الحاديعشر - و المستثني بسواء كالمستثني بغير و يلحق بها لاسيّما و سيّ بمعني « مثل » اضيف اليه ماء زائدة و اضيف الي ما بعدها و يحتمل ان تكون نكرة و الاسم بعدها بدلاً و ان كان مرفوعاً فخبر لمحذوف و « ما » بمعني « الذي » او نكرة موصوفة بجملة اسمية و نصب الاسم بعدها في قوله :
الا ربّ يوم صالح ● لكِ ● منهما ● و لاسيّما يوماً بدارة جلجل ●
شاذّ و قد يدخل عليها واو اعتراضية و قد يقال سيما و لاسيما بالتخفيف و قد يحذف ما بعدها فيكون كالمصدر بمعني خصوصاً و قد يقال لا سواء ما و هي ليست باستثناء و لكنها ملحقة به .
و اما المستثني بحاشا فهو مجرور نحو جاء القوم حاشا زيدٍ فهو بتقدير حرف الجرّ اي لزيد و سمع النصب نحو اللهم اغفر لي و لمن يسمع حاشا الشيطان و ابا الاصبغ و الظاهر ان الفاعل فيها ضمير راجع الي المصدر المفهوم من الفعل السابق مثل اعدلوا هو اقرب للتقوي فالمعني « الغفران حاشا الشيطان » اي جانبه و لايجوز دخول الّا علي « حاشا » عند البصرية و عن بعض الكوفية اجازته نحو قام القوم الّا حاشا زيدٍ بجرّ « زيد » و منعه اذا نصبت .
و المستثني بخلا و عدا قد يجرّ باضمار مِن و عن نحو :
خلا اللّه لاارجو سواك و انّما اعدّ عيالي شعبة من عيالكا
و نحو :
[ص 397]ابحنا ● حيّهم ● قتلاً و اسراً عدا الشمطاءِ ● و الطفلِ الصغير
و هما كلمتان لنفي الحكم السابق عما يليهما و هما فعلان مطلقاً و فاعلهما الضمير المستتر راجع الي المصدر المفهوم من الفعل يعني « لاارجو سواك و عدم رجائي خلا من اللّٰه » و « اباحتي عدت الشمطاء » و لما كانت « الاباحة » غير مذكورة في اللفظ جاز التعبير عنها بالمذكر و قد يدخل عليهما ماء المصدرية فتنصبان حتماً نحو :
الا كلّ شيء ما خلا اللّهَ باطل و كل نعيم لا محالة زايل
و نحو :
تملّ الندامٰي ما خلاني فانني بكلّ الذي يهوي نديميَ مولَع
و فعلهما ماض و قيل ما موصول حرفي و خلا و عدا صلتاها و موضعهما نصب علي الظرفية فمعني قاموا ما خلا زيداً اي وقت مجاوزتهم زيداً و هو ضعيف جدّاً و قيل « ما » مصدرية تسبكها مصدراً حالاً و يأول باسم الفاعل اي قاموا مجاوزين خالين من زيد اي لميكن فيهم و الاحسن ان يقال انهما كانتا في الاصل كذلك ثم ضمنتا معني غير و الّا اي « قاموا غير زيد » اي « و الّا زيداً » كما انّ اصبح و امسي في الاصل للدّخول في الصباح و المساء ثم صارتا بمعني صار و لميلحظ فيهما معني الصبح و المُسْي و الذي ورد في ادعية الصباح و المساء من لفظ اصبحت من غير امر بابدال لفظه بامسيت عند المساء لايحتاج الي الابدال و لو قصد بهما الدخول في الصبح و المسي ليستا من باب الافعال الناقصة كذلك ما خلا و ما عدا و ان كانتا في الاصل كما ذكرنا الا انهما صارتا بمعني غير و الّا في باب الاستثناء [ص 398] و قد تجرّان مع ما و قيل « ما » حينئذ زائدة و هو بناء علي ان تكونا جارّتين بانفسهما و اما ان كان الجارّ هو الحرف المحذوف فلايحتاج الي القول بزيادة « ما » و تفسران كما مضي .
و اما المستثني بليس و لايكون فواجب النصب علي الخبرية نحو ما انهر الدم و ذكر اسم اللّه عليه فكلوا ليس السنّ و الظُفر و اتوني لايكون زيداً و اسمهما ضمير مستتر عايد الي اسم الفاعل المفهوم من الفعل علي رأي و الي البعض المدلول عليه بالكلمة السابقة علي رأي آخر من البصرية و عن الكوفية الرجوع الي المصدر المفهوم من الفعل السابق فالتقدير في قاموا ليس زيداً و قاموا لايكون زيداً « ليس القائم زيداً » او « ليس بعضهم زيداً » او « ليس قيامهم قيام زيد » و كذا في لايكون و انت تري لو انصفت تكلف الكل و الاصوب ان يقال انهما تضمنتا معني الّا و بعدهما منصوب علي الاستثناء كما مر و غير عزيز في العربية التضمين و من لميضمن يقع في تكلف شاقّ لا مخلص له منه .
و اعلم انه قد يحذف المستثني بالّا و غير بعد ليس تقول جاءني القوم ليس الّا و ليس غير و قد يقال ليس غيرَ بالنصب باعتبار حال الاضافة و الابقاء علي حالها و قد تنوّن بدلاً من المضاف اليه و حكي ليس غيره و قيل علي الضم غيرُ اسم « ليس » و الذي اري انّ المعني « ليس احد غيرهم » فان نصبت فعلي الحالية و ان ضممت فجرياً مجري الغايات فعلٰي ايّ حالٍ حالٌ .
