فصل - ان الروح اذا قطع التوجه عن ظاهر البدن بواسطة حصول الابخرة الحاجبة بين شمسه و ارض البدن عند كثرة اشراقها علي البدن و تسخينها له و تلطيفها لرطوباته و تبخيرها اياها في فضاء البدن حتي حجبت بين شمس الروح و البدن و نام الانسان اي استرخت اعضاء بدنه بواسطة خفاء الروح عنه و لميشعر الروح من مشاعر البدن بواسطة حجب تلك الابخرة بينه و بينها التفت الروح الي نفسه و ما في صقعه و اشتد توجهه بالمشاعر الباطنة اذا لميجد في ظاهر البدن موضع توجه قام يجيلها في عالم المثال و يدرك بها صريحا بلا غبار فاما ان يتوجه الي ادني عالم المثال المرتبط بعالم الزمان و المواد الزمانية بسبب عدم الحجاب بينه و بين اسفل الزمان و عدم انقطاعه عنه بالكلية فيري الاشياء كما هي في عالم الزمان ان لميكن له صبغ آخر فيري زيدا بصورته الزمانية ان جاء كمجيئه في الدنيا و تكلم و اكل و شرب و هكذا كما يري الرائي في الدنيا بعينه الظاهرة و اما اذا انقطع توجه الروح عن اسفل عالم المثال ايضا [ص 73] و اظطلم عليه كما اظطلم عليه الزمان توجه الي اعلي عالم المثال فيجد الاشياء هناك علي صور غير صورها الدنياوية مثلا يري الزاني اللوطي علي صورة فيل و ان لميصعد عن اسفل المثال يراه بصورته في الدنيا و يري اذا صعد المؤنث بصورة الدب و الا بصورته في الدنيا و يري العلم اذا صعد بصورة اللبن و الا فبصورته في الدنيا من قول او خط و امثال ذلك و من هذا الباب ما مر عن الخرايج من رواية معروف الطيان و رؤية القناة و ما مر عن المناقب من رواية ياسر الخادم و رؤية القفص و القوارير و ما روي عن الكشي بسنده عن ياسر الخادم ان اباالحسن الثاني عليه السلام اصبح في بعض الايام قال فقال رأيت البارحة مولي لعلي بن اليقطين و بين عينيه غرة بيضاء فتأولت ذلك علي الدين و ما روي عن الكافي عن ابناذينة ان رجلا دخل علي ابيعبدالله عليه السلام فقال رأيت كأن الشمس طالعة علي رأسي دون جسدي فقال تنال امرا جسيما و نورا ساطعا و دينا شاملا فلو غطتك لانغمست فيه و لكنها غطت رأسك اماقرأت فلما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي فلما افلت تبرأ منها ابرهيم قال قلت جعلت فداك انهم يقولون ان الشمس خليفة او ملك فقال مااراك تنال الخلافة و لميكن في آبائك و اجدادك ملك و اي خلافة و ملوكية اكثر من الدين و النور ترجو به دخول الجنة انهم يغلطون فقلت صدقت جعلت فداك و عنه ايضا بالاسناد المتقدم عن رجل رأي كأن الشمس طالعة علي قدميه دون جسده قال مال يناله من نبات الارض من بر او تمر يطأه بقدميه و يتسع فيه و هو حلال الا انه يكد فيه كما كد آدم عليه السلام و هكذا و نحن نعنون لك بابا في التعبيرات المروية لتهتدي بها و الغرض هنا اعلامك ان الرؤيا الصادقة اذا كانت صورتها مطابقة مع صورة الشئ في الزمان فهو دليل عدم صعود الروح و عدم توجهه الي اعلي عالم المثال و ان رأي صورا علي خلاف صور الاشياء في الزمان فهو دليل صعود الروح الي اعلي عالم المثال و انقطاعه عن الاسفل و لصعود الروح الي الاعلي اسباب روحانية [ص 74] و اسباب جسدانية اما الاسباب الجسدانية فبان لايكون الروح البخاري لكثرة رطوبته و غلظته كثير التجسد كروح الحيوانات فلايستغرق في النوم لتجسد روحه و قلما يتفاوت نومه و يقظته و ذلك كارواح الصبيان و النسوان و السوداويين فان ارواح هؤلاء غليظة مجسدة قليلة الانقلاع فتخلد ارواحهم في ابدانهم و لذلك تجدهم يتحرك ابدانهم بتحرك روحهم في المنام فيمشي ابدانهم بمشي روحهم و يتكلم ابدانهم بتكلم ارواحهم حتي ان من هؤلاء من يتحرك اعضاؤه بواسطة تخيلاتهم فيتكلمون بما يتخيلون حال تخيلهم و يتحرك اعضاؤهم علي حسب خيالهم و انما ذلك لغلظة ارواحهم و ممازجتها اجسادهم و عدم مفارقتها عنها بالكلية و اما بطؤ تنبه الاطفال و النسوان لكثرة ابخرة ابدانهم الحاجبة بين ارواحهم و اجسادهم و ان كانت ارواحهم ايضا غليظة و اما السوداويون فلقلة رطوباتهم فهم و ان ناموا و لكنهم سريعوا التنبه البتة و ان لايكون البدن قليل البخار لقلة الرطوبات فيه فيقل ابخرة بدنهم فلاتصير بحد تحجب بين روحهم و بين جسدهم فلايرفع تعلق الروح بالكلية و لايتمحض تعلقه باعلي عالم المثال فهم ارواحهم تسير في وسط الهواء و تشاهد الاشياء بصورها الزمانية و لذلك يكون الرؤيا في السحر و بين الطلوعين و اول النهار علي هيئة الاشياء في الزمان غالبا فيقع عين ما يري ان لميكن مانع آخر من صبغ نفس الروح و قد يكون ذلك بسبب شرب اشربة حارة يابسة كالسمن و الشاء الخطائي و القهوة و امثالها او اغذية سوداوية فانها كلها يحلل بخار البدن و يقلله فلايحجب بين الروح و البدن فلايستغرق في النوم و ان جاهد نفسه فلايصعد روحه الي الاعلي و اما الاسباب الروحانية فان لايكون الشخص مهتما بامر شديد الفكر فيه فيضعف انقلاع روحه عن جسده و لايتجاوز اسفل عالم المثال فيري غالبا الاشياء علي هيئتها و ان كان اكثرها فيما يهتم به و ان يكون قد نام من غير ذكر و لا طهارة فان روحه حينئذ متسفل ضعيف بارد لايصعد الي اعلي عالم المثال و يكون لبرده ممازجا للاسفل [ص 75] كالروح المتجسد الذي لميكن ينقلع علي حد قوله سبحانه و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب الآية ، فالذي لايذكر الله و لايتطهر يبعد روحه عن المبدء و يغلب عليه رطوبات البعد و الكسالة عن الطاعة و التقرب فيغلظ و يبرد فيبقي ممازجا لاعالي البدن و اسافل المثال فيري الاشياء بصورها الزمانية فاذا تذكر و تطهر اشتد حرارته الغريزية و تلطف و تقوي و اشتد مفارقته فانقلع عن اسفل عالم المثال فصعد كالروح الذي هو شديد الحرارة اي حرارته الغريزية شديدة و الا فالحرارة البدنية اذا اشتدت قلت الرطوبات و البخار و رق النوم و لميصعد الروح فافهم و ان يكون الرجل مؤمنا صالحا متقيا و لاسيما اذا كان عالما لاسيما اذا كان حكيما عارفا و لاسيما اذا كان من اهل الكشف و المجاهدات و الرياضات فان ارواح هؤلاء بانفسها معلقة بالملاء الاعلي قليلة التعلق بظاهر الحيوة الدنيا فهم نوعا تصعد ارواحهم الي اعلي المثال و لنعم ما قال الشاعر :
