و هنا مفاعيل اخر معنويّة نسمّي نوعها بالمفعول المعنوي و قد اغفلوها مع شيوعها و كونها اكثر من ان تحصي الّا انّها في الظاهر مجرورة و هي في محل النصب و لاجل ذلك خفي عليهم و هي تتصل بالافعال بواسطة حروف و ذلك انّ من الافعال ما تقصر عن الاتصال ببعض الاسماء بدون توسط حروف و تلك الاسماء مفاعيل لها و مع ذلك ليست تلك الحروف بحروف تعدية فانّ المفعول المتعدّي اليه فاعل لقاصر ذلك الفعل مثل ذهبت بزيد فزيد ذاهب مثلك و لا كذلك هذه الاحرف فتدبّر .
فمنها بواسطة الباء نحو مررت بزيد و كتبت بالقلم فهو مكتوب به فهو ممرور به و هو مفعول حقيقة الا انه بواسطة و منها بواسطة مِن نحو اخذت الدرهم من زيد فهو مأخوذ منه بالبداهة و منها بواسطة الٰي نحو توجّهت الي القبلة فهي متوجّه اليها و من ذلك قول سرت من البصرة الي الكوفة فالبصرة مسير منها و الكوفة مسير اليها و منها بواسطة اللام نحو وهبت لزيد درهماً فهو موهوب له و كتبت الكتاب له فهو مكتوب له و منها بواسطة علٰي نحو قدر زيد علي عمرو فعمرو مقدور عليه و منها بواسطة في نحو دخلت في الدار فهي المدخول فيها فقولك زيد في الدار « زيد » [ص 373] مبتدأ و « في الدار » مفعول معنوي لمستقرّ محذوفاً اي « زيد مستقرّ في الدار » فالدار مستقرّ فيها و منها بواسطة عن نحو تجاوزت عن ذنبك فهو متجاوز عنه و منها بواسطة مع نحو سافرت مع زيد فهو مسافر معه و هكذا فجميع ذلك مفاعيل معنيً و كلها في محل النصب علي المفعولية و هو غير المفعول به و تجامع المفعول به و يجامع بعضها بعضاً و ليس لفعل واحد من جنس واحد الّا مفعول واحد فلما رأينا انها يجامع بعضها بعضاً عرفنا انها مفاعيل متعدّدة فتدبّر و انصف و استرح .
و يعرف المفعول به بواسطة الحرف عن غيره من المفعولات المعنوية بانّ المفعول بالتعدية يصدق عليه اسم فاعل ذلك الفعل قاصراً نحو مررت به فهو ايضاً مارّ كما انت مارّ بخلاف المفعول بواسطة نحو مررت عليه فانه ليس بمارٍّ كما انت مارّ فتبيّن الفرق بينهما و قد مرّ في بابه ايضاً و حذف هذه الحروف سماعيّ و جاء الحذف و نصب مدخولها في مواضع نحو كالوهم او وزنوهم اي « كالوا لهم و وزنوا لهم » و نحو بعتك الدار اي بعت منك الدار ● و لاقعدنّ لهم صراطَك المستقيم اي علي صراطك و لاتعزموا عُقدة النّكاح اي علي عقدة و ان تسترضعوا اولادكم اي لاولادكم و يبغونكم الفتنة اي لكم و كسبتك الخير اي لك و لايألونكم خبالاً اي لكم و زدتك ديناراً و نقصتك درهماً اي لك و امرتك الخير اي به و استغفر اللّه ذنباً لست احصيه اي من ذنب و من هذا الباب قول الشاعر :
[ص 374]لَدْنٌ ● بهَزِّ ● الكفِّ يعسِلُ ● متنُه فيه كما عسَل الطريقَ الثعلب ●
اي علي الطريق و كذا :
آليتَ حَبَّ العراق الدّهر اطعَمه ● و الحَبُّ يأكله في القرية السُوسُ ●
اي علي حبّ العراق و امّا حذف الجارّ و ابقاء عمله فقليل نحو :
اذا قيل ايّ الناس شرٌّ قبيلةً اشارت كليبٍ بالاَكُفّ الاصابعُ
بجر « كليب » اي الي كليب و هي مع هذه الكثرة سماعية لانه ليس يوقف لها علي حدّ نعم يقاس الحذف مع اَنَّ و اَنْ و كَي مع امن اللبس نحو شهد اللّه اَنَّه لا الٰه الّا هو اي باَنَّه و اوعجبتم اَنْ جاۤءكم ذكرٌ من ربكم اي من اَن جاءكم و كَيلايكون دولة بين الاغنياۤء منكم اي لكيلا و قالوا لايجوز الحذف بعد رغبت فانّه لايعلم هل رغب عنه او فيه و ذلك جار في كل فعل يتعلق بالاسم بحرفين و امّا ما نزل في القرآن و ترغبون ان تنكحوهنّ فانّه سرُّ الحبيب مع الحبيب و لايطّلع عليه الرقيب و لآي القرآن منازل خاصة ينزل بمطابقتها فهذه الآية نزلت في قوم كانوا يكرهون نكاح اليتامي فانزل اللّٰه تعالي تلك الآية فالمعني « ترغبون عن ان تنكحوهنّ » .
في المستثني
و قد جري عادة القوم بذكره في المنصوبات و ان كان بعض المستثنيات مرفوعاً [ص 375] و لا بأس بذكره هنا لاجل ما ينصب منه فهو اي المستثني هو المذكور بعد ادوات الاستثناء كاِلّا و اخواتها مخالفاً حكمه لما قبلها في النفي و الاثبات و استشكلوا فيه بتناقض الكلام بانه ان كان المستثني داخلاً في المستثني منه فالكلام اولاً كذب ثم يتدارك و هو قبيح من العاقل و ان لميكن داخلاً مع انّ اللفظ دالّ قطعاً فلا استثناء و الحقّ ان المستثني و المستثني منه ان كانا بحيث اذا اخرج المستثني من المستثني منه لميدلّ لفظه علي البقية فهما بمنزلة كلمة واحدة و يدخل الفعل عليهما معاً فاخراج المستثني عن المستثني منه قبل دخول الفعل عليهما فاذا قلت له عَلَيَّ عشرة الّا درهماً لست تعترف بعشرة ثم تستثني منها درهماً بل تعترف بعشرة استُثنِي منها درهمٌ و هو عبارة عن التسعة كما قال اللّٰه سبحانه فلبث فيهم الف سنة الّا خمسين عاماً و من البيّن انه لميرد انه لبث الف سنة ثم يخرج خمسين عاماً و ان كانا بحيث يدل لفظ المستثني منه علي البقية بعد اخراج المستثني نحو جاء القوم الّا زيداً فالمستثني و ان كان داخلاً في مصداق اللفظ وضعاً الا انه ليس بداخل استعمالاً فقولك جاء القوم مع كون المراد غير زيد ليس بكذب و لانلتزم ان يكون الاستثناء في كل مقام اخراجاً بل يكفي صلوح كونه في المستثني منه كما هو اختيار بعض آخر من النحاة فلا كذب فمعناه حينئذٍ اخبار عن ارادته ما سواه من المستثني منه لرفع توهم المستمع و هو من فصيح الكلام و لذلك وقع في كلام خالق الانام و من فصاحته انه جمع جملتين مختلفتين في جملة واحدة فمعني جاء القوم الّا زيداً جاء فلان و فلان و فلان و فلان و لميجئ زيدٌ فجمع هاتين في جملة واحدة اختصاراً في الكلام و هو من منتهي البلاغة .
