و ان قصد بالعدد محض الكميّة فتقول اثنان ، ثلثة ، اربعة كما تطلق للمذكّر الي آخر الاعداد و تعدّها سرداً ● و لاتعرب آخرها لانها ليست في محل رفع معيّناً و لا نصب و لا جرّ و ان كان يمكن تقدير كل واحد و هي في حال العدّ مبنيّة علي السكون و ليست ساكنة بالوقف لانّ الساكن بالوقف لو لمتقف عليه له حق [ص 253] من الاعراب و ليست الاعداد كذلك فهي مبنيّة علي السكون لانه اذا زال الاعراب جاء البناء لانه الاصل و شابهت الحروف في عدم ارتباط بعضها ببعض فهي مبنيّة و من هذا الباب بناء اسماء حروف التهجي فانها عند ذكرها لا محل لها من الاعراب تقول الف ، باء ، تاء ، ثاء ، جيم ، حاء الي آخر الحروف فانها هي ايضاً مبنيّة و لاتبال بانهم لميذكروا الاعداد في المبنيّات فانّ دراياتهم ليست بحجة اللهم الا ان لاتكون في محلّ العدّ و تحكم علي واحد بحكم فتقول الخمسةُ نصف العشرة فتعرب بعد ان ادخلت عليها علائم الاسم و قوّيت جانب الاسمية من حرف تعريف او تنوين او اضفتها و ان لمتجر عليها شيئاً من الثلثة اعربتها اعراب ما لاينصرف للعلميّة و التأنيث كما قيل فتقول خمسةُ نصفُ عشرةَ و اضرب خمسةَ في عشرةَ و اما الواحد و الاثنان فيعربان كالمتمكن .
الثانية - اعلم انّ الواحد اسم فاعل من وحد يحد كورث يرث و وعد يعد وحداً و وحدة اي انفرد و الواحد المنفرد و جمعه وُحدان كشابّ و شُبّان و الصفة وَحَد كسبب و كَتف و وحيد كامير و قد يبدل الواو همزة في هذه الكلمات ● و الفرق بين الواحد و الاَحَد في امور :
الاول انّ الواحد يطلق علي المذكر و للمؤنث بالهاء و اَحَد يطلق عليهما نحو ماكان محمّدٌ ابا احد من رجالكم و يا نساء النّبيّ لستنّ كاحد من النساء و لذلك قولك مارأيت احداً ينفي الرجال و النساء و مارأيت واحداً ينفي واحداً من الرجال دون النساء .
الثاني انه اذا وقع واحد في سياق النفي لايعمّ ساير الاعداد فيحتمل الاثبات [ص 254] في اثنين و ثلثة و غيرها و اذا وقع احد في سياق النفي عمّ جميع الاعداد فلايحتمل عدد ابداً نحو مارأيت احداً .
الثالث انّ باثبات الواحد لايحتمل غيره و باثبات احد يحتمل كل عدد فقولك رأيت احداً يحتمل اثنين و ثلثة و الي ما لا نهاية له بخلاف الواحد
الرابع انّ واحداً اول الاعداد و اَحَداً ليس باول الاعداد و لو كان كذلك لماعمّ نفيه و اثباته و اما قولهم احدعشر فهو بمعني الواحد
الخامس انّ المختار للكلام المنفي احد لعمومه و المختار للمثبت واحد
السادس انّه لايليق بذات اللّٰه عز و جل الا الاحد و لذا اختاره في سورة النسبة و قال قل هو اللّه احد و اما الواحد فيوصف اللّٰه به في صفاته
السابع انّ احداً لايحتمل فيه التركيب و الواحد يحتمل التركيب و بتفصيل الحال غير هذا الكتاب اليق
و اعلم ان في التنييف استعمال احد و احدٰي اكثر نحو احدعشر و احدٰيعشرة و احد و عشرون و وقع واحد و واحدة قليلاً و ربما قيل وحدعشر و قد يستعمل احد و احدٰي في غير التنييف ● مضافين نحو و اذا بُشِّرَ اَحَدُهم و آتيتم احديٰهُنَّ قنطاراً ● و لايستعمل احدٰي الا في التنييف او مضافة و قد يستعمل احد في غير اضافة و لا تنييف نحو قل هو اللّه احد و يشمل نفي الاحد جميع غير الانسان ايضاً و قد يستغني بنفي بعده عن قبله فتقول انّ احداً لايقول بذلك و احد لا جمع له الا ان يكون بمعني الواحد فجمعه آحاد و لا تثنية له كما انّ اثنين لا واحد له و هو لفظ موضوع لواحدين و اثنتان لواحدتين و جاء ثنتان نحو ابنتان و بنتان .
