و لايعمل الضمير الراجع الي المصدر عند البصريين نحو ضربُك المحسنَ قبيحٌ و هو المسيءَ حسنٌ و اجاز اعماله الكوفيون لان المصدر يقوم مقامه
و المصدر الميمي في العمل كالمصدر غير الميمي نحو :
اَظُلَيْمَ ● انّ مصابَكم رجلاً اهدي السلام تَحِيَّةً ظُلْمٌ
و « ظليمة » اسم امرأة و هو منادي و « مصابكم » اسم « انّ » و « ظلم » خبرها و « كُم » فاعل و « رجلاً » مفعوله و « اهدي السلام » نعت « رجلاً »
و اما اسم المصدر ان لميكن عَلَماً يعمل عند الكوفيين و منع عنه البصريون و يدل علي الجواز قوله فان ثوابَ اللّٰهِ كلَّ موحّدٍ و قوله :
اكفراً ● بعد ردّ الموت عنّي و بعد عطائِك المأةَ ● الرّتاعا ●
و هما اسمان للاثابة و الاعطاء
و اعلم ان المصدر ليس بملحوظ فيه الوقت و لايضمر فيه ضمير في الغالب فلا بد و ان يكون الفاعل و المفعول له مظهرين و ان يستعان بما يدل علي الاوقات ان اريدت كقولك يعجبني ضرب زيد عمراً الآن او غداً و اعجبني ضربُ زيدٍ امس .
تنبيه - اعلم ان المصدر من الثلاثي المجرد سماعي و نحن نذكر منه ما امكننا ضبطه ، اعلم ان للفعل الثلاثي المجرد ثلثة اوزان :
فَعَلَ بفتح العين و يكون متعدياً كضَرَبَ و قاصراً كقَعَدَ
[ص 122] و فَعِلَ بكسر العين و يكون متعدياً كفَهِمَ و قاصراً كسَلِمَ
و فَعُلَ بالضم و لايكون الا قاصراً كظَرُفَ و لايتعدي الا بتضمين او تحويل
اما فَعَلَ المفتوح العين و فَعِلَ المكسور العين المتعديين فقياس مصدرهما الفَعْل بفتح الفاء و سكون العين و المراد بالقياس انّ ما لايعلم مصدره من طريق السماع يصاغ كذلك لا مع السماع كالاكل و الرَّدّ و الوَعْد و البَيْع و الرَّمْي و كذا الفَهْم و الاَمْن و المَسّ و الوَطْي و الخَوْف و الفَني ● و قيده بعضهم في المكسور العين بان يدلّ علي عمل نحو شَرِبَ شَرْباً و لَقِمَ لَقْماً
و اما فَعِلَ المكسور العين القاصر فقياس مصدره فَعَل بفتح الفاء و العين نحو الفَرَح و الْاَشَر ● و الوَجَع و العَوَر و الجَوٰي و الشَّلَل ● الا ان يدلّ علي الحرفة و الولاية فقياسه الفِعالة بكسر الفاء نحو الوِلاية و الكِتابة او لون فقياسه الفُعْلَة بضم الفاء و سكون العين كالحُمْرَة و السُّمْرَة و الاُدْمة او علاج و وصفه علي فاعل فقياس مصدره الفُعُول بضم الفاء نحو القُدُوم و الاُزُوف ●
و اما فَعَلَ المفتوح العين القاصر فقياس مصدره الفُعُول بضم الفاء كالقعود الا ان يدلّ علي امتناع فقياس مصدره الفِعال كالاِباق و النِّفٰار و الجِمٰاح و الشِّماس او يدلّ علي اهتزاز فقياسه الفَعَلان بفتحتين كالجَوَلان و الغَلَيٰان او يدلّ علي داء فقياسه الفُعال بضم الفاء كالمُشاء ● او يدلّ علي سير فقياسه الفَعٖيل بفتح الفاء كالرَّحٖيل و الذَّمٖيل ● او يدلّ علي صوت فقياسه الفُعٰال بضم الفاء و الفَعيل بفتح الفاء كالصُّرٰاخ و العُوٰاء ● [ص 123] و الصَّهيل ● و النَّهيق ● او يدلّ علي حرفة ففِعالة بكسر الفاء نحو التِجارة و الامارة
و اما فَعُلَ بضمّ العين فقياس مصدره الفُعُولة بضم الفاء نحو الصُّهُوبة ● و الصُّعُوبة و الفَعالة بفتح الفاء كالبَلاغة و الفَصٰاحة قالوا و ما جاء بخلاف ذلك فيما ذكرنا فهو من باب السماع و لايقاس عليه و قد انتهي بنا الاوزان الي ستة و خمسين و من شرح التسهيل انه عدّه تسعة و تسعين و التي امكنتنا عاجلاً :
قَتْل و شُغْل و عِلْم و رَحْمة و حُمْرة و عِصْمة و سَرِقة و غَلَبة و ذَهٰاب و سُؤال و كِتاب و زَهادة و بُغٰايَة ● و عِبادة و دُخُول و قَبُول و لَيّان ● و غُفران و حِرمان و نَزَوان ● و طَلَب و كَذِب و كِبَر و هُدٰي و دَعْوٰي و بُشري و ذِكرٰي و دَخيل و ضَرورة و صُعُوبة و مَسْعاة ● و مَحْمَدَة و مَحْمِدَة و كَراهيَة و مَدْخَل و مَكْرُم و مَرْجِع و سُوَدد ● و جَبَروت و تُدْرَء ● و كَيِّنُونة و صيرورة و فضيحة و ضٰارورة ● و تهلُكَة و مسائية و غُلُبَّة و غَلَبَّة و غُلُبّٰي ● و غِلِبّٰي ● و فالج و عاقبة و مفتون و تِبيان و تَكْرار و خِصِّيْصٰي