التمييز هو ما يرفع الابهام عن ذاتٍ اي يبين مادّتها و لاجل ذلك يتضمن معني [ص 399] مِن الموضوعة لبيان المادّة او صفةٍ جامدةٍ فيبين موصوفها لانه مادة لصورة الصفة او فعلٍ من حيث الفاعل فيبين فاعله او من حيث المفعول فيبين مفعوله او صفةٍ مشتقةٍ تتضمن معني الفعل او اسم يتضمن معناه كذلك .
فان رفع الابهام عن اسم يسمي بتمييز الاسم و ان رفع ابهام نسبة فعل او شبهه الي اسم يسمي بتمييز النسبة كما انّ الحال تبين هيئة الذات فتضمن معني في الموضوعة للظرفية .
فاما الذات فنحو عندي خاتم حديداً و لي باب ساجاً و الخفض فيه اكثر من النصب نحو خاتم حديد و باب ساج او خاتم من حديد و باب من ساج ،
و اما الصفة فاغلب ما يحتاج الي التمييز الفاظ المقادير الصريحة المتصلة و المنفصلة اما المتصلة فكالشبر و الذراع و الميل و الفرسخ و منها اوزان سمّيت باسم آلاتها كالمدّ و الرطل و المنا و المثقال و الدرهم و الدينار و امثالها و اما المنفصلة فكالاعداد صريحة و كناية نحو ليس لي شبر ارضاً و شربت مدّاً عسلاً و عندي عشرون درهماً و نحو كم عبداً ملكت و لك ان تخفضه بالاضافة ان كان المميز مفرداً ● كشبر ارض و قفيز بُرّ و منوَي عسلٍ و منه ثلثة رجال و مأة رجل و الف رجل و ان كان مضافاً فلايمكن اضافته ثانياً نحو ملؤ الارض ذهباً و لو جئنا بمثله مدداً و كذا ان كان مركباً نحو احدعشر الي تسعة و تسعين فانها لو اضيفت صار ثلث كلمات بحكم كلمة واحدة و ثقلت و اما نحو احدعشرك فهو نادر الوقوع كما في المائة فصاعداً فان المميز للعدد المفرد المائة و الالف و هما مجروران و اما المجرور بعدهما فهما تمييزاهما نحو ثلثمائة رجل و ثلثةآلاف رجل و يلحق [ص 400] بآلات الوزن ملؤ الارض ذهباً و مثل زيد رجلاً و تبع المِثْل غيرك انساناً و سواك رجلاً و بطوله ثوباً و بعرضه بساطاً و بغلظه و بحجمه طيناً و بشكله مثالاً .
و اما فعل الذات سواء كان الابهام من حيث فاعله او مفعوله فان كان من حيث فاعله فنحو طبتَ نفساً لامكان طيب الذات و الروح و النفس و البدن و القلب و الاحوال و المال فترفع ابهامه بالتمييز فان « نفساً » في الواقع فاعل لانّ تأويله طاب نفسُك و ان كان من حيث مفعوله فنحو غرست الارض شجراً فانّ « شجراً » في الواقع مفعول « غرست » لانك تقول غرست الشجر و يلحق بذلك ما يتضمن معناه كالمصدر نحو يعجبني طيبه اباً او ابوّةً او داراً او علماً و للّه درُّه فارساً و اسم الفاعل نحو الرّأس مشتعل شيباً و اسم المفعول نحو الارض مفَجّرة عيناً و افعل التفضيل نحو انا اكثر منك مالاً و اعزّ نفراً و اصحاب الجنّة يومئذ خير مستقراً و احسن مقيلاً و الصفة المشبهة نحو زيد طيّب اباً و فعل التعجب نحو اكرم به اباً و ما اشجعه رجلاً و كل ما تضمن معني فعل نحو حسبك بزيد رجلاً و ويل زيد ظالماً و يا لزيد فارساً و ويلمّ زيد عاذراً و هي كلمة تعجب ركّبت من « ويل لأمّه » .
مسألة - اعلم انه لما كان الغرض من التمييز بيان جنس الذات او صفتها او فعلها او ما يشبهه كما قدّمنا لايحتاج الي اكثر من جوهر الكلمة فيكتفي به فلاجل ذلك يكتفي بالنكرة كما في الحال في الاغلب و لكن ليس هذه العلة بما يقتضي الوجوب و عدم جواز المعرفة فقد يعرّف ندرة لضرورة كما جوّزه الكوفية نحو :
رأيتك لمّا ان عرفت وجوهنا صددت ● و طبتَ النفسَ ● يا قيسُ عن عمرو ● [ص 401]
و تكلف البصرية و قالوا « ال » فيه زائدة نحو :
باعَدَ امَّ العمرِ مِن اسيرها ● حرّاسُ ابوابٍ علٰي قصورها ●
و مثّل الكوفية بسفه نفسَه و غبن رأيه و بطر عيشه و الم بطنه و وقف امره و رشد امره و زيد الحسن الوجه و اوّلها البصرية بتأويلات بعيدة فان كان التمييز عن صفة ذات فاما ان يكون عن عدد او غيره و العدد امّا ان يكون جنساً او لا ، و الجنس امّا ان يقصد به الانواع او لا ، فان كان عن عدد فوق العشرة يجب افراد التمييز فان اريد عدد الانواع يجب خلوّه عن التاء نحو عشرون تمراً و ان اريد الآحاد يجب التاء نحو عشرون تمرة و ان كان غير عدد فيجري عليه الحالات ان كان جنساً و قصدت الانواع نحو عندي مثله تمراً و تمرين و تموراً و ان لمتقصد الانواع فالافراد نحو مثله تمراً و ان لميكن جنساً جري عليه الحالات نحو مثله رجلاً و رجلَين و رجالاً .
