و ان نصبت فمنهم من قال انه علي التشبيه بالمفعول في المعرفة و علي التمييز في النكرة و ذلك عن البصريين و منهم من قال علي التمييز في الجميع و هو عن الكوفيين لانهم يجوّزون المعرفة في التمييز و الحق معهم لقوله تعالي سَفِهَ نفسَه ● و منع البصريون بانه يكتفي بالنكرة فالتعريف لغو عندهم فانه ● قد يكون الشيء مبهماً فيميز بفرد من جنس لانه هو المراد بالمبهم و قد يميز بالجنس لانه المراد لا الفرد الخاص نحو اَلِمَ بطنَه و وَفق امرَه و رَشَد امرَه ● و من هذا الباب الحسن الوجه و حسن الوجهَ بالنصب فانهما تمييزان لابهام الحسن و في الصفة ضمير مستكنّ ● يعود الي الموصوف للربط و لان يكون فاعلاً لها و كذا الحسن وجهاً و حسن وجهاً هذا و التشبيه بالمفعول كلام قشري لا معني له و الشباهات اللفظية لا فائدة فيها ما لم‌يكن شباهة معنوية و لكنّهم لايأبون عن امثال هذه الاستدلالات الواهية حتي انهم يتمسكون لسرّ عمل الصفة بموازنته مع المضارع موازنة عروضيّة ● بالجملة النصب علي التمييز و لايتقدم عليها

و ان جرّت فبالاضافة و قيل لاتفيدها تعريفاً لانها لفظية و الحق انها [ص 140] تفيد كما يأتي و لا اضافة لفظية نحو زيد حسن الوجهِ و الرابط في المضاف و المضاف اليه عند الكوفيين حرف التعريف و له وجه فانه فيه معني الاشارة

و قد قسّمها القوم تقسيمات لا فائدة في تعدادها غير تحير خاطر المبتدي فمنهم من قسّمها ثماني‌عشرة و منهم من قسّمها ستّاً و ثلثين و منهم من بلغ به الفراغ الي ان عدّ منها اربعة‌عشرالف صورة و مأتين و ستّاً و خمسين صورة و ليس فيه فضل اذ يمكن العدّ الي غير النهاية ثم عدّوا من ذلك بعضها ممتنعاً و بعضها قبيحاً و ضعيفاً و حسناً و احسن و عدّوا لكل واحد اعداداً زاد تعدادها في اشكال ضبطها و كلما كان امثال هذه الامور اخصر فهو اسهل فنقول ان الصفة المحلاة باللام مضافة الي المعمول ذي الكناية او المجرد نحو الحسن وجهِه و ما يتبعه و الحسن وجهٍ و ما يتبعه ممتنعة لان المحلي باللام لايجوز اضافته الا الي مثله كالضارب الرجلِ و اما البواقي فما كان فيه كناية واحدة فهو احسن و ما كان فيه كنايتان فهو حسن و ادون من الاول بدرجة لان الكناية الاخري فضل و ما لم‌يكن فيه كناية قبيح و انت تعلم ان مع الرفع لا كناية في الصفة ● و مع غيره فيها كناية للفاعل فمثال ما فيه كناية واحدة او بدلها كالحسن الوجه ● بالرفع و بالنصب مثلاً و كذا الحسن وجه الاب و ما فيه كنايتان كالحسن وجهَه ● بالنصب مثلاً و ما لم‌يكن فيه كناية الحسن وجهٌ ● بالرفع مثلاً و اعلم انه اذا كان السبب مرتبطاً ارتباطاً [ص 141] يكون به صفته صفة المسبب حسن حذف كناية من السبب و اضمارها في الصفة لترجع الي المسبب حتي يتصف بها نحو زيدٌ ابيض اللحيةِ ● بالجرّ اي شيخ و يلحق بذلك اذا كان الاتصاف بها ظاهراً كناية عن صفة واقعية نحو زيد كثير رمادِ البيت بالجرّ اي مضياف و اما ما سوي هذين فيقبح جداً نحو زيد احمر الثورِ و زيد اسود غلامِ الاب بالجرّ فيهما و يجوز الاكتفاء بالضمير المستتر في الصفة و حذف السببي نحو زيد حسن و يجوز تقديم المجرور و الظرف المعتمدين عليها عليها ● نحو زيدٌ بك فرحٌ و عندك حزين و اذا عطف علي معمولها لايراعي له محل اذ لا محل له حقيقة فان المنصوب عندنا تمييز و المجرور مضاف اليه و الفاعل مستتر

و قيل انها لاتعمل محذوفة و هو ادعاء علم الغيب فانه اذا قيل زيد طيّب من ايّ حيث و قلت خُلقاً فمعناه طيّب خلقاً

و قيل لايفصل بينها و بين معمولها بظرف او مجرور عند الجمهور و هو مؤذن بجوازه عند بعض و لعله الاصوب اذ لا محظور في قولك زيد مسرور في الدار قلبه او فرحان بالولد قلبه و كذا في حال النصب علي انه تمييز و في الظروف و المجرورات توسعة .

