مسألة - اعلم ان الاصل في المفعول التأخر عن الفاعل لانه معموله كما ان الاصل في الفاعل التأخر عن الفعل لانه معموله و قد يتوسط و يتقدم لارادات نفسية في نفس المتكلم و اغراض تحصل له ليس هيهنا موضع بيانها و انما تبين في علم البيان الا انه قد يجب التأخير و هو اذا كان الفعل مؤكداً بالنون فلايقال زيداً اضربنّ لانّ التقديم دليل اهميّة المفعول و النون دليل اهميّة الفعل و هما يتدافعان و عند اللبس نحو عيسي ضرب موسٰي و ضرب موسي عيسٰي و ان لميكن لبس فلا بأس نحو الكمَّثرٰي اكل موسٰي و اكل الكمَّثرٰي موسٰي و لا لبس في التقديم علي الفعل عندنا بالمبتدأ فان المبتدأ لايكون خبره فعلاً و كذا لايتقدم منصوب التعجب فلايقال زيداً ما احسن لمكان الاستفهام و لا منصوب فعل موصول بحرف نحو عجبت من ان ضربت زيداً فانه لايفصل بين الحرف و صلته .
و يجب تقديم المفعول اذا كان فيه علة التصدير نحو ايَّهم ضربت و غلامَ ايِّهم ضربت و ايَّ حين تركب اركب و غلامَ من لقيت فاكرمه و اذا كان معمولاً لما يلي الفاء في جواب امّا مع عدم تعدد المنصوب نحو فامّا اليتيمَ فلاتقهر و امّا السائلَ فلاتنهر و ان تعدّد يجوز تقديم ايّها شئت نحو امّا يوم الجمعة فاضرب زيداً و اما زيداً فاضربه يوم الجمعة و منع الكوفيون من نحو زيداً غلامه ضرب نظراً الي انّ « زيداً » رتبته التأخير عن الفعل و الفاعل دون نحو اذ ابتلٰي ابرهيمَ ربُّه و زيداً ضرب غلامُه و اجازه البصرية و كذا [ص 350] منع الكوفيون نحو غلامَه او غلامَ اخيه ضرب زيدٌ دون نحو ضرب غلامَه زيد و اجازه البصريون و كذا منع الكوفيون نحو ما طعامك اكل الا زيد و اجازه البصرية و الحق في امثال هذا الخلاف اينما وقع ان المناط الاستعمال و ليس الامر منوطاً بهذه الآراء و المثبت في هذا العلم مقدم علي النافي ان لميثبت برأيه و قياسه و كان له شاهد من كلام العرب .
مسألة - اعلم انه لما كان بناء كلام العرب علي الاختصار قد يحذفون المفعول به نحو ضربتُ في جواب من قال ما صنعتَ بزيد و كقوله تعالي يهب لمن يشاء اناثاً و يهب لمن يشاء اي من يشاؤه الذكور و لايجوز حذف المجاب به كما اذا قيل من ضربتَ تقول ضربت زيداً و لايجوز حذف المفعول هنا لانه المسؤل عنه و الضّابط فطريّ لايحتاج الي بيان مواضع جواز الحذف و امتناعه فانه امر معنوي و الكلي فيه انه لايجوز حذف الا مع القرينة و قد مرّ في مباحث الافعال ذوات المفاعيل ما ينبغي ان يراجع .
و قد يحذفون المفعول لاجل افادة العموم نحو يقبض و يبسط و يعطي و يمنع و قد يحذفون لاشعار التضمين نحو يخالفون عن امره اي يعدلون و قد يحذفون الفعل و يبقون المفعول اذا دلّ عليه قرينة لفظية كما اذا قيل من اضرب تقول زيداً او حاليّة كما اذا عزم رجل علي ضرب شخص فتقول له زيداً زيداً
و مواضع الحذف علي نوعين : سماعية و قياسية .
امّا السماعية فنحو قولهم امرءاً و نفسَه اي دع امرءاً و نفسه و نحو انتهوا خيراً لكم اي انتهوا عن التثليث و خذوا خيراً لكم بقرينة « ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا » و نحو اهلاً و سهلاً اي اتيت اهلاً و نزلت سهلاً و نحو [ص 351] هذا و لا زعماتك اي ازعم هذا و لاازعم زعماتك و نحو من انت زيداً اي من انت تذكر زيداً و روي بالرفع و النصب اقوي و اشهر و نحو عذيرَك من فلان يقال هذا اذا اساء شخص الصنيع الي المخاطب اي احضر عاذرك او عذرك او الحال التي تعذر فيها و لاتلام فانّ العذير يأتي بهذه المعاني و معناه لك العذر فيما تجازيه لسوء صنيعه اليك و قال عليّ عليه السلام :
اريد حياته و يريد قتلي عذيرَك من خليلك من مرادي
يخاطب نفسه و يقول انت معذور فيما تصنع بخليلك من مراد فاقم عذرك يقبل و معني « من فلان » اي من اجل الاساءة اليه و ايذائه و يروي ان النبي صلي اللّٰه عليه و آله قال لابيبكر « اعذرني من عايشة » اي من جهة عايشة و ما اصنع بها و نحو كليهما و تمراً جواباً لمن كان عنده زبد و سنام و تمر فقال من ايّهما تريد مشيراً الي الزبد و السنام و نحو الكلابَ علي البقر اي ارسل و نحو احشفاً ● و سوءَ كيلة و نحو كلَّ شيء و لا شتيمةَ حرّ اي اصنع كل شيء و لاترتكب شتيمة حرّ و نحو ان تأتني فاَهلَ الليل و النهار اي فتأتي اهلاً لك بالليل و النهار و نحو ديارَ الاحبة اي اذكرها و نحو كاليوم رجلاً اي مارأيت رجلاً كمن رأيت اليوم و امثال ذلك و هي الفاظ سماعية صارت كالامثال و تحكي علي ما قيل .