و المَفعل بفتح الميم من ذلك قياسيّ يقاس عليه مطلقاً
و اما مصادر غير الثلاثي المجرد فقياسية و لا بأس بذكرها
اما فَعَّلَ بالتشديد اذا كان صحيح اللام فقياسه التفعيل كالتسليم و التوحيد و التيسير و التحويل و التصيير و يحذف في معتلّه ياء التفعيل و يعوض منها التاء فيكون تفعِلة كالتوصية و التسمية و قد يفعل مثل ذلك في صحيح اللام نحو تذكِرة [ص 124] و تجرِبة و قد يستغنون عن التفعيل بتفعلة فيما لامه همزة نحو تخطئة و تهنئة و تجزئة و نقل ايضاً تخطيئاً و تهنيئاً و تجزيئاً
و اما اَفعَلَ اذا كان صحيح العين فقياسه الاِفْعٰال كالاكرام و ان كان معتل العين فكذلك الا انه ينقل حركة العين الي الفاء فتقلب الفاً فيلتقي الساكنان فيحذف الاولي لانها اولي بالحذف و يعوّض عنها التاء فيقال اِقامَة و اِعٰانَة و اصلهما الاقوام و الاعوان و شذّ اَغْيَمَتِ السماء اغياماً و قد يحذف التاء عند الاضافة كقوله تعالي و اِقامَ الصلوة كما يحذف من الاستفعال كقولهم استنارُ البدر
و ما اوله همزة وصل من فعل الماضي الخماسي و السداسي ان لميكن اصله التفاعل و التفعل و هو خمسة و عشرون بناءً ان تكسر ثالثه و تزيد قبل آخره الفاً كالاقتِدار و الاصطِفاء و الانطِلاق و الاستِخراج و امثالها
و اما التفاعُل و التفعُل اذا ادغم تاؤهما في الطاء و اجتلب همزة وصل فلايكسر ثالثه في المصدر بل يضمّ و لايزاد الف قبل آخره فيقال اِطّٰايَرَ يَطّٰايَر اِطّٰايُراً و اِطَّيَّرَ يَطَّيَّرُ اِطَّيُّراً و ان كان استفعل معتل العين يعمل فيه ما عمل بافعل معتل العين فيقال اِستِقامَة و اِستِعاذَة و شذّ الاِسْتِحْوٰاذ
و قياس تفعلَلَ و ما اوّله التاء مما علي وزنه و ان لميكن من بابه و هي عشرة ابنية و تفاعَلَ ان يضمّ رابعه نحو التفضُّل و التدحرُج و التحاسُد و يجب ابدال الضمة كسرة ان كانت اللام ياءً نحو التّعدِيْ و التّوانِيْ
و قياس مصدر فَعْلَلَ و ما الحق به فَعْلَلَة كدحرَجَة و بيطَرَة و حَوْقَلَة الي غير ذلك و هي سبعة ابنية ● و فِعْلٰال بكسر الفاء ان كان مضاعفاً نحو زِلزال و وِسواس [ص 125] و الفعلال في غير المضاعف سماعي كسَرْهَفْت الصبيّ سِرْهافاً ● و قد ضبط اهل اللغة الدِّحرٰاج و يجوز فتح اول المضاعف تخفيفاً كالوَسْواس بالفتح و الاكثر ان يعني به اذاً اسم الفاعل فالوَسْواس بمعني الموسوس
و قياس فاعَلَ الفِعال بكسر الفاء و المفاعَلَة بفتح العين نحو الضِّراب و المضارَبَة و الخِصام و المخاصَمَة و القِتال و المقاتَلَة و النِّداء و المناداة و قد يستغني بالمفاعلة عن الفِعال فلايقال مجالَسَة و جِلاساً و قد يقال في الفعال فِيعال نحو ضيراب و قيتال و لعله اصل الفعال و قد خفف و يمتنع الفعال فيما فاؤه ياء نحو ياسر و يامن فيقال مُياسَرة و مُيامَنَة و شذّ ياوَمَه يواماً و مُياوَمَةً و ما سمع غير ما ذكرنا من القياسيات شاذّ نحو كَذَّبَ كِذّاباً بالتشديد و القياس تكذيباً و مثل نزّي تنزّياً بتشديد الزّاي و القياس تنزية و مثل تَحَمَّلَ تِحِمّٰالاً بكسر التاء و الحاء و الميم المشددة و ترامي رِمِّيّاً بكسر الراء و الميم المشدّدة و شدّ الياء و القياس ترامياً و حوقل حيقالاً و القياس حوقلةً و اشذّ منه حوقالاً بفتح الحاء و اِقشَعَرَّ قُشَعْرِيرة بضم القاف و فتح الشين كطُمَأْنينة و القياس اقشعراراً .