و ادواته حرفان اِلّا و لَمّا و افعال حاشا و ليس و لايكون و خلا و عدا و اسمان [ص 376] غير و سواء ففي شرح هذا الفصل مطالب :
الاول - في ادوات الاستثناء :
امّا اِلّا فمجمع عليه انها حرف و هي مفردة و قيل مركّبة من اِنَّ و لا و هو محض خرص و تطبيق و عند الكوفية هي حرف عطف في باب الاستثناء خاصة و معناها لكن العاطفة فانّ ما بعدها يخالف ما قبلها و قيل معناها لكنَّ مشدّدة و قد تجيء بمعني غير و الذي اري انها ان كان الكلام منفيّاً و وليت الفعل تكون بمعني غير و الا تكون بمعني لكن مخففة او مثقّلة .
و امّا لمّا فهي تأتي للنفي و للظرف و تستعمل في الشّرط و للاستثناء و قيل لاتأتي بمعني « الّا » و الكتاب يشهد بخلافه نحو قوله تعالي ان كلّ نفس لمّا عليها حافظ و قال الشاعر :
قالت له باللّه يا ذا البردينِ لما غنِثت ● نفساً او اثنين ●
اي تنفست .
و امّا حاشا فعن البصرية انها حرف استثناء و قال جمع انها كثيراً ما تستعمل حرفاً فتجرّ و قليلاً ما تستعمل فعلاً متعدّياً جامداً و تتضمن معني الا و قيل انها فعل لا فاعل لها و الجرّ بعدها بتقدير اللام متعلقة بها ، حجة القائلين بحرفيتها انها لو كانت فعلاً لجاز ان تكون صلة ماء المصدرية و لماكان يقال حاشاي بلا نون وقاية و لماجرّت و حجة القائلين بالفعلية انها تقع بعد ماء النافية نحو :
و لااري فاعلاً في الناس يشبهه و مااحاشي من الاقوام من احد [ص 377]
و يتصرف فيها فانه يقال حاشيت و احاشي و يقال حاشا لزيد و الحرف لايدخل علي الحرف و بوقوعها بعد ماء المصدرية نحو :
رأيت الناس ما حاشا قريشاً فانا نحن افضلهم ● فعالاً
و بعملها النصب نحو اللهم اغفر لي و لمن يسمع حاشا الشيطان و اباالاصبغ و كل ذلك يحكم البصريون بشذوذه اضطراراً و قيل اسم و مصدر لقراءة الشواذ حاشاً للّه بالتنوين بمعني « تنزيهاً للّٰه » و يجوز ان تكون في جميع المواضع مصدراً و يحذف تنوينها اقول امّا الاسمية فمردود لعدم خواص الاسم فيها و التنوين قراءة شاذة متروكة و ليس في قراءة رجل شاذ حجة و اما كونها فعلاً فلما سمعت من الشواهد و الجرّ بتقدير لام كما قد تظهر و يقال حاشي لزيد قوي غاية الامر ان الجرّ بجارّ محذوف قليل فليكن هذا ايضاً من مواضع القلّة كقول الشاعر :
اذا قيل ايّ الناس شرّ قبيلة اشارت كليبٍ بالاَكُفِّ الاصابعُ
اي الي كليب و الرواية بالجرّ و اما فاعلها فالظاهر انها فعل ماض مفرد غائب و فاعله ضمير الغائب و شاع استعمالها في الاستثناء و هي مأخوذة من الحاشية بمعني الجانب و حاشيته بمعني جانبته و المعني انه بجانب آخر منزه من هذا الجانب فاستعملت في التنزيه ثمّ في الاستثناء لقرب المعني و انكار الفعلية مع التصرف و العمل خارج عن الانصاف و القول بانها تأتي حرفاً و فعلاً ايضاً بعيد و حججه مدخولة فانها وقعت صلة ما و ترك نون الوقاية لعدم الحاجة و الجرّ بها يحتمل حذف اللام فلا حجّة فيه و الافعال غير تامة التصرف كثير في لسان العرب و منها اختها ليس فلتكن هذه ايضاً منها .
[ص 378] و امّا ليس فهو فعل عند الجمهور و قيل حرف و قيل هو في باب الاستثناء حرف ناصب و الصواب انه فعل برزخيّ كما حقّقناه في الافعال الناقصة و كذا لايكون .
و اما خلا فقيل هو فعل و يأتي حرفاً اذا جرّ به و قيل هو اسم اذا جرّ به اذ هو مصدر مضاف و الظاهر انه فعل و جرّه ما بعده بتقدير مِن و كذا عدا فانه يستعمل فعلاً و قد يجرّ و هو باضمار عن فانه بمعني « جاوز » و الفرق بينهما انّ « خلا » قاصر يوصل بمِن نحو خلا الدار من زيد و اذا تضمن معني جاوز صحّ النصب به و امّا عدا فهو فعل متعدٍّ اي « جاوز » .
و امّا غير فانه بمعني المغاير و ينبغي ان يقع صفة الّا انه قد يأتي بمعني الّا الاستثنائيّة كما انّ اصل « الّا » الاستثناء و قد تقع بمعني « غير » فتكون صفة .