و اما القياسية فقد عدّوا مواضع :
منها حذف ناصب المنادٰي عند الجمهور فانّ اصله عندهم يا ادعو و رجح بعضهم يا دعوت و اما علي قول من زعم ان حرف النداء نائب مناب ادعو او انّ الناصب الحرف لسدّه مسدّ الفعل او انّ ادوات النداء اسماء افعال فليس من هذا [ص 352] الباب و قيل انّ حرف النداء و المنادي جملة خبرية و قيل جملة انشائية و انت تعلم انّ من المنادي مرفوع كالمفرد المعرفة نحو يا زيدُ و يا ايّها الرجلُ و منه منصوب كالمضاف و نحوه و النكرة نحو يا عبدَاللّه و يا طالعاً جبلاً و يا رجلاً خذ بيدي و منه مجرور نحو يا لزيدٍ و ذهب الجمهور الي ان المفرد المعرّف ايضاً منصوب محلاً و مبنيّ في اللفظ و انت تري بفطرتك ان النداء خطاب و المنادٰي مخاطب و ادعو زيداً يدلّ علي الغياب و لايصرّح باسم المخاطب الحاضر المعين الا للتعظيم اشعاراً بانه ليس في حيّزنا و غائب عن درك امثالنا او للتوهين اشعاراً بانه لايري و لايلتفت اليه لمهانته فهو كالغايب و ليس مراد المنادِي شيئاً من ذلك بل يريد محض الخطاب و ان قلت ان المراد ادعوك فحذف الكناية و اقيم الصريح مقامها فأيضاً لا دليل عليه و ليس عدولاً الي الاولي فقول الجمهور ضعيف جداً و كذا ساير الاقوال فانّ هذا الاعتراض جار عليها ايضاً
و الذي اري انّ حروف النداء ادوات طلب اقبال مثل اَلا و اَما ليقبل المستمعون و لذلك يقبح نداء القريب المتوجه الا اذا خيف غفلته او اعراض قلبه عن المتكلم فيناديه ليقبل و لذلك امتثاله و استجابته الاقبال و التلبية الدالّة علي الوقوف بالخدمة و الحضور و الاقبال و لولا انها لطلب الاقبال ماكان امتثاله الاقبال و فيها ابهام اذ ليست مخصوصةً بشخص معين فاذا سمع المستمعون احتمل كل واحد منهم ان المنادِي اراده فيسمّي من يريد ليخصص النداء به فالمنادٰي هو المخصوص بالنداء كما قالوا انّ « زيد » في نعم الرجل زيد مخصوص بالمدح و انت بهذه الادوات تدعو زيداً و تناديه فهو بمنزلة المفعول لتلك الادوات كما قال اللّٰه تعالي استجيبوا للّه و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و قال دعوتكم فاستجبتم لي [ص 353] فيعبّر عن المنادي عند التعبير بالمفعول فهو و ان كان مخصوصاً بالنداء الا انه شبيه بالمفعول و منصوب لاجل تلك الشباهة و حروف النداء لاجل كونها حروف طلب اقبال مشبهة بالفعل كاِنّ و اَنّ و تقتضي فاعلاً و مفعولاً ، فاعلها واجب الحذف بقرينة الداعي و المدعوّ مفعولها فنصبته فليست من باب حذف الفعل كما زعموا .
و اما المفرد المعرّف نحو يا زيدُ فهو ايضاً في محل النصب الا انه بني و قيل وجه البناء التشبيه بحرف الخطاب مآلاً بالجملة لعدم كون المنادي مفعولاً حذف ناصبه لمنذكره هنا و لاجل كونه شبيهاً بالمفعول افردنا له فصلاً بعد المفاعيل
و عدّوا منها حذف ناصب المحذّر و المحذّر منه نحو ايّاك الاسدَ و ايّاك من الاسد و ايّاك و الاسدَ بالعطف و الطريقَ الطريقَ و ايّاك ايّاك بالتكرار و امثالها و قالوا و التقدير في « ايّاك و الاسدَ » اتّق نفسَك و احذر الاسدَ و لو قيل انّ الواو واو « مع » لميكن بعيداً و قيل احذر تلاقي نفسك و الاسدَ و قيل ايّاك بعّد و بعّد الاسدَ و التقدير في« ايّاك الاسد » حذّر نفسك الاسدَ لانّه ذو مفعولين نحو يحذّركم الله نفسَه و في « الطّريقَ الطّريقَ » احذر الطريقَ احذر الطريقَ و امثال ذلك .
و نحن قد ذكرنا مكرراً ان المقدر لا بد و ان يكون منويّاً و انت تعلم ان تقدير ايّاك بعّد يفيد الحصر و ليس هنا موضع الحصر و التقدير الاول اقرب و لا بأس بتقدير احذر الطريقَ و احذر الاسدَ و الاولي ان قلنا بالتقدير تقدير شيء يناسب الكلمتين لوجود واو العطف و لايبعد ان يكون تقدير راع نفسَك و الاسدَ اولي و قد يقال في التحذير ايّاك من ان تقول كذا و يقدّر « احفظ نفسَك » مثلاً و قد يقال ايّاك و ايّاه اي لاتقارنه كقوله اذا بلغ الرجل الستّين فايّاه و ايّا الشّوابّ [ص 354] و هذا الكلام شاذّ و قد يقال في التحذير نفسَك نفسَك و نفسَك و دينَك و منه ناقةَ اللّهِ و سُقياها
و عدّوا منها ايضاً الاغراء و ضابطه ذكر كل مغري به مكرراً او معطوفاً عليه بالواو مع معطوفه نحو اخاك اخاك قالوا هو بتقدير اِلزَم و نحو شأنَكَ و الحجَّ و نفسَك و ما يعنيها اي الزم .
