذات برازخ و وسائط تشترك كلها في اسم الوجود المقيد اي الجوهر المقرون بصورة فعلية اذ كلها جوهر له عرض موجود بالفعل و ان كان المسمي في كل واحدة علي خلاف ما في الاخري في الرقة و الغلظة و الذاتية النسبية و العرضية النسبية و نعبر عن هذا الجوهر [ص 15] المقيد بالامكان المقيد ايضا كما ان المداد الظاهر امكان صالح للتطور بجميع اطوار الحروف و الماء الظاهر امكان صالح للتطور بجميع اطوار الامواج و هذا الماء الظاهر غير الماء المطلق الذي نسبته الي البحر و الامواج علي حد سواء فالماء المطلق آية الامكان المطلق و البحر آية الامكان المقيد و لذلك نقول ان الوجود المقيد هو الماء النازل من سحاب المشية علي ارض الامكان المقيد و ذلك الماء ايضا من الامكان المقيد فاعلاه الماء و اسفله الارض و الموجود المقيد يحصل من مجموع هذا الماء و هذه الارض فالماء هو مادة الموجود المقيد و الارض هي صورته و هما معا ينطويان تحت الامكان المطلق الاول الاعلي فاذا جميع هذه المقيدات مخلوقة من هذا الماء و الطين و لهما مراتب في الرقة و الغلظة و اللطافة و الكثافة و الاجمال و التفصيل علي حد مراتب التشكيك فلهما درجات عديدة قد يعبر عنها بالفالف درجة و تنتهي كلياتها الي ثمان و هي الفؤاد و العقل و الروح و النفس ثم الطبع و المادة و المثال و الجسم و كل واحدة من هذه المراتب مطلقات بالنسبة الي جزئياتها و تمثلاتها الخارجية كالجسم المطلق في الاجسام الخارجية فتمثلات كل مطلق عالم تام المراتب مثل هذا العالم الا ان كل رتبة بحسبها و كل واحدة من هذه المراتب في المطلق الادني ظاهر بالفعل و المطلق الادني كاشف عنه مُرٍ اياه لعدم مانع حاجب له فالجسم المطلق مرٍ للسبع العليا بالفعل و المثال المطلق مرٍ للست العليا بالفعل و المادة المطلقة مرية للخمس العليا بالفعل و هكذا الي ان العقل المطلق مرٍ للفؤاد الاعلي بالفعل فالجسم المطلق جسم له مثال مطلق بالفعل و مادة مطلقة و طبيعة مطلقة و نفس مطلقة و روح مطلقة و عقل مطلق و فؤاد مطلق كلها بالفعل و لكن علي نحو الاطلاق من غير تعين خاص مثل ما يكون النار في دخان الشعلة بالفعل و هو مشتعل [ص 16] بها مرٍ اياها بالفعل القت في هويته مثالها فاظهرت عنه افعالها ثم لما ظهر الجسم في الخارج بتمثلاته الصالحة فيه اختلف مراتب التمثلات في الغلظة و الرقة لان الغليظ و الرقيق كليهما من صلوحاته و كمالاته فمنها غليظة بالفعل حاجبة لانوار تلك المطلقات العليا بالفعل و ان كان يمكن ان تترقق فتكشف عما ورائها قوة لانها تمثل الجسم الصالح للكل الكاشف عما وراءه باطلاقه و منها رقيقة بالفعل حاكية عما وراءها بالفعل و ذلك ان التمثلات منها تمثل المطلق من حيث ربه و منها تمثله من حيث نفسه و حيث مفعوليته فيحجب انوار المبدء و اما تمثلات جهات الرب فتحكي انوار المبدء و هذه الحكاية نحوها غير نحو حكاية المطلق فان حكاية المطلق اطلاقي و حكاية الجسم الرقيق تقيدي فيصبغ ما وراءه بصبغه و يخصصه بخصوصيته كما يصبغ المرآة المصبوغة ضوء الشمس و تخصصه بنفسها فالمثال المطلق في الجسم المطلق مطلق و في العرش مثال عرشي و كذا ساير المراتب العالية فيه ففؤاده و عقله و روحه و نفسه و طبعه و مادته كلها مصبوغة بصبغ العرش متخصصة به و كذلك