و اختلفوا في جواز حذفه فمنع عنه البصريون فقالوا ان لميكن ظاهراً يجب اضماره و اجاز بعض الكوفية حذفه و الحقّ معهم لقوله تعالي كلّا اذا بلغت التّراقي و ما اعلم البصريين انّ الفاعل مضمر و ليسوا بعالمي الغيب و لا دليل يدلّهم علي ذلك و الاستحسان غير مجدٍ علي انّ لغيرهم ايضاً استحساناً و المسيغ للحذف وجود القرينة و نحو ما يُروي « لايزني الزاني حين يزني و هو مؤمن و لايشرب الخمر حين يشرب و هو مؤمن » و الظاهر انّ الرواية عامّيّة و حذف « الشارب » لاجل القرينة و لا مرجع يرجع اليه الكناية و كذا قولهم « اذا كان غداً فأتني » اي اذا كان وجودنا في غدٍ و قول الشاعر :
اذا كان لايرضيك حتي تردّني الي قَطَريٍّ لااِخالُك راضياً ●
اي اذا كان الامر و من هذا الباب ما سلّموه من حذف فاعل فعل الاستثناء المفرّغ نحو ماقام الا زيد و المصدر نحو اطعام في يوم ذي مسغبةٍ يتيماً
و يصح حذف فعله نحو قوله تعالي لو اَنّ اللّه هداني لانّ « انّ » و مدخولها في حكم المفرد و فاعل لفعل محذوف و هو ثبت و نحو لولا عليّ لهلك عمر فان عليّ فاعل فعل محذوف [ص 301] علي الاصح اي لولاوجد عليّ لهلك عمر و هذا هو مذهب الكوفيين و اما البصريون فذهبوا الي انّ عليّ مبتدأ و المحذوف هو الخبر و نحو قولك بلٰي زيد في جواب من قال ماقام احد و نحو :
تجلّدت حتي قيل لميَعْرُ قلبَه من الوجد شيءٌ قلت بل اعظمُ الوجد ●
و نحو ما اجيب به الاستفهام نحو زيد في جواب من قام قال اللّٰه و لئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ اللّه
و قد يحذف الفعل و الفاعل معاً نحو قولك نعم في جواب من قال اقام زيد
و الاصل اتصاله بفعله فعند اللبس يرجع اليه نحو ضرب موسي عيسي فانه اولي بالفعل من غيره و قد يرفع اللبس بتابع احدهما اذا ظهر عليه الاعراب نحو ضرب موسي عيسي الظريف و باتصال علامة الفاعل بالفعل نحو ضربت موسي حبلٰي و اتصال كناية الفاعل بالمفعول نحو ضرب فتاه موسي و بامتناع المعني نحو اكل الكمّثرٰي يحيي و يجب تأخير المحصور و تقديم المطلق نحو انما ضرب زيد عمراً و انما ضرب عمراً زيد و انما يخشي اللّه من عباده العلماء .
و اختلفوا في جواز تقديم المحصور بالا نحو ماضرب الا عمراً زيد و الظاهر جواز تقديم ايهما شئت قال اللّٰه تعالي مانريك اتبعك الا الذين هم اراذلنا و قال الشاعر :
[ص 302]ماعاب الا لئيمٌ فعلَ ذي كرمٍ و لاجفا قطّ الا جُبَّأٌ بطلاً ●
و يجوز توسط المفعول نحو و لقد جاء آل فرعون النذر و اذا كان في الفاعل كناية المفعول اخّر نحو اذ ابتلٰي ابرهيمَ ربُّه و لاينفع الظالمين معذرتُهم و اجاز التقديم بعضهم و المعوّل علي السماع و ان كان الفاعل و المفعول كنايتين يجب تقديم الفاعل نحو ضربته و ان كان احدهما كناية فهي متصلة نحو ضربني زيد و ضربت زيداً او زيداً ضربت .
في اعمال العاملين
و يسمّيه البصريون التنازع و ما ذكرناه سمة الكوفيين ، اعلم انه اذا وقع معمول بعد فعلين او شبههما متوافقين في الطلب للفاعل او المفعول او لهما او متخالفين نحو قام و قعد زيد و ضربت و اكرمت زيداً و قام و ضربت زيداً و بالعكس و اقائم و قاعد الزيدان و زيد ضارب و قاتل عمراً و اقائم و قعد زيد و زيد ضارب و يكرم عمراً و اقائم و يضرب عمراً و عكسه ففي كل ذلك يطلب العاملان معمولاً و ورد في التنزيل آتوني افرغ عليه قطراً فانهما يطلبان مفعولاً و هاؤم اقرأوا كتابيه و هما ايضاً يطلبان مفعولاً ان كان « هاؤم » بمعني « خذوا » او بمعني « ايتوا » و لعل من قال انها بمعني « تعالوا » اراد « ايتوا » و اخطأ في التعبير و قيل يجوز التنازع في الحرفين و قيل يجوز في حرف و غيره و لميثبت و قيل لايقع التنازع في جامدين و لهذا قالوا في سرّني اكرامك و زيارتك عمراً انّ العمل للثاني و انت تعلم انا نقول ان المصدر مشتق و المختار ان العمل للثاني و الحذف [ص 303] من الاول و اجاز بعضهم التنازع في التعجب نحو ما احسن و اجمل زيداً و اَحْسِن و اَجْمِل بعمرو و لا بأس به و منع بعضهم التنازع في معمول مقدم نحو اَيَّهم ضربت و اكرمت و اجاز بعضهم و المختار عندي انّ اَيَّهم معمول ضربت و حذفت من اكرمت للتكرار اي ايّهم ضربت و ايّهم اكرمت و كذا منع بعضهم التنازع في المعمول المتوسط نحو ضربت زيداً و اكرمت و اجاز بعضهم و المختار عندي انّ المعمول للاول و حذف من الثاني نحو اسمع بهم و ابصر و نحو هيهات هيهات لما توعدون التكرار للتأكيد و ليس من باب التنازع و لا تنازع في السببيّ المرفوع نحو زيد ضرب و اكرم اخوه لحصول اللبس و لا بأس في المنصوب نحو زيد ضرب و اكرم اخاه و بناؤ اصل هذه المسألة علي انه لايجوز تأثير مؤثرين في اثر واحد علي طبق الموجودات الكونية و الفرّاء جوّزه و ليس بشيء فاجمعوا علي جواز اعمال كل منهما اما الاول فلسبق ذكره و طلبه و اما الثاني فلقربه و اتصاله و لكنّ البصريين اختاروا اعمال الثاني و الاضمار في الاول و في خلافهم الرشد لانه يلزم علي قولهم الاضمار قبل الذكر و