الباب الاول

في تقسيم الرؤيا صدقا و كذبا و فيه تحقيقات :

الاول اعلم ان النفس اذا رفعت تعلق التدبير عن البدن و توجهت الي عالمها رأت فيه امورا اما صادقة و اما كاذبة و من اسباب الصدق و الكذب انها لاتخلو اما ان تتوجه الي سماوات عالمها التي هي غيب هذه السماوات او الي ارضيها التي هي غيب هذه الارضين فان نظرت الي السماوات التي هي جهة المبدء و ليس فيها علة اخري مما يأتي رأت فيها امورا محققة ثابتة حقة و ان نظرت الي الارضين رأت فيها امورا باطلة مجتثة فان السماوات هي عليون و مسكن الملئكة الطاهرين المعصومين و موضع التقدير و محل افعال الله سبحانه و اراداته فما رأته النفس فيها كانت حقا ان لم‌تكن علة اخري و الارضين هي [ص 26] سجين و مسكن الشياطين الفاسقين و موضع التشابه و الالتباس و الخلط و اللطخ و الاباطيل فما رأته فيها كان اضغاث احلام و كذبا لا عبرة به و يدل علي ذلك قول ابي‌جعفر عليه السلام في حديث مر فمهما رأت في ملكوت السماوات فهو مما له تاويل و ما رأت فيما بين السماء و الارض فهو مما يخيله الشيطان و لا تاويل له و عنه عليه السلام ان العباد اذا ناموا خرجت ارواحهم الي السماء فما رأت الروح في السماء فهو الحق و ما رأت في الهواء فهو الاضغاث الخبر ، و عن النوفلي قال قلت لابي‌عبدالله الصادق عليه السلام المؤمن يري الرؤيا فتكون كما رءاها و ربما رأي الرؤيا فلاتكون شيئا فقال ان المؤمن اذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة الي السماء فكلما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير و التدبير فهو الحق و كلما رآه في الارض فهو اضغاث احلام فقلت له و تصعد روح المؤمن الي السماء قال نعم قلت حتي لايبقي شئ في بدنه فقال لا لو خرجت كلها حتي لايبقي منها شئ اذا لمات قلت فكيف تخرج فقال اماتري الشمس في السماء في موضعها و ضوءها و شعاعها في الارض فكذلك الروح اصلها في البدن و حركتها ممدودة انتهي ، المراد بالحركة الممدودة توجه الروح الي الملكوت و المراد بكون اصل الروح في البدن كون اصلها في غيب البدن لانه لم‌يحصل اسباب انقطاعها عنه بالكلية و انما حصل المانع من تدبيره للبدن فتحركت اي توجهت الي التقلب في الملكوت و قد مر في حديث ابي‌بصير في المقدمة ايضا ما يدل علي ذلك و عن علي عليه السلام قال سألت رسول الله صلي الله عليه و آله عن الرجل ينام فيري الرؤيا فربما كانت حقا و ربما كانت باطلا فقال رسول الله صلي الله عليه و آله يا علي ما من عبد ينام الا عرج بروحه الي رب العالمين فما رأي عند رب العالمين فهو حق ثم اذا امر الله العزيز الجبار برد روحه الي جسده فصارت الروح بين السماء و الارض فما رأته فهو اضغاث احلام انتهي ، و لهذا المعني تحقيق فيه تفهيم فان [ص 27] غرضي فهمك المطلب اعلم يا بني ان النفس ليست بوالجة في البدن ولوج جسم في جسم حتي تخرج خروج جسم عن جسم و ان النفس كما ذكرت لك في ملكوتها و هذه النفس الرائية هي النفس البرزخية اي الحس المشترك و اذا غلبت علي البدن الابخرة كما عرفت منعت من ظهور تدبير النفس كما اذا عميت العين او صمت الاذن لم‌يظهر تدبير النفس فيهما و ادراكها عنهما كما اذا انكسرت المرآة لم‌يظهر عكس نور الشمس علي الجدار و الشمس غير والجة في المرآة و لا بخارجة عنها و ولوجها تعلق تدبير و خروجها رفع تدبير فاذا رفعت النفس تدبيرها عن البدن باصطكاك ابوابها الي الخارج توجهت الي عالم المثال و البرزخ و لها جهتان جهة عقلانية و الي ربها و جهة نفسانية و الي نفسها فجهتها العقلانية و الربانية هي جهة سماواتها و قبضات سماواتها و لطائفها و سواذجها و صوافيها و جهتها النفسانية هي جهة اعراضها و عاداتها و طبايعها و شهواتها و غضبها و الحادها و شقاوتها فان نظرت الي المثل بصرافة فطرتها الاولية الالهية التي خلقها الله عليها بمقتضي مشيته رأت المثل علي ما هي عليه و انطبعت في جهتها تلك و هي حصصها السماوية فرأتها في ملكوت السماوات و كانت حقة كما رأت بلا تفاوت و ان نظرت الي المثل بعين جهتها النفسانية فرأتها كما اعتادت و تطبعت او اشتهت او غضبت او الحدت او بدلت فانطبعت المثل فيها متغيرة كما ينطبع الشئ في المرآة التي حكيتها لك الافرنجية فكانت اضغاث احلام و باطلا و كذبا لاتفيد شيئا و آية ذلك انك اذا تدبرت في مسئلة بعين الانصاف و محض طلب الحق وجدتها كما هي في الواقع و ان نظرت اليها بعين العادة او الطبيعة او الشهوة او العداوة او غير ذلك وجدتها علي خلاف الحق و الواقع فتري الحسن قبيحا و القبيح حسنا و العدو صديقا و الصديق عدوا و الضار نافعا و النافع ضارا فعين الانصاف عين سماوية ملكية الهية تجد الشئ بها عند رب العالمين و في السماء و تتلقاه من الملئكة و عين الاعتساف عين ارضية شيطانية نفسانية تجد [ص 28] الشئ بها عند الشيطان و في الارض و تتلقاه من الشياطين فكذلك اذا خرجت الروح عن البدن و نظرت في السماوات في موضع التقدير و التدبير رأت المثل مرسومة فيها