تنبيه - اعلم انه قد يراد بالمصدر المرّة فيصاغ من الثلاثي المجرد علي فَعْلَة بفتح الفاء سواء كان فيه زيادة ام لا نحو جلس جَلْسةً و لبس لبسة و شذّ لقيته لقاءة واحدة و الجلسة و الجلوس بمنزلة التمرة و التمر و ان كان بناؤه في الاصل علي فَعْلَة توصف بالمرة و الواحدة نحو رحم رَحْمَةً واحدةً
و ان اريد الدلالة علي الهيئة فيقال فِعْلَة بكسر الفاء نحو جلس جِلْسَةَ الامير و ان كان بناؤ المصدر العام عليه يوصف نحو نشد الضالّة ● نِشْدة عظيمة او نِشْدَةَ الملهوف [ص 126] و يصاغ من غير الثلاثي للمرة بان يزاد تاء في آخر المصدر كانطلق انطلاقةً و ان كان بناء المصدر العام بالتاء يوصف نحو اقام اِقامةً واحدةً و كذا ان اريد الهيئة يوصف لانه لميبن منه لفظ للهيئة فيقال اكرم اكراماً حسناً او نحو اكرام فلان و شذّ اختمرت المرأة خِمْرة و انتقبت نِقْبة و تعمّم الرجل عِمّة في الكل بالكسر للدلالة علي الهيئة
و اعلم انه قد يراد بالمصدر الفاعل او المفعول كما يراد منه الفعل فحينئذ يستوي فيه الخمس اي المفرد و التثنية و الجمع و المذكر و المؤنث نحو هو عدلٌ و هما عدلٌ و هم عدلٌ و هي عدلٌ و هذا خِيَرَتي اي مختاري كذلك و يجوز تثنيته و جمعه ايضاً .
اسم الفاعل هو كلمة تشتق من المصدر تدلّ علي الذات التي يقوم بفعلها المصدر فالضّارب هو اسم الذات التي يقوم بفعلها الضرب صدوراً و « الضرب » من حيث الصدور هو « ضَرَبَ » فالضارب اسم يدلّ علي مبدء الفعل بخلاف المصدر فانه يدلّ علي الفعل من حيث اسفله و لاجل ذلك يكون ● احكي لعمل الفعل و اشبه به لفظاً و معنيً و اقتضاءً فهو يعمل عمل فعله تعدّياً و لزوماً و هو من حيث الوضع ليس فيه ملاحظة وقت فانّ موضوعه الذات الظاهرة بالفعل و لا تعين لها من حيث الظاهرية بوقت فلاجل ذلك يحتاج الي لفظ خارجي كامس و الآن و غداً او قرينة و عن جمهور النحاة انه لايعمل اذا كان بمعني الماضي لادلة واهية و عن بعض الكوفيين انه يعمل و يؤيدهم قوله تعالي و كلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد ● و القول بانه حكاية [ص 127] حال محض ادعاء و قد يستدل علي كون الفاعل للماضي بعطف الماضي عليه نحو المُصَّدِّقين و المُصَّدِّقات و اقرضوا اللّهَ فان المعني الذين تصدّقوا و اقرضوا و كذا و المغيرات ● صبحاً فاثرن ● به نقعاً اي اللاتي اغرن صبحاً فاثرن و علي ايّ حال مرادهم من عدم العمل النصب للمفعول الاول لا غيره و الرفع للمظهر لا المضمر و اختلفوا فيه اذا كان معناه الثبوت في جميع الازمنة كصفات اللّٰه فقيل لايعمل لما فيه من المضيّ و قيل يعمل و يشهد لهم اليس اللّهُ بكافٍ عبدَه و اِنَّ اللّه بالغٌ امرَه علي قراءة نصب امره و فالق الاِصباحِ و جاعِلُ الليلِ سَكَناً و الشّمسَ و القمرَ فقد عمل « جاعل » بدليل عطف « الشمسَ » بالفتح و قد عرفت انه لا مستند لهم في نفس الماضي فضلاً عن الدالّ علي الثبوت
فاذا عرفت ذلك فاعلم ان اسم الفاعل لايخلو اِمّا ان يكون محلّيً باللام او يكون منوّناً او مضافاً
فان كان محلّيً باللام فهو يعمل عمل الفعل مطلقاً فانه بمنزلة الموصول و الصلة الفعلية فان قولك جاء الضاربُ زيداً امس بمنزلة قولك جاء الذي ضرب زيداً و قولك جاء الضارب زيداً الآن او غداً بمنزلة قولك جاء الذي يضرب زيداً فهو يعمل مطلقاً سواء كان للماضي او الحال او الاستقبال او الثبوت في كلها نحو و الذّاكرين اللّهَ كثيراً و نحو و المقيمين الصلوةَ و المؤتون الزكوةَ
