من يكدني بسيّء كنت منه كالشّجي بين حلقه و الوريد
و هو خلاف البلاغة البتة فالجزم في المضارع معين عند بعض و قيل بجواز رفع المضارع و عليه قراءة اينما تكونوا يدركُكم الموت بالرفع في الشواذّ و منه قوله :
يا اقرع بن حابس يا اقرع انّك ان يُصْرَع اخوك تُصْرع [ص 185]
و ان كان الثاني مضارعاً ففيه وجهان عند البصرية الرفع و الجزم و الثاني اكثر و الكوفيون يوجبون الرفع نحو ان ضربتني اضربُك هذا اذا كان بغير فاء و اما اذا كان معها فيرفع مطلقاً ● كقوله تعالي فمن يؤمن بربّه فلايخاف بخساً و لا رهقاً و نحو و من عاد فينتقم اللّه منه و ان تعاسرتم فسترضع له اخري و امثالها
و اختلفوا في العامل في الشرط و الجزاء فقيل العامل كلمة الشرط و قيل كلمة الشرط تعمل في الشرط و هما معاً عاملان في الجزاء و قيل الشرط مجزوم بالاداة و الجزاء بالشرط و الاخيران خارجان عن الحكمة فان الفعل لايصير جازماً كقول آخر انّ الشرط و الجزاء تجازما و عن الكوفيين ان الشرط مجزوم بالاداة و الجواب مجزوم بالجوار و حق الجزاء ان يتقدم و لو قدّم لميجزم و هذا القول ايضاً خارج عن القصد و هو دراية منهم فانّ الجواب مسبب الشرط و ليس من حقه التقدم و ان كان لو خرج عن مقامه لميجزم و لا معني للجزم بالجوار و هي محض قول بلا دليل هذا و قد يجزم بعد فواصل بل الصواب هو القول الاول انهما مجزومان بالاداة الا انها جزمت الشرط بالاصالة و الاتصال و جزمت الجواب بالتبع و الارتباط بالشرط و اصل الجزم من الاعمال الحرفيّة فانه في الحقيقة منع عن التحرك و اخفاء للاعراب الناشئ من الفعل الذي هو من جهة المبدء و اسكان فهو عمل حرفيّ و لما كان امّ هذه الادواة اِنْ الحرفية و عملت لتضمنها معناها عملت تلك الاسماء ايضاً عمل الحروف و قيل الشرط و الجزاء مبنيّان لعدم وقوعهما موقع الاسم و هو خلاف لفظي لا حاصل له .
مسألة - يجوز تقديم الجزاء علي الشرط لوقوعه كثيراً في القرآن و المحاورات [ص 186] و منع عنه البصريّون علي انّ ادوات الشرط تطلب الصدارة و الامور التوقيفية لاتلازم القواعد الكلية الوضعية فليكن هذا الموضع مستثني كما يفعلون في غيره و اجازه الكوفيون و معهم الحق نحو قوله تعالي ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون ، و ان قيل ان الجملة الاسمية لاتقع جواباً بغير فاء و كذا المنفيّة بلم مقرونة بالفاء و كذا المضارع المرفوع مثلاً فكيف ان قدّم امثالها تكون جواباً قلنا ان هذه قواعد وضعتموها انتم و المسموع من العرب تقديم امثال ما ذكرتم علي قصد الجزاء المقدّم فلتكن مستثناة من قواعدكم و قولوا هذا كذا الا ان يقدّم الجواب فلها حينئذ الصدارة التقديرية فان الشرط رتبة مقدّم علي الجزاء و تقديراتكم لا مستند لها مع انا كرّرنا ان التقدير لايجوز الا فيما يقصده الناطق فاذا قال الداخل مثلاً سلاماً علم انه ينوي اسلّم سلاماً اما لو قلت في اعدلوا هو اقرب للتقوي ان المقدّر اعدلوا ان تعدلوا هو اقرب للتقوي او في قل للذين آمنوا يغفروا المقدّر قل للذين آمنوا اغفروا ان قلت لهم اغفروا يغفروا فتلك امور لاينويها عرب جاهل و لا عالم فهذه التقديرات و امثالها باطلة عندنا و منه قولهم في زيداً ضربته انّ تقديره ضربت زيداً ضربته فلايقصد مثل هذا الكلام الواهي عالم و لا جاهل فهذه التقديرات باطلة الا ما يقصده الناطق و يحذفه عمداً عن قصد اختصاراً و لاجل ذلك يظهر المقدر ان لميرد الاختصار فلاينطق العربيّ ابداً بامثال هذه التقديرات فانها في غاية الركاكة و نقل عن البصريين انه لايقدّر له جواب و يستغني بالمقدّم و ان لميكن جواباً و انت تعلم انّ العرب يتكلم به علي الجزائية فان قدّم الجزاء فلاينجزم و لايصدّر بالفاء نحو اَضْربُ متي ضربتني فاذ لمينجزم و كان كلم الشرط ما و من و ايّ يحتمل ان تكون موصولة نحو [ص 187] اضربُ من ضربني فانه يمكن ان يقال انّ معناه اضرب الذي ضربني و اما الظروف فلايحتمل فيها الاستفهام و الظرفية المحضة في موضع الشرط
و قد يحذف الشرط اذا كان منفياً بلا نحو العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ● ارتحل
و بعد اِمّا الشرطية مع بقاء « لا » بشرط تقدم ما يكون جواباً نحو افعل هذا امّا لا اي امّا لاتفعل هذا فافعل هذا انا
و قد يحذف جواب الشرط اذا قامت قرينة نحو و انا متي اتيتني في جواب من قال لك انت متي اتيتني اكرمك و كالحديث السابق ● قيل و لاينبغي جزم الشرط حينئذ و ينبغي ان يكون ماضياً لفظاً نحو فَعَلَ او معني نحو لميفعل عند البصريين و اجاز بعض الكوفيين كونه مضارعاً كقوله :
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ليعلم ربّي انّ بيتي واسع
فحذف الجواب مع انّ الشرط مضارع غير منفيّ بلم