علي ما شاءها الله و اراد و قدر و قضي و دبر فتكون حقة و ان نظرت في الارض رأتها متغيرة متبدلة و ذلك ان الروح لاتجد الشئ الا في نفسها و المرآة ان كانت صافية تحكي الشبح علي ما هو عليه و صفاؤها من جهتها الي ربها فان الصفاء و الصقالة من توحد اجزائها في الصفة و تشاكلها و هو اشبه بالمبدء و المؤثر المتعال فصفاؤ المرآة و خلوها عن النقائص من جهتها الي ربها و كذلك كل شئ غلب عليه جهة الرب صار صافيا صقيلا شافا فاذا صار كذلك صار منصفا عدلا و رأي كل شئ علي ما هو عليه و هذه الخصال خصال القبضات السماوية فيري ما يري في السماء و ينظر بعين سماوية اي بعين هي قبضة من السماوات و ان كانت المرآة كدرة معوجة قد لحقها الاعراض و الامراض و ضعفت بنيتها عن الدفع و مرضت ثم انصبغ الشبح فيها بتلك الامراض ادته علي خلاف ما هو عليه و كذلك كل شئ غلب عليه جهة نفسه و جهة غير ربه صار كدرا مصبوغا معوجا فاذا صار كذلك صار معتسفا و رأي كل شئ علي حسب اصباغه و اشكاله و هو علي خلاف الواقع و هذه الخصال خصال القبضات الارضية فيري ما يري في اراضي نفسه و ينظر بعين ارضية اي بعين هي قبضة من الارضين هكذا اعرف يا بني معاني الاخبار و اعرف لغة آل‌محمد الاخيار عليهم صلوات الله الملك الجبار و انهم صلوات الله عليهم اهل علم و اصطلاح و قد يعبر عن ذلك و يفسر بان السماوات مواضع الارواح الصافية الملكية حملة التقدير و اصحاب التدبير و ان الشياطين ممنوعون عن السماوات برجمهم بالكواكب المضيئة و النجوم الهادية فاذا صعدت النفس الي السماوات و تلطفت حتي ساوتها و صار حيزها حيز السموات و استعلت عن منال الشياطين سكنة الهواء و الارض رأت فيها امورا واقعية حقيقية و تلقت الامر من الملئكة الذين هم اصحاب شمعون و زيتون و سيمون حملة الصور الخيالية و [ص 29] الفكرية فكان ما رأتها في السماوات حقا محفوظا عن تطرق الشياطين و الكذب و الفرية و البطلان و ان رأت ما رأت في الارض تلقتها من الشياطين حملة الخيالات الفاسدة الباطلة و المحزنة انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئا الا باذن الله بالجملة بهذه الوجوه و امثالها كلما رأت النفس في السماوات كان حقا و كلما رأته بين السماء و الارض في الهواء و الارض كان باطلا .

الثاني اعلم ان من اسباب صدق الرؤيا و كذبها ان يري الانسان الرؤيا في اول الليل او في آخره في السحر فما رآه في اول الليل قبل النصف كان باطلا اي هذا السبب من اسباب البطلان ان لم‌يمنع مانع او يكن مقتضي الخلاف اقوي فهذا السبب بنفسه من اسباب البطلان و يدل علي ذلك ما روي عن الكافي عن درست بن ابي‌منصور عن ابي‌بصير قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام جعلت فداك الرؤيا الصادقة و الكاذبة مخرجهما من موضع واحد قال صدقت اما الكاذبة المختلفة فان الرجل يراها في اول ليله في سلطان المردة الفسقة و انما هي شئ يخيل الي الرجل و هي كاذبة مخالفة لا خير فيها و اما الصادقة اذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملئكة و ذلك قبل السحر فهي صادقة لاتختلف ان شاء الله الا ان يكون جنبا او يكون علي غير طهر او لم‌يذكر الله عز و جل حقيقة ذكره فانها تختلف و تبطي علي صاحبها ● انتهي ، و الوجه الظاهر الكاشف عن الباطن ما ذكره الامام عليه السلام ان في اول الليل سلطان الشياطين في الدنيا فهم غالبون في الارض و الهواء فاذا نام المؤمن و خرجت نفسه تلقتها الشياطين في الهواء فيخيلون اليه امورا باطلة فيراها المؤمن و يحسبها امورا واقعية فيحزن لما رأي و هي باطلة و محض تخييل من الشياطين و اما في السحر فالشياطين يضمحل سلطانهم بسب ظهور سلطان الملئكة و ظهور الانوار و نزول ملئكة الاستجابة و الرحمة و فتح ابواب السماء و لذلك ندب المؤمنون الي ناشية الليل و التهجد و الدعاء و [ص 30] ملئ من الملئكة الفضاء فما رآه المؤمن بعد الثلثين فهو مما تلقيه من ملئكة الله النازلة في السماء و رأي مكتوبا في جباههم و اجنحتهم و صدورهم فيكون حقا ان لم‌يكن مانع يعني ان هذا السبب بفرده من اسباب صحة الرؤيا ان لم‌يكن مقتض بخلافه او مانع اقوي و الوجه في غلبة سلطان الشياطين في اول الليل ان الشمس قد عملت في الارض طول النهار و صعدت منها الابخرة و الادخنة و العفونات و الاهبية فملأت الفضاء منها و هي مسكن الشيطان و جنوده و معرسهم ففي اول الليل يكون الفضاء مطبقا به و السماوات محجوبة بها و انوار الكواكب محجوبة بها و الآثار السماوية غير واقعة بالصحة علي طبق رضاء المؤثر فما رأته النفس في الهواء و الفضاء و في الارض كان من هذا القبيل و لا عبرة بشئ منه ابدا و اما اذا صار السحر و حدث شتاء اليوم ركدت تلك الابخرة و الادخنة و اضمحلت تلك العفونات و صحي الهواء و بدي انوار الكواكب و صدقت تأثيرات السماء في الارض صدقت الرؤياء و كان ما يراه حقا ان لم‌يمنع من ذلك مانع آخر و يتلقي ما يتلقي من ايدي الملئكة و ما كتب في اجنحتهم في السماوات فيكون حقا البتة ،