هو قبيح و عدلوا عن قولهم في المنصوب و عملوا بقول الكوفية و الكوفيون اختاروا اعمال الاول و الاضمار في الثاني و علي ايّ حال يضمر الكناية المطابقة للمعمول في الملغي فالبصريّ يضمر في الاول و يلغيه و الكوفيّ يضمر في الثاني و يلغيه و منهم من اذا اعمل الثاني يقول بحذف المعمول من الاول دون الاضمار حذراً من الاضمار قبل الذكر و الذي اري هو القول الاخير و هو قول بعض الكوفيين لانّ قولك ضرب و نصر زيد معناه ضرب زيد و نصر زيد فحذف زيد الاول بقرينة زيد الثاني و قد قدّمنا انه يجوز حذف الفاعل بلا اكتراث و هذا اي حذف واحد عند [ص 304] التكرار من فنون الفصاحة نحو اكلها دائم و ظلها اي ظلها دائم و نحو اغنيٰهم اللّه و رسوله من فضله اي اغنيهم اللّٰه من فضله و اغنيهم رسوله من فضله و نحو اسمع بهم و ابصر اي ابصر بهم و نحو اللّه و رسوله احق ان يرضوه اي اللّٰه احق ان يرضوه و رسوله احق ان يرضوه فحذف الاول حذراً من التكرار و لدلالة الثاني عليه و نحو انّ اللّه بريءٌ من المشركين و رسولُه اي و رسوله بريء من المشركين فحذف الثاني و كذلك الامر هنا حذف الاول اختصاراً و لا ضير في حذف الفاعل و لا حجة في الآراء فلا تنازع في الحقيقة لان الاول مانازع الثاني في معموله و انما حذف معموله و لذلك عدلنا عن اسم التنازع و اخترنا الاعمال و لو قيل بعدم جواز اعمال الاول و الحذف من الثاني مع مشاهدة الاتصال لماكان بعيداً و القول بانّ الاعمال للاول و الاضمار او الحذف في الثاني بل و كذا الاعمال للثاني و الاضمار في الاول مع شيوع الحذف و كونه من فنون الفصاحة و البلاغة و ركاكة الاضمار قبل الذكر قول يشبه علم الغيب و قولنا نحن مستنبط من المشاهدة و انّ القول بالفصل بين الفعل و معموله مما لا حاجة اليه مع امكان الوصل و اما قول الشاعر :
كساك و لمتستكسه فاشكرَنْ له اخٌ لك يعطيك الجزيل و ناصرٌ
حيث رفع الاخ و اعمل الاول فضرورة شعر و ليس من باب التنازع في شيء لاشتغال تستكسه و فاشكرن له بالكناية ظاهراً و شرط التنازع علي ما قالوا خلوّ العامل عن المعمول
و اما المرفوع بعد الّا نحو ماضرب و مااكرم الّا انا و ماقعد و ماقام الا زيد و كقول الشاعر :
[ص 305]ماصاب قلبي و اضناه و تيّمه الا كواعب من ذهل بن شيبانا
فعندي انّ الّا مع مدخولها محذوفة من الاول و لايمكن الاضمار لحصول معني علي خلاف المقصود ● فالمراد ماقعد الا زيد و ماقام الا زيد فارتفع التنازع و الحمد للّٰه و تبدّل بالصلح بين العوامل و استراح القوم من الحكومة و لايتفاوت فيما ذكرنا عاملان و ازيد و لكنّ القوم تحيروا في الثلاثة مثلاً ان يلحقوا الثالث بالاول او بالثاني لانّ الامور الاستحسانية لايعضّ عليها بالقطع و اما مثل ضربني و اكرمت زيداً حيث يطلب الاول مرفوعاً و الثاني منصوباً فبديهيّ انّ الاول لايطلب منصوباً و حذف المرفوع من الاول بقرينة اتحاد الاسم ، و علي هذه فقس ما سواها .
في فاعل فعل المفعول
اعلم ان الفعل هو ما انبأ عن حركة المسمي و حركة المسمي علي نوعين : حركة ايجادية و حركة انوجادية
اما الحركة الايجادية فنحو كسر فانّ الكاسر يوجد الكسر
و اما الانوجادية فنحو انكسر فان المنكسر هو يقبل الكسر من الكاسر فلأجل ذلك يسمي بفعل المطاوعة و لهم للمطاوعة صيغ عديدة نحو انفعل و افتعل لمطاوعة الفعل المجرد و تفعّل لمطاوعة التفعيل و تفاعل لمطاوعة المفاعلة و كل فعل مطاوع قاصر عما يطاوع له بدرجة فان كان الفعل الايجادي ذا مفعول يكون فعل الانوجاد قاصراً عن المفعول نحو كسرته فانكسر فانّ « انكسر » هو فعل المفعول [ص 306] و المفعول فاعله و ان كان الفعل الايجادي ذا مفعولين قصر المطاوع عن مفعول و اقتصر علي مفعول نحو علّمته الكتاب و تعلّم الكتاب فتعلّم هو فعل المفعول الاول و هو فاعله و هذا الفعل المطاوع فعل برأسه و له فاعل انوجادي مستقل و ليس فاعله نائباً عن مفعول باب الفعل الايجادي بل هو فعل مطاوعي وضعه الواضع هكذا و لما كان هذه الافعال مخصوصة بابواب اراد الواضع جل شأنه وضع فعل مطاوعيّ يعمّ الابواب كلها فوضع له فعلاً يشتق من كل فعل ايجادي كما مرّ في المقالة الاولي مفصلاً ففاعله فاعل حقيقي اصلي و ان كان هو مفعول الفعل الايجادي فليس فاعله نائباً عن الفاعل و كون فاعله مفعول فعل آخر لايقتضي ان يكون نائباً عن الفاعل و لا مفعولاً في الواقع كما انّ فاعل « انكسر » ليس نائباً عن فاعل و لميحذف فاعله و ينوب المفعول عنه و ليس بفعل لميسمّ فاعله و ليس بفعل مجهول الفاعل و كل هذا من غلطات البصرية و الحقّ ما اختاره الكوفيون انه صيغة برأسه و ليس بفرع الفعل المعروف بل هو فعل مطاوعة و مرفوعه فاعله حقيقة لا نائباً و لذلك يؤنث الفعل بتأنيثه فتقول ضُرِبَت هندٌ بضم الضاد كما تقول ضَرَبَتْ هند بفتحها و الفعل حديث عنه كما هو حديث عن الفاعل حال كونه فعل فاعل و يجوز اضافة المصدر اليه كما يضاف الي ساير الفواعل فتقول عجبت من ضرب عمرو و تريد ان ضُرِب عمرو بضم الضاد .