و قد يحذف الجزاء و يقوم علة الجزاء مقامه نحو ما تفعلوا من خير فان اللّه كان به عليماً و نحو ان تحسنوا و تتقوا فان اللّه كان بما تعملون خبيراً اي لايضيع او يجازيكم اللّٰه و نحو و ان تكفروا فان للّه ما في السموات و الارض اي فلاتنجون من عذابه و نحو و من كان يريد ثواب الدنيا فعند اللّه ثواب الدنيا و الآخرة اي فليطلبه من عند اللّٰه
و قد يحذف الشرط و الجزاء معاً في الشعر خاصة مع قيام القرينة نحو :
قال بنات العمّ يا سلمٰي و اِن كان فقيراً معدماً قالت و اِن
و منع البصريون تقديم معمول الشرط و الجزاء علي اداته نحو زيداً ان تضرب [ص 188] يضربك و زيداً اِن جئتني اضربْ بالجزم او زيداً ان جاءك فاكرمه و قالوا انه يرفع المضارع فيكون الشرط و اداته واقعين بين معمول و عامله و اجاز الكوفيون تقديم معمول الجزاء المجزوم علي اداة الشرط نظراً الي اصلهم ان من حقّ الجواب ان يقدّم و انه مجزوم بالجوار و هو حاصل و المدار علي السماع و الآراء غير متبعة
و اختلفوا في تقديم معمول الشرط علي اداته و لااعرف وجهاً للاختلاف في هذه الامور فانّ الآراء غير متبعة و السماع هو المعتمد فايّهم سمع يجب علي الآخر التسليم له اللهم الا ان لايوثق الناقل
و لايجوز ان يتقدم علي الشرط و الاستفهام ما يجمع امرين احدهما ان يتصل بهما بلا فصل و الثاني ان يحدث في الجملة التي من تمامها معنيً كاِنّ و كان و ظنّ و اخواتها و ماء النفي فلاتقول اِنّ من تضربْ اضربْ و كنت اينما تذهبْ اذهب و ظننت من جاءك تكرمْه و ما مَنْ تضربْ اضربْ و ما اِنْ تقعدْ اقعدْ و اما لا فلاجل انها كجزء المدخول عليه لا بأس به نحو لا من يسألْك تعطه و لا من اعرض عنك تسخطه و كقوله لا اِن اتيناك اعطيتنا و لا ان قعدنا عنك سألت عنا و كذا الظروف المضافة الي الجمل فانها تحدث معنيً فيها و تجعلها بمعني المصدر فلايجوز تقدّمها متصلة و اما لكن فلاجل عدم تغييرها للجملة جاز تقدّمها نحو ما انا ببخيل و لكن ان تأتني اعطك و نحو :
و لست بحلّال التلاع مخافةً ● و لكن متي يسترفد القوم ارفد ● [ص 189]
و لا بأس بتقدّم اذا المفاجاة علي ما و من و ايّ نحو مررت به فاذا من يأته يعطه
و اما اَمّا فان تقدّم علي من و ما و ايّ و بعدها فعل مضارع قبح جعلها شرطية بعدها بل هي موصولة لعدم الجواب نحو امّا من يأتيني فانّي اكرمه لأنّ مدخول فا جواب لأمّا و يبقي الشرط بلا جواب و ان كان بعدها ماضٍ جاز اخذها موصولة و شرطية كما في نحو امّا ان كان من المقربين فروح و ريحان و جنة نعيم
و قيل لايعلّق الشرط بين المبتدء و الخبر الا لضرورة فلايقال نحو زيد ان لقيتَه كريم و قد قال اللّٰه سبحانه انما امره اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون
و يعلّق بين القسم و جوابه نحو واللّه اِن جئتني لاكرمنّك و نحو قوله لئن اجتمعت الانس و الجنّ علي ان يأتوا بمثل هٰذا القرآن لايأتون بمثله و حينئذ يستغني بجواب القسم عن جواب الشرط هذا اذا لميتقدّم عليهما الفاعل فان تقدّم جاز جعل الجواب للشرط ايضاً نحو زيد واللّه ان يقم اقم او لاقومنّ و منهم من جوز جعل الجواب للشرط المتأخر عن القسم و ان لميتقدّمه ذو خبر علي مذهبهم نحو :
لئن كان ما حُدّثته اليوم صادقاً اَصُم في نهار القيظ للشمس بادياً
و اذا دخل شرط علي شرط فان كان بعطف فمنهم من اطلق انّ الجواب لاولهما نحو اِنْ تأتني و ان تُحسنْ اليّ اُحسنْ اليك و منهم من فصّل فقال ان كان بالواو فلكليهما و ان كان بأو فلأحدهما و ان كان بالفاء فالجواب للثاني و هو و جوابه جواب للأول و ان كان بغير عطف فالجواب لأوّلهما و الثاني مقيّد للأول كالحال نحو :
ان تستغيثوا بنا اِنْ تُذْعَروا تجدوا منّا معاقِلَ عزٍّ زانَهٰا كرم ● . [ص 190]
مسئلة - و اعلم ان وضع الشرط لاظهار العلقة بين حدث و حدث اذ لايعقل العلقة بين ذات و ذات من غير ظهورها بحدث
فقد يراد الاخبار بترتّب مسبّب علي سبب في الزمان الماضي فتدخل اداة الشرط علي الماضي نحو قوله تعالي ان كنت قلته فقد علمته و قوله ان كان قميصه قُدَّ من قُبُل فصدقت و هو من الكاذبين و ان كان قميصه قُدَّ من دُبُر فكذبت و هو من الصادقين و ليس ذلك بممنوع و لا مأول كما زعموا و في المحاورات كثير غير منكور نحو لو كان كذا لكان كذا و كذا قال اللّٰه تعالي من جاء بالسيّئة فكبّت وجوههم في النار
و قد يناسب المقام ملاحظة حال المسبّب علي ان السبب ماضٍ بالنسبة اليه فنقول ان جاءك فاكرمه فانّ وقت المجيء ماض بالنسبة الي وقت الاكرام و نحو من كان يريد الحيوة الدنيا و زينتها نوفّ اليهم اعمالهم لأنّ الدنيا بالنسبة الي الآخرة ماضية و يجوز رفع الجواب اذا كان الشرط ماضياً نحو :
و ان اتاه خليل يوم مسغبة يقولُ لا غائب مالي و لا حَرِمٌ ●