الحال في الكرسي و ساير الافلاك و العناصر و المواليد و كما ان الاجسام الظاهرة تجليات الجسم المطلق فما يظهر فيها ايضا تجليات ما ظهر في الجسم المطلق من المراتب العالية ففؤادها شعاع فؤاد الجسم المطلق و عقلها شعاع عقل الجسم المطلق و روحها شعاع روحه و نفسها شعاع نفسه و هكذا و كل هذه الاشعة مخصصة بخصوصية الاجسام الخاصة فنفس الكرسي كرسية و نفس العرش عرشية و روح الكرسي كرسية و روح العرش عرشية و عقل الكرسي كرسي و عقل العرش عرشي و فؤاد الكرسي كرسي و فؤاد العرش عرشي و هكذا و هكذا باقي المراتب في باقي المراتب الي ان فؤاد زيد و عقله و روحه و نفسه و باقي مراتبه كلها زيدية علي حسب صبغ مرآة قابلية زيد و كذلك [ص 17] ساير المواليد فكلما يكون مرآة قابلية الجسم الخاص اصفي و ارق و اعدل يكون تلك المراتب علي ما هي عليه فيها اوضح و ابين و اقرب الي ما هي عليه و كلما تكون اكدر و اغلظ و اكثر انحرافا يكون تلك المراتب فيها اخفي و ابعد عما هي عليه حتي ان بعضها يخفي بعضها و بعضها يخفي كلها كالتراب و الجماد الا انه صالح لان يرقق و يلطف و يعدل حتي يظهر فيه بعض تلك المراتب و قد شرح ذلك علي عليه السلام في حديث الفلسفة كما رواه الملا محسن قال و روي ان يهوديا اجتاز به علي عليه السلام و هو يتكلم مع جماعة فقال يا بن ابيطالب لو انك تعلمت الفلسفة لكان يكون منك شأنا من الشأن قال عليه السلام و ما تعني بالفلسفة أليس من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفي مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و من سما الي ما يرتقيه فقد تخلق بالاخلاق النفسانية و من تخلق بالاخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان فقد دخل في الباب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الغاية مغير فقال الله اكبر يا ابن ابيطالب لقد نطقت بالفلسفة جميعها في هذه الكلمات صلوات الله عليك انتهي ، و قال عليه السلام في حديث آخر رواه صاحب الدرر و الغرر خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها و اذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد انتهي ، بالجملة ان هوية كل جسم من هذه الاجسام الخاصة المركبة العرضية صالحة للاعتدال و الترقق و التصفي باسباب تأتي فاذا صفت حكت عما ورائها علي مقدار صفائها و لا نهاية لتصفيها و حكايتها فان المراتب المطلقة العليا خارجة عن حد التمثلات جملة و ليست تنتهي اليها ابدا ابدا كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و ليست [ص 18] تخرج ابدا عن صبغ خصوصياتها و تعيناتها الا انها بالترقق و التصفي و التعديل تصير احكي و اقرب و لاتنتهي مسافة تقربها ابدا ابدا بقي شيء و هو ان الجسم المطلق كما بينا حاك لجميع المراتب المطلقة العالية كما بينا فنريد ان نشرح سر عدم حكاية بعض تمثلاته اياها مع اعطائه اياه اسمه و حده و صدقه عليه اعلم ان الجسم و ان كان مطلقا بالنسبة الي تمثلاته و وجوداته الا انه مقيد من المقيدات بالنسبة الي الامكان المطلق فهو مركب من مادة و صورة مادته الماء النازل من سحاب المشية و صورته راسب ذلك الماء و صورته ضد مادته كما ان الماهية ضد الوجود في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، فمادته