و اما ان كان منوّناً فهو محل الخلاف فالاكثر علي انه لايعمل الا بما يقوّي جهة الفعلية فيه كاعتماده علي استفهام او نفي لان اكثر استعمالهما مع الفعل [ص 128] او يسند الي من وضع له بان يصير خبراً له في الحال او في الاصل او موصوف ● او ذي حالٍ في اللفظ او مقدّراً و امثلتها نحو اضاربٌ زيدٌ عمراً و ما ضارب زيد عمراً و زيد ضارب ابوه عمراً و كان زيد ضارباً ابوه عمراً و مررت برجل ضارب ابوه عمراً و جاءني زيد ضارباً ابوه عمراً و مُهينٌ ● زيدٌ عمراً ام مُكرمه و مختلفٌ ● الوانُه و يا طالعاً ● جبلاً و مثل قول الشاعر :
كناطحٍ ● صخرةً يوماً ليوهيها ● فلميضُرْها و اوهي قرنَها الوَعِلُ
اي كوعل ناطح و لايجب الاعمال و ان استوفي الشروط نحو هل هُنَّ كاشفاتُ ضُرِّه و و اللّهُ مُتِمُّ نورِه و اِنَّ اللّهَ بالغُ امرِه علي الاضافة و اجاز الكوفيون العمل و ان لميعتمد علي شيء من ذلك نحو قائمٌ الزيدان و لااري منعاً منه فانّ قائمٌ زيدٌ امسِ بمنزلة قام زيد و قائمٌ زيدٌ الآن و غداً بمنزلة يقوم زيد فقائم الزيدان بمنزلة قام الزيدان او يقوم الزيدان و الاصل في الباب استعمال العرب و يؤمي الي التجويز كلام محمد بن محمد بن مالك في شرح الالفيّة حيث قال « و الغالب انّ اسم الفاعل المجرد عن الالف و اللام لايعمل حتي يعتمد » الي آخر كلامه و كلام والده « يجوز نحو فائز اولوا الرشد » و زعموا انه يؤيد هذا المذهب قول الشاعر :
خبيرٌ بنولِهْبٍ فلاتَكُ مُلْغِياً ● مقالَة لهبيّ اذا الطير ● مرّت
و لا دلالة فيه انصافاً و يكفي سائر الامثلة و كيف كان يجوز اضافته الي المفعول [ص 129] نحو ضاربُ عمروٍ زيدٌ و اِنَّ اللّٰهَ بالغُ امرِه بالاضافة و يجوز ان لايضاف الي شيء نحو هذا ضاربٌ امسِ و ان اللّه بالغٌ امرَه بنصب « امره » و قد يقوّي اسم الفاعل باللام نحو انا ضاربٌ لزيدٍ كما يقوّي المصدر نحو اعجبني ضربُك لزيدٍ و كما يجوز في المعمول المقدم علي الفعل نحو للرؤيا تعبرون و اما مثل درٰي و علم و عرف و جهل فيقوّي بالباء نحو دارٍ بزيدٍ و عالمٌ و عارفٌ و جاهلٌ به و ان فصل بين الوصف و معموله فاصل يجب نصبه لامتناع الاضافة نحو اِنّي جاعلٌ في الارض خليفةً
و اما المضاف فقد عرفت انه لايجب تنوين الوصف علي حال و ان استوفي الشروط و يجوز اضافته الي المفعول الا ان البصريين اوجبوا الاضافة اذا كان بمعني الماضي و كذا اذا لميستوف الشروط و قد عرفت وهن اختيارهم و ليس امر اللسان بالبرهان و انما المدار علي السمع و النطق و ان كان الفاعل ذا مفعولين او ثلثة و اريد الاضافة يجرّ واحداً و ينصب الباقي نحو انت كاسي خالدٍ ثوباً و معلمُ بكرٍ زيداً رشيداً و اذا لميعمل الفاعل لفقد الشروط علي مذهب المشترطين يجرّ المفعول الاول بالاضافة و ينصب البواقي نحو هذا معطي زيدٍ امسِ درهماً و ظانُّ زيدٍ امسِ منطلقاً و يضمر للمنصوب عندهم فعل و قد عرفت الاصح فيه و جواز نصبهما باسم الفاعل و اذا اتبع المجرور بالوصف تابع فالوجه جرّ التابع حملاً علي اللفظ نحو هذا ضارب زيدٍ و عمروٍ و يجوز نصبه نحو جاعل الليلِ سكناً و الشمسَ و القمرَ حسباناً عطفاً علي المحل عند الكوفيين و بعض البصريين و منعه بعض البصريين و قالوا بوجوب اضمار وصف منوّن او فعل اذا كان الوصف للماضي و ذلك محض حكم بلا دليل و محض خرص و تخمين و قد قال الشاعر :