تنبيه - اذا عرفت انّ فعل المفعول هو الفعل المطاوعي فالمطاوع هو الفاعل له كما ان المنكسر القابل للكسر هو فاعل « انكسر » فالمطاوع قد يكون ما هو مفعول به لفعل الفاعل نحو اذا حُٖيّيتم بتحيّة و بمثل ما عوقبتم و هو الاصل في الباب و اما ظرف الزمان و المكان فلما كان فعل الفاعل يتعلق بهما و يقال صام رمضانَ و قام الليلَ [ص 307] و سار الفرسخَ فينصبهما الفعل علي المفعولية مجازاً فهما قابلان للفعل مجازاً جاز ان تجعلهما فاعل فعل المفعول مجازاً فتقول صيم رمضانُ و جُلِس امامُ الامير و لكن فاعليتهما مجازية و الحقيقة صيم صومٌ في رمضان و سير سيرٌ في الفرسخ كما انّ قولك صام رمضان مجاز و الحقيقة صام في رمضان و لايحتاج « صام » الي مفعول لانه قاصر و لا بد و ان يكون الظرف متصرفاً قابلاً للرفع حتي يصير فاعلاً للقبول فلايقال جلس عندك و ضرب في الدار فالظرف غير المتصرف لايصلح للفاعلية و لايجوز صيم زمانٌ و جُلِس مكانٌ لعدم الفائدة و مأخوذية المكان و الزمان مبهماً في اصل الفعل الا ان يقال صيم زمانٌ طويلٌ و جُلِس مكانٌ حسن ليكون فيه شيء زايد علي ما يلازم الفعل و قد يصير المصدر فاعلاً بناءً علي ان المفعول الحقيقي الذي توجده من العدم بفعلك هو المصدر و ساير المفاعيل يسمي بالمفاعيل مجازاً و هي مفعولات مقيدة و المفعول بلا قيد هو المصدر فهو الذي اوجدته فانوجد فهو الذي يصدر منه الانوجاد و يقوم به و هو المنوجد و فاعل الانوجاد فهو اولي شيء بان يصير فاعل فعل المفعول نحو قوله تعالي و نُفِخ في الصور نفخةٌ واحدة فالنفخة هي المجعولة نفخة و ان قيل لا بد و ان يكون له مزيد خصوصية و لايرفع مطلق المصدر لعدم الفايدة قلت الاغراض مختلفة و الفوائد تختلف فلعلّ الانسان يريد ان يفهم المخاطب ان المصدر هو المطاوع المنفعل و هو فائدة عظيمة فلايمتنع سيرَ سيرٌ نعم لا بد و ان يكون متصرفاً فسبحان مثلاً لايقع فاعلاً لعدم قبوله الرفع و اجاز بعض الكوفية نحو قيم و قُعِد و جُلِس فعلاً للمفعول و هو الحق فان المجعول قياماً هو القيام لا غير و عليه نزل قوله تعالي و حيل بينهم و بين ما يشتهون فانّ الذي حيل هو الحيلولة و « بين » ظرف فقوله حيل بينهم اي خلق [ص 308] حيلولة بينهم و قال الشاعر :
و قالت متي يُبْخَل عليك ● و يُعْتَلل ● يسؤك ● و ان يُكْشَف غرامك ● تذرب ●
و قوله « يعتلل » يعني اوجد تعلل و كذا قوله :
يُغْضِي حياءً و يُغْضٰي من مهابته و لايُكَلَّمُ الا حين يبتسم
فقوله « يغضي من مهابته » اي يوجد اغضاء من مهابته و كذلك قوله تعالي فلما سُقِط في ايديهم اي وجد السقوط في ايديهم فالرشد في خلاف البصرية المانعين بل المصدر اولي الاشياء بالفاعلية و انه الفاعل القابل الحقيقي
و اما المفعول المعدّي اليه بالحرف نحو مررت بزيد و سرت بعمرو ففي فاعل فعل مفعوله خلاف هل هو المجرور فانه المفعول به ام المصدر و الذي يقوي عندي ان الفاعل له هو المصدر فمعني مُرَّ بزيد اي انوجد المرور بزيد و سير بعمرو اي انوجد السير بعمرو و الدليل علي ان المجرور ليس بفاعل عدم تأنيث الفعل مع تأنيثه فلايقال مُرَّت بهند و لو كان « بهند » فاعلاً لأنّث كما انّث الفعل في قوله تعالي ماتسقط من ورقة و ماتحمل من انثي مع ان الفاعل مجرور
و اما وقوع سير بزيد سيراً فلايقدح فانّ « سيراً » غير مصدر « سير بزيد » فانّ « سير بزيد » متعدٍّ و « سيراً » لازم و هو مثل قولك اُقٖيمَ قياماً و الفاعل هو مصدره و هو الاقامة لا هذا المصدر و دليل آخر انه لو كان مرفوع المحل لجاز اتباع المحل فيقال سير بزيد الظريفُ بالرفع و لايقال ، بل بالجر فليس محله مرفوعاً و ان قلت يتبع محل يمكن ظهوره و هذا لايمكن ظهوره قلت فقل ليس هذا محله مرفوعاً و ما علّمك بانه مرفوع المحل و لا حجة لك و عند البصرية لاينوب غير [ص 309] المفعول به مع وجوده و اجاز الكوفيون ذلك مطلقاً و استشهدوا بقوله تعالي ليُجْزٰي قوماً بما كانوا يكسبون علي قراءة فعل المفعول فقوله بما كانوا يكسبون مرفوع به مع وجود قوماً و بقوله تعالي لو نُزِّل عليه القرٰانَ بنصب القرآن في قراءة و لايخفي قبحها و لأجل ذلك تركت القراءة و صارت مهجورة و قراءة قارئ شاذّ لاتدل علي مطابقة الوحي و استدلوا بشعر الشاعر :
و لو ولدت قفيزةُ جِروَ كلب لسُبّ بذلك الجرو الكلابا
و يجاب بامكان صدور القبيح من شاعر مع انّ في الشعر يستباح ما لايستباح في غيره و ينبغي النظر في المعني و اغلب استدلالات القوم من صرف اللفظ و لاينظرون الي المعني فاقول انك اذا قلت ضرب زيد عمراً في الدار تأديباً راكباً فعمرو مضروب و اما « في الدار » فالدار محل وجد فيه الضرب و « في الدار » ليس بقابل للرفع لفظاً و لا معني و قلنا بجواز صيم رمضان لامكان الفاعلية المجازية و الرفع فالمفعول في ضرب في الدار هو المصدر لا « في الدار » و اما « تأديباً » اي لاجل التأديب اي جعل الضرب ضرباً لاجل التأديب و ليس « تأديباً » ايضاً بمفعول حقيقة و لذلك لايؤنث الفعل بتأنيثه ان كان مؤنثاً فلايقال ضربت رحمة هذا و لايمكن رفعه لاجل الالتباس و عن الجمهور ايضاً منعه و اما « راكباً » فهو من حيّز المفعول به ان كان صفة له فان قلت ضُرِب راكبٌ صح المعني اذ زيد في حال الركوب هو الراكب و كذا التمييز هو من حيّز المفعول به ان كان له كقولك حُسِّن وجهٌ فتحسين زيد من حيث الوجه هو تحسين الوجه فلااري بهما بأساً فانّ لهما معني صحيحاً و عن بعض الكوفية ايضاً جواز نيابة التمييز .