برفع يقول و نحو ان لميقمْ اقومُ و عكسه ● خلاف البلاغة و امّا قوله تعالي ان نشأ نُنَزِّلْ عليهم من السماء آية فظلّت اعناقهم لها خاضعين فالجواب نُنَزِّلْ و يحتمل في قوله فظلّت استيناف كلام هذا و اللّٰه سبحانه حاضر له كل وقت و هو يقول و نُفِخَ في الصور و لمّاينفخ و ليكن ذلك منها فليس بنصٍّ و ما يروي انّ من يقم ليلة القدر ايماناً و احتساباً غفر له لاينافي خلاف البلاغة مع احتمال النقل بالمعني
[ص 191] و قد يكون المراد الاخبار بالترتّب في الزمان الآتي نحو ان تعودوا نَعُدْ فينبغي ملاحظة كل مقام و ليس كلما يجوز يجوز في كلّ حال
و لايجوز ان يكون الشرط انشائياً لأنه ينافي معني الترديد الشرطي و يجوز ذلك في الجزاء نحو اِن جاءك فاكرمْه و اِن صلّيت فانت حرٌّ فيجوز في الجزاء الامر و النهي و الاستفهام و التمني و العرض و التحضيض و الدعاء و النداء
و لايجوز ان يكون ● فعلاً غير متصرف كعسي و لا متصرفاً منفيّاً بغير لم و لا
و اِنْ من بين ادوات الشرط في الاغلب مستقبل المعني لشدّة ابهامه و ان اقتضي المقام ادخاله علي الماضي فالاكثر ادخاله علي كان نحو ان كنتُ قلته فقد علمتَه و اِنْ كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ و دُبُر و اِنْ كنت جئت بآية و ان كان غَنِيّاً فليستعفف و اِنْ كان فقيراً فليأكل بالمعروف و امثال ذلك
و قد يعطف علي الشرط او علي الجزاء و يجوز في غير بلاغة تخالفهما مضياً و استقبالاً
و قد يأتي بعد الشرط فعل آخر ليس من متعلقات ذلك الفعل كاِن تحسبني اعصيك او اِنْ تضرب الذي اضربه او ان تضرب رجلاً اضربه او ان تزرْني تزرْني ● اعرض عنك و ان تأتني تسئل احسن اليك فان كان تأكيداً يجزم و الا يرفع او يعامل علي حسب حاله
فان توسّط و عطف علي الشرط بواو او فاء او ثمّ فالوجه الجزم و لك النصب مع الواو و الفاء بالسببية نحو ان تكرم و تحسنَ او فتحسنَ او ثمّ تحسنْ اكرمك و عن الكوفيين اجراء ثمّ مجري الواو و الفاء في النصب و تمسّكوا بقوله و مَنْ [ص 192] يخرجْ من بيته مهاجراً الي اللّه و رسوله ثم يدركَهُ الموت علي قراءة النصب
و كذا في الفعل المتأخر ● و يحتمل فيه الاستيناف ايضاً نحو ان تقم اقم و احسنْ ( احسنُ ) اليك او فاحسنْ ( فاحسنُ ) اليك و نحو من يضلل اللّه فلا هادي له و يذرْهم ( يذرُهم ) قرئ رفعا و جزما و لا مانع في العربيّة من النصب و ان عطف بثمّ جاز الرفع و الجزم نحو و ان تتولّوا يستبدلْ قوماً غيركم ثمّ لايكونوا و ان يقاتلوكم يولّوكم الاَدبار ثمّ لاتنصرون
و ان ولي اداة الشرط اسم و وليه فعل ينبغي ان يكون ماضياً نحو ان زيد ذهب و المضارع شاذّ نحو :
يثني عليك و انت اهل ثنائه و لديك ان هو يستزدك مزيد
و قوله اينما الريح تميلها تمل فان كان الاسم مرفوعاً فعند الكوفية مبتدأ و عند غيرهم معمول فعل محذوف و تقديرات البصرية علي خلاف تقدير اللّٰه فانّ قوله تعالي و اِنْ احدٌ من المشركين استجارك فاَجِره لايقصد به و ان استجارك احد من المشركين استجارك و لو قُصد لجاز النطق به و هو قبيح و لو قال عربيّ اِنْ زيدٌ ذهب اذهب ليس يعقل و لايريد ابداً ان ذهب زيد ذهب فزيد مبتدأ عند الكوفيين و جوّزوا ان يكون فاعلاً مقدّماً و هذا هو الحق عندي كما يأتيك في باب الفاعل فترقّب و ان كان منصوباً فان كان الفعل مشتغلاً بكنايته او متعلقه فهو عند البصريين منصوب بمقدّر و عند الكوفيين منصوب بذلك الظاهر و سيأتي انّ الكناية بدلٌ عن المنصوب المقدم و كذا المنصوب السببي فقولك زيداً ضربته فزيداً مفعول مقدّم و « ضربت » فعل مؤخر و الكناية بدل عن المفعول بدل الكل [ص 193] و فائدته التأكيد مثل ضربت زيداً نفسه و قولك زيداً ضربت اخاه فأخاه بدل من زيد بدل الكل و لايدخل كلمة الشرط علي اسم لا فعل له لما عرفت آنفاً
و كذا حكم الاسم المقدّم علي الجزاء و لايجوز جزم الجواب مع تقدّم المرفوع عند الكوفيين فانه عندهم مبتدأ و الجواب مجزوم بالجوار و زال الجوار بالفصل نحو ان جئتني زيد يضربُك و قد عرفت ان هذه العلل غير متبعة و المعوّل علي تنطق العرب
و ان تقدمه منصوب فهم بين مانع من الجزم و مفصّل بالظرف اللغو للجزاء و غيره فجزم عند تقديم الظرف دون غيره نحو اِن تأتني اليك اقصد و اِن تأتني اليوم غداً ازرك و لميجزموا في مثل ان زرتني زيداً تزورُ و الأكثر علي رفع المضارع مع الفاء حينئذ نحو ان قمت فزيد يقوم و ان ضربتني فزيداً اضربُ
و يجوز اعتراض القسم و الدعاء و النداء و الاسمية بين الشرط و الجزاء نحو اِن تأتني واللّه آتك و اِن تأتني غفر اللّه لك آتك و اِن تأتني يا زيد آتك و اِن تأتني و لا فخر اكرمك
و يجوز دخول كان علي كلم المجازاة نحو كان من يكذب يفتضح و كذلك اِنَّ نحو :
اِنَّ من لام في بني بنت حسّانٍ اَلُمْهُ و اعصِهِ في الخطوب
فيقدر لكان كناية مجهولة فاعلاً لها و لاِنّ كناية اسماً لها و يجوز ان يكون معمول الاول ايضاً بارزاً نحو كان زيد من تضربه يضربك
و لايجوز ان يكون فعل الشرط مصدّراً بشيء غير لا و لم و يجوز تصدّر المضارع بهما و اما الجزاء فلا بأس بتصدره بأيّ حرف كان .