[ص 130]هل انت باعثُ دينارٍ لحاجتنا او عبدَ ربٍّ اخا عون بن مخراق
بنصب العبد
و اعلم انه يجوز اعمال التثنية و الجمع كالمفرد نحو هما ضاربان زيداً و هم ضاربون زيداً و قال اللّٰه تعالي و الذاكرين اللّهَ كثيراً و الذاكرات و قال الشاعر :
ثمّ زادوا ● اَنَّهُمْ ● في قومهم غُفُرٌ ● ذنْبَهم غير فُخُر ●
و يجوز حذف النون مع العمل و التعريف تخفيفاً نحو قولهم :
الحافظوا عورةَ العشيرة لا يأتيهم من ورائهم نَطَفٌ ●
كما جوّز في الموصول و يأتي ان شاء اللّٰه
و اختلفوا في المصغر فمنع عمله قوم و اجازه بعض الكوفيين بما حكي عن العرب اظنّني مرتحلاً و سُوَيِّراً فرسخاً
و كذا اختلفوا في المنعوت فمنهم من منع من ذلك و من الكوفيين من اجازه مستنداً الي قول الشاعر :
اذا فاقد ● خطباء ● فرخين ● رجّعت ● ذكرت سليمي في الخليط ● المزايل ●
و المدار في الامور الاستقرائية علي قول المثبت لا النافي فان شهادة النافي غير مقبولة
و اما ما يحول اليه الفاعل للمبالغة فيعمل عمل الفاعل بشروطه عند البصريين و مطلقاً عند الكوفيين و هو خمسة اوزان :
[ص 131] الفَعّٰال بفتح الفاء و تشديد العين نحو :
اخا الحرب لبّاساً اليها جِلالَهٰا ● و ليس بولّاج ● الخوالف ● اعقلا ●
و الفَعول بفتح الفاء نحو :
قلي دينَه و اهتاج للشوق انّها ● علي الشوق اخوانَ الغراء هيوج ●
و الفَعِيل بفتح الفاء نحو :
فتاتان امّا منهما فشبيهة هلالاً و اخري منهما تشبه البدرا
و الفَعِل ككتف نحو :
حَذِرٌ اموراً لاتصير ● و آمنٌ ما ليس منجية من الاقدار
و نحو :
اتاني اَنّهم مَزِقون ● عرضي جحاش ● الكِرمِلين ● لها فديد ●
و المِفعال نحو زيد مضرابٌ عمراً و كذلك يعمل تثنية هذه الاوصاف و جمعها و منه ما مرّ من قول الشاعر اتاني اَنَّهم مَزِقون .
تنبيه - اذا قصد باسم الفاعل الثبوت عومل معاملة الصفة المشبهة في رفع المعمول علي الفاعلية و نصبه علي التمييز و ان كان معرفة كما هو عند الكوفيين و جرّه بالاضافة نحو زيد طاهرٌ قلبُه و زيد طاهرٌ القلبَ بالفتح و زيد طاهرٌ قلباً و زيد طاهرُ القلبِ و هو في ذلك علي ثلثة انواع :
[ص 132] احدها ما يجوز ذلك فيه اتفاقاً و هو ما اخذ من فعل قاصر كطاهر القلب
و ثانيها ما يمتنع فيه اتفاقاً و هو ما يتعدي الي اكثر من واحد نحو زيد ظانّ الابن فانه لايدري اهو يظن ابنه عالماً مثلاً او ابنه يظن
و الثالث ما يتعدي لواحد فاجازه بعض مطلقاً و منع بعض مطلقاً و قال بعضهم ان حذف مفعوله اقتصاراً جاز و الا امتنع نحو زيد ضارب الابن و منهم من شرط الامن من اللبس كقولك زيد ظالم العبيد بعد قول القائل « ليس عبيد زيد يظلمون » فانت تقول زيد ظالم العبيد اي عبيده يظلمون فحينئذ يجوز في العبيد الحركات الثلٰث و الشاهد من اللازم قول الشاعر :
تباركت اِنّي من عذابك خائفٌ و اِنّي اليك تائب النفس راجع
و في المتعدي قول الشاعر :
ما الرّاحمُ القلب ظلّاماً و ان ظُلِما و لا الكريمُ بمنّاعٍ و ان حُرِما
و كذا ان بني الفاعل غير المقصود منه الثبوت من اللازم يجري فيه اقسام استعمال الصفة المشبهة بشقوقها كما يأتي و اما اذا كان متعدياً فلايجوز نصب معموله و لا جرّه خوف الالتباس .