[ص 142] فصل

في اسم التفضيل

و هو كلمة تشتقّ من المصدر تدل علي اثبات الحدث لموصوف قام به ذلك الحدث او ظهر به بزيادة علي غيره و قياسه ان يصاغ من كل مصدر ثلاثي متصرف تام مثبت قابل للتفاضل مبنيّ فعله للفاعل لايكون الوصف منه علي افعل فَعْلٰاء و يصاغ ايضاً من الاِفعال فلايبني من الاستخراج مثلاً و لا من ليس و عسي و لا من كان و لا من نبس و عاج ● و لا من الموت و الطلوع و الغروب مثلاً و لا من ضَرْبٍ اُشتقّ من ضُرِبَ مبنيّاً للمفعول و لا من الحمرة و الصفرة و العمي و العرج و قد جاء فلانٌ اعطي القوم للمال و اولاهم للمعروف و اكرَمُ لي منه و ما جاء علي خلاف ذلك حمل علي الشذوذ نحو احنك الشاتين ● و هذا الكلام اخصر ● و ازهي من ديك ● و اشغل من ذات النَّحْيين ● و اعني بحاجتك و هذه الثلثة من المبني للمفعول و حكي زهٰي يزهو و عَنِي كرضي و علي هذا لا شذوذ و اما آبل ● و افرس ● فهما من اَبَلَ يَأْبِلُ و فَرُسَ يفرُس فهما علي القياس و اجاز الكوفيون الابيض و الاسود نحو ابيض من اختِ بني اباض و لأَنت اسود في عيني من الظُلَم و يأتي كثيراً ما من العيوب الباطنة و ان كان وصفها علي وزن افعل فعلاء نحو فلانٌ احمق من فلان [ص 143] و فلانٌ اجهل و فلانٌ اعمي اذا اريد منه عمي القلب و ابلد ● و ارعن ● و اهوج ● و اخرق ● و الدّ ● و اشكس ● و اغبٰي ● و اعجم ● و انوك ●

فاذا اريد التفضيل من غير ما ذكرناه استعين ببعض الافاعل الواردة ثم يؤتي بالمصدر المطلوب بعده نحو هو اشدّ استخراجاً و سواداً و عرجاً من فلان و هكذا

و قياسه للفاعل و قد يأتي للمفعول نحو اعذر ● و اَلْوَم و اشغل و اشهر

و صيغته اَفْعَل للمذكر و فُعْلٰي بضم الفاء للمؤنث نحو افضل و فُضْلٰي و قد يحذف الهمزة لكثرة الاستعمال نحو خير و شرّ ● و قد يستعملان علي الاصل

و قد يبني علي هذا الوزن بناء لغير تفهيم الزيادة بل لمطلق اثبات الصفة نحو ما عند اللّه خيرٌ و ابقي و نحو و هو اهون عليه و اذلك خيرٌ نُزُلاً ام شجرة الزّقّوم و منه اللّه اكبر في وجه ، هذا اذا جرّد عن من و هذا سماعيّ عند قوم و قياسيّ عند آخرين و منه قول الشاعر :

نتجتم يا آل زيد نفراً أَلأَم قومٍ اصغراً و اكبراً 

و نحو ملوكٌ عظامٌ من ملوك اعاظم و اما اذا كان معها ● فقد يكون لمطلق البينونة نحو انت اجلّ من الشعر و اكرم من الهجاء و اعزّ عليّ من ان اوذيك و منه لان اصوم يوماً من شعبان احبّ اليّ من ان افطر يوماً من رمضان و دعاء علي عليه السلام اللهم [ص 144] ابدلني بهم خيراً منهم و ابدلهم بي شرّاً منّي

و الاصل في استعماله ان يكون مع مِن الابتدائية الداخلة علي المفضل عليه اذ هما اي المفضَّل و المفضَّل عليه مشتركان في الصفة فاضلان مثلاً و ابتداء الزيادة من لدن المفضّل عليه الي ما شاء اللّٰه فالفاعل لمقام اشتراكهما و الافعل لمقام تفرد المفضل عن المفضّل عليه و قد تحذف مِن للقرينة او الوضوح نحو اللّه اكبر اي من ان يوصف و يكثر ذلك اذا كان خبراً نحو و الآخرة خيرٌ و ابقي و يقلّ اذا كان صفة او حالاً نحو :

تروّحي ● اجدر ان تقيلي ●  غداً بجنبَيْ بارد ظليل ●

و نحو :

دنوت و قد خلناك كالبدر اجملاً ●  فظلّ فؤادي في هواك مضلّلاً ●

و يجب ان يليه مِن اذا كان مجرداً عن ال و الاضافة و عُدم القرينة و قد يفصل بينهما معموله نحو :

فانّا رأينا العِرض احوج ساعة الي الصون من ريط ● يمان مسهّم ●

و قد يفصل بينهما بلو نحو هي احسن لو انصفت من الشمس

و قد تتقدم عليه في الشعر نحو :

اذا سايرت اسماء يوماً ظعينَةً ●  فاسماء من تلك الظعينة املح [ص 145] 

و يلزم ذلك اذا كان المفضول اسم استفهام نحو مِمَّن زيدٌ اعلم او مضافاً اليه نحو من غلام ايّهم اكرم انت

و قد يجرّد من مِنْ و يضاف فيمكن ان يكون بعض المضاف اليه هو المفضّل عليه نحو محمدٌ افضل بني آدم و هو من بني آدم فهو افضل ممن سواه اي في بني آدم فاضل و افضل و هو افضل بني آدم لا فاضلهم ليساوي بغيره و ان يكون المفضّل عليه غير المضاف اليه نحو محمدٌ افضلُ قريشٍ اي من ساير الانبياء يعني ليس ساير قريش افضل من الانبياء و محمد افضل قريش من ساير الانبياء و المجرور بمِنْ محذوف في الاحتمالين

و قد يجرّد عن الاضافة ايضاً فيحلّي باللام نحو زيدٌ الافضل فالالف و اللام للعهد يعني الافضل الذي سمعته هو زيد و مِنْ و مجرورها محذوفان ايضاً فان المراد زيدٌ الافضل من غيره و قد يظهر نحو :

و لستَ بالاكثر منهم حصاً ●  و انما العزّة ● للكاثر 

و نحو :