قوم فعلوا خيرا فعلوا و علي درج العليا درجوا
صحبوا الدنيا بجسومهم و اليك بانفسهم عرجوا
و قال اميرالمؤمنين عليه السلام في وصفهم صحبوا الدنيا بابدان ارواحها معلقة بالملاء الاعلي ، و بذلك صار كثير من رؤيا المعصومين بصور مخالفة لصور الزمانيات فمنها ما مر عن الكشي في رؤيا ابيالحسن الثاني مولي لعلي بن يقطين و بين عينيه غرة بيضاء فتأول ذلك علي الدين و عن الكافي بسنده عن زرارة عن ابيجعفر عليه السلام قال رأيت كأني علي رأس جبل و الناس يصعدون اليه من كل جانب حتي اذا كثروا عليه تطاول بهم في السماء و جعل الناس يتساقطون عنه من كل جانب حتي لميبق منهم الا عصابة يسيرة ففعل ذلك خمس مرات في كل ذلك يتساقط عنه الناس و تبقي تلك العصابة اما ان قيس بن عبدالله بن عجلان في تلك العصابة فمامكث الا نحوا من خمس حتي هلك و عنه ايضا بسنده عن علي بن [ص 76] عيسي القماط عن عمه عن ابيعبدالله عليه السلام قال رأي رسول الله صلي الله عليه و آله بنيامية يصعدون علي منبره من بعده و يضلون الناس عن الصراط القهقري الخبر ، و قد رءاهم بصورة القردة و عن مجالس الصدوق صفة رؤيا اميرالمؤمنين عليه السلام بنينوي و هو بشط الفرات فقال رأيت في منامي كأني برجال قد نزلوا من السماء معهم اعلام بيض قد تقلدوا سيوفهم و هي بيض تلمع و قد خطوا حول هذه الارض خطة ثم رأيت كأن هذه النخيل قد ضربت باغصانها الارض يضطرب بدم عبيط و كأني بالحسين فرخي و مضغتي و مخي قد غرق فيه يستغيث فلايغاث و كان الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه و يقولون صبرا آل الرسول فانكم تقتلون علي ايدي شرار الناس و هذه الجنة يا اباعبدالله اليك مشتاقة ثم يعزوني و يقولون يا اباالحسن ابشر فقد اقر الله عينك به يوم يقوم الناس لرب العالمين ثم انتبهت هكذا و عن مناقب الخوارزمي قال لما كان وقت السحر في الليلة التي حوصر فيها الحسين عليه السلام خفق برأسه خفقة ثم استيقظ فقال رأيت في منامي الساعة كأن كلابا قد شدت علي لتنهشني و فيها كلب ابقع رأيته اشدها علي و اظن ان الذي يتولي قتلي رجل ابرص من بين هؤلاء القوم الخبر ، و منها رؤيا يوسف احدعشر كوكبا و الشمس و القمر رءاهم له ساجدين و كان التأويل اخوته و اباه و امه الي غير ذلك فعندي الرؤيا التي تخالف صورتها صورة الزمانيات ارفع مقاما و اعلي درجة و اقرب الي الملكوت و التي توافق صورتها الزمانيات و تقع كما رأي الرائي بعينه هي عندي انزل رتبة و اقرب الي الملك و ان كان الناس يستعظمون هذه و لايعتنون بتلك كثيرا فما رآه الرائي في اعلي عالم المثال يحتاج الي التأويل و التعبير و ما رآه في اسفل عالم المثال لايحتاج الي تعبير ان لميكن صبغ من نفس الروح و الا فيصدق جنسها او نوعها او بعض اجزائها او لايصدق ابدا كما مر فافهم ذلك و تبصر بصرك الله و علمك ما لمتكن تعلم .
في كليات في علم التأويل و قواعد يقتدر الانسان بسببها علي تعبير الرؤيا و في هذا الباب ايضا فصول :
فصل - اعلم ان التأويل هو صرف الشئ عن ظاهره الي امر مماثل له في النوع فالقانون الكلي في التأويل ان تأخذ الشئ مجردا عن خصوص شخصيته و تنظر الي النوع الساري فيه و في مثله الذي به استحق ذلك الاسم النوعي فتأول هذا الاسم عن ذلك المعني الظاهر المعروف الي فرد آخر من افراد ذلك النوع مثلا لفظ الميزان ظاهره هو الآلة المعروفة ذات الكفتين التي يوزن بها الاجسام الثقيلة فتجرده عن المعني الشخصي و هو كونه ذا كفتين فتقول ان الميزان يقال له ميزان لانه يوزن به الجسم فالقفان مثلا هو ايضا ميزان لانه يوزن به الجسم فتأوله عن معناه الظاهر الي القفان او تأخذ نوع النوع فتقول ان الميزان ما يوزن به الكم فالفرجار الذي يوزن به طول الخطوط و قصرها هو ايضا ميزان فتأول الميزان عن ظاهره الي الفرجار فانه ايضا ميزان يوزن به الكميات و الكم اعم من الثقلية او الهندسية او تأخذ نوعا اعلي فتقول ان الميزان ما يوزن به مجهول المقدار فالمفاعيل العروضية ايضا ميزان يستعلم به مقدار حروف الاشعار فيعلم ايها زايد و ايها ناقص فتأول الميزان الي العروض و مفاعيله او تأخذ نوعا اعلي و تقول ان الميزان ما يعلم به المنحرف عما يقاس به غير المطابق به فالنحو ايضا ميزان اللغة فانه تعرض علي قواعده فما طابقها و وافقها فهو راجح و ما انحرف عنها و لميطابقها فهو مرجوح فتأول الميزان الي علم النحو او تأخذ نوعا اعلي و تقول ان الميزان ما يوزن به الشئ و يقاس به و يعلم رجحانه اي حقيته عن مرجوحه اي باطليته فان الحق ثابت ثقيل متأصل و الباطل زايل خفيف مجتث غير متأصل و منه قوله من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية فالموازين الثقيلة ليست الا الحسنات و من خفت موازينه فامه هاوية فالموازين الخفيفة ليست الا السيئات فالميزان ما يعلم به الحق [ص 78] الثقيل عن الباطل الخفيف فاذا كلام الله و كلام رسوله و حججه عليهم السلام هو الميزان و القسطاس المستقيم فانه يعرف بالقياس به الحق من الباطل ما وافقه فهو حق ثقيل و ما خالفه فهو باطل خفيف فتأول الميزان الي القرآن و سنة النبي صلي الله عليه و آله و مرة تأخذ الميزان في النوع الاعلي و تقول ان الميزان هو ما يعرف المتأصل عن المستأصل فان المتأصل ثقيل ثابت و المستأصل خفيف زاهق فذوات الحجج عليهم السلام هي الميزان فمن وافقهم فهو ثابت متأصل و في الجنة و العيش الابدي دائم مخلد و من خالفهم فهو مستأصل خفيف زاهق فمثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار و هكذا فيصعد درجات التأويل بقدر سير العالم طولا و ينتشر عرضا في الافراد بقدر سيره عرضا و لكل درجات مما عملوا و فوق كل ذي علم عليم مثال آخر لذلك الكلمة مثلا ظاهرها ما يتكلم به الرجل فتقول ان الكلمة لفظ مركب من حروف و سمي الحرف حرفا لانه طرف الكلمة و اللفظ هو الرمي و سمي الكلمة لفظا لانها ترمي من الفم و اظهار تلك الكلمة رميها فالكلمة هي المركبة من حروف رميت من مخرجها فما رمي اي