و الاصل في التمييز الجرّ علي الصحيح لانه وضعه لبيان الجنس و الاصل فيه لفظة مِن و لكن تحذف اختصاراً و تخلف الجرّ خليفته و هي النصب لانهما يتبادلان كما في مسلمات و ابرٰهيم و جري عادة القوم بذكر التمييز في المنصوبات لانه في الحقيقة المفعول منه .
مسألة - قالوا ناصبه الاسم المبهم ان كان المميز هو الاسم اللفظي نحو عشرون درهماً و عندي في ذلك علي ما قالوا تأمل اذ الاسم المبهم من غير مكمل لايصير عاملاً و ناصباً و ليس فيه قوة العمل و لكن علي ما نقول يمكن ان يعمل [ص 402] الاسم فاقول انّ العمل كله للفعل فان وقع شبحه علي اسم او حرف يمكن ان يصدر منهما ايضاً عمل ففي تمييز الاسم يكون العامل هو الاسم لكن بما فيه من رايحة الفعل او شبهه اللفظي او التقديري او التأويلي نحو قفيز برّاً خير من مثقالٍ ذهباً فقفيز هو العامل بسبب مسحة الخبر و هو خيرٌ و كذا « المثقال » و نحو هذا خاتم حديداً فانّ الخبر هنا فيه تأويل شبه الفعل من هذا و كأنه بتأويل اشرتُ او اشيرُ ● .
و اما في تمييز النسبة فعامله المسند من فعل او شبهه عند البصرية و قيل العامل فيه الجملة لا الفعل و شبهه و قد اخطأ البصرية الخطاء فهو العامل في الفاعل او المفعول و قد يجري التمييز علي اصله فيجرّ بمِن نحو رطل من زيت و اساور ● من ذهب الّا في العدد نحو عشرون درهماً و في المحوّل ● عن الفاعل و المفعول نحو طاب زيد نفساً و غرست الارض شجراً و ما احسن زيداً ادباً و يعرف المحوّل بان تأخذ الفعل ان كان بلفظه او تصوغ فعلاً من لفظه ما يشبهه و تنسب التمييز اليه فتنظر كيف يقع منه فتقول في طاب زيد نفساً « طاب نفس زيد » فهي فاعل و في غرست الارض شجراً تقول « غرست شجر الارض » فهو مفعول و في ما احسن زيداً ادباً « احسن ادب زيدٍ » او « حسُن ادبُ زيدٍ » و قيل او محوّلاً عن مبتدأ مضاف نحو زيد اكثر مالاً و اوّله بمال زيد اكثر و عندي انه فاعل في الواقع اذ معناه كثر ماله زايداً علي غيره و قيل لايتقدم التمييز علي عامله ان كان اسماً [ص 403] جامداً ● و علي ما اخترنا ينبغي ان يقال لايتقدم علي المميز الجامد ان لميتقدم العامل و الّا يجوز نحو طاب نفساً زيدٌ و قيل ندر تقدمه علي الفعل ● نحو :
أَنَفساً تطيب بنيل المُني و داعي المنون ينادي جهاراً
و هو عند الجمهور ضرورة و عند بعض قياس و علي ما اخترنا يمكن التقدم علي العامل كما عرفت .
و اعلم انّ التمييز عن النسبة قد يكون اسماً يصح ان يرفع به ابهام المميز و ابهام متعلقه ايضاً نحو طاب زيد اباً فاما يراد به انّه اب طيّب او يراد انّ اباه طيّب و قد يصح له دون متعلقه نحو كفي زيد رجلاً او علماً و قد يصح لمتعلقه دونه فتطابق فيهما نحو طاب زيد ابوين و آباءً و قيل الاولي فيما ليس بجنسٍ الافراد عند عدم اللبس مطلقاً نحو هم حسنون وجهاً و طيّبون عرضاً و يجوز وجوهاً [ص 404] و اعراضاً و قال تعالي فان طبن لكم عن شيء منه نفساً و ان كان التمييز جنساً لميقصد منه الانواع لميجب المطابقة نحو طاب الزيدان علماً و ان قصد الانواع قيل طاب زيد علوماً او علمين قال تعالي هل انبّئكم بالاخسرين اعمالاً و ان كان صفة كانت له و علي طبقه نحو كفي زيدٌ شجاعاً .