[ص 255] الثالثة - اعلم انّه لما كان الاعداد من الصفات العامة لجميع الموجودات و يعدّ كلها كانت مبهمة و احتاجت الي ذكر المعدود لرفع الابهام فيما سوي الواحد و الاثنين فانه يكتفي فيهما بافراد لفظ المعدود و تثنيته و لا لبس و قولهم ثنتا حنظل ضرورة شعر و اما الازيد فلميكن له لفظ بخصوصه من تصاريف المعدود فاستعين بالاعداد و ذكر المعدود معها و لذكر المعدود معها احكام فقد يذكر المعدود معها مصحوب مِن الدالّة علي التبعيض فتدخل علي جمع المعدود او جنسه ليرفع الابهام فتقول ثلثة من الرجال و اربعة من الطير و اربع من النساء و خمس من الغرف و خمسةآلاف من الملائكة مسوّمين ● و اربعة منكم و عشرون من الرجال او النساء و هكذا و الاكثر ادخال مِن علي اسم الجنس و اسم الجمع نحو ثلثة من الخيل و اربعة من التمر
و يدخل مِنْ علي معدود الاثنين و الواحد ايضاً اذا كان في الواحد و الاثنين ابهام نحو واحد من الرجال و اثنتان من نسائكم و نحو فاستشهدوا شهيدين من رجالكم و ان لميكونا رجلين فرجل و امرأتان ممن ترضون و الغرض بيان جنس المعدود
و يجوز ايضاً ان يضاف العدد الي المعدود
فان كان المعدود عشرة فما دون يجمع جمع تكسير و قلّة غالباً فيضاف اليه الا ان يكون المعدود مائة فلايجمع فيقال ثلثة اكلب و اربعة اكلب و هكذا الي العشرة و نحو سبع ليالٍ و ثمانية ايّامٍ و يقع موضع الجمع اسم الجمع نحو تسعة رهطٍ و :
ثلثةُ انفسٍ و ثلثُ ذَودٍ لقد جار الزّمان علي عيالي
و اسم الجنس نحو خمسة تمر و ان لميكن للمعدود الا جمع قلّة اضيف اليه [ص 256] و كذا ان لميكن له الا جمع كثرة نحو ثلثة دراهم و ان كانا معاً فالي القلّة غالباً كما قيل فيقال ثلثة اكلب و قيل يجوز قياساً ثلثة كلاب بتأويل ثلثة من كلاب و ليس بمشهور و قوله تعالي ثلثة قروءٍ يؤيّدهم و لايضاف الي الجمع المذكر السالم و يضاف الي الجمع المؤنث السالم نحو سبع سنبلات و ثلٰث عورات لكم و سبع سمٰوٰات و جاء في الشعر :
ثلٰث مئين للملوك وفٰي بها ردائي و جلّت عن وجوه الاهاتم ●
و قيل ان كان للمعدود جمع مكسر لميضف الي سالم و يردّهم قوله سبع سنبلات مع وجود سنابل و ما قيل انه لمجاورة بقرات ● دعوي بلا دليل و حكي ثلٰثة الزيدين و ثلٰث الزينبات علي قلّة
و ان كان المعدود مائة فما فوق يكتفي بالجنس نحو مائة رجل و مائتي رجل و هكذا الي الف رجل و الفي رجل الي ما شاء اللّٰه
و قد يجمع معدود مائة نحو مائة رجال و قد يفرد منصوباً نحو
اذا عاش الفتي مأتين عاماً فقد ذهب اللذاذة و الفتاء ● [ص 257]
و قوله تعالي ثلثمائة سنين علي قراءة الاضافة و ما قيل انها علي البدلية خرص غير لائق و تكلف فان البدل لو رفع المبدل منه يقوم مقامه و يتم دلالة الكلام و ليس هيهنا كذلك فانه يبهم السنين بلا عدد و كما ان العدد بلا معدود مبهم كذلك المعدود بلا عدد مبهم عند الحاجة الي عدده فقولك و لبثوا في كهفهم سنين و ازدادوا تسعاً مبهم و غلط
و ان كان المعدود بين العشرة و المائة يؤتي بالجنس مفرداً منصوباً علي التمييز نحو احدعشر كوكباً و اثناعشر شهراً و خمسة و خمسون رجلاً و هكذا و اذا وصفت المميز المفرد جاز اعتبار اللفظ و اعتبار المعني فتقول ثلثون رجلاً ظريفاً و ظرفاء و اما قوله تعالي اثنتيعشرة اسباطاً فقيل انه بدل و التمييز ينبغي ان يكون مفرداً و هو خرص و لانسلّم عدم جواز الجمع في تمييزه و علّل ايضاً بانّ العدد من خواص المؤنث و الاسباط مذكر و نجيب عنه انه باعتبار المعني اذ كل سبط امة و لذا جاء بالبدل و قال امماً فباعتبار البدل انّث العدد و يدل علي الجواز قول الشاعر :
فكانَ محبّي دونَ من كنت اَتّقي ثلث شخوصٍ كاعبان و معصر ●
فانّث العدد بملاحظة معني الشخوص و المراد النساء بدليل كاعبان و معصر و نستدل بانّ العدد هنا ملحوظ و لايكفي عنه البدل و كل بدل يكفي عن المبدل منه و لايمكن القول بالشذوذ ايضاً فان القرآن نزل بالمعروف لا الشذوذ و ذهب الي جواز الجمع بعض الكوفية و عن ابنمسعود في دية الخطاء عشرين بنات مخاض ● [ص 258] و هو يدلّ علي جوازه
و اعلم ان الاعداد كما عرفت صفات و المعدود موصوف و لذا يقدّم فتقول رجالٌ ثلثة و نساءٌ خمس و لما كان في التنوين ثقل و في الاضافة خفة قد يضاف الصفة الي الموصوف نحو جَرْدُ قطيفةٍ و الاصل قطيفةٌ جَرْدٌ كفلس اي خلقة و الي ذلك ذهب الكوفيون و اما البصريون فيقولون موصوف العدد محذوف و المضاف اليه مبيّن له و ماادري ما عرّفهم ذلك و ما المانع و علي ما اخترنا يجوز الثلثة الاثواب بالجملة اذا توالي اعداد متعددة يجتزي بمميز الاخير علي حسب ما يقتضي نحو مائة و ثلاثة و ثلثون رجلاً و الف و مائة و اربعة و تسعون رجلاً و الف و مائة و خمسة رجالٍ و خمسة و عشرون و مائة رجلٍ و ثلاثةعشر رجلاً و هكذا
قيل و قد يقع المعدود بدلاً نحو ثلثة اكلب مضمومتين و عليه قراءة قوله تعالي ثلثمائة سنين و قد عرفت رداءتها و قراءة حمزة و الكسائي بالاضافة و هي الجوداء البتة و ربما جاء في الشعر ثلثة اثواباً و هو ضرورة و المائة و الالف يقعان معدودين لما سبقهما فيحذف التاء من اعداد المائة و تثبت لاعداد الالف ثم تأتي لهما بمعدود آخر مذكراً كان او مؤنثاً فتقول ثلثمائة رجلٍ و امرأةٍ و خمسةآلاف رجلٍ و امرأةٍ و المعدود علي كل حال نكرة عند البصريين و يجوز تعريفه عند الكوفيين و العبرة بحكاية المثبت فاجازوا الثلثة الاثواب
و ان قصد تعريف العدد مفرداً غير مضاف و لا مركب ادخل اللام عليه نحو العشرون رجلاً و الثلثة و الثلثون عالماً و ان كان مضافاً فعلي المضاف اليه عند البصريين نحو ثلثة الدراهم و ان كان مضافاً الي مضاف فعلي المضاف اليه الاخير نحو ثلثمائةِالالفِ و ثلثمائةِالفِ الدّرهمِ و ثلثمائةِالفِالفِالفِ الدّرهمِ و هكذا [ص 259] و علي العدد و المعدود معاً عند الكوفيين لان الاضافة عندهم لفظية و هو قياس عندهم فتقول الثلثمائةِ الالفِ و الثلثمائةِ الالفِ الدّرهمِ و هكذا
و ان كان العدد مركباً تدخل علي الجزء الاول عند البصريين و اجاز الدخول علي الجزئين الكوفيون نحو الاحدالعشر بل اجازوا الدخول علي التمييز معهما ايضاً نحو الخمسةالعشر الدرهمَ و قد يضاف العدد المركب غير اثنيعشر و اثنتيعشرة الي مستحق المعدود فيستغني به عن ذكر المعدود نحو هذه احدعشر زيدٍ و خمسةعشرك فالبصريون يبقون البناء في الجزئين و حكي بعضهم الاعراب في آخر الجزء الثاني بحسب العوامل و حكي الكوفيون اعراب الاول بحسب العوامل و اضافته الي الثاني و اضافة الثاني الي مستحق المعدود نحو مافَعَلَتْ خمسةُعشرِك فترفع « الخمسة » علي الفاعلية لفعلت و تضيفها الي « عشر » و تضيفها الي الكاف كما اجازوا اعراب الجزئين من غير اضافة الي مستحق ايضاً نحو هذه خمسةُعشرٍ و رأيت خمسةَعشرٍ و مررت بخمسةِعشرٍ باعراب « خمسة » و جرّ « عشر » في الامثال و جاء :
كُلّف من عنائه و شقوته بنتَ ثمانيعشرةٍ من حجّته
« كلّف » بالبناء للمفعول و « بنت » مفعوله الثاني و « عشرة » بالجرّ و اهل الحجاز يقولون جاء القوم ثلثتَهم و اربعتَهم بالنصب علي كل حال علي الحالية و غيرهم يعرب علي مقتضي المحل و هو الوجه فانه نحو « كلّهم » و بدل من الاسم قبلها .