و عدّوا منها حذف ناصب كل اسم منصوب بعده ناصب مشتغل عنه بكناية او بمتعلقه نحو زيداً ضربته و ضربت غلامَه فاضمر الجمهور علي الوجوب قبل المنصوب فعلاً من جنس لفظ ما بعده او معناه لانّ المفسر عوض منه و الاصح ان المنصوب منصوب بالفعل بعده و الكناية بدل عنه و ذلك انا قدّمنا مكرراً انه لايجوز تقدير ما لاينويه المتكلم و المراد بالتقدير وجوده في نفس المتكلم و الا فليس في اللفظ موضع يستتر فيه شيء و انت تعلم انه ليس في نفس المتكلم ضربت زيداً ضربته و انما ينوي ان « زيداً » معمول « ضربت » هذه و ان الكناية بدل كل عنه فاذاً ليس هذا ● ايضاً من هذا الباب و انما هو من باب تقدم المفعول و ان قلت فما تقول في نحو زيداً مررت به و « زيداً » منصوب و « مررت » لايتعدّي بنفسه بل بالحرف اقول انه علي معني التضمين و هو شايع كثير في لغة العرب فمررت به متضمن معني « جاوزت » كما قال اللّٰه سبحانه ان الذين يخالفون عن امره و هو متعدٍّ بالنفس و اتي بالحرف لتضمين معني « يعدلون » و نحو كفي باللّه فانه بمعني « اكتفوا باللّٰه » و له ● احكام من وجوب الرفع و وجوب النصب و جواز الامرين فيجب الرفع اذ تقدم علي ما يجب تصديره كالاستفهام نحو زيدٌ هل ضربته و زيدٌ ان ضربتَه ضربَك و زيدٌ ماضربته [ص 355] و امثال ذلك فهو مرفوع بالتوطئة و مبتدأ لا خبر له علي الاصح كما مر و قد سبقني القوم بمبتدأ لا خبر له في كثير من المواضع فلاتستغرب من قولي و يجب النصب اذا وقع بعد ما يختص بالفعل كادوات التحضيض و هي التي سمّيناها بالتوبيخ نحو هلّا زيداً اكرمته و ادوات الاستفهام غير الهمزة علي قول و اجاز بعض الكوفية ان يلي هل اسم بعده فعل نحو هل زيداً لقيته او الاسم المتضمن معني الاستفهام نحو متي عمراً ضربته و بعد ادوات الشرط نحو حيثما زيداً لقيتَه فاكرمه و قيل لايقع الاشتغال بعد الاستفهام و الشرط الا في الشعر و اما في النثر فلايليها الا الفعل و استثني من ذلك اذا مطلقاً و ان و الفعل ماض نحو اذا زيداً لقيته او تلقاه و اِن زيداً لقيته فاكرمه .
و جوّز الاشتغال بعد اِن الجازمة في الشعر و جوّز الرفع و النصب معاً في غير ذلك و رجحوا في بعض المواضع النصب و لا حاجة بنا الي ذكرها فان ترجيحاتهم من دراياتهم غالباً .
و عليهم ان يعدّوا من امثال حذف الناصب المفعول معه فانه في الحقيقة مفعول به لفعل محذوف بمعني « مع » كصاحبت او شاركت او رافقت و امثال ذلك من افعال باب المفاعلة و ليس بقسم آخر كما زعمه الجمهور و مثاله نحو سرت و زيداً و اكلت و عمراً و كل انسيّ يجد من نفسه انه لا مفعولية لزيد و عمرو لسِرتُ و اكلتُ و انما يريد سرتُ و سايرتُ زيداً و اكلت و آكلت عمراً .
و اما المفعول بواسطة فهو مفعول الفعل المتعدّي اذا عدّيت ذلك المتعدّي بنقله الي باب آخر و ذلك نحو حفر زيدٌ النهرَ فالنهر هو مفعول « حفر » و ناصبه « زيد » كما [ص 356] عرفت فاذا نقلته الي باب الافعال مثلاً صار الفاعل هو المفعول به لفعل الافعال و بقي المفعول السابق و ليس بمفعول به لاَفعَلَ بلا شك بل هو مفعول الفاعل السابق و صار مفعولاً لافعل بواسطة المفعول الاول و ناصبه هو المفعول الاول مثاله احفرت زيداً النهر فزيد هو الفاعل السابق صار مفعولاً به و بقي النهر منصوباً و ليس بمفعول به لاحفر بلا شك و انما هو مفعول لزيد فان النهر هو المحفور و زيد هو المُحفَر بفتح العين فالنهر منصوب بزيد و مفعول له و كذلك كتب زيدٌ القرٰانَ و اكتبت زيداً القرآنَ و امثاله كثيرة و هو ايضاً مفعول خارج عن ساير الاقسام و اهملوه و يستثني من ذلك مفعولا باب علمت فانهما صالحان للاسناد و المفعول به هو الثاني و الاول مفعول مخصّص .