و اما المفعول معه فانه الفاعل حقيقة او مع مفعول فعل لايناسبه فلايجوز [ص 310] اسناد الفعل اليه و ليس من حيّز مفعول ذلك الفعل فالقول الفصل انّ كل مفعول لفعل فاعل يكون مطلقاً ذاتياً او وصفياً او من حيّز المفعول به يجوز اسناد فعل المفعول اليه و الا فلا و هل يجوز مع وجود المفعول به اسناد الفعل الي حال او تمييز منع عنه الجمهور و اجاز الكوفيون ذلك فالذي اري انّ الكوفية اصابوا الخطاء و لا معني لقولك ضُرِب راكبٌ زيداً و اما استدلالهم بقراءة شاذّة في ليُجزٰي قوماً بما كانوا يكسبون علي الفعل للمفعول في « ليجزٰي » فليس بشيء فانها لو كانت صحيحة ماتركت و لا كل قارئ مصيب منبئ عن الوحي و ان لميوجد المفعول به فقيل تساوت البقية و قيل باختيار المصدر و قيل ظرف المكان و قيل المجرور و انت لو عرفت المعني اصبت فلايمكن اسناد الفعل الي المفعول فيه الا علي تأويل المصدر و لا الي المفعول له و لا الي المفعول معه و يمكن الاسناد الي الحال ان كانت صفة و التمييز ايهما شئت و غير فاعل فعل المفعول كلما وقع من المفاعيل او الحال او التمييز معه يجب نصبه ان كان غير مجرور نحو ضُرِب زيد تأديباً راكباً في الدار يوم الخميس امامك ضرباً شديداً و لذلك ينصب احد مفعولي باب اعطيت نحو اُعطِي زيدٌ ديناراً و اُعطِي دينارٌ زيداً و يسمون المنصوب خبراً لفعل المفعول و هو اصطلاح و اما اذا تعدّي الفعل الي المفعولين ففي باب كسوت يجوز رفع ايهما شئت و تقديمه بشرط عدم اللبس و عند اللبس فمع حفظ الرتبة فلا بأس به اما مع عدم اللبس فنحو اُعطي زيدٌ درهماً او زيداً درهم فانّ كليهما مفعولان و لا ربط بينهما و اما مع اللبس فتقول اُعطي زيدٌ عمراً ان اعطيت لزيد عمراً و صار عمرو مملوكه و ان كان بالعكس فتقول اُعطي عمروٌ زيداً
و اما في باب علمت فيجوز رفع المفعول الاول بلا نزاع نحو عُلِم زيدٌ فاضلاً [ص 311] في علمت زيداً فاضلاً و اما المفعول الثاني فقد اختلفوا فيه فمنهم من منع لعدم جواز عود الضمير من المرفوع الي المنصوب و حصول الالتباس في النكرتين و المعرفتين و منهم من اجاز لرفع اللبس بحفظ الرتبة و هذا هو الظاهر عندي فانّ مفعولي باب ظنّ ما هما صالحان للمبتدأ و الخبر و الخبر هو المبتدأ و المبتدأ هو الخبر فزيد هو فاضل و فاضل هو زيد و كلما يجوز علي المبتدأ يجوز علي الخبر فكما يجوز ان تقول عُلِم زيد يجوز ان تقول عُلِم قائم هذا و المفعول به في الحقيقة فضل زيد و جيء بزيد ليتعين محل الفضل فالفاضل اولي بالرفع من هذا الحيث فيجوز ان تقول ظُنَّ زيداً قائمٌ في ظننت زيداً قائماً و ليس شرط الفاعل ان يلي الفعل و بحفظ الرتبة يرتفع القباحة و الركاكة و اللبس من مثل اُعطِي عمرو زيداً و من غيره و منهم من منع اذا كان الثاني نكرة و الاول معرفة .
و اما الثاني من باب اعلم فاجازه قوم مع عدم اللبس و منع عنه قوم فاقول انّ في قولك علمت زيداً فاضلاً معلومك انت فضل زيد فهذان اي « زيداً » و « فاضلاً » معلوماك فاذا قلت اعلمت عمراً زيداً فاضلاً فتعلم علمك « زيداً فاضلاً » عمراً فيقع المفعول الثالث اوّلا و لا شك انه في الحقيقة يصير ذا مفعولين اي اعلمت عمراً فضل زيد كما كان « علمت » في الحقيقة ذا مفعول فقيل يجوز لك ان تقول اُعلِم عمرو زيداً فاضلاً بلا شك و يجوز اُعلِم عمراً زيد فاضلاً لعدم حصول اللبس بحفظ الرتبة و كذا يجوز ان تقول اعلم عمراً زيداً فاضلٌ لعدم حصول اللبس بحفظ الرتبة و لايجب ان يكون المرفوع والي الفعل بلا فصل و اجاز بعضهم ذلك مع عدم اللبس المعنوي نحو اعلمت زيداً كبشك سميناً فلك ان تقول اُعلم زيدٌ كبشَك سميناً و اُعلم كبشُك زيداً سميناً و اُعلِم سمينٌ زيداً كبشاً ،
[ص 312] و اجاز بعضهم ذلك مع حذف المفعول الاول و لايخفي ما في جميع ذلك من الركاكة و خلاف البلاغة و السماع علي رفع الاول نحو :
و نُبِّئتُ عبدَاللّه بالجوّ اصبحت كراماً مواليها لئيماً صميمها
و قد يقع المرفوع جملة نحو قيل يا ارض ابلعي ماءك الآية ، و يجوز تقدمه علي الفعل كما يجوز تقدم الفاعل نحو عمروٌ ضُرِب بالبناء للمفعول .
في المبتدأ و الخبر
و جعلناهما في فصل واحد لتلازمهما و لكنا نشرح حالهما في مطلبين :
فيما يتعلق بالمبتدأ و فيه مسائل :
الأولي - اعلم ان الموجود علي قسمين ذات و مرادي هنا اعم من المعني و اعراض خارجة عنها تتغير و الذات باقية في كل حال و الاعراض سبعة كمّ و كيف و زمان و مكان و اضافة و وضع و فعل و مرادي هنا اعم من الانفعال فالذات نحو ما يعبّر عنه بزيد او الضرب و الكمّ المراد هنا كقولك طويل لا الطول فانه موضوع لذات الطول و الكيف كقولك ابيض لا البياض لما مرّ و الزمان كقولك امس ظرفاً و المكان كقولك في الدار و الاضافة كقولك عبد فلان و ربّ فلان و الوضع كقولك جالس لا الجلوس و الفعل كضرب و انكسر و الالفاظ المستقلة انما وضعت لهذه الثمان فالكلمة الموضوعة لواحد من هذه الاشياء مفردة و اذا ضمّ كلمتان منها باسناد كما مرّ صار كلاماً
و لايقع اسناد بين ذاتين فلايقال زيد عمرو اللهم الا ان يكون احدهما كناية [ص 313] فهي لابهامها تقع مسنداً اليه و الآخر لتعينه يكون لها كالعرض نحو هو زيد و قد يعكس الامر اذا كان هو اعرف عند المستمع .