الرابعة - انّ للعرب من اسماء العدد اشتقاقات عديدة من قبيل الاشتقاق من اسماء الاجناس نحو تَرِّب و طَيِّنْ و سَحِّ و تربت يداك و استحجر الطين و امثالها و نذكر منها هنا ما تيسر :
[ص 260] فمنها - ان تصوغ من لفظ اثنين و عشرة و ما بينهما اسم فاعل علي وزن فاعل كما يشتق من ضرب يضرب فتقول ثان و ثالث و هكذا الي العاشر فيذكّر مع المذكّر و يؤنّث مع المؤنث كما يعامل مع ساير اسماء الفواعل و اما الواحد فهو موضوع علي الفاعل من اول الامر و الغرض من هذا الاشتقاق شيئان فانك اما ان تراعي الفاعلية فيما دونه او بالنسبة الي نفسه فان راعيته بالنسبة الي ما دونه فالعدد مثلاً ثالث اثنين و رابع ثلثة و هكذا الي عاشر التسعة اي مصيّر اثنين مع نفسه بضم نفسه اليهما ثلثة و هكذا البواقي
و لايطلق الواحد بهذا المعني لانه لا عدد دونه و حكي ثاني واحد فلا بأس به و في هذا القسم يكون الثالث خارجاً عن الاثنين و لذلك جاز استعماله في اللّٰه قال اللّٰه ما من نجوي ثلثةٍ الا هو رابعُهم و لا خمسةٍ الا هو سادسُهم و ان راعيته بالنسبة الي نفسه في رتبته فهو ثالث في نفسه واحد من الثلثة و هو من جملة الثلثة و عرضها فلايجوز علي اللّٰه لقد كفر الذين قالوا اِنّ اللّه ثالثُ ثلثةٍ و ما من الهٍ الا الهٌ واحد و يجوز في المخلوق نحو ثاني اثنين اذ هما في الغار و يجوز الاضافة في هذا اللحاظ و جرّ الثاني و يجوز تركها و نصب الثاني علي المفعولية و منعوا النصب في تاسع تسعة بخصوصها و في هذا اللحاظ تسمي الواحد و الواحدة بالاول و الاولي فتقول الجزء الاول و الجزء الثاني و الثالث و الرابع و هكذا .
و حكي كانوا تسعة و عشرين فثلّثتهم اي صيّرتهم ثلثين و هكذا الي كانوا تسعةً و ثمانين فَتَسّعتُهُم اي صيّرتهم تسعين ثم تقول كانوا تسعة و تسعين فأَمأَيْتُهم علي اَفْعَلْتُهم و كانوا تسعمائةٍ و تسعةً و تسعين فآلفتُهم علي اَفْعَلْتُهم
و حكي تركيب عجيب كان القوم عشرة فحَدْعَشْتُهُمْ الي تِسْعَشْتُهُمْ و في العقود [ص 261] عَشرَنْتُهُمْ و ثَلْثَنْتُهُمْ الي تِسْعَنْتُهُمْ و اَمْأَيْتُهُمْ و آلَفْتُهُمْ و منع اكثر البصريين و الكوفيين تجاوز العشرة بالاعتبار الاول و اجاز سيبويه ان تقول رابعُعشَرَ ثلثةَعشر و يجوز عند الكوفيين ان تقول علي المعني الثاني ثالث ثلثةعشر و عن سيبويه حكاية ثالثعشر ثلثةعشر و قول سيبويه عندي اسدّ لما في قول الكوفيين من اللبس الاتري انّ لك ان تقول « انّ عطارد ثاني الكواكب السبعة و الزهرة ثالثتها » و هكذا فثالث الثلثةعشر حقيقة العدد الذي في الرتبة الثالثة بعد الثانية بعد الاولي فقول سيبويه اقرب الي الصواب الا انهم قالوا انّ قول الكوفيين اكثر استعمالاً و جايز اتفاقاً و علي قول البصريين كلا الجزئين في المركبين مبنيّان لبقاء التركيب و اما علي قول الكوفيين فالجزء الاول معرب لزوال التركيب و منهم من اجاز ان تقول ثالثعشر فتضيف الاول الي الثاني فهما معربان او تعرب الاول و تبني الثاني و اما الواحد و الواحدة فتقول فيما فوق العشرة حادي و حادية و حكي عن بعض العرب واحدعشر .
و منها - انهم اشتقوا منها فعلاً علي نصر ينصُر الا في الحلقيّ منها فعلي فتَح يفتَح و منهم من كسر عين مضارع الحلقيّ ايضا فقالوا ثَلَثْتُ ماله اي اخذت ثلثه و رَبَعْتُه اي اخذت ربعه و هكذا الي عَشَرْتُه اي اخذت عشره .