في المفعول المخصِّص
هو اوّل مفعولي باب علمت و هو قسم آخر من انواع المفاعيل و قد اهمله القوم و زعموه مفعولاً به و فيه غلطان عظيمان الاول ان الفعل الواحد لايقبل مفعولين من نوع واحد الا علي سبيل الترتب و العطف و الثاني ان المفعول به هو الذي يتعلق الحدث به و يتصف بذلك الحدث نحو عمراً في قولك ضربت عمراً فان ضربك يظهر عليه و يتعلق به و هو يتصف به فيقال عمرو مضروب فقولك علمت زيداً فاضلاً المعلوم هو « فضل زيد » بالبداهة و « زيد » هو محل المعلوم و معروضه و لاجل ذلك يكون المفعول الاول ما يصلح ان يكون مبتدأ و الثاني ما يصلح ان يكون خبراً فزيد ليس بمفعول به للعالم بل فضل زيد هو المفعول به فالتقدير علمت فضل زيدٍ و سمّيناه بالمفعول المُخَصِّص لانّ اضافة « فضل » الي « زيد » تفيده اختصاصاً به [ص 357] و يتعين به عن فضل غيره و كما انه ليس « عمرو » في قولك ضربت غلام عمرو مضروباً كذلك ليس « زيد » معلوماً فليس بمفعول به للعالم و لما كان المضاف اليه يؤتي به لتخصيص عموم المضاف و لتعيين ابهامه و ليس مقصوداً بالذات و هو فضلة في الكلام و « زيد » هذا هو المضاف اليه للمفعول به و قد قدّم تمهيداً لذكر المعلوم الذي هو وصفه و عرضه و لانه هو صاحب الوصف و الموصوف به و مقدم رتبة عليه سمّيناه بالمفعول المخصِّص للمفعول به و نُصِب لانه فضلة و قد ازيل عنه الجارّ فالنصب اولي به و لانه مفعول بالعرض و لك ان تقول زيدٌ معلوم الفضل كما تقول معلوم النسب و معروف الحسب فهو ايضاً مفعول لكن لايكون مفعولاً به و ان قيل يلحق بالمفعول به قلت من الذي اوجب عليكم حصر المفاعيل فيما قلتم حتي اذا وجدتم غيرها وجب عليكم ان تلحقوه باحدها ؟ فكل مفعولين يصلح اولهما لان يكون مبتدأ و ثانيهما لان يكون خبراً فالاول هو المفعول المخصص و الثاني المفعول به و لما كان هذان المفعولان بمنزلة مفعول واحد كما عرفت انّ معني علمت زيداً فاضلاً « علمت فضلَ زيدٍ » صارا ان حُذفا حذفا معاً و ان اُبقيا ابقيا معاً نحو اين شركائي الذين كنتم تزعمون حيث حذفا معاً ● و كقول الشاعر :
بايّ كتاب ام بايَّة سنّةٍ تري حبَّهم عاراً عليَّ و تحسب
و قلّما يحذف احدهما و يبقي الآخر اللهم الا مع قرينة نحو قوله تعالي و لايحسبنّ الذين يبخلون بما آتيهم اللّه من فضله هو خيراً لهم اي بخلهم خيراً لهم فالمفعول الاول محذوف و كقوله :
و لقد نزلتِ فلاتظنّي غيره منّي بمنزلة المحَبِّ المكرَمِ [ص 358]
اي « غيره واقعاً منّي » و هو المفعول الثاني و قد مرّ ساير احكام هذه الافعال و اما الناصب للمفعولين فهو الفاعل ينصب الثاني بالذات و الاول بالعرض بخلاف رأي الجمهور انه الفعل .
في المفعول المتعلَّق
و هو متعلَّق المفعول به و من شرطه ان لايصحّ اسناده اليه نحو مفعولي باب اعطيت و هو كل فعل له مفعولان لايصحّ اسناد احدهما الي الآخر بخلاف مفعولي باب علمت فتقول في علمت زيداً فاضلاً « زيد فاضل » و لايجوز ان تقول في اعطيت زيداً درهماً « زيد درهم » فالمفعول به هنا هو المفعول الثاني فانّ الحدث يظهر عليه و الوصف المشتق منه يصدق عليه فالمعطٰي هو الدرهم و هو عطاؤك و ظهر اعطاؤك به و لكن يحتاج هذا الدرهم الي متعلّق يتعلّق به لان الفعل لايتمّ معناه بمفعول واحد و ذلك ان العطاء امر لايتحقق الا بين اثنين معطي و معطٰي له و كذلك كسوت زيداً جبّةً فالجبّة هي الكسوة تكسوها علي زيد و زيد هو المكتسي بالجبّة فالمفعول به هو « الجبّة » و امّا زيد فهو متعلَق المفعول به اذ لايتحقق الكسوة الا بين شيئين فكل فعل لايتحقق معناه في الخارج الا بمفعول و متعلّق له هو من هذا الباب و مفعوله الثاني مفعول به و مفعوله الاول هو المفعول المتعلّق حيث تعلّق به المفعول به .
في المفعول بها
و هو الذي اجري الفاعل فعله به اي جعله آلة احداثه الحدث و لميلتفت القوم الي ذلك و لميعرفوه و هو شايع كثير و شرطه ان تكون الآلة معروفة بصدور ذلك [ص 359] الحدث منها و يكون صالحاً لدخول باء الاستعانة عليه نحو ضربته سوطاً او عصاً فيسوغ ان تقول « ضربته بالسوط » و « بالعصي » و قد يضاف اليه العدد فيجري عليه حكمه نحو ضربته خمسة اسواط و من البيّن ان السوط ليس بمفعول مطلق و لا نائباً عنه كما زعموه اذ ليس مفاد قولك ضربته سوطاً مفاد ضربته ضرباً و كذلك طعنته رمحاً و رميته سهماً و ضربته سيفاً اذ ليس مفاد هذه الكلمات « طعنته طعناً » و « رميته رمياً » و « ضربته ضرباً » فلاتغفل و انظر بعين الانصاف .
و اذا كانت الآلة غير معروفة لايقال ذلك فلايقال ضربه قلماً مثلاً و اذا اريد ذلك يستعان بالباء فتقول ضربته بالقلم و نصبه بفاعل الفعل الذي جري به كما مرّ في المفعول به .
في المفعول منه
و هو الذي احدث الفاعل مفعوله منه كما يصنع الصايغ الخاتم من الفضة و علامته ان يكون صالحاً لدخول مِنْ عليه نحو قوله تعالي ءاسجد لمن خلقتَ طيناً اي من طين و ليس هذا من جنس احد المفاعيل التي عيّنوها و ان قلت انه منصوب بنزع الخافض قلت هو قول قالوه و هو عين المدّعٰي اعدتموه و الشأن في معرفة ذلك و الا فمعلوم انه منصوب الآن و مقدّر فيه الخافض و انما نريد معرفة سرّ ذلك و ليس ذلك الا انه مفعول منه و النصب عَلَم المفعول و ما فيه سرّ المفعوليّة و لا شك ان الطين اذا عبّر عنه يقال هو مفعول منه آدم و ناصبه ايضاً هو الفاعل كما مرّ و منه قوله تعالي و تنحتون الجبال بيوتاً لقوله في آية اخري و تنحتون من الجبال بيوتاً و منه قوله تعالي و لقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرارٍ مكين [ص 360] يعني جعلنا الانسان من نطفة اذ من البيّن انه لايرجع الكناية الي « السلالة » و لا الي « الطين » و لميجعل الانسان نطفة و انما جعل الانسان من نطفة فنطفة مفعول منه بالضرورة و يمكن الالحاق بهذا الباب نحو و اختار موسٰي قومه سبعين رجلاً لميقاتنا اي من قومه فكما انّ المصنوع من الطين حصة من الطين ، المختار هنا ايضاً حصة من القوم و حكي في شرح القطر المفعول منه عن بعضهم فلاتستوحش .