ورثت مهلهلاً و الخيرَ منه زُهَيراً نعم ذخر الذاخرينا 

فاذا كان افعل مقروناً بمِنْ او مضافاً الي نكرة يجب افراده و تذكيره في المقامات الخمسة نحو :

زيد افضل من عمروٍ و هندٌ افضل من سعاد و هما افضل و هم افضل و هنّ افضل قال اللّٰه تعالي ليوسفُ و اخوه اَحَبُّ الي ابينا منّا و قال ان كان آباؤُكم و ابناؤُكم الي ان قال احبّ اليكم من اللّه و رسوله و كذا زيد افضل رجل و هند افضل امرأة [ص 146] لاشتراكهما ● في التنكير

و في المضاف اليه قولان المطابقة للموصوف نحو انتما افضل رجلين و انتم افضل رجالٍ و الافراد في كل حال نحو انتما افضل رجلٍ و انتم افضل رجلٍ و يؤيد ● هؤلاء قوله تعالي و لاتكونوا اول كافر به

و ان كان مضافاً و قصد منه الزيادة الخاصة ● و اضيف الي معرفة ففيه الوجهان الافراد و التذكير و المطابقة نحو لتجدنّهم احرصَ الناسِ و هم اراذلنا بادي الرأي

و ان قصد به الزيادة المطلقة لا من المضاف اليه او كان معرّفاً باللام فيجب فيه المطابقة في الخمس ● نحو هو افضل و هما افضلان و هم افضلون و هي فضلي و هما فضليان و هنّ فضليات و كذلك اذا كان معرّفاً ●

و اختلفوا في كلمة اَوَّل فعن البصريين انه صيغة افعل ثم اختلفوا اختلافاً فاحشاً فهم بين قائل انه من تركيب وُوْل كدون و قائل ان اصله اَوْاَل من « وأل » بمعني نجا لان النجاة في السبق و عنده اُوْلٰي اصله و « وءلي » بدّلت الواو همزة كوجوه و الهمزة واواً كاؤمن و قائل ان اصله ااول من « آل » اذا رجع لانّ كل شيء يرجع الي اوله فهو افعل بمعني المفعول و الكل كما تري و عن الكوفيين هو فوعل فهم بين قائل انه من وَأَلَ فقدّم و اخر و قائل انه من تركيب « ووّل » فقلبت [ص 147] الاولي همزة كاواصل جمع واصل و الاسدّ انه افعل فانك تقول اوّل اُوْلٰي كاكبر كبري و تجمع اوّل علي اَوَّلٖينَ و الاُوْلٰي علي الاُوْليات و الاُوَل و اصله « اوأل » فقلبت الهمزة الوسطانية واواً للتخفيف و تجمعه علي اوائل كافضل و افاضل و يستعمل استعمال اَفْعَل من كونه صفة للخمس بلفظ واحد و يقال الاول و اَوَّلُ القوم و اَوَّلُ من القوم و لاينصرف و ينتصب منه الحال و التمييز نحو انت الاَوَّل عالماً و علماً و اوّل القوم ايماناً و جميع ذلك من علائم كونه افعل و قيل قد يدخله التنوين لخفاء المبدء فيه نحو احمده اوّلاً و ماتركت له اولاً و لا آخراً اما قولهم احمده اولاً فلم‌يثبت و اما ماتركت له اولاً و آخراً فهما منسلخان عن الوصفية و اسمان لا وصفان و ذلك انه اذا قطع عن الاضافة و لم‌يك محلّيً باللام يبني علي الضمّ و يجري مجري الغايات كقبلُ و بعدُ نحو :

لعمرك ماادري و اني لاوجل ●  علي ايّنا تغدو المنيّة اوّلُ 

و يقال مالقيته مذ عام اوّلُ برفع اول صفة للعام و قد يفتح ظرفاً و قال في المعيار : « اذا جعلته صفة لم‌تصرفه تقول لقيته عاماً اوّلَ و اذا لم‌تجعله صفة صرفته فتقول لقيته عاماً اولاً و قال بعضهم و لاتقل عام الاول و اذا قلت ابدأ بهذا اوّلُ ضممته علي الغاية نحو آلآن و قد عصيت قبل و ان اظهرت المحذوف نصبته و قلت ابدء به اوّلَ فعلك كما تقول قبلَ فعلك و تقول مارأيته مُذْ اَمسِ فان لم‌تره مذ يومين تقول مارأيته مذ اوّلُ بالرفع من امسِ و ان لم‌تره مذ يومين قبل امس تقول مذ اوّلُ من اوّلَ من امسِ برفع اول و بنصب من اوّلَ و بجرّ من امس و لاتجاوز ذلك »

و اما الآخَر فقد انمحي عن التفضيل بالكلية و يستعمل باللام و مجرداً و يؤنث و يثني و يجمع

[ص 148] و من باب افعل الدُّنْيا و الجُلّي و قد تجرّدان عن معني التفضيل فتستعمل الدنيا للعاجلة و الجلّي للداهية فتجرّدان عن اللام و الاضافة كقوله :

يوماً تري النفوسُ ما اَعَدّت في سعي دنيا طال ما قد مُدّت 

و كقوله :

و ان دعوتِ الي جُلّي و مكرُمة يوماً سراةَ ● كِرام الناس فادعينا 

و اما الحُسني نحو و صدّق بالحُسني و السوۤأٰي فهما مصدران كبشري قال الشاعر :

و لايجزون من حسن بسوأٰي و لايجزون من غِلَظٍ بلينٍ .