و منها - انهم اشتقوا منها فعلاً علي وزن ضرَب يضرِب فقالوا ثَلَثَ القوم و رَبَعَ و خَمَسَ الي عَشَرَ اي صار ثالثهم و رابعهم و هكذا الي عاشرهم .
و منها - انهم اشتقوا منها علي وزن فُعْل بضم الفاء و سكون العين لسهم من جملة السهام فقالوا ثُلْث لسهم من ثلثة اسهم و رُبْع لسهم من اربعة اسهم الي العُشْر لسهم من عشرة اسهم
و قد يضمّ العين للاتباع فيقال ثُلُث و رُبُع الي عُشُر كعنق و يجمع علي افعال [ص 262] كقفل و اقفال و عنق و اعناق و لايتجاوز ذلك و ان ارادوا فوق العشرة قالوا جزء من احدعشر جزءاً و قد يزاد ياء و يفتح الفاء فيقال ثَلٖيث و رَبٖيع و خَمٖيس و سَدٖيس و يجمع ايضاً علي افعال كشريف و اشراف .
و منها - للنوبة يقولون ثِلْث و رِبْع و خِمْس الي عِشْر وزان جسم .
و منها - للفرق المتساوية يقولون علي وزن فُعال بضم الفاء و مَفْعَل بفتح الميم و العين و سكون الفاء نحو اُحٰاد و مَوْحَد و ثُناء و مَثني و ثُلٰث و مَثْلَث و هو قياس عند الكوفيين الي عُشٰار و مَعْشَر و قيل ان المسموع الي رباع و مربع و جاء فعال من عشرة و لكن في « المعيار » ذكر في الكل الا في الثمانية و التسعة و كيف كان تقول جاؤوا اُحٰاد اُحٰاد او مَثْنٰي مَثْنٰي يعني واحداً واحداً و اثنين اثنين .
و منها - انهم اشتقّوا علي وزن اَفْعَلَ فقالوا اَثْلَثوا و اَرْبَعوا الي اعشروا يعني صاروا ثلٰثة و اربعة و هكذا الي عشرة او اوردوا ابلهم بهذه النّوبات .
و منها - انهم اشتقّوا منها علي وزن فَعَّلَ تفعيلاً نحو ثَنّٰي و ثَلَّثَ و رَبَّعَ اي جعله ذا جهتين او ثلٰث جهات او اركان و امثالها .
و منها - انهم ينسبون الي ثُلاث و رُباع علي فُعال بضم الفاء فيقولون ثُلاثيّ و رُباعي و خُماسي بضم الاول .
و منها - انهم يصغّرون ثناء و ثلٰث و رباع الي آخر و يقولون ثُنَٖيّي و ثُلَيِّث و رُبَيِّع و هكذا علي وزن فعيّل بضم الفاء و فتح العين و كسر الياء و شدّها .
و منها - انهم اشتقّوا للايام الاحد و الاثنين و الثلثاء و الاربعاء و الخميس الي غير ذلك من مشتقّات عديدة و اكتفينا بما ذكرنا اختصاراً .
و لمّا ان ذكرنا امر الاعداد ناسب ان نذكر عقود الانامل لضبط الحساب و ان لمتكن من علم النحو الا اني لمّا لماذكرها في كتاب و يحتاج اليها في الحساب و في فهم بعض الاخبار و الاشعار كما روي عن ابيعبداللّٰه عليه السلام « آمن ابوطالب رضي اللّٰه عنه بحساب الجمل و عقد بيده ثلثة و ستّين » و كما روي في حديث اشتباه دم الحيض بالعُذرة « ثم عقد بيده اليسري تسعين ثم قال تستدخل القطنة » الخبر ، و لمّا كان المحل مناسباً احببت ان اذكرها
اعلم انّ الاوّلين وضعوا تسععشرة صورة من عقود الانامل بازاء عقود الاعداد بحيث يمكن ضبط الاعداد فرداً فرداً بها الي عشرةآلاف
و ذلك انهم قرّروا الخنصر و البنصر و الوسطي من الكفّ اليمني للآحاد و السّبابة و الابهام منها للعشرات و السّبابة و الابهام من الكف اليسري للمآت و الخنصر و البنصر و الوسطي منها للالوف فعقود الآحاد من اليمني و الالوف من اليسري سواء و عقود العشرات من اليمني و المآت من اليسري سواء فاذا اردت ضبط العدد :
فللواحد تجمع الخنصر و تضع بنانها علي مفصلها
و للاثنين تجمع البنصر كذلك و تضمّها بها
و للثلاثة تجمع الوسطي ايضاً كذلك و تضمّها بهما
و للاربعة ترفع الخنصر و البنصر ايضاً و الوسطي علي حالهما
و للخمسة ترفع البنصر ايضاً و الوسطي علي حالها
و للستة تعقد البنصر و ترفع الوسطي و الخنصر
و للسبعة ترفع هذه الثلثة من مواضعها و تضع بنان الخنصر مما يلي الرسغ
[ص 264] و للثمانية تضع البنصر معها كذلك
و للتسعة تضع الوسطي معهما كذلك فهذه تمام الآحاد فلو عملت كذلك باصابع كفّك اليسري كانت علامة للالوف الي تسعةآلاف .
و للعشرة تضع طرف السّبابة علي باطن المفصل الاول من الابهام
و للعشرين تجمع الابهام و تدير عليها السّبابة من جانب الظفر
و للثلٰثين تقوّس السّبابة و توترها بالابهام
و للاربعين تضع باطن انملة الابهام الاعلي علي ظاهر عقدة السّبابة السفلي
و للخمسين تقيم السّبابة منتصبة و تحني الابهام و تضعها علي باطن الراحة
و للستين تجمع الابهام و تضع باطن انملة السّبابة الاولي علي ظفرها
و للسبعين تقيم الابهام و تضع انملة السّبابة الاولي و الثانية علي ظهر مفصل الابهام بحيث يكون ظفرها مكشوفاً
و للثمانين تنصب الابهام و تضع طرف انملة السّبابة الاولي علي ظهر مفصل انملتها الاولي .