و من ذلك المفعول عليه و هو الذي صنع الصانع مصنوعه عليه اي صوّره بصورته و عدّينا الصورة بعلٰي كما روي « انّ اللّٰه خلق آدم علي صورته » و ذلك ايضاً كثير في كلام العرب و هو ايضاً مما غفلوا عنه و اهملوه مع انه ظاهر بيّن انه غير سائر انواع المفاعيل و علامته صحة دخول « علٰي » عليه و اغلب وقوعه بعد افعال التصيير نحو جعلت الطين خزفاً فان المعني « جعلت الطين علي صورة الخزف » و صيّرت الماء جمداً اي غيرته علي صورة الجمد و منه قوله تعالي ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغةً فخلقنا المضغة عظاماً ● و من ذلك ما يجعله الفاعل موصوفاً بصفة معنوية نحو اتخذ اللّه ابرهيم خليلاً ، و ان يروا سبيل الرشد لايتخذوه سبيلاً و ان يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلاً و كذلك بعثه اللّه نبياً و جميع ذوات المفعولين الذين يجعل الاول علي صورة الثاني او علي صفة الثاني فالثاني مفعول عليه و لايجوز ان يكون لفاعل واحد مفعولان من جنس واحد البتة الا علي [ص 361] سبيل العطف و الترتب و قد غفل القوم عن جميع هذه النكات و لاتستوحش يا بنيّ اذا سمعت خلاف ما قال القوم فانهم بشر و انا بشر و كم ترك الاول للٰاخرِ و العلم يتزايد و الافهام تترقي .
في المفعول معه
و هو عند الجمهور اسم مذكور بعد واو العطف بمعني مع تالٍ لجملة ذات فعل لفظاً او معني و شرطه ان يصح عطفه من حيث المعني نحو جئت و زيداً اي جئت انا مع زيد فلايصح جلس زيدٌ و السارية و ضحك زيد و طلوع الشمس و قيل يجوز ذلك لقولهم « مازلت اسير و النيل » و ليس فيه حجة عند الاولين لاحتمال التشبيه اي تشبيه « الجري » بالسير او المجاز او حذف فعل يجري نحو :
علّفتها تبناً و ماءً بارداً حتّي شتت ● همّالةً ● عيناها
و هو عند البصرية منصوب علي المفعولية كالمفعول به و عند بعض الكوفية انه منصوب علي الظرفية و ذلك لاجل قولهم انّ « مع » ظرف و الواو بمعني مع و قد عرفت الكلام في مع ● فكيف بالواو التي هي بمعناها
و الذي اقول ان الواجب علي العاقل ان يراجع المعني في كل حال فلا كل ما رأي فيه نصباً يجوز له ان يقول انه مفعول لفعل مقارن به بل يجب التدبر في المعني فاذا انصفت رأيت انّ سرت و زيداً ليس فيه شائبة من المفعولية لسرت مع قصوره و تري ان المعني سرت مع زيدٍ علانية و وجه نصبه لانّ « مع » بمعني [ص 362] المصاحبة يقيناً و معني سرت و زيداً « سرت و صاحبت زيداً في السير » فاضمروا الفعل و نصبوا مفعوله لئلاتشتبه واو « مع » بواو العطف فنظروا الي معني « مع » و اجروا عمله علي مدخولها و ليس ناصبه الفعل و شبهه المتقدم عليه كما زعمه الجمهور و بعض الكوفية فانّ الفعل لايعمل عملين لاسيّما و غالب امثالهم المسموعة الفعل القاصر بل الناصب هو الفاعل المحذوف و قيل الناصب المخالفة للفاعل و قيل فعل محذوف بعد الواو نحو سرت و صاحبت زيداً او شاركت زيداً و امثال ذلك فالمفعول معه ليس بقسم غير ما ذكر و انما هو المفعول به و قد حذف عامله كما مرّ و قيل انّ المفعول معه قياسي يجوز لك ان تتكلم عليه و ان لمتسمع من العرب و قيل هو سماعيّ لايجوز التعدّي عن المسموع و زعم بعضهم جواز كون المفعول معه فعلاً نحو لاتأكل السمكة و تشربَ اللبن و هو خطاء فان المفعول معه يشارك الفاعل في فعله و ليس هنا كذلك و زعم بعضهم جواز كونه جملة اسمية نحو سرت و الشمس طالعة و هو كسابقه في الخطاء بل هما حالان كما هو ظاهر و قال بعضهم في قوله تعالي فاجمعوا امركم و شركاءَكم انّ « شركاء » مفعول معه و هو اقرب مما زعم قوم انه عطف و اطلاق الاجماع عليه مكان الجمع للمجاورة و هو يفيد جواز كون المفعول معه بعد فعل متعدّ فمنه ما يقال حسبك و زيداً درهم بمعني يكفيك فما اشترطوا ان يكون معمول الفعل فاعلاً لا وجه له كما صرّح بعضهم و قيل لايتقدم المفعول معه علي عامله و ينبغي التخصيص به وحده ● و اما مع المعطوف عليه فلا مانع كما صرّح به بعضهم كما يجوز في العطف و تقول زيداً و عمراً لقيت و قيل بجواز توسطه ايضاً لقول الشاعر :
[ص 363]جمعتَ و فحشاً غيبةً و نميمةً خصالاً ثلاثاً لست عنها بمرعوي ●
كما يجوز في العطف نحو :
الا يا نخلةً ● من ذات عرقٍ عليكِ و رحمةُ اللّه السلامُ
و اما قولهم ما انت و زيداً و كيف انت و زيداً فالتقدير ما كنت و زيداً و كيف تصنع و زيداً .