و اما الذات و الفعل فيحصل الاسناد بينهما بمعني ان الفعل صدر عن الذات فقولك زيد قام او قام زيد يعني انّ القيام صدر من زيد و اوجده زيد بحركته من العدم و ليس زيد بقام و لا قام بزيد بخلاف ما اذا كان الاسناد بين ذات و كمّ او كيف او اضافة او وضع فانّ المعني ان الاول هو الثاني نحو زيد طويل او ابيض او عبد اللّه او مالك درهم او جالس فانّ المعني انّ زيداً هو طويل و هو ابيض و هو عبد اللّٰه و هو مالك درهم و هو جالس و اذا كان الاسناد بين ذات و زمان او مكان فهو بخلاف القسمين فانّ الظرف ليس بصادر عن الذات و ليست الذات بالظرف و انما هي ظاهرة فيه او واقعة نحو الصوم غداً و زيد امامك فتبين مما شرحنا انه اذا اسند ذات و فعل فيراد منه ان الذات فاعل الفعل و موجده لا انها هي الفعل فيراد من الذات الفاعلية سواء قدّمت علي الفعل او اخّرت فزيد في قولك زيد قام او قام زيد فاعل و ان كان خلاف جمهور البصريين و اما اذا كان الاسناد بين ذات و ظرف فانّ الذات ليست بظرف فهي واقعة في الظرف و هل يقدّر هنا الفعل او الصفة فيه خلاف فمنهم من قدّر الفعل لانه الاصل في العمل و منهم من قدّر الصفة لانّها الاصل في الخبر و منهم من لميقدّر شيئاً و الظاهر عندي انّ المقدر حال وقوعه خبراً الصفة فانّ الانسان لايقصد من قوله زيد في الدار حدث وجود زيد في الدار حتي يقدّر فعل و انما يريد وجوده في الدار فالمعني زيد موجود او كائن او مستقر في الدار هذا و لو قدّر فعل صار المرفوع فاعلاً كما بيّنّا لا مبتدأ و يؤيده قوله تعالي فلمّا رٰاه مستقراً عنده اذ كان [ص 314] يكفي و يصح « فلمّا رٰاه عنده » و يؤيده ايضاً وقوعه بعد اذا الفجائية نحو اذا لهم مكر في آياتنا و يلزم ان يكون بعدها الاسم فالمعني اذا حاصل لهم مكر و بعد اما نحو اما في الدار فزيد و لايقع بعدها الا اسم و المعني « اما الموجود في الدار فزيد » فعلي ذلك يكون المسند هو المتعلق المقدر فقد اصاب الكوفيون الخطاء في قولهم لايقدّر شيء و يجوز في غير موضع الخبرية تقدير الفعل اذا احتيج اليه
و اذا كان الاسناد بين ذات و كمّ او كيف او اضافة او وضع فالمسند اليه هو المسند و لا شك انّ الذات بنفسها لاتكون عرضاً فلا بد و ان يكون المسند اليه هو ظهور الذات في المسند فانّ القائم مثلاً هو الذات الظاهرة بالقيام و الذات الظاهرة بالقيام هي القائم فالمراد باسم الذات هو ظهورها في تلك الاعراض و عكسها المنطبع في مرآتها و لتحقيق ذلك موضع آخر و غرضي هنا الاشارة ففي هذا القسم و الذي قبله يكون المسند اليه هو المبتدأ و المسند هو الخبر و لمنقل انّ المسند اليه هو الفاعل فان المسند هنا هو المسند اليه و لو كان فاعلاً لميكن عين المسند كما انه ليس زيد عين قام فلاجل ذلك قلنا انّ المسند في هذين القسمين خبر و المسند اليه مبتدأ فرفع المبتدأ في هذين القسمين بالخبر لتضمنه معني الفعل و كون المبتدأ ذا معني فاعلية و رفع الخبر بسبب كون الخبر هو المبتدأ و كونه عمدة و رافعه المبتدأ اذاً فانه بمعني الفعل و مرفوع بالذات الظاهرة فيه فحق قول الكوفيين انّ المبتدأ و الخبر يترافعان فكأنهم اخذوا لفظه عن الامام عليه السلام و لميعقلوا معناه فتعقل .
و من الجمهور من قال رفع المبتدأ بالابتداء و الخبر بالمبتدأ و منهم من قال رفعه بالابتداء و منهم من قال رفعه بهما و الذي ذكرنا في الاوصاف المشتقة [ص 315] ظاهر و اما اذا لميكن المسند صفة مشتقة نحو زيد عبد اللّه او ابن علي او غلام محمد او هذا زيد و امثال ذلك فالمسند اليه هو المبتدأ و المسند هو الخبر و يرفع المبتدأ الحاقاً بالفاعل لكونه عمدة و يرفع الخبر لكونه هو المبتدأ معني و الرابط بينهما في هذه الصورة عند الكوفيين الضمير المستتر سواء كان مأولاً بالمشتق ام لا و عند البصرية ان كان مأولاً بالمشتق فضمير و الا فلايتحمل ضميراً
و لي في معني المبتدأ و الخبر كلام و هو انّ الكلام ما له فائدة فلا بد في المبتدأ و الخبر ان يكون للمبتدأ تذوّت و اطلاق و للخبر وصفية و تقيد كائناً ما كان بالغاً ما بلغ فان كان المبتدأ عين الخبر من كل جهة لايجوز الاسناد لعدم الفائدة معروفاً او مجهولاً و كذا اذا كان المبتدأ غير الخبر من كل جهة للزوم الكذب فلا بد و ان يكون المبتدأ عين الخبر من وجه و غيره من وجه حتي يصح الاسناد من جهة الاتحاد و يفيد الفائدة من جهة المغايرة فلا بد و ان يكون الاسناد بين ذات و صفة فان الصفة من حيث كونها ظهور الذات عين الذات الظاهرة و من حيث كونها ظهورها غيرها و فائدة الاسناد الحكم بكون المجهول المعروف ● حتي يرتفع الجهالة عن المجهول يعني اذا كان احدهما مجهولاً و الآخر معروفاً تحكم بالاسناد بأنّ ذلك المجهول هذا المعروف و المجهول اولي بان يكون مبتدأ و المعروف اليق بالخبرية ابداً و ليس مرادي بالمجهول التنكر بل التعالي علي التعين فانّ الخبر صفة و توصيف المعروف بالمجهول غير مفيد بل يجب توصيف المجهول بالمعروف و جاز كونهما معروفين و يصير المبتدأ بضم الخبر اليه اعرف و يجوز كونهما معروفين و الاسناد مجهولاً ففائدة الكلام اثبات الرابطة المجهولة [ص 316] و الذات ابداً اولي بالابتدائية و الصفة اولي بالخبرية و ان لميكن الخبر وصفاً ظاهراً فلا بد و ان يقدّر فيه الوصفية او يأول اليها و كل مسمي يمكن تأويله الي الوصفية فان الاسم صفة لموصوف فاذا وقع اسم ذات خبراً فلا بد و ان يقع من حيث الوصفية فان قلت هذا زيد تريد هذا موصوف بالزيدية و ان قلت زيد هذا تريد زيد موصوف بكونه مشاراً اليه حاضراً فان لوحظ في الخبر معني الوصفية امكن ان يرفع المبتدأ كالوصف الصريح و ان يكون فيه ضمير رابط فحق قول الكوفيين لا علي ما ظنّوه بل علي ما قلنا و ظهر انهم قد اخذوه عن مأخذ صريح و ان لميفهموه
و اذا وقع صفة مبتدأ فلا بدّ و ان يقصد فيها نحو تذوّت و في الخبر وصفية له حتي يصح الاسناد بينهما نحو زيد ضاربه عمرو .