و وجه آخر لذلك ان الانسان قد اكل اكلا في نهاره و ليله و امتلأت معدته و عملت نفسه في بدنه طول نهاره و اشرق شمسها في اطرافه و في ارض معدته فصعدت منها ابخرة كثيرة الي دماغه كما مر و تلك الابخرة هي مساكن الشياطين و مبيتهم فتصعد الي الدماغ و تخالط الروح التي في الدماغ فتخيل اليها الشياطين صورا و اشباها باطلة لا اصل لها في الخارج فتكذب الرؤيا فاذا كان السحر و تحلل الغذاء و ركدت الابخرة و صفي الدماغ و صحي فضاؤه و بقي الروح علي الفطرة فينظر في الاشياء بعين الله سبحانه فيري الاشياء كما هي فتصدق الرؤيا ، و سبب آخر لذلك ان الانسان في النهار و ما بقي يقظان في اول الليل قد هاج في بدنه شياطين العادات و الطبايع و الشهوات و العداوات و غيرها و قد [ص 31] استولوا علي روحه و ان احتيوا بفضل حيوته فهم مثارون مهيجون في بدنه فاذا نام في اول الليل يخيل اولئك الشياطين المثارة المهيجة تلك الامور التي قد قيضت لها الي روحه فيراها و هي امور كاسدة فاسدة كالوساوس التي يوسوس بها في صدر الناس الخناس في النهار لا بدء لها و لا منتهي و لا طائل تحتها و لاتستقصي فكذلك ما يراه النائم في اول الليل فهو من هذا القبيل بعينه مع ما يضم اليه من اسباب اخر فيري اضغاث احلام لا تاويل لها و لا خير فيها و اما اذا جاء السحر و سكنت تلك الشياطين و نسي الانسان ذلك الهوس و الوسوسة تتوجه نفسه خالصة صافية بتأييد الملئكة فتري كل شئ كما هو و هذه الوجوه لها سر احب ان اشير لك اليه لانك ولدي و لايكتم الاب الشفيق عن ولده ما يري فيه صلاحه اعلم يا ولدي ان الله سبحانه خلق كل شئ بمشيته التي هي في عرض ذلك الشئ و فيه و منه و حيث كونه مشية له سبحانه رأس من رؤس المشية الكلية و المشية ما لم‌تتشكل بشكل المشاء لم‌يحدث عنها المشاء المعين كما ان حركة يدك ما لم‌تتهيأ بهيئة الالف لم‌تحدث بها الالف فاذا تشكلت المشية بشكل الالف اضاءت بنور علي هيئة الالف فوقع ذلك النور علي ارض المادة المأخوذة التي منها يخلق الشئ كالمداد للالف مثلا فيمكنه اولا لقبول الايجاد ثم يكون منه ما يشاء فذلك النور هو آلة التمكين ثم التكوين كالحرارة العرضية الواقعة من النار علي الدهن فتمكنه للاشتعال اولا بالتسخين و التجفيف الي ان يستعد لقبول الاشتعال فاذا تمكن و استعد تشعله شعلة مضيئة فتلك الحرارة العرضية هي آلة النار في التمكين و التكوين و وجه النار الي الشعلة و يدها في تدبير امرها و هي مقامها مقام الملك في تدبير المخلوق و هي غير النار الذاتية و غير الشعلة المرئية فمن زعم ان الملك هو طبيعة ذلك المخلوق او قوة منه فقد خالف الكتاب و السنة بل هو خلق برزخي بين المشية و المشاء يأخذ من المشية و يوصل الي المشاء و هو غيرهما كما عرفت روح مستقل فهم ارواح مطهرون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون اولي اجنحة مثني و ثلث و رباع [ص 32] يزيد في الخلق ما يشاء مستمدون ممدون مدبرون و منهم خلاقة و منهم رزاقة و منهم محيية و منهم مميتة علي حسب ما ورد في الكتاب و السنة مطابقون لمشية الله متبعون لارادة الله و للخلق مقامان مقام تكوين و مقام تشريع فالمشية المتعلقة بتكوين الاشياء تكوينية و المشية المتعلقة بتشريع الاشياء تشريعية فالارواح المتوسطة ايضا نوعان ارواح تكوينية و ارواح تشريعية و مرادي هنا بالتكوين محض الايجاد و ادخال الشئ به في عرصة الوجود و كل الخلق مشتركون في هذا الايجاد و كلهم صادرون عن مشيته و امورهم آئلة الي امره لانه سبحانه كما في الدعاء ابتدع بقدرته الخلق ابتداعا و اخترعهم علي مشيته اختراعا ثم سلك بهم طريق ارادته و بعثهم في سبيل محبته لايملكون تأخيرا عما قدمهم اليه و لايستطيعون تقدما الي ما اخرهم عنه فكلهم من هذا الوجه مؤتمرون بامره منقادون لحكمه فالوسائط الذين بينهم و بين تلك المشية كلهم ملائكة معصومون طاهرون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و مرادي بالتشريع هنا الوجود الاضافي النسبي اي اذا نسب بعضهم ببعض فلهم من هذا الحيث وجود آخر صوري عارضي علي ذلك الوجود العارضي و في هذا الوجود يأتي الحسن و القبح و السعادة و الشقاوة و الخير و الشر و الجنة و النار و النعمة و الشقاء و امثال ذلك من الاضداد و الوجودات المزدوجة و لله سبحانه في ايجاد هذه الصورة لخلقه ايضا مشية و لكن هذه المشية مشيتان مزدوجتان فالمشية المتعلقة بالابرار و الاخيار مشية محبوبة لله سبحانه قد جرت علي حسب رضاه و هي مصورة كما عرفت علي صورة محبوبة و صورة خير حتي حدثت منها الاشياء المحبوبة و المشية المتعلقة بالاشرار مشية مصورة علي صورة الشر حتي حدثت منها صورة الشر و هي مشية مبغوضة مسخوطة و تسمي بالخذلانية قد جرت لا علي طبق محبته بل لاتمام الحجة و قطع العذر و تمام الكلمة كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و بين هاتين المشيتين و بين اثريهما واسطة روحانية فالواسطة بين المشية المحبوبة و بين الصورة