[ص 194] مسئلة - اعلم انّ الجزاء ان كان مما يصلح للشرطية لايحتاج الي رابط و ان كان مما لايصلح لها يحتاج كأن يكون طلبياً كالامر و النهي و الاستفهام و التمنّي و العرض و التحضيض و الدعاء و النداء او انشائياً مثل نعم و بئس علي قول و التعجب و القسم او الجملة الاسمية فيجب الفاء فيها لبعد امثال ما ذكر عن مجانسة الشرط فيحتاج الي رابط و خصّ الفاء بذلك لانها تفيد السببيّة و التعقيب بلا مهلة و قد يبدل عنها اذا نحو اِنْ تصبهم سيّئة بما قدّمت ايديهم اذا هم يقنطون اي فهم لقرب المعني و دلالتها علي ظهور شيء بعد شيء و بعبارة اخري اذا كان اداة الشرط تؤثّر في الجزاء بتخليصه للاستقبال فلايتوسّل بالفاء للربط اذ الاداة بنفسها تؤثّر فيه و الا يتوسّل الي الربط بالفاء فتدخل علي المضارع المصدّر بالسين نحو فان تعاسرتم فسترضع له اخري و سوف نحو و اِنْ خفتم عيلة فسوف يغنيكم اللّه و لن نحو و ما يفعلوا من خير فلنيكفروه و ما نحو فان توليتم فماسألتكم من اجر و الانشائية و الطلبية نحو ان كنتم تحبون اللّه فاتبعوني و قس عليه الباقي و الماضي المصدّر بقد نحو ان يسرق فقد سرق اخ له و الفعل غير المتصرف نحو ان ترن انا اقلّ منك مالاً و ولداً فعسي ربي لانّ هذه الجمل اما دالّة علي الاستقبال بانفسها فلاتؤثّر الاداة تأثيراً جديداً او خالصة للماضي او لا وقت فيها فلاتقدر الاداة علي التأثير او خالصة في الحال فلاتقدر علي صرفها الي الاستقبال و كذلك الاسميّة فانه ليس فيها الزمان مأخوذاً نحو ان يمسسك بخير فهو علي كل شيء قدير و اما المضارع المجرد فجوّز فيه الفاء و عدمها نحو ان يكن منكم الف يغلبوا الفين و من عاد فينتقم اللّه منه كالمصدّر بلا نحو فمن يؤمن بربّه فلايخاف بخساً و لا رَهَقاً و اما المصدّر بلم فلايدخل عليه الفاء عند البصريين و اجازه الكوفيون و ان كان مصدّراً [ص 195] بهمزة الاستفهام لمتدخل الفاء نحو ان اكرمتني اليوم ايكرمني زيد و متي زرتني ازيد يكرمني و ان كان الاستفهام بمن او هل ففيه الوجهان نحو اِنْ اَهَنْتني فمنذا الّذي يكرمني و ان طردتني منذا الذي يعترض لك و نحو ان ضربتني هل يسكن غضبك و فهل ترضي عنّي و قد تحذف الفاء للضرورة نحو :
من يفعل الحسنات اللّه يشكرها و الشرَّ بالشرّ عند اللّه مثلان
و كقوله :
و من لايزل ينقاد للغيّ و الهوي سيلقي علي طول السلامة ناراً
و لغير الضرورة كقوله تعالي و اِنْ اطعتموهم اِنَّكُمْ لمشركون و كما روي في اللُقَطَة ● فان جاء صاحبها و الّا استمتع بها و كقوله تعالي اذا تتلي عليهم آياتنا بيّنات ماكان حجتهم و كذا الذين اذا اصابهم البغي هم ينتصرون و كذا اذا ما غضبوا هم يغفرون و اجاز الكوفيون حذف الرابطة اختياراً .
مسئلة - و قد تدخل الواو علي اِنْ و لو المدلول علي جوابهما بما تقدم و تسمّيان بالوصليّتين و لاتدخل الا اذا كان ضد الشرط اولي بذلك المقدّم الذي كالعوض عن الجزاء من ذلك الشرط نحو اكرمُه و اِنْ شتمني و اطلبوا العلم و لو بالصّين و قيل ان الواو معترضة نحو : فانتِ طلاق و الطلاق اَلِيَّة ● ، و نحو : اري كلّ من فيها و حاشاك فانياً ، و ما احسن موقع هذه الواو في كلام من سأله بعض الخلفاء عن امر قال لا و اصلح اللّه الامير و قد تجيء بعد تمام الكلام نحو انا سيّد ولد آدم و لا فخر و كذلك نحو زيد و ان كان غنيّاً بخيل و زيد بخيل و ان كان غنيّاً و قيل الواو حالية و قيل [ص 196] عطفية و تقديره زيد بخيل ان لميكن غنيّاً و ان كان غنيّاً فبخيل و قد عرفت حال هذه التقديرات غير المقدّرة .
