و يلحق بهذه الافعال عسي و اختلفوا فيه انه حرف لعدم تصرفه و كونه بمعني « لعلّ »و لانه بمعني الانشاء ● و الاصل فيه الحروف او فعل لاتصاله بالكناية نحو :
[ص 75] عسيت ، عسيتما ، عسيتم ، عسيت ، عسيتما ، عسيتن ، عسيت ، عسينا
و عندي انه من البرازخ لعين ما مرّ في « ليس » و ذكرناه هنا مراعاةً لجانب عمله و قد حكي تصرّفه ايضاً نحو عسي يعسو كدعا يدعو و عسي يعسي كرمي يرمي و هو لرجاء المحبوب و اشفاق المكروه و يجمع المعنيين عسي ان تُحبّوا شيئاً و هو شرٌّ لكم و عسي ان تكرهوا شيئاً و هو خيرٌ لكم و روي في قوله تعالي عسي اللّه اَن يتوب عليهم عن الباقر عليه السلام ان « عسي » من اللّٰه واجب ، و هو في جميع الاحكام مثل «حري » الا في بعضها :
فمنها انه قد يجرّد الفعل بعده عن اَنْ فيأول بحذف الجارّ ● نحو قول الشاعر :
عسي الكربُ الذي امسيت فيه يكون وراءَه فرجٌ قريبٌ
اي ان يكون
[ص 76] و منها انه قد يحذف منه « ان يفعل » معاً نحو :
اكثرت في العذل مُلِحّاً دائماً لاتُكْثِرَنْ ● اني عسيت صائماً
اي عسيت ان اكون صائماً و كالمثل الساير عسي الغويرُ ● ابؤساً ● اي ان يكون ابؤساً
و منها انه قد جوّز في عسي اتصال الفعل بعده بالسببي اي الاسم الظاهر المضاف الي كناية تعود الي الفاعل نحو :
و ماذا عسي الحجّٰاجُ يبلغ جُهْدُهُ اذا نحن جاوزنا حفير زياد ●
و منها اتصال فاعله به نحو هل عسيتم ان توليتم ان تُفْسدوا و يجوز تقديم فاعله عليه نحو زيد عسي ان يقوم و هند عست ان تقوم و الزيدان عَسَيا ان يقوما و اما قوله تعالي عسي ان يكونوا خيراً منهم و عسي ان يَكُنَّ خيراً منهنّ و عسي ان تحبّوا شيئاً و عسي ان تكرهوا شيئاً فالفاعل فيها محذوف اي عسي اولئك ان يكونوا او يكنّ و عسيتم ان تحبّوا و ان تكرهوا فحذف الفاعل بقرينة ما في المفعول من الكناية نحو ليس تسقونا ● اي لستم تسقوننا او هي تامّة و المأول فاعلها علي لغة اهل الحجاز ،
و يجوز التذكير و الافراد في جميع الحالات ● نحو الزيدان عسي ان يقوما و هند عسي ان تخرج و به نزل التنزيل نحو قوله تعالي لايسخر قومٌ من قومٍ عسي ان [ص 77] يكونوا خيراً منهم و لا نساءٌ من نساء عسي ان يَكُنّ خيراً منهنَّ ،
و في مثل ● عسي ان يقوما اخواك و ان يذهبوا قومك المرفوع فاعل الفعل ● من باب « اكلوني البراغيث » ● و الالف و الواو علامتان للتثنية و الجمع علي الاصح كما يأتي و جاز في « سين » عسي اذا اتصل بتاء الكناية او النون الكسر نحو عسِيْت و عسِينا و عسِين و الفتح اعرف و قيل هذه الافعال يلزمن المُضِيّ فلايأتي منهن غير الماضي ● .
و من الافعال افعال المقاربة
و هي افعال تدلّ علي اشراف فواعلها علي الاتصاف بصفة معيّنة و لماتتّصف و هي كاد و كَرَبَ و اوشك و اولي و هلهل و هي في جميع ما ذكر في افعال الاستعداد [ص 78] مشاركة معها و تفارقها في بعض الصفات :
فمنها - ان الاعرف عدم اقتران الافعال بعد كاد و كرب بِاَنْ و قد تقترن نحو كادوا يكونون عليه لبداً ● و ماكادوا يفعلون و قول الشاعر :
كرب القلب من جواه ● يذوب حين قال الوشاة ● هند غضوب
و اما الاقتران فنحو قول الشاعر :
ابيتم قبول السلم منا فكدتم لدي الحرب ان تعتوا ● السيوف عن السّلّ
و قول الشاعر :
سقاها ● ذووا الاحلام سجلاً ● علي الظما ● و قد كربت اعناقها ● ان تقطّعا ●
و يغلب مع « اوشك » الاقتران نحو
و لو سئل الناس التراب لاوشكوا اذا قيل هاتوا ان يَمَلُّوا و يمنعوا
فيقدّر « لكاد » و « كرب » من و « لاوشك » في اي كاد و كرب من القيام مثلاً و اوشك في الفعل و قد لايقترن مع « اوشك » نحو
يُوشِكُ من فرّ من منيّته في بعض غِرّاته ● يوافقها
و منهم من جعل « اوشك » من قسم افعال الاستعداد لانه يقال يُوشِكُ زيدٌ اَنْ يحجّ و لمايخرج و يقال كاد زيدٌ يحجّ و قد اشرف علي الحج و لميثبت التفاوت لغة
و قد يستعمل « اوشك » بمعناه الاصلي نحو « اوشك في السير » ● بخلاف « كاد » [ص 79] و قد يستعمل منهما المضارع نحو يَكادُ زَيْتُها يُضيءُ و يُوشك من فرّ كما مر بل المضارع في اوشك اكثر استعمالاً و جاء :
فموشكة ارضنا ان تعود ● خلافَ الانيسِ ● وَحوشاً ● يَباباً ●
و جاء :
اموت اَسيً ● يومَ الرِّجام ● و انني يقيناً لرهن بالذي ● انا كائده ●
و « الرّجام » بالمهملة ثم الجيم موضع و حكي عنه المصدر ايضاً كَوْد كقول و مكاد كمقال و مكادة كمقالة و كَيْداً بقلب الواو ياءً و جاء وشكان ذا خروجاً و حكي يَكْرُب ايضاً من باب نصر ينصر و كارب نحو :
اَبُنَيَّ انّ اباك كاربُ يومه ● فاذا دُعِيتَ الي المكارم فاعجل
و قيل ● يجوز في كاد و اوشك الاسناد الي ضمير راجع الي سابق نحو زيد كاد ان يذهب و الزيدون اوشكوا ان يتكلموا و جاز الافراد و التذكير فيهما و عندي ان السابق ان كان مرفوعاً فاعل و قد يستغني « اوشك » عن المرفوع بالفعل نحو اوشك ان تذهبوا ● فتكون تامة في لغة اهل الحجاز .
[ص 80] و اما اولي فهو ككاد في احكامه نحو اولي زيد ان يقوم قال الشاعر :
فعادي ● بين هاديتين ● منها و اولي ان يزيد علي ثلث
اي قارب و كاد و الفرق انه لايستعمل الا مع اَنْ .
و اما هلهل فلايستعمل مع اَنْ ابداً نحو هلهل زيد يقوم و هو يفيد المبالغة في الاشراف .
و اعلم انه قد يكون مقام الفعل بعد كاد مفرداً نحو :
فَاُبْتُ الي فَهْمٍ ● و ماكِدْتُ آئباً ● و كَمْ مِثْلِها ● فارَقْتُهٰا وَ هْيَ تَصْفِر ●
و المعني و ماكدت اكون آئباً و « فهم » قبيلة و « تصفر » من صفير الطائر و قد يحذف من كاد « ان يفعل » نحو :
هممتُ و لمافعل و كِدْتُ ● و ليتني تركت علي عثمن تبكي حلائله ●
اي كدت ان افعل
و يتعين في « ان يفعل » بعد افعال المقاربة كون ضمير راجع الي فواعلها نحو كاد زيد يخرج و لايقال كاد زيد يخرج غلامه اللهم الا ان يكون المسند ● الي المتصل به ● بمعني الفعل المتصل بكنايته نحو كاد زيد يخرج نفسه ● فانه بمعني كاد زيد يموت .
و لما ان وضع الواضع جل و علا افعالاً لمحض وجود الاستعداد و القوة و افعالاً للدلالة علي قربها من الفعلية وضع افعالاً اخر للشروع في الفعلية و الاتصاف و هي انشأ و طفق و جعل و اخذ و علق و اقبل و قرب و هبّ ● اي نشط فهي ايضاً في جميع ما مر كافعال الاستعداد و افعال المقاربة الا انها لاتقترن باَنْ قيل لانها للشروع في العمل و يراد منها الحال و اَنْ للاستقبال فتنافيها و هو توهم و الفعل بعدها مأول بتقدير « في » فانشأ يقول اي شرع في القول
و قد جاء المفعول لجعل جملة اسمية نحو :
و قد جعلت قَلُوصُ ● بنيزياد ● من الاكوار ● مَرتعُها ● قريب
و فعل ماض كما يروي عن ابنعباس فجعل الرجل اذا لميستطع ان يخرج ارسل رسولاً اي شرع في ارسال الرسول و امثلة ما ذكر واضحة
و جاء حذف الفعل في طفق و الاكتفاء بالمصدر نحو قوله تعالي فطفق مسحاً بالسوق و الاعناق اي يمسح مسحاً
و اعلم انه قد يستعمل بعض الافعال استعمالها مع انها ليست منها نحو قام يشتم و قعد يبكي و لعلها من باب التضمين لمعني شرع
و قد مر سابقاً انه يتعين ان يكون في الافعال كناية عن الفواعل و قد جاء في جعل ما يرفع بدل الفاعل نحو :
[ص 82]و قد جَعَلتُ اذا ما قمت يُثْقِلُني ثوبي ● فانهضُ نهض الشارب الثَّمِلِ ●
و التقدير جعل ثوبي يثقلني
و حكي في طفق فعل المضارع ايضاً من باب ضرَب يضرِب و علِم يعلَم و فرح يفرح و المصدر « طُفُوق » كقعود و « طَفْق » كفلس من طَفَقَ كضرب و طَفَقْ كفرح من طَفِقَ كعلم
و كذا في جعل كما حكي الكسائي اِنّ البعير ليهرم حتي يجعلُ اذا شرب الماء مجّه ● برفع يجعل و فيه شذوذ وقوع الماضي بعده ايضاً .
و من الافعال ما وضع للتعجب
و هو استعظام الزيادة في وصف الموصوف به الذي قد خفي سببه فلو لميكن فيه زيادة كثر نظراؤه و شاع و زال العجب و لو لميخف سببه ابتذل العلم به و لميبق فيه استعظام و لذلك قيل اذا ظهر السبب زال العجب و يقع التعجب بعبارات شتّي كقوله سبحانه ما اَدْريٰك ما يومُ الدّين و كقوله كيف تكفرون باللّه و كنتم امواتاً و كقولهم لِلّهِ دَرُّك ● و لِلّهِ ابوك و مثل :
واهاً ● لليلي ثم واهاً واهاً هي المُنٰي ● لو انّنا نلناها
و مثل اِنّك لعلٰي خُلُقٍ عظيم و مثل سبحان من تحيّر في ذاته سواه و امثال ذلك الا انها غير موضوعة للتعجب بالخصوص و الموضوع له صيغتان مخصوصتان و هما [ص 83] ما اَفْعَلَهُ و اَفْعِلْ به و هما صيغتان غير متصرفتين و هما علي حالهما في جميع الاحوال قالوا و لاتبنيان الا مما فيه تسعة شروط و هي ان يكون فعلاً ثلثياً متصرفاً قابلاً للتفاضل مبنياً للفاعل تامّاً مثبتاً لميكن فاعله علي وزن افعل فعلاء مما وقع في الماضي فلايصاغان :
من الاسم و ما اذرع المرأة شاذّ من الذّراع كسحاب و هي المرأة الخفيفة اليد بالغزل و كذا اَقْمِن به من « قمن » ●
و لا من المزيد فيه و الرباعي لبطلان خواص الابواب في وزنه فقيل شذّ نحو ما اعطاه للمال و لي في هذا المقام كلام فانه قد جاء من المزيد فيه ايضاً في كلام افصح الفصحاء كثيراً كما هو في دعاء الصحيفة : ● سبحانه من غنيّ ما اعطاه و سبحانه من جواد ما افضله و سبحانه من مفضل ما انعمه و سبحانه من منعم ما اسيده و سبحانه من عفوّ ما احسنه و سبحانه من محسن ما اجمله و سبحانه من مجمل ما اقبله و سبحانه من راع ما اعونه و سبحانه من طالب ما ادركه و سبحانه من مدرك ما ارشده و سبحانه من عدل ما اتقنه و سبحانه من قاهر ما انشأه و سبحانه من منشئٍ ما احكمه ، فاذا جاء بهذه الكثرة في كلام الفصيح ارتفع الشذوذ و جوازه من باب الافعال هو مختار سيبويه و قد اصاب لما عرفت من وروده في الكلام النبوي
و لا من غير المتصرف لانه لو لميتصرف لميمكن اشتقاق فعلي التعجب منه و شذّ اعس به من « عسي » و لو لميكن قابلاً للتفاضل فلا زيادة له و لا تعجب منه
و لا من غير مبنيّ للفاعل لزوال هيئة البناء للمفعول و حصول اللبس
و لا من الافعال الناقصة و لا من المنفي و لا مما يشتق منه الفاعل علي افعل فعلاء و عن بعضهم التجويز في [ص 84] الالوان و عن بعض الكوفية في « الاسود » و « الابيض » خاصة و عن بعضهم في العيوب و عن البصريين المنع
و لا مما سيقع فانّ ما لميقع لايعقل التعجب منه
فاذا اريد التعجب من شيء من هذه الافعال يؤتي بافعال اخر يصحّ منها التعجب نحو اَشَدَّ و اَضْعَفَ و اَقَلَّ و اَحْسَنَ و امثالها مما يناسب المقام و ينصب المصدر المطلوب بعدها نحو ما اَقَلَّ تَكْرِيْمَكَ و يجرّ في الثانية نحو اعظم بانصافه و ان كان الفعل منفياً يتوصل اليه باَنْ نحو ما اكثر اَنْ لايقوم و كذا ان كان مجهولاً نحو ما اعظم اَنْ ضُرِبَ و قد يقع التعجب من المفعول نحو ما اشهره اي ما جعله مشهوراً
امّا « ما افعله » فاختلفوا في لفظة ما فيها بعد اجماعهم علي انها اسم فمنهم من قال انها في محل الرفع و مبتدء و ما بعدها خبر و منهم من قال انه لا موضع لها من الاعراب ثم اختلفوا في معناها فمنهم من قال انّها نكرة تامة بمعني « شيء » و صارت مبتدءً لتضمنها التعجب و منهم من قال انها معرفة ناقصة اي موصولة بمعني « الذي » و ما بعدها صلة و قيل نكرة ناقصة و ما بعدها صفة و الخبر محذوف اي شيء احسن او الذي احسن زيداً شيء عظيم و الحق الجليّ الخالي عن التكلف انها استفهامية واقعة موقع التعجب كما هو عن الكوفيين و محلها رفع علي الفاعلية للفعل الذي بعدها و غير عزيز التعجب بالاستفهام و قلة دخول « ماء » الاستفهامية علي الفعل لاتوجب المنع
و اما لفظة « افعل » فمختلف فيها ايضاً و ذهب الكوفيون الي انها اسم و قيل فعل و في جعل « افعل » اسماً ايضاً تكلف غير لازم فليكن فعلاً اذ لا مانع كقولهم ما اخرجك من حرم جدّك ● و يؤيده ما نقل من صحة ما احوجني [ص 85] اليك و ما افقرني اليك ● مع نون الوقاية و ما نقل من قولهم ما اُحَيْسنه و ما اُمَيْلحه ● فشاذ لايقاس عليه .
و اما « افعل به » فقد اختلفوا فيها ايضاً فعن جمهور البصريين ان لفظها امر و معناها ماض و خبر و قيل معناها ايضاً امر و الباء زائدة ● و المجرور فاعل الامر و قيل هو مفعول و الفاعل مستتر و المخاطب المصدر ● او كل متعجب و قيل انها اسم و الاقرب انها ايضاً من باب الافعال كالصيغة الاولي و المجرور مفعول و الباء لتضمين الفعل معني التعجب نحو كفي باللّه فانه بمعني اكتف باللّٰه و هذا باب واسع في العربية مرّ الاشارة اليه فكأنه قال اعجب به و المخاطب كل من يصلح للتعجب او الناظر او المطلع عليه فمعني اكرم بزيد متضمناً اي اعجب بكرمه و اما معني نفس اكرم اي اعتقد كرامته كما يقال احمده و ابخله اي وجده ذا حمد و ذا بخل و اعتقد انه ذو حمد و ذو بخل فاكرم به اي اعتقد كرامته فتقول ذلك [ص 86] تعجباً به و اما الباء فلتضمنها معني الاعجاب اي اعجب يا ناظر او يا سامع بزيد من اعجب برأيه اذا رأي منه العجب و هذا الوجه اقرب الوجوه و الاصل فيه الاستماع من العرب حيث استعملت هذين اللفظين في مقام التعجب
و قد يحذف المتعجب منه كما يروي عن علي عليه السلام :
جزي اللّه عنّي و الجزاء بفضله ربيعةَ ● خيراً ما اعفّ و اكرما
اي ما اعفّهم و اكرمهم و كقوله تعالي اسمع بهم و ابصر و ذلك عند وجود القرينة علي المحذوف كما هو القاعدة في كل محذوف و يمتنع ان يتقدم عليهما معمولهما و ان يفصل بينهما و بين معموليهما و بين « ما » و الفعل و جوّز مثل ما كان احسن زيداً و الفصل بالنداء كما روي عن علي عليه السلام لما رأي عمّار بن ياسر مقتولاً قال اعزز عليّ ● ابااليقظان ان اراك صريعاً مجدّلاً و « ان اراك » مفعوله و حذف الباء منه و عن بعضهم جواز احسن لولا بخله بزيدٍ و ما احسن احساناً زيداً و ما احسن راكباً زيداً و احسن راكباً بزيدٍ و كثير منهم جوّز الفصل بظرف او مجرور نحو ما احسن بالرجل ان يصدق و كقول علي عليه السلام اعزز عليّ ابااليقظان ان اراك و كقول الشاعر :
اقيم بدار الحزم ما دام حزمها و اَحْرِ اذا حالت بان اتحوّلا
و اذا تعلق الظرف او المجرور بمعمول التعجب لميجز الفصل نحو ما احسن معتكفاً في المسجد فلايقدّم المجرور و كذا احسن بجالس عندك فلايقدّم الظرف .
في افعال المدح و الذم
و هي نعم و بئس و يلحق بهما كل فعل صيغ علي وزن فَعُلَ بفتح الفاء و ضمّ العين سواء كان من اصله او بالتحويل و ان كان في الاصل مفتوح العين او مكسورها و شرطه ان يكون ثلثياً تاماً متصرفاً مثبتاً قابلاً للتفاضل مبنياً للفاعل و الوصف منه علي غير افعل فعلاء
فان كان الفعل صحيحاً مضموم العين استعمل في ذا الباب نحو كبرت كلمةً تخرج من افواههم و حَسُنَ اولئك رفيقاً و ان كان غير مضموم العين حُوّل الي مضموم العين نحو طَمُعَ الرجل زيدٌ و اما نعم و بئس فلصراحتهما في المدح و الذم و دلالتهما عليهما من حيث المادة و وضع الواضع اياهما لهما لميحوّلا و اصلهما من باب « عَلِمَ » و غُيّرا عن اصلهما و استعملا هكذا لاجل ان في لغة بنيتميم في فَعِلَ بفتح الفاء و كسر العين اذا كان عينه حلقيّة اربع لغات فَعِلَ بفتح الفاء و كسر العين و هي الاصل و فَعْلَ بفتح الفاء و سكون العين و فِعْلَ بكسر الفاء و سكون العين و فِعِلَ بكسرهما و جُوّز الاربع فيهما و لكن الحجازيين منعوا غير الاصل و كسر الفاء و سكون العين هو المشهور الجاري في الفصحي
و اذا كان معتل العين و غير مضموم العين حوّل الي مضموم العين مع اعلال يقتضيه فيقال قال و باع و ساء
و المعتل اللام يضم عينه بلا اعلال او معه نحو دَعُوَ و قَضُوَ ● بفتح الفاء و ضم [ص 88] العين و فتح الواو و قيل لايحوّل و يجوز في الناقص المضموم العين ● اسكانها
و اما باب القوّة ● فيضم فيه العين و يقلب الواو الآخرة ياءً نحو قَوُيَ بفتح الفاء و ضم الواو
و كذلك باب الشيّ ● فيقال شَوُيَ
و اما المضاعف فيعمل فيه معاملة الصحيح الا انه يدغم و قد ينقل حركة العين الي الفاء فيقال حُبَّ بضم الحاء و قد يحذف الضمة و يقال حَبَّ بفتح الحاء كقول الشاعر :
فقلت اقتلوها ● عنكم بمزاجها ● و حَبَّ بها مقتولةً حين تُقْتَلُ
بفتح الحاء و ضمها و كذا في كل فعل مضموم العين في مقام المدح و الذم كقول الشاعر :
لايمنع الناسُ منّي ما اردت و لا اعطيهم ما ارادوا حُسْنَ ● ذا ادباً
بضم الحاء و سكون السين و هنا مسائل :
الاولي - ان نعم و بئس فعلان كما اشرنا اليه و يدل عليه دخول التاء عليهما فيقال نعمت المرأة و بئست و عند جمع من الكوفيين انهما اسمان لدخول حرف الجرّ عليهما نحو قول الاعرابي حين بُشّر بولادة بنت له فقيل له نعم المولودة [ص 89] فقال واللّه ما هي بنعم المولودة نصرها بكاء و برّها سرقة و قولهم نعم السير علي بئس البعير و الحق ان حرف الجرّ داخل علي الجملة المحكية و يجوز دخول لام القسم عليه اجراءً اياه مجري المحكي نحو ان زيداً لنعم الرجل و واللّهِ لنعم الرجل انت .
الثانية - قيل ان افعال المدح و الذم انشائية لادلة واهية :
منها انك تحدث المدح بهذه اللفظة و ليس المدح موجوداً في الخارج تخبر عنه و لاجل ذلك لايقبل التكذيب و هو محض ادعاء
و منها انك تعني به مدحه علي جودته خارجاً و هو انشاء و كذا قالوا في التعجب و هو كلام لا معني له اذ كل خبر هكذا فقام زيد يعني به قيامه خارجاً بل الواقع انهما خبران كالتعجب فجري التعجب علي صورة الاستفهام او الامر و المراد الاخبار بانه شيء ذو فضل يعجب منه فتخبر بقولك ما احسن زيداً فضل حسن زيد علي غيره و كونه بحيث يتعجب منه و كذلك افعال المدح و الذم فاذا قلت نعم الرجل زيدٌ تخبر المخاطب بحسن رجولية زيد .
[ص 90] الثالثة - ان افعال المدح و الذم تقتضي فواعل بعدها و لا بدّ من كونها محلاة باللام للعهد الخارجي في الشخص المخصوص و اخطأ من قال انها للجنس ● فانك بالبداهة لاتقصد مدح الجنس و لذا لايصح دخول الكلّ عليه فلايقال نعم كلّ الرجل زيد فانك تقول نعم الرجل زيد و بئس الرجل عمروٌ ● و كذا من قال انها للعهد الذهني فانك لاتريد مدح رجل مبهم في ذهنك و علي ما قيل لا بد و ان يكون الرجل في الذهن نكرة غير معروفة عند السامع و ليس تقصد ذلك بالبداهة بل المراد مدح رجولية زيد في الخارج لا غير فقولك نعم الرجل زيد تعني به نعم رجولية زيد الاتري انك لو اردت غير هذا الحيث و اردت علمه تقول نعم العالم زيدٌ و لو اردت كتابته قلت نعم الكاتب زيدٌ و في جميع هذه الموارد لاتقصد الجنس و لا المبهم الذهني ● فتدبر و انصف فان درايات القوم غير متبعة بالجملة لا بد و ان يكون الفاعل محلي باللام نحو نعم العبد و بئس الشراب او مضافاً الي المحلّي بغير واسطة نحو نعم صاحب الرجل زيد او مضافاً الي المضاف الي المحلّي نحو قول ابيطالب :
فنعم ابنُ اخت ● القوم غيرُ مُكَذَّبٍ ● زُهَيْرٌ ● حسامٌ ● مُفْرَدٌ من حَمايل ● [ص 91]
و قد يكون الفاعل مضمراً فيميّز بنكرة منصوبة مفردة نحو بئس للظالمين بدلاً ● و قال الشاعر :
نعم ● امرءاً هرمٌ ● لمتَعْرُ ● نائبةٌ الّا و كان لمرتاح ● بها ● وَزَراً ●
او مضافة نحو نِعْم ● ضاربَ رجل بفتح الباء و قد يحذف التمييز نحو اِن فعلت كذا فبها و نعمت اي نعمت فعلة و قد يجمع التمييز مع الفاعل نحو :
نعم الفتاةُ فتاةً هندُ لو بذلت ردّ التحيّة نطقاً او بايماءٍ
و قد يكون الفاعل ظاهراً مضافاً الي نكرة نحو نعم ضاربُ رجلٍ ●
و يشترط مطابقة الفاعل و المخصوص في الخمسة ● فللمفرد تقول نعم الرّجلُ زيدٌ و للاثنين الرجلان و للكثير الرجال و للانثي المرأة هكذا
و اما اصل الفعل فيجوز فيه الوجهان فتقول نعمت المرأة هند و بئست المرأة هند و نعم المرأة و بئس المرأة ايضاً .
الرابعة - و كذلك تقتضي هذه الافعال مخصوصاً بالمدح او الذم و هو الشيء المعين الذي قصدت مدحه او ذمّه فيذكر بعد الفاعل نحو نعم الرجل زيدٌ فقيل هو مبتدء مؤخر بدليل صلوحه لان يقع بعد افعال تدخل علي ما يصلح للجملية [ص 92] كما تقول نعم الرجل كنت و نحو قول الشاعر :
يميناً لنعم السّيدان ● وُجِدتما ● علي كل حال من سحيلٍ و مبرمٍ ●
فهو مبتدء مؤخر و الجملة خبره و الرابط حرف التعريف فقد يقدّم المبتدء فتقول زيدٌ نعم الرجلُ و يدخل عليه الافعال الناقصة و امثالها نحو كنت نعم الرجل و ظننتك نعم الرجل و قيل انه بدل و هو الحق عندي و لكنه ابدال اعرف عن اخفي و انما اتي به للتوضيح و لينصرف ذهن المستمع الي ان المعهود رجولية زيد و اما ان قدّم زيد فهو مبتدء موطّئ لان الفعل لايقع خبراً كما يأتي و المخصوص ضمير مستتر اي زيد نعم الرجل هو و هو بدل عن الرجل استغني عن ظهوره لاجل القرينة و هي زيد فتدبر و انصف
و قد يحذف الفاعل و يميز ثم يذكر البدل بعده نحو نعم رجلاً زيد و قد يؤخر التمييز عن البدل نحو نعم زيدٌ رجلاً و قد يذكر بعد الفعل حال سواء كان قبل البدل او بعده نحو نعم راكباً زيد و نعم زيد راكباً و يجب الموافقة بين الحال و البدل في الخمسة و العامل في الحال و التمييز الفاعل بواسطة الفعل
و قد يحذف البدل عند قيام القرينة نحو انّا وجدناه صابراً نعم العبد انه اوّاب اي ايوب و نحو نعم الماهدون اي نحن .
الخامسة - كبئس ساء و اصله كقال قولاً و نصر ينصر حوّل الي فَعُل مضموم العين و اعلّ حتي صار ساء نحو قوله تعالي ساء ما يحكمون و ساءت مرتفقاً ●
[ص 93] و كذا حَبَّ فانه كفرّ و ملّ في الاصل فحوّل الي فَعُل مضموم العين ثم ادغم الباء في الباء و قد ينقل الضمة الي الحاء و قد تحذف ثم قد يلحق به ذا و تكون فاعلاً له فيقال في المدح حبّذا و في الذم لاحبّذا كقول الشاعر :
الا حبّذا عاذري في الهوي و لاحبّذا الجاهل العاذل ●
و اذا عطف اقتصر علي حبّ كقول القائل حبّذا رباً و حبّ ديناً و المخصوص بدل محذوف و قيل مبتدء و الجملة خبره و الرابط اسم الاشارة و « ربّاً » تمييز و قيل ان « ذا » مبتدء محذوف الخبر و قيل عكسه و قيل عطف بيان و قيل بدل و قيل المركب فعل لغلبة الفعلية و المخصوص فاعل و قيل المركب اسم و مبتدء و المخصوص خبر و ما ذكرناه اولاً هو الظاهر و لايتقدم المخصوص علي « حبّذا » و قد يلحق بالمخصوص الباء و هي زائدة كقول الطرمّاح :
حبّ بالزَّوْر ● الذي لايري منه الا صفحه او لِماماً ●
و قد يقع بعد « حبّذا » حال او تمييز قبل المخصوص و بعده كما مرّ و العامل و ذو الحال و المبهم المحتاج الي المميز الفاعل و لايتغير « حبذا » عما هي عليه .
[ص 94] السادسة - قد يلحق بنعم و بئس ما ثم يقع بعدها جملة فعلية نحو قوله تعالي نعمّا يعظكم به او اسم مفرد نحو فنعمّا هي فان وقع بعدها جملة فما موصولة اي نعم الذي يعظكم به و نحو بئسما اشتروا به انفسهم اي بئس الذي اشتروا به انفسهم او نكرة موصوفة بالجملة علي اصطلاحهم ● اي نعم شيء يعظكم و ان وقع بعدها مفرد فمعرفة تامة نحو نعم الشيء هي او نكرة تامّة علي التمييز اي نعم شيئاً هي او لميقع بعدها شيء فحينئذ ما نكرة تامّة تمييزاً فنحو دققته دقّاً نعمّا اي نعم شيئاً او معرفة تامّة فاعلاً اي نعم الشيء و المخصوص فيهما محذوف و قيل ما في نعمّا يعظكم مخصوص اي نعم الشيء ما يعظكم و قيل كافّة كما كفّت قَلَّ و طال فدخلتا علي الجملة نحو قلّما اعطيت و طالما دعوتك .
السابعة - و اما في ساير صيغ المدح و الذم فيجوز ان يؤتي بالفاعل اسماً ظاهراً مجرّداً من « ال » نحو فَهُم زيدٌ اذا صار كثير الفهم و خَرُجت هندٌ اذا صارت كثير الخروج و طَمُع عمروٌ اذا صار كثير الطمع و قَضُو خالد اذا صار كثير القضاء و خَبُث بكرٌ اذا صار كثير الخبث و يجوز ذكر الفاعل المحلّي باللام مع المخصوص نحو فَهُم الرجل فلان و خَرُجت المرأةُ هند ، و علي هذه فقس ما سواها ، و قد يضمر الفاعل و يميّز نحو كَبُرَت كلمةً تخرج من افواههم اي كبرت كلمة ما تخرج من افواههم و قد يذكر التمييز مع المخصوص و يحذف الفاعل نحو حَسُن اولئك رفيقاً اي حسن الرجال اولئك من حيث الرفاقة و يجوز ان يقال « اولئك » فاعل قام مقام المحلّي باللام و استغني الفعل به عنه و يجوز ان يجرّ المخصوص بالباء تشبيهاً [ص 95] بمفعول « افعل به » نحو حَسُن بزيد كما قال بعضهم مررت بابيات جاد ● بهنّ ابياتاً و جُدْن ● ابياتاً و كلمة « ابياتاً » فيهما تمييز .
لما ان فرغنا من بيان اقسام الفعل المتصرف و ما يلحق به ناسب ان نذكر امر مطابقة الفعل مع الفاعل فان الفعل اثر الفاعل و الاصل فيه ان يكون علي صفة فاعله
فاقول ان الفاعل اما مذكر او مؤنث و كل منهما اما حقيقي او لفظي و كل منها اما مفرد او تثنية او جمع و الجمع اما سالم او مكسر و يلحق بالجمع اسماء الجنس و الجمع ● و كل من هذه اما بعد الفعل او مقدم علي الفعل و الذي بعد الفعل اما متصل بالفعل او منفصل و لكل من هذه الاقسام حكم
اما المؤنث الحقيقي المتصل سواء كان مقدماً او مؤخراً و المنفصل و اللفظي المقدمان مفردة او مثناة فحكم الفعل في الاسناد اليها ان يكون مع علامة التأنيث وجوباً و هو الاصل و ما حكي من قول العرب قال فلانة ان صحّ و لميكن لحناً منه فشاذّ مخصوص بالسماع في ذلك اللفظ بخصوصه و اعلم ان العرب ليسوا بمعصومين و ليسوا كلهم بفصحاء لايلحنون فلربّما يلحن واحد منهم كما يلحن اصحاب ساير الالسن و لا حجة فيه و انما العبرة بذوي المرّة ● لا الذي لايعرف الهرّ من البرّ ● فالمثال [ص 96] اذ قالت امرأة فرعون و ضربت هند و الهندان و هند ضربت و الهندان ضربتا و هند يوم الجمعة ضربت و الهندان يوم الجمعة ضربتا و تري الشمس اذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين و اذا غربت تقرضهم ذات الشمال و اما نحو قول الشاعر :
فلا مُزْنَةٌ ● ودقت ● ودقَها ● و لا ارض ابقل اِبقالها ●
فلمحل الضرورة و لا كذلك نعم و بئس فانك فيهما بالخيار فتقول نعم المرأة هند و نعمت المرأة و كذا في بئس و ذلك انهما ليسا في حد ساير الافعال المتصرفة لعدم جريان انحاء تصرفاتها عليهما
و انت في المؤنث اللفظي المؤخر سواء كان متصلاً او منفصلاً و الحقيقي المؤخر المنفصل بالخيار فلك ان تقول طلع الشمس و طلعت الشمس قال اللّٰه تعالي و جُمِعَ الشمسُ و القمر و طلع اليوم الشمس و طلعت اليوم الشمس و ضربت اليوم هند و ضرب اليوم هند الا ان الالحاق في اللفظي مع عدم الفصل اجود و تركه مع الفصل كقوله تعالي فمن جاءه موعظة من ربه و الكل فصيح و قيل الفصل فيهما ان كان بالّا فترك العلامة اجود نحو ماقام الا هندٌ و ماطلع الا الشمس فان المستثني منه ليس بمتعين التأنيث و كذلك في الكناية المنفصلة نحو هند ماقام الا هي و الشمس ماطلع الا هي و الا فالالحاق في الحقيقي اجود نحو حَضَرَتِ القاضي امرأة اللهم الا ان يكون اسم امرأة من الاسماء الخاصة بالرجال فلايجوز حينئذ ترك العلامة للالتباس نحو حضرت القاضي زيد اذا كان « زيد » اسم امرأة
[ص 97] و اما الجمع سالماً كان او مكسراً بشرط كون السالم بالالف و التاء فان كان بعد الفعل فانت فيه بالخيار نحو ظهر الرجال او الايام او النسوة او الدور او الطلحات او الجبلات او الزينبات و ظهرت فيها جميعاً قال اللّٰه تعالي قالت الاعراب و قال نسوة الا ان حذف العلامة من الرافع بلا فصل مع الجمع احسن منه مع المفرد و المثني و قيل حكم « البنين » حكم الابناء و ان كان بالواو و النون لعدم بقاء واحده علي حاله و كذا حكم « السنين » و « الارضين » لانّ حكم المفرد غلب حكم الجمع ● و ان تقدم الجمع غير العاقل و الملحق به فيلحق بالفعل العلامة نحو الايام او الجبلات او النسوة او الزينبات او الدور او الظلمات ظهرت و تظهر او ظهرن و يظهرن و اما الجمع العاقل فان كان بالواو و النون فتلحق بالفعل له الواو فتقول الزيدون ضربوا و لايجوز عند البصرية ضربت و ان كان بغيرهما فيجوز الواو و التاء فتقول الرجال او الطلحات ضربت و ضربوا و تضرب و اجاز الكوفيون التذكير و التأنيث في جمع التصحيح خلافاً للبصريين نحو الا الذي آمنت به بنوااسرائيل و اذا جاءك المؤمنات و قيل ان « بنو » ليس جمع تصحيح و قد اجبنا عنه في باب اعراب الجمع و يأتي ان شاء اللّٰه