المحبوبة [ص 33] روح محبوب مطيع منقاد لله سبحانه طاهر مطهر غيرهما و هو الملك التشريعي الممد المؤيد المسدد الموفق المبشر صاحب رحمة الله و عطف الله علي عبده و تلك الواسطة التي بين المشية المبغوضة و بين الصورة المبغوضة روح مبغوضة لله سبحانه هو الشيطان المضل الخاذل المفسد المقيض و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين انا ارسلنا الشياطين علي الكافرين تؤزهم ازا و لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون و استفزز من استطعت منهم بصوتك و اجلب عليهم بخيلك و رجلك و شاركهم في الاموال و الاولاد و عدهم و مايعدهم الشيطان الا غرورا و لذلك قد ينسب فعل اولئك الملئكة و اولئك الشياطين الي الله سبحانه اذا لوحظ ان الكل بمشيته يقول الله سبحانه زينا لهم اعمالهم و زين لهم الشيطان اعمالهم و يقول يضل من يشاء و يقول و لاضلنهم و لاغوينهم فافهم هذه المشكلات التي تنحل ببركة مولانا بقية الله صلوات الله عليه و قد بقيت مشكلة علي اقوام فالحمد لله علي ما فضلنا علي كثير من خلقه تفضيلا و لو كنا بصدد بيان هذه المسئلة لشرحناها اكثر و اتينا بآيات و اخبار كثيرة و لكن فيما ذكرنا كفاية و بلاغ لاهل التسليم فاذا عرفت الملئكة و الشياطين فاعلم انه ما من شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن كان يزعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد اشرك فان من خير و شر و صدق و كذب و حق و باطل الا بمشيته سبحانه و يجري المحبوبات بمشيته علي ايدي ملائكته و يجري المبغوضات علي ايدي الشياطين فكل طيب و طهر و خير و نور و كمال و عدل و قسط و حق و صدق من الملئكة و هي متعلقة بالملئكة اليها تنزل و فيها تسكن و بها تتعلق و لها تحمل و بها تانس و كلما هي ضد ذلك فهي متعلقة بالشياطين اليها تنزل و فيها تسكن و بها تتعلق و لها تحمل و بها تانس فلاجل ذلك صارت السماوات مأوي الملئكة و الارضون مسكن الشياطين فاذا خطر ببال الانسان من خير فهو من القاء الملئكة و قد تلقاه من الملئكة [ص 34] و سكنة السماوات و كلما خطر بباله من شر فهو من القاء الشيطان و قد تلقاه من الشيطان و كل حادثة جرت في العالم علي نحو الخير فهي بسبب الملئكة و علي ايديهم و كل حادثة جرت علي نحو الشر فهي بسبب الشياطين و علي ايديهم و جميع ما هو من العادات و الطبايع و الشهوات و الغضب و الالحاد و الشقاوات و الامراض و السوء و الابخرة و الادخنة و ما منه ستر الانوار و الجهل و اللبس و الخطايا و امثال ذلك فهو من الشياطين و اضداد ذلك من الملئكة فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان في اول الليل عند صعود الابخرة و الادخنة في العالم او في البدن بسبب الاكل و الشرب و الخواطر غير المنسوبة الي الله سبحانه كلها سلطان الشياطين و غلبتهم و السحر عند ركود الابخرة و الادخنة في العالم و في البدن و هدوء الخواطر السيئة و خنوس الوساوس الردية و الاحاديث النفسية سلطان الملئكة و حال نزولهم بالرحمة و البركات و الخيرات و استجابة الدعوات و الالهامات و الفيوض و امثال ذلك فافهم يا بني فقد علمتك حاق الواقع و اسقيتك ماء غدقا و مازويت عنك شيئا يصلحك و يزيد في علمك و يبصرك و لاحرمتك عن العلم و المعرفة فالرؤيا التي يراها الانسان في اول الليل من الوساوس الشيطانية و ما يراه قبيل السحر فهو من الهام الملئكة و قد زعم القوم ان ما يراه الانسان في الفجر و اول النهار فهو حق و مااري ذلك قولا وثيقا فان من نام عن صلوته و نام بين الطلوعين و اول طلوع الشمس فان ذلك من استيلاء الشيطان عليه و لولا انه نوم شيطاني مانهي عنه الشارع صلوات الله عليه فلا عبرة برؤيا من انامه الشيطان و الهاه عن ذكر الله سبحانه و النوم في الاوقات المنهية مضر ممرض فكيف يكون ما يراه المريض حقا و هو بالهذيان اقرب فعن ابي‌عبدالله عليه السلام ليس من عبد الا يوقظ في كل ليلة مرة او مرتين او مرارا فان قام و الا فجاء الشيطان فبال في اذنه اولايري احدكم انه اذا قام و لم‌يكن ذلك منه قام و هو متحير ثقيل كسلان انتهي ، و ذلك الشيطان هو شيطان الليل و يسمي بالزها كما روي عن [ص 35] ابي‌جعفر عليه السلام و هو الذي يخدع الانسان كلما يتنبه و يقول لم‌يأن لك حتي يطلع الفجر ثم يبول في اذنه و يمصع بذنبه فخرا و يصيح و هو الذي يناجي الانسان في نومه بما يكره ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئا الا باذن الله و عن ابي‌الحسن الاخير عليه السلام اياك و النوم بين صلوة الليل و الفجر و لكن ضجعة بلا نوم فان صاحبه لايحمد علي ما قدم من صلوته و عن الصادق عليه السلام نومة الغداة مشومة تطرد الرزق و تصفر اللون و تقبحه و تغيره و هو نوم كل مشوم و روي ماعجت الارض الي ربها كعجيجها من ثلث دم حرام يسفك عليها او اغتسال من الزنا او النوم عليها حتي تطلع الشمس و عن الباقر عليه السلام النوم اول النهار خرق و القائلة نعمة و النوم بعد العصر حمق و النوم بين