تنبيه - اعلم انه يصاغ اسم الفاعل من الثلاثي المجرد ان كان علي وزن فَعَلَ مفتوح العين مطلقاً او فَعِلَ مكسور العين متعدياً مقيساً علي وزن فاعِل و اما فَعُل مضموم العين و فَعِلَ مكسور العين قاصراً فاسم الفاعل منهما سماعي نحو عقرت المرأة فهي عاقر و اَمِنَ فهو آمِن و حَمُضَ فهو حامِض و سَلِم فهو سالِم و انما يصاغ منهما الصفة المشبهة و الغالب فيهما في غير الالوان و العيوب فَعِل ككتف نحو فَرِح و اَشِر و بَطِر و غَرِث و خَشِن و في الالوان و العيوب اَفْعَل نحو احمر و اخضر [ص 133] و اعرج و احول و احمق و لما في الجوف من الجميع فَعْلان بفتح الفاء و سكون العين نحو شَبْعٰان و جَوْعٰان و عَطْشٰان و رَيّٰان و مَلْأٰن و قد تأتي علي وزن فَعٖيل نحو ضَخُم فهو ضَخٖيم و سَمِع فهو سمٖيع و حَرَصَ فهو حَريص و فَعْل بسكون العين نحو ضَخْم و شَهْم ● و صَعْب و شَكْس ● و شَيْخ و يقلّ من فَعل بالضمّ ( ظ بالكسر ) اَفْعَل نحو حَرِش ● فهو احرش و خَطِب فهو اخطب ● و ( ظ و من فعل بالضم ) فَعَل بفتحتين نحو بَطُلَ فهو بَطَل و قد يأتي علي غير ذلك نحو جَبُنَ فهو جَبان كسحاب و فَرُت الماء فهو فُرات و جَنَبَ فهو جُنُب و عَفِر بالفاء فهو عُفْر كقفل اي شجاع ماكر
و من غير الثلاثي المجرد علي صيغة المضارع بابدال حرف المضارعة بالميم المضمومة و كسر ما قبل الآخر نحو مُكْرِم و ربما كسر ميم مُفْعِل اتباعاً لما قبل الآخر نحو مِنْتِن و ربما عكس نحو مُنْتُن و ربما استغني عن مُفْعِل بفاعِل نحو اَعْشَب فهو عاشِب و اورس ● فهو وارِس و اَيْفَعَ فهو يافِع ● و منه و ارسلنا الرّياح لواقح ● فان الفاعل منه مُلْقِح او بمُفْعَل بفتح العين نحو اسهب ● فهو مُسْهَب و اَحْصَنَ فهو مُحْصَن ● و اَلْفَجَ اي افلس فهو مُلْفَج و عن فاعِل بفَيْعِل نحو طاب فهو طَيِّب و بفَعْل نحو شاخ فهو شَيْخ و باَفْعَل نحو شابَ فهو اَشْيَب و بفعيل نحو عَفَّ فهو عفيف
[ص 134] و قيل و قد جاء الفاعل بمعني المفعول نحو مٰاءٌ دافِق و عِيشة راضِية و يحتمل النسبة كناشِب ● و نابِل ● .
و قيل قد يكون المفعول بمعني الفاعل نحو كان وعدُه مَأْتِيّاً و يحتمل ان يكون اريد بالوعد الموعود اي ان الناس يأتون الموعود فالموعود مأتِيّ كالقيمة و الجنة فان الناس يأتونهما او هو من « اتي الامر » اي فعله فالوعد مأتيّ اي مفعول كما قال كان وعده مفعولاً .
و الفرق بينه و بين الصفة المشبهة ان الفاعل يراد منه الصدور عن الفاعل و الصفة المشبهة يراد منها ثبوتها له فلو اريد من الفاعل الثبوت يعود صفة مشبهة و ان قصد بالصفة الحدوث ردّت الي صيغة اسم الفاعل فيقال زيدٌ حاسِنٌ الآن او غداً و منه قوله تعالي في « ضيّق » ضائقٌ به صدرك و هذا يطّرد في كل صفة مشبهة .