مسئلة - الذي يحمل الانسان علي الكلام اما افادة المخاطب شيئاً من الامور الخارجية لايعلمه و هو الخبر و اما شيء في نفس المتكلم يريد وجوده في الخارج و هو علي قسمين فاما يريد وجوده لنفسه نحو قولك اضرب زيداً او لغرض غيره فان كان الاول يصح السكوت عليه و ان كان لغرض آخر فهو سبب للآخر و الآخر مسبّب و هو المعني الشرطي فيقتضي تلك السببيّة عمل اداة الشرط نحو اِضْرِبْ زيداً تُكْرَمْ لانّ هذا المعني معني حرفي فعلي ذلك اضربْ تكرمْ معناه ان تضرب تكرم و قال قوم جزم « تكرمْ » باِن مقدّرة مع الشرط نحو اضرب ان تضرب تكرم و لا شك انّ العرب لايعرف هذا التقدير و لايقصده و انما يقدّر هذه الالفاظ النحويون و لو شاء انسان ان يقدّر في الكلام يقدر علي تقدير امور كثيرة فانظر هل يجوز ان تقول ضرب زيد تقديره ان الضرب حادث من زيد في الزمان الماضي بل هو لفظ بنفسه غني عن غيره و لايقصد العربي هذه التقديرات فكذلك اَسْلِمْ تَنْجُ فلايقصد به اسلم ان تسلم تنج بل نفس لفظ اسلم يعمل هذا العمل لانه بمعني الشرط و معناه ان تسلم تنج فيحدث هذا المعني للافعال الطلبية كالامر و النهي و الاستفهام و التمنّي و العرض اذا قصد السببية فتجزم الفعل الذي بعدها و يسمي بالجواب نحو اَسْلِمْ تدخلِ الجنة يعني ان تسلم تدخل الجنة و لاتكفر تدخلِ الجنة يعني ان لاتكفر فلايجوز لاتكفر تدخل النار فانه حذف ما حذف بقرينة ما ذكر فالتقدير ان لاتكفر تدخل النار و هو باطل و اما قولهم الاتنزلُ بنا تُصِبْ خيراً فان الاستفهام انكار و نفي النفي اثبات اي ان تنزل تصب خيراً و قال تعالي هل ادلّكم علي تجارة تنجيكم الي ان قال [ص 197] يغفر لكم و هو جواب « هل ادلكم »
و اما اذا قصد الاستيناف فلا جزم نحو قم يدعوك الامير و نحو :
فقال رائدهم اَرسوا نزاولُها فكل حتف امرء يجري بمقدار ●
او قصد الوصف نحو اجعل لي وليّاً يرثُني او الحال نحو ذَرْهم في خوضهم يلعبون و لاتمنن تستكثرُ فيجب الرفع
و في نحو مُرْه يحفرها الجزم و الرفع و كذا في نحو ذرهم يخوضوا و نحو فاضربْ لهم طريقاً في البحر يبساً لاتخافُ
و مما جاء حالاً بعد الشرط :
متي تأته تعشو الي ضوء ناره تجد حطباً جَزْلاً و ناراً تأجّجا ●
فتعشو حال و يحتمل ● في مثله البدل و الجزم بخلاف نحو ان تأتني تقرء اعطك فيجب فيه الرفع
و ان ولي الجواب فعل مصدّر بفاء او واو او ثم نحو ائتني آتك فاحدّثَك فلك الجزم عطفاً و الرفع قطعاً و النصب بعد الفاء علي انّ الفاء للسببيّة مع ضعف نحو لولااخّرتنِ الي اجل قريب فأَصّدّقَ و اكن من الصالحين و في المعطوف بحسب العربية جاز الجزم عطفاً علي « فأصّدّق » لانه يمكن ان يجزم و النصب عطفاً [ص 198] علي اللفظ و نصب فأصّدّق علي سببية الفاء اي لان اصّدّق و صلوح هذا التقدير دليل كون الفاء سببيّة و منه قوله :
دعني فاذهبَ جانباً يوماً و اكفك جانباً
و يقال لمثل ذلك « المعطوف علي المتوهم » و نظيره :
بدا ليَ انّي لست مدرك ما مضي و لا سابقٍ شيئاً اذا كان جائياً
بجرّ سابق علي انه يمكن الباء في « مدرك » حالاً من لست و روي « سابقاً »
و كذا قد ينصب المعطوف بالواو حملاً علي الفاء نحو يا ليتنا نردّ و لانكذّبَ علي قراءة النصب اي و لأن لانكذّب
و قد يجزم بعد الامر المدلول عليه بالخبر نحو حسبك ينَمِ الناس او بالوصف نحو اتقي اللّه امرأ فعل خيراً يُثَبْ عليه و بعد الافعال غير المتصرفة نحو صَهْ تنجُ و بعد الامر المقدر نحو الاسد الاسد تنجُ
و ان نصبت بعد فاء السببيّة اشترط بعضهم التصريح بالامر و النهي نحو اضرب فتنجوَ و لاتضرب فتهلكَ بخلاف الجزم فانه لايشترط فيه التصريح بهما و يحتمل في المجزوم بعد امر القول ان يكون امراً حذف لامه كما اجاز بعض الكوفية حذف لام الامر نحو قل للذين آمنوا يغفروا اي ليغفروا و قل للذين آمنوا يقيموا الصلوة اي ليقيموا الصلوة و هو اولي لانّ القول لايكون سبباً لاقامة الصلوة و المغفرة كما قال و تخلف بعضهم .
