و اما العجمة فصارت سبب البناء لانّ لفظ العجم اذا حكاه العرب ينبغي ان يحكيه كما هو في كل حال و شباهته بالحرف انه ليس له معني اسمي و لا فعلي عند العرب كالحروف فيلحق عندهم بالحروف و لكن اذا جعلوه بينهم علماً اقتضي من حيث العلمية عندهم الاعراب و لكن اذا كان اللفظ الاعجمي ثلثياً ساكن الوسط خفّ علي لسانهم و شابه اسماءهم و غلب عليه الاسمية و اعربوه نحو نوح و لوط و اما اذا كان غير ذلك ثقل علي لسانهم و تركوه علي عجمته نحو شَتَر علي قول [ص 278] و ابرهيم فيمنع الصرف هذا اذا كان الكلمة علماً في العجمية او استعملها العرب علماً اول مرة و اما اذا صار من اسماء الاجناس في العرب ثم نقلوه الي العلمية فهو مصروف لغلبة الاسمية عليه و دخول الالف و اللام و الاضافة عليه التي هي من خواص اسماء العرب كاللجام و الفِرِند ● و البَرَق ● و البَرْدَج ● مثلاً فاذا جعلت علماً بعد ذلك تكون موضوعاً فان كان له شبه بالفعل كنرجس و بقم ● و آجر منع و الا فلا و منهم من جعل مثل شَتَر ● ايضاً مصروفاً و لم‌يعتن بحركة الوسط و ليس ببعيد فان محض حركة الوسط لاتورث ثقلاً .

و اما التكنية فهي في صفات مخصوصة وقعت كناية عن اسماء مصرّحة و هي عشرون كلمة عشرة منها علي وزن فُعال بضم الفاء و هي اُحاد و ثُناء و ثُلاث الي عُشار و عشرة منها علي وزن مَفْعل و هي موحد و مثني و مثلث الي معشر و جريانهما في الاعداد العشرة هو المحكي عن ابي‌عمرو الشيباني و ابي‌حاتم و ابن‌السكيت و خلف الاحمر و غيرهم عن العرب فلايصغٰي الي شهادة النافي فهذه الكلمات كنايات عن الاعداد اذ اُحاد كناية عن واحد واحد و ثُناء كناية عن اثنين اثنين و ثُلٰث عن ثلثة ثلثة و هكذا باقي الكلمات كما انّ كذا و كذا كناية عن عدد معين و كيفيات معينة و كيت و كيت كناية عن اقوال معينة و التكنية من اسباب البناء كما مر فكونها كناية يقتضي البناء و كونها وصفاً يقتضي الاعراب فلذلك صارت غير منصرفة و لااعرف للعدل الذي ذكروه معني مطلقاً بل لااريد ان افهم فانه تكلف محض حتي انهم قالوا انا لما رأينا مثل زفر غير منصرف و لم‌نجد له سبباً تكلفنا و قدّرنا له العدل [ص 279] و لا دليل لهم انّ ثلٰث معدول عن ثلثة ثلثة و كل لفظ له معني يمكن التعبير عن معناه بلفظ آخر من حروفه نحو الضارب بمعني من صدر الضرب عنه مثلاً فاذاً كل لفظ معدول عن لفظ آخر و الصواب ما ذكرناه و لا شك في صراحة ثلٰثة ثلٰثة و ابهام ثُلٰث و اختصاره بالنسبة اليهما فهو كناية عنهما كما ان من جاء كناية عن اجاء زيد ام عمرو ام بكر ام خالد و هكذا الي آخر الاسماء و ما اكلت كناية عن ءاكلت خبزاً ام لحماً ام ارزاً و كذلك جاؤوا رُباع يعني جاؤوا اربعة اربعة اربعة و هكذا الي ما شاء اللّٰه فهي من باب الكنايات لا غير و بنيت الكنايات لابهامها الذي هو من خصال الحروف و لك ان تقول ان الحروف كلها كنايات عن اسماء معينة نحو سرت من البصرة الي الكوفة فمن كناية عن ابتداء السير اذ ليست صريحة نصاً اسماً موضوعاً للابتداء و الي كناية عن انتهاء الغاية كما ان الاشارات و الضماير كانت كنايات و قد مرّت فكل كناية شبيه بالحرف في كونه كناية لا صريحاً و مما منع و زعموه تكلفاً من باب العدل سَحَر اذا اريد به سحر يوم بعينه ظرفاً مجرداً من « ال » و الاضافة نحو جئت يوم الجمعة سحر و هو بالبناء اشبه و اختاره بعضهم نحو حين و امس و قد ينوّن نحو قوله تعالي نجّيناهم بسحرٍ و هو تنوين التنكير و كذا قالوا في امس اذا اريد به اليوم السابق بعينه ما لم‌يضف و لم‌يقرن بالالف و اللام و لم‌يصغّر و لم‌يجمع و لم‌يقع ظرفاً فبعض بني‌تميم يمنع صرفه مطلقاً فيقولون مضي امس و شاهدت امس و مارأيته مذ امس و اكثرهم يخص المنع بحال الرفع اي لاينوّن و الحجازيون يبنونه علي الكسر و بغير تلك الشروط معرب اجماعاً و في حال الظرفية مجرداً من « ال » و الاضافة مبنيّ اجماعاً

[ص 280] و كلّفوا لامس و سحر العدل عن المعرّف باللام و العلمية و هو من الكلفة بمحل اذ لا معني للعدل و ليسا بعلمين و انما استعملا في يوم و وقت خاص و المعوّل فيهما علي السماع هذا و ما ليس باجماعيّ عند العرب يشكل تعليله اذ لو كان العلة علة لجرت عليهم كلهم و بنوتميم يمنعون صرف باب قطام فعن بعض البصريين انه للعلمية و العدل عن فاعله و ليس هذا القول شيئاً لما عرفت من حال العدل و انه محض ادعاء لا حجة له و عن بعضهم انه للعلمية و التأنيث المعنوي كزينب و اما اهل الحجاز فيستعملونه مبنيّاً تشبيهاً بنزال و نعيد الكلام عليه في التأنيث .