و للتسعين تضع بنان السّبابة علي باطن المفصل الادني من الابهام فلو عملت كذلك باصبعي كفّك اليسري حصل لك علائم المآت
و للعشرةآلاف تضع باطن انملة السّبابة من يدك اليسري علي باطن انملة الابهام و هما قائمان و علي ذلك يمكنك ضبط العدد واحداً واحداً الي عشرةآلاف فاحفظها يا بنيّ و هذا هو رسم السابقين [ص 265] و تري ما فيه من عدم الترتيب و عسر الضبط
و لو جعلت بنان السّبابة متصلاً ببنان الابهام للعشرة
و جعلت بنان السّبابة علي باطن العقد الاول من الابهام للعشرين
و علي باطن العقد الثاني منها للثلٰثين
و وضعت بنان السّبابة علي اصلها للاربعين
ثم وضعت بنان الابهام علي باطن العقد الاول من السّبابة للخمسين
و علي باطن العقد الثاني منها للستين
و علي باطن العقد الثالث للسبعين
و علي اصل الابهام نفسها للثمانين
و رفعت الابهام و مددت السّبابة كهيئة ياء معكوسة للتسعين
حصل لك المراتب علي ترتيب لاتنساه و لا شك انه اسهل و اهنأ ثم لك الخيار .
في بعض النوادر
اعلم انه سمع بعض الكلمات مبنيّاً و تكلف القوم لها ادلة و اسباباً نذكرها هنا علي وجه الاشارة لانها تأتي في ابوابها
فمنها المنادي المجرد المعرّف فانه مبنيّ علي الضمّ مع ان محله منصوب بالشباهة بالمفعول و تكلفوا له انه شبيه بكاف الخطاب الاسمية الشبيهة بكاف الخطاب الحرفية و ليس بشيء و المعوّل علي السماع .
[ص 266] و كذا العلم الموصوف مطلقاً اذا وقع منادي عند الكوفيين او بالابن ● عند غيرهم فانه مبنيّ علي الفتح عندهم كما يأتي
و كذلك اسم لاء التبرية فانه مبنيّ و قيل وجه بنائه تضمن معني من و قيل علة البناء تركيبه مع الحرف و الاصل فيه السماع و قيل انّ المضاف الي ياء المتكلم مبنيّ علي الكسر في كل حال و ليس بشيء فان كسره لمجانسة الياء و ليس من جهة البناء و كذلك كلمة مِضّ بكسر الميم و شدّ الضاد و تثليثها مبنيّة و هي بمعني لاء النفي .
في اعراب المعربات
اعلم يا بنيّ ان في نفس الانسان معاني يعبّر عنها بالالفاظ و تلك المعاني غير متناهية فلو جعل لكل واحد لفظ خاص به دون غيره لادّي الي عدم تناهي الالفاظ و امتنع علي اهل اللسان تعلمه فقدّر الواضع جل شأنه ان يكون معان عديدة للفظ واحد من غير تغيير في اللفظ كارادة مشارات غير متناهية من نوع واحد باشارة واحدة كهذا لكل مشار حاضر مثلاً و هو لكل مشار غايب و امثال ذلك و مثل المشتركات حيث يكون معان عديدة يقصد من لفظ واحد او بتغيير ذوات حروف الكلمة او صفاتها بقواعد كلية حتي يضبط الالفاظ و يقصد بها المعاني غير المتناهية
اما المعاني التي لللفظ من غير تغيير فهي معان غير مرتبطة بعضها ببعض فاما ان يوضع اللفظ للحقيقة المشتركة بين تلك المعاني نحو الرجل ثم يستعمل لكل [ص 267] فرد فرد و يسمي بالاشتراك المعنوي و اما ان يوضع لكل فرد فرد من غير ملاحظة الجامع نحو عين للينبوع و محل البصر و الركبة و الذهب و الحقيقة و امثالها فاذا استعمل في فرد احتاج الي قرينة خارجة عن اللفظ اللهم الا ان يكون المعني معهوداً فيكتفي بالالف و اللام فتقول رأيت العين اي المعهودة بيني و بينك فيميز بالقرينة كل واحد من تلك المعاني .
و قد يكون تلك المعاني في عرصة واحدة يلحظ في جميعها مبدء واحد فكل واحد منها مركب من ذلك المبدء و ما به يمتاز عن الآخر فحينئذ يوضع علي طبق المعني لها الفاظ كلها من مادة واحدة فيؤخذ تلك المادة و يزاد عليها حرف او ينقص حرف او يغيّر حركات للتمييز كالضارب و المضروب و المَضْرِب و المِضْرَب و الضويرب و المضيرب و امثالها فانها كلها من عرصة واحدة و هي الضرب فاخذت هذه الحروف و زيد عليها و نقص لتحصيل معان عديدة كلها من تلك العرصة فلو وضع لكل واحد من المعاني لفظ مباين عن الآخر لعسر علي اهل اللسان تعلّمه و اعانهم بعد ذلك بالقواعد الكلية القياسية حتي يجروا فيما لميتعلموا ايضاً عليها و هذا وجه القياس .
و قد يكون احد تلك المعاني عارضاً علي الآخر لا شيئاً مبايناً له في عرضه نحو زيدٌ اذا عرضه الفاعلية او المفعولية او كونه منسوباً اليه و امثال ذلك فاذا كان بعض تلك المعاني عارضاً و قصد يغير له اللفظ في بعض صفاته نحو ضرب زيد و رأيت زيداً و مررت بزيدٍ او يزاد عليه حرف نحو جاء زيدٌ اخوك و رأيت زيداً اخاك و مررت بزيدٍ اخيك و امثالها فبتغيير الحركات التي هي اوصاف لجواهر الحروف او حروف هي من جنس تلك الحركات لانها اصوات غير متكئة علي [ص 268] المقاطع و هي حقيقة غلايظ الحركات و اشباعها يقصد المعني في اعراضه و هي كالفاعلية و المفعولية و كونه مضافاً اليه و امثالها .