و اعلم انه قد يكون المبتدأ ذا كناية لمصلحة من المصالح فيؤتي بمرجع الكناية مرفوعاً علي الابتداء توطئة للمبتدأ الاصلي المقصود و سمّيته بالمبتدأ الموطّئ ثم يؤتي بالمبتدأ المقصود علي نحو بدل الغلط و ليس ببدل غلط لانه عن عمد فذلك نحو زيد ضاربه عمرو او غلام زيد ضاربه هو و منه اللّه لا اله الا هو الحيّ القيوم فاللّٰه مبتدأ موطّئ و « هو » بدل منه فكأنك قلت لا اله الا اللّه الحيّ القيوم و قد يؤتي بالمبتدأ الموطّئ و لا بدل فهو مبتدأ لا خبر له يعني هو ذكر ذات توطية ليرجع اليه كناية حسب نحو زيد هل ضربته و زيد ان ضربته غضب عمرو و زيد ماضربته فزيد في كل ذلك مرفوع و ليس في النفس دونه شيء حتي نقدّره و لمتأت به الا لاجل التوطية و من هذا الباب اما زيد فاضربه و اما عمرو فاقتله فانّ « زيد » و « عمرو » مرفوعان علي الابتداء و لا خبر لهما و لا شيء في النفس ليقدّر لهما و جميع ما يقال غير ما ذكرنا تكلف و قد غفل القوم عن هذا المبتدأ [ص 317] و وقعوا في واد سحيق ● و بحر عميق و الذي ذكرناه مقتضي الفطرة السليمة فتدبر و انصف .
الثانية - اعلم انه قد يكون المبتدأ اسماً صريحاً لذات مجرداً عن العوامل نحو زيد قائم او لمعني نحو الضرب خير من الشتم او مأولاً بسابك ● نحو ان تصوموا خير لكم او بغير سابك نحو سواء عليهم ءانذرتهم ام لمتنذرهم اي سواء عليهم انذارك و ترك انذارك و نحو تسمع بالمعيدي ● خير من ان تراه اي سماعك بالمعيدي خير و قد يكون مبهماً نحو من في الدار و ما بكم من نعمة فمن اللّه و قد يكون وصفاً مجرداً نحو مجاهد في سبيل اللّه خير من الف قاعد و قد يكون مقروناً بعامل نحو هل من رجل في الدار و بحسبك درهم و هل من خالق غير اللّه ● و بأيّكم المفتون ● .
الثالثة - اعلم ان العاقل يتكلم بما فيه فائدة فما لا فائدة فيه لغو لاينبغي صدوره عن العاقل و كل كلام يتعلق به فائدة مّا يجوز التفوه به فالمبتدأ المعرفة اذا وقع بلا فائدة لغو نحو الماء جار و النكرة اذا وقعت مع فائدة جازت نحو رجل في الدار لا امرأة فالمنع من التكلم بما لا فائدة فيه و ليس ذلك من شأن النحوي ● لا من جعل النكرة مبتدأ فتخصيصهم المنع بجعل النكرة مبتدأ بلا مخصص فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الاسم علي نوعين :
نوع معرفة بالذات فمتي ما احتيج الي جعله مبتدأ يجعل مبتدأ و قسم يقع [ص 318] معرفة و نكرة و لكن اصل جوهر الكلمة مطلق و انما يعرف او يخصص باسباب تضمّ اليه فايّ موضع يرتفع الحاجة باصل جوهر الكلمة و يحصل به الفائدة يقتصر عليه و ايّ موضع لايرتفع به الحاجة و لايحصل به الفائدة يستعان بتلك الاسباب مثلاً رجل في الدار لا امرأة يقضي حاجتك باصل جوهر الكلمة فلاتحتاج الي لام التعريف و اما رجلٌ حيٌّ لايقضي به حاجتك اذا اردت الاخبار عن رجل معين الا ان تعيّنه بشيء .
و اسباب تخصيص المبتدأ و تعريفه امور :
منها - ان يخبر عنه بمختص نحو و لدينا مزيد و علي ابصارهم غشاوة و منها ان يخصص بوصف ملفوظ نحو لعبد مؤمن خير من مشرك او محذوف نحو السمن منوان بدرهم اي منه ● او بتصغير نحو رجيل في الدار او باضافة نحو خمس صلوات كتبهن اللّه و من المواضع التي لايحتاج الي ازيد من جوهر الكلمة ما اذا حكمت علي جميع الافراد نحو ما رجل في الدار و اذا اردت فرداً لا بعينه نحو رجل في جواب من قال من جائيك و اذا اردت افراداً غير معينة نحو وجوه يومئذ ناضرة و اذا لمتعلم و استفهمت نحو من عندك و ما حاجتك و ارجل في الدار ام امرأة و كم رجلاً عندك و نزل منزلته ظاهراً و منزلة النفي باطناً ءالٰه مع اللّه و اذا تعجبت نحو ما احسنه علي قولهم ● و اذا لميكن المسند اليه في الواقع معيناً او لاتريد اظهاره نحو مااراك الا و شخص قاتلك و اذا فصلت الجنس نحو اما غلام فلماره [ص 319] و اما مال فلماملكه و اذا اردت كل فرد فرد علي سبيل البدلية نحو من ضاربك ضاربي و لكنهم مثّلوا له بنحو من صمت نجا و اختلفوا في مثل ذلك اختلافاً شديداً فمنهم من قال ان كلمة الشرط مبتدأ و الخبر هو الشرط دون الجزاء لجواز خلوه من ضمير كلمة الشرط نحو من قام قمت و قيل الخبر هو الشرط و الجزاء معاً لانهما كالجملة الواحدة و قيل كلمة الشرط مبتدأ لا خبر له و انت تعلم مما حققنا انها فاعل الفعل الذي بعده او للجزاء فمعني « من صمت نجا » نجا الذي صمت و اما ان لميكن صالحاً للفاعلية للجزاء نحو من قام قمت ففاعل للشرط و اعجب من اقوالهم بقول من جوّز ان يكون بتقدير حرف الشرط فمن قام اقم معه اي ان ايّ انسان قام و ذلك كله بعيد عن الصواب و الاقرب ما اخترناه و الحمد للّٰه .