و اما التأنيث فهو صفة اداني الاسماء فان الاسماء المذكّرة هي العلياء و الاسماء المؤنثة هي السفلي و فرع المذكر و ابعد عن الفعل من المذكرة لان الفعل لايؤنث فهو قريب من عرصة الحروف و مطاوعة المؤنث لاثر العوامل اقل من مطاوعة المذكر لثقل ما يلحقه من الالف الممدودة و المقصورة و التاء و ما لا زيادة فيه اخف علي اللسان فهو اسرع اعراباً و ما فيه زيادة بعد تمام الكلمة ثقيل علي اللسان جداً فلاينبغي ان يجتمع مع ثقيل التنوين و الحركات الاعرابية و لو كانت الزيادة لاتفيد معني لكان من حقه البناء و لكنها تفيد معني فمنعتها عن الصرف التام فحق المؤنث ان لايطاوع العامل كالمذكر و لايمتنع عن المطاوعة كالمبنيّ فهو بين بين فحقه ان يكون ممنوعاً من الصرف و هو علي قسمين : لفظي و معنوي

و اللفظي منه علي ثلثة اقسام :

تأنيث بالالف المقصورة كحبلٰي و تأنيث بالالف الممدودة كصحراء و تأنيث بالتاء

و اما المعنوي فما سمع مؤنثاً من العرب .

[ص 281] اما التأنيث بالالف المقصورة و الممدودة فهما اذا حصلتا في اسم مفرد نكرة كذكرٰي و صحراء او معرفة كرضوٰي و زكريّاء او جمع كجرحٰي و اصدقاء او صفة كحبلٰي و حمراء افادتا المنع عن الصرف لما مرّ و الحق بذي المقصورة ما فيه الف الالحاق ك‍علقٰي باتفاقهم و ارطٰي علي قول علمين فانهما ملحقان بباب جعفر و منعا من الصرف للشباهة بالمقصورة و قيل ارطٰي ممنوع لوزن الفعل و لم‌يمنعوا علباء الملحق بالقرطاس علماً فان همزة عِلباء منقلبة عن الياء و همزة صحراء منقلبة عن الالف كذا قالوا و المعوّل في الكل علي السماع و كذا التاء اذا كانت لازمة كاختيها نحو فاطمة و طلحة و اما التي في الصفات كقائمة فهي زائلة عارضية لا تأثير لها قويّاً نعم ان سمّيت بالقائمة رجلاً علماً تمنع من الصرف لانّ التاء تلزمها حينئذ

و اما المؤنث السماعي فهو محمول علي اللفظي و مع ذلك فان كان ثنائيّاً كيَد او ثلاثياً ساكن الوسط ك‍هِنْد و دار ففيه الوجهان لخفة اللفظ المقتضي للاعراب و الحاقه بالثقيل بالتأنيث ● اللهم الا ان يكون اعجمياً فهو يتقوي بها فيمنع نحو ماه ● و جور ● للمؤنث و ان سمي به مذكر صرف نحو نوح و لوط كما مرّ و اما ان كان ثلاثياً متحرك الوسط كسقر و لظي او ازيد من ثلثة احرف كمريم و زينب و سُعاد ● حصل له ثقل اللفظ الظاهر مع الثقل المعنوي المانع عن الاعراب التام فمنع الصرف و ان سمّي بالمؤنث السماعي مذكر فان كان ثلاثياً صرف لضعف التأنيث لفظاً و معني ك‍هند و سقر اذا سميت بهما رجلاً و ان كان [ص 282] ازيد منع نحو عقرب لحصول الثقل ،

و اما اذا كان اسم لمذكر ثم وضع علماً لمؤنث ثم وضع علي مذكر لم‌يؤثر هذا التأنيث البتة نحو رَباب فانه اسم السحاب في الاصل و كذا اذا كان المؤنث مؤنثاً بالتأويل لا بالصراحة فانه لايؤثر كتأنيث الجموع الخالية من علامة التأنيث لان تأنيثها بتأويل الجماعة فلو سمّيت بها مذكراً انصرفت

و كذا اذا كان اغلب استعمال اللفظ في المذكر و مثّلوا له نحو ذراع فلو سمي به رجل صرف و اما اذا تساوي استعماله في المذكر و المؤنث او غلب المؤنث ففيه الوجهان و ان سمي المؤنث باسم المذكر حقيقيين كانا او لا فحكمه كالمؤنث السماعي لما لحقه من التأنيث بالاقتران و يلحق بهذا الباب فُعَل فانه جمع خاص بالمؤنث فاجتمع فيه ثقل الجمع و ثقل التأنيث نحو جُمَع و كُتَع و بُتَع و بُصَع و اُخَر جمع اُخرٰي فبهذين الثقلين منعت من الصرف هذه الالفاظ مع انها جموع لفعلاء ذات الزيادتين و التأنيث اللازم للمنع فاجري علي جموعها حكم اصولها .