و كلامنا هنا في هذه التغييرات و هي التي تسمي بالاعراب و خصّت باواخر الكلم لانها ادلة اعراض الذوات و الكلمة هي الدالة علي الذات و العرض رتبته دون رتبة الذات فناسب آخر الكلمة و كما ان تلك الأعراض في الخارج لها اسباب بها تحدث كذلك ينبغي ان يكون ادلة تلك الاعراض في اللفظ آثاراً لالفاظ تلك الاسباب ظاهراً فان المعني في اللفظ كالروح في الجسد فلكل حركة عامل فالاعراب هو حركات او ما يقوم مقامها تعرض اواخر الكلم و المعرب كل لفظ يتأثر عن العوامل ظاهراً او تقديراً و العامل ما يقوم بتأثيره ذلك التأثر و تلك الحركات ثلثة رفع و نصب و جر و تسمي ايضاً بالضم و الفتح و الكسر و يخص البصريون استعمال هذه الثلثة في المبنيّ و الاولي في المعرب و الكوفيون يجوّزون كلاً في كل و لا مشاحّة في الاصطلاح هذا و البصريون ايضاً يستعملون الاخيرة في المعرب مع القرينة و لما كان الالفاظ قوالب المعاني وجب ان تجري في الظاهر علي حسبها ففي الخارج ذات يصدر عنها فعل و يحدث عن ذلك الفعل اثر و لربما يظهر ذلك الاثر بشيء آخر او في شيء او يكون لشيء او مع شيء او في حال و امثال ذلك فالذات هي الفاعل المستقل لذلك الفعل و الفعل هو الظهور الاول عن الذات و الدال عليها و القائم مقامها و المفعولات آثار محتاجة قائمة بالفعل و هو الغنيّ عنها فجري الالفاظ ايضاً كذلك فاللفظ الدال علي الذات هو العمدة في الكلام سواء وقع مبتدأً او خبراً او فاعل الفعل و كذلك الفعل هو العمدة الثانية و المفعول هو الفضلة التي تفتقر الي الذات و الفعل و هما مستغنيان [ص 269] عنها و اعتناء النفس بذكر العمدة اكثر فيثقل عليها ذكر الفضلة فصار الرفع و الارتفاع علامة اللفظ الدال علي الذات بالذات و القائم مقامها ثانياً و بالعرض و سمي بالضمّ لضمّ الشفاه عند ادائه و النصب و الانتصاب علامة الفضلة لخفته و ثقل الفضلة و لانها منتصبة لقبول الاثر و الانفعال و سمي بالفتح لانفتاح الفم عند ادائه
و لما كان بعض الالفاظ قد يؤتي به لمحض تعيين اسم آخر لا لاجل نفسه و كان مقصوداً بالعرض و متكأ ذلك الاسم صار عَلَمه الخفض للاسم الاول و الجرّ لانّ الاسم الاول جرّه اليه و يسمي بالكسر لانكسار اللحي عند ادائه و هو ايضاً فضلة في الكلام و لاجل ذلك قد يكون الكسر بالفتح كما في غير المنصرف و قد يكون الفتح بالكسر كما في نحو مسلمات فتلك الحركات من حيث الصفة تسمي بالرفع و النصب و الخفض او الجرّ و من حيث المصدر ● تسمّي بالضمّ و الفتح و الكسر و يجوز استعمال الكل في كل واحد من المبنيّ و المعرب و لا مشاحّة في الاصطلاح
و اما العامل فارتفاع اسم الذات ان وقع مبتدأً بالخبر لتضمنه معني الفعل و الاسم من حيث اللفظ كائناً ما كان فرع الفعل
و ان وقع خبراً بالمبتدأ لاجل انه صفة المبتدأ في الواقع فهما مترافعان من جهتين كما يأتي
و ان وقع فاعلاً و هو ما كان مع الفعل سواء تقدم او تأخر فهو مرفوع بالفعل لان الذات بذاتها مقدمة علي الفعل و اللفظ الدال عليها واقع بعد الفعل متأخر رتبة عن الفعل و الاسم فرع الفعل و دونه فالفاعل مرفوع بالفعل و الفعل مرفوع [ص 270] المحل في مقامه كما يقال ان الفعل المضارع عند خلوّه عن العامل مرفوع
و اما الفضل فالناصب لها هو الفعل حقيقة بالفاعل كما ان الشمس تحرق بواسطة البلّورة فعمل الفعل بنفسه الرفع لاينبغي له غير ذلك و لكن يقع عمله في الفاعل فينصبغ فيه و ينكسر سورته فاذا خرج منه يصير ناصباً فالعامل في المفعول ظاهراً هو الفاعل و لايجوز عملان متغايران من عامل واحد
و اما الخافض للمضاف اليه فهو المضاف المتكي عليه فان المتكلم ابداً لايقصد حرفاً هنا و قد قدمنا مكرراً ان صلوح وقوع شيء مقام شيء لايدل علي ان ذلك الصالح مضمر لانّ قولك زيد قائم يصلح ان يقع موقعه زيد ظاهر بالقيام فلايجوز ان يقول احد انّ « ظاهر » محذوف و « القائم » مأول بالمصدر بل المحذوف ما ينويه المتكلم في قلبه و لاينطق به اختصاراً كما اذا سئلت من جاء تقول زيد اي زيد جاء و لا احد يقصد من غلام زيد غلام لزيد و غلام زيد معرفة معين و غلام لزيد نكرة غير معين و كذلك خاتم فضة فلايقصد احد خاتم من فضة كما مر و اغلب تقديرات القوم توهمات باطلة كما مرّ و يأتي فالخافض هو المضاف ، و لذلك قال مولي الانام عليه السلام « و كل مضاف اليه مجرور » و ما سواه فرع عليه و لو كان جرّه باضمار الحرف لكان كل مجرور بالحرف هو الاصل فافهم و لعلك عرفت مما بيّنّا ان الاصل في المعرب بالغير هو الاسم و اما الفعل فهو معرب بنفسه ذاتاً مبنيّ الظاهر .
