و قيل يجوز كون الخبر انشائيّة نحو بل انتم لا مرحباً بكم [ص 326] و نحو ازيد عندك و نحو اما زيد فاضربه و قيل لايجوز ان يكون قسميّة و الذي اري انّ الخبر ظهور و صفة للمبتدأ و لذلك هو عينه من جهة و الانشاء ما ينشئه المتكلم و لا ربط له بالمبتدأ حتي يحكم به علي المبتدأ فقوله بل انتم لا مرحباً بكم ليس « لا مرحباً » خبراً لانتم بل « انتم » علي الاصح مبتدأ موطّئ لا خبر له و « لا مرحباً بكم » دعاء عليهم و اما ازيد عندك فالسؤال عن الجملة و « عندك » متعلق خبر « زيد » و اما نحو اما زيد فاضربه فيقال ذلك في مقام التفصيل و زيد هو المبتدأ الموطّئ لايحتاج الي خبر لانه لميؤت به للحكم عليه بخبر بل جيء به توطئة لذكر المتعددين و بيان حكم كل واحد فتقول اما زيد فحكمه كذا و اما عمرو فكذا و اما بكر فكذا فتدبر و انصف .
الثانية - اعلم ان الاصل في الخبر التأخير عن المبتدأ لانه صفة له و مسند اليه و هي متأخرة عن الذات و يجوز تقديمه لافادة الحصر و غيرها من الاغراض و قد يجب تأخيره اذا كانا معرفتين او نكرتين للالتباس نحو زيد اخوك و افضل مني افضل منك اللهم ان لميكن لبس و قيل المشتق خبر ان كان احدهما مشتقاً نحو القائم زيد و قد مرّ انه موصول و صلة و قيل ان كان احدهما اعرف فهو المبتدأ نحو هذا زيد و ان استويا فالمقدّم خبر و مثلوا باللّه ربنا و هو اشتباه فان اللّه يوصف و لايوصف به و الربّ صفة و هو الخبر و ان كان قرينة فتتبع مثل ابويوسف ابوحنيفة اذا اريد التشبيه و كان تقدّم عصر ابيحنيفة معلوماً و نحو بنونا بنو ابنائنا لانّ قرينة التشبيه تشهد انّ المشبّه به خبر و اذا كان الخبر مقروناً بالّا لفظاً نحو و ما محمّدٌ الّا رسولٌ او معني نحو انما انت نذيرٌ و ذلك انّ الّا تحصر المتقدم عليها في المتأخر عنها فلو عكس خالف المراد و قول [ص 327] الشاعر :
فيا ربّ هل الّا بك النصرُ يُرتجٰي عليهم و هل الّا عليك المعوّل
ضرورة و قالوا يجب تقديم المبتدأ اذا كان مستحقاً للتصدير بنفسه نحو ما احسن زيداً و عندي انّ « ما » فاعل قدّمت لتصدّرها و من في الدار و هو ايضاً يحتمل الفاعلية و الابتداء و من يقم اقم معه و « من » عندي فاعل « يقم » و قدّمت لتضمنها معني الشرط و نحو كم عبيد لزيد و هو ايضاً يحتمل الوجهين او بالشباهة ● نحو الذي يأتيني فله درهم او بغيرهما نحو غلام من في الدار و غلام من يقم اقم و مال كم رجل عندك و لزيد قائم و غير الاخير يحتمل الوجهين و اما قول الشاعر :
امّ الحُلَيْس لعجوزٌ شَهْرَبة ● ترضي من اللحم بعظم الرّقبة
فقيل اللام زائدة و قيل بحذف المبتدأ اي لهي عجوز و هما خارجان عن القصد و في الضرورة يستباح ما لايستباح في غيرها .
و قد يجب تقديم الخبر و هو كما قاله البصرية عند اللبس بالصفة فانّ المبتدأ اذا كان نكرة يحتمل في الخبر ان يكون صفة نحو في الدار رجل و عندك مال و عندي انك فاضل و الكوفيّون لايجوّزون تقديم الخبر مطلقاً و قولهم في الدار رجل ليس من هذا الباب عند الكوفيين لانّ « رجل » فاعل لمتعلق الظرف اي الكائن في الدار رجل و علي ما اخترنا هو خبر الموصول كما مرّ و علي قول البصرية انما يخاف منه اللبس اذا كان بعدهما كلمة تحتمل الخبرية و لكن اذا سكت عليه فلا لبس مثلاً اذا قال رجل في الدار متكلم يحتمل ان يكون « في الدّار » [ص 328] صفة لاحتمال ان يكون « متكلم » خبراً و اذا سكت علي « في الدار » لايحتمل كونه صفة و كذا لا لبس بعد امّا نحو امّا رجل ففي الدار و لايرفع اللبس اذا كانت النكرة موصوفة نحو و اجل مسمي عنده كما ظنوا لاحتمال صفتين فالمعوّل علي قطع الكلام عليه و عند اقتران المبتدأ بالّا لفظاً نحو ما لي الا درهم و معني نحو انما عندك زيد لما مرّ و عند كون الخبر لازم الصدر نحو اين زيد و صبيحة ايّ يوم سفرك و لكن اذا كان الخبر جملة مصدّرة بما له صدر الكلام لايجب تقديمه اذ حسبه تصدّره في الجملة نحو زيد من ابوه و عند كون كناية في المبتدأ عن الخبر او جزئه نحو ام علٰي قلوب اقفالها و البصريون يجوّزون تقديم المبتدأ حينئذ و اكثر الكوفيين يمنعون للاضمار قبل الذكر لفظاً و رتبة .