في اعمال اسم المفعول
و هو كلمة تشتق من المصدر تدلّ علي الذات التي يقع عليها المصدر و يظهر بها كالمضروب فانه يدل علي ذات ظهر عليها اثر فعل غيرها و هو ايضاً لاشتقاقه من الفعل بواسطة المصدر يعمل عمل فعله المبني للمفعول في التعدي الي واحد او اثنين و هو في جميع الشروط كاسم الفاعل فلانعيده فيرفع فاعله فقولك زيدٌ المضروبُ عبدُه اي زيد الذي ضُرِب عبده و ان كان له مفعول نصبه فان الفعل لايرفع كلمتين بالاصالة فتقول زيد معطيً ابوه درهماً و مُعْلَمٌ اخوه بشراً فاضلاً و ان [ص 135] اسندت اسم المفعول الي كناية السابق فلك في معموله ان تنصب لانه فضلة بعد فتقول زيدٌ مضروبٌ الخادمَ بنصب الخادم علي التمييز علي الاصح و اَن تجرّ تخفيفاً و قيل ان اضفت الاسم المفعول الي معموله سواء كان فاعله نحو زيدٌ مُؤَدَّبُ الخُدّٰامِ او لا نحو زيدٌ مُعْطٰي درهمٍ غلامُه فاضافته لفظية لانها اضيف الي معموله للتخفيف و اِن اضيف الي غيره فمعنوية حقيقية سواء كان المضاف اليه فاعلاً من حيث المعني نحو زيدٌ مضروبُ عمروٍ ام لا كحسينٌ عليه السلام قتيلُ طَفٍّ و سيأتي ان شاء اللّٰه ان الحق انه لا اضافة لفظية و الكل معنوية
و ان اريد بالمفعول الثبوت المحض عومل معاملة الصفة المشبهة كما مرّ فيرفع السببي علي الفاعلية نحو قولك زيدٌ مظلومٌ عبدُه فالعبد مرفوع علي الفاعلية و ليس بمعني زيد ظلم عبده فانه في الماضي او يظلم عبده فانه في الحال او الاستقبال اذ المراد محض ثبوت المظلومية للعبد فالمعني ان العبد ظاهر بالمظلومية كما يظهر بالحسن مثلاً فالعبد هو الفاعل الظاهر بالصفة و يمكن ان يضاف فيجرّ نحو زيدٌ محمودُ الفعالِ و ما قيل ان اصله محمود فعاله فبدّل الضمير باللام و استتر في المحمود ثم نصب المعمول فانه صار كالفضلة ثم استقبحوه فانه شابه ذا المفعولين فاضيف فكلام سخيف و ادعاء علم الغيب و لايلتفت العرب الي شيء من ذلك بل هو من باب اضافة الصفة الي الموصوف و هو شايع نحو فلانٌ حادّ السّيفِ يعني سيفه حديد و فلانٌ كثير الضّيفِ اي ضيفه كثير و هكذا و محمودُ الفعالِ ايضاً من هذا الباب
و المفعول المشتق من المتعدّي الي واحد يجري مجري الصفة المشبهة في انحاء استعمالاتها كما يأتي و اما ان كان من المتعدّي الي المفعولين فلايجوز نصبه و لا اضافته لئلايلتبس الامر .
[ص 136] و اعلم ان المفعول الحقيقي هو المصدر فانه الذي اوجده الفاعل بفعله و صنعه فهو مصنوع له الا ان في اصطلاح النحاة يقيد ذلك بالمفعول المطلق و يراد بالمفعول علي الاطلاق المفعول به و قد يقيد بكلمة « به » في مقابلة ساير المفاعيل حيث يقيد كل واحد منها بما يخصّه
و اسم المفعول لايبني من فعل لازم اذ لايحتاج الي مظهر يظهر عليه غير فاعله و ان كان الفعل متعدياً بنفسه فيؤتي به كما هو علي وزن « المفعول » ان كان من الثلاثي و علي وزن المضارع المبنيّ للمفعول ان كان من غيره و ان كان متعدياً بالحرف يؤتي بذلك الحرف علي كناية بعد المفعول نحو المذهوب به و ان كان فعل لايتصل باسم الا بحرف يسمي ذلك الاسم بالمفعول و يقيد بذلك الحرف مع كنايته نحو سرت من البصرة الي الكوفة فالبصرة مسيرٌ منها و الكوفة مسيرٌ اليها و رمي الشاة عن القوس فالشاة مرميّة بلا قيد و القوس مرميٌّ عنها
و قد يحذف المفعول و يكتفي بالمفعول بواسطة فتقول رميت عن القوس و من هذا الباب كلمة المفعول و المفعول به فان المضروب هو الضرب فحذف الضرب و سُمّي من ظهر به المفعول به ●
و لايقع صيغة المفعول علي المصدر في العرف الخاص و العام فقولك ضربت ضرباً ليس الضرب بمضروب عندهم و انما المضروب هو من يظهر الضرب به عندهم و اما عند الحكماء فقد يريدون بالمضروب المجعول ضرباً فيقع علي المصدر عندهم كما يقع المخلوق علي الخلق و ليس مخلوق به قبل فعل اللّٰه فيقع الخلق عليه كما ان عمراً موجود و يقع الضرب عليه فقولك خلق اللّه السموٰات و الارضين [ص 137] ليستا بمفعول بهما حقيقة و لا بمفعولين مطلقين علي اصطلاح النحاة فهذا النوع من المفعول حقيقة مفعول مطلق وصفي كما يأتي في باب المفاعيل ان شاء اللّٰه
و قد يأتي الفعيل بمعني المفعول و هو سماعي نحو ذبيح بمعني المذبوح و الكحيل بمعني المكحول و القتيل بمعني المقتول و الطريح بمعني المطروح و الشهير بمعني المشهور و امثال ذلك و لايقاس عليه فليس لك ان تقصد بالجريء مثلاً المفعول و كذا السمير و الرقيب .