و امّا سِواۤء بكسر الاول مع المدّ ففيها لغات اخر و هي فتح السين مع المدّ و كسرها مع القصر و ضمّ الاول معه فقيل انها ظرف مكان استعمل بمعني الاستثناء فينصب دائماً علي الظرفية و هو رأي البصرية و امّا عند الكوفيين فهي قد تستعمل ظرفاً فتنصب علي الظرفية و قد تستعمل اسماً فيجري عليها الحركات بحسب العوامل كغير نحو قوله :
فلمّا صرّح الشرّ فامسي و هو عريان و لميبق سوي العدوان دنّاهم كما دانوا
و نحو :
تخالف عن اهل اليمامة ناقتي و ماعدلَتْ عن اهلها لسِوائكا
و قالت البصرية هو شاذّ و ضرورة شعر و قيل اكثر استعمالها في الظرفية و قد تستعمل كغير و يأتي تفصيلها ان شاء اللّٰه .
الثاني - اعلم انّ الاستثناء مأخوذ من « ثني الشيء » اذا صرفه و كفّه فهذه [ص 379] الادوات تصرف الحكم السابق عن شمول ما بعدها فلايسند اليه و ما يشمله الحكم هو المستثني منه و الادوات هي اسباب الاستثناء اي صرف الحكم و ما بعدها هو المستثني فالحكم اما موجب نحو قام و اما غير موجب نحو ماقام و المستثني منه قد يكون مذكوراً في اللفظ و يسمي تامّاً نحو جاء القوم الّا زيداً و قد لايكون مذكوراً في اللفظ و يسمي غير تامّ و مفرّغاً نحو ماجاء الّا زيد اي ماجاء احد و المستثني ان كان داخلاً في جملة المستثني منه بحسب صدق لفظه يسمي متّصلاً نحو جاء القوم الّا زيداً فان « زيداً » من القوم و ان لميكن داخلاً فيه يسمي منقطعاً نحو جاء القوم الّا الحمار و قد يكون داخلاً بنوع من التخيلات لتعميم نفي جميع افراد المستثني منه او اثباتها و ان لميكن داخلاً في الواقع نحو :
و لا عيب فيهم غير انّ سيوفهم بهنّ فُلول من قِراع الكتائب ●
و نحو :
فتيً كملت اخلاقه غير انّه جواد فلايُبقي من المال باقياً
و قد يكون داخلاً بسبب التشبيه نحو :
و كلّ اخ مفارقه اخوه لعمر ابيك الّا الفرقدان ●
و المستثني منه امّا محصور اي يمكن الحكم علي جميعه او غير محصور فالمحصور اما جنس مستغرق لافراده نحو مارأيت احداً الّا زيداً او بعض معلوم العدد كعشرة مثلاً فلايتعذر الحكم عليه فتقول رأيت عشرة رجال الّا زيداً و اما غير محصور نحو [ص 380] رأيت رجالاً الّا زيداً فانهم غير معلومين باعيانهم فهذه سمات مفردات الكلام المستثني فيه و اقسام الاستثناء .
الثالث - ان كان الكلام تامّاً فان كان موجباً و متّصلاً و استثني بالّا و لمتكن وصفية قيل وجب نصب المستثني نحو فشربوا منه الّا قليلاً بخلاف ما اذا كانت وصفية فيرفع ما بعدها نحو لو كان فيهما آلهة الّا اللّه لفسدتا اي غير اللّٰه و امّا قول الشاعر :
و بالصريمة ● منهم منزلٌ خَلَقٌ ● عافٍ ● تغيّر الّا النُّؤْي ● و الوتدُ
فراعي معني « تغيّر » فانه آئل الي النفي اي « لميبق منه شيء الا النُّؤْي و الوتد » كما يأتي .
و في ناصب المستثني اقوال فقيل هو نفس الّا و قيل تمام الكلام كما انتصب « درهماً » بعشرين و قيل الفعل بنفسه و قيل بواسطة « الّا » و قيل فعل محذوف و هو « استثني » و قيل المخالفة لما سبق و قيل « اَنّ » محذوفاً فقام القوم الا زيداً اي « الّا اَنّ زيداً لميقم » و قيل الّا مركبة من اِنَّ لا فان نصبت فبانّ و ان رفعت فبلا لانها عاطفة و قيل المستثني منه بواسطة الّا و لو امكنهم قول آخر لقالوه .
و انت تعلم انّ حكم ما بعد اداة الاستثناء علي خلاف ما قبلها فلايعقل ان يكون العامل فيما بعدها ما قبلها فانّ العامل ما يجري حكمه علي المعمول الاتري انك اذا قلت ضرب زيد عمراً « زيد » هو الضارب و « عمراً » هو المضروب و اذا قلت ماضرب زيد عمراً فزيد ليس بضارب و عمراً ليس بمضروب و الامر في [ص 381] جاء القوم الّٰا زيداً علي خلاف ذلك فان القوم جاءون و « زيد » ليس بجاء فكيف يعقل ان يكون العامل فيما بعد الّا ما قبلها مع انه قد يتفق و لا فعل نحو القوم الّا زيدٌ اعمامُك و مثله عاملية تمام الكلام و المستثني منه و كذا لايعقل ان يكون العامل فعلاً محذوفاً اذ لايجوز اجتماعه مع « الّا » في الذكر و كذا لايجوز ان يكون العامل اَنَّ فتقدّر مع خبر محذوف فانهما غير ملحوظين و ما لايقصد لايقدّر و كذلك لا معني لعاملية « المخالفة » و كذلك القول بتركيب « الّا » فان المتكلم لايقصد منه الّا امراً بسيطاً و تركيبه غير ملحوظ .