حيث ربه و صورته حيث نفسه و له درجات و منازل بين اعلي درجات وجوده الي اسفل درجات ماهيته و هو من حيث الوجود يحكي المراتب العالية لا من حيث الماهية فان شفافته و رقته من حيث الوجود و حجبه و غلظته من حيث الماهية هذا و صورة المطلق الاعلي مادة المطلق الادني لان المطلق الادني تنزل المطلق الاعلي و لميتنزل الاعلي الا بعد تمامه بمادته و صورته فاذا كمل صورته تلبس بصورة الادني علي صورته العليا فان الصورة الدنيا من قوي الصورة العليا و امكاناتها تخرجها ايدي التدبير و تقدير القدير فهي صورته في الرتبة الدنيا فالجسم المطلق يحكي العالي بمادته و صورته حيث حجبه للعالي فلما تمثل الجسم المطلق في الخارج تمثل جميع مراتبه و ظهر مراتبه المادية شفافة حاكية و مراتبه الصورية حاجبة صامتة الا انها صالحة للترقق و تغليب جهة المادة علي جهة الصورة فاذا غلبتها حكت بشفافتها فافهم .
فصل - اعلم ان الوجود المطلق الامكاني وحداني اذ ليس سواه شيء كما قال الله سبحانه و ما امرنا الا واحدة و له كما ذكرنا مادة هي التجلي [ص 19] الاعظم الاعلي و له صورة و هي صلوح الظهور و التمثل في الخارج بكل جوهر و كل عرض و هو في نفسه مادته عين صورته و صورته عين مادته لانه في غاية البساطة الامكانية و ما نثبت فيه من التعدد فانما هو من حيث تمثلاته و وجوداته في الخارج و الا فهو في نفسه اوحد ما يمكن في الامكان و ابسطه و صورته صورة نفي الكثرات و صلوح الظهور و هو نحو تعين الا انه ابسط التعينات و لذلك نقول انه التعين الاول و ليس وحدته في حد الاحد فوحدته وحدة واحدية و وحدة الازل جل شأنه وحدة احدية بالجملة لما كان غير الاحد الحقيقي فيه كثرة بحسبه و نحن ندرك تلك الكثرات من حيث تمثلاته و ظهوراته من باب قول الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و من باب قول الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا فنقول لا شك ان الوجود المطلق لما كان غاية الغايات و نهاية النهايات مخلوق بنفسه كما قال الصادق عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية فله حيث فعلية و حيث مفعولية فحيث فعليته حيث اعلاه و ما فيه المادة اقوي و الصورة اضعف و حيث مفعوليته ما فيه الصورة اقوي و المادة اضعف و ذلك ان المادة و الصورة كرتان متداخلتان او مخروطتان متداخلتان رأس كل مخروط علي قاعدة الآخر كلما تصعد صاعدا الي قاعدة المادة تقوي المادة و تضعف و ترق الصورة حتي تكاد تفني و كلما تنزل نازلا الي قاعدة الصورة تقوي الصورة و تضعف و ترق المادة حتي تكاد تفني و بين القاعدتين تتساويان فالنصف الاعلي منه سلطان المادة و الصورة ضعيفة تابعة و النصف الادني سلطان الصورة و المادة تابعة ضعيفة فسلطان المادة هو حيث الفعلية و اضمحلاله عند ظهور الوجود الحق و هي ظهوره [ص 20] و حيث كونه حاكيا له و سلطان الصورة حيث مفعوليته و استقلاله و حجبه ظهور الوجود الحق ثم له من حيث الفعلية مقامات اربعة بعضها فوق بعض فاعلاه الذي عند قاعدة المادة و رأس مخروط الصورة مقام اجماله المحض و اضمحلاله في جنب سطوع ربه و له هنالك مادة و هي ظهور الوجود الحق بها و صورة هي نفي كل عين و كون و امكان له علي نهج الاطلاق فانه هناك