و الحق بها اسماء مسموعة محفوظة و هي قُبا ● و مُضَر ● و زُحَل ● و قُثَم ● و جُشَم ● و جُمَح ● و قُزَح ● و عُصَم ● و طُوَي ● و دُلَف و هُذَل و بُلَع ● و زُفَر ● و عُمَر و جُحا ● و ثُعَل و لهذا الوزن خصوصية بالمؤنث فانه يأتي جمع فَعْلة بالفتح نحو [ص 283] نوبة و نُوَب و فِعْلَة بالكسر نحو حِلية و حُلٰي و فُعْلة بالضم نحو سُورة و سُوَر و فُعَلَة بضم الفاء و فتح العين نحو تُخَمة و تُخَم و فُعْلٰي بالضم نحو اُخْري و اُخَر و فَعْلاء بفتح الفاء نحو كتعاء و كُتَع و جمعاء و جُمَع فلاختصاصه بالمؤنث و تأنيثه المعنوي صار سبب المنع و عدم صيرورته سبب منع ما ذكر من الامثلة المصروفة انها لم‌تكن مفرداتها ذوات الف محتوم لها المنع و ليس للتاء في غير الاعلام قوة في المنع لقلة استعمال غير الاعلام و يؤثر في الاعلام لكثرة استعمالها و ارادة التخفيف فيها .

و اما منتهي الجموع فلكثرة ثقله عمّ اثره اسماء الاجناس ايضاً فمنعها عن الصرف كالاعلام و ذلك ان الجمع ايضاً من خواص الاسماء اذ لايجمع فعل و لا حرف الا ان الجمع ادني مقاماً من المفرد و ابعد عن الفعل فهو واقع في ادني درجات الاسم كالمؤنث و لا شك ان الجمع اقل مطاوعة من المفرد للعوامل لثقل لفظه و معناه و لما كان من خواص الاسم و الاسم يقتضي الاعراب و الجمعية تمنع من المطاوعة التامة منع من الصرف الا ان ذلك من خواص منتهي الجموع و هو كل جمع بني علي حرفين مفتوحين بعدهما الف و بعد الالف حرف مكسور و بعد المكسور حرف آخر ظاهر او مدغم سواء كان بعده حرف آخر ام لا ، نحو دراهِم و مساجِد و مصابيح و دوابّ و حضاجِر علماً للضبع و اما الجواري فحكمه حكم القاضي قال اللّٰه تعالي و من فوقهم غواش ، و الفجر و ليال و سيروا فيها ليالي و « سراويل » ممنوع لانه جمع « سروال » و انه اعجمي معرّب « شلوار » فمع انه اعجمي الاصل و غير علم عومل معاملة الجمع العربي و الحق بالفاظ العرب و لو سمّي بهذا الوزن رجل سواء كان عربياً او اعجمياً او مرتجلاً منع [ص 284] لثقل الوزن كما عرفت .

الثانية - اعلم انه اذا لحق واحد من هذه الاسباب اسماً اقتضي ذلك السبب البناء و الاسمية الاعراب فحصل في الاسم حالة برزخية و هي منع الصرف كما عرفت فيحذف عنه التنوين لثقل تلك الاسباب او منافاتها له و يمنع عن الجرّ لثقله او منافاته السبب و يبني علي الفتح لخفته فهو في حال النصب و الجر مفتوح و في حال الرفع يكتفي له بالضم و لو لم‌يضمّ لكان مبنيّاً محضاً فاعطي من الرفع الضم فانه اشرف مراتب الاعراب و من خواص العُمد ● و منع من الجر و النصب لانهما من خواص الفُضل ● و اما الفتح فهو حقيقة من علائم بنائه فبني في حال الجرّ و النصب علي الفتح و قيل صرف ما لاينصرف لغة الا في افعل فلايصرف الا في ضرورة فان وزن الفعل اقوي اسباب منع الصرف و لايصرف ما فيه الالف المقصورة اذ لا ضرورة و اجاز الكوفيون و غيرهم ترك صرف المنصرف في الضرورة اذا كان علماً نحو :

فماكان حصن و لا حابس يفوقان مرداس في مجمع 

و اجاز منع صرف المنصرف بعضهم مطلقاً في ساير الكلام ايضاً و عن اكثر الكوفيين و الاخفش ان السبب الواحد في اصطلاحهم يمنع الصرف و لم‌يفرقوا بين العلمية و غيرها و لعلهم ارادوا غير العلمية فان جميع الاعلام ليست غير منصرفة بالبداهة و يحتمل انهم ذهبوا مذهبي و جعلوا العلم و الوصف موضوعاً و اكتفوا بسبب كما فعلنا و لم‌يعرف الحاكي مرادهم و ليس ببعيد فان انصراف اكثر الاعلام [ص 285] و الاوصاف لايكاد يشتبه عليهم و هم العلماء فلا بد و ان يكون لقولهم محمل صحيح .

الثالثة - و اعلم ان مما لاينصرف ما اذا دخله الالف و اللام او اضيف غلب عليه الاسمية و صرف نحو هذا السكرانُ و رأيت السكرانَ و مررت بالسكرانِ بالجرّ و هذا احمدُكم و رأيت احمدَكم و مررت باحمدِكم و منه ما اذا نكّر صرف كالمركب و ذي الزيادتين الالف و النون و المؤنث و الاعجمي و الموازن للفعل و المختوم بالالف الالحاقية و ما علي وزن فُعَل و ذلك انا قلنا ان هذه الاسباب تجعل المعرفة غير منصرف فاذا زال التعريف و نكّر احتاج الي تنوين يدل علي تنكيره فصرف نحو ربّ معدي‌كربٍ و عمرانٍ و فاطمةٍ و ابراهيمٍ و يزيدٍ و ارطيً و عمرٍ لقيتهم و استثني بعضهم ما اذا كان قبل العلمية صفة موازنة للفعل او ذات زيادة و قد احسن نحو احمر و سكران فان العلمية لم‌تكن موضوعها و لا من اسباب منعها

و كذا اذا صغّر الاسم و زال عنه سبب المنع بالتصغير نحو حُمَيْد و عُمَيْر و اُحَيوِل اللهم الا ان يحصل له السبب بالتصغير نحو تُحَيلِئ في تصغير تِحْلِئ ● علماً فانه يوازن اذاً تُدَحْرِجُ و تُبَيْطِرُ .