تنبيه - لما كان افعل مشتقّاً من المصدر المشتقّ من الفعل و كان فيه مسحة من الفعل يعمل عمل الفعل فيقتضي فاعلاً سواء كان للفاعل او للمفعول فقولك زيد افضل من عمرو يكون الفاعل هو الضمير المستتر في افضل الراجع الي زيد و قولك زيد اشهر من عمرو فالضمير هو الفاعل

و هل يرفع الظاهر ام لا فعن ناس من العرب رفعه للظاهر مطلقاً نحو مررت برجل افضل منه ابوه فابوه فاعله و خير منه عمله فعمله فاعله و عن الجمهور انه لايرفع الا اذا كان صفة لاسم جنس و سبقه نفي و كان مرفوعه اجنبياً غير متلبّس بضمير الموصوف به مفضّلاً علي نفسه باعتبارين مختلفين نحو مارأيت رجلاً احسن في عينه الكحل منه في عين زيد فاحسن افعل تفضيل صفة لرجل و هو اسم جنس مسبوق بنفي و مرفوعه الكحل و هو الاجنبي و الكحل مفضّل علي نفسه باعتبار المحلّين و قد عرفت جواز اعماله من غير هذه التكلفات

و قد يتعدي الي المفعول بما يتعدي به فعله او يصل به ● نحو هو اعطي [ص 149] للدرهم من غيره و هو اعلم بكم اذ انشأكم و هو اعلم بمن ضلّ عن سبيله و انا اَمَرُّ منك بزيد و ما قالوا انه لا مفعول له و ان وجد فهو بتقدير فعل فمعني قوله هو اعلم بكم هو اعلم من غيره يعلم بكم بديهي البطلان فانه لايجوز تقدير ما لايقصد في الكلام و ليس التقدير بامر طبيعي لايحتاج الي ارادة و كل احد يعلم من نفسه انه لايريد بهذا القول هذا المعني فافعل يعمل في المفعول و يصل اليه بحرف و من هذا الباب قول الشاعر :

اكرّ و احمي للحقيقة منهم و اضرب منّا بالسيوف القوانسا ●

و يصل الي اول مفعولي باب كسوت و علمت ● باللام و ينصب الثاني نحو زيدٌ اكسٰي منك لعمروٍ الثيابَ و اعلم منك لزيد منطلقاً و الذي يفهم منه الحبّ و البغض يصل بالي نحو هذا احبّ اليّ منك و فلان ابغض اليّ منك

و قد ينصب الظرف او الحال او التمييز نحو زيد احسن منك اليومَ راكباً و احسن منك وجهاً قال اللّٰه تعالي انا اكثر منك مالاً و اعزّ نفراً .

فصل

قيل و من الاسماء العاملة الظروف المستقرة ● و الجارّ و المجرور فانهما لشدة افتقارهما الي الفعل و اتصالهما به صارا يعملان عمل الفعل و يقتضيان فاعلاً نحو قل كفي باللّه شهيداً بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب فعلم الكتاب مرفوع بالفاعلية و نحو افي اللّه شكٌّ و في يوم الجمعة سعادةٌ و في يوم الاربعاء نحوسةٌ [ص 150] و هكذا امثال ذلك فهما في حكم الفعل اللازم و البصريون جوّزوا اعمالهما اذا كانا معتمدين علي نفي او استفهام يقوّي بهما جانب الفعلية نحو افي الدّار زيدٌ و ما في الدّار زيد و لكنّ الكوفيين جوّزوا ذلك و ان لم‌يعتمدا كما مرّ في اسم الفاعل و الحق ان العامل هو المتعلَّق المحذوف و الذي يقول بعملهما ايضاً يقول باحتوائهما علي معني الفعل فالعامل هو الفعل حقيقة و هما كما لايعملان مع متعلّق ظاهر لايعملان اذ لا متعلّق ظاهراً نعم هما ملازمان لمتعلّق دائماً فان نسبت اليهما العمل من باب مجاز الاقتران فلا بأس و انما قلنا ذلك لانهما ليسا بمشتقين من الفعل حتي يكون فيهما عِرقه و انما القي عليهما ظلّ الفعل بالاقتران فان كان ذو الظلّ موجوداً فهو اولي بالعمل و الا فلا ظلّ حتي يعمل و كذلك قلنا انهما لايقعان خبراً فان الخبر هو المبتدأ و هما لايصيران مبتدءً فالخبر متعلَّقهما اي الوصف المقدّر ● فتدبّر .

فصل

من الاسماء العاملة عمل الفعل المنسوب فانه بمعني اسم المفعول حقيقة كالتميميّ فانه بمعني المنسوب الي التميم و القرشيّ بمعني المنسوب الي القريش فهو ايضاً يعمل عمل المفعول الذي لم‌يقصد منه الحدوث فهو يعمل عمل الصفة المشبهة فهو اما محلّي باللام او مجرّد عنها و معموله اما محلّي باللام او مضاف او مجرّد و اما يرفع معموله علي الفاعلية او ينصب علي التمييز او يجرّ علي الاضافة كما مرّ في الصفة المشبهة حرفاً بحرف تقول رأيت زيداً القرشيّ الابُ بالرفع علي انه فاعل له اي رأيت زيداً الذي ينسب الي القريش ابوه او الابَ بالنصب علي التمييز و الفاعل [ص 151] مستتر فيه اي قرشيّ هو من حيث الاب او القرشيّ الابِ بالاضافة و الفاعل مستتر في المضاف و المضاف اليه علي الصحيح و انهما بمنزلة كلمة واحدة اي قرشيّ الاب هو و علي هذه فقس البواقي كما مرّ في فصل الصفة المشبهة .