لا اعتبار له الا كونه ظهور الوجود الحق فهو آيته و عنوانه و صفته و مثاله و كينونته و يعبر عنه في التمثلات بالفؤاد قد تجلي لها بها و بها امتنع منها يعني تجلي لها بها من حيث المادة و بها امتنع منها من حيث الصورة فان صورتها نفي الغير و الوجود الحق يجل عن نفي ما سواه فان النفي شيء و هو كائنا ما كان تعين ثم دون ذلك مقام الاجمال الكلي و التنزه عن الصور و له هنالك مادة و صورة مادته صورة المقام الاعلي و صورته النفي الكلي المعنوي و هذه الصورة من امكانات الصورة العليا و ما كان فيها و ذلك ان المقام الاعلي كائنا ما كان من الامكان اذ هو غير الواجب جل و علا و حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فالصورة الدنيا من القوي الكامنة في الصورة العليا و انما مثلها في الآثار ان فعل زيد حركته و حركته اثره الظاهر بالانتقال فهي مركبة من مادة هي اثر زيد و صورة هي الانتقال و هذا الانتقال هو امكان السرعة و البطؤ فاذا ظهر من كمونه السرعة تكون حركة سريعة فهذه السريعة لها مادة هي صورة الحركة المطلقة التي هي الانتقال و صورة هي السرعة فالسرعة صورة الصورة و مادة الحركة السريعة التي هي الانتقال تنزل مادة الحركة المطلقة العليا فان الصورة تنزل المادة و غليظها و تفصيل اجمالها و انيتها فلاجل ذلك نقول ان المرتبة الثانية تنزل المرتبة الاولي و آيتها في التمثلات [ص 21] العقل فانه مركب من مادة و صورة مادته صورة الفؤاد التي بها صلح لتلبس صورة العقل و لولاها لميمكن لبس صورة العقل علي مادة الفؤاد لان صورة العقل صورة الصورة و فرع لها و فعلية قوتها و تابع لها و صورة الفؤاد امكانها مقدمة عليها كما عرفت في معني السرعة و الانتقال ثم دون ذلك مقام الصورة الرقيقة البرزخية بين المعني و الصورة و آيته في التمثلات الروح التي بين العقل الكلي المعنوي و النفس الجزئية الصورية و هذا المقام ايضا له مادة و صورة مادته من تأييدات العقل و كليته و معنويته و صورته صورة رقيقة ليست علي حد النفس في الغلظة و الصورية الجزئية و لا علي حد العقل في الكلية و المعنوية و لذلك يشبه بورق الآس من حيث نفسه هكذا
علي ان اعلاه رقيق منجذب الي الاعلي اي العقل و الكلية التي يعبر عنها بالالف القائمة لبساطتها عن هيئات ساير الحروف و اسفله مرتبط بالنفس و الجزئية التي يعبر عنها بالالف المبسوطة فقد يمثل له في الخط باللام هكذا
بالجملة هذا هو المقام الثالث لحيث الفعلية و هو برزخ بين الاجمال الكلي و التفصيل الجزئي و هو تنزل مقام الاجمال الكلي فان مادته من صورته و صورته عارضة عليها و من نهاياتها الفعلية كما مثلنا بالسرعة و الانتقال فلما نزل المقام الاول بصورته الي المقام الثاني و لبس صورته صلح للبس الصورة الثالثة فالصورة الثانية بالنسبة الي الثالثة نسبة الامكان الي الكون ثم دون ذلك رتبة التفصيل و التعلق بالمفعول و حصول ذكر المفعول الجزئي فيه و لها مادة هي صورة ذلك البرزخ اذ صورة التفصيل من فعلياته التي كانت كامنة فيه و كل مادة امكان الصورة المقيد فلما نزل المقام الاول الي الثالث بصورته صلح للبس صورة التفصيل اذ هو متفرع علي الاجمال و تابع له كما تري من ان صور الحروف التي في حركتك [ص 22] هي من امكانات صورة الحركة