و اعلم انه ان كان الفعل في اللّفظ و جاز العطف جاز النصب و العطف نحو جئت انا و زيداً و و زيدٌ و ان لميجز العطف تعيّن النصب و مثّلوا له بنحو جئت و زيداً علي انه لايجوز العطف علي الكناية المرفوعة المتصلة من غير اعادة المنفصلة و الكلام في الامتناع لان الجمهور يجوّزون هذا العطف علي قبح و ان ● كان الفعل معنويّاً نحو ما لك فانّ الجارّ يدل علي متعلق محذوف و نحو شأنك و حسبك و قدرك و كفيك و ويلاً لك و ويلك و ويلٌ لك فانها بمعني المصدر و نحو رأسَك و الحائطَ و امرءً و نفسَه و امثالها فان المنصوب دالّ علي الفعل المحذوف فقيل ان جاز العطف حينئذ وجب فانه الاصل نحو ما لزيد و عمرو و هو اجتهاد غير متّبع و اجاز النصب بعضهم و لا بأس به و مثّل بعضهم لوجوب العطف بكل رجل و ضيعته لعدم تقدم جملة ● و اشترك زيد و عمرو لان المعطوف عمدة و جاء زيد و عمرو قبله او بعده لعدم المعيّة و ان لميجز العطف تعين النصب و مثّلوا بقولهم ما لك و زيداً نظراً الي عدم جواز العطف علي الكناية المجرورة بدون اعادة الجارّ و جمهور البصريين يمنعون عنه الا في الضرورة و يستقبحونه في غير ضرورة و ليس ذلك الا عناداً [ص 364] لآلمحمد عليهم السلام فانّ اجماعهم علي الجواز كما تري انّ من خاصّتهم تجويز مثل صلّي اللّه عليه و آله و العامة يفصلون بين محمد و آله بعلٰي عناداً و مخالفةً لآله عليهم السلام و اللّٰه يقول فاتّقوا اللّه الذي تساءلون به و الارحامَ و في قراءة « حمزة » من السبع جرّ « الارحام » فتبين انه لايمتنع عطف « زيد » في ما لك و زيد فلايتعين النصب و لايجوز النصب في مثل انت اعلم و مالك او و ربّك لعدم مشاركة المفعول و الفاعل في العلم و المعني عندي في قوله انت اعلم و ربّك « انك انت اعلم بعملك من غيرك و ربّك اعلم بما يجازيك كما ينبغي » و اما في انت اعلم و مالك اي « انت اعلم بصلاح مالك من غيرك و مالك اعلم بلزومه لك و صلاحه في مملوكيّتك » و يمتنع النصب بالفعل الظاهر في مثل علّفتها تبناً و ماءً بارداً لعدم صدق العلف علي الماء و انت لو عرفت ما قدّمنا انه مفعول به و منصوب بفعل محذوف استرحت فلو نصبت فبالمتعلق المحذوف و ان عطفت فتتبعه المعطوف عليه و لاتتحير في اختلاف آرائهم .
في المفعول فيه
و قد ذكرنا انه معنيً زمان او مكان حدث الفعل فيه و اما لفظاً فهو ما فعل فيه مضمون عامله فهو اسم وقت او اسم مكان او اسم من حدودهما يتصل الي احدهما او جري مجراه يتضمن معني في منصوباً نحو امش يوم الجمعة اَمامي عشر ساعات خمسة اقدام حقاً و اذا كان في فيه ظاهرة يسمي بالظرف و ان جري اصطلاح البصرية بتسمية المفعول فيه ظرفاً و اما بعض الكوفية فيسمونه صفة و الاصطلاح الاول اوفق و انسب و الاسم الذي يقترن بالزمان و المكان اربعة [ص 365] انواع :
اسماء العدد المميّزة باحدهما نحو سرت عشرة ايام خمسة فراسخ و ما يدل علي كليّة احدهما او بعضيّته نحو سرت جميع اليوم جميع الفرسخ او كل اليوم كل الفرسخ او بعض اليوم بعض الفرسخ و ما كان صفة لاحدهما كجلست طويلاً من الدّهر و شرقيّ الدّار و ما كان ينوي قبله احدهما ● صالحاً للاضافة اليه و الغالب في المذكور ان يكون مصدراً و في المنوي ان يكون زمانيّاً معيّناً نحو جئتك صلوةَ العصر او قدومَ الحاجّ و جلست عندك حلبَ ناقة او جزرَ جزورٍ او نومةَ قائلٍ و قد يكون المنويّ مكانيّاً نحو جلست قرب زيد و مشيت غلوة سهمٍ و رميةَ نشّابةٍ و اقطعه حُضْرَ ● فرس و اما الجاري مجري احدهما فهو الفاظ مسموعة توسّعوا فيها فعاملوا معها معاملة المفعول فيه كقولهم لٰاتينّك السمرَ و القمرَ اي وقت السمر و وقت طلوع القمر و باكرت حاجتها الدجاج بسحرة اي وقت صياح الدجاج و كقولهم احقاً انك ذاهب يعني افي حق كما قال الشاعر : افي حقٍّ مواساتي اخاكم ، و قال آخر :
افي الحق انّي مُغْرَم بك هائمٌ فانك لا خَلٌّ هواك و لا خمرٌ ●
و هي جارية مجري الزمان لا المكان فلاجل ذلك لايقع خبراً عن الجثث فلايقال احقا زيد و نحو غير شكّ او جهد رأسي او ظنّاً منّي انك قائم و ليس منه نحو يخافون يوماً و اللّه اعلم حيث يجعل رسالته اذ نفس « اليوم » مخوف و نفس « الحيث » معلوم و كذا نحو و ترغبون ان تنكحوهنّ لعدم تضمنه وقتاً او مكاناً مع انّه يحتمل [ص 366] ان يكون تقديره عن ان تنكحوهنّ و استثني بعضهم عن المفعول فيه نحو دخلت الدار و سكنت البيت و نزلت الخان لانّ « الدار » و « البيت » و « الخان » من اسماء المكان المختصة و لاينصب بالظرفية من اسماء المكان الا المبهم فهي منصوبة بنزع الخافض توسعاً و قيل انّ دخلت و سكنت و نزلت مستثناة من الافعال و تنصب كل ظرف مكان و لايبعد ان يكون القول الاول اسدّ ● و الاسماء مفاعيل معنوية ● .
مسألة - اسماء الزمان كلها صالحة للانتصاب سواء كانت مبهمة او صالحة لجواب متي و كم ● نحو حين و مدّة و يوم الجمعة و يومين و اسبوع و امثالها و اسماء المكان ان كانت مبهمة تنصب و هي امام و وراء و يمين و شمال و فوق و تحت و الحق بها عند و لدٰي و وسط و بين و ازاء ● و حِذاء ● و حِذه ● و تِلقاء ● و اسماء المقادير كميل و فرسخ و بريد و الحق بها بعضهم ناحية و جانب و مكان [ص 367] و منع بعضهم من « جانب » لانه لايستعمل الا بفي و يستثني عنها جهة و وجه و كنف ● و ذَرٰي ● و خارج و داخل و جوف و ما في اوله « ميم » فلاتستعمل الا بفي . و قيل اسم المكان ان كان مشتقاً من حدث بمعني الاستقرار ينصب بفعل ذلك الحدث نحو قمت مقامه و جلست مجلسه و اويت مأواه و سدّ مسدّه و نحو انّا كنّا نقعد منها مقاعد للسمع و بكل فعل بمعني الاستقرار نحو جلست موضعه و قمت مكانه و جلس منزله و قعد مركزه و قال اللّٰه تعالي و اقعدوا لهم كل مرصد و اما غيرها فلايقال كتبت مكانه و رميت موضعه و شتمت منزله مثلاً و ان لميكن مشتقاً من حدث بمعني الاستقرار لاينتصب الا بالافعال الثلاثة ● اي دخلت و سكنت و نزلت نحو دخلت الدار و سكنت الخان و نزلت الزاوية و اما قولهم هو منّي مزجر الكلب و مقعد القابلة و مقعد الخاتن و مناط الثريّا ● و منزلة الشغاف ● فهي بتقدير في اي « هو منّي مستقر في مقعد القابلة » مثلاً و يمكن ان يقدّر « هو قريب منّي كقرب مقعد القابلة » او « بعيد منّي بعد مناط الثريا » و لعلّ هذا انسب .
مسألة - حكم المفعول فيه النصب و اضمار « في » فان ظهرت فهو ظرف قيل ناصبه الدال علي المعني الواقع فيه سواء كان فعلاً متصرفاً ام غير متصرف ام مصدراً ام وصفاً نحو صمت يوماً و صَه شهراً و ضربك يوماً زيداً احسن من قتلك ايّاه و رأيت ضاربك يوم الجمعة و الحق انه ناصبه الفاعل او الفعل بالفاعل كما مرّ و قد يحذف عامله جوازاً كقولك فرسخين او يوم الجمعة جواباً لمن قال كم سرت [ص 368] او متي صمت و قد يحذف وجوباً و هو اذا وقع صفة نحو مررت بطائر فوق غصن او صلة نحو رأيت الذي عندك او حالاً نحو رأيت الهلال بين السحاب او خبراً كزيد عندك و لايقع من الظروف ما بني علي الضم صفةً و لا صلةً و لا حالاً و لا خبراً او كان مشتغلاً عنه العامل بنصبه لمحل كنايته كيوم الخميس صمت فيه و لايقع كناية الظرف الا مخفوضة بفي و لو قيل انّ « فيه » بدل عن يوم الخميس كما مرّ في المفعول به لكان وجيهاً و في هذه الموارد ● الحذف قياسيّ و ربما يكون سماعياً فيجري مجري الامثال فلايحكي الا كما هو كقولهم في المثل لمن ذكر امراً قد تقادم عهده حينئذ الآن اي « كان ذلك حينئذٍ » اي « كان ما تقول واقعاً اذ كان كذا و اسمع الآن ما اقول » و قيل يستثني من حذف الناصب ما لايعمل محذوفاً كالمصدر و اسم الفاعل و لااعرف له وجهاً و قد يضاف المصدر و الوصف الي الظرف نحو بل مكر الليل و النهار اذ تأمروننا و قولهم « يا سارق الليلة اهل الدار » و هو من باب اضافتهما الي المفعول كما مر و قيل قد يتوسع في الظرف المتصرف فيجعل مفعولاً به نحو يوم الجمعة صمته و قيل لايتوسع في ظرف المتعدي الي اثنين كباب اعطيت او علمت و قيل يجوز و اما ظرف المتعدي الي ثلثة فلميجوّزوه و جوّزوا في الافعال الناقصة نحو يوم الجمعة ليس زيد قائماً و قيل جميع الظروف متوسع فيها و المفعول فيه مع الجارّ مفعول به و كذا المفعول له و هو كلام خال عن التحقيق في المتعدي فان الفعل الواحد لايجوز له اكثر من مفعول به واحد كما مر و كذا في اللازم فانه لايحتاج الي مفعول به .
[ص 369] مسألة - الظرف نوعان :
متصرف و هو ما يجوز ان يستعمل في حالة لاتشبهه كأن يستعمل مبتدأً او خبراً او فاعلاً او مفعولاً به او مضافاً اليه كاليوم فانك تقول اليوم يوم مبارك و اعجبني اليوم و رأيت يوم قدومك و سرت نصف يوم .