و لما كان الحروف لايطرؤ عليها اعراض لمتحتج الي اعراب و ان كان لها معان مشتركة تميز بالقرائن الخارجة فهي مبنيّة الاصل
[ص 271] ثمّ لما كان من الحروف حروف لاتتكي علي مقطع الفم و كانت محض صوت ليّن هو الحقيقة المشتركة بين جميع الحروف و كانت تجري في كل الحروف اختيرت للعلائم فجعل الواو عَلَم الرفع و الالف عَلَم النصب و الياء عَلَم الخفض لاجل المناسبة التي بينها و لما كانت كثيرة الجريان في جميع الحروف و الكلمات خفّفت و رقّقت فصار رقيق الواو الضمة و رقيق الالف الفتحة و رقيق الياء الكسرة و سمّيت بالحركات فاذا اشبعت عادت الي اصولها و ابقيت في بعض الاسماء علي حالاتها الاول للاشعار بانها اصول الاعراب و الحركات و قد تبادلت و وقع بعضها موقع بعض لاشتراك الكل في اللينة و الجريان في الحروف و لرفع الالتباس
فصار علامة الرفع ثلثة الضم و الواو و الالف نحو هو مسلم و ابوك و هم مسلمون و هما مسلمان و اما نون تضربان و تضربون فليستا باعراب و انما هما نونا تثنية و جمع كالالف و الواو و المستحق للاعراب هو الباء و لما كان في حال الجزم يتفق التقاء الساكنين و يعسر التفوه به و في حال النصب ماكان يعرف النصب في التثنية و كان يثقل في الجمع لان ضم ما قبل الواو اخف للمجانسة تركوا الباء علي حالها و حذفوا النونين و اكتفوا لعلامة التثنية و الجمع بالالف و الواو اللتين هما العمدة فيها تشبيهاً بالماضي فقالوا لمتضربا ، لمتضربوا و لنتضربا و لنتضربوا
و علامة النصب اربعة الفتح و الالف و الكسر و الياء نحو رأيت مسلماً و اباك و مسلمات و مسلمين و مسلمين
[ص 272] و علامة الجرّ ثلثة الكسر و الياء و الفتح نحو بزيدٍ و بمسلمَيْنِ و مسلمِيْنَ و ابيك و باحمَدَ
و اذا كانت الحركات بنائية لاتختص بعمدة او غيرها نحو حيثُ و خمسةَعشرَ و حَيَّ و ضَرَبَ فانها ليست علائم و انما هي كفتحة كاف كَتِف و كسر تائه و اما الجزم فهو قطع الحركة و يسمي بالسكون و الوقف فقد يكون اعراباً نحو لميضرب و قد يكون بناءاً نحو اِضرب علي قول
فتبيّن ان الاصل في العاملية الظاهرة الفعل و ان كان تابعاً للذات التي لا اسم لها و لا رسم و الاصل في المعمولية الاسم و هو فرع الفعل و اما الحروف فانها تقع معمولة و هي الاصل لها و تقع عاملة لكن علي وجهين التعويق و منع ظهور اثر العوامل كالجزم و التسكين او علي نحو التسفيل و الخفض و المنع عن الارتفاع و الانتصاب كالناصبة و الجارّة و ذلك كمنع ثقل الحجر اياه عن الارتفاع و اهباطه اياه و امالته دائماً الي الاسفل فليس عملها كعمل الفعل من احداث خلاف طبيعة الكلمة و ليس هيهنا محل تحقيق هذه المسائل و لكن لما ذكر بعض النحويين في هذا المقام مطالب ناقصة منقوضة اردنا ان نشرح حقيقة الحال و لو في غاية الاجمال ليتبين الاحوال و المعوّل علي ساير كتبنا في تحقيق هذه الامور
فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الاعراب علي قسمين :
اعراب تقديري لوجود مانع عن ظهوره و اعراب لفظي كما قدمنا و نحن نقدّم هيهنا الاعراب التقديري لقلة فروعه ثمّ نتبعه بالمعرب بالاعراب اللفظي ففي هذا المقصد مطلبان :
في المعرب التقديري
و قدّمناه لقلّة مسائله ، اعلم ان الحروف كما ذكرنا آنفاً علي نوعين :
نوع له مقطع في الفم نحو باء و جيم و دال و امثالها
و نوع ليس له مقطع في الفم و انما هو صوت يخرج من الفم كأنه اشباع حركة كالالف و الواو و الياء فان الالف اشباع الفتحة و الواو اشباع الضمة و الياء اشباع الكسرة او الحركات ترقيق هذه الحروف و تسمي هذه الحروف لعدم تعيّنها و تصورها في المقاطع بحروف العلة نسبةً الي علة الايجاد المنزهة عن شباهة الموجودات و سمّي الكلمات التي هذه الحروف فيها معتلّة .
فما كان حرف العلة فيه في موضع الفاء منه يسمّي بالمثال او في موضع عينه فيسمي بالاجوف او في موضع لامه فيسمي بالناقص لعلل يطول بيانها و نخرج به عن وضع الكتاب و ربما تسمي الواويات بنات الواو و اليائيات بنات الياء .
و قد يعلّ الواو و ترجع الي الالف و كذلك الياء فمرجعهما الي الالف و هي ابعدها عن التعين و لذلك تكون ساكنة لاتتغير بطروء العوامل فكل كلمة كانت مقصورة فلاتعرب بحسب الظاهر لامتناع الالف عن الحركات فيقدّر فيها الاعراب نحو قولك هذا موسي و رأيت موسي و مررت بموسي و كذا الفتٰي المقلوبة الفه عن الياء و المصطفٰي المقلوبة الفه عن الواو فهي مبنيّة الظاهر معربة الباطن
و اما بنات الواو فان كان قبلها ساكناً فلاتمتنع عن شيء من الاعراب لعدم امتناعها و استثقالها نحو هذا بدوُ الامر و بدا لي الامر بدواً و نظرت في بدوِ الامر و اما ان كان متحركاً فاما ان تعلّ و اما ان تعرب كما ذكرناه في « التبصرة »
[ص 274] و اما بنات الياء فان كان ما قبلها ساكناً فكذلك لاتستثقل الحركات نحو هذا ظبيٌ و رأيت ظبياً و مررت بظبيٍ و اما ان كان متحركاً و مكسوراً فيثقل عليها الرفع و الجرّ نحو هذا القاضي و مررت بالقاضي فيقدّران فيها و اما النصب فلخفّته يلحقها نحو رأيت القاضيَ .
و مما يقدّر اعرابه المفرد المضاف الي ياء المتكلم علي مذهب بعضهم و هو الحق كما مر نحو هذا عبدي و رأيت عبدي و مررت بعبدي و هو مبنيّ عند آخرين و الجمع المذكر السالم المضاف الي ياء المتكلم فانه يقدّر فيه الرفع دون اخويه نحو جاءني مسلمِيَّ فانّ اصله مسلموي قلبت الواو الي الياء لتشاكلهما في اللين ثم ادغمت الاولي في الثانية و كسر ما قبلها لمناسبة الياء و اما في حال النصب و الجرّ فكسرة الميم اصلية و يحذف نون الجمع و يدغم الياء في الياء فهذا هو ما يقدّر فيه الاعراب و اما ما سوي ذلك فالاعراب فيه ملفوظ و سيأتي تفصيله ان شاء اللّٰه .