في اسماء الاستفهام
و هي ايضاً من المبنيّات لانّ الاستفهام معني حرفيّ و الاسماء الدالّة علي الاستفهام [ص 199] لتضمنها المعني الحرفي استحقّت البناء و هي ما و مَنْ و كَمْ و كأيِّن و كيف و متٰي و اَيْنَ و اَيّانَ و اَنّٰي و مَهْمٰا و ذلك انّ الاستعلام اما يقع من ذات عاقل او غير عاقل و اما يقع من كمّها او كيفها او جهتها او رتبتها او وقتها او مكانها فوضع الواضع لذات العاقل مَنْ و لذات غير العاقل مٰا و للكمّ كم و كأَيّن و للكيف كيفَ و للجهة و الرتبة اَيّاً و ان كانت صالحة لغيرهما ايضاً و للوقت متٰي و ايّان و مهمٰا و للمكان اَيْنَ و اَنّٰي و ان كانت قد تأتي لغيره ايضاً .
و يشهد باسميّتها وقوعها مبتدأً و عود الكناية اليها و وقوعها مفعولاً و مجروراً بالحرف و صحة الابدال عنها بالاسم
امّا ما فتستعمل في السؤال عن غير العقلاء نحو ما صناعتك و ما صنعتك
و تستعمل غالباً في الاستفهام عن الصفات نحو يبَيّن لنا ما لونها و ما هذا الرجل فيقال عالم لانها لغير العقلاء اغلب فيصرف معناها الي الصفات و قد يسأل بها عن الذوات نحو الانسان ما هو و من هذا الباب « الماهيّة » و قد تأتي للتعظيم نحو الحاقّة ما الحاقّة و نحو يا سيّداً ما انت من سيّد ● و للتحقير نحو ما انت و ابيك و للانكار نحو ما ادريٰك ● ما يوم الدين و قد يدخل عليها حرف الجرّ فيحذف الفها غالباً نحو فيمَ انت من ذكريٰها و قد تثبت نحو :
علي ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرّغ في الرماد
و قد تركّب مع ذا فتكون بمعني ايّ شيء نحو ماذا تريد و قد يقصد بها الموصول اي ما الذي تريد و اذا ركّبت ثبتت الفها و لمتحذف
و امّا مَنْ فتستعمل في السؤال عن العقلاء نحو من هذا الذي هو مهين [ص 200] و قد تركّب مع ذا نحو منذا الذي دعاك فلمتجبه و لاتحذف نونها بدخول حرف الجرّ و ان استفهم بمَنْ عن مذكر عاقل و وقف عليها جاز لك حكاية الاعراب المذكور قبل فاذا قيل جاءني رجل قلت مَنو و اذا قيل رأيت رجلاً تقول مَنا و اذا قيل مررت برجل تقول مَني و كذا مَنانِ و مَنَيْنِ في رجلان و رجلين و مَنون و مَنٖين في رجال و كذا منه و منتانِ و منتينِ و منات في النساء و انما ذلك للاشعار بان المسؤل هو المذكور و يجوز في نون مَنْ عند الحاق التاء الفتح و السكون و يشترط في ذلك كونها سؤالاً عن نكرة و اما المعارف بعد ما و من فهي امّا اعلام و امّا غير اعلام
امّا غير الاعلام ففيها ثلثة اقوال احدها انه لا حكاية فيها و لا في من ان حذفت و ثانيها انّها تذكر محكية كالاعلام فاذا قيل رأيت اخا زيد قلت من اخا زيد و ثالثها انّها تحذف و تثبت العلامة في من كالنكرات
و امّا الاعلام ففيها قولان فاهل الحجاز يحكون العَلَم ان لميكن منعوتاً و لا مؤكّداً و لا مبدلا منه و لا معطوفاً عليه عطف بيان فانّ اعادة التوابع يغني عن حكاية الاعراب فتقول بعد رأيت زيداً الظريف ، من زيدٌ الظريفُ و اجيز الحكاية عند الوصف بالابن كقولك بعد رأيت زيدَ بن عليّ و من زيدَ بن عليّ بالنصب و استحسن بعضهم حكاية عطف النسق فجوّز من زيداً و عمراً بعد قولك لقيت زيداً و عمراً و لو دخل علي من حرف العطف لايجوز الحكاية فتقول و من زيد و فمن زيد بعد لقيت زيداً و يجوز حكاية اللقب و في الكنية خلاف و كذا اختلف في حكاية مثنّي العَلَم و مجموعه لزوال التعريف فعند الحكاية في ايّ حال مَنْ مبتدأ و ما بعده مرفوع المحل علي الخبريّة و اما بنوتميم فانّهم يرفعون ما بعد مَنْ [ص 201] علي قياس ساير الاسماء و يجوز عند السؤال عن نسبة المذكور ● ان تقول المَنيّ اي ما ذكرت منسوب الي من ؟ و هذا يثنّي و يجمع و يذكّر و يؤنّث علي طبق المذكور
و يجوز عند الكوفيين منو انت و منان انتما و منون انتم في غير حكاية و منه :
اتوا ناري فقلت منون انتم فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاماً ●
و اما كم فهي في السؤال عن العدد المبهم عند المتكلم و لما كان المعدود مبهماً احتاجت الي مميّز نحو كم عندك ديناراً و قد يحذف المميّز عند القرينة كما اذا جري ذكر الدينار او شوهد تقول كم عندك و مميزها منصوب مفرد كوسط الاعداد لابهام القلة و الكثرة نحو كم لك غلاماً و قد يجرّ اذا كانت كم مجرورة بحرف نحو علي كم جذع ● بني بيتك و بكم رجل مررت و قيل الجرّ بالاضافة و قيل بمِنْ مقدرة و الظاهر انه مجرور بمن مقدّرة و اجاز الكوفيون ان يكون مميّزها جمعاً