المقصد الثاني

في المبنيّات و ما يتعلق بها او يلحق و فيه مقدمة و عشرة فصول :

المقدمة - في بعض ما ينبغي تقديمه هنا

اعلم انه من خواص كلام العرب اختلاف اواخر اكثر كلماتهم و ليس هذه الخاصة في ساير اللغات التي اطلعنا عليها الا في بعض الكلمات و انما ذلك لسعة كلام العرب و افصاحه عن جميع اصول ما في النفس و فضوله و جواهره و اعراضه و بذلك سمّوا بالعرب و سمّي من سواهم بالعجم و ذلك ان العرب مصدر عرب عرباً كفرح فرحاً بمعني فصح و اعرب اي افصح و العجمة لكنة و عدم فصاحة في اللسان و الاعجم الالكن فسمّوا من سواهم بالعجم لعدم فصاحتهم و من خواص كلامهم جريه علي الطبيعة المستقيمة و علي نهج الحكمة و الصواب و المناسبات الكاملة فلما كان في الواقع صنع و مصنوع و فعل و مفعول و وضع الواضع تعالي قدره الفاظاً للمعاني الفعلية الاحداثية و الفاظاً للذوات من حيث هي سمّي الالفاظ الاُوَل بالافعال و هي الدالة علي حركة المسمّي و الالفاظ الاُخَر بالاسماء و هي الدالة علي المسمّي فالاصل في الافعال ان تكون مبنية لانه لايجري عليها ما هي اجرته و لايعود فيها ما هي ابدته و الاصل في الاسماء الاعراب اي المطاوعة لفعل الفاعل و ان تجري حيثما يجريها و تتحرك اذا حرّكها لانها الفاظ دالة علي الذوات المخلوقة بالافعال فلما خلق اللّٰه الذوات حدث بينها في رتبتها و بين الافعال نسب عرضية لم‌تكن قائمة [ص 152] بذاتها و لم‌تخلق لذاتها و انما كانت قائمة بالاسماء و الافعال محتاجة اليهما موجودة بوجودهما معتبرة باعتبارهما فوضع الواضع علت حكمته الفاظاً لتلك النسب و الاعراض و هي الحروف فليست معناها بحركة و لا ذات و انما هو نسبة بين موجودين الاتري في قولك سرت من البصرة الي الكوفة ان الموجود في الخارج سيرك و البصرة و الكوفة و اما الابتداء و الانتهاء فنسبة سيرك اليهما و ليس بامر مستقل فلو سرت من الكوفة الي البصرة انعكس الامر و الموجود في الخارج علي حاله و هذه النسب كثيرة تأتي ان شاء اللّٰه في المقالة الثالثة مفصلة و نشير هنا انها كالاستفهام و النفي و التمنّي و الترجّي و الابتداء و الانتهاء و التنبيه و التشبيه و الشرط و امثال ذلك فهذه الحروف لنقصانها خفي فيها سرّ المطاوعة لصنع الصانع و تدبير المدبّر فبذلك لم‌تختلف اواخرها بعمل العوامل و لم‌تختلف حالاتها فصارت مبنيّة و بقيت علي ما بناها بانيها و وضعها واضعها عليها يوم اول فهي مبنيّة هكذا و لكنها مُعربة في الواقع تقديراً لان ما لايطاوِع لايُخْلَق و ليس بناء هذا الكتاب علي تحقيق هذه الامور علي نهج الحكمة و الا لكنت آذن للقلم بجولان و من رام شيئاً من ذلك فليراجع ساير كتبنا ليفهم و انما الغرض هنا الاشارة

فالمبنيّ علي قسمين مبنيّ لاستعلائه عن ان يجري عليه ما هو اجراه و هو الفعل و مبنيّ خفي فيه تأثير العامل لخساسته و عدم مطاوعته ظاهراً و هو الحروف

فالاسماء ان قامت مقام الفعل المبنيّ و دلّت علي مدلوله بنيت للمماثلة و المشابهة و لم‌يُبن ساير الصفات العاملة لانها كما تشابه الماضي تشابه المضارع و هو معرب فلم‌تؤثّر فيه هذه الشباهة و لغلبة خصال الاسماء و خواصّها عليها فكانت الشباهة بالفعل المقتضية للبناء مغلوبة و الحكم و التأثير ابداً للغالب

[ص 153] و ان شابهت الحروف في عدم الاستقلال و الحاجة الي فعل او اسم آخر مستقل بنيت كالحروف و لااري الشبه الوضعي شيئاً بل العبرة بالشبه المعنوي و منه ● الافتقاري ● و الاهمالي ● و ما بعد منها عن شباهة الفعل و الحرف كان معرباً و ان تعادل الشباهة باحد الطرفين مع خواص الاسمية اثّر كل بعض تأثير كغير المنصرف كما يأتي ان شاء اللّٰه

فالاسم المعرب يسمّي متمكناً لتمكنه في باب الاسمية او لتمكنه من الاعراب او لتمكنه عند النحاة اي عظمه فان كان منصرفاً سمّي امكن و الا فغير امكن من مكُن كضخم اي عظم فالمنصرف عندهم اعظم لان المعرب اعظم عندهم من المبني و المنصرف اعظم من غير المنصرف و الحق انّ البناء ان كان من شبه الفعل فالبناء اشرف و ان كان من شبه الحرف فالاعراب اشرف بالجملة لسنا بصدد هذه الامور و المعرب ما يتغيّر آخره بسبب العوامل المختلفة المستولية عليه

و ذهب قوم الي ان المضاف الي ياء المتكلم لا معرب و لا مبنيّ و انما هو خصيّ نظراً الي عدم تغيّره في الظاهر و ليس بشيء فانه معرب في الواقع و انما كسر آخره لمناسبة الياء