و كذا اذا اريد التناسب في الاسجاع نحو سلاسلاً ● و قواريراً علي قراءة النصب بمناسبة اواخر الآي و اما قواريرا عند الوقف فيحتمل ان يكون الفه الف الحاق نحو الظنونا و السبيلا و الرسولا و يغوثا و يعوقا بمناسبة ودّاً و سواعاً و نسراً و ان كان يجوز في لغة مطلقاً صرف ما لاينصرف و كذا اذا حصل ضرورة نحو :

[ص 286]

و يوم دخلت الخِدر خدر عنيزةٍ فقالت لك الويلات انك مرجلي ●

فنوّن « عنيزة » و جرّ و نحو :

اذا ما غزي في الجيش حَلّق دونهم عصائبُ طير تهتدي بعصائبٍ ●

و القوافي مجرورة .

فصل

و مما يلحق بهذا الباب الجمع بالف و تاء مزيدتين سواء سلمت فيه بنية الواحد ام لا ك‍هندات و فاطمات و مسلمات و طلحات و جمرات و حبليات و صحراوات و اصطبلات فجميع ذلك يرفع بضم التاء و ينصب و يجرّ بالكسرة نحو مسلماتٌ مؤمناتٌ قانتاتٌ و خلق اللّه السمواتِ و انّ في خلق السموات و الارض و ربما نصب بالفتحة ان كان محذوف اللام كسمعت لغاتَهم بفتح التاء و رأيت بناتَك و نحو :

فلما جلاها بالاُيام تحيّرت ثُباتاً عليها ذُلّها و اكتيابها ●

و الكثير نصبها بالكسرة نحو فانفروا ثباتٍ و ان كانت التاء اصلية كابيات و اموات او كانت الالف اصلية كقضاة و غزاة فالنصب بالفتحة علي الاصل و الحق بهذا الجمع اولات و هو اسم جمع بمعني الصواحب لا واحد له نحو و اِن كنّ اولاتِ حملٍ و ما صار علماً نحو رأيت عرفاتٍ و سكنت اذرعاتٍ و من العرب من يترك تنوينه للعلمية و التأنيث و منهم من يعربه اعراب ما لاينصرف و روي بالاوجه الثلثة :

[ص 287]

تنوّرتها من اذرعاتٍ و اهلها بيثرب ادني دارها نظر عالي ●

الباب الثاني

في المعربات التي تعرب بالحروف و في هذا الباب فصول :

فصل

في اعراب الاسماء الستة المشهورة و هي ابوك و اخوك و حموك و هنوك و فوك و ذو مال و المسموع من العرب انها اذا كانت مفردة غير مصغّرة و مضافة الي غير ياء المتكلم في حال الرفع بالواو نحو هذا ابوك و في حال النصب بالالف نحو رأيت اباك و في حال الجر بالياء نحو مررت بابيك و لكنهم اختلفوا في معني اعرابها اختلافاً فاحشاً فقيل انها معربة بحركات مقدرة علي الحروف فاعرابها كالمقصورة و اتبعت حركات ما قبل حروف اعرابها اعرابها ثم حذفت الضمة و الكسرة استثقالاً و الواو المكسورة انقلبت ياءً و المفتوحة الفاً و عن الكوفيين انها معربة بالحركات علي ما قبل الحروف و بالحروف و قيل انها مزيدة للاعراب كالحركات و قيل انها بحركات منقولة من حروف العلة الي ما قبلها و اعلال الواو و قيل انها معربة بالحركات و الحروف للاشباع و قيل انها حروف اعراب و تدل علي الاعراب و قيل انقلابها هو الاعراب ،

و الذي يقوي عندي ان يكون الواو و الالف و الياء اعراضاً و حروف اعراب كالحركات و الاسماء محذوفة اللام وجوباً و الذي يعترض عليه بواو فو و ذو فانهما في محل العين يجاب عنه انهما ايضاً محذوفة العين و اللام [ص 288] و استغني عن عينهما بوجود حرف الاعراب لانه حرف ملفوظ مثل عينهما و يعاد العين عند الجمع و زوال حروف الاعراب فيقال افواه و اذواء و لو كان حروف فوك و ذو مال المنقلبة عيناً ● لماكان الواو اولي بهما من الياء و لم‌يخص الجمع باعادة الواو دون الياء و كذلك في تثنية الاب و بابه فلم‌يكن افواه اولي من افياه و لا ابوان اولي من ابيان و هذا الوجه قريب و ساير وجوه الاعلال التي ذكروها في ساير الوجوه ليست علي طبق القواعد الكلية في الاعلال فلايصغي اليها و ذكرها يورث الكلال

و اما اذا اضيفت الي ياء المتكلم فامتنع الاعراب لوجوب كسر ما قبل الياء نحو و اخي هرون و لااملك الا نفسي و اخي و كذا اذا صغّرت لانّ التصغير علي وزن فُعَيْل و يجب تحريك لامه عند الحاجة علي حسب الاعراب و فتح العين فيقول اُبَيٌّ و اُبَيّاً و اُبَيٍّ و اصله اُبَيْو و يقلب الواو الواقعة بعد ياء التصغير فيقال اُبَيّ و كذا اذا افردت نحو و له اخ و انّ له اباً و بنات الاخ و الافصح في الهَنْ حذف اللام و اعراب النون بالحركات فيقال هنُك و هنَك و هنِك و منه ما روي « من تعزّي بعزاء الجاهلية فاعضّوه بهن ابيه و لاتكنوا » و حذف اللام في الاب و الاخ و الحم نادر نحو ابك و اخك و حمك بالاعراب علي العين و منه :

بابه اقتدي عديّ في الكرم و من يشابه ابه فماظلم 

و جاء ابان و اخان في التثنية و جاء الاب و الاخ و الحم مقصورات نحو :