مسألة - اعلم انه ينصب التمييز اذا تمّ المميز بالتنوين ظاهراً نحو رطل زيتاً او مقدراً نحو خمسةعشر رجلاً و كم رجلاً لقيته او بنون الجمع نحو عشرون رجلاً او التثنية نحو منوان سمناً او بالاضافة نحو علي التمرة مثلها زبداً و اذا تمّ بالالف و اللام لاينصب فلايقال عندي الراقود خَلّاً و ينصب ايضاً اذا تم بالكناية نحو يا له رجلاً و يا لها قصةً و ما احسنها مُقلةً و للّه درُّه رجلاً و ويحه رجلاً و ويلها امرأةً و منه نعم رجلاً و بئس عبداً و ساء مثلاً هذا اذا كان الكناية غير راجعة الي معيّن لا ابهام فيه و اما ان كانت راجعة الي معيّن فالتمييز عن النسبة الحاصلة بالاضافة نحو جاءني زيد فيا له رجلاً فالمعني « جاءني رجل هو زيد فيا له رجلاً » فالتمييز لحيث رجولية زيد و قد يجرّ نحو و يا لك من شجاع و قال اللّه عزّ من قائل و كذا اذا كان مظهراً نحو يا لزيد رجلاً و نحو ويلمّ ايّام الشّباب معيشةً و نحو :
للّه درّ انوشروان من رجل ماكان اعرفه بالدون و السفل
او اسم اشارة نحو ماذا اراد اللّه بهذا مثلاً و قد يضاف ما فيه تنوين او نون تثنية مع حذفهما نحو عندي رطل زيت و مَنوٰا عسل دون نون الجمع .
من المنصوبات الحال و هي فضلة تبين اقتران عرض لذات بمعناها ● فهي تبين هيئة [ص 405] الذات مع تضمن معني في نحو جئت راكباً و سقته مكتوفاً و لقيته راكبين و زيد جالساً في الدار و هذا بعلي شيخاً و :
كأنّه خارجاً من حيث صفحته سفّود شَرْبٍ نسوه عند مفتأد ●
و كأنّه سلطان رؤفاً بالعباد و نحو بل ملّة ابرٰهيم حنيفاً و دابر هؤلٰاء مقطوع مصبحين و النار مثويٰكم خالدين فالذين حصروا الحال في الفاعل و المفعول ثم تكلفوا في تأويل ما سواهما اليهما تكلفوا من غير ضرورة و خصوصية و توضيح ذلك انّ للشيء ذاتاً و ظهوراً اما الذات من حيث هي هي فلا ذكر لغيرها معها و اما ظهورها فلا بدّ و ان يكون دائماً علي كمّ و كيف و اضافة و مكان و زمان و وضع و فعل و ظهورها في افراد اجناس هذه السبع علي نحو التبادل فدائماً له كمّ ما و كيف مّا و اضافة ما و مكان ما و زمان ما و وضع ما و فعل ما و كل فرد من افراد هذه الاجناس لا بدّ و ان يقترن فرداً آخر من جنس آخر فاذا اردت ان تثبت له حكماً مقترناً مع حكم آخر تعبّر عنه بالحال اي الذات مقترنة بهذا العرض في حال اتصافها بذلك العرض فلايشترط ان يكون الذات حينئذ فاعلاً او مفعولاً و لايشترط وجود فعل في الكلام فكل اسم تثبت لمسماه عرضاً يصلح لان تأتي بما يدل علي ثبوت ذلك العرض له في حال ثبوت عرض آخر له فلايحتاج الي تكلف مثلاً تقول زيد طويل اسودَ و اسود ابن عمرو و ابن عمرو في الدار و في الدار مصبحاً و مصبح جالساً و جالس و قد تكلّم و تكلّم و قد انجذب و نحو ضربته راكباً او ضربتها راكبةً اثبات عرض مفعولية و انفعال للمفعول في حال [ص 406] اتصافه بعرض آخر ، و علي هذه فقس ما سواها ،
و علي ما بيّنّا لايجب ان يكون الحال منتقلة بل يجوز ان تكون ثابتة ايضاً نحو زيد ابوك عطوفاً و يوم اُبعث حيّاً و كذا لايجب ان تكون مشتقة بل كل ما يدل علي هيئةٍ ما يجوز وقوعه حالاً خلافاً للجمهور و وفاقاً لآخرين نحو هذا بُسراً اطيب منه رطباً و جاءني القوم رجلاً رجلاً و بعته البُرّ يداً بيد و كلّمته فاهُ الٰي فيَّ و نزعنا ما في صدورهم من غلّ اخواناً الي غير ذلك فكل ما يفهم منه معني غير حقيقة الذات ● يصح ان يقع حالاً كائناً ما كان و خصّ بعضهم جواز الجامد المأول بالمشتق بثلث مسائل ان تدلّ علي تشبيه نحو بدت الجارية قمراً اي مضيئة و ان تدلّ علي مفاعلة نحو البُرّ بعته زيداً يداً بيد اي متشافهين و ان تدلّ علي ترتيب نحو دخلوا رجلاً رجلاً اي مترتبين و لعمري فيه تكلف و لاتحتاج الي تأويل و اختلفوا في الجزء الثاني انه توكيد او صفة للاول او حال منصوبة بالاول او هما حال واحدة منصوبتين بعامل واحد او معطوف بحذف الفاء و هذا هو الاسدّ و قالوا تقع جامدة غير مأولة في سبع و هي ان تكون موصوفة و تسمي هذه الحال بالموطِّئة لان الحال حقيقة ما بعدها و هي توطّئ الطريق لها نحو قرآناً عربيّاً و تمثّل لها بشراً سويّاً و نحو فيها يفرق كل امر حكيم امراً من عندنا او