و يسمّي المبني عندهم بغير المتمكن و هو عشرة انواع :

الاشارات و الكنايات فانها لمعان غير مستقلة حرفية

و كذا اسم الشرط و الاستفهام فانهما لمعان حرفية

[ص 154] و كذا الموصولات فانها لاتتمّ معانيها الا بصلاتها و ليست مستقلة بانفسها

و الظروف فانها لمعان اضافية نسبيّة لاتستقل الا مع غير

و المبهمات فانها لابهامها لاتفيد شيئاً و تحتاج الي الفاظ مفسّرة غيرها و الا لم‌تفد شيئاً و لا حاصل في التلفظ بها

و المركبات فرُوعِيَ فيها حاجة كل جزء الي الآخر و عدم افادته معني مستقلاً مراداً بدون الآخر

و اما الحكايات فانها من باب صدق الحكاية علي ما كان المحكيّ عليه و هي ملحقة بالمبنيّات فكأنها مبنية في كلام الحاكي حيث يحكيها ابداً علي حالها

و الاصوات فانها كالحروف في عدم افادتها معني مستقلاً و لايمكن تركيب كلام منها

و اما الاعداد فهي عند العدّ و السرد كلمات غير مرتبطة تشاكل الحروف في عدم ارتباط بعضها ببعض و الفعل في عدم كون عامل لها و الا فهي معربة في غير ذلك الحال فهذه عشرة مطالب نذكر كل واحد في تلو فصل ان شاء اللّٰه و نشير بعد ذلك ان شاء اللّٰه الي بعض ما سمع مبنيّاً و هي كالنوادر عن الابواب السابقة .

فصل

في اسماء الاشارة

اعلم ان اصل الاشارة كما قدّمنا الاشارة اليه معني حرفيّ اقترانيّ و ليست بشيء مستقل يستدعي وضع لفظ له لذاته فلاجل ذلك صارت الاسماء الموضوعة لها علي صفة الحروف مبنيّة و ساقنا الي القول بانّها اسماؤ كونها في عالم الالفاظ خلفاء المشار اليها حقيقة و لجريان خواص الاسماء عليها و هي علي قسمين قسم [ص 155] منها يسمّي بالكنايات عند الكوفيين و الضماير عند البصريين و قسم منها خصّ باسم الاشارات و هما معاً من نوع الاشارة حقيقة كما روي في هو الهاء لتثبيت الثابت و الواو اشارة الي الغائب عن درك الحواسّ ، و يمكن الفرق بان يقال انّ اسماء الاشارة ما وضعت لمشار اليه حاضر غير المخاطب بخلاف الكنايات فانّ حاضرها اشارة الي المخاطب فبالاشارة ● تشير الي حاضر لغيره ● و بالكناية تشير الي حاضر او غيره لنفسه ●

بالجملة نذكر في هذا الفصل احكام اسماء الاشارة فنقول ان المشار اليه اما مذكر او مؤنث و كل منهما اما مفرد او مثنّي او مجموع فهذه ستة و كلّ منها اما قريب او متوسط او بعيد فهذه ثمانية‌عشر

فتشير الي المفرد المذكر باربعة ذا بالالف الساكنة و الالف فيها زائدة وفاقاً للكوفيين و خلافاً للبصريين و يؤيدهم الحاق الالف و النون في التثنية و حذف الفها لا دليل عليه و ذاۤءِ ممدودة بكسر الهمزة و ذاۤئِه بزيادة هاء مكسورة علي الممدودة و ذاۤؤُه ممدودة بهمزة مضمومة و هاء بعدها قال الشاعر :

هذاؤُه الدّفترُ خيرُ دفتر في كفّ قومٍ ماجدٍ مصوِّرٍ 

و يروي بكسر الهاء و ضمّها

و للمفرد المؤنث بعشرة و هي ذِيْ و تِيْ بكسر الحرف الاول و سكون الحرف [ص 156] الثاني و ذِهٖي و تهٖي باشباع الكسرة و ذِهْ و تِهْ باختلاس الكسرة و هو اختطاف ● الحركة من الهاء و الاسراع بها لا ترك الاشباع بالكلية و ذِهْ و تِهْ باسكان الهاء و ذات و تا

و تقول للمثنّي ذٰانِ و تٰانِ بكسر النون رفعاً و ذَيْنِ و تَيْنِ نصباً و جرّاً و اما قوله تعالي اِنْ هٰذٰانِ لساحرانِ فقد قال البصريون فيها عداوة لاهل الحق ما يشمئزّ منه النفوس السليمة لانطيل الكلام بما لا طائل دونه و احسن ما قالوا انها نزلت علي لغة خثعم ● حيث لايقلبون الف المثني علي حال و الحق انّ اِنْ نافية و اللام بمعني الا كما اختاره الكوفيون اينما وقع نحو و اِنْ كانوا من قبلُ لفي ضلالٍ مبين

و لجمع المذكر و المؤنث اولاۤءِ ممدودة عند الحجازيين مبنيّة علي الكسر و مقصورة عند اهل نجد و هم بنوتميم و قيس و ربيعة و اسد ● و الاكثر مجيئه للعقلاء و قد يستعمل لغيرهم كما قال الشاعر :

ذُمَّ ● المنازل بعد منزلة اللِّوي ●  و العيش بعد اولئك الايام 

و قال اللّٰه تعالي انّ السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولاً و كل اولئك كان سيّئه عند ربّك مكروهاً و قد حكي فيه لغات اولاۤءٍ بالمدّ و كسر الهمزة المنوّنة و اولٰي مقصورة و تكتب بالياء و هُلاء بقلب الهمزة الاولي هاءً و اولاءُ بضمّ الهمزة الاخيرة و اُوْلاء كطومار