العشائين يحرم الرزق و قد ذكرنا الوجوه الطبيعية للمنامات المكروهة في كتابنا حقايق الطب فان شئت فراجع بالجملة الرؤيا في المنامات المكروهة كاذبة فانها من القاء الشياطين و وساوسهم نعم بعد الثلثين من الليل تصدق الرؤيا اذا لم‌ينم عن صلوة الليل و احسن من الكل الرؤيا في وقت القيلولة قبيل الظهر كما روي قيلوا فان الشيطان لايقيل و عن مجالس الصدوق في حديث ان الحسين عليه السلام نزل العذيب فقال فيها قائلة الظهيرة ثم انتبه من نومه باكيا فقال له ابنه ما يبكيك يا ابه فقال يا بني انها ساعة لاتكذب الرؤيا فيها و انه عرض لي في منامي عارض فقال تسرعون السير و المنايا تسير بكم الي الجنة الحديث ، و عن الصادق عليه السلام اسرعها تأويلا رؤيا القيلولة ، بالجملة اول الليل الابخرة و الادخنة في الهواء كثيرة و الشياطين متعلقة بها و تدخل جوف الانسان و تخالط روحه و تصعد الي دماغه و تخيل اليه امورا باطلة و كذلك الخيالات و الوساوس الشيطانية التي كانت له في النهار باقية في صدره الي الثلثين من الليل و هي متعلقة بروحه و ابخرة الاغذية و الاشربة موجودة في بدنه و كل ذلك مراكب الشياطين فيخيلون اليه امورا باطلة فلا خير فيها و لما كان غرضي تفهيمك و تلقينك الحكمة لا بد و ان [ص 36] اذكر لك ان الابخرة كيف تصعد الي الدماغ و تصير منشأ تلك الصور التي يراها الانسان في منامه و الشياطين كيف تمثل له بتلك الصور اعلم يا ثمرة فؤادي ان الغذاء اذا ورد البدن بعد ما يقضمه الانسان باسنانه و يمزجه بلعابه و نزل الي المعدة و صب عليه الماء و عمل فيه حرارة البدن و المعدة انحل بهاضمتها التي هي من الحرارة و الرطوبة ككشك الشعير ماء غليظا كالرب فجذبت الكبد من عروق دقيقة منها الي المعدة تسمي بماساريقا منه ماء فيه قوي تلك الاغذية حتي يبقي في المعدة فضول ذلك الكشك كالعجين فينحدر الي المصارين فينصب من المرارة الي الامعاء المرة لتنبه الانسان للدفع و يقوم اليه فيصفر و لما كان روحه و محله الحرارة الغريزية فيه ذلك الماء الذي ذهب الي الكبد و قد خرج عنه و مات نتن تلك الفضلة و خرجت منتنة ثم ذلك الماء الذي خرج من الغذاء و ذهب الي الكبد يعمل فيه الكبد بهاضمتها و تنضجه نضجا و تحله حلا طبيعيا و تميز منه فضولا اخر دهنية فتبعثها الي المرارة و مائية بورقية فتبعثها الي الكلية و ملحية فتبعثها الي الطحال و يبقي الجوهر الياقوتي الناضج الصافي الخالص و هو الغذاء المشاكل فتبعث اعدله الي القلب فيعمل فيه القلب بحرارته فهنالك يصير كالدهن في السراج و يتكلس بحرارة القلب و يتبخر كالدخان الحاصل من الدهن بحرارة النار فهنالك تشتعل فيه الحرارة الفلكية المنبثة في العالم بواسطة انوار الكواكب و شعلاتها فيحيي و يتحرك بالقبض و البسط كما حققناه في ساير كتبنا فيصير حيوانا و يجري ذلك البخار في الاوردة النابتة من القلب المنبثة في البدن و يحيي البدن و هذا الحيوان في شكله و طبعه تابع لذلك الدخان و البخار و الا فالحيوة الفلكية من حيث الفلك لا تعين فيها لحيوان من الحيوانات و ليست بسبع و لا بهيمة و لا طير و لا انسان و انما يحدث هذه الصور من البخار فانه ان كان ذلك البخار صفراويا صار سبعا او بلغميا صار سمكا او ترابيا صار بهيمة او هوائيا صار طيرا او معتدلا صار ناطقا ثم اختلاف اشكالها [ص 37] علي حسب اختلاف اجزاء البخار كما و كيفا و اختلاف البخار من اختلاف المادة المأخوذة في تكون اصل البنية و هي بعد خميرة ما يرد عليها فتغيره و تحيله علي حسب طبعها كما يحيل الثدي الدم الي اللبن و اوعية المني الي المني و اذكر المسائل بالاجمال و الاشارة لاني ذكرتها في غير هذا المحل بالتفصيل ثم يصعد ذلك البخار بغلبة الحرارة عليه الي الدماغ دخانا احر و ايبس مما كان فيقوي اثر الافلاك فيه لشدة التشاكل فيشتعل هناك بنفوس الافلاك متخيلا متفكرا متوهما عالما و عاقلا و امثال ذلك و يختلف ظهور هذه القوي فيه بحسب اختلاف مزاج الدخان و لذلك تري الناس في هذه القوي مختلفة و الا فهذه القوي من الافلاك ليست بمختلفة و لا بمتعينة و لا بمتخصصة بواحد غير واحد فمن كان دخان رأسه صافيا معتدلا ليس يغلب عليه طبع دون طبع و يكون كالمرآة الصافية المستقيمة هو الحاكم بالحق و القسط فاذا تخيل امرا تخيله علي ما في الواقع و اذا تفكر وجد الامر كما في الواقع و هكذا اذا استعمل ساير قواه و اذا كان ذلك الدخان غير معتدل و غلب عليه لون و فيه كثافة و اعوجاج كلما انطبع فيه من الخارج كان علي حسب صبغه كالمرآة المصبوغة العوجاء فهو الحاكم الجاير و المعتدل الحقيقي هو المعصوم و هو بشر سماوي و روحه الدخاني كالسماء المصونة عن صعود شياطين الاصباغ و الانحرافات الصاعدة من ارض الطبايع فهو ملكي الصفات سماوي السمات و هو الميزان الحق العارف بالاشياء بالحق الناطق بها بالصدق لايتطرق فيه الشيطان و كل من سواه منحرف عن الاعتدال ففيهم تطرق الشياطين و تصعد الي سموات دماغهم و تسترق السمع و ليس فيهم شهب لانه لم‌يبعث نبي عقلهم و لم‌يستول علي ملك بدنهم و لم‌يمنع الشياطين عن سماوات دماغهم فيأتون باخبار كاذبة و يخيلون اليه امورا باطلة اللهم الا الاقلين و هم اكابر الشيعة و آحادهم الذين حفظ الله قلوبهم و صدورهم عن تطرق الشياطين ببركة ولاية ساداتهم الا ان المؤمنين محفوظون عن ضرر [ص 38] الشياطين و ليس بضارهم شيئا الا باذن الله و اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون فكل ما ظهر في الناس من خلاف الاعتدال فانما هو من الشيطان فاعلم يا بني انه كما كان الحيوان من حيث الفلك لا تعين فيه و انما التعين من الدخان الذي هو الروح الطبيعي و باختلاف الروح الطبيعي صار الاسد اسدا و الغنم غنما كذلك في الانسان اذا بلغ الانحراف مبلغا صار علي جهة الضد مع المؤمنين و الاولياء تعين تلك الحيوة فيهم بالشيطانية و هو قوله سبحانه شياطين الانس و الجن و قوله الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس فيكون ذلك الدخان المحيي شيطانا بنفسه و ان كان ذلك الدخان مشاكلا للاولياء و الانبياء تعين الحيوة فيه بتعين الايمان و تعين بالانسانية فكان انسانا و مؤمنا قال عليه السلام الناس كلهم بهائم الا المؤمن و قال الله تعالي ان هم الا كالانعام بل هم اضل فافهم ما اقوله لك فالشيطان ذاتيه الشيطنة ثم بالعرض قد يفعل خيرا و غايته الشيطنة و المؤمن ذاتيه الايمان و قد يفعل شرا بالعرض و سيغفر له و ليس بضارهم شيئا ثم ان الانسان اذا صار انسانا بحسب الظاهر كائنا ما كان ربما يحدث في بدنه اخلاط منحرفة ممرضة في عضو من اعضائه و عملت فيها الحرارة و هي فاسدة فبخرتها بخارا منحرفا فاسدا اشتعل فيه من روح الانسان روح كما يشتعل الدخان الصاعد عن الفتيلة المطفية اذا قرب من السراج فيحيي ذلك البخار في بدن الانسان اين ما كان و هو شيطان له حركات و اقوال منحرفة لا خير فيها اماتري المرضي يهجرون و لهم قلق و كرب و سوء خلق كل ذلك من حركات ذلك الشيطان حتي ان الصداع شيطان و الشياطين كالاناسي منهم اعمي و منهم بصير و منهم اصم و منهم سميع و منهم ناطق و منهم ابكم منهم حليم منهم غضوب منهم مدار و منهم طاش منهم كسلان و منهم فاره و هكذا و كلهم يفعلون ما يفعلون لغير الله و كل من يعمل عملا علي خلاف الحكمة و خلاف الشريعة المطهرة [ص 39] التي هي طريق العدل و الحكمة و الانصاف او يقول قولا علي خلافها فانما ذلك من الشيطان الساكن في بدنه فكل الناس ممسوسون بالشياطين مخبطون بالابالسة و لكن لايشعرون فاذا اكل الانسان و شرب زايدا صعد مما اكل و شرب في بدنه ابخرة و تحيي بفضل حيوته شيطانا كسلا نواما غبيا بليدا و ينتشر ذلك الشيطان في بدنه و يمنعه عن الخير و ذلك باق الي ان يركد ذلك البخار فيموت ذلك الشيطان فينشط الانسان للخير و العبادة و يزداد فهمه و علي هذه فقس ما سواها فاذا عرفت الحق فاسع في متابعة الشريعة الغراء المطهرة فانها سبب هلاك الشياطين و الابالسة و زيادة الملئكة و نزولهم علي الانسان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة الاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن اولياؤكم في الحيوة الدنيا و في الآخرة و اهل الحق لما كان نظرهم الي الارواح قالوا ملئكة و شياطين و اهل الحكمة الطبيعية غافلون عن الارواح فقالوا بخار و دخان و انا لما اردت تفهيمك عبرت بذلك و لما عرفت الملك و الشيطان فعبر بتعبير الانبياء و الاولياء فانه الحق الاتري انك اذا نظرت الي انسان جاء قلت انسان جاء مثلا و من لا خبرة له بحيوته و انسانيته يقول اري جسما تحرك او لحما تحرك و هو لا علم له بحيوته التي في جسمه ففي اول الليل تلك الابخرة التي هي محال الشياطين تصعد الي دماغ الانسان و الشياطين راكبة فيها فتدخل دماغ الانسان و تمتزج الروح التي في الدماغ و تعوجه و تصبغه و تنطبع اشباحها في الخيال و الحس المشترك و تلك الشياطين علي هيآت مختلفة و تنطق باقوال و تتحرك بحركات متفاوتة فيدركها الانسان و يراها رؤيا فامثال هذه الرؤي لا عبرة بها ابدا و انما هي مثل ما يراها صاحب السرسام من الصور و ربما تكون مهولة و ربما تكون مأنوسة محبوبة او مبغوضة منكرة و كذلك الابخرة الصاعدة في العالم تركبها الشياطين لما حييت بشعلات الكواكب في الجو و تصعد الشياطين و تطير في الهواء و تذهب صاعدة الي [ص 40] السماء فان صعدت الي قرب الفلك و كرة النار احترقت تلك الابخرة و رجمت بشعلات الكواكب فاحترق ذلك الشيطان و مات و وقع علي الارض ففي اول الليل الشياطين المنبثة في العالم تدخل ابدان الناس من طريق التنفس و يصعدون الي دماغهم و يمازجون ارواحهم و مشاعرهم فيخيلون اليهم امورا باطلة كما عرفتك فلا عبرة بخيالات اول الليل و لا عبرة برؤياهم هذا و الناس كلهم مملوون من الشياطين من هذه الوجوه و من وجوه اخر و لربما يكون انسان لايصدق رؤياه و لو في السحر فان شياطينه لم‌تمت و لم‌تركد كما يأتي و اسباب صدق الرؤيا و كذبها كثيرة و ما ذكرنا في هذا الفصل بعضها .

الثالث و يختلف صدق الرؤيا و كذبها بحسب غلبة الاخلاط و الامراض في البدن هذا و ان ظهر مما بينا في الفصل السابق في الجملة الا اني اردت ان افصله في هذا الفصل فاقول ان الاخلاط اذا غلب بعضها علي الانسان غلبة ممرضة تعلق به شيطان من جنسه فان من الشياطين منهم سكنة النار و من الشياطين منهم سكنة الهواء و من الشياطين منهم سكنة الماء و من الشياطين منهم سكنة التراب فاذا غلب علي الانسان الصفراء غلبة ممرضة تعلق بها شياطين هم سكنة النار فاغلب ما يخيلون اليه النار و البرق و الشعلات و الاشياء الصفر و الحروب و الجدال و النزاع و الطيش و الغضب و التطيرات و التوحشات و الاسلحة و السباع و امثال ذلك مما ذكرناه في كتابنا اسرار النقاط و اذا غلب علي الانسان الدم غلبة ممرضة تعلق به شياطين هم سكنة الهواء فاغلب ما يخيلون اليه الجروح و القروح و الدم و الاشياء الحمر و النكاح و العشق و المحبة و الانس و الالفة و الشجاعة و الطيران في الهواء و الطيور و الرياح و امثال ذلك مما ذكرناه في ذلك الكتاب و اذا غلب علي الانسان البلغم غلبة ممرضة تعلق به الشياطين المائية سكنة الماء فاغلب ما يخيلون اليه الثلج و المطر و البحار و الانهار و الوحل و الاشياء البيض و النسوان و المفاكهة و الاشياء اللينة [ص 41] و الاشخاص الجميلة و السمك و امثال ذلك مما هو مذكور في ذلك الكتاب و اذا غلب علي الانسان السوداء غلبة ممرضة تعلق به الشياطين الترابية سكنة التراب فاغلب ما يخيلون اليه المواضع الضيقة المظلمة و السجون و المحابس و القيد و الغل و الاشياء السود و الضباب و الظلمة و الصور المهولة و الاجنة و الحيات و الديدان و ذوات الحمة و الوحشة و امثال ذلك مما هو مذكور في ذلك الكتاب فاذا اتاك آت برؤيا و تفطنت من هيئته و احواله و سابق علمك به انه قد غلب عليه احد هذه الاخلاط كما او فسد عليه كيفا و ذكر رؤيا مما يناسب ذلك الخلط فلاتتصد لتعبيرها و تأويلها فتقع في الخطا و لاتقل ان رؤياك كاذبة من هذه الجهة او هي من الشيطان فتؤذيه بل اسكت عنه او قل الله اعلم او سوف اتفكر فيه ان شاء الله و اجبه بالتي هي احسن و اعلم انه لا تأويل لها و انها قد نشأت في خياله من تخييل الشيطان فلاجل ما سمعت و ستسمع قلما يصدق رؤيا الناس و لا عبرة برؤيهم كما لا عبرة بخيالاتهم و اعلم ان اصح الناس خيالا في اليقظة اصحهم رؤيا و اشدهم تشوشا في الخيال في اليقظة و الوساوس اكذبهم رؤيا لان الخيالات مخرجها مع مخرج الرؤيا واحد و اسبابهما من نوع واحد و قل في الناس من يعتبر خياله و يمكن ان يعتني به و كذلك رؤياهم فاغلبها اضغاث احلام و لا اعتناء بها و ليست بقابلة للذكر و التأويل فعن الصادق عليه السلام في حديث مفضل قال فكر يا مفضل في الاحلام كيف دبر الامر فيها فمزج صادقها بكاذبها فانها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم انبياء و لو كانت كلها تكذب لم‌يكن فيها منفعة بل كانت فضلا لا معني له فصارت تصدق احيانا فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدي لها او مضرة يتحذر منها و تكذب كثيرا لئلايعتمد عليها كل الاعتماد الخبر ، و روي اكثر المنام رأي الاحلام فاغلب الرؤيا اباطيل اضغاث احلام لا خير فيها و لايعتمد عليها اللهم الا ان يجتمع شروطها اتفاقا كما يأتيك .

[ص 42] الرابع و قد يختلف الرؤيا بحسب الليالي و الايام المتبركة و غير المتبركة فان بعض الليالي و الايام فيه ظهور آثار الربوبية و نزول الرحمة و الملئكة و البركات السماوية كليالي القدر و ليالي الجمعة و ليالي شهر رمضان عموما و ساير الليالي و الايام المتبركة المندوبة فيها العبادة و الطاعة و زيارة الائمة عليهم السلام و امثال ذلك و بعضها فيه سلطان الشياطين و هو منحوس قد امر بالحذر عنه كاول الشهر و نصفه و آخره و المحاق و يوم الاربعاء و ايام الكوامل و امثالها فانها تختلف البتة و كذا الليالي و الايام التي يقع فيها قران منحوس او نظر منحوس او يسوء فيها حال الشمس و القمر و الزهرة كوكب الخيال و عطارد كوكب الفكر او يكون كسوف او خسوف او رياح او زلازل او نزول عذاب او برد في غير محله او حر في غير اوانه او عفونة في الهواء او وباء و طاعون او يكون القمر في وباله و الطريقة المحترقة او القمر في العقرب و امثال ذلك مما يورث تغيرا في الهواء و كربا و وحشة و فزعا و امثال ذلك فان في جميع هذه الاحوال تستولي الشياطين علي العالم و يستولون علي الخيالات و يخيلون الي الناس في يقظتهم و نومهم امورا باطلة و لا عبرة بخيالاتهم و السبب في استيلاء الشياطين في هذه الاوقات ما مر نوعا ان كل امر يجري في العالم علي خلاف الفطرة و علي نهج الكراهة لله سبحانه من عذاب او خذلان و بمقتضي المعاصي و السيئات فانه بمشيته سبحانه المكروهة و ظل تلك المشية روح سفلي و شيطان هو يد لله سبحانه كونا و ان كان ذلك الروح مبغوضا لله سبحانه شرعا و لاينافي كونه يدا ان يكون معذبا بالنار مع قرنائهم الاشرار فان الشيطان قد عصي الله سبحانه في وجه محبته و رضاه في التشريع و يستحق العذاب و انما اعطاه الله سبحانه الروح الخبيث بمقتضي سؤاله و قابليته و كون الشئ مخلوقا لله بمشيته و يدا له في الكون لاينافي كونه معذبا في الشرع كما حقق في محله الاتري ان الكافر يقتل مؤمنا و الله يتوفي الانفس حين موتها و يعطي صدقة و الله يرزق [ص 43] من يشاء ما يشاء و ينصر مؤمنا و ليس له من دون الله ولي و لا نصير و امثال ذلك و كذلك الشيطان يصير فعله فعل الله كونا و ليس هو و لا فعله بمرضي لله شرعا فيكون معذبا و تفصيل ذلك مذكور في ساير كتبنا و لعلك قد حزته منا و مر هنا ما يدل علي ذلك بالجملة كل يوم و ليلة فيه سلطان الملئكة و نزول رحمة و ظهور آثار سلطنة الله و رحمة الله و غفران الله فيكون الرؤيا فيه ان لم‌يكن مانع آخر صادقة و ان كان فيه ظهور سلطان الشيطان و نزول نقمة و عذاب و تغير في الهواء فالرؤيا فيه كاذبة ان لم‌يكن مقتض آخر للصدق اقوي فالملئكة تنزل مع شعلات الكواكب بالرحمة اذا كانت علي نهج القوة و الفرح و الاعتدال و الخير و النفع و تنزل بالسخط اذا كانت بخلاف ذلك و تغتنم الشياطين اذا رأوا الملئكة قد نزلت بالنقمة و العذاب علي اهل الارض فيعلمون ان الملئكة لاتمنعهم عن اذي الخلق و اغوائهم و اضلالهم و اهلاكهم فيقومون بطرا و يركبون مراكبهم و يجولون في اطراف العالم و يمصعون باذنابهم و يصيحون و ينخرون و يصفقون و يفعلون ما مكنوا منه فلا عبرة بالرؤيا في تلك الاحوال و اما الاوقات المتبركة فتنزل الملئكة بالرأفة و الرحمة علي العباد فاذا رأوا الشياطين ذلك علموا انهم ممنوعون من بني آدم و لايتمكنون منهم و لو خرجوا يحترقون بانوار الملئكة و ان الرحمة اكتنفتهم و الملئكة احاطت بهم و الانوار قد غطتهم فييأسون عن اضلالهم فيحتجبون بجحورهم كيلايحترقوا فيصدق الرؤيا في تلك الاوقات هذا و احوال العالم اذا صلحت و الاوضاع الفلكية اذا اعتدلت تؤثر في الابدان و النفوس فتصلح المزاج و تعدله فيجري علي الاستقامة و الوضع الالهي المحبوب فيتوجه النفس الي المثل المكتوبة في الواح السموات و الارض فتراها كما هي و يصير نظرها سماويا و اذا فسدت الاحوال و الاوضاع و جرت بالنقمة تفسد الامزجة و تخرجها عن الوضع الالهي المحبوب فيفسد مشاعرهم و تعتل فلاتدرك تلك المثل بحقيقتها و يصير نظرها في الارض منكوسا فيري [ص 44] امورا باطلة كاذبة كما اشرنا اليه و اني لم‌اترك شيئا بقدر جهدي الا و قد اشرت لك اليه كيلاتجهل حقيقة الامر .

الخامس و قد تختلف الرؤيا بحسب الامكنة فان من الامكنة ما هو مسكن الشياطين كالكناسات و المزابل و المقابر و المواضع القفرة و المظلمة و النجسة و منها الفراش النجس الكثيف و اذا نام وحده و بيت فيه كلب او خنزير او كافر او خمر او يشرب فيه الخمر او يعصي فيه كثيرا و امثال ذلك فان في هذه الامكنة سلطان الشياطين و هي مقيلهم و مسكنهم و مأواهم فلو نام الانسان في