و الحقّ انّ الّا اذا كان بعدها منصوباً بمعني لكنّ فمعني جاء القوم الّا زيداً جاء القوم لكنّ زيداً لميجئ ، و يشهد بذلك وقوع الخبر لالّا في قوله الّا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم و انما ذلك لانها لدفع توهّم السامع وجود زيد في القوم فتستدركه بقولك « الّا زيداً » و لااستلزم النصب في الكلام التامّ الموجب و انما اوجبوه علي زعمهم ان الاستثناء بمعني « استثني » و امّا علي اختيارنا انها قد تأتي بمعني « لكن » المخففة فلايجب و الشاهد ما روي عن النبي صلي اللّٰه عليه و آله « الناس كلّهم هالكون الّا العالمون و العالمون كلّهم هالكون الّا العاملون و العاملون كلّهم هالكون الّا المخلصون و المخلصون علي خطر عظيم » و في الكل بمعني « لكن » المخففة و كذلك قول الشاعر :
و كلّ اخ مفارقه اخوه لعمر ابيك الّا الفرقدان
فتبيّن عدم وجوب النصب في الموجب و اوجب البصرية نصب المستثني ان تقدّم علي المستثني منه مطلقاً ● و يمتنع عندهم اتباع المستثني منه فان التابع لايتقدم علي [ص 382] متبوعه نحو :
و ما ليَ الّا آلَ احمدَ شيعةٌ ● و ما ليَ الّا مَشعبَ ● الحق مشعَبٌ
و امّا الكوفيون فيجيزون الاتباع اذا كان الكلام منفيّاً فتقول ماقام الّا زيدٌ احدٌ و حكي عن العرب ما ليَ الّا ابوك ناصر و قال الشاعر :
لانّهم يرجون منه شفاعة اذا لميكن الا النّبيّون شافع
و قد قدّمنا انّ الّا اذا وليت الحكم تكون بمعني غير و تكون وصفاً و قد اخطأ كلّهم و انا لاامنع جواز كون اعراب مدخولها علي حسب اقتضاء الحكم الّا اني اقول انّ « الّا » في حال التقدم بمعني « غير » و ليست للاستثناء و انما هي وصفية اي ماقام غير زيد احد و ما لي غير ابيك ناصرٌ و غير النبيين شافع فلما جيء بالّا مكان « غير » اعرب المضاف اليه باعرابه و « غير » هنا صفة للمستثني منه لصحة مباشرته العامل و ظهر المستثني منه كالبدل كقوله تعالي الي صراط العزيز الحميد اللّهِ فليس مدخول « الّا » اذا قدّم بدلاً لمعمول الفعل المؤخر و كذا في حال النصب فانها منصوبة علي الحالية و هذا الذي ذكرنا لا تكلف فيه ابداً بخلاف ما يقولون و قالت البصرية اذا تقدم المستثني علي المستثني منه وجب تأخره عن الفعل و ان تقدم علي الفعل وجب تأخّره عن المستثني منه فتقول جاء الّا زيداً القومُ او القوم الّا زيداً جاءوا و لايجوز تقدمه عليهما معاً اختياراً و جوّز الكوفيون تقدمه عليهما مطلقاً و لهم قول الشاعر :
و بلدة ليس بها طُورِيّ ● و لا خلا الجنّ بها انسيّ
فان متعلّق « بها » هو الفعل و « الانسيّ » مستثني منه و تقدم « الجنّ » عليهما و المدار [ص 383] علي السماع و ليس الامر بالاستحسانات .
الرابع - و اذا كان الاستثناء منقطعاً فلايخلو امّا يمكن تسليط الفعل علي المستثني نحو قام القوم الّا الحمار فانه يمكن ان يقال « قام الحمار » او لايمكن نحو مانفع زيدٌ الّا ما ضرّ و مازاد هذا المال الّا ما نقص فان الفعل فيهما مباين مع المستثني فان امكن فالحجازيون يوجبون النصب مطلقاً لعدم صحة الابدال لان بدل الغلط لايكون في كلام الحكيم و تميم تجيز الاتباع و بهما معاً نزل الكتاب اما النصب فقوله تعالي ما لهم به من علم الّا اتباع الظن و اما الرفع فقوله عز و جل قل لايعلم من في السّموات و الارض الغيبَ الّا اللّه و الاستثناء منقطع لان المراد ممن في السموات الملائكة و ممن في الارض سكنتها و اللّٰه غيرهما و « اللّٰه » صار بدلاً من مَن علي خلاف حكمه و عندي اذا اتبع المنقطع يكون الّا بمعني « لكن » المخفّفة فالمعني « لايعلم من في السّموات و الارض الغيب لكن اللّٰه يعلم » و لا تكلف فيه بوجه و ليس بغلط فان في « الاضراب » المضرَب عنه باق علي حاله و حكمه ثابت و انما يأتي المتكلم بحكم جديد لحكمة جديدة نحو ماجاء زيدٌ لكن عمروٌ فنفي المجيء لزيد ثابت و لميغلط فيه المتكلم و انما اراد اثبات المجيء لعمرو لحكمة اما لرفع توهم من السامع انه ايضاً لميجئ و اما لاظهار احسان عمرو و محبّته او غير ذلك و كل كلمة يقوم مقام كلمة بلا اختلال في المعني مطّرداً فهو بمعناها فالّا بمعني لكن المخففة و كون « الّا » عاطفة مذهب الكوفيين و الابدال مذهب البصرية و الابدال غلط لان البدل لايخالف حكمه حكم المبدل منه و المستثني يخالف و البدل هو صاحب الحكم و تعلقه بالمبدل منه بالعرض و هنا حكم المستثني منه مخصوص به ثابت له بالذات و حكم [ص 384] المستثني مخصوص به فتبيّن ان الابدال في جميع انواع الاستثناء غلط و قد اصاب الكوفيون في كون « الّا » بمعني « لكن » و ان اخطأوا في كونها عاطفة و اذا نصب تكون « الّا » بمعني « لكنّ » مشدّدة و هي هي الاضرابِيّة الا ان الفرق في وجوب نصب ما بعد المشدّدة و اتباع ما بعد المخففة و مثلهما اِنَّ و اِنْ مخفّفة و مشدّدة .
و ان لميمكن تسليط الفعل علي المستثني وجب النصب عند الحجازيين و التميميين معاً و مثّلوا له بنحو مانفع زيد الّا ما ضرّ علي انّ « ما » مصدرية اي الّا الضرّ و هو بعيد جدّاً و قيل معناه « لكن الضرّ شأنه » و قيل « ما » زائدة و تقديره مثل ماقام زيد الّا و قعد و فيه تكلف لعدم الواو الحالية و علي ان يكون الّا بمعني لكن و « ما » زائدة لا تكلف فيه اي مانفع زيد لكن ضرّ و علي ان تكون مصدرية ينبغي تضمين « نفع » معني صدر منه نفع و التضمين غير عزيز فالمعني « ماصدر من زيد نفع لكن الضرر » اي صدر منه او نقول « ما » زايدة و « الّا » بمعني « لكن » كما سمعت و زيادة « ما » غير عزيزة و نسب بعضهم الي الكوفيين انّ « الّا » في الاستثناء المنقطع بمعني سِواء و انتصاب المستثني بعدها كما في المتصل و هو سهو لانّ حكم ما بعد « سِواء » لايخالف حكم ما قبلها لانها صفة و في الاستثناء المنقطع يكون حكم ما بعد « الّا » مخالفاً لما قبلها فالقول الاوّل المنسوب اليهم هو الصواب و هو كون الّا بمعني لكن في باب الاستثناء فهي عندهم عاطفة مخصوصة بتغيير حكم المعطوف عن حكم المعطوف عليه نحو لكن العاطفة و ان كان الحق انّ « لكن » اضرابيّة لا عاطفة .