[ص 157] و قد يلحق هذه الكلمات المذكورة هاء التنبيه لتنبيه المخاطب حتي يلتفت و يدرك المشار اليه نحو هذٰا و هذٰانِ و هٰاتا و هٰاتان و هٰؤلاء و قد يفصل بين حرف التنبيه و مدخوله بالكنايات نحو ها اَنَا ذا و هٰا انتم اولاء لانّ الغرض منها التنبيه و بغير الكنايات قليل نحو هٰا لعمر اللّه ذا قسماً و لا هَا اللّه ذا مافعلت و هٰا اِنَّ تا امرأة من الحروف المشبهة و منه قول الشاعر :

و نحن قسمنا المال نصفين بيننا فقلت لهم هذا لها ها و ذا ليا 

و كل هذا الذي ذكرنا للاشارة الي القريب

و يلحقون بها الكاف للاشارة الي المتوسط و هي الكاف الحرفية التي لا محل لها من الاعراب و لايقوم مقامها ظاهر و لايضاف اليها اسم الاشارة لعدم الحاجة الي كسب التعريف و تتصرف مثل الكاف الاسمية غالباً نحو

ذاك ، ذاكما ، ذاكم ، ذاكِ ، ذاكما ، ذاكنّ

و قد يكتفي عن السّتّ بالمفردين و قد يكتفي بالكاف المفتوحة عن الكل نحو ذلكَ خيرٌ لكم

و قد يلحق بها مع الكاف اللام للاشارة الي البعيد و لايجتمع اللام مع هاء التنبيه و لاتلحق التثنية و قلّما تلحق الجمع و قيل انّ بني‌تميم لايأتون باللام مطلقاً و عن قيس و ربيعة و اسد ادخالها علي اولٰي المقصورة فيقولون اولٰلك نحو :

اولٰلك قومي لم‌يكونوا اُشٰابَةً ●  و هل يعظ الضّليلَ الا اولٰلكا ● [ص 158] 

فترتيب الاشارات علي قول هكذا ذا ، ذاك ، ذلٰك ، ذانِ ، ذانك ، ذانّك بشدّ النون بدلاً عن اللام اولٰي مقصورة و ممدودة و اولٰك بالقصر و اولٰئك بالمدّ ذي ، تي ، تيك ، تِلك بكسر التاء و تَلك بفتح التاء و تيلك و تالك قليلة تان ، تانك ، تانّك بالتشديد اولي ، اولٰك ، اولٰئك و قد جاء اُلّاك بضمّ الهمزة و شدّ اللام و اُوْلٰاك باشباع ضمّ الهمزة كقولهم : ما بين اُلّاك الي اُوْلاكا ،

و اعلم ان الاصل ذلك و قد يختلف الملاحظات و الاعتبارات و ذلك انّ البعيد عن ساحة المتكلم اعظم من القريب اليه المحاط له و الغائب اعظم من الحاضر و لذلك قلنا اشرف الكنايات الغايب ثم الحاضر ثم المتكلم و اختار اللّٰه سبحانه في سورة النسبة ● كناية الغايب عن درك الحواس لنفسه فلاجل ذلك ربما يشار الي القريب باشارة البعيد تعظيماً نحو ذلك الكتاب لا ريب فيه ، ذلك الذي يخوّف اللّه به عباده ، ذلكم اللّه ربكم و ربما يشار الي البعيد باشارة القريب استخفافاً فتقول لمن خوّفك من عدوٍّ بعيد اتخوّفني من هذا و امثال ذلك و قد يشار الي اثنين بالمفرد لاشتراكهما في امر واحد نحو لا فارضٌ و لا بكرٌ عوانٌ بين ذلك لاشتراكهما في عدم كونهما مراداً و منه قول لبيد ● :

و لقد سئمت من الحيوة و طولها و سؤال هذا الناس كيف لبيد 

فاشار الي الناس ب‍هذا تشريكاً بينهم في الاستهانة فانّ خطاب الجمع بالمفرد و الاشارة اليه به اهانة كما ان خطاب المفرد بالجمع تعظيم نحو رَبِّ ارجعونِ لعلّي اعملُ صالحاً و مثل و الارضَ فرشناها فنعم الماهدون

هذا الذي ذكرنا يكون في الاشارة مطلقاً و يختص بالمكان القريب هنا و هيٰهنا [ص 159] نحو انّا هيٰهنا قاعدون

و يشار الي المتوسط ب‍هُنٰاك و هيٰهناك

و الي البعيد ب‍هنٰالك و هَنّا بفتح الهاء و تشديد النون و هِنّٰا بكسر الهاء و هَنِّتْ بفتح الهاء و تشديد النون المكسورة و تاء ساكنة و هِنِّتْ بكسر الهاء مع شدّ النون و تاء ساكنة و قيل هَنّٰا بالفتح و التشديد معناه هيٰهنا و هَنّٰاك بمعني هناك و قيل هنا و هناك بالوزنين المذكورين للقرب و هنّٰا و هنّٰاك و هاهنّٰا و هاهنّاك كلّها مشدّدة للبعد و يقال جاء من هَنِيْ بفتح الهاء و كسر النون و الياء الساكنة اي من هنا و ثَمَّ نحو و ازلفنا ● ثَمَّ الآخرين و قد يقال جئت من ثَمَّ اي من هنالك قال اللّٰه تعالي اذا رأيت ثَمّ رأيت نعيماً و ملكاً كبيراً اي رأيت نعيماً و ملكاً كبيراً هنالك

و قد يراد ب‍هنا و هناك و هنالك الزمان و عدّوا منه هنالك الولاية للّه الحق اشارة الي يوم القيمة و لكن يحتمل عرصة القيمة فليس بنصّ في الزمان فتدبّر

و اعلم انّ المشار اليه ما قصدته بالاشارة و زمام القصد بيدك فلك ان تقصد في الشيء الواحد مثلاً زيد التذكير و تشير اليه بالمذكر و تريد الذكر و التأنيث فتشير الي النفس و المفرد فتشير الي شخصه و المثنّي الي روحه و جسده و الجمع الي عقله و نفسه و جسده او ابعاضه و اجزائه مثلاً فمدار الاشارة الي رأيك فلك ان تقول في صلوة الميّت هذه المسجّاة ● فتريد النفس او الجثة و هذا المسجّي فتريد البدن و الانسان و الشخص فلاتغفل عن عبارات الحكماء و اشاراتهم اذا رأيت خلاف ما تظنّ .