المطلقة و لولا تلبس اثرك المطلق بالانتقال و ظهوره بالحركة لماصلح لان يكون انتقالا من الامام الي الوراء فيتصور بصورة الالف و لا لان يتصور بالانتقال من اليمين الي اليسار فيتصور بصورة الباء فان هذه الصور امكانها الذي هو مادتها الانتقال و هذه الحروف فعليات الانتقال و جزئياته الكامنة فيه بالصلوح و اوضح مثال لذلك ان صورة الكتاب تلبس علي السور و صورة السور تلبس علي الآي و صورة الآي تلبس علي الكلمات و صورة الكلمات علي الحروف و صورة الحروف علي المداد الذي هو امكان الكل فالمقام الرابع تنزل المقام الثالث و الساري في الكل هو المقام الاعلي الذي هو الاجمال المحض الذي هو بمنزلة الاثر المطلق في حركاتك الجزئية فالحركة الكلية اثرك و الحركة الخاصة بالالف ايضا اثرك الا ان مادتهما علي نحو الترتب العرضي و التشكيك و يعبر عنه بالاثر المتصل و ذلك ان هذا الامكان هو الامكان المقيد بهذه الصور و هذه الصور نهاياته و حدوده و الفرق بين الامكان المطلق و المقيد هو ان الامكان المطلق مهيمن علي مادة المقيد و صورته يعطي كلتيهما اسمه و حده علي نهج سواء و الامكان المقيد هو المادة و هو غير الصورة و المادة لاتعطي الصورة اسمها و حدها و الصورة نهاياتها و حدودها تتصف المادة بها و تتصف هي بالمادة هن لباس لكم و انتم لباس لهن و تمثيلي سابقا بالانتقال و السرعة او الحركة المطلقة و الخاصة محض تقريب للذهن و المثل الحقيقي له تلبس العناصر بصورة الاخلاط و تلبس الاخلاط بصورة اللحم و كذا النطفة بصورة العلقة و العلقة بصورة المضغة و المضغة بصورة العظام فالنطفة لاتعطي العلقة اسمها و انما صورة العلقية خارجة من امكان النطفة و صورة المضغة خارجة من امكان العلقة فتدبر بالجملة حيث الفعلية تم في هذه [ص 23] الاطوار الاربعة و كمل في المقام الرابع فعلا متعلقا بالمفعول و كذلك لحيث مفعوليته اطوار اربعة فاعلاها مقام اجماله المطلق و امكانه و آيته الطبيعة في التمثلات فانها مقام انحلال الصور النفسية و الارض التي غرس فيها حبة النفس الفعلية فانحلت و تلاشت و غابت فيها و ماتت بعد ان كانت حية في مقام الفعل و هي ايضا لها مادة و صورة مادتها صورة النفس المجردة الغيبية المشخصة فعلا فتلبست بصورة انحلال الطبيعة و في الحقيقة هذا الانحلال انعقاد بالنسبة الي النفس و انحلال بالنسبة الي ما دونها كما ان العناصر انعقاد بالنسبة الي الافلاك و جمود الا انها انحلال ما يتولد منها و الجسم ما لميتصور بصورة الافلاك لايصلح لان يتصور بصورة العناصر و هي من امكانات الصورة الرقيقة الفلكية كما مثلنا آنفا و المثال الآخر ان الجسم ما لميتصور بصورة الماء الرقيقة لايصلح لان يتصور بصورة الجمد الغليظة الجامدة فالجمد مادته صورة الماء و قد عرضها الجمود فالجمد تنزل الماء و يلحقه احكام الجمد من الكسر و عدم الجريان و التكثف بعد تصوره بصورة الجمد فتفهم و كذلك صورة الطبيعة صورة انحلالية لما دونها و انعقادية بالنسبة الي النفس و هي مبدؤ الخلق الثاني و آية الفؤاد في الخلق الاول ثم دون ذلك مقام اجماله الكلي المعنوي و آيته في التمثلات المادة فهي صورة عرضت صورة الطبيعة كما تعرض صورة الاخلاط التي هي مادة اللحم و العظم صورة العناصر و لها مادة و صورة