الثالثة - اعلم انه لما كان بناء الكلام علي الاختصار قد يحذف المبتدأ او الخبر اذا قام قرينة نحو من عمل صالحاً فلنفسه اي فعمله لنفسه و اذا سئل كيف زيد قلت مريضٌ او من في الدار تقول زيدٌ او ما عندك تقول درهمٌ و نحو قوله تعالي قالت عجوزٌ عقيمٌ اي انا عجوز و نحو خرجت فاذاً الاسد اي واقف او حاضر و نحو اُكُلُها ● دائمٌ و ظلُّها اي دائم
و قد يحذف المبتدأ وجوباً كما اذا اخبر عنه بنعت مقطوع عن متبوعه لمجرد مدح نحو الحمد للّه الحميدُ او ذمّ نحو اعوذ باللّه من ابليس عدوُّ المؤمنين او ترحّم نحو مررت بعبدك المسكينُ بالرفع في كل ذلك و ذلك انّ العرب قد تقطع النعت عن متبوعه فلاتعربه باعرابه ثم اما ترفعه او تنصبه بقصد انشاء المدح كما يأتي ان شاء اللّٰه فان رفعوا يقدّر له مبتدأ و الا فناصب و ذلك ديدنهم ● في الفصحٰي [ص 329] و منه علي احتمال ● قوله تعالي لكن الراسخون في العلم منهم و المؤمنون يؤمنون بما انزل اليك و ما انزل من قبلك و المقيمين الصلوة و المؤتون الزكوة و المؤمنون باللّه الآية ، و لك ان تقول « و المؤتون » « و المؤمنون » مرفوعان علي المدح ايضاً
قيل و ان اريد بالنعت توضيح او تخصيص جاز الامران اي حذف المبتدأ و تركه و كذلك في المصدر الذي حقه النصب نحو سمعاً و طاعة فقد يقولون سمعٌ و طاعةٌ لارادة الدوام الذي يفهم من الجملة الاسمية لانّ حكمها ذاتيّ قال اللّٰه تعالي و يقولون طاعةٌ فاذا برزوا من عندك الآية ،
قيل و كذلك اذا اخبر بمخصوص نعم و بئس نحو نعم الرجلُ زيدٌ و بئس الرجلُ عمروٌ فكأنه سئل من هو قال زيد و قد ذكرنا انّ المخصوص بدل لا خبر و قد يقدّم نحو زيد نعم الرجل فيكون مبتدأً موطئاً و قيل الرابط عموم « الرجل » و قد ذكرنا انّ المراد من « الرجل » المعهود الخارجي لا الجنس و لا حاجة الي رابط .
قيل و من مواضع حذف المبتدأ وجوباً من انت زيد و هي كلمة تقال لمن ذكر زيداً و ليس له باهل اي من انت مذكورك زيد و لااري فيه فصاحة فانّ الفصاحة ان يدخل الكلام الاذن بغير اذن اللهم الا ان يسكت قليلاً علي « انت » ثم تقول زيد اي الذي يقال في حقه ذلك زيد و ان نصبت تقول من انت زيداً اي تذكر زيداً و من ذلك قولهم في ذمّتي لافعلنّ اي ميثاق او عهد
و قيل يحذف الخبر وجوباً اذا كان مطلقاً ● و المبتدأ بعد لولا الامتناعية نحو [ص 330] لولا زيدٌ لاكرمتك و لولا عليٌّ لهلك عمر اي موجود و لو كان مقيداً وجب ذكره لرفع الجهالة نحو لولا زيد مريضٌ لقتلك و عن الجمهور انّ الخبر بعد « لولا » محذوف مطلقاً و الكون المقيد مبتدأ اي « لولا مرض زيد » و الاحسن ان ينصب مريض حالاً عن زيد و يكون « زيد » فاعلاً لفعل محذوف اي لولاوُجِد زيدٌ مريضاً و كون المرفوع بعد لولا مبتدأ مذهب البصرية و ذهب الكوفيون الي انه فاعل فعل محذوف و هو الاقرب فانّ الرفع اصل في الفاعل و ما احتملوه هو اولي و قيل انه مرفوع بلولا و لا حجة فيه .
و من مواضع حذف الخبر وجوباً عند البصرية ان يكون الخبر ظرفاً مستقراً نحو زيد قدّامك و في الدار و المعني « حاصل قدّامك و في الدار » .
و منها ان يكون فعل بعد متعاطفين بان يكون فعلاً لاحدهما واقعاً علي الآخر فذلك الفعل حال و الخبر محذوف نحو زيد و الريح يباريها ● و زيد و عمرو يضربه و الكوفيّون يجوّزون ان يكون الفعل خبرهما و قد عرفت ان الفعل لايقع خبراً و ما قبله فاعل فالجملة حال و الخبر محذوف و لا بأس به .
و قالوا من مواضع حذف الخبر وجوباً ان يكون المبتدأ صريحاً في القسم نحو لعمرك لافعلنّ اي لعمرك قسمي و ايمُنُ اللّه اي يميني و جوّز بعضهم حذف المبتدأ اي لقسمي عمرك و يميني ايمن اللّه .
و قال البصرية منها ان يكون المبتدأ معطوفاً عليه بواو « مَعَ » نحو كلّ رجل و ضيعتُه اي مقرونان و عن الكوفيين انّ الواو بمعني « مع » و ليست عاطفة و « ضيعته » خبر المبتدأ و المعني كلّ رجل مع ضيعته و هو كلام تامّ لايحتاج الي شيء آخر [ص 331] و كلام البصرية عندي اقرب لمكان رفع مدخول الواو و لو كانت بمعني « مع » لجرّت و يؤيّدهم قول عليّ عليه السلام و انتم و السّاعة في قرن .
و منها ان يكون المبتدأ مصدراً عاملاً في ذي حال لاتصح ● عن المبتدأ المذكور نحو ضربي زيداً قائماً و كذلك شبه المصدر نحو اَنْ ضربت او اَنْ تضرب زيداً قائماً علي رأي بعض الكوفية او يكون المبتدأ اسم تفضيل مضافاً الي مصدر نحو اكثر شربي السويق ملتوتاً او مضافاً الي مأول نحو اخطب ما ● يكون الامير قائماً و قيل هذا المصدر مبتدأ لا خبر له لكونه بمعني الفعل و عند البصرية الخبر في ذلك كله ان كان بمعني الماضي « اذ كان » او بمعني المستقبل « حاصل اذ كان » او « اذا كان » فالمعني ضربي زيداً اذ كنت قائماً او حاصل اذا كنت قائماً و عند الكوفيين تفسيره ضربي زيداً قائماً حاصل و اتفقوا علي انّ معناه ما ضربي زيداً الا قائماً و قد يقدّر مصدر مضاف الي كناية ذي الحال فيقال المعني في « ضربي زيداً قائماً » ضربي زيداً ضربه قائماً و لميرض به البصرية لكراهة حذف المصدر و ابقاء معموله و اوجبوا في هذه الصور حذف الخبر لانّ الحال في قوة الظرف و يسدّ لذلك مسدّ الخبر فضربي زيداً قائماً في قوة قولك ضربي زيداً في وقت قيامه و قد يقع الجملة الاسميّة مقرونة بالواو موقع الحال نحو اقرب ما يكون العبد الي اللّه و هو ساجد اي حاصل و هو ساجد
و يجوز تعدد الخبر لفظاً و معني نحو زيد شاعر كاتب خيّاط و نحو قوله و هو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد و لفظاً دون معني نحو [ص 332] الرّمّان حلو حامض فانهما بمعني مُزّ و كذا نحو زيدٌ جائع تائع فيجوز العطف في الاول دون الثاني نحو الذين كذّبوا بٰاياتنا صمٌّ و بكمٌ في الظلمات و قيل معناه بعضهم صمّ و بعضهم بكم و لايجوز تعدّد الخبر بالعطف و ليس بشيء .