و ان كان بعد كلمة الشرط اسم فان كانت ظرفاً فهي ظرف و الاسم فاعل فعل بعده نحو حيثما زيد ذهب فاذهب و ان كانت اسماً مضافاً الي الاسم فهي فاعل مضاف و الفعل بعدها فعل لها نحو ايّهم يقم اقم .
الرابعة - و في الوصف المنكّر اختلاف فالكوفيون يجوّزون ان يقع مبتدأ سواء اعتمد علي ما يقوي فيه الفعلية ام لا و مثّلوا بنحو :
خبير بنولهب فلاتك ملغياً مقالة لهبيّ اذا الطير مرّت ●
و لا دلالة فيه و بنحو فائز اولوا الرشد و ليس بظاهر في المبتدأية و البصرية يمنعون عن ذلك ما لميعتمد علي نفي او استفهام نحو اقائم الزيدان و ما مضروب العمران و هل حسن الوجهان و ليس احسن في عين زيد الكحل منه في عين عمروٍ [ص 320] و امثال ذلك و اشتراطهم الاعتماد لوجوه خيالية و المدار علي استعمال العرب و حمل البصرية حينئذ اياه علي خبر مقدم محض ادعاء بلا حجة و كونه نكرة ليس بحجة لجواز الابتداء بها عند الفائدة و الذي حمل الكوفية علي القول بكونه مبتدأ انه لو كان خبراً لوجب المطابقة في الافراد و التثنية و الجمع نحو زيد قائم و الزيدان قائمان و العمرون قائمون فاذا قلت قائم الزيدان لميجز ان يكون خبراً مقدماً فهو مبتدأ و لايخفي عليك انّ اشتراط البصرية الاعتماد ليس لكونه مبتدأ بل لرفعه الفاعل و قد عرفت القول فيه في مبحث اسم الفاعل ثم اختلفوا فمنهم من قال ان الوصف مبتدأ لا خبر له و ضرب لمثله مثلاً اقلُّ رجلٍ يقول ذلك الا زيد و « يقول » صفة « رجل » و المعني قلّ رجل و كذا خطيئةُ يومٍ لااصيد فيه و « لااصيد » صفة « يوم » اي يخطي يوم و كذا ربّ مبتدأ لا خبر له لما فيه من معني التقليل الذي هو قريب من النفي و قيل ان المرفوع بعده فاعل سدّ مسدّ الخبر و الذي افهم ان جميع اقوالهم تكلف و ان الوصف مع تنكره و وصفيته و وجود اسم ذات بعده لايصلح للابتدائية بتّة و لا النفس تقصد منه الابتدائية بل تقصد اسناده الي العَلَم بعده بل هو خبر مقدم و العَلَم فاعله سدّ مسدّ المبتدأ و سدّ الفاعل مسدّ المبتدأ اولي من سدّه مسدّ الخبر فان المبتدأ هو فاعل الخبر حقيقة لا العكس و لمنقل انه مبتدأ سدّ مسدّ الفاعل لعدم المطابقة في مثل قائمٌ الزيدان و اما اذا كان الوصف محلّي بالالف و اللام فعندي انّ الالف و اللام موصولة مبتدأ و صلتها الصفة و ما بعدها خبر فقولك الضارب زيد اي الذي ضرب او يضرب زيد
و اما سلام عليك فقيل معناه قولي للفظ « سلام عليك » و قيل انّ اصله « سلّمت سلاماً » و هو سهو لانّ « سلّمت » صيغة اشتقت من « سلام عليك » نحو سبّحت من سبحان اللّه و لبّيت [ص 321] من لبّيك فمعني سلّمت قلت سلام عليك فسلاماً ليس بمصدر له و قيل معناه سلّمك اللّٰه سلاماً ثم حذف الفعل و اقيم المصدر مقامه ثم بدّل النصب بالرفع ليدلّ علي الدوام و الظاهر انّ كل ذلك تكلف و « سلام » معناه « الحافظ المسلّم » و لذلك عدّي بعلٰي فسلام عليك اي اللّٰه الحافظ عليك اي لك او المعني « انا سلام عليك من كل شرّ فلاتخف مني » اذ من لايسلّم يخاف منه فتنبه و كذا السلام عليكم اي اللّٰه حافظ لكم ما انعم به عليكم او السلام مصدر كالسلامة نحو الرضاع و الرضاعة و اللذاذ و اللذاذة فالسلام عليك اي السلامة عليك او لك نحو فسلام لك من اصحاب اليمين فسلام عليكم اي اللّٰه سلام عليكم او انا سلام عليكم و المصدر بمعني الفاعل اي اللّٰه حافظ عليكم او انا سالم لكم و هذه الوجوه اقرب مما ذكروا و اوفق .
في الخبر و فيه ايضا مسائل :
الأولي - الخبر هو ما بسببه يصح السكوت علي ما يتضمنه ● و هو عين المبتدأ من جهة و غيره من جهة حتي صح ان تحكم عليه به و به او بمتعلقه ● يتمّ فائدة الكلام و لا حاجة الي كونه معرفة و لذلك يكون الاصل فيه التنكير اللهم الا ان يراد الحقيقة الطاوية نحو هو الحيّ لا اله الا هو و هو اللطيف الخبير و جري اغلب الاخبار عما يدلّ علي « اللّٰه » في القرآن علي ذلك للاشعار بذلك و قد يعرف لارادة الحصر نحو زيد هو العالم و هو الكبير و الاصل ان يكون المبتدأ مجهول [ص 322] السامع اي متعالياً عن التعيّن اي ذاتاً و الخبر معروفه اي صفة حتي يستفيد اتحاد المجهول بالمعروف و قد يكونان معروفين و الاسناد مجهولاً كمن رأي قائماً او جائياً و هو يعرف زيداً و لكن لايعلم انّ ذلك القائم او الجائي هو زيد فتقول القائم زيد و الجائي زيد و قالوا الخبر يقع مفرداً جامداً او مشتقاً و جملة اسمية او فعلية اما اذا كان مفرداً نحو هذا زيد او اسد فعن بعض الكوفيين ان الجامد يتحمل ضميراً و عن البصريين اذا اوّل بالمشتق يتحمل ضميراً نحو زيد اسدٌ اي شجاع و الا فلا و الحق ان الكلمة لاتقع خبراً الا عند ملاحظة الوصفية كما مر و عند ذلك يتحمل الضمير فكلا الفريقين خرجا عن القصد .