الخامس - ان كان الكلام غير موجب فان كان المستثني متصلاً فالارجح موافقة المستثني للمستثني منه نحو ماجاء القوم الّا زيد و يجوز الّا زيداً و نحو [ص 385] مافعلوه الّا قليل و قليلاً علي القراءتين و اختلفوا في وجه الاتباع فالبصرية ذهبوا الي انه بدل بعض من الكل و لااري انهم قالوا ذلك الا لمحض معاداة الكوفيين فان البدل لايخالف حكمه حكم المبدل منه و حكم ما بعد الاستثناء يخالف ما قبله و ذلك لميكن مخفيّاً عليهم و انما حملهم علي ذلك محض العداوة و لذلك اجابوا عن هذا الايراد بجواب هو اوهن من مذهبهم فقالوا بدل البعض يخالف ما قبله لانك لو قلت « رأيت زيداً وجهه » معناه « مارأيت ساير اعضائه و رأيت وجهه » و هو تأويل بارد فان الانسان اذا اراد ان يفسر كلامه المثبت بالمنفي و بالعكس قدر علي ذلك و لو كان ذلك جائزاً لميبق للنحو عمود و الكوفية ذهبوا الي انه عطف نسق كما مر و « الّا » حرف عطف مخصوص بباب الاستثناء نحو لكن العاطفة و حكم ما بعدها يخالف ما قبلها نحو مافعلوه الّا قليل منهم يعني « مافعلوه لكن قليل منهم » اي فعله و قرئ بالنصب و ذكروا ايضاً نحو لايلتفت منكم احدٌ الّا امرأتُك علي قراءة الرفع و عندي النصب في هذه الآية متعين علي انه استثناء من اهلك في سابق الفقرة و هو فاسر باهلك بقطع من الليل و لايلتفت منكم احد الّا امرأتك اي « لكن امرأتك هالكة لاتُسرِ بها استثناءً من اهلك » و لايجوز عندي الضم استثناء من « احد » فانه يصير المعني اذن المرأة بالالتفات و لمتكن معهم فانه اصابها ما اصابهم و قد قال اللّٰه تعالي في آية اخري انّا ارسلنا الٰي قوم مجرمين . الّا آل لوط انا لمنجّوهم اجمعين . الّا امرأَته قدّرنا انّها لمن الغابرين . و لانسلّم انّ القراءات السبع كلها من اللّٰه و كلها حق و القرآن واحد نزل من عند الواحد فلا وجه لقراءة الرفع اللهم الّا ان يقال انه مبتدأ حذف خبره اي « لكن امرأتك هالكة لاتسري معك او لاتُسرِ بها انّه مصيبها ما اصابهم » [ص 386] و من هذا الباب و من يقنط من رحمة ربه الّا الضاۤلّون فانه استفهام انكار و بمعني النفي .
و اما وجه النصب في التام غير الموجب نحو ماقام احد الّا زيداً فعلي ان يؤخذ الّا بمعني لكنّ كما مرّ و وجه الرفع انها اضرابية كما سمعت و كيف كان ذكر البصرية لاختيار البدلية شروطاً و هي ان يكون بعد الّا و متصلاً و مؤخراً عن المستثني منه و ان يكون الكلام غير موجب و ان يشتمل المستثني منه استفهام او نهي او نفي صريح او مأول و غير مردود به كلام تضمن الاستثناء و يدخل بقيد الاشتمال مثل ما احد ضربته الّا زيداً لان النفي اشتمل الكناية و كذا ما احد لقيته كريم الّا زيدٌ و ماظننت احداً يقول ذلك الّا زيد و خرج ماضربت احداً يقول ذلك الّا زيدٌ لان النفي ماشمل القول و اجاز بعضهم ذلك لانه مأول بنفي « القول » و قالوا من المأول بالنفي « قلّما » و « قلّ » و « اقلّ رجل يقول ذلك الّا زيد » فانه بمعني ما رجل و منه قول عليّ عليه السلام « قلّ من اكثر الطعام الّا لزمته الاسقام » اي مااكثر الطعام رجل الّا لزمته الاسقام و كذا نحو ابي يأبٰي كقوله ابي اكثر الناس الّا كفوراً و يأبي اللّه الّا ان يتم نوره و نحو فلولاكانت قرية آمنت فنفعها ايمانها الّا قوم يونس و كذا فلولاكان من القرون من قبلكم اولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض الّا قليلاً ممن انجينا منهم فانها كلها مأول بالنفي و ساير الامثلة مما ذكرنا واضح ان شاء اللّٰه و اجاز الكوفيون اعمال باء و مِن في النفي في ما بعد الّا نحو ماجاءني من احد الّا رجلٍ فاضلٍ بالجر و ما زيدٌ بشيءٍ الّا شيءٍ حقيرٍ بالجرّ و اما اذا كان معرّفاً فلا ، و انكره قوم و المدار علي السماع و قالت البصرية اذا تعذر البدل علي اللفظ لمانع ابدل علي الموضع نحو لا الٰه الّا اللّه و نحو [ص 387] ما فيها من احدٍ الّا زيدٌ برفعهما و ليس زيدٌ بشيءٍ الّا شيئاً لايعبؤ به بالنصب و يردّ عليهم انّ الالٰه ليست الآن بمبتدأ و ليس محلها الرفع ايضاً و قيل انه بدل من ضمير الخبر المحذوف و قد عرفت حال البدل و وجه التكلف فيه و كذلك القول في الباقي ان عرفت فساد البدلية و قيل في تركيب لا الٰه الّا اللّه انّ اصله اللّهُ الٰهٌ مبتدأ و خبر ثم جيء باداة الحصر و قدّم الخبر و ركّب مع لا و يكون اللّه مبتدأً مؤخراً و الٰه خبراً مقدماً و كذلك في مثل لا سيف الّا ذوالفقار و لا فتي الّا عليّ و استحسنه بعضهم حتي رجحه علي كل قول و لعمري هو كلام سخيف لايعقل له معني و ليس المبتدأ و الخبر بمحض التسمية و متي يعقل من كلمة التوحيد معني المبتدأ و الخبر و كذا لايمكن اخذ الّا بمعني « غير » فتكون صفة لانّ الٰه منصوبة و ينبغي في صفتها النصب و كذلك لايمكن العطف علي زعم الكوفية علي الٰه فانّ المعطوف ينبغي ان يوافق المعطوف عليه في الاعراب و لا شك انّ الاستثناء ليس بمتصل ايضاً فانّ اللّه ليس بعض الآلهة المدعاة فالمعني الواقعي انّ هذه الكلمة مكنسة لغبار الاوهام فلما زعمت اناس آلهة عديدة انت تقول لردعهم لا الٰه اي ليس هذا الجنس الذي زعمتم بموجود ثم تعرض عنه ثم تلتفت الي الحق و تقول لكن