الرابعة - اعلم انه قد يكون بين المبتدأ و الخبر سببيّة فلاجل ذلك يدخل علي الخبر الفاء نحو ما بكم من نعمة فمن اللّه و نحو الذي يأتيني فله درهم و ليس منه الزّانية و الزّاني فاجلدوا و نحو ما افاۤء اللّه علي رسوله منهم فمااوجفتم لانّ المبتدأ فيهما موطّئ و من هذا الباب نحو انّ الموت الذي تفرّون منه فانه ملاقيكم و منه اذا كان المبتدأ نكرة موصوفة بالفعل او الظرف نحو كلّ رجل يأتيني او امامك او في الدار فله درهم او تلازم نحو اما الذين شقوا ففي النار و اما الذين سعدوا ففي الجنة و لاتحذف الا في الضرورة نحو و اما القتال لا قتال لديكم و اضمار قول نحو و اما الذين اسودّت وجوههم اكفرتم اي فيقال و هي بعد امّا واجبة و في غيرها جائزة و اجاز بعضهم دخول الفاء علي كل خبر نحو زيد فوجد و منه قول الشاعر :
و قائلة خولان ● فانكح فتاتهم و اكرومة الحيّين خلوٌ كما هيا
و قيل انّ النواسخ تمنع من دخول الفاء علي الخبر الا ما استثني .
اعلم انّ القوم اصطلحوا نواسخ للمبتدأ و الخبر و زعموا انها تدخل علي الجملة الاسمية فتغير اجزاءها من حيث الاعراب و قد نبّهنا علي انه غلط فاحش اذ لمتكن قبل جملة حتي تدخل تلك النواسخ عليها بل تعقب تلك الكلمات ابتداءً بكلمات تصلح لان تكون مبتدأ و خبراً و هي اي الكلمات المعقّبة علي قسمين :
منها افعال و هي افعال القلوب و افعال التصيير و الافعال الناقصة و افعال [ص 333] الاستعداد و افعال المقاربة و افعال الشروع اما افعال القلوب و افعال التصيير فقد مرّ انها تنصب الجزئين علي المفعولية و اما الافعال الناقصة فانها ترفع ما يصلح للاسناد اليه علي الفاعلية و تنصب ما يصلح للاسناد علي الحالية و اما افعال الاستعداد و المقاربة و الشروع فانها ترفع ما يصلح للاسناد اليه علي الفاعلية و تنصب ما يصلح للاسناد علي المفعولية و قد مرّت
و منها حروف و هي الحروف المشبّهة بالفعل و ماء الحجازية و لاء المشبّهتان بليس و لاء التبرية و تفصيلها يأتي في المقالة الثالثة ان شاء اللّٰه و الذي نذكره هنا انّ الحروف المشبهة بالفعل هي حروف وضعت لاثبات مسند لمسند اليه تحقيقاً سواء كان لرفع توهم الغير ام لا او تشبيهاً او طمعاً لاثباته له و هي تدخل علي ما تصلح لان تكون جملة اسميّة فتنصب ما يصلح للاسناد اليه و ترفع ما يصلح للاسناد اتفاقاً الا انهم اختلفوا في الرافع فعن الكوفيين انه باق علي ما كان عليه قبل الاسناد اي الخبرية و قد عرفت خطاء هذا القول فانه لميكن مبتدءاً و خبراً قبل تكلمك و انما تتكلم بهذه الحروف و الكلمات ارتجالاً و قولهم « انه لو كان معموله لجاز اتصاله به و لاتقول انّ قائم زيداً و لايجوز » ليس بشيء فانه لا ملازمة بين الامرين ابداً و عن البصرية انه مرفوع بالحروف و تعمل لشبهها بكان في اقتضاء مرفوع و منصوب و عكس عملها ليمتاز الفرع عن الاصل و هو كلام واهٍ واهنٌ و القول الفصل في ذلك انّ هذه الحروف وضعت لمعان خمسة كما سمعت يجمعها معني واحد و هو اثبات المسند للمسند اليه و ذلك امّا علي نحو التحقيق و له اِنَّ و اَنَّ او التشبيه و له كَأَنَّ او الاستدراك و له لٰكنَّ او التمنّي و له ليتَ او الترجّي و له لعلَّ فحرفا التحقيق لتأكّد ثبوت المسند للمسند اليه كما قالوا و لي في دلالة اَنَّ [ص 334] المفتوحة علي ازيد من الربط تأمل الاتري انها مع مدخولها تأوّل الي المصدر و لا تأكيد فيه و حرف التشبيه لثبوت صفة المسند للمسند اليه و حرف الاستدراك لاستدراك خلاف ما توهمه السامع و ثبوت المسند للمسند اليه و بحرف التمني تتمني ثبوت المسند للمسند اليه و بحرف الترجي تظهر رجاء ثبوت المسند للمسند اليه فتبين لك انّ مفاد هذه الاحرف ثبوت المسند للمسند اليه امّا علي نحو التأكيد علي ما قالوا او التشبيه او الاستدراك او تمنّيه او ترجّيه فالعمدة في هذه الجمل هو المسند فقولك انّ زيداً قائمٌ اي تحقق قيام زيد و كأنّ زيداً اسدٌ اي تحقق اسديّة زيد و زيد شجاع لكنّه بخيلٌ اي ليس الامر كما توهمت