ظهر في اليد في الكتابة فهو ايضا كلمة غاية الامر انها تدوينية و ما ظهر من الفم منطوقية و كذلك اذا ظهر من اليد لا من مادة مدادية بل من خشب او حديد فان صاغ الانسان من الخشب حروفا مركبة فهي ايضا كلمة مصنوعية و كلمة و كذلك اذا صنعها من لحم او عظم و دم و جلد فانها مركبة من حروف و اطراف و رميت و ظهرت باليد فهي ايضا كلمة و كذا لايلزم ان تكون بخط النسخ او التعليق او الرقاع او الكوفي او غير ذلك بل باي خط كان فالانسان ايضا كلمة رمتها و اظهرتها يد الصنع و هي ايضا مركبة من حروف و اطراف و كذلك العرش كلمة و الكرسي كلمة و الافلاك كلمات و العناصر كلمات و كل مولود كلمة ثم تصعد ذلك فتقول لايجب ان تكون من حروف [ص 79] جسمية و من نوعها الحروف النورية فالمثال كلمة و المادة كلمة و الطبع كلمة و النفس كلمة و العقل كلمة و تقول من النوع الاعلي النور بالمعني الاعم فالمشية كلمة و الارادة كلمة و القدر كلمة و القضاء كلمة و هكذا فعلي هذه فقس ما سواها و اعرف درجات التأويل و اعلم ان القرآن الذي يقول سبحانه فيه تبيانا لكل شئ و يقول مافرطنا في الكتاب من شئ هكذا يجمع الكتاب جميع ما خلق الله سبحانه و يستخرج منه تفصيل كل شئ و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم و بذلك اختلفت الاخبار في معني كلمة واحدة و ليست باختلاف بل كلها حق مراد واقع و لكن لايعلمه الجاهلون فالراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا و مايذكر الا اولوا الالباب فافهم فقد فتحت علي وجهك بابا اوسع من السماء و الارض و اقدرتك ان اقتدرت علي كثير من العلوم و علمتك ان تعلمت ابوابا من علم الكتاب و السنة فاعلم من ذلك انه ليس التأويل كما يزعمه الجهال ان تصرف الكلمة الي معني ليس من صنف الظاهر و لا من نوعه و لا من جنسه و لا من جنس جنسه و هكذا و لو سلكت هذا الطريق لمتخط في التأويل كما اخطأ الصوفية خذلهم الله فاولوا قوله سبحانه لهم عذاب عظيم اي عذوبة عظيمة و حكموا برفع العذاب بذلك عن الكفار او كمن يأول هم في جهنم خالدون يعني في نار العشق خالدون و كتأويلات البابية الفجرة حيث اولوا جميع الشرايع في نفوسهم الخبيثة و ادعوا جميع المقامات الالهية كما اظهرنا خطاءهم في كتابنا ازهاق الباطل فالتأويل الحق له صراط مستقيم من سلكه وصل و من الحد فيه ضل و في هذا المقام روي ان لنا في كل خلف عدولا ينفون عن ديننا تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين ، فالتأويل ان كان في التشريع ياول الكلمات الحقة الي اصنافها و انواعها و اجناسها الحقة و الكلمات الباطلة الي اصنافها و انواعها و اجناسها الباطلة و ان كان في التكوين تصرف الي اصناف و انواع و اجناس كونية ثم لا كرامة [ص 80] و لا مذلة و لا منقبة و لا مثلبة فافهم ما القيته اليك من مكنون العلم فليس من اي الي اي كما زعمه الجاهلون فخبطوا خبط عشواء و ابطلوا الشرايع ثم انكروا الظواهر و تمسكوا بتأويلاتهم الباطلة و خلطوا التكوين بالتشريع فافسدوا بذلك الشرايع و السنن و ظواهر الدين فاستعذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين فالتأويل الحق لكلمة لا بد و ان يطابق مع ظاهر كلمة اخري و الا فلايجوز فهذا هو القانون الكلي في علم التأويل في الرؤيا و غير الرؤيا فبذلك تعرف ان اكثر تعبيرات المعبرين خبط عشواء لايستند الي مأخذ و ما عسي ان يقولوا و شيخهم ابنسيرين السني المعاند للراسخين في العلم صلوات الله عليهم الناصب لهم و لا حق في الدنيا الا ما خرج عنهم و لو تدبرت في ما ذكرت لك استغنيت عن بسط تأويل كل شئ شئ و كنت غنيا عن كتبهم عالما بالتأويل حق العلم فاشكر الله سبحانه علي ما اتيك الله .
فصل - فاذا عرفت قانون التأويل طولا و عرضا فلا بد لك و ان تعرف حال الرائي و درجته و مقامه من انه هل يجب ان يأول رؤياه طولا الي الصنف او النوع او الجنس او جنس الجنس و عرضا الي اي مصانف او مناوع او مجانس فان الاشخاص يختلفون في الدرجة و الرتبة و الطبيعة اعتبر من تأويل ابيعبدالله عليه السلام رؤيا رجل قال رأيت كأن الشمس طالعة علي رأسي دون جسدي قال له تنال امرا جسيما و نورا ساطعا و دينا شاملا و لو غطتك لانغمست فيه و لكنها غطت رأسك اماقرأت فلما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي فلما افلت تبرأ منها ابرهيم قال الرائي جعلت فداك انهم يقولون ان الشمس خليفة او ملك فقال مااراك تنال الخلافة و لميكن في آبائك و اجدادك ملك و اي خلافة و ملوكية اكثر من الدين و النور ترجوا به دخول الجنة انهم يغلطون فقال صدقت جعلت فداك انتهي ، فاول الشمس الي جنس يناسب حال الرجل فانه اخذ جنس الشمس و هو ما له النور الساطع الذي يهتدي به الناس في تقلباتهم فالشمس هي مأولة الي رسول الله [ص 81] صلي الله عليه و آله كما روي في و الشمس و ضحيها و نورها ياول الي دينه صلي الله عليه و آله و هداه الذي يهتدي به الناس و طلوعها علي رأس الرجل ظهور الدين لمشاعره و مداركه فيفهمه و يدركه و يناله و عدم تغطيته ساير بدنه عدم انغماسه في الدين اي عمله به باركانه و اعضائه و استدلاله بالآية ان الشمس هي المربية و تبري ابرهيم عنها لافولها فالشمس التي لا افول لها و هو محمد صلي الله عليه و آله هو المربي الحقيقي كما قال ابرهيم وجهت وجهي للذي فطر السموات و الارض فالشمس هي المربية لكن ليست بالحقيقية فاولها الي الحقيقية و اخذ الجنس و ترك الخصوصية و هذا هو الوجه الحقيقي في تفسيره الرؤيا و قال المجلسي رحمه الله وجه التعبير ان ابرهيم اهتدي ببزوغ الشمس و افولها الي الحق فانت ايضا تهتدي الي الدين بطلوع الشمس علي رأسك و ذلك خارج عن قانون التأويل فانه لا كل احد يهتدي ببزوغ الشمس حتي يكون ذلك قانونا كليا فذلك خارج عن قانون التأويل و الحق احق ان يتبع و هو ما ذكرنا و لما كان الرجل ممن يمكن ان يهتدي و ينال الدين اخذ له هذا الجنس و لميأخذ له جنس كون الشمس النير الاعظم و سلطان الكواكب و صاحبة الخلافة و الملك فاشراقه علي رأسه يكون له نيلا بالخلافة و الملوكية فلو رأي هذه الرؤيا احد ابناء الملوك يكون المناسب له التأويل بالخلافة و الملك فالواجب ملاحظة حال الرائي و درجته و مقامه و كما ان الحد المشترك يختلف صوره التي هي مناط الاحكام و الخصوصيات بالقوابل المميزة كذلك الرؤيا فانه يراها كل احد و هي الحد المشترك و تتخصص و تتعين في بطون قوابل الرائيين مثاله الحرارة مثلا التي هي الحد المشترك فانها في الكم تقتضي الطول و في اللون تقتضي الحمرة و في الوزن تقتضي الخفة و في الطعوم الحدة و في الروايح النافذة و في الجهات المغرب و في الخصال الشجاعة و في الحيوانات السبعية و في الاحوال الكبر و الانفة و في الانفاق البخل و في الرتبة العلو و هكذا فتتصور في بطن كل قابلية بصورتها ،