اللّه موجود فانّ الّا بمعني لكن مخففة لا العاطفة و هي مهملة لاتعمل فلذا رفع « الجلالة » و خبره محذوف و كذلك « لا سيف الّا ذوالفقار و لا فتٰي الّا عليّ » فتدبر و انصف بالجملة « الّا » في الكلّ بمعني « لكن » بلا تكلف و قيل لايجوز في مثل « لٰا اله الّا الٰهٌ واحدٌ » اتباع اللفظ لانّ بعد « الّا » موجب و لاء التبرية لاتعمل في موجب و هذا يستقيم علي البدليّة و اما علي الوصفية فلايمتنع النصب و قيل اذا تأخر صفة المستثني منه عن « الّا » يختار النصب و انكره بعضهم نحو [ص 388] ما فيها رجل الّا اخوك صالح و عدّوا من هذا الباب الحكاية كأن يقول رجل جاء القوم الّا زيداً فتقول ردّاً عليه ماجاء القوم الّا زيداً و اجاز بعضهم الاتباع و اذا كان بين المستثني و المستثني منه فاصلة رجحوا النصب نحو ماجاءني احد حين كنت جالساً هنا الّا زيداً و ضعّفوا الاتباع لمكان التراخي و قد مرّ ان البصرية يوجبون نصب المستثني اذا تقدم علي المستثني منه في نحو ماجاءني الّا زيداً القوم و الكوفية يجوّزون اتباعه و الحقّ ان الكوفيين اصابوا الخطاء في قولهم هذا و لا وجه للاتباع هنا بوجه و الّا هنا بمعني « غير » و هي صفة قدّمت علي الموصوف و باشرها العامل و الموصوف بدل منها و تقدّمها دليل علي انّ المراد منها غير زيد فيصح ابداله عنها و ان البصرية اخطأوا في زعمهم انّ « الّا » اذا قدمت تكون للاستثناء اذ هي في حال التقدم مطلقاً بمعني « غير » و ان نصبت فمنصوبة علي الحالية فلما جاؤا بالّا مكانها حوّلوا اعرابها الي المضاف اليه ليتبيّن موقعها فالمعني ماجاء غير زيد القوم و ماجاءني القوم حال كونهم غير زيد فلا معني للاستثناء المقدم مطلقاً فان الاستثناء لصرف حكم المستثني منه عن المستثني فاذا قدّم تعلق به قبل ان يتعلق بالمستثني منه و لمايثبت حكم علي المستثني منه حتي يصرفه عن المستثني .
السادس - اذا كان الكلام مفرّغاً فعندي انّ الّا بمعني « غير » و هي متعلقة بالفعل المقدم نحو ماقام الّا زيد اي « غير زيد » و مارأيت الّا زيداً اي « غير زيد » و مامررت الّا بزيد اي بغير زيد لاجل انه حذف الموصوف و اقيم الوصف مكانه و لا استثناء و ما قاله البصرية ان المستثني هنا بدل قد ظهر فساده فلانعيد و شرطوا في هذا القسم ان يكون غير موجب نحو و ما محمّد الّا رسول و لاتقولوا علي اللّه الّا الحق [ص 389] و لاتجادلوا اهلَ الكتاب الّا بالّتي هي احسن و فهل يُهلَك الّا القومُ الخاسرون و اما قوله و يأبي اللّه الّا اَن يتمّ نوره فانه بمعني النفي اي مااراد و مارضي و ماقبل و استثنوا من ذلك نحو قرأت الّا يوم كذا فانه يمكن اضمار « العامّ » اي « قرأت كل يوم » و يمكن ان يقرأ كل يوم الّا يوم كذا و لميجوّزوا نحو مازال زيد الّا عالماً لانه موجب في المعني و لايستقيم عموم المستثني منه فان النفي عن كل احد ممكن و لكن الاثبات لكل احد غير ممكن و كذا نفي كل صفة و حدث ممكن و لايمكن اثبات كل صفة و حدث و اوجب البصرية تأخير المستثني المفرّغ عن عامله و جوّز الكوفية تقديمه عليه نحو الّا زيدٌ ماجاء .
السابع - اذا تكرر الّا فان كانت للتوكيد و بالعاطف فالتي غير الاولي زائدة و ما يليها معطوف نحو ماجاءني الّا زيدٌ و الّا عمروٌ و الّا بكرٌ و ان لميكن عاطف فالمتأخرة بدل كل و الّا زائدة ان كان الثاني عين الاول نحو مارأيت الّا زيداً الّا عالماً فزيداً منصوب كما قدّمنا باعراب الّا بمعني « غير » و هو صفة « احداً » محذوفاً و عالماً بدل و « الّا » زائدة او بدل بعض ان كان بعضه نحو مارأيت الّا زيداً الّا وجهَه او بدل اضافة ان كان له نحو مااعجبني شيء الّا زيدٌ الّا علمه او بدل مباين او اضراب او بداء ان صدر الاول سهواً او عمداً لحكمة نحو مااعجبني الّا زيدٌ الّا عمروٌ و قد اجتمع العطف و البدل في قوله :
ما لك من شيخك الّا عملُه الّا رسيمُه ● و الّا رملُه ●
و ان كان التكرار للتأسيس و ذلك علي غير العطف و البدل فان كان الكلام مفرّغاً تركت العامل مؤثراً في واحد ايّها كان و نصبت الباقي نحو ماقام الّا زيدٌ [ص 390] الّا عمراً الّا بكراً و قيل ان العاطف هنا مضمر و ليس ببعيد بل هو الاولي لانه اكثر افادة للتأسيس و ابعد عن ايهام البدلية و قيل ان امكن استثناء كل تال عن سابقه فلايجوز في كل وتر الّا النصب ان كان عن موجب غير مفرّغ و القياس انه يجوز في كل وتر غير الاول الابدال و النصب لانه عن موجب و غير مفرّغ فكل وتر منفيّ خارج و كل شفع مثبت داخل و ان كان الكلام منفيّاً فبالعكس و ان كان الكلام تاماً و منفيّاً فان اخرت المستثني منه نصبت المستثنيات كلها نحو ماقام الّا زيداً الّا عمراً الّا بكراً احدٌ و قد علمت اني اقول ان المقدم المنصوب حال يعني ماقام غيرَ زيدٍ و غيرَ عمروٍ و غيرَ بكرٍ احدٌ و ان قدمت المستثني منه يعطي واحد ايّاً كان ما يعطاه منفرداً و ينصب ماعداه نحو ماقاموا الّا زيد الّا عمراً الّا بكراً او تنصب « زيداً » ايضاً كما مرّ و يتعين في الباقي النصب و اجاز بعضهم الاتباع في الجميع و هو الارجح و ان كان الكلام تامّاً موجباً نصبت ● عندهم وجوباً نحو قاموا الّا زيداً الّا عمراً الّا بكراً .