و تحقق بخل زيد و ليت زيداً عالمٌ اي منيتي عالميّة زيد و لعلّ زيداً يأتي اي مرجوّي اتيان زيد و في جميع هذه الصور يكون للمسند معني الفاعلية و العمديّة في الكلام فبذلك استحق الرفع و انما جيء بالمسند اليه بالتبع ليكون مظهراً للمسند و محلاً لوجوده و بروزه فهو فضلة و مفعول مخصص و كان في التقدير مجروراً مضافاً اليه فلما انقطع عن الاضافة و ذهب الجارّ نصبت علي المفعولية لانهما علمان للفضول يخلف احدهما الآخر كما في باب ما لاينصرف و باب مسلمات كما كان معني ظننت زيداً قائماً ظننت قائمية زيد فلما نصبت « القائم » بالمفعولية نصبت « زيداً » المجرور بالاضافة علي المفعولية المخصصة و قدمته ليكون موضوعاً لما ظننت له فتحمل عليه و كذلك هنا تنصب المجرور و تقدمه ليكون موضوعاً ثم تحمل عليه ما هو بمعني الفاعلية فهو مفعول مخصص و انما استحقت هذه الحروف الفاعل و المفعول لانها مشبّهة بالفعل فتدبر تجده حريّاً بالقبول ، و قيل في بعض اللغات قد تنصب الخبر نحو :
اذا اسودّ جُنْح الليل فلتأت و لتكن خطاك خِفافاً انّ حرّاسنا اُسْداً ● [ص 335]
و في الحديث انّ قعر جهنّم سبعين خريفاً و اوّل بعضهم البيت بان « اسداً » حال و الخبر محذوف اي تلقاهم اسداً و الحديث بانّ « القعر » مصدر قعرت البئر اذا بلغت قعرها و « سبعين » ظرف اي تقعر في سبعين خريفاً و قد يقع الاسم بعدها مرفوعاً فيقدّرون منصوباً اي ضمير مجهول نحو « انّ من اشدّ الناس عذاباً يوم القيمة المصوّرون » و قول الشاعر :
انّ من يدخُلِ الكنيسة يوماً يلقَ فيها جآذراً و ظباءً ●
علي انّ من شرطيّة و مرفوع المحل و لا بأس به .
و منها لاء التبرية و هي ايضاً تعمل عمل الحروف المشبهة بالفعل و الفرق بينها و بين الحروف ان الحروف للثبوت و هذه للنفي فهي تنفي المسند عن المسند اليه نحو لا رجلَ حاضرٌ فمعناه منفيّ حاضرية كل رجل
و منها ماء الحجازية و لاء المشبّهتان بليس فهما ايضاً كالافعال الناقصة و الفرق بينهما و بينها كالفرق بين لاء التبرية و الحروف المشبهة فقولك ما هذا بشراً نفي كون هذا في حال البشرية كما تقول ماجاء زيد راكباً فتنفي مجيئه في حال الركوب و سيأتي تفصيل الحروف ان شاء اللّٰه ،
فتبين انّ من المرفوعات فواعل افعال الناقصة و افعال الاستعداد و المقاربة و الشروع و اخبار الحروف المشبّهة و لاء التبرية و اسماء ما و لا المشبّهتين بليس .
في المنصوبات
اعلم انا قد ذكرنا سابقاً ان النصب علامة الفضلة في الكلام التي ليس لها جارّ و هي جميع ما سوي المرفوعات و المجرورات كما يأتي و الاصل فيها المفعول و المراد منه المفعول المطلق كما يأتي و جميع ما سواه من المنصوبات ملحق به لعلقة بينهما و شرح ذلك يحتاج الي رسم فصول :
اعلم ان المفعول الحقيقي نوعان :
نوع ذاتي و هو الحدث الذي اوجدته بفعلك و صنعك لا من شيء و لميكن قبل ايجادك له شيئاً و هو المفعول المطلق المشهور نحو قعد قعوداً و ضرب ضرباً
و نوع وصفي و هو الذي اوجدته بفعلك و صنعك من مادة سابقة نحو صنعت السرير و صُغت الخاتم فان المادة موجودة قبل و انما انت محدث الصورة علي المادة و منه خلق كل دابّة من ماء ● و خلق السمٰوات و الارض و امثال ذلك و هذا النوع ليس بمفعول مطلق كالمصدر و لا بمفعول به كضربت عمراً فسمّينا الاول بالمفعول المطلق الذاتي و الثاني بالمفعول المطلق الوصفي و ان لميعرفه القوم و تحيروا في مثل خلق السمٰوات و اختلفت كلماتهم من غير تحقيق و هذان المفعولان لايستقلان بنفسيهما في الواقع و يحتاج كل واحد منهما الي امور :
منها الموضوع الذاتي الذي يعرض عليه فيظهر به و منها الموضوع العرضي [ص 337] الذي يلزمه محل آخر و لايظهر الا به و منها الزمان و المكان اللذان يوجد فيهما و منها الغاية التي يوجد لاجلها و منها الآلة التي يوجد بها و منها المادة التي يوجد منها و منها الصورة التي يوجد عليها و يقيد المفعول لكل واحد من ذلك بحرف يناسبه لان المفعول مجرداً مطلقاً مقصور علي المصدر كما عرفت .