الصفة المشبهة
هي كلمة اشتقت من المصدر القاصر و صيغت لاثبات المصدر لموصوفها من دون ملاحظة وقت و لاجل ذلك تصلح لجميع الاوقات بضم ما يدل عليها نحو كان حَسَناً فقبح و سيصير حسناً
و اذا قصد منها وقت حوّلت الي وزان الفاعل نحو :
و ما انا من رُزءٍ ● و ان جلّ جازع ● و لا بسرور بعد موتك فارح
و هي مشبهة بالفاعل في الدلالة و لكونها من نتايج الفعل بواسطة المصدر تعمل عمله فتقتضي فاعلاً و لكونها مشتقة من القاصر لاتقتضي مفعولاً و لا مانع من ساير الفُضَل لها كما لا مانع منها للفعل القاصر
و هي تذكّر و تؤنث و تثنّي و تجمع
و اوزانها سماعية منها توازن اسم الفاعل و منها توازن اسم المفعول و منها غير اوزانهما كطاهر و محمود و حسن و صَعْب و شديد و ملأٰن و غير ذلك
[ص 138] و القياسي منها ما كان علي وزن اَفْعَل للالوان و العيوب كاَسْوَد و اعرج
و من اشترط لزوم الاعتماد و التقوّي في الفاعل اشترط هيهنا و لميفرق بينهما الا في الموصول فان اللام هنا ليست موصولة و لاتأول عند التحلي باللام بالموصول و الصلة اذ لايقصد بها الحدوث في وقت و يقصد باسم الفاعل ذلك و قد عرفت تجويز الكوفيين اِعمال الصفة من دون اعتماد و شاهدهم قول الشاعر :
خبيرٌ بنولهب فلاتك مُلغياً مقالة لَهبيٍّ اذا الطير مرّت
و كيف كان تستعمل الصفة المشبهة علي قسمين مصحوبة ال التعريف و مجردة عنها نحو الحسن و حسن و معمولها ثلثة اقسام :
مصدّر بال و يلحق به المضاف الي مصدّر بال و المضاف الي المضاف الي مصدّر بال و هكذا بالغاً ما بلغ نحو الوجه و وجه الاب و وجه غلام الاب
و مضاف الي الكناية و في حكمه المضاف الي المضاف الي الكناية و المضاف الي المضاف الي المضاف الي الكناية و هكذا بالغاً ما بلغ نحو وجهه و وجه غلامه و وجه غلام ابيه
و مجرد عنهما و يلحق به ما يضاف الي مجرد و ما يضاف الي ما يضاف الي مجرد و هكذا بالغاً ما بلغ نحو وجه او وجه غلام او وجه غلام اب و بعبارة اخري اما هو ذو لام او ذو كناية او مجرد عنهما علي ان المضاف و المضاف اليه في حكم الكلمة الواحدة و عملها في المعمول رفع و نصب و جرّ
فان رفعت فعلي الفاعلية فحينئذٍ تخلو عن الكناية فلا بدّ من عائد في المعمول يرتبط به الجملة بالموصوف نحو زيدٌ الحسنُ وجهُه او حسنٌ وجهُه و هاتان هما الاصل و من قال باستتار الضمير في الوصف و بدلية المرفوع عنه فقد ادّعي علم [ص 139] الغيب و ارتكب ما لايجب و ردّوه بانه لو كان فيه ضمير لوجبت المطابقة و انت تقول رأيت امرأةً حسنَ الوجه و مررت بامرأةٍ قويمِ الانف