[ص 160] فصل

الثاني من قسمي الاشارة الكنايات علي اصطلاح الكوفيين و الضماير علي اصطلاح البصريين و اصطلاح الكوفيين احسن لانه لا توسّع فيه بخلاف اصطلاح البصريين فان المضمر حقيقة ليس الا ما لا لفظ له و اطلاقه علي البواقي توسّع و مجاز نعم لو سمّيت المستتر بالمضمر لجاز و فيه اتّباع النص حيث قال علي عليه السلام : ان الاشياء ثلثة ظاهر و مضمر و شيء لا ظاهر و لا مضمر ، فساير الكنايات من جنس المُظهَر فنسمّي المظهر باصطلاح البصريين بالصريح قال الشاعر :

فصرّح بمن تهوي و دعني من الكنا فلا خير في اللّذات من دونها ستر 

و في المثل الكناية ابلغ من التصريح فهما متقابلان فزيد صريح و هو كناية

و انّها صارت مبنيّة لان المعاني التي وضعت هذه الاسماء لها معان حرفية تناسب الحروف لعدم استقلالها كما مرّ فلاجل هذه المناسبة صارت مبنيّة

و للكنايات مزيداً علي اختصارها فائدة عظيمة اخري و هي انّ اعادة الصريح تفيد المغايرة لاستقلال كل كلمة بمعناها و لا اقلّ من الالتباس و اما الكناية فتفيد الاتحاد لانها فرع الصريح فاذا قلت جاءني زيد فاكرمت زيداً يحتمل المغايرة بينهما و لكن اذا قلت جاءني زيد فاكرمته تعين الاتحاد فافهم

بالجملة هي كلمات وضعت للتعبير عن كل شخص غائب او مخاطب او متكلم او اشخاص نحو هو فانها وضعت لكل مفرد غائب و انت فانها وضعت لكل مفرد مخاطب و هكذا اَنَا فانها وضعت لكل متكلم

و الغائب في هذا الباب اعم من الغائب الحقيقي كغير الحاضر عندك فتقول هو قال و اللفظي نحو ضرب زيد غلامه و هذا القسم تحقيقي كضرب زيد غلامه [ص 161] و تقديري نحو ضرب غلامه زيد و اذ ابتلٰي ابرهيمَ ربُّه اذ من حق الفاعل التقدّم علي المفعول و في داره زيد اذ من حق المبتدء ان يُقدّم و اعطيت درهمه زيداً اذ من حق المفعول الاول ان يقدّم و ضربت في داره زيداً اذ من حق المفعول ان يتّصل بفاعله و المفعول فيه متأخر رتبة عن المفعول به و المعنوي ● نحو اعدلوا هو اقرب للتقوي و المكني عنه « العدل » المفهوم من « اعدلوا » و مثل و لابويه لكل واحد منهما السدس و لا مرجع له ظاهراً و لكن لما كان الكلام في الميراث علم منه انّ المراد المورث و مثل بل هو شرّ لهم و نحو قول الشاعر : اذا زجر ● السفيه جري اليه ، اي الي السفه الي غير ذلك و هو كثير في القرآن و الذهني نحو ساء رجلاً اي ساء ذلك الرجل الذي في ذهني او في ذهنك و نحو ماترك علي ظهرها من دابّة و كلّ من عليها فانٍ و قوله تعالي فان كانت واحدة و قبلها فان كُنّ نساءً و امثال ذلك و اذا كان المرجع ● ذهنياً كان صورة الشخص الخارجي و ليست كالالفاظ مذكّراً بالتعبد و السماع او مؤنّثاً و انما هي شبح في ذهنك فلك ان تعتبره مؤنثاً و لك ان تعتبره مذكراً ، مثلاً اذا كان عكس زيد في ذهنك فذلك العكس ليس له تأنيث مسموع من العرب او تذكير فان شئت انّثت و قلت هي فعبّرت عنه بالصورة او النفس او غيرهما اذا صرّحت بلفظ و ان شئت ذكّرت و قلت هو فعبّرت عنه بالمثال و العكس و الشخص او غيرها اذا صرّحت بلفظ فتنبه و كذلك الامر في الحاضر فلك ان تخاطب زيداً بالمؤنث و تريد النفس و الجثة او بالمذكر و تريد الشخص و الذكر فانّ عنان الاشارة بيد المشير يصرفها حيث يشاء فعلي ذلك يقدر ان يذكّر و يؤنّث و يفرد و يثنّي و يجمع الشيء الواحد بحسب اختلاف [ص 162] انظاره و لايخطي و من هذا الباب يجوز لك ان تشير الي مؤنّث بكناية المذكّر اذا كان خبرها مذكراً نحو الحكمة هو علم بحقايق الاشياء لانّ المبتدء هو الخبر و مثله قولهم من كانت اُمَّك و يجوز مطابقتها للسابق