مادتها صورة الطبيعة فانها امكان صورة المادة و قوتها و انما تستخرج منها صورة المادة فهي كما ذكرنا تنزل الطبيعة مادتها اكثف من مادتها و صورتها اكثف من صورتها و قشرها و لانعني بالتنزل الا ذلك و هي في عالم المفعول آية العقل في عالم الفعل ثم دون ذلك مقام البرزخ بين الكلية و الجزئية و المعنوية و الصورية و آيته في التمثلات المثال [ص 24] الذي هو صورة رقيقة و مقادير لطيفة و هو صورة تعرض المادة و المادة امكانها و قوتها و صلوحها و ما لميتلبس الوجود بصورة المادة لميمكن تلبسه بالصورة المثالية كما ان الخشب ما لميتلبس بصورة القطع السريرية لميمكن تلبسه بصورة السرير و ما لميتلبس العناصر بصورة الاخلاط لميمكن تلبسها بصورة اللحم و العظم ثم دون ذلك مقام منتهي المفعولية و الصورة المولودية الشخصية و آيته الجسم المطلق و ذلك صورة تلبس علي المثال بعد تنزل المادة اليه و لاتزعم المثال صورة بلا مادة فانه صورة لها مادة من صورة المادة و هو اشد استقلالا من الجسم لانه اقرب الي المبدء و الجسم صورة عارضة عليه كما يعرض صورة بدن زيد الذي هو جسمه علي لحمه و دمه او يعرض صورة العظام علي المضغة و لايسمي مثالا علي انه مقدار محض بلا مادة بل لاجل انه صورة رقيقة ظلية و الجسم اشد عرضية منه و هو ايضا صورة مقدارية عرضت علي المثال كما يعرض الجمود علي الماء بالجملة هذا المقام منتهي حيث المفعولية لانه عنده يتشخص و يتعين هو هو فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر من مطاوي كلامنا ان كلا من حيث الفعلية و المفعولية لايتم فعلا مشخصا معينا و مفعولا مشخصا معينا الا في هذه المراتب الاربع و هذه المراتب في كل شيء بحسبه في الكليات كليات و في الجزئيات جزئيات و في الاطلاق اطلاقية و في التقييد تقييدية فهذه المراتب في الوجود المطلق الذي هو اوحد ما في الامكان و ابسطه و اقله تعينا علي حسبه فاذا حيث فعليته عين حيث مفعوليته و كل واحدة من هذه المراتب فيه عين الاخري فيصدر من جسمه خواص الكل كما يصدر من فؤاده خواص الكل و ذلك ان جميع الكثرات من ظهوراته و آثاره و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و انما ذكرنا ذلك فيه لما رأينا ذلك في تمثلاته [ص 25] و علمنا ان العبودية جوهرة كنهها الربوبية و كل ما فيها فانما هي آية جهة الربوبية و ان كانت فيها علي نحو البساطة و الاتحاد فتدبر .
فصل - لما عرفت مراتب الوجود المطلق الامكاني التي لا بد منها في تكونه فاعلم انه لايتم وجوده الا في تمثله في الخارج الذي هو صورة متممة له و سبقه علي تلك التمثلات الدهرية سبق سرمدي و لا وجود له في تلك الرتبة الا فيها و بها فهو مقدم عليها وجودا تقدما سرمديا و مؤخر عنها ظهورا تأخرا دهريا و تلك التمثلات آثاره المنطوية تحته قد اعطي كلها اسمه و حده مادة و صورة اذ موادها موجودة و صورها موجودة و المؤثر ما يطوي الاثر تحت احديته كما يطوي الاحد الاعداد فلا وجود للاثر الا بملاحظة المؤثر فيه يعني ان رأيت المؤثر فقد رأيت الاثر و الا فلا اذ لا استقلال له بوجود مع قطع النظر عن مؤثره بل هو عدم محض لولا رؤية المؤثر فيه كيف و رؤية المؤثر بتمثله في الخارج و الاثر نفس تمثل المؤثر في الخارج فان لمتره لمتر تمثله و