و اما حكم التكرار من حيث المعني فان امكن استثناء بعضها من بعض نحو له عندي عشرة الّا اربعة الّا ثلثة الّا واحد فقيل فيه انّ الكل استثناء من العدد فالاقرار باثنين و قيل كل مستثني مما يليه فالاقرار بثمانية و قيل المذهبان محتملان و نحن نذكر لك هنا الذي عندنا في الاقرار علي نهج الاستثناء كلية و هو انه لو اقرّ مقرّ بأنّ لزيد عليّ عشرة الّا ثلثةً بالنصب لزمه سبعة بالبداهة و لو رفعها في المثل لا من باب الجواز في الاستثناء لزمه عشرة فانّ « الّا ثلثة » حينئذ صفة لعشرة و لو قال ما لزيد عليّ عشرة الّا ثلثة بالرفع فقد اعترف بالثلثة فانه طريق الاستثناء [ص 391] في المنفي و ان قال بالنصب لميقرّ بشيء فانه نفي العشرة حال كونها غير الثلثة
و ان كرر الاستثناء علي العطف او بغير عاطف و لكن ● بحيث لايمكن نقص كل تال من متلوّه فالجميع من المستثني منه نحو له عليّ عشرة الّا ثلثة و الّا اثنين او قال له عليّ عشرة الّا ثلثة الّا اربعة ففي الاول اقرّ بخمسة و في الثاني اقرّ بثلثة .
و ان امكن نقص التالي من متلوّه نحو له عليّ عشرة الّا تسعة الّا ثمانية الّا سبعة الّا ستة الا خمسة الّا اربعة الّا ثلثة الّا اثنين الّا واحداً فقد اقرّ بخمسة فتستثني كل تال من متلوّه فلما كان حكم ما بعد الّا علي خلاف ما قبلها يكون كل فرد منفيّاً و كل زوج مثبتاً فاجمع الازواج المثبتة و زدها علي العشرة ثم اجمع الافراد المنفيّة فانقصها من المجموع يكون الباقي هو المقرّ به و هو خمسة في هذا المثال و ان شئت فانقص كل تال من متلوّه و البقية من سابقه و هكذا بقية كل درجة من سابقه حتي تأتي علي الاول و عن البصرية امتناع استثناء النصف و عن الكوفية جواز اكثر من النصف و معهم قول اللّٰه تعالي و حرّمنا عليهم شحومهما الّا ما حملت ظهورهما او الحوايا ● او ما اختلط بعظم .
الثامن - الجمل المعطوف بعضها علي بعض بالواو اذا تعقّبها استثناء نحو اضرب عمراً خمسة اسواط و اقطع يدَه و رجلَه ثم انفَه الّا ان يتوب فالبصريون قالوا انّ الجملة الاخيرة اولي بالعمل و لايجوز عمل جملتين فيه فهو متعلق بالجملة الاخيرة و لكنّ الانصاف يقتضي ان يقال انه يحتمل تعلقه بالاخيرة و يحتمل تعلقه بالكل و يحتاج الي قرينة فهو من المجملات الّا ان اخراجه من الاخيرة مسلّم لا شبهة فيه [ص 392] و يبقي الشك في البواقي و ما لميقم دليل لاينسب اليها و منه قوله تعالي و الذين يرمون المحصنات ثم لميأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة و لاتقبلوا لهم شهادةً ابداً و اولئك هم الفاسقون . الّا الذين تابوا من بعد ذلك و اصلحوا فانه يحتمل ان يكون الاستثناء من قوله لاتقبلوا او من قوله هم الفاسقون و اما ان كان المستثني داخلاً في واحدة بعينها فهو لها نحو مافدي وصيٌّ نبيّاً الّا عليّاً عليه السلام بنفسه ● كما اذا كانت الجملة الاخيرة مستأنفة لا معطوفة نحو اكرم بنيهاشم و النحاة هم الكوفيون الّا فلاناً و ان تقدم المستثني علي المتعددات المتغايرات فان كان في المتعددات مرفوع فهو منه لان مرتبته بعد الفعل نحو مافضل الّا زيداً اباً ابن و ان توسط فكونه ● من سابقه مقطوع نحو مافضل اباً الّا زيداً ابن و من غيره محتمل و ان لميتغاير المتعدّدات فهو من الجميع و ان اختلفت العوامل نحو ماضرب احد و لاقتل الّا عمراً .