[ص 82]كقطر الماء في الاصداف در و في فم الافاعي صار سما
و كذلك الامر في الاحكام النجومية و الرملية و القيافة فدلايل النحوسة تقتضي نحوسة بحسب مقام الرجل و في فنه و كسبه و رتبته و بلده و هكذا و دلائل السعادة تقتضي السعادة بحسب مقامه و فنه و كسبه و رتبته و بلده و هكذا فلا بد من ملاحظة جميع ذلك حتي يستقيم الحكم و التأويل فكل رؤيا يمكن ان يراها كل احد و لكنها في قابلية كل احد تتغير صورها و احكامها و تعيناتها فلاتغفل عن ذلك فسجار اتون الحمام اذ ترقي صار مستأجر الحمام و المستوفي اذا ترقي صار وزيرا و ولد الملك اذا ترقي صار ملكا و الملك اذا ترقي غلب علي الملوك و سخر الاقاليم و كذلك تنزل هؤلاء فكن بصيرا خبيرا و انظر فيما تعبر و لمن تعبر و كما تراعي الاشخاص راع الامكنة و الازمنة و الاحوال و السن و الذكورة و الانوثة و الكسب و الصنعة و جميع الخصوصيات فاذا اولت لسلطان الايران انك تسخر بلدا ليس بلده الصين و انما هي بلدة قريبة المنال له و اذا اولت انك تجد مالا فهو مال يمكن في ذلك الزمان و هكذا في البواقي فعبر لكل احد في عرصته و حده و مقامه و شغله و ما يناسبه فافهم .
فصل - قد روي عن الكافي بسنده عن معمر بن خلاد قال سمعت اباالحسن عليه السلام يقول انما رأيت الرؤيا فاعبرها و الرؤيا علي ما تعبر و بسنده عن جابر بن يزيد عن ابيجعفر عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان يقول ان رؤيا المؤمن ترف بين السماء و الارض علي رأس صاحبها حتي يعبرها لنفسه او يعتبرها له مثله فاذا عبرت لزمت الارض فلاتقصوا رؤياكم الا علي من يعقل و عن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله الرؤيا لاتقص الا علي مؤمن خلا من الحسد و البغي و روي عنه صلي الله عليه و آله الرؤيا علي رجل طاير فاذا حدثت بها وقعت و احسبه قال لاتحدث بها الا حبيبا او لبيبا و روي الرؤيا علي رجل طاير ما لمتعبر [ص 83] فاذا عبرت وقعت و احسبه قال و لاتقصها الا علي وادّ و ذي رأي و عنه صلي الله عليه و آله الرؤيا تقع علي ما عبرت و مثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متي يضعها و اذا رأي احدكم رؤيا فلايحدث بها الا ناصحا او عالما و يأتي ان امرأة رأت رؤيا فقصها علي رجل اعسر لعنه الله فعبر لها سوء فبلغ النبي صلي الله عليه و آله فقال الاكان عبر لها خيرا انتهي ، و لنعم ما قيل في الرؤيا ان الرؤيا طاير فاذا قص وقع و يظهر من هذه الاخبار التي يساعدها صريح الاعتبار ان الرؤيا ليس لتعبيرها طريق معين حتمي فيكون تعبير فلان فلانا لا غير بل هي علي ما تعبر من خير او شر اما لو كان للتأويل شاهد يسكن به قلب المعبر و المعبر له و قلب المستمعين و كان المعبر ممن يثق به الرائي وثوقا تاما و يحسن الظن به و بعلمه و باحاطته بوجوه التأويل من الكتاب و السنة كانت الرؤيا اسرع وقوعا فتدبر فيما ابديت لك و ما ساذكره من سر ذلك فقد علمتك جميع علم التأويل في هذا الفصل فاسع في ان تأول الرؤيا من طريق ذكرته لك في الفصول السابقة ليثق بك الرائي و بعلمك و يتعمق علمك و يتسع في باب التأويل و الا فبمقتضي هذه الاخبار و يساعده صحيح الاعتبار الرؤيا علي ما تعبر كيف ما عبر بشرط ان يثق به نفس الرائي و يقبل قوله و الا فان لميعتن به و لميسكن قلبه فلاتقع فما قيل ان الرؤيا لاول عابر حق اذا سكن بقوله القلب و الا فلا و ان شئت ان تفهم سر كون الرؤيا علي ما تعبر فاصغ لما اقول اعلم ان مشاعر الانسان كالمرآة كما ذكرته مكررا ينطبع فيها كلما قابلها و الصورة التي فيها لها مادة و صورة مادتها من ظل الشاخص و شبحه المنفصل عنه و صورتها من نفس المرآة من استقامتها و اعوجاجها و صبغها و غير ذلك كما تشاهد في المرايا و قد ظهر لكل احد لكثرة ما كررناه في كتبنا و مباحثاتنا ثم انه قد تحقق عندنا و عند اهل التحقيق ان مناط الاحكام الصور لا المواد الاتري ان الخشب لو صور بصورة صنم يهان و تعظيمه كفر و بصورة ضريح معصوم يكرم و يعظم و اهانته كفر بالله العلي العظيم و الكلب نجس ما دام [ص 84] كلبا فاذا استحال ملحا طهر و صار شفاء و كذلك قال الفقهاء اذا نزي كلب علي شاة فان كان ولدها علي صورة كلب فهو نجس او علي صورة شاة فهو طاهر فالمناط في الاحكام علي الصور و لاينحصر كون مناط الاحكام الصور ان يكون بالنسبة الي العباد بل مناط الامداد النازلة الصور فانها تستمد بحسبها و الامداد علي حسب الاستمداد فلذلك كل حبة تزرع تجري امداده علي حسب استمداد تلك الحبة ان كانت حنطة فحنطة او شعيرا فشعير قل لايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم قل كل يعمل علي شاكلته و ذلك ان المواد متحدة في النوع فلو كان مناط نزول الامداد المواد لكانت الاشياء كلها علي حقيقة واحدة فتبين ان مناط الامداد النازلة و مناط الاحكام الواقعة و مناط التعارف و التعامل في عالم الكثرة الصور السعيد من سعد في بطن امه و الشقي من شقي في بطن امه و ام الشئ صورته كما حققناه في محله بما لا مزيد عليه فاذ قد تبين لك ذلك فاعلم ان الرائي لايخلو اما ان يصعد روحه الي السماء و يخلص عن شوائب الارض و مقتضياتها و اما ان لايصعد فينكب علي وجهه في الارض علي ما بينا فان صعد الي السماء فلايخلو اما ان يتوجه الي اعلي عالم المثال