في المعربات بالاعراب اللفظي التحقيقي
و هي علي قسمين : قسم يتوارد عليه جميع انحاء الاعراب لتعرّقه في الاسمية و قسم هو برزخ بين المعرب و المبني فيجري عليه بعض الاعراب لما فيه من خواص الاسمية و بعض البناء لما فيه من خواص المبنيّات و لنبيّن كل قسم تحت عنوان لنشرح كل واحد بواضح البيان ففي هذا المطلب بابان :
الباب الاول - في القسم البرزخي و نقدّمه هنا لما قدّمنا المبنيّات و نؤخر المعربات فناسب ان يكون البرزخ بينهما و هذا القسم يسمّي في عرف [ص 275] النحاة بغير المنصرف و بغير امكن لانهم سموا المعرب بتمام الاعراب بالمنصرف و بامكن و في هذا الباب مسائل :
الاولي - اعلم انا قد قدّمنا انّ اعلي الكلمات الفعل و اوسطها الاسم و ادني الكلمات الحرف و الاصل الظاهر في الفعل البناء لعدم شيء فوقه يعمل فيه و هو العامل في كل شيء و انما يعمل ما يعمل بمسحة منه و الاصل في الاسماء الاعراب لانها معمولة الفعل و الحاصلة به و الاصل في الحروف ايضاً البناء لعدم تأثرها من عامل لضعف القابلية و عدم صلاحيتها للتأثر من العوامل و ليس هيهنا موضع اكثر من ذلك و قد شرحناه في ساير كتبنا .
فالبناء نوعان نوع بناء شرافة و نوع بناء خساسة فبناء الشرافة للفعل و بناء الخساسة للحرف .
فاذا شابه الاسم احد الطرفين حصل فيه جهتان جهة ما شابهه و جهة من حيث نفسه فمن حيث نفسه يستحق الاعراب و من حيث الشبه يستحق البناء .
فان غلب الشباهة بالمبنيّ صار مبنيّاً مطلقاً و ان تعادلت الجهتان صار بين بين و ان غلبت الاسمية صار معرباً كما كان .
و اعلم ان الاسم وصفاً كان او علماً هو الموضوع الذي يطرؤ عليه الشباهة بالفعل و الحرف و ليسا هما سببي منع الصرف و لا شرطيه بل هما الممنوعان عن الصرف بحدوث الشبه و هما بنفسهما يكون الاصل فيهما الاعراب و ينقص مقتضي اعرابهما بالشباهة كما يأتي .
و عرف بالاستقراء انّ الشبه بالفعل الذي يورث البناء وزن الفعل و الشبه بالحرف الذي يورث البناء امور ثلثة التركيب و يلحق به الالف و النون الزائدتان [ص 276] و العجمة و التكنية و الذي هو من خواص الاسمية و برزخ بين الفعل و الحرف هو التأنيث و الجمع
فاعلم ان المراد بوزن الفعل ان يكون الصفة او الاسم علي وزن من اوزان الفعل بان يكون في لسان العرب مختصاً بالفعل و ان لميكن مختصاً فليكن وصفاً في الاصل كافضل حتي يكمل شبه الفعل لا اسماً كافعي و اجدل ● و اخيل ● او كان غالباً في الفعل نحو اِثمِد و اِصبَع و اُبْلُم كاضرب و افتح و انصر اعلاماً او كان الفعل به اولي كيقطر و يزيد و امثال ذلك فلو فرق بين مذكره و مؤنثه بالتاء غلب عليه الاسمية و صرف فان التأنيث و التذكير من خواص الاسم و ان انّث الفعل يوماً فهو من باب الفاعل لا من حيث نفسه فيعمل منصرف لوجود يعملة ● و امثال ما ذكر غير منصرفة لوجود الشباهة المؤثرة بالفعل .
و اما التركيب فهو سبب البناء كما مرّ انه يشبه المركب الحرف في عدم تمامية احد جزئيه الا بالآخر و حاجته بما يتصل به او عدم معني مستقل لاحد الجزئين حال التركيب و له وجوه حكمية ذكرناها في بعض رسائلنا ليس هنا موضع بيانها و ذلك كخمسةعشر و المراد غير التركيب الاضافي كعبداللّه لانه من خواص الاسماء و من البيّن ان موضوع هذا الشبه ينبغي ان يكون علماً لا وصفاً فاذا عرض التركيب المقتضي للبناء العلم المقتضي للاعراب حدث من بينهما منع الصرف كبعلبك و اما الالف و النون الزائدتان فاذا لحقتا بصفة او علم تجعلانهما بمنزلة المركب فانهما تلحقان بعد تمام الكلمة و يثقل بذلك الكلمة كما يثقل المركب و ثقل الزائد علي الكلمة بعد تمامها ازيد من ثقل الزائد في اثناء الكلمة و ثقل [ص 277] حروف لاتفيد للكلمة معني جديداً ازيد من ثقل حروف تفيد معني فهما ثقيلتان في غاية الثقل كالمركب من كلمتين و كان من حق ما هما فيه ان يبني و لكن لمّا وقعتا في علم او صفة اقتضاؤهما الاعراب صارا غير منصرفين نحو عمران و سكران و لكن اذا كانتا في صفة مؤنثها بالتاء كندمانة مؤنثة ندمان صرفت لانهما حينئذ بمنزلة جزء الكلمة حيث لحق التاء بهما و اما ان كان مؤنثها فَعْلٰي فهما فيها الزائدتان فتكون بمنزلة المركب كسكران و غضبان و هذا الوزن غالباً يستعمل للخواء و الامتلاء كجوعان و شبعان و غرثان ● و ريّان ● و عطشان و ملآن و سكران و يلحق بذلك ما لا مؤنث له كلحيان و كذا الاعلام لانها لا مؤنث لها و اما ندمان فعلي ما في المعيار سواء كان من المنادمة او من الندامة مؤنثها ندمانة فعلي ايّ حال منصرف و لو تدبرت في ما ذكرنا و الوجوه التي ذكروا في هذه الاسباب عرفت استعلاء درجة ما قلنا و انحطاط درجة ما قالوا و اللّٰه المستعان و عن بعض بنياسد انهم يستعملون فعلانة في كل فعلان فيقولون غضبانة و سكرانة كما يقولون غضبٰي و سكرٰي فالصفة عندهم منصرفة و رحمن غير منصرف لانه علم لا مؤنث له .