التاسع - اعلم ان وضع الّا لاجل حصر حكم ما قبلها في ما بعدها فاذا قلت ماضرب زيد الّا عمراً تحصر ضاربيّة زيد في عمرو و لاتحصر بها مضروبيّة عمرو في زيد و اذا قلت ماضرب عمراً الّا زيدٌ تحصر مضروبيّة عمرو في زيد و اذا كان ما قبل الّا من المعمول عاماً يصير الفاعل و المفعول معاً محصورين نحو ماضرب احد احداً الّا زيدٌ عمراً فتحصر مضروبيّة عمرو في زيد و كذا تحصر ضاربيّة زيد في عمرو فانك نفيت ضاربيّة كل احد فالضارب و المضروب معاً حينئذ محصوران و اما ان قدمت الّا عليهما فقلت ماضرب الّا عمرو زيداً فان كانا معاً [ص 393] مستثنيين فالمعني « ماضرب احد احداً الّا عمرو زيداً » فضاربيّة عمرو و مضروبيّة زيد كلتاهما محصورتان و اما ان كان احدهما مستثني و الآخر من حيّز المستثني منه نحو ماضرب الّا عمراً زيد تحصر ضاربيّة زيد في عمرو كما اذا لمتتقدّم و لكن منهم من جوّز استثناء شيئين بلا عطف مطلقاً ● و منهم من لايجوّز و منهم من لايجوّز في المفرّغ و يجوّز في غيره و علي ايّ حال اختلفوا في جواز عمل ما قبل الّا فيما بعدها فالبصرية منعوا من ذلك فيضمرون له عاملاً مطلقاً و اجاز بعض الكوفية عمل ما قبل الّا فيما بعدها مطلقاً سواء كان رفعاً او نصباً صريحاً او لا ، فاجازوا ماضرب الّا عمراً زيدٌ و مامررت الّا راكباً بزيد و نحو :
لااشتهي يا قوم الّا كارهاً باب الامير و لا دفاع الحاجب
بلا تقدير ناصب و لا رافع و جوّز بعضهم رفع ما بعد المستثني بما قبله دون نصبه و الذي اري ان الحق مع الكوفية فان الكلام ما دام يمكن الاكتفاء بظواهره لايصار الي تقدير فيه فاذا امكن ان يقال انّ ما بعد المستثني معمول ما قبله و لايقدّر شيء لزم المصير اليه و انما يمنعون من عمل ما قبل الّا في ما بعد المستثني لانه يلزم ان يكون جميع ما بعدها مستثني و انا اقول يلزم ذلك اذا قدّرتم المستثني منه للفاعل و المفعول عموماً و اما مع عدم الاضمار فلايلزم ذلك ففي مثل ماضرب الّا عمراً زيد يصير « زيد » مستثني اذا اضمرت فالتقدير ماضرب احد احداً الّا زيدٌ عمراً و هو خلاف المقصود و اما اذا لمتضمر لزمك ان تجعل « زيد » فاعلاً فاذا جعلته فاعلاً بطل الحصر غير المقصود الذي به منعوا التقديم فاذا لميلزم حصر غير مقصود زال المانع و اما ان كان ما بعد المستثني [ص 394] مستثني منه فلا مانع من العمل عند البصرية و غيرهم نحو ماجاءني الّا زيداً احد و كذا ان كان تابعاً للمستثني علي مذهب البصرية نحو ماجاءني الّا زيد الظريف و كذا المعمول لغير العامل في المستثني نحو قولهم رأيتك اذ لميبق الّا الموت ضاحكاً فانّ « ضاحكاً » معمول « رأيتك » و « الموت » عندهم معمول « لميبق » فان وقع معمول آخر لما قبل الّا بعد المستثني غير الثلثة المذكورة اضمروا له عاملاً آخر من جنس الاول و لايكون الّا في الشعر نحو :
كأَن لميمت حيّ سواك و لميقم علي احد الّا عليك النوايح
اي لميقم النوايح و الذي اري انه لا مانع من تأخر معمول الفعل الذي قبل الّا بعد المستثني و لايجوز تقدير ما لميقصد و لايقصد الانسان عاملاً للنوايح الّا « لميقم » الاول و يجوز الفصل بين الّا و المستثني بمتعلق المستثني نحو و ماارسلناك الّا كافّة للناس اي الّا للناس كافّة
و اعلم انه قد يجيء بعد الّا الفعل المضارع نحو ما الناس الّا يعبرون اي « الّا هم يعبرون » و ما زيد الّا يقوم و ماجاءني الّا يضحك فهو حال و نحو ماجاءني منهم الّا يقوم و يقعد اي « الّا رجل يقوم و يقعد » فهو صفة او حال و يشترط ان يكون مفرّغاً و قد تدخل ● علي الماضي في المفرّغ مع قد نحو ما الناس الّا قد عبروا و مع تقدم ماض منفي نحو ماانعمت عليه الّا شكر و حديث « ماايس الشيطان من بني آدم الّا اتيٰهم من قبل النساء » و قد يدخل الواو لافادة الحالية نحو مازرته الّا و اكرمني و لاازوره الّا و يكرمني .
[ص 395] و اما لمّا في الاستثناء فلاتجيء الّا بعد النفي ظاهراً او مقدراً و لاتجيء الّا في المفرّغ نحو ان كل لمّا جميع لدينا محضرون و اما قولهم « نشدتك باللّٰه لمّا فعلت » و « عزمت عليك لمّا فعلت » اي ذكّرتك اللّٰه ان لاتفعل شيئاً الّا فعلت و هو مأوّل بالمصدر اي غير فعلك و كذلك نحو اسألك بحق محمد و آله صلي اللّه عليه و آله لمّا فعلت كذا اي اسألك ان لاتفعل فعلاً غير فعلك هذا .
العاشر - اعلم انّ الغير بمعني « المغاير » و الاصل فيها ان تقع صفة و الموصوف بها اِمّا نكرة محضة نحو نعمل صالحاً غير الذي كنّا نعمل او معرفة نحو صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم و قيل « غير » في الآيتين بدل و ليس ببعيد و هو فرع تعرّفها بالاضافة و قيل « غير » لاتتعرف بالاضافة لشدّة ابهامها و هي صالحة للتوصيف للمعرفة و النكرة و قيل تتعرف اذا وقعت بين متضادّين نحو الحركة غير السكون و قد تقع فاعلاً نحو جاءني غير زيد و قد تضمن معني الّا فيستثني بها المجرور بها كما انّ « الّا » قد تجيء بمعني « غير » فاذا جاءت بمعني « غير » اعرب مدخولها باعراب « غير » و تعرب « غير » بما يستحقه المستثني بالّا فتنصب في الكلام التام الموجب نحو جاء القوم غيرَ زيد و الاستثناء المنقطع اذا لميمكن تسليط العامل عليه نحو مانفع زيد غيرَ ما ضرّ عند الكل و المنقطع مع امكان التسليط عند الحجازيين نحو جاء القوم غيرَ الحمار و رجح نصبها « تميم » و اذا تقدم المستثني علي المستثني منه عند الاكثر نحو ماجاء غيرَ زيد القوم و رجح نصبها بعض الكوفية مع تأخير المستثني منه في المنفي كما مر و يضعف نصبها في التام غير الموجب نحو ماقام القوم غير زيد و ان نصبت فعلي الحالية و يمتنع النصب في المفرّغ عند الاكثر و حكي عن قوم من العرب [ص 396] نصب « غير » اذا كانت بمعني « الّا » سواء تمّ الكلام ام لميتمّ و كلما عطف علي مجرور « غير » جرّ نحو ماجاءني غير عمروٍ و بكرٍ .