المتصل المرتبط بعالم النفوس و اما ان يتوجه الي اسفله كما بينا و علي اي حال فاما ان يتوجه الي باب القدر و اما ان يتوجه الي باب القضاء و علي اي حال اما تكون اسباب الوقوع مهياة في الغيب و الشهادة فتقع الرؤيا بلا مهلة و اما تكون مهياة في الغيب دون الشهادة فيصير القص من اسباب الوقوع و ان كان اسباب القدر مهياة و اسباب القضاء غير مهياة في الغيب و الشهادة معا او في الشهادة وحدها صار القص من اسباب القضاء و يقضي الامر بمهلة بعد القص علي تفصيل اذكره لك و ان انكب علي وجهه و رأي ما رأي في الارض فرءاه في بخارات صاعدة من معدته الي دماغه فكان الشاخص تلك البخارات و وقع اشباحها في مرآة الخيال فرءاها كما هي او كما هو فذلك كذب و كذا ان كان في الخارج ابخرة و ادخنة و اغبرة فدخلت جوف الانسان و صعدت [ص 85] الي دماغه فصارت شاخصا لمرآة الدماغ و الخيال فرءاه كما هو او كما هو اي كما يكون الخيال عليه و كذا ان كان مكان الرؤيا مأوي الشياطين و مجنة فتعلقوا به و دخلوا جوفه و قابلوا خياله فوقع اشباحهم فيه فرءاهم كما هم او كما هو و كذا اذا كانت الاوضاع الفلكية سبب تغير الاوضاع السفلية و تغيرت الاوضاع فتوجه الخيال الي الشياطين المثارة فواجهوا خياله فرأهم كما هم او كما هو و هكذا ما يشاكلها مما مر ففي جميع هذه الاحوال يري الانسان صورا باطلة غير مطابقة و غير واقعة كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاءه لميجده شيئا و وجد الله عنده فوفيه حسابه و الله سريع الحساب و قد يكون الخيال مضطربا فيري بعض الاشياء في السماء و بعض الاشياء في الارض في منام واحد فيصدق بعضه و يكذب بعضه و اما التعبير فهو من متممات قابلية الوقوع و من مقلبات الرؤيا ان كان ممن يوثق بقوله و يطمئن به النفس و الا فلا فهذه فذلكة امر الرؤيا و التعبير قد احتوت علي اسرار جمة و نعنون فصلا آخر لبيان براهين ما ذكرناه في هذا الفصل لتكون علي بصيرة .
فصل - اعلم انه ما من شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب و كل شئ عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه فهو فعل للعالي و هو مفعول بنفسه من حيث انها فعل العالي فاذا لكل شئ مراتب فعلية و هي السبعة المذكورة فمقام كون الشئ مشية ذكره الاول اي مادته النوعية فذكره الاول من حيث الاعلي مشية و من حيث هو مشاء و مقام كونه ارادة صورته النوعية فهي من حيث الاعلي ارادة و من حيث هي مرادة و مقام كونه قدرا مادته الشخصية من حيث الاعلي و هي من حيث هي مقدرة و مقام كونه قضاء صورته الشخصية من حيث الاعلي و هي من حيث هي مقتضية و حيث كونه في كل مرتبة واقفا موقف الاستيذان مستأذن و من حيث الاعلي بعد وجود المقتضي و فقد المانع اذن و من حيث محصوريته بين مبدء و منتهي ذو اجل و من حيث الاعلي [ص 86] اجل الله و من حيث نفسه مكتوب في لوح حده و مقامه و من حيث الاعلي كتب الله سبحانه و ان من شئ يوجد في العالم الا بهذه السبعة و هي امور اضافية فالبيت مثلا في الماء و التراب تحت المشية واقف ببابها و في الطين تحت الارادة واقف ببابها و في اللبن تحت القدر واقف ببابه و في التركيب تحت القضاء واقف ببابه فاذا ابرم و تم وقع القضاء بالامضاء افهم ما اقول لك فالاشياء مشروحة العلل مبينة الاسباب مكتوبة في لوح القضاء فان مضت فهي مثبتة في اللوح المحفوظ و هو لوح الامضاء و اما قبل كتبها في لوح القضاء فهي في فوارة القدر و قبلها في عين الارادة و قبلها في بحر المشية و يمكن للناظر في الشئ الممضي ان يري فيه هذه المراتب كما هو بين فالشئ لايخرج من بحر المشية الي ساحل الارادة الا ان يوجد المقتضي و يرفع المانع فالمقتضي له من اسباب السموات و الارض و ما بينهما و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها مثاله في المثال المذكور موجود و هو ان الماء و التراب موجودان و لا طين فان سألك سائل و لميكن مانع قمت و عجنت التراب بالماء و صنعت الطين و الا فلا فان وجدت الاسباب المقتضية و فقدت الموانع جري الطين و ما جري فبارادة الله سبحانه فتعلقت الارادة بالطين عند طلب الطالب منك و وجود الاسباب و تحريكك الماء و الطين و جمعك لهما فافيض عليهما صورة الطين بارادة الله بالاضافة الي البنا قال الله سبحانه بكفرهم لعناهم و قال يهديهم ربهم بايمانهم و قال بل طبع الله عليها بكفرهم و امثال ذلك فما جري بوجود المقتضي و فقد المانع فهو المنفعل بالجري و المجري هو الله سبحانه هذا حكم كل شئ من الدرة الي الذرة افهم ما افهمتك و حُز ما القيت اليك من مكنون العلم فاذا دخل الشئ في عين الارادة فليس يجري في فوارة القدر الا بوجود المقتضي و فقد المانع علي حسب ما بينت فاذا جري في فوارة القدر فلايجري منه في مصنع القضاء الا بوجود المقتضي و فقد المانع و لايمضي الا بعد تحقق العلل و الاسباب المقتضية لوجوده جميعا و فقد موانعه [ص 87] جميعا فما دام موانع التركيب موجودة و مقتضيه مفقودا كان الشئ تحت القدر و ذلك في عالم الشخصيات ففي ذلك العالم الاشياء كلها واقفة تحت القدر الي ان يأذن الله لها بالخروج عند وجود اسباب القضاء و تتقلب في مدارج القضاء الي ان يمضي فاذا عرفت هذا التفصيل فافهم ان الشخص اذا رأي رؤيا و ليس في نفسه و لا في الخارج اسباب شيطانية مغيرة لمرآته كما ذكرنا و رأي الشئ في لوح الامضاء فتعبير تلك الرؤيا قبل حصولها فانه قد رأي ما امضي و مضي و ما سيأتيك لميمض عند الخلق و لايحيط به الخلق الجزوي الذي هو في عرض الجزئيات الا بوحي خاص و الا فالعلم بما سيأتي مخصوص بالله سبحانه عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول و روي ان الشهادة ما قد كان و الغيب ما لميكن و ماتدري نفس ماذا تكسب غدا و ماتدري نفس باي ارض تموت اللهم الا بوحي و تعليم خاص و الا ما هو بعد في فوارة القدر يحتمل البداء و الخروج و عدم الخروج و لمايوجد مقتضي خروجه و لمايرفع موانعه فهو بعد في الامكان و العلم الامكاني مخصوص بالله سبحانه لانه المحيط بما كان و ما يكون