فالموضوع الذاتي الذي يظهر الحدث به هو المفعول به فقولك ضربت عمراً « عمراً » مفعول به اي فعل الضرب متعلقاً به و منه قوله تعالي كما فُعل باشياعهم و كيف فعلنا بهم و الموضوع الذي هو محل المفعول به هو المفعول المخصص نحو علمت زيداً فاضلاً فالمفعول المطلق علمك قد تعلق بالفاضل و هو المفعول به و لكنه عرض لزيد فزيد مفعول ثانياً و بالعرض و انما ذكر ليتخصص الفضل به و يتعين و يعلم انّ معلومك فضل زيد لا فضل غيره و ان اُتي به لاجل ان الفعل لايتحقق الا بين شيئين فيؤتي بالمفعول به ليتعلق الفعل به و بالمفعول الآخر ليتعلق المفعول به به يسمي المفعول المتعلَق و ان كان المفعول مفعولاً لاصل الفعل قبل تعديته يسمي المفعول بواسطة ● و اما الزمان و المكان اللذان يوجد الحدث فيهما فهما المفعول فيهما نحو ضربتك امس و اجلستك خلفي فأمس و خلف ليسا بمفعولين و انما فعل المفعول فيهما
و اما الغاية التي تفعل لاجلها فهي المفعول له و لاجله نحو ضربتك تأديباً اي لاجل التأديب فليس التأديب بمفعول و انما توجد المفعول لاجله
و اما الآلة التي تفعل بها فهي المفعول بها و ان لميجر اصطلاحهم عليه و من كان له عينان عرف صدق ما اقول و ان لميذكروه نحو ضربته سوطاً
[ص 338] و اما المادة التي تفعل منها فهي المفعول منه و ان لميصطلحوا عليه و لو انصفت لوجدت انه لا فرق بينه و بين ساير المفاعيل نحو خلقت طيناً فالطين مفعول منه لانه فُعِل المفعول المطلق الوصفي منه لقوله تعالي خلق الانسان من طين
و اما الصورة التي تفعل عليها فهي المفعول عليها نحو جعلت الطين خزفاً فقولك « خزفاً » مفعول عليه فانك تفعل المفعول به علي هيئة الخزف و المفعول منه و المفعول عليه لايأتيان للمفعول المطلق الذاتي فانه يوجد من غير مادة و لايصوّر بعد وجوده علي صورة نعم ربما تصفه توصيفاً اذ فعلته حين فعلته علي صفة معينة
و قد عدّ الجمهور مفعولاً معه نحو سرت و زيداً و عندي انه مفعول به لفعل محذوف و ليس بقسم آخر فتبين ان اقسام المفاعيل عشرة ممتازاً كل واحد منها عن الآخر و الاصل في الجميع هو المفعولان الاولان و الاصل فيهما الاول و النصب عَلَمه و انما ينصب المفاعيل التسعة لنسبتها اليه و ارتباطها به فجميعها فُضَل تستحق النصب كما مرّ .
في المفعول الذاتي
و ليس الاطلاق قيداً له و انما ذكر الاطلاق لرفع القيود و هو الحدث الذي احدثته بفعلك نحو ضربت ضرباً فانّ « ضرباً » حدث احدثته بفعلك الذي هو ضربتُ فهو المفعول الحقيقي و اصطلاح غير البصرية فيما سوي المفعول به « المشبّه بالمفعول » اذ لا مفعول عندهم الا المفعول به نظراً الي قولك ضرب زيد عمراً انّ زيد هو الضارب و عمراً هو المضروب و قد عرفت الحق في المقام فهو مصدر و ما ينوب عنه يؤتي به بعد الفعل الذي اشتق منه هو و ثمرته تأكيد او بيان نوع او عدد [ص 339] او تخصيص الفعل السابق او توضيح الفعل المشتبه مصدره .
اما المصدر فنحو ضربت ضرباً فهو المفعول المطلق التأكيدي و قد قيل انه في قوة قولك ضربت ضربت لتضمنه معني الفعل و الاصح انه لايؤكد معني الفعل فانّ مفاده الاخبار و الوقت و لايفيد ضرباً واحداً من ذلك و انما هو تأكيد صورة الفعل فانّ « ضرب » حركة صدرت من الفاعل و تصورت بصورة الضرب ففي التعبير اللفظي معني ضرَبَ احدث الضرب فضرباً تأكيد هذا الضرب الذي هو صورة الفعل و هذا لايثنّي و لايجمع فانه لتأكيد صورة الفعل و هي واحدة لا تعدد فيها و المصدر هو جنس لايتعدّد نحو تمر .
و اما نحو ضربت ضرباً شديداً فهو المفعول المطلق النوعي فيثنّي و يجمع لانّ انواع الضرب مختلفة نحو ضربت ضربين شديدين و ضربات شديدات و قد يحلّي بلام العهد نحو ضربته الضرب الذي رأيت و قد يحذف الوصف و منع عن تثنيته و جمعه بعضهم و يردّه قوله تعالي و تظنّون باللّه الظنونا و ليس من ذلك ضربت ضرب الامير فانّ « ضرب الامير » ليس ما احدثته بفعلك فلا بّد و ان تقول انّ معناه « ضربت ضرباً مثل ضرب الامير » و اما نحو ضربت ضربة فهو المفعول المطلق العدديّ فهو يدلّ علي العدد لمكان التاء الدّالة علي الوحدة كتمرة فيثنّي و يجمع و يضاف اليه اعداد نحو ضربت ضربتين و ثلاث ضربات و قال اللّٰه عز و جل فاجلدوهم ثمانين جلدة و اما ما يجيء لتخصيص الفعل السابق فنحو اوجدت ضرباً و احدثت قتلاً فانهما لميكونا قبل ايجادك و احداثك حتي يقع عليهما ايجادك فيكونا مفعولاً بهما و هو الشرط في المفعول به و لميحدثا من مادة سابقة فيكونا مفعولين وصفيين و لا شكَ انهما مصدران احدثا بذينك الفعلين و لا شك انه لميؤت بهما [ص 340] لتأكيد و لا بيان نوع و لا عدد و انما جيء بهما لتخصيص عموم معني اوجدت و احدثت فقولك اوجدت ضرباً بمعني ضربت فانه ايجاد ظهر بالضرب و قولك احدثت قتلاً بمعني قتلت فانه احداث ظهر بالقتل و لاتعني بالجملتين غير ما ذكرنا و هو شاهد صدق ما ذكرنا فهما مفعولان مطلقان تخصيصيّان و لا غرو ان لميذكر القوم بعض ما ذكرنا فان العلم لايتوقف .
و قد يؤتي بالمفعول المطلق توضيحاً للفعل اذا كان له معنيان علي مصدرين فتقول نفق نفقاً اذا اردت النفاد و نفق نفوقاً اذا اردت الموت ليعلم المستمع ما اردت من قولك نفق فسمّينا ذلك بالتوضيحي و قيل عامله في النصب الفعل المذكور قبله و هو يجري عليه نحو و كلّم اللّه موسٰي تكليماً و قد يكون مصدراً بلفظه نحو فانّ جهنّم جزاۤؤكم جزاۤءً موفوراً او بغير لفظه نحو يعجبني ايمانك تصديقاً او وصفاً نحو و الصّاۤفّات صفّاً و الخبز مأكول اكلاً و زيد ضرّاب ضرباً و لكنّ الذي اري انّ الناصب له هو الفاعل و العامل الواحد لايعمل عملين متضادّين و الفعل شأنه رفع الفاعل حسب ثم الفاعل لاتصاله بالفعل و وقوع مسحة الفعل عليه يصير عاملاً و الفاعل هو الذي يتخذ مفعولاً فالناصب له و لجميع المفاعيل الفاعل و ان قلت الفعل بالفاعل صحّ ايضاً .
و اما ما ينوب عنه فهو ما يدل عليه نحو سرت احسن السير اي سيراً احسن السير و نحو اشتمل الصّمّاء اي الشملة الصّماء و جلس القُرفُصاء اي الجلوس القرفصاء و رجع القهقرٰي اي الرجوع القهقري و ضربته ضرب الامير اي ضرباً كضرب الامير و كلا منها رغداً اي اكلاً رغداً و قيل نحو اعذّبه عذاباً لااعذّبه احداً من العالمين فالكناية نائبة عن المصدر معرّفاً و عندي انّ ذلك تكلّف و الكناية راجعة الي [ص 341] العذاب و حذف منها الجارّ اي اعذّبه نوع عذاب لااعذّب بذلك النوع احداً من العالمين و ينوب عنه الاشارة نحو ضربته ذلك الضرب و ضربته ذلك او المرادف له نحو شنأته بغضاً و احببته مقةً و فرحت جذلاً و قعدت جلوساً و اسم المصدر نحو اغتسلت غُسلاً و اعذّبه عذاباً و اللّه انبتكم من الارض نباتاً و مصدر باب آخر نحو تبتّل اليه تبتيلاً و العدد نحو ضربت عشراً و فاجلدوهم ثمانين و ما يدل علي الكمّ نحو لاتميلوا كلّ الميل و ضربته بعض الضرب و لو تقوّل علينا بعض الاقاويل او جميعه او عامّته او يسيراً او قليلاً او كثيراً و لاتضرّونه شيئاً و الحاصل ان النائب عن المؤكد ما كان مرادفاً للمصدر او اسم المصدر او مصدراً من باب آخر و البواقي تنوب عن المبيّن .
و اعلم انه يجوز حذف العامل اذا كان المصدر مبيّناً لدليل مقاليٍّ او حاليٍّ كأن يقال لك ماجلست فتقول بلي جلوساً طويلاً و تقول للقادم قدوماً مباركاً و لمن تكرر منه الاصابة اصابتين و اما المؤكد فقد اختلفوا في حذف عامله فمنهم من اجاز نحو انت سيراً و منهم من منع و قيل حذفه في سقياً و رعياً و خَيبةً و جدعاً و حمداً و شكراً و عجباً واجب سماعاً و قيل المصدر ان لميأت بعده ما يبيّنه و يعين ما تعلق به من فاعل او مفعول اما بحرف جرّ او باضافة المصدر اليه فليس مما يجب حذف فعله بل يجوز نحو سقاك اللّه سقياً و رعاك اللّه رعياً و جدعك اللّه جدعاً و شكرت شكراً و حمدت حمداً و عن عليّ عليه السلام في خطبة : « نحمده علي عظيم احسانه و نيّر برهانه و نوامي فضله و امتنانه حمداً يكون لحقّه قضاءً و لشكره اداءً » و امّا ما بيّن فاعله بالاضافة نحو كتاب اللّه و صبغة اللّه و سنّة اللّه و وعد اللّه و حنانيك ● و دواليك او بحرف جرّ نحو بؤساً لك اي شدّة و سحقاً لك [ص 342] اي بعداً لك او بيّن مفعوله بالاضافة نحو ضرب الرّقاب و سبحان اللّه و لبّيك و سعديك و معاذ اللّه او بيّن مفعوله بحرف جرّ نحو عقراً لك و جدعاً لك ● و شكراً لك و حمداً لك و عجباً منك فيجب حذف الفعل فيها قياساً ان لميكن المصدر لبيان النوع كقوله تعالي و مكروا مكرهم و سعٰي لها سعيها و هو كلام حسن قريب و متعلق الجارّ فيها امّا صفة للمصادر او حال و قيل خبر مبتدأ محذوف اي هو لك و روي انه سئل الرضا عليه السلام عن معني قول القائل في السجود « شكراً للّٰه » قال يقول « هذه السجدة منّي شكراً للّٰه علي ما وفقني له من خدمته و اداء فرضه » فعلي ذلك هو مفعول له لفعل مقدر اي يكون منّي شكراً للّٰه و الظاهر انّ امثال حردت حرده ● و حمدت حمده و قصدت قصده و صمدت صمده و نحوت نحوه لبيان النوع نحو مكروا مكرهم و فعلت فَعْلتك و سعٰي لها سعيها و الحق بعضهم بهذا الباب نحو هيهاتَ و رويدَ و شتّانَ التي عدّوها اسماء افعال و بلهَ و حاشا و كذا نحو ذَفَراً له اي نتناً له و بَهْراً له اي تعساً و كذا نحو تُرباً لك و جَندلاً اي رُمِست رمساً بترب و جندل و كذلك نحو هنيئاً لك و عائذاً بك اي عياذاً و قيل انه نصب علي الحال و هو قريب و كذلك آهاً منك اي توجّعاً و واهاً لك اي طيباً و اُفّاً و اُفَّه لك اي كراهة و كذا نحو ويلك و ويحك و ويهك و ويسك ● و ويبك ● و كذا عمرك اللّه و قعدك اللّه بفتح القاف و هما كلمتان تقالان كثيراً في قَسَم السؤال و قد يكون جوابهما ما فيه الطلب كالامر و النهي نحو عمرك اللّه كيف تفعل ذلك و قعدك اللّه كيف فعلت او افعل [ص 343] و عَمرك اللّه لاتفعل و قعدك اللّه افعل و يقال قعدَك و قَعيدَك و قعدك اللّه لٰاتيك و قعيدك اللّه لٰاتيك و عمرك اللّه مافعلت كذا و المعني سألت اللّٰه ان يطيل عمرك .
و يحذف عامل المصدر قياساً في مواضع :
احدها - ان يكون ناصب المصدر خبراً عن صاحب المصدر ● او يكون مكرراً ● او بعد الّا او معناها نحو ما زيد الا سيراً و ما الدهر الا تقلباً و انّما انت سيراً و زيد سيراً سيراً و المنون تفريقاً تفريقاً و كذا ان دخل عليها حروف او افعال تدخل علي ما يصلح للجملة الاسمية نحو انّ زيداً سيراً سيراً و ماكان زيد الّا سيراً و ان لميكن حصر لميجب حذف الفعل نحو ما زيد يسير سيراً و زيد يسير سيراً .
و الثاني - ان يُذكر جملة طلبية او خبرية تتضمن مصدراً يطلب منه فوائد و اغراض فاذا ذكرت تلك الاغراض بالفاظ مصادر منصوبة وجب حذف افعالها نحو فشدّوا الوثاق فامّا منّاً بعد و امّا فداءً و نحو زيد يكتب فقراءةً بعد او بيعاً و يشتري طعاماً فامّا بيعاً و امّا اكلاً .
و الثالث - ان يكون المصدر مصدر فعل علاجيّ و قد وقع تشبيهاً بعد جملة مشتملة علي اسم بمعناه و صاحبه نحو مررت بعمرو فاذاً له ● صوتٌ صوت حمار و صراخٌ صراخ الثكلٰي و عامله فعل بين الاسمين اي له صوت يصوت صوت حمار و قيل الجملة السابقة بمعني الفعل و هي العاملة فيه فاذاً ليس من هذا الباب و قد ذكرنا مكرراً انّ المقدّر ما يكون منويّاً لا جعليّاً و عندي انه منصوب بنزع الخافض اي فاذاً له صوت كصوت حمار او مفعول به لفعل محذوف اي خلته صوت حمار و مثل [ص 344] هذين يقصدان فيقدّران فاذاً ليس من هذا الباب و كيف كان فليس منه « له علم علم الفقهاء » و « له هدي هدي الصلحاء » لان فعليهما ليسا علاجيّاً فيكونان مرفوعين فقيل علي البدليّة او الوصفية بحذف مضاف اي مثل علم الفقهاء و مثل هدي الصالحين .
الرابع - ان يكون المصدر مضموناً لجملة لايحتمل تلك الجملة من جميع المصادر الا ذلك المصدر نحو عليّ الف درهم اعترافاً و يسمّي توكيداً لنفسه .
الخامس - ان يكون المصدر مضمون جملة تحتمل غيره و يسمّي توكيداً لغيره نحو زيد قائم حقاً ● و نحو ذلك عيسي بن مريم ● قول الحق الذي فيه يمترون و امثاله كثيرة نحو هذا القول لا قولك و هذا زيد غير ما تقول و ما مصدرية و هذا قائم حقاً و هذا عبد اللّه حقاً و هذا زيد الحق لا الباطل و قول ابيطالب عليه السلام :
اذاً لاتّبعناه علي كل حالة من الدهر جدّاً غير قول التهازل
اي قولاً جدّاً و لنفعلنّه البتة .
السادس - ما كان توبيخاً مع استفهام نحو ارضيً و ذؤبان الخطوب تنوشني ● و نحو امكراً و انت في الحديد و نحو اغدّة كغدّة البعير و موتاً في بيت امرأة سلوليّة و نحو توانياً و جدّ قرناؤك ● .
في المفعول الوصفي
و هو كل اسم يدل علي مسمي اوجده فاعل الفعل السابق من شيء كما خلق الانسان من [ص 345] طين و خلق الجانّ من مارج من نار و خلق كل دابّة من ماء هذا و ان لميذكر ما خلق منه معه فانّ اللّٰه يقول كليّةً و جعلنا من الماء كل شيء حيّ فمنه خلق السموات و الارض و ان اللّه خلق المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، اللّه الذي خلقكم و خلقه من تراب و منه صنعت الكوز و صُغت الخاتم و اخترعت آلةً و ابتدعت شيئاً و هكذا كل ما وقع بعد الالفاظ الدّالة علي الخلق كالاحداث و الايجاد و الجعل و البرء و الذرء و التكوين و امثال ذلك .
فجميع ما يقع بعد هذه الافعال ليس بمفعول مطلق ذاتيّ اذا لميكن مصدراً و لا نائباً عنه لانه من مادة لمتحدث بهذا الفعل و الشرط في المفعول المطلق الذاتي ان يكون من مادة مجعولة بنفس ذلك الفعل حين الايجاد له و ليس بمفعول به لان الشرط في المفعول به ان يكون غير قائم بذلك الفعل و انما يقع عليه اثر ذلك الفعل و ليس السموات بواحدة من هذين فليست بمفعول مطلق ذاتي و لا بمفعول به البتة و لميهتد القوم الي معرفة هذا المفعول و عن الجمهور انه مفعول به لانّ له وجوداً ذهنيّاً و وجوداً امكانيّاً قبل الايجاد و هو كلام مزخرف و عن جماعة انه مفعول مطلق لانه لميكن موجوداً قبل الفعل و غفلوا عن انه من شيء و المفعول المطلق لا من شيء و القول الفصل ما ذكرناه و لمينزل وحيٌ علي وجوب كون المفاعيل خمسة و وجوب كون البواقي احد هذه الخمسة فهذا القسم قسم سادس و هو مفعول مطلق عن ما يقيد المفعولات به من الحروف و وصفيّ لانّ اللّٰه سبحانه خلق المادة اولاً ثم خلق وصف السماوية علي حصة من تلك المادة فقيل خلق السموات و الارضية علي حصة فقيل خلق الارض كما انّ الانسان من طين فاذا خلق الزيدية علي حصة منه يقال خلق زيداً و العمروية علي حصة يقال خلق عمراً [ص 346] و هكذا فتدبر و خذه من عين صافية ، و ناصبه ايضاً الفاعل كما قدّمنا في المفعول المطلق فراجع و قد يتقدم علي فعله كما قال تعالي و الانعامَ خلقها لكم .
في المفعول به
هو ما ظهر به فعل الفاعل و لميكن قائماً به و يوصف في العرف بالمفعول بقول مطلق مصوغ من مصدر ذلك الفعل ان كان مثبتاً و اطلق ذلك عليه في الاصطلاح اذا كان الفعل منفياً كما تري في ضرب زيد عمراً انّ « عمراً » مضروب بقول مطلق و سمّي بالمفعول به اخذاً من قوله تعالي و ماادري ما يُفعل بي و لا بكم و « ال » فيه موصول اي الذي فُعل به الفعل و ان كان المفعول في الواقع هو المصدر كما مرّ و « عمراً » هنا مضروب به الا انه جري العرف بانه مضروب و اما ساير المفاعيل فلايطلق عليه لفظ المفعول الا مع حرف نحو ضربت اليوم تأديباً فاليوم مضروب فيه و « تأديباً » مضروب له و هكذا و اما ماضربت عمراً فعمراً مفعول اصطلاحي فانه ليس بمضروب و اما نحو اوجدت ضرباً و احدثت قتلاً فالحقوهما بالمفعول به و ليس كذلك لان المصدر هنا انما حدث بالفعل ذاتاً و يقوم به و ليس كذلك المفعول به بل اوجدت ضرباً بمعني « ضربت » فانّ « ضرب » هو فعل مطلق و حركة ايجادية ظهرت بصورة الضرب فهو مفعول مطلق تخصيصي و كذا احدثت قتلاً ،
و اما مثل قرُبت زيداً و جئت زيداً و بعت زيداً مالاً و كِلت زيداً طعاماً و بَغيت زيداً شرّاً فقد الحقها القوم بالمفعول به مع انّ زيداً مقروب منه و اليه و مجيء اليه و مبيع منه و مكيل له و مبغيّ له لانّ « قربت » و « جئت » يطلقان بلا حروف كما يطلقان مع الحروف و اما « بعت » و « كلت » و « بغيت » [ص 347] فهي من ذوات المفعولين نحو كتمت و سرقت و تستعمل بحرف و بغير حرف
و لي فيها و في ذوات المفاعيل كلام و هو انّ الفعل الواحد لايمكن ان يكون له مفعولان من جنس واحد و لايتعلق فعل واحدٌ الّا الي مفعول واحد فلايصدر من الفعل الواحد الا مصدر واحد و لايعرض ذلك العرض الا علي معروض واحد و لايحدث ذلك الحدث الا في مكان واحد و زمان واحد اللهم الا علي سبيل العطف الدال علي تكرر الفعل فقولك ضربت زيداً و عمراً يعني ضربت زيداً و ضربت عمراً بضرب غير ذلك الضرب و اما الفعل الواحد فلايكون له مفعولان من جنس واحد نعم تجتمع المفاعيل من اجناس متعددة في فعل واحد اذ لا منافاة بينها فاذاً الافعال التي لها مفعولان او ثلثة لايجوز ان يكون مفاعيلها كلها مفعولاً بها البتة بل القول الفصل فيها انّ الذي يظهر عليه الحدث و يتعلق به هو المفعول به و البواقي من اجناس اخر .
مسألة - الافعال علي قسمين : احدهما ان يكون معناه مما يتمّ بشيء واحد و هو الفعل القاصر فانه يتم بمفعول واحد نحو قعد زيد قعوداً ، و ثانيهما ان يحتاج معه الي غيره و هو اما يتم بشيئين مفعول و مظهر و هو الفعل المتعدي نحو ضرب زيد ضرباً عمراً و اما يحتاج الي مفعول و مظهر و محمول عليه يحمل ذلك المظهر علي الاقتران به نحو كسوت زيداً جبّةً فالمتكلم هو الكاسي و فعله « كسوت » و الجبّة هي « المفعول به » الاتري انها الكسوة و انها المكسوّة فانت تكسوها علي زيد فهو يكتسي بها فزيد هو المفعول المتعلَق يعني من تعلق الجبّة به و هو غير المفعول به بل متعلق له انظر تره واضحاً و هو قسم آخر من انواع المفاعيل التي قد اهملوها
و اما باب علمت فالمفعول به هو الثاني فان في قولك [ص 348] علمت زيداً فاضلاً المعلوم هو الفاضل فانّ تقدير الكلام علمت فاضليّة زيد فيرجع تقديره الي ذي مفعول واحد و انما جيء بزيد لتعيين المفعول به كما كان في التقدير لتعيين المضاف و ليس بمفعول به و انما هو المفعول المخصِّص للمفعول به بخلاف باب « كسوت » فانه ليس في التقدير كسوت جبّة زيد الّا علي تأويل و في باب « علمت » المفعول الثاني صفة الاول و لذلك يصلح ان يقع خبراً له بخلاف باب « كسوت » فالمفعول الاول في باب « علمت » هو المخصص و في باب « كسوت » هو المفعول المتعلّق كما يأتي
و اما باب اعلمت فمفعوله الثاني و الثالث كمفعولي علمت و يرجع تقدير الثلاثة الي مفعولي « كسوت » فان التقدير اعلمت زيداً فاضلية عمرو و لايسند فاضلية عمرو الي زيد فالمفعول به فاضلية عمرو و جئت بزيد ليتعلق به اعلامك و يظهر له فاضلية عمرو فقولك اعلمت زيداً عمراً فاضلاً « زيداً » مفعول متعلق و « عمراً » مفعول مخصّص و « فاضلاً » هو المفعول به و قد غفل القوم عن هذه النكات و عدّوا الكل من المفعول به و لايجوز تعدد المفعول من نوع واحد كما عرفت
و اما منصوبا افعال التصيير نحو جعلت الطين خزفاً فالطين هو المفعول به و الخزف هو المفعول عليه لانك تجعل الطين علي صورة الخزف فتدبر و اما نحو احفرت زيداً النهر فزيداً هو المفعول به و تقديره حملت زيداً علي حفر النهر و النهر هو المفعول بواسطة لانه مفعول المفعول الاول كما يأتي .
مسألة - اختلفوا في ناصب المفعول فعند البصرية ناصبه الفعل او شبهه و قيل هو الفعل و الفاعل معاً و قيل هو الفاعل و قيل كونه مفعولاً و الحق انّ الناصب هو الفاعل فان العامل الواحد لايعمل عملين مختلفين و الفعل عمله الرفع ابداً فلمّا [ص 349] رفع الفاعل اليه حصل فيه مسحة الفعل و وقع عليه ظله فصار عاملاً و انما نصب لضعفه في العمل بالنسبة الي الفعل و فضلية القابل و ان شئت ان تقول ان العامل هو الفعل و لكن في الفاعل و بالفاعل صحّ فانه الاصل في العمل فتنبه لانه ليس هنا موضع بيان اسراره الحكمية .