الاثر نفس تمثله فلاجل ذلك كان يقال ان الاثر علي طبق صفة المؤثر و هو صفة المؤثر و كأن يقال ان النسبة بين الاثر و المؤثر بينونة صفة لا بينونة عزلة و المباين بالعزلة ما يري من غير رؤية صاحبه و المباين بالصفة ما لايري من غير رؤية مؤثره فالاضافة في قوله عليه السلام بيانية يعني بينونة هي العزلة و بينونة هي الصفة و ذلك ان الاثر صفة المؤثر و مغايرته له انه صفة و المؤثر موصوف و كل صفة غير الموصوف لكن وجودها وجود تبعي ظلي لا تحقق له الا برؤية المتبوع و ذي الظل بالجملة ان الوجود المطلق لا ظهور له الا بتمثله كما لا وجود لتمثله الا به و ليس معني قولي ان ظهور الوجود المطلق بتمثله انه لولا التمثل اصلا هو موجود في رتبته و مقامه كما يظن المبتدي بل المراد ان جملة التمثلات [ص 26] مع قطع النظر عن نسبها و قراناتها هي الوجود المطلق و جميع ما لها هي مما الوجود المطلق به وجود مطلق فهو هي وجودا و عيانا و ليست هي هو كلا و لا جمعا و ليس معني قولي هذا ان المشية هي العقل و لا انها تصورت بصورة العقل اذ لو كان المشية هي العقل لكانت غير طاوية للنفس و لو كانت مصورة بصورة العقل لكانت غير طاوية لصورة العقل و كل هذا باطل و عن حلية الاعتبار عاطل بل المراد انها قد طوت الآثار تحت احديتها فلا شيء سواها اذ هي و هي هي و الآثار آثار اذ هي فان عرفت ذلك فاحمد الله و الا فالتسليم خير لك فاذ قد عرفت نسبة الآثار اليها فاعلم انها علي صفة مؤثرها فتبين تلك المراتب في اثرها و اول اثر صدر عنها هو الاثر الكلي الاطلاقي الثانوي الذي هو الامر المفعولي فتمثلت تلك المراتب في الاثر فانه بجميع ما له تمثلها في الخارج فلاجل ذلك حصل لذلك الاثر الكلي تلك الثمان مراتب و هي الفؤاد الكلي و العقل الكلي و الروح الكلي و النفس الكلية و الطبع الكلي و المادة الكلية و المثال الكلي و الجسم الكلي و لما كان الاثر عند المؤثر مخلوقا بنفسه لانه تمثل المؤثر المخلوق بنفسه و علي صفته بل صفته حصل له حيث فعلية و حيث مفعولية فالاربع الاول كما عرفت حيث فعليته و الاخر حيث مفعوليته و النسبة بين هذه المراتب التنزل يعني ان الفؤاد الكلي هو اول صادر عن المشية و اول تمثل له و قاعدة وجود الاثر و مادته و له صورة رقيقة من رأس مخروط ماهية الاثر و صورته و ليس هذا الوجود ظهور المشية دون الماهية اذ نسبتهما اليها علي نهج سواء و ليس هذا الوجود وجود المشية فيختلفان بالصورة بل هذا الوجود و هذه الماهية معا ظهوران للمشية و تمثلان لها منطويان تحتها معدومان في رتبتها موجودان في رتبتهما و ليسا بتنزلها و صورتين ذاتيتين لها بل اوجدتهما بهما لا من شيء و لا لشيء [ص 27] و لا علي شيء و لا بشيء غيرهما و ان قلت اذا كانا من الامكان كيف يكونان لا من شيء قلت ليسا من امكان الوجود المطلق بل هما من الامكان المقيد و الامكان المقيد منطو تحت الامكان المطلق معدوم معه و لذلك نقول ان الوجود المطلق صالح للظهور بالمقيدات و ليس بصالح للتصور بصور المقيدات فليس مادة المقيد حصة من الامكان المطلق بل هي ظهوره و اثره و تمثله و الظهور معدوم في رتبة الظاهر فالفؤاد مخلوق بالمشية و اول صادر عنها نعم مادته تمثل مادة المشية و آيتها و ان كانت اثرا لاسفل مراتب المشية و