دالّة علي سعر نحو البرّ بعته مدّاً بكذا او عدد نحو فتمّ ميقات ربه اربعين ليلةً او طور نحو هذا بسراً اطيب منه رطباً او تكون نوعاً لصاحبها نحو هذا مالك ذهباً او فرعاً نحو هذا حديدك خاتماً و تنحتون الجبال بيوتاً او اصلاً نحو هذا خاتمك حديداً و ءاسجد لمن خلقتَ طيناً كذا قالوا و الصواب ما قلناه من القاعدة الكليّة و في هاتين الآيتين [ص 407] عندي نظر و قد مرّ في المفعولات و هي اي الحال منصوبة المحل علي معني الظرفية و تقدير في حقيقة لان معني قولك جاءني زيد راكباً اي في حال الركوب و لقيته متبسّماً اي في حال التبسم و هي فضلة في الكلام حقها الجرّ و انما نصبت لما حذف عنها الجار فاعطيت اخاه الذي هو ايضاً من علائم الفضل فانهما يتبادلان كما في المسلمات و ابرٰهيم فالحال في الحقيقة مفعول فيها متجلي فيها الّا انها ظرف متصل بالذات بخلاف ساير الظروف و عاملها اسم الذات لما فيه من شبح ذلك العرض الآخر الذي تحكم به للذات ايّاً كان اذ هو العامل في اسم الذات و اسم الذات هو العامل في المنصوب كما مرّ في باب المفعول فالعامل في « جالساً » في قولك زيد في الدار جالساً « زيد » لما فيه من شبح « مستقر » محذوفاً و هو العرض الذي اثبتته لزيد في حال الجلوس و في « راكباً » في جاءني زيد راكباً هو « زيد » لما فيه من شبح « جاء » كما مر في المفعول لانه بالمجيء لايحدث الراكبيّة بالبداهة و كما انه ليس في المعني « راكباً » معمول « جاء » كذلك لايجوز في اللفظ ان يكون معموله و انما اقترن حدوث المجيء مع الراكبيّة فهما في عرض واحد نعم يعمل « جاء » في اسم الذات علي الفاعلية و الذات هي التي تحدث الراكبيّة لا بواسطة فعل المجيء بل بواسطة ركب و العامليّة امر معنوي و ليس بمحض تسمية لفظية فما هو عامل مؤثر معني مؤثر لفظاً و ان قلت اسم الذات لميعهد منه العامليّة قلت بلي السنا قدّمنا انّ العامل في « عمراً » في ضرب زيد عمراً هو « زيد » لما عمل فيه « ضرب » و القي شبحه عليه فصار بقوّة الفعل عاملاً و لاتستوحش من قولي فانه خلاف قول البصرية لا خلاف الاجماع فانّ بعض النحاة ذهب الي ما ذهبت كما تقدّم في فصل المفعول و كذلك هنا فكن مطيعاً للدليل [ص 408] الحق لا للقائل المطلق و لو تدبرت عرفت بالبداهة انّ في قولك جاء زيد راكباً انه لميحدث الراكبيّة بجاء و في قولك ضربته مكتوفاً انّ « المكتوفية » لمتحدث بضربت و ليس من متعلقات فعلك ابداً كما في قولك ضربته يوم الجمعة ليس « يوم الجمعة » معمول ضربت بوجه من الوجوه و انما تحدث انت ضربك في يوم الجمعة فيوم الجمعة مضروب فيه و هذا الوصف يثبت ليوم الجمعة بواسطة فعلك « ضربت » و لكن هنا دقيقة و هي انه و ان كانت الراكبيّة لمتحدث بواسطة « جاء » و لكن كونها مقروناً بها المجيء بواسطة « جاء » كما انّ من البيّن انّ في قولك ضربت عمراً انك لمتحدث « عمراً » بضربت و ليس بمعمول لفعلك ذاتاً و انما مضروبيته اثر فعلك و لذلك تسمّيه مفعولا به فانك فعلت الضرب به و كذلك ضربته يوم الجمعة و لمتحدث « يوم الجمعة » بضربك و انما يوم الجمعة مضروب فيه و ثبت له هذا الوصف بفعلك و لاجل ذلك تنصب « عمراً » و « يوم الجمعة » و كذلك جاء زيد راكباً ليس يحدث الراكبية بجاء فذات هذا الوصف ليست معمولة « جاء » و انما جاء في حال الركوب فحال الركوب مقرون بها « المجيء » و هذا الوصف حدث له بواسطة « جاء » كالمفعول فيه فلاجل ذلك صار يعمل الذات فيها بشبح جاء المقدّم دون غيره من الافعال و الاوصاف فلما كان فيها معني المفعولية علي ما اوضحنا استحقت النصب من العامل فالعامل في اسم الذات هو ذلك العرض الذي تحكم به للذات كما مرّ في باب المبتدأ و الفاعل و العامل في الحال ذلك الاسم و هو اي ذلك العرض امّا فعل او وصف او ما يؤل اليهما اما الفعل و الانفعال فهما فعلان صريحان كضرب و قتل و اما الكمّ و الكيف و الوضع فاوصاف متضمنة كالطويل و الابيض و الجالس و اما المكان و الزمان فبتقدير « المستقرّ » نحو يوم الجمعة في الدار [ص 409] و اما الاضافة فبتقدير « كائن » نحو زيدٌ ابن عمرو اي « كائن ابن عمرو » و زيد عبد اللّه اي « كائن عبد اللّٰه » فجميع الاعراض تؤل الي الافعال و تصلح للعاملية في الذات فلما القت شبحها في اسم الذات عمل هو ايضاً في الحال فقولك هذا بعلي شيخاً اي « هذا كائن بعلي شيخاً » و في مثل :
كأنّه خارجاً من حيث صفحته سَفّود شَرْب نسوه عند مفتأد
« كأنّه خارجاً كائن سفّود شرب » و كذلك في زيد في الدار جالساً اي « زيد مستقر في الدار جالساً » و يقتضي شرح جميع مسائلها رسم مواضع :
الأول - اعلم ان الحال نوعان : فاما ان لايفهم معناها من العامل و هي المؤسسة و تسمي مبيّنة ايضاً نحو جاءني راكباً فانه لايفهم الركوب من المجيء و اما ان يفهم و هي المؤكِّدة نحو و ارسلناك للناس رسولاً و نحو تبسّم ضاحكاً من قولها ،
و كل شيء يدل علي صفة للذات يقع حالاً « منتقلةً » كانت نحو جاء زيد ضاحكاً او « ثابتةً » نحو زيد ابوك عطوفاً « مشتقةً » كما مر و يلحق بها المصادر الواقعة حالاً نحو خرج بغتةً و جاء ركضاً و قتله صبراً و هي تأول بالصفات و عن الجمهور انّ ذلك سماعيّ و قيل قياسيّ و قيل ان كان من نوع العامل يقاس نحو جاء سرعةً و الّا فلا نحو جاء ضحكاً و اما نحو امّا علماً ففلان عالم و فلان حاتم جوداً و انت الرجل علماً فعندي انها تمييزات لا حالات و قيل فيها اقوال مختلفة لا طائل في ذكرها او « جامدةً » نحو رأيت زيداً اسداً « نكرةً » كانت كما مرّ او « معرفةً » نحو جاء زيد وحده و رجع عوده علي بدئه و ادخلوا الدار الاول فالاول و جاؤا الجمّاء الغفير و نحو قول الشاعر :
[ص 410]و ارسلها ● العِراك و لميُدِرها و لميُشفق علي نَغْص الدّخال
و جاؤا قضّهم بقضيضهم اي « قاضّهم مع قضيضهم » اي كاسرهم مع مكسورهم و هو كناية عن كلهم و قد يتبع « قضّهم » اعراب السابق تأكيداً او بدلاً و تكلف بعض و اوّل المعرفة الي نكرة و لا ضرورة ،
و عن البغداديين جواز كون الحال معرفة و اجاز الكوفيون كونها علي صورة المعرفة اذا كان فيها معني الشرط نحو عبد اللّه المحسنَ منه افضل من المسيء فالمحسن و المسيء حالان و هما بتأويل اذا احسن افضل منه اذا اساء و كان التعريف مخصوصاً بالسماع و ليس بقياسي و القياس كونها نكرة و الاصل في صاحب الحال التعريف لانه محكوم عليه و لكن قد يقع نكرة ان افادت فائدة و حصل لها تعين مّا بتقديم خبر نحو في الدار جالساً رجل او بوصف نحو لمّا جاءهم كتاب من عند اللّه مصدّقاً لما معهم او باضافة نحو في اربعة ايّام سواءً للسائلين و نحو عجبت من ضرب اخيك شديداً و نحو يفرق كل امر حكيم امراً من عندنا و قيل في الآية اقوال اخر او مسبوقاً بنفي نحو و مااهلكنا من قرية الّا و لها كتاب معلوم او نهي نحو لايبغ امرؤٌ علي امرئٍ مستسهلاً اي مستخفاً به او استفهام نحو :
يا صاح هل حمّ ● عيش باقياً فترٰي لنفسك العذر ● في ابعادها ● الاملا
و ان وقعت ● بلا فائدة تحمل علي التمييز او تأول نحو عليه مائة بٖيضاً ● و قيل يجب ان يكون عامل الحال هو عامل صاحب الحال و منهم من جوّز الاختلاف ، فنحو [ص 411] في الدار جالساً رجل فمن اجاز الاختلاف يقول « جالساً » حال من « رجل » و العامل متعلق الظرف و من لميجوّز يقول « جالساً » حال من « ضمير العامل » و الحق انها حال من « رجل » و هو فاعل متعلق الظرف اي المستقر في الدار رجل و الفاعل سدّ مسدّ الخبر و العامل في الحال رجل و عامله « المستقر » .
و اعلم انه قد يكون صاحب الحال المضاف اليه اذا كان المضاف بعضه نحو اعجبني وجهها مسفرة ● و نزعنا ما في صدورهم من غلّ اخواناً و ايحبّ احدكم ان يأكل لحم اخيه ميتاً او منسوباً اليه نحو فاتّبعوا ملّة ابرٰهيم حنيفاً و علامته صحة الحكم علي المضاف اليه او كان المضاف عاملاً في ذي الحال نحو اليه مرجعكم جميعاً و اعجبني انطلاقك منفرداً و هذا شارب السويق ملتوتاً ● و قيل لما كان في غير ذلك لايصير عامل الحال و صاحبها واحداً او كالواحد يمنع و عن بعض الكوفية اجازة غير ذلك ايضاً و قيل انّ المضاف اليه ان لميكن في موضع رفع و لا نصب لميجز ورود الحال منه و اوّل الآيات و قال « ميّتا » حال من « لحم » و « اخواناً » منصوب علي المدح و « حنيفاً » حال من « الملّة » و في تأويلاته تكلف و لايجب ان يكون الحال من فاعل او مفعول كما حققنا .
الثاني - اعلم انّ الحال المؤكدة قد تقع مؤكدة للفظ العامل في صاحبها نحو ارسلناك للناس رسولاً او مؤكدة لمعناه نحو تبسّم ضاحكاً و ولّٰي مدبراً و اما تؤكد صاحبها نحو لٰامن من في الارض كلهم جميعاً و اما تؤكد مضمون جملة نحو زيد ابوك عطوفاً و هو زيد معلوماً و في هذا التأكيد اغراض من تفاخر كانا زيد بطلاً او تعظيم كهو زيد جليلاً او تحقير كهو عمرو مقهوراً او استرحام كأنا [ص 412] عبدك ذليلاً او استعلاءٍ كانا زيد قادراً عليك و امثالها و يجب تأخيرها عن الجملة و العامل متعلق هذه الاخبار كما قدّمنا في محله .
و اختلفوا في المؤكدة فمنهم من قال انها لاتجيء الّا بعد الاسمية و يأوّلون ما جاء مؤكدة للفعل و منهم من اجاز ان تقع تأكيداً للفعلية و يؤيدهم قوله تعالي و لاتعثوا في الارض مفسدين و غيرها و ثمّ ولّيتم مدبرين و التقدير من غير ضرورة لغو و قد يقع الحال لتعيين ما بازاء اجزاء شيء نحو بعت الشاء شاةً و درهماً و بعت البرّ قفيزين بدرهم و اخذته ذكوته درهماً عن كل اربعين و عاملته درهماً في درهم و امثال ذلك .
الثالث - و اما المؤسسة فقد تقع اسماً مفرداً نحو جئت راكباً و ظرفاً نحو رأيت الهلال بين السحاب و خرج علٰي قومه في زينته و الحال حقيقة متعلق الظرف و جملة خبرية غير مصدّرة بحروف التنفيس او شرطية نحو و لئن اكله الذّئب و نحن عصبة ، اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌّ ● علي المشهور و تجب الواو عند فقد الكناية الرابطة نحو جاء زيد و ماطلعت الشمس و قبل قد داخلة علي مضارع مثبت نحو لِمَ تؤذونني و قد تعلمون انّي رسول اللّه اليكم و الحال من واو تؤذونني ● و منع « الواو » من مصدّرة باو نحو فجاءها بأسنا بياتاً او هم قائلون او متلوّة بها نحو لاضربنّه ذهب او مكث و المؤكدة لجملة قبلها نحو ذلك الكتاب لا ريب فيه و الماضي التالي لالّا الايجابيّة نحو مايأتيهم من رسول الّا كانوا به يستهزؤن و المضارع المنفي بلا نحو ما لنا لانؤمن باللّه و بما نحو :
[ص 413]عهدتك ماتصبو و فيك شبيبة فما لك بعد الشيب صبّاً متيّماً ●
و المثبت المجرد من قد نحو و لاتمنن تستكثرُ و سمع قمت و اصكّ عينه ● و هو نادر و الضابط فيها انّ الجملة فيها استقلال و الحال مرتبطة بذيها فاذا صارت الجملة حالاً لا بدّ لها من ارتباط بذيها فان لميكن في الجملة كناية حتم الواو للربط و ان كان فيها كناية و لها نحو استقلال يوهم الانفصال يؤتي بالواو كالمضارع المثبت مع « قد » و الجمل الاسمية و المضارع المنفي و الماضي المثبت و المنفي و اما ان كان لها ارتباط تام بما قبلها فلاتحتاج الي واو كالمواضع التي سمعت .
الرابع - الحال مقامها التأخر عن صاحبها لانها صفة لها و لكن قد تتقدم توسعاً نحو جاء ضاحكاً زيد و ضربت مكتوفاً اللصّ و منع الكوفيون تقديمها علي الاسم الظاهر مطلقاً و روي عنهم المنع في المرفوع ان تقدمت علي رافعه و في المنصوب ان لمتكن الحال فعلاً و قول المثبت مقدم و يؤيد المثبتين قوله تعالي خشّعاً ابصارهم و امثال العرب شتّٰي تؤب الحرب ● و شتّٰي تؤب الحلبة و امثالها و قيل يجب تأخر الحال اذا كانت محصورة نحو و مانرسل المرسَلين الّا مبشّرين و منذرين و يدل علي عدم الوجوب قوله تعالي و ماارسلناك الّا كافّة للناس و كذا قيل بوجوب التأخر اذا كان صاحبها مجروراً بحرف غير زائد نحو مررت بهند جالسةً و عن بعض الكوفية جواز التقديم للآية السابقة و لقوله :
[ص 414]تسلّيت طرّاً عنكم بعد نأيكم بذكراكمُ حتّي كأنّكمُ عندي ●
و كذا :
اذا المرء اعيته المروّة ناشئاً فمطلبها كهلاً عليه شديد ●
و فصّل جمع منهم فاجازوا تقديم الحال علي صاحبها المجرور بالحرف ان كان مضمراً نحو مررت ضاحكة بك او اسمين احدهما مجرور نحو مررت مسرعين بزيد و عمرو او كان الحال فعلاً نحو مررتُ تضحك بهند و منعوه في غير ذلك كأن يكون مجروراً باضافة نحو اعجبني وجهها مسفرة و هذا شارب السويق ملتوتاً و قول المثبت علي ايّ حال مقدم و اجاز بعضهم الفصل بتقديمها ان كانت الاضافة غير محضة نحو هذا شارب ملتوتاً السويق و ان كانت محضة لميجز و يتقدم الحال وجوباً اذا كان صاحبها محصوراً فيه نحو ماجاء راكباً الّا زيد .