و العالم بان ما يكون اذا كان كيف يكون لايعلمه الا الله و ان الساعة آتية اكاد اخفيها من نفسي لتجزي كل نفس بما تسعي فعنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو و ما علمه الحجج من الامور الآتية من غير طريق الوحي الخاص فبالاطلاع علي اسباب السماوات و الارض و ذلك مما يمكن فيه البداء فلايحكمون بعدم البداء الا من طريق الوحي فما رآه الرائي في لوح الامضاء فتأويله قبل رؤيته و ما رآه في لوح القضاء فذلك يقع بعينه بلا مهلة فيراه متي ما فتح عينه لانه رآه في لوح القضاء الحاضر و ربما رآه في لوح القضاء و لميبرم في الشهادة ابراما و ان ابرم في الغيب و لكن لماينزل فذلك الموقوف الذي يتوقف الي حصول المقتضي في الشهادة و رفع الموانع و من اسباب وقوع الرؤيا المقتضية قضاءها في الخارج و ابرامه القص فمن ذلك روي ما معناه ان الرؤيا طاير فاذا قص وقع و ذلك ان الرؤيا [ص 88] اذا قصت تاكدت صورتها في الخيال و ارتسمت فهي مستمدة متوقعة من الله سبحانه وقوعه في الخارج فهذه الرؤيا موقوفة تترفرف فوق رأس صاحبها فاذا قصت وقعت و لربما وقعت بعد حين من غير قص الا ان التفكر في الرؤيا و تجديد تصورها و قصها الذي هو تكميل تصويرها في الالواح الظاهرة من اسباب سرعة الوقوع و ذلك لاجل ان نفس الانسان سابقة علي الاجسام و مقدمة علي العرش و ما فيها فاذا ادام الانسان تصور الشئ وقع ظله علي الكواكب السماوية و جرت به كما يجري اعضاؤك بمقتضي خيالك ان لميكن مانع اقوي فاذا جرت النجوم به نزلت آثارها في السفليات و تصور الامر المطلوب مقضيا فان كان ذلك الانسان كليا وقع شبح ما في نفسه في النجوم و جرت به لان القوي لايمنع من ارادته مانع و ان كان ضعيفا يدور الامر مدار الضعف و القوة و لذلك لاينبغي للمؤمن ان يتعول علي سعود النجوم و نحوسها و توكله يقهر النجوم و دعاؤ المؤمن للمطر او غيره من المطالب و المآرب يقهر النجوم و يجريها علي حسب ميله و مسئلته افهم ما القيه اليك من مكنون العلوم بالفاظ موجزة مثال ذلك انك لو وضعت مرآة تحت السماء انطبع فيها مثال كل السماء و ينطبع فيها كل نجم نجم و ان كان صغيرا فالنفس الكلية هي المنطبع في النجوم عكسها و النفوس الجزئية ايضا ينطبع عكسها في السماء و النجوم فاذا كان في نفس صورة انطبع مثال تلك الصورة في الافلاك و النجوم ايضا فان لميكن مانع اقوي جرت به و الا انتظرت رفع الموانع فتصور المؤمن من اسباب وقوع الصورة في العالم و لو كان قويا لوقع جميع ما يريد كما قال ذلك المؤمن انا نترك ما نريد لما يريد فاذا اردنا شيئا يريد اعرني لبك و افهم ما اقول فاذا رأي المؤمن شيئا في لوح القضاء و قد تم اسباب وجوده في الغيب و الشهادة وقع بلا مهلة و ان تم في الغيب و لميتم في الشهادة فتذكر المؤمن رؤياه بعد التنبه و قصه من اسباب وقوع الرؤيا و ان كان ضعيفا فيقع بعد مهلة الي ان تكمل اسباب الوقوع ان شاء فالرؤيا طاير فاذا قص وقع [ص 89] و كذلك اذا رءاها عند فوارة القدر و قابل بذهنه الي فوارة القدر و رءاها و لميقض في الغيب و لا الشهادة فذلك اكثر تمهلا و يحتاج الي قوة شديدة فان كان قويا كان تصويره لها و نظره فيها ثم قصها من اسباب تهيئة القضاء و وقوعه بالامضاء و لايمنع منه مانع و الا فبحسب قوته و ضعفه فان اعانه الله بتهيئة ساير المقتضيات و رفع الموانع كان رؤيته ذلك من احد اسباب الوقوع المقتضية له البتة فتدبر و ان رأي ما رأي في الارض و بالشواخص الارضية فلايؤل الي خير فانه لميكن مما شيء و اريد و قدر و قضي في الافلاك و لميجر به الاسباب العلوية و انما هي صور باطلة سجينية و لايغير الاسباب العلوية البتة فهي كاذبة ثم ان عبرت الرؤيا علي معني غير ما تصوره الرائي في منامه فينمحي عن نفسه صورة ما رأي و يثبت فيها صورة ما اوله المأول مثلا اذا رأي انه شرب لبنا و اول المأول انه علم و تكتسب علما فينمحي عن ذهنه صورة اللبن و يثبت فيه صورة العلم فاذا ثبت في نفسه صورة العلم و رسخت فيها وقع ظل العلم في النجوم و جرت به كما ذكرنا فالتعبير يغير الصور النفسية البتة كما هو مشاهد فيرجع الامر الي ما في النفس و لو كان التعبير قد صدر من المعبر علي خلاف الحكمة لمصلحة كما روي عن الكافي بسنده عن الحسن بن الجهم قال سمعت اباالحسن عليه السلام يقول الرؤيا علي ما تعبر فقلت له ان بعض اصحابنا روي ان رؤيا الملك كانت اضغاث احلام فقال ابوالحسن عليه السلام ان امرأة رأت علي عهد رسول الله صلي الله عليه و آله ان جذع بيتها انكسرت فاتت رسول الله صلي الله عليه و آله فقصت عليه الرؤيا فقال لها النبي صلي الله عليه و آله يقدم زوجك و ياتي و هو صالح و قد كان زوجها غائبا فقدم كما قال النبي صلي الله عليه و آله ثم غاب عنها زوجها غيبة اخري فرأت في المنام كان جذع بيتها قد انكسرت فاتت النبي صلي الله عليه و آله فقصت عليه الرؤيا فقال لها يقدم زوجك و ياتي صالحا فقدم علي ما قال ثم غاب زوجها ثالثة فرأت في منامها ان جذع بيتها قد [ص 90] انكسر فلقيت رجلا اعسر فقصت عليه الرؤيا فقال لها الرجل السوء يموت زوجك فبلغ النبي صلي الله عليه و آله فقال الاكان عبر لها خيرا و عن روايات العامة ان ذلك الرجل كان ابابكر و قال لها النبي صلي الله عليه و آله هل قصصتها علي احد قالت نعم قال هو كما قيل لك انتهي ، و الغرض ان الرؤيا علي ما تعبر و ان كان علي خلاف الحكمة لمصلحة كما صنعه النبي صلي الله عليه و آله فان انكسار الجذع في الحكمة فوت الزوج و لكن قلب النبي صلي الله عليه و آله رؤياها عطفا بها و تفألا بالخير فوقع كما عبر و اما الرجل الاعسر لعنه الله و هو المشوم لميعطف عليها و لميتفأل بالخير من شومه فوقع كما قال فان الرؤيا علي ما تعبر فان ذهنها انصبغ بتأويله فجري كما مر و كانت الاسباب المقتضية ايضا موجودة و الموانع مفقودة فجري ما جري و لعل النبي صلي الله عليه و آله لميغير التعبير لانه قضي الامر و الا فالحق انه ليست الرؤيا لاول عابر بل الرؤيا لاقوي العابرين كما يأتي من تعبير الصادق عليه السلام و