و تقع مرفوعة علي الابتداء او الخبريّة ان كان بعدها معرفة نحو كم مالُك و منصوبة بالفعل بعدها و ان كان مشغولاً بكناية ايضاً فانها بدل كما حققناه و جهة النصب علي حسب جهة المميز فمثل كم يوماً ضربت علي الظرفية و كم رجلاً ضربت علي المفعول به و كم ضربةً ضربت علي المفعول المطلق و كم كان مالك علي [ص 202] المعمولية لكان و كم ظننت مالَك علي كونه المفعول الثاني و مجرورةً بحرف سبقها و لا بدّ و ان يكون المميّز نكرة
و امّا كأَيِّن فهي بمعني « كم » نحو كأيّن تعدّ سورة الاحزاب اي كم تعدّ و مميّزها محذوف
و امّا كيف فقيل هي للسؤال عن حال الشيء و ليس كذلك فانه يصحّ ان يسأل بها عن صفة الصنع ايضاً و يقال كيف يحيي اللّه الموتي كما قال ارني كيف تحيي الموتي و هي اسم لانه يبدل الاسم عنها نحو كيف انت اصحيحٌ ام سقيمٌ و تقع حالاً ان كان بعدها ما يستغني به ● نحو كيف يقوم زيد فهي منصوب المحلّ حالاً و الا فهي خبر مقدّم نحو كيف زيدٌ و في مثل كيف اصبح زيد حال مقدّم و في مثل كيف تعلم زيداً مفعول ثان و لما كان الاستفهام بها عن النكرة ● يجاب عنها بالنكرة لا بمعرفة و شذّ دخول علي عليها نحو علي كيف تبيع الاحمرين و قيل قد يحذف الفاء منها و يكتفي بكي نحو :
او راعيان لبُعْرانٍ شردن لنا كي لايُحَسّٰان ( لايُحِسّٰان ) من بُعراننا اثراً ●
و امّا متي فهي للسؤال عن الزمان في الماضي و المستقبل نحو متي قال لك و متي تقول و متي نصر اللّه و هي منصوبة علي الظرفيّة اي في ايّ وقت
و امّا اين فللمكان نحو اين كنت فهي ايضاً منصوبة علي الظرفيّة اي في ايّ مكان كنت و هي مبنيّة علي الفتح فاذا سئل باين ينبغي الجواب بمكان معيّن
[ص 203] و اما اَيّانَ بفتح الهمزة و البناء علي الفتح فهي ايضاً سؤال عن الزمان و تختصّ بالامور العظام نحو ايّان مُرْسيٰها و ايّان يوم الدين و كسر همزتها لغة سليم و قيل بناؤها علي الكسر ايضاً لغة و تختص بالاستفهام في المستقبل بخلاف متي فانها تستعمل في الماضي و المستقبل
و امّا اَنّٰي بفتح الهمزة و شدّ النون فهي ايضاً لها معانٍ منها السؤال عن المكان نحو من اين عشرون لها من اَنّٰي و اَنّٰي لك هذا اي من اين و عن الكيف نحو اَنّٰي يؤفكون اي كيف يؤفكون و عن الوقت نحو فأتوا حرثَكم اَنّٰي شئتم علي وجه و لاتجيء بمعني « متي » و « كيف » الا و بعدها فعل
و اما مهما فهي بمعني « ما » نحو قوله :
مهما لي الليلة مهما ليه اودي بنعليّ و سرباليه ●
و يلحق بهذه الاسماء اَيُّ و ان كانت معربة فانه ليس موقع اليق بها من هنا فهي سؤال عن فرد من الافراد لا علي التعيين و لا بدّ و ان تجاب بفرد معين نحو اَيُّهم اخوك و اَيَّهم لقيت ففي الاول مبتدأ و في الثاني مفعول و الافصح استعمالها بلفظ واحد للمذكر و المؤنث نحو ايّ رجل جاء و ايّ امرأة جاءت قال اللّٰه تعالي فأيّ آيات اللّه تنكرون و بأيّ ارض تموت و قد يلحقها التاء في المؤنث كما قال اَيّةُ جاراتك تلك الموصية و قد تقع صفة فتطابق نحو مررت برجل ايّ رجل و بامرأة ايّة امرأة
و قد تتصرف فاذا قيل رأيت رجلاً قلت ايّاً يا فتي فتعرب و تنوّن اذا وصلت و تقف علي الالف فتقول اَيّٰا بالالف و اذا قيل مررت برجل قلت ايٍّ يا فتي بالجرّ [ص 204] و اذا قيل ضرب رجل قلت ايٌّ يا فتي تحكي كلامه في كل حال و اذا قيل بلفظ التثنية قلت اَيّٰانْ و اَيَّيْنْ و اذا قيل بلفظ الجمع قلت اَيُّونْ و ايّينْ بتسكين النون في الجميع و اذا قيل بلفظ المؤنّث قلت ايّة بالتنوين في الوصل و اَيَّه بالهاء في الوقف مع فتح الياء و كذا ايّتان و ايّتين و ايّات
و اختلفوا في الحركات اللاحقة لأيّ فقيل حركات حكاية و ايّ في موضع رفع بالابتداء و خبرها محذوف و هو عن البصريين و امّا الكوفيون فقالوا انّها حركات اعراب و الفعل محذوف بالقرينة و لايضرّ سبق المحذوف بتصدّرها و يجوز ان تصرّح بالفعل مؤخراً توكيداً
و ان اضيفت الي شيء فقد تحذف احدي يائيها و الياء و الهمزة من الشيء فيقال ايش و قد يدخل عليها الجارّ فيقال ليش و بيش و في غير هذه الصورة يقال لأيّ امر فعلت و بأيّة عين تنظرون اليّ .
في الموصولات
و هي كلمات مبهمة المعني كما قال علي عليه السلام « و اعلم يا اباالاسود انّ الاشياء ثلثة ظاهر و مضمر و شيء لا ظاهر و لا مضمر » الخبر ، و الموصولات منها فانّها ليست ظاهرة علي حدّ الاسماء الظاهرة كزيد و عمروٍ معينين علي الشخص و لا كرجل و امرأة معينين علي الجنس و لا مضمرة كالكنايات المستورة في الافعال و انّها هي ظاهرة الالفاظ اذ ينطق بها و مضمرة المعاني لابهامها و خفائها و لاجل ذلك الابهام ليست عندنا بمعرفة و لا تامّة المعاني فلايصح السكوت عليها و انما هي ناقصة تحتاج الي صفات فهي مع صفاتها تتمّ و تكمل و هما معاً بمنزلة المعرفة [ص 205] لأنها تكتسب التعرف من صفاتها و تسمّي صفاتها عند الجمهور بالصلة لانها عطيّة اعطيت تلك الكلمات و هي موصولة بتلك الصلات و العطايا و تلك الصلات صفات علي الاصح لتلك الكلمات و لمتوصف المعرفة بالجملة حتي يمنعوا منه فانها مبهمة يقيناً و المبهم نكرة و سبب بنائها نقصان معانيها و عدم تماميتها الا بوصف كالحروف المحتاجة الي غير في تمام معانيها و في الحقيقة هي مع صفاتها كلمة تامة و قلنا بانّها اسماء لأن الفعل و الحرف لايوصفان و هي توصف و انما وضعت هذه الالفاظ لأن المتكلم مهما اراد ان يعبّر عن الذات عبّر بالاسم و مهما اراد ان يعبّر عن حركة الذات عبّر بالفعل فاراد الواضع وضع لفظ اذا اراد المتكلم التعبير عن الذات الظاهرة في الصفات مقرونة بالصفات يعبّر به فوضع الموصولات لاجل ذلك و كما يكون المقصود الذات المقرونة بالصفات لاتتم الفاظها ايضاً الا بالصفات فتقول رأيت الذي ضربَكَ فلو كنت تريد ذات زيد كنت تقول رأيت زيداً و لو كنت تريد فعل زيد كنت تقول رأيت ضَرْبَ زيد و لكنك تريد ذاتاً اتصفت بالضرب فتقول رأيت الذي ضربك و لذلك يكون معناه رأيت ضاربك الا انّ للابهام اولاً و التوضيح ثانياً وقعاً آخر في نفس المخاطب فلاجل ذلك تبهم اوّلاً و تقول رأيت الذي حتي يشتاق المستمع الي معرفته ثم توضحه و تقول ضربك فيعرفه بعد طلب النفس و يؤثر فيها اثراً آخر و لاجل ذلك يجب ان يكون الموصول مجهولاً عند المخاطب و الصلة معروفة و هي مع صلاتها معاً في حكم كلمة معرفة و ليس كتوصيف نكرة بنكرة حيث لايفيدها تعريفاً بل تخصيصاً فانّ المستمع لايعرف النكرتين و يعرف الموصول مع الصلة فافهم و في هذا الفصل نحتاج الي رسم عنوانات لايضاح انواع المطالب :
الأول - في الكلام علي نفس الكلمات اعلم ان الاسماء الموصولة علي [ص 206] نوعين قسم نصّ في الموصولية و هي كلمات :
و عدّوا منها الّذي للمذكر و الّتي للمؤنث و لكن قد يجيء الذي مصدريّة كما يأتي ماء مصدرية كقوله تعالي و خُضْتم كالذي خاضوا اي كخوضهم و منه قول عليّ عليه السلام نزلت انفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء اي كنزول النفس التي في الرخاء فليس الذي بنصّ في الموصولية الاسمية و قيل قد يأتي للجمع و استشهد بقوله تعالي كمثَل الذي استوقد ناراً فلما اضاءت ما حوله ذهب اللّه بنورهم و بقول الشاعر :
و انّ الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كلّ القوم يا امّخالد ●
و لو قيل في الآية انّ الذي في الدلالة علي المفرد و الجمع كمن و لذلك يصحّ ارجاع الكناية المفردة اليها للفظها و ارجاع الكناية المجموعة لمعناها لكان حسناً و مثله الذي جاء بالصدق و صدّق به اولئك هم المفلحون و كذلك في الشعر و في اَلَّذٖي و اَلَّتٖي لغات : اَلَّذٖيّ و اَلَّتٖيّ بتشديد الياء فاذا شدّد كل واحدة فمنهم من قال انه مبنيّ علي الكسر و منهم من قال انه مبنيّ علي الضم و منهم من اعربه و الشاهد مع البناء علي الكسر قوله :
و ليس المال فاعلمه بمالٍ و ان اغناك الّا للّذيّ
ينال به العلاء و يصطفيه لاقرب اقربيه و للصفيّ
و اَللَّذ و اَللَّتِ نحو :
و اللّذِ لو شاء لكنت صخراً او جبلاً اصمّ مشمخرّاً ● [ص 207]
و نحو :
فقل لللت تلومك انّ نفسي اريٰها لاتعوّد ( لاتعوّذ ظ ) بالتميم
و اذا حذفت الياء فما قبلها اما يكسر او يسكن
و اللغة الفصحي ما جري عليه التنزيل للمنزّه عن الذكورة و الانوثة الحمد للّه الذي صدقنا وعده و للمذكر الذي قال لوالديه اُفٍّ لكما و هذا يومكم الذي كنتم توعدون و للمؤنث قد سمع اللّه قول التي تجادلك و ما وَلّيٰهم عن قبلتهم التي كانوا عليها
و منها اَللَّذٰانِ و اَللَّتٰانِ لتثنيتهما بالالف رفعاً و بالياء نصباً و جرّاً نحو جاء اللذان قاما و اللتان قامتا و رأيت اللّذَيْنِ قاما و اللّتَيْنِ قامتا و مررت باللّذَيْنِ قاما و اللّتَيْنِ قامتا و كأنهما تثنية اللذ و اللت و من العرب من يشدّد نونهما رفعاً و نصباً و جرّاً علي حكاية الكوفيين و البصريون زعموا ان التشديد مخصوص بحالة الرفع و يؤيد قول الكوفيين ربّنا اَرِنا اللذينِّ بتشديد النون في السبع كما قرء و اللذانّ يأتيانها منكم بالتشديد و من العرب من يحذف نونهما في حالة الرفع نحو :
ابنيكليبٍ انّ عَمَّيَ اللذا قتلا الملوك و فَكَّكَا الاغلالا
و قال آخرهم :