و اعلم انه يجوز تقدم الحال عند البصرية اذا كان العامل فعلاً متصرفاً في الازمنة نحو راكباً جاء او يجيء زيد او راكباً جيء او صفة تشبه المتصرف ● كزيد مسرعاً منطلق و قيل لايجوز تقديم الحال علي العامل مطلقاً و قيل علي الفعل و يردّهم قول اللّٰه تعالي خُشّعاً ابصارهم يخرجون و المثل عند العرب شتّٰي تؤب الحرب و شتّٰي تؤب الحلبة و منع بعضهم عن تقدم الحال علي العامل المعنوي كالظرف و الجارّ و المجرور نظراً الي ضعفه و هو اجتهاد و ترائي و منهم من اجازه بشرط تقدم المبتدأ علي الحال نحو زيد قائماً في الدار و قيل يجوز تقديم الحال اذا كان ظرفاً و عاملها ايضاً ظرفاً [ص 415] نحو البُرّ الكُرّ بستّين اي منه بستّين و « منه » حال مقدمة و عامله « بستّين » لاجل متعلقه و منع بعضهم تقديم الجملة الحالية المصدّرة بالواو نحو و الشمس طالعة جاء زيد و اجازه الجمهور و يقدّم الحال وجوباً اذا كان لها صدر الكلام نحو كيف جاء زيد و هل كيف ظرف او اسم ؟ قولان ، و لعل الظرفية اقوي ● .
و قيل يتأخر الحال عن عاملها اذا كان العامل ضعيفاً كأن يكون فعلاً جامداً نحو ما احسنه او صفة تفضيل نحو هذا افصح الناس خطيباً و يستثني من افعل التفضيل ما اذا كان عاملاً في حالين لاسمين احداهما مفضلة علي الاخري فيجب تقديم الفاضلة لرفع اللبس نحو هذا بسراً اطيب منه رطباً و زيد وحده انفع من عمرو مُعاناً او مصدراً مقدّراً بالفعل نحو يعجبني اعتكاف اخيك صائماً ● او يكون العامل لفظاً يضمن معني الفعل نحو تلك بيوتهم خاوية بما ظلموا علي رأي من يظن انّ العامل « تلك » لانها بمعني « اشير » و هو ضعيف .
و عندي عامله متعلق « بيوتهم » علي ما قدّمنا في المبتدأ و الخبر و استثنوا من ذلك ان يكون العامل ظرفاً او مجروراً اخبر بهما فيجوز بقلة توسط الحال بين المخبر عنه و المخبر به نحو قوله :
بنا عاذ عوفٌ و هو باديَ ذلّه لديكم فلميعدم ولاءً و لا نصراً ●
و صاحب الحال كناية « لديكم » و كقراءة بعضهم هذه الانعام خالصةً لذكورنا بنصب « خالصة » و كقراءة بعضهم و السمٰوات مطويّاتٍ بيمينه و عن البصريين المنع و حملوا [ص 416] البيت علي الضرورة و اوّلوا الآيات و كذا حروف التشبيه نحو :
كأنّ قلوب الطير رطباً و يابساً لدي وكرها ● العنّابُ و الحشفُ البالي ●
و عندي انها حال تقدمت علي عاملها و العامل متعلق « العنّاب » كما قدّمنا في المبتدأ و الخبر و صاحب الحال كناية « المتعلق » و كذا حروف التمني و الترجّي نحو ليت هنداً مقيمةً عندنا و عندي هي حال مقدّمة عن كناية متعلق « عندنا » و كذا لو قلت لعلّ زيداً مقيماً عندنا نعم اذا عرض مانع له التصدر وجب تأخرها عنه ● نحو انّي لاصبر محتسباً فانّ لام القسم لها التصدر و نحو لاعتكفنّ صائماً لمكان لام القسم .
الخامس - اعلم انه يجوز ان يؤتي لاسم مفرد حالات عديدة لانّ للشيء اعراضاً عديدة يقارن بعضها بعضاً نحو :
عليّ اذا ما جئت ليلٰي بخُفْيَةٍ زيارة بيت اللّه رَجلانَ حافياً ●
و « زيارة » مصدر مأول بان ازور و الحالان لفاعل « ازور » و نحو انّ اللّه يبشّرك بيحيٰي مصدّقاً بكلمة من اللّه و سيّداً و حصوراً و منع بعضهم عن ذلك و اخذوا الثانية صفة للاولي او حالاً من ضمير الاولي و سلّموا الجواز اذا كان العامل اسم تفضيل نحو هذا بسراً اطيب منه رطباً و الحق ما ذكرنا و يجوز ان يؤتي بصيغة الجمع لاسماء عديدة نحو و سخّر لكم الليل و النهار و الشمس و القمر و النجوم مسخرات بامره و يجوز ان يؤتي بجمع لجمع نحو و لاتعثوا في الارض مفسدين او جمع [ص 417] لجنس نحو كالّتي نقضت غزلَها من بعد قوّة انكاثاً ● او بحالين لاسمين و لكن بجعل الاولي للثاني لتتصل بذيها نحو لقيته مصعِّداً منحدراً فمصعّداً حال عن المفعول و « منحدراً » عن الفاعل و نحو قول الشاعر :
عهدت سُعادَ ذاتَ هويً مُعَنّي فزدت و زاد سلواناً هواها ●
و قد يعكس الترتيب نحو :
خرجت بها امشي تجرّ وراءنا علي اثرينا ذيل مِرطٍ مُرَحّلٍ ● .