ظهورا لصورتها فانها حصلت بصلوح ظهور المشية بها و صلوح الظهور صورتها و صورته تمثل صورة المشية و آيتها و هما في الفؤاد ممتازتان و في المشية متحدتان فلما تصور مادته بصورته صلح من حيث الصورة للتصور بصورة العقل الكلي فصارت صورته مادة العقل و تلبست بالمعنوية و الكلية فاذا تصور بصورة العقل صلح لان يتصور بصورة الروح لان صورة العقل امكان صورة الروح و صلوح تصوره بصورة الروح و هذا الامكان هو الامكان المقيد و هو قوة الصورة كما يستخرج صورة السرير من مادة الخشب و الخشب امكان السرير و الباب فصورة العقل امكان الروح المقيد و مادته تتلبس بصورة الروح فتكون روحا و هكذا الي آخر المراتب كل صورة عليا مادة و امكان مقيد للدنيا و هذا الامكان غير طاو للصورة الدنيا و لايعطيها اسمه و حده كما تري من ان الجسم لايصدق علي الطول و لا البياض لان الجسم مركب من مادة و صورة و ليس الطول كذلك و لا البياض نعم الجسم المطلق يعطي العرش مثلا اسمه لانه مركب من مادة و صورة و لايعطي صورة العرش وحدها اسمه و حده فكذلك لايعطي المادة الصورة اسمها و ليس صورة السرير بخشب و انما السرير المطلق يعطي هذا السرير اسمه و حده [ص 28] فاذا الذي يعطي صورة كل مقام اسمه هو الوجود المطلق مع قطع النظر عن اطلاقه كما يعطي مادة كل مقام اسمه بالجملة هذه المراتب الثمانية كلها علي نحو التنزل و لايطوي العالية الدانية و لذلك لايصدق علي الجسم الفؤاد و العقل و الروح و النفس و غيرها نعم اذا صفي الدنيا عن اعراض رتبتها و رققت ظهر فيها صورة العليا علي نحو الحكاية و لو تجاوزت عن الدنيا بالكلية وصلت الي العلياء و لايلحق الدنيا ابدا العليا و لاتستحيل اليها فلايمكن تصفية الجسم حتي يصير مثالا فان الجسمية عرض بالنسبة الي المثال و المثال جوهر بالنسبة الي الجسم و لايصير العرض بالسير ابدا جوهرا نعم يترقي العرض ابدا في رتبته و يتصفي ابدا و لا غاية لهذه التصفية و لا نهاية فاهل الرتبة الدنيا ابدا في الرتبة الدنيا و ان كانوا يترقون في مقامهم و لذلك روي عن ابيعبدالله عليه السلام ان المؤمنين علي سبع درجات صاحب درجة منهم في مزيد من الله عز و جل لايخرجه ذلك المزيد من درجته الي درجة غيره الخبر ، و اذ لميمكن ترقي المرتبة الدانية التنزلية الي الرتبة العليا فما ظنك بخروج الحادث عن مقام حدوثه الي رتبة القديم فما اخسر الصوفية و ما ابعدهم عن الحق حيث يظنون ان الحادث الممكن يمكن ان يصل الي ذات الواجب سبحانه فسبحانه و تعالي عما يقول الظالمون علوا كبيرا و هذا تأويل قوله تعالي و ما منا الا له مقام معلوم و هم درجات عند الله بالجملة ان العليا اذا تنزلت في الدنيا ينقلب فعليتها العلياوية قوة دنياوية و حيوتها موتا و وجودها عدما و كونها امكانا ثم اذا لحقها نداء اقبل و اجابت تترقي و تتصفي شيئا بعد شيء حتي تحكي ما ورائها فلاجل ذلك نقول ان العالي مقدم وجودا و مؤخر ظهورا و الوجود قائم فوق الظهور ابدا و مقدم عليه تقدما رتبيا فالاثر الكلي لخلو كل مرتبة منه و كل جزء منها عن الاعراض و اجابته نداء اقبل بكله حاك كل دنيا منه العليا فالجسم [ص 29] الكلي حاك جميع المراتب العالية بكله مجيب نداء اقبل و جميع المراتب العليا فيه ظاهر بالفعل قائم فوقه وجودا ،