انّ اباها و ابا اباها قد بلغا في المجد غايتاها [ص 289] 

و قولهم في المثل مُكْرَه اخاك لا بطل و قولهم للمرأة حماة فان مذكرها علي ذلك حمي نحو فتي و فتاة و اذا جمع هذه الكلمات جمع تكسير اعرب كساير الكلمات و ان جمعت جمع تصحيح فبالواو و الياء كساير الجموع فتقول ابون و ابين و اذا اضيفت الي شيء حذف نونها و ردّت كهيئة المفرد فتقول هذا ابوك الكريم و هؤلاء ابوك الكرام و رأيت ابيك الكرام و مررت بابيك الكرام او الكريم و الواو و الياء حروف اعراب في الجمع و حمل عليه الٰه ابيك ابرهيم و اسحق علي قراءة و كقوله فقلت اسلموا انا اخوكم و اما ذو الطائية علي حكاية من اعربها بالحروف فغير ثابت اعرابها بها كما مرّ .

فصل

في اعراب المثنّي و هو كلمة تصاغ من المفرد بزيادة الف او ياء مع نون تدل علي مفردين متعاطفين نحو الزيدان و المسلمان و يجوز تثنية الجمع اذا كان جمع و جمع نحو جمالان و اسم الجمع كالركبان و الجنس كالغنمان و هو في حال الرفع بالالف و النون و في حال النصب و الجرّ بالياء و النون اجماعاً و لكن اختلفوا فيه دراية فمنهم من قال انه معرب و منهم من قال انه مبنيّ اي لفظ وضع هكذا في حال الرفع و هكذا في حال النصب و الجرّ و هو كعلم الغيب و علي هذا يمكن ان يقال كل لفظ مبنيّ و المعربون منهم من قال الحروف حروف اعراب و منهم من قال الحركات مقدّرة كالاسماء الستة و قيل الحروف دلائل الاعراب و قيل هي الاعراب و قيل انقلابها علامة الاعراب و قيل الاعراب مقدّر في سابق الحروف و الحروف دلايل الاعراب و الحقّ انها اعراب حرفيّ كما قدّمنا و لا حاجة الي تلك الاقوال الخالية عن البرهان و ما ذكرناه هو المرئيّ بالعيان ،

[ص 290] و قيل انّ للمثنّي شروطاً ثمانية :

الاول - ان يثنّي المفرد لا المثنّي و المجموع و نحن قد ذكرنا جوازه في الجمع اذا كان جمعان كما قد يجمع الجمع مثلاً اذا كان رجال علي صفة و رجال علي صفة جاز ان تقول هم رجالان رجال كذا و رجال كذا و لا مانع تنزيلاً للجمع منزلة الواحد و ان كان الافصح تثنية المفرد كما في الخبر « العلماء رجلان رجل عالم اخذ بعلمه فهذا ناج و عالم تارك لعلمه فهذا هالك » و في الآخر « علماؤ هذه الامّة رجلان » و المراد رجالان اي صنفان .

الثاني - الاعراب فلايثنّي المبنيّ و اما ذان و اللذان و امثالهما فصيغ موضوعة للمثني عند البصريين و هو محض ادعاء لا سند له و يلحق بعلم الغيب فلاحد ان يقول ان الزيدان ليس تثنية زيد و انما هو لفظ موضوع للمثني .

الثالث - عدم التركيب فلايثني المركب تركيب اسناد اتفاقاً و لا مزج و لااعرف له وجهاً اذا كان اسماً لشيء .

الرابع - التنكير فان ثنّي العلم نكّر ثم ثنّي .

الخامس - اتفاق المفردين و الابوان تغليب .

السادس - اتفاق المعني فلايثنّي المشتركة و الحقيقة و المجاز و قولهم القلم احد اللسانين شاذّ كذا قالوا و لااراه شيئاً لكثرة ما روي عن افصح الخلق صلوات اللّٰه عليه و قد عدّ منها الآمدي تسعاً و ثمانين فقرة تقريباً منها : الذكر الجميل احد العمرين ، الهمّ احد الهرمين ، الطمع احد الذلّين ، الوعد احد الرقّين ، القناعة افضل الغنائين ، الشكر احد الجزائين ، الي غير ذلك .

السابع - ان لايستغني بتثنية غيره او ملحق بها عن تثنيته فلايثنّي « سواء » [ص 291] استغناءً بتثنية « سي » نحو « سيّان » و لا اجمع جمعاء استغناءً بكلا و كلتا و قولهم ايضاً ليس بشيء لما قال في المعيار « هما في هذا الامر سواء كسماء و ان شئت سواءان بصيغة المثني » انتهي ، و المترادفان كثير و لايمنع تثنية احدهما عن الآخر بوجه .

الثامن - ان يكون له ثان في الوجود و الشمسان مجاز و ذلك يناقض الشرط السادس و مع ذلك ايضاً ليس بشيء لما عرفت في الشرط السادس ،

و كيف كان من العرب من يلزمه الالف في كل حال و يعربه بحركات مقدرة و منهم من يلزمه الالف و يعرب النون بالحركات الظاهرة .

و الحق بالتثنية لفظ اثنين و اثنتين بلغة حجاز و ثنتين بلغة تميم لانه لا مفرد لهما و لايضافان الي كناية التثنية لانه كاضافة الشيء الي نفسه كذا قالوا فلايقال « جاءني الرجلان اثناهما » مثلاً ،

و الحق بها كلا و كلتا مضافتين الي الكناية لانه لا مفرد لهما ايضاً و انما هما لفظان وضعا لتأكيد الاثنين كما وضع الكل لتأكيد الجماعة و الدليل علي ذلك ارجاع كناية المفرد اليهما نحو قوله :

كلانا ناظر قمراً و لكن رأيت بعينها و رأت بعيني 

و قوله تعالي كلتا الجنتين آتت اكلها و يجوز ارجاع الكناية الي معناها ايضاً نحو قوله تعالي بعد و لم‌تظلم منه شيئاً و فجّرنا خلالهما نهراً .