و اما المشتق نحو زيد قائم فيتحمل ضميراً لتضمن المشتق معني الفعل و اما في زيد قائم ابوه فزيد مبتدأ موطّئ و قائم خبر مقدم و ابوه علي الاصح فاعل سدّ مسدّ المبتدأ و بدل اضافة لزيد كما يأتي و اما في مثل غلام زيد ضاربه هو فعندي ان « غلام زيد » ايضاً مبتدأ موطّئ و « ضاربه » بدل عن غلام زيد و صفة مضافة الي المفعول و « هو » خبره نحو يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ●
و اما اذا كان جملة فان كانت عين المبتدأ فلايحتاج الي رابط نحو قل هو اللّه احد و فاذا هي شاخصة ابصار الذين كفروا و اذا كانت غير المبتدأ فقيل انه لا بدّ بينهما من رابط و هو ما يدلّ علي المبتدأ نحو زيد قام ابوه و عندي لايعقل هذا المعني مع كون الخبر عين المبتدأ و ايّ معني لكون الجملة مبتدأ هل لفظها عين المبتدأ ؟ و لايقول به عاقل ام معناها المركب و لايعقل [ص 323] و كأنّ القوم لايلتفتون الا الي صرف اللفظ و من هذا الباب وصّيتك في اول الكتاب ان تنظر الي المعني اولاً ثم الي اللفظ فكيف يكون ذات زيد قام ابوه فزيد مبتدأ موطّئ و « قام » فعل و « ابوه » فاعل و بدل و المعني ابو زيد قائم و ذكر « زيد » لتوطئة ذكر البدل فتدبر و انصف و كذا في مثل السمن منوان بدرهم حيث اخذوها ذات ضمير مقدّر فلا معني لقولك ان السمن عين « منوان منه بدرهم » بل « منوان منه » بدل من « السمن » و ذكر المبدل منه للتوطئة كما مرّ و قيل حذف العايد من مثله قياس و في غيره سماعي و عن بعض الكوفيين قياس اذا كان المبتدأ « كلّ » و الكناية مفعولاً به نحو :
قد اصبحت امّ الخيار تدّعي عليّ ذنباً كلُّه لماصنع ●
و نحو :
ثلٰث ● كلهُنّ قتلت ● عمداً و اخزي اللّه رابعة تدوم
و نحو و كلٌّ وعد اللّه الحسنٰي علي قراءة الرفع و لفظ « كلّ » فيهما عندي مبتدأ موطّئ و الضمير المحذوف مفعول به و قالوا و السماع في غيرها نحو و لمن صبر و غفر انّ ذلك ● لمن عزم الامور اي منه و عندي انّ الخبر محذوف بقرينة « عزم الامور » اي لمن صبر و غفر هو من اولي العزم و الجملة كالعلّة له و نحو اهذا الذي بعث اللّه رسولاً اي بعثه و عندي « هذا » خبر مقدّم و « الذي » مبتدأ مؤخر و يحتمل العكس بعيداً قالوا و كذلك اذا اشتمل الجملة علي اشارة نحو لباس التقوي ذلك خير [ص 324] فذلك عندي بدل و اذا اشتملت علي لفظ المبتدأ نحو الحاقّة ما الحاقّة فانشدك باللّٰه كيف تعقل ان تكون « الحاقّة » عين « ما الحاقّة » بل « الحاقّة » مبتدأ حذف خبره و هو قسمي فانه قسم حذف حرفه نحو اللّه لافعلنّ و كما تحلف زيداً اذا قال جاء عمرو تقول اللّه يقول اللّه و يقسم بذلك و كذلك اذا اشتملت علي اسم بزعمهم نحو زيد نعم الرجل و نحن قد بيّنّا انّ الرجل ليس بجنس و لا عموم فيه و « زيد » مبتدأ موطّئ و المخصوص ضمير محذوف فتدبر فيما اقول و انصف و قيل قد يكون الجملة مقدّرة نحو و الرّكب اسفلَ منكم و نحو الحمد للّه و انما يكون ذلك في ظرف و جارّ تامّين لا ناقصين ● نحو بك و قال البصرية انّ الضمير الذي كان في المتعلق انتقل الي الظرف و المجرور و سكن فيهما و هو محض توهم و ذهب الكوفيّون الي انّ المبتدأ يرفع الخبر ان كان عينه نحو زيد اخوك او كعينه نحو و ازواجه امّهاتهم و ينصبه اذا كان غيره نحو زيد عندك فمنهم من قال نصبه معنوي و هو كونه غير المبتدأ و منهم من قال ناصبه المبتدأ فقوله اسفلَ منكم منصوب بالرّكب و هو الخبر و كذا للّه في الحمد للّه معني و لا جملة مقدرة و الضمير في الظرف مستتر و لااري هذا القول شيئاً و الحق انّ الظرف و الجارّ لايقعان خبراً و هما معمولان للخبر المحذوف و هو متعلقهما و قالوا و يجوز الاخبار بالمكان عن اسم الذات و لايخبر عنه بالزمان و يجوز الاخبار به عن اسم المعني ان استغرق المبتدأ الخبر نحو الصوم اليوم و السير غداً و اجاز البصرية الجرّ بفي فتقول الصوم في يوم الجمعة و منع الكوفيون عن ذلك لانّ « في » تدلّ علي التبعيض و هو الظاهر منها فان كان المبتدأ عامّاً و الزمان خاصاً جاز نحو [ص 325] نحن في شهر كذا و اوّلوا مثل الورد ايّار ● و الليلة الهلال و كذا الحجّ اشهرٌ معلومات فالمعني زمان الحجّ اشهر معلومات و الليلة زمان رؤية الهلال و زمان حصول الورد ايّار بتقدير مضاف الي المبتدأ و قد عرفت انه لايجوز الاخبار بمكان و لا زمان فانّ الواجب في صحة الاسناد ان يكون الخبر هو المبتدأ و لايكون الزمان و المكان عين المبتدأ فالخبر هو المتعلق المحذوف الذي هو عين المبتدأ و هو احدي الصفات العامة كالكائن و الحاصل و الثابت و الموجود و المستقر و امثالها و بذلك يرتفع الاشكال و ان كان الظرف غير متصرف فينصب بلا كلام نحو زيد عندك و ان كان متصرفاً و نكرة فالرفع راجح نحو دارك منّي يمين او شمال و هو عند البصرية باق علي الظرفية و عند الكوفيين بمعني اسم الفاعل اي متيامن و متياسر و ليس بظرف و كذلك خلف و قدّام فان اضيفت فهي ظروف و الا فهي بمعني اسم الفاعل كما مر و عند البصرية هو بحذف مضاف من المبتدأ او الخبر اي دارك منّي ذو يمين او مكان دارك منّي يمين او شمال و ان كان معرفة فالرفع مرجوح نحو زيد خلفك و عند الكوفية مخصوص بضرورة الشعر و اذا كان المكان في موضع الخبر عن عين لزم نصبه و ان كان خبراً عن مكان جاز رفعه و قيل رفعه سماعيّ و لو اظهرت المكان جاز قياساً نحو هو منّي مكانُ مجلسك و مكانُ مربط فرس و من مواضع استعمال العرب هو منّي مزجرَ الكلب ● و مقعدَ القابلة ● و معقدَ الازار و مقعدَ الخاتن و مناطَ الثريا ● و مقعدَ الرائي و يجب رفع الظرف المتصرف الموقت المحدود مطلقاً خبراً عن اسم عين نحو دارك منّي فرسخ و انا منك بريد و منزلي منك ليلة