ابيحنيفة و وقوع ما قال عليه السلام دون ما قال ابوحنيفة لعنه الله بل اقول الرائي و ان كذب الرؤيا و لميرها و عبر المعبر و انتقش في ذهن الرائي ذلك وقع تعبيره كما وقع تعبير رؤيا يوسف عليه السلام في السجن و انكر الرائي رؤياه فقال عليه السلام قضي الامر الذي فيه تستفتيان فان المناط انتقاش الصورة فاذا فهمت ذلك علمت انه لايشترط في وقوع الصور الخيالية المنام و الرؤية فيه بل اذا تخيل الانسان في اليقظة و رسخ فيه و عزم عليه وقع ما تخيله و علي ذلك مناط علم الصوفية النقشبندية الذي يتصورون الاسم المطابق لمطلبهم و ينقشونه علي جدار و يديمون النظر اليه حتي يقع حاجتهم و سمعت ان بعض الجوكية اذا مرضوا تصوروا الصحة حتي اذا قوي تصورهم صحوا عن مرضهم و وقوع آثار التخيلات لاتخفي علي ممارس و ان الله عند ظن عبده ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا فمن راقب خيرا من الله وجده و من راقب شرا وجده و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ارديكم [ص 91] فاصبحتم من الخاسرين فيا ولدي احسن الظن بالله حتي تجد ظنك احسن الظن و لو بحجر يلقي الله مطلوبك فيه و من هذا الباب ما روي عن الكافي بسنده عن عمرو بن حريث قال قال ابوعبدالله عليه السلام الطيرة علي ما تجعلها ان هونتها تهونت و ان شددتها تشددت و ان لمتجعلها شيئا لمتكن شيئا انتهي ، و من هذه الجهة نفوا الطيرة نهيا لئلاترتسم في نفوسهم صور مكروهة فتقع عليهم و قد روي عن الكافي بسنده عن السكوني عن ابيعبدالله عليه السلام كفارة الطيرة التوكل و انما ذلك لانه يرتسم في نفوسهم بعد صورة الطيرة صورة كفاية الله و دفعه الشر فيحسن ظنه بالله فيقع ما ظنه فقد روي في الكافي بسنده عن ابيعبيدة الحذاء عن ابيجعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله قال الله تبارك و تعالي في حديث و لكن برحمتي فليثقوا و فضلي فليرجوا و الي حسن الظن بي فليطمئنوا فان رحمتي عند ذلك تدركهم و مني يبلغهم رضواني و مغفرتي تلبسهم عفوي فاني انا الله الرحمن الرحيم و بذلك تسميت و عن اسمعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام احسن الظن بالله فان الله عز و جل يقول انا عند ظن عبدي المؤمن بي ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا و لا علينا ان نعنون لذلك فصلا آخر فان لنا فيه علما رفيعا و مطالب جليلة .
فصل - اعلم ان موضع الرؤيا و موضع التصورات في اليقظة واحد فان موضعهما كليهما بنطاسيا كما حققنا سابقا و الفرق بين الرؤيا و ساير التصورات في شدة التوجه الي بنطاسيا و ضعفه ففي الرؤيا يتعطل الحواس الظاهرة و يتوجه النفس الي بنطاسيا بكلها و اما في اليقظة فهي متوجهة الي الظاهر ايضا علي نحو التعاقب فلايتمحض ادراكها بالبنطاسيا فلاتري منه صافيا بينا بخلاف الرؤيا فلو محضت التوجه الي بنطاسيا او قوته رأت ما فيه اوضح و ابين بل ربما يؤدي ذلك الي عدم احساسها بالحواس الظاهرة كما يشاهد ممن يتعمق في التفكر و الخيال فلا فرق بين التصور و الرؤيا بوجه الا في الضعف و الشدة و كل اثر يترتب علي [ص 92] الرؤيا يترتب علي التصور البتة الا ان اثر التصور اضعف و لذا روي عن ابيعبدالله عليه السلام رأي المؤمن و رؤياه جزء من سبعين جزء من النبوة و منهم من يعطي علي الثلث و لو ترك الانسان التعمد و الصبغ فلربما جري في ذهن الانسان صورة ما مضي من الاشياء او صورة ما بقي المتجرب ان الانسان ربما يكون جالسا خاليا فيجري في ذهنه صورة شئ او يشتهي شيئا فاذا بذلك الشئ قد حضر و لو بعد لميحة او آنات علي صفة ما ورد في ذهنه او بادني تاويل و هو تعبير تصوره و قد وقع او ربما يلهم بشئ بالجملة لماجد فرقا علما و عملا و تجربة بين التصورات الواردة في الخيال و بين الرؤيا و لكليهما اثر خارجي البتة فان بنطاسيا فوق العرش و ارض عالمه الطف من محدب العرش بسبعين مرة فكل ما يقع في بنطاسيا ينطبع مثاله في العرش البتة ثم في الكرسي ثم في الافلاك ثم ينزل الي الارض غاية الامر انه لا كل تصور يظهر اثره كما ان لا كل رؤيا يظهر اثرها فان الرؤيا ما كان منها من السماء و في السماء ظهرت آثارها ان لميبد لله سبحانه فانها من منازل التقدير و ما كان منها من الارض و في الارض لا اثر لها لانها لمتأت من منازل التقدير فكذلك التصور ما كان من الارض اي من ارض الممات او العادة او الطبيعة او الشهوة او الغضب او الالحاد او الشقاوة و ما كان منه متلقي من ايدي الشياطين الساكنة في هذه الاراضي فليس بسماوي و لا اثر له اللهم الا ان يكون التصور متلقي من ايدي الشياطين المادية او الجنية او الانسية التي هي من وراء هذه الافلاك فان بنطاسيا اذا تلقيها من ايديهم و رأي في الاراضي الدهرية و طبقاتها الدهرية فان ذلك يمكن ان يؤثر في هذه الدنيا و يجري في السموات و النجوم و تجري به فان هذه الدنيا بسماواتها و ارضيها ملتقي الجمان جم الملئكة و جم الشياطين و جم النور و جم الظلمة و لذلك يخرق شياطين الجن و سكنة بنطاسيا هذه السماوات و الذين لايخرقون هذه السماوات سكنة هذه الارض من شياطين طبيعية و شياطين جمادية و نباتية فانهم [ص 93] منعوا من خرق السماوات و اما شياطين الجن فانهم يخرقونها نعم لايخرقون سماوات بنطاسيا و شياطين الانس يخرقون هذه السماوات و سماوات بنطاسيا و لايخرقون سماوات النفوس فافهم فما تلقاه الانسان من ايدي اولئك الشياطين الخارقين و ثبت في نفسه فيمكن ان يلقي الشبح في هذه النجوم و تجري به ان لميكن مانع اقوي و من ذلك يؤثر حسد الحاسد في المحسود و يزول نعمته بحسده فان الحاسد دائم التصور لزوال نعمة المحسود فيقع شبحه في النجوم و تجري بزوال نعمة المحسود و لذلك امر الله بالاستعاذة به من شر حاسد اذا حسد و روي في الكافي بسنده عن السكوني عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله كاد الفقر ان يكون كفرا و كاد الحسد ان يغلب القدر انتهي ، فالحاسد اذا تمني زوال نعمة المحسود و دام علي ذلك ليلا و نهارا حتي رسخ في نفسه صريحا بينا صار منشأ مثال