و غير متصرف فامّا لايفارق الظرفية كقطُّ و عوضُ و امّا يفارقها الي حالة شبيهة بالظرفية بدخول مِن نحو قبل و بعد و لدن و عند و بين نحو للّه الامر من قبل و من بعد و آتيناه رحمة من عندنا و علّمناه من لدنّا علماً و من بيننا و بينك حجاب و ان جرّ بغير « من » كان متصرفاً نحو عن اليمين و عن الشمال قعيد و امّا نحو « متٰي » و « اين » فهما غير متصرفين مع انّ « متي » قد ينجرّ بالي و حتّي و « اين » بالي .
مسألة - اعلم انّ المفعول فيه ليس جنساً واحداً بدليل انه لايمكن ان يقع لفعل واحد مفعولان من جنس واحد الّا علي سبيل العطف او البدليّة و يمكن ان يقع لفعل واحد مفعول فيه مكانيّ و مفعول فيه زمانيّ نحو ضربته امامك يوم الجمعة فكان من حقهما ان يذكرا في فصلين ليعرف تعدّدهما و لكن لما كان احكامهما متّحدة جمعناهما في فصل واحد و اشرنا الي تعدّدهما
فما وقع من جنس المكان متعدّداً او من جنس الزمان فهما علي البدليّة نحو امش امامي خمسة اقدام او تكلّم يوم الجمعة ساعتين فالمعني « امش خمسة اقدام في امامي » او « من امامي » و « تكلّم ساعتين في يوم الجمعة » او « من يوم الجمعة » لاجل انّ احدهما بدل عن الآخر و كلاهما في حكم المفعول الواحد فتنبّه .
في المفعول له
و المراد منه معنيً هو العلّة الغائيّة التي حملت فاعل الفعل علي الفعل سواء كانت تلك العلّة في نفس الفاعل او خارجة عنها و لفظاً هو اسم منصوب بالمفعوليّة يصحّ تقدير اللام فيه او نقول هو اسم منصوب فعل له ● مضمون عامله و ذكر بعضهم له شروطاً : احدها ان يكون مصدراً فلايقال جئتك السمن و العسل و ان صحّ ان تقول جئتك للسّمن و العسل و ذلك لاجل ان الذات لاتصير علّة غائيّة لشيء و ثانيها ان يكون قلبيّاً نحو جئتك رغبةً لا علاجيّاً و انكر بعضهم هذا الشرط لاتفاقهم علي صحّة ضربتك تأديباً و جئتك اصلاحاً لامرك و اجيب انا عنه انّ الاصلاح امر قلبيّ و العمل صالح لان يكون اصلاحاً و افساداً كما ان التأديب امر قلبي و الضرب يمكن ان يكون ظلماً او يكون تأديباً فانّما الاعمال بالنيّات و ثالثها ان يكون متّحد الوقت مع العامل او متصلاً به قبل او بعد نحو جئتك رغبةً و خوفاً من فرارك و اصلاحاً لامرك و قيل لايجب و عليه قراءة نصب صدقهم في الشواذّ في قوله يوم ينفع الصادقين صدقهم ، و رابعها ان يكون متّحد الفاعل مع العامل نحو جئتك حبّاً فالمحبّ و الجائي واحد و ذلك غير لازم كما قدّمنا في الحدّ و قد قال اللّٰه سبحانه يريكم البرقَ خوفاً و طمعاً و اللّٰه هو المري و الناس الخائفون الطامعون و يقول اميرالمؤمنين عليه السلام « اعطاه اللّٰه النظرة استحقاقاً للسخطة » و المعطي هو اللّٰه و المستحق هو ابليس نعم هو قليل و خامسها ان يصلح لان يقع في جواب لِمَ ، و سادسها ان يصح تقديره باللام ، و سابعها ان يكون العامل بغير لفظه [ص 371] لان الشّيء لايكون علة نفسه فلايقال اكرمتك اكراماً و ان فقد شرط جرّ باللام او الباء او في او مِنْ و هو علّة الفعل و ان لميكن مفعولاً له اصطلاحاً ففقد الاول نحو و الارض وضعها للانام و فقد الثاني نحو لاتقتلوا اولادكم من املاق و اما قوله تعالي و لاتقتلوا اولادكم خشية املاق فمستجمع للشروط و مفعول و فقد الثالث كقوله :
فجئتُ و قَد نَضَّتْ لنوم ثيابها لدي السَّترِ الّا لبْسَةَ المُتفضّل
و وقت النوم بعد نضّ الثياب اي خلعها و المتفضِّل هو من عليه الثوب الواحد و فقد الرابع نحو :
و انّي لتعروني ● لذكراك هزّة ● كما انتفض ● العصفور بلّله القطر
فانّ العارية « الهزّة » و « الذّاكر » هو المتكلّم و لايجب نصب العلّة و ان استوفت الشروط و يجوز جرّها نحو :
من امّكم لرغبة فيكم جبر و من تكونوا ناصريه ينتصر
و ان كان معرّفاً بال فالاكثر جرّه و قد يجيء منصوباً نحو :
لااقعد الجبنَ عن الهيجاء و لو توالت زُمَرُ الاعداء
و اما المصدر المضاف ففيه الامران سواء نحو ينفقون اموالهم ابتغاء مرضات اللّه و انّ منها لما يهبط من خشية اللّه و لايلاف قريش فانه متعلق بالافعال في السورة السابقة ● و اما ناصب المفعول له فعند الجمهور هو الفعل و قد ذكرنا انّ العامل الواحد لايعمل عملين مختلفين و انّما الناصب للمفعول هو الفاعل لما فيه من مسحة [ص 372] الفعل و الدّلالة علي الذات و قد انكر الكوفيون كونه مفعولاً له بالكلية و زعموا انّه مفعول مطلق من غير لفظ الفعل كقعدت جلوساً و ليس بشيء فان الانسان يجد من نفسه انه يذكر ذلك علّةً لفعله و بياناً لما حمله عليه لا تأكيداً و بياناً للنّوع او العدد و مناط النّحو حقيقةً علي القلب و اللفظ لا علي اللّفظ المحض كما زعمه كثير من الطلبة فافهم .