و ان اضيفتا الي المظهر يلزمهما الالف في كل حال و كنانة لاتلزمهما الالف و تجريهما مجري المضافتين الي الكناية فتقول كلا الرجلين قالا و رأيت كلي الرجلين و مررت بكلي الرجلين و كذا كلتا و لا بد و ان يكون ما تضافان اليه مثنّي نحو كلاهما او كلا الرجلين او في حكمه نحو كلانا و لايجوز تفريق [ص 292] ما تضافان اليه نحو كلا زيد و عمرو الا في الضرورة

و الحق بها الزيدان اذا سمّي به احد فيعرب اعراب المثنّي و جوّز جعله كما لاينصرف للالف و النون كسلمان و قيل يلحق بها المذروان لانه مثني لا مفرد له و في المعيار احتمل انه تثنية مذرٰي يقال « فلان ينفض مذرويه » اي الييه كناية عن الباغي المتهدد و يحتمل الالحاق بها الاسدران بمعني المنكبين فانّ « الاسدر » لم‌يأت بمعني « المنكب » و انما جاء بمعني عرق في العين و يقال « فلان يضرب اسدريه » اي عطفيه و منكبيه و فسر بانه جاء فارغاً ليس بيده شيء و لم‌تقض طلبته و هو لايناسب قول زينب عليها السلام في خطبتها في معاتبة يزيد لعنه اللّٰه « تضرب اسدريك فرحاً و تنفض مذرويك مرحاً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة و الامور متسقة » و لعلّ المراد ضرب اليد علي الاعطاف كبراً و فرحاً او الضرب بمعني التحريك فانّ « ضرب » يأتي بمعني اكثر الافعال .

و نون المثني و الملحق به مكسورة و بعض العرب يضمها نحو :

يا ابتا ارّقني القِذّانُ و النوم لاتألفه العينانُ ●

و بنواسد يفتحونها بعد الياء نحو :

علي احوذيّينَ استقلّت عشيّة فما هي الا لمحة و تغيب ●

و قد تفتح بعد الالف نحو :

اعرف منها الجيد و العينانا و منخرين اشبها ظبياناً 

و ظبيان قيل اسم رجل و قيل هذا البيت مصنوع .

[ص 293] فصل

و مما يعرب بالحروف الجمع المذكر السالم و هو كلمة تصاغ من المفرد بزيادة واو و نون او ياء و نون لتدل علي افراد متعددة و اقلها اثنان كما نزل في القرآن فيهنّ خيرات حسان للجنّتين و في الخبر « انّ اقل الاقراء مرّتان » و يصاغ من مفرد كالزيدون المسلمون فيستعمل في حال الرفع بالواو و النون و في حال النصب و الجر بالياء و النون نحو هم الزيدون المسلمون و رأيت الزيدين المسلمين و مررت بالزيدين المسلمين و ما قبل الواو مضموم لفظاً كالزيدُون او تقديراً نحو انتم الاعلَوْن و قبل الياء مكسور لفظاً نحو رأيت الزيدِين و مررت بالزيدِين او تقديراً نحو رأيت المصطفَيْن و انّهم عندنا لمن المصطفَيْن و اشترطوا فيه ثلثة شروط :

الاول - خلوّ المفرد من تاء التأنيث فانه يجمع بالالف و التاء نحو طلحة و علّامة و اما مثل حبلٰي و حمراء فاذا كانا علَمين يجمع كالزيدون فيقال الحُبْلَوْن و الحمراوُوْن و لايجمع به علم المؤنث و لا صفته .

الثاني - ان يكون مسمي المفرد عاقلاً فلايجمع به واشق علماً لكلب و سابق علماً لفرس و لااسلّم هذا الشرط لظاهر قوله تعالي و ان من شيء الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و قوله اتينا طائعين و امثال ذلك في القرآن كثيرة و القول بانه انزلهم منزلة العقلاء كلام خال عن التحقيق و لا دليل له فاجمع و قل انزلتهم منزلة العقلاء و من ذلك الحمد للّه رب العالمين .

الثالث - ان يكون علماً غير مركب تركيباً اسناديّاً و لا مزجيّاً نحو بَرَقَ‌نحرُه و معدي‌كرب و اما المركب الاضافي فيجمع الصدر عند البصري نحو غلاموا زيد [ص 294] و الصدر و العجز معاً عند الكوفي نحو غلاموا الزيدون ، او صفةً تقبل التاء او تدل علي التفضيل نحو القائم و الافضل فتجمعان بالواو و النون بخلاف جريح و صبور و سكران و احمر فانها لاتقبل التاء و لسنا نسلّم لهم انحصار الامر بها حتي نلحق به ما خالف هذه القاعدة و لا دليل علي ذلك مع ورود ما يخالفه في لسان العرب فلا وجه لقولهم : الحق به اولوا بمعني اصحاب و ليس بجمع ذو و انما هو كلمة بمعني الاصحاب فيقال انما يتذكر اولوا الالباب و اطيعوا اللّه و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و مررت باولي الاحلام و كذا قولهم الحق به عالمون لانه جمع « عالم » و هو ما سوي اللّٰه و العالمون العقلاء و المفرد لايكون اقل افراداً من الجمع و غلطوا فانّ للعالم اطلاقات كما يفهم من الاحاديث و يقال لبني آدم عالم و للجانّ عالم و للملئكة عالم و هكذا لكل نوع من الخلق عالم كما رواه في البحار عن ابي‌جعفر عليه السلام « لقد خلق اللّٰه في الارض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم خلقهم من اديم الارض » الخبر ، و يقال لكل ملك مركب من سماوات و ارض عالم و ان اللّٰه خلق الف‌الف عالم و في خبر عن ابي‌عبداللّٰه عليه السلام « انّ للّٰه عز و جل اثني‌عشرالف عالم كلّ عالم منهم اكبر من سبع سموات و سبع ارضين ما يري عالم منهم ان للّٰه عز و جل عالماً غيرهم و انّي الحجة عليهم » و يقال لما سوي اللّٰه ايضاً عالم فالعالمون جمع عالم بني آدم و الجن و الملائكة ان خصصناه بالعقلاء و اما ان جعلناه كالسنين و العضين فلايخص العقلاء فهو جمع الف‌الف عالم بالواو و النون و لا ضير و عليه قوله تعالي الحمد للّه رب العالمين فانه لايخص ربوبيته بالعقلاء فهو جمع له مفرد كساير الجموع و ليس من باب الالحاق و كذا قولهم الحق به عشرون و بابه لانها لو كانت جموعاً لكانت [ص 295] العشرون اسم ثلثين و ثلثون اسم التسعة و هكذا ، و لقائل ان يقول عشرون جمع عشر و اقل الجمع اثنان كما يفهم من الكتاب و السنة و ثلثون جمع ثلثة و لكن لايجب ان يكون المراد من الجمع اقل مراتبه دائماً بل المراد عشر ثلاثات نحو صحة اطلاق زيدون علي عشر مسمّين بزيد و كذا اربعون عشر اربعات و هكذا فهي ايضاً جموع و لها مفردات و جمعت قبل الحاق التاء بها و امثلتها من الكتاب ان يكن منكم عشرون صابرون و واعدنا موسٰي ثلثين ليلة فتمّ ميقات ربه اربعين ليلة و الف سنة الا خمسين عاماً و اطعام ستّين مسكيناً و ذرعها سبعون ذراعاً ، فاجلدوهم ثمانين جلدة و له تسع و تسعون نعجة فهي ايضاً كعالمون جموع صحة و حكي جريها ك‍غسلين نحو :

و ماذا يبتغي الشعراء منّي و قد جاوزت حدّ الاربعينِ 

و بعض النحاة يطرد باب غسلين في جميع ابواب الجمع و كذا قولهم الحق به ايضاً اهلون جمع اهل قال اللّٰه تعالي شغلتنا اموالنا و اهلونا و تطعمون اهليكم و الي اهليهم ابداً و وابلون جمع وابل علي انهما ليسا علَمين و لا صفتين و انما يكونان ملحقين و لانسلّم لهم وجوب كون مفرده علماً او صفة و الحقوا به البنون نظراً الي انه جمع ابن و نمنع ذلك فانه جمع بنو الذي هو اصل الابن و اخذ من « البنو » محذوف الواو كما حذفت من الاب و الاخ كما اخذ منه اسم البنوّة قبل الحذف و المصغّر نحو بُنَيّ و المنسوب بنوي و عدم استعمال بن لايكون سبب الحاق بنون بالجمع فانهم استغنوا عن البن بالابن و نقل جري بنين مجري غسلين نحو :

و كان لنا ابوحسن عليّ اباً برّاً و نحن له بنين [ص 296] 

بالاعراب علي النون و كذا الحقوا به احرّون و زعموا انه جمع حرّة و قال في المعيار كأنه جمع احرّة و الحقوا به ارضون جمع ارض و كل ثلاثي حذف آخره و عوّض منه التاء كسنة و قلة و عضة و ثبة و عزة فانها جمعت علي سنين و قلين و عضين و ثبين و عزين و قياس هذا نقض علي ما اسسوا من انّ الجمع بالواو و النون مخصوص بالعقلاء و بالصحة و لا حاجة الي تأسيس القاعدة و الحاق ما يخالفها و لو قالوا جمع سلامة العقلاء عليه اكثر لماخالفناهم قال اللّٰه تعالي كم لبثتم في الارض عدد سنين و الذين جعلوا القرآن عضين و عن اليمين و عن الشمال عزين و من العرب من يجري هذا الباب ان لم‌يكن علماً مجري غسلين نحو :

دعانيَ من نجدٍ فانّ سنينَه لعبن بنا شيباً و شيّبنَنا مُرْداً ●

و شذّ ابون و اخون و هنون

و الحق به ايضاً اسماء جمع علماً كعلّيّين انّ كتاب الابرار لفي علّيّين و ما ادريك ما علّيّون و قنّسرين و ماطرون و امثالها و جوّز فيها الجري مجري غسلين و اعراب النون بالحركات و مجري عربون و اعراب النون نحو :

طال ليلي و بتّ كالمجنون و اعترتني الهموم بالماطرون ●

و جوّز قليلاً لزوم الواو و فتح النون و نون الجمع السالم المذكر في الغالب مفتوحة و جاءت في الشعر مكسورة نحو :

عرفنا جعفراً و بني ابيه و انكرنا زَعانف آخرينِ ● [ص 297] 

و جاءت معربة في احوال عرفتها فهذه اقسام الاعراب بالحروف و ما سوي ذلك من كلمات العرب يعرب بالحركات و لكن منها ما يستوفي الحركات و منها ما لايستوفيها .

المقصد الرابع

في بيان ما يقع في كلام العرب مرفوعاً و منصوباً و مجروراً علي التفصيل ففي هذا المقصد اربعة مطالب و في كل مطلب فصول :

المطلب الاول

في المرفوعات

و نحن قد شرحنا سابقاً انّ الرفع علامة العمدة في الكلام و انّ العمدة ثلاثة الفاعل و ما سواه ملحق به كالمبتدأ و الخبر بالفعل او بالقوة و الاصل فيها الفاعل كما قرره علي عليه السلام و انّ اهل البصرة جعلوا الاصل في المرفوعات المبتدأ عناداً لمن قاتلهم علي الحق فنوزّع هذا المطلب علي فصول لنستوفي اقسام المرفوعات و احكامها .

فصل

في فاعل فعل الفاعل

اعلم ان الفاعل الحقيقي هو الذات الظاهرة بالفعل و الذات من حيث هي لا تعبير عنها و من حيث الظهور بالفعل يشتق لها اسم من اثر الفعل و هو المصدر فيقال الفاعل فاسم الفاعل فرع المصدر و المصدر فرع الفعل فالفاعل [ص 298] مقدم علي الفعل ذاتاً و مؤخر عنه اسماً و كذلك درجة الاعلام الموضوعة علي الذوات دون درجة الفعل لانها ان كانت مشتقة كانت فرع الفعل و ان كانت جامدة كانت فرع المشتق من الفعل فالفاعل رتبة متأخر عن الفعل معمول له و لكونه اسم الذات كان عمدة في الكلام فلذلك استحق الرفع بالفعل و كان هو الاصل في الرفع لانه آية الموجد للفعل فلا شيء فوقه و اما المبتدأ فليس آية الموجد للفعل اذ الاسم علي الاصح فاعل اذا لوحظ صدور الفعل منه و اذا لم‌يلحظ صدور الفعل منه فهو مبتدأ فزيد قام علي الاصح زيد فاعل مقدم و قام فعل مؤخر لانه لوحظ معه صدور الفعل منه و كل ذات من حيث صدور الفعل منه فاعل لا مبتدأ و لا مانع من تقدم الفاعل علي الفعل كما هو مختار الكوفيين الآخذين عن عليّ عليه السلام و انما انكر ذلك اهل البصرة خلافاً علي اهل الحق و ان قلت انت قلت رتبة الفاعل مؤخرة عن الفعل فكيف تجوّز تقديمه قلت ذلك كما نقول رتبة المفعول مؤخرة عن الفعل و يجوز تقديمه فان للناطق في التقديم و التأخير مرادات و ملاحظات لاتظهر الا بهما و في التقديم و التأخير دلالات لاتخفي علي البليغ فان لاحظ الانسان تقدم الفاعل ذاتاً قدّم الفاعل و ان لاحظ تأخره ظهوراً اخّره و للفاعل حق التقديم ذاتاً و لانه مسند اليه و الفعل مسند و اثره فحقه التأخير و التأخير للفاعل من جهة المعمولية بالجملة لا مانع ابداً من تقدم الفاعل قال اللّٰه تعالي ان امرؤ هلك و قال و ان احد من المشركين استجارك و ابشر يهدوننا و ءانتم تخلقونه و اضمار الفعل غير مقصود للناطق كما قدّمنا مكرراً و قال الشاعر :

ما للجمال مشيها وئيداً اجندلاً يحملن ام حديداً [ص 299] 

و « مشيها » فاعل « وئيداً » لا مبتدأ لنصب وئيداً و « وئيد » من التُّؤَدَة هذا و لنا كلام كلي انّ الاحكام النحوية ينبغي ان تكون تابعة للارادات القلبية و ليست بمحض تسمية او وضع قاعدة جعلية فكل ما يستعمله الانسان علي نحو المبتدأ فهو المبتدأ و كل ما يستعمله الانسان علي معني الفاعل فهو الفاعل و ليس الامر بمحض التسمية و الاصطلاح و كل احد يجد من نفسه انه اذا قال زيد قام يريد انه اوجد القيام و قام فعله فهو الفاعل بلا اشكال و كل احد يجد من نفسه انه لايقصد من « قام » فاعلاً آخر و اضمار فاعل آخر تكلف و حشو لا حاجة اليه الاتري قبح زيد قام هو و كونه زايداً و لغواً و كذلك اضماره فانّ ما لايجوز اظهاره لايجوز اضماره و كفاك انه لايقصد الانسان هو بعد قام الا ان يكون ذهنه مشوباً بقواعد البصرية و كفاك انه من قواعد البصرية بالجملة الفاعل هو ما اسند اليه الفعل او شبهه و هو قد يكون اسماً صريحاً نحو قام زيد و قد يكون مضمراً نحو اكل زيد و شرب و اقوم و قم و قد يكون كناية نحو ضرب هو و قد يكون مأولاً و هو عند الاقتران بسابك ظاهر كاَنّ و اَنْ و ما نحو اولم‌يكفهم اَنّا انزلنا او مقدر نحو ماراعني الا يسير اي ان يسير او بغير سابك نحو ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجنّنه حتي حين اي السجن بفتح الفاء خلافاً للبصريين و قد يكون جملة نحو اولم‌يهد لهم كم اهلكنا و كذا قوله و تبين لكم كيف فعلنا بهم و اولم‌يهد لهم كيف فعلنا بهم و مثال الفعل المشتق تبارك اللّه و الجامد نعم اجر العاملين و شبه الفعل نحو مختلف الوانه و ان لم‌يعتمد علي الاصح كما هو مذهب الكوفيين و قد مر في الصفة .

و اعلم ان الفاعل حقه الرفع كما عرفت من علي عليه السلام « الفاعل مرفوع [ص 300] و ما سواه ملحق به » و قد عاندوه حتي جوّزوا فيه النصب فبعضهم شذوذاً و بعضهم مطرداً و رافعه الفعل فانه هو العامل الاصلي و قيل الاسناد و ليس بشيء و قد يجرّ باضافة المصدر اليه نحو لولا دفع اللّه الناس او اسم المصدر نحو من قُبلة الرجل امرأتَه الوضوء و الحديث عامّيّ او بمن نحو ماجاءنا من بشير او باللام نحو هيهات هيهات لما توعدون و عدّوا من ذلك كفي باللّه و عندي انه من باب التضمين اي اكتف باللّه