فان الشبح في المرآة ما لميتصرح لميقع منه مثال في مرآة اخري فاذا تصرح تمني الزوال في نفس الحاسد وقع مثاله في النجوم و جرت به فزال نعمة المحسود و ازالة الله نعمة المحسود بهذا السبب فتنة منه له او عقوبة لمعصية صدرت منه او من اسباب الفناء كما يزيل الصحة بلسع العقرب او لدغ الحية بلا تفاوت و من هذا الباب عين العيان فان العيان اما يستحسن شيئا و هو غير متذكر انه نعمة الله و فضله و بمشيته و ارادته و يري في المخلوق نفسه كمالا منقطعا عن الله فاذا رسخ في نفسه حسنه منقطعا عن الله و كماله و قوته من غير روية فضل يستحق بذلك انقطاع المدد عن الله سبحانه فاذا وقع شبح ذلك في النجوم جرت بانقطاع المدد عنه و زوال نعمته سواء كانت النعمة في نفسه او جسم غيره فان قلت اما في نفسه فلا ضير فان استحسانها منقطعة عن الله عصيان و يذوق وبال عصيانه و اما في غير فلم قلت لان الابدان العرضية الدنياوية لا تخصيص لها بشخص دون شخص و ان هي الا جماد صالح لكل شخص بعد الكسر و الذوب و النفوس مهيمنة عليها و نفس العيان مهيمنة عليها [ص 94] فاذا استحسنها منقطعا عن الله سبحانه انقطع المدد عنها فيؤثر عين زيد في بدن عمرو كما يؤثر في الجدار و الجبل و الشجر و الدواب و غيرها فافهم فانه دقيق و لاتسمعه الا عنا و لاتجده الا عندنا ببركة محمد و آلمحمد عليهم السلام و لذلك روي عن نوادر الراوندي باسناده عن موسي بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله مارفع الناس ابصارهم الي شئ الا وضعه الله و عن اميرالمؤمنين عليه السلام ماقال الناس لشئ طوبي له الا و قد خبأ له الدهر يوم سوء و روي ان العضباء ناقة النبي صلي الله عليه و آله لمتكن تسبق فجاء اعرابي علي قعود له فسابق بها فسبقها انتهي ، و لو نظر الناظر العيان الي شئ و استحسن نعمة الله عليه و استكثر فضل الله عليه و ذكر الله لميضره كما قال سبحانه لولا اذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله ، و روي عن النبي صلي الله عليه و آله اذا نظر احدكم الي انسان او دابة او الي شئ حسن فاعجبه فليقل آمنت بالله و صلي الله علي محمد و آله فانه لايضره عينه و عنه صلي الله عليه و آله العين حق فمن اعجبه من اخيه شئ فليذكر الله في ذلك فانه اذا ذكر الله لميضره و عن ابيعبدالله عليه السلام العين حق و ليس تأمنها منك علي نفسك و لا منك علي غيرك فاذا خفت شيئا من ذلك فقل ما شاء الله لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم ثلثا و عنه صلي الله عليه و آله من اعجبه من اخيه شئ فليبارك عليه فان العين حق و عنه عليه السلام لو كان شئ يسبق القدر لسبقه العين و اما يحسد العيان و يتحسر علي فقده لتلك الحال او الجمال و علي وجودهما في غيره و يشير الي ذلك رقية جبرئيل للنبي صلي الله عليه و آله بسم الله ارقيك من كل عين حاسد الله يشفيك فان ضر من باب الحسد فكما مر و للناس في سبب ضرر العين اقوال يضحك منه الثكلي فمنهم من قال انه يخرج من العين الصائبة الي الشئ المستحسن اجزاء لطيفة تتصل به و تؤثر فيه و منهم من قال انه فعل الله بالعادة لضرب من المصلحة و منهم من [ص 95] زعم انه غير ممتنع ان يكون تغيير نعمة زيد مصلحة لعمرو العيان و اذا ذكر الله العيان يقوم ذكره مقام المصلحة و قيل ان بعض النفوس كما يؤثر في بدنه لايبعد ان يؤثر في ابدان غيره و ذكرت ما ذكرت استطرادا و لتعلم مقدار فهم الناس و علومهم و كل ذلك لاجل ان الصور النفسانية فوق الاجسام و تقع اشباحها في الافلاك و النجوم و تجري به و يجري آثارها في السفليات و ليس ذلك بمؤثر الا بشرط ان لايكون مانع اقوي و يساعده ساير المقتضيات التي هي قوابل مشية الله فما شاء الله كان و ما لميشأ لميكن و لا حول و لا قوة الا بالله نعم ان ذلك احد المقتضيات فان كانت البواقي موجودة فهو من المتممات و المؤيدات و الا فلايقع التأثير لا من العين و لا من الحسد و لا من وضع من الاوضاع الفلكية و لا غيرها الا ان يشاء الله فاذا اراد الله شيئا هيأ اسبابه و قرب المقتضيات و بعد الموانع حتي يجري ما اراد كما قال تعالي و اذ يريكموهم اذا التقيتم في اعينكم قليلا و يقللكم في اعينهم ليقضي الله امرا كان مفعولا و الي الله ترجع الامور و للشئ الواحد اسباب عديدة بل كل شئ له مدخلية في كل شئ و كذلك امر التصورات في اليقظة فاذا كانت ثابتة في النفس راسخة كانت من اسباب القضاء ان لميكن مانع اقوي فان كان المتصور تصوره اقوي الاشياء لقوة نفسه دفع الموانع و قوي ساير المقتضيات و وقع ما تصور مقضيا ممضي و الا فهو احد الاسباب ينتظر به الي تكمل الاسباب و رفع الموانع و ليس يهلك في ملك الله سبحانه فان لميجر و لميقض في الملك لعدم اتفاق المقتضيات و عدم دفع الموانع يؤتاه في الملكوت و لذلك لايرد دعاء المؤمن ابدا اذا احسن الظن بربه و ظن الاستجابة و عاود الدعاء عند ضعفه او دعا مرة عند قوته فاذا كان الداعي قويا لايرد له دعوة ابدا ادعوني استجب لكم اجيب دعوة الداع اذا دعان فافهم هذه النكات العجيبات التي لاتكاد تراها في كتاب و تسمعها من خطاب الا من ابيك فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان رسوخ الصورة في النفس ان لمتكن منطبعة فيها [ص 96] من الارض و كانت من السماوات او من الملكوت من اعظم اسباب القضاء فان تلقتها من الملئكة و اخذتها من باب القدر متوجهة الي الله فيها فيقع اثرها في الدنيا فيضا و تسديدا و نعمة و فضلا و ان تلقتها من الشياطين الملكوتية و اخذتها من الارض منقطعة عن الله سبحانه يقع اثرها كما شاء الله خذلانا و استدراجا او تنبيها و تذكيرا فللتصورات الراسخة آثار عظيمة و احوال عجيبة لاتنكر و مدار الشرع علي ذلك و جميع العقايد و الخصال القلبية التي بها تصلح امور الدنيا و الآخرة من هذا الباب و لكن اكثر الناس لايعلمون ان تخفوا شيئا في انفسكم او تبدوه يحاسبكم به الله فافهم و لااحب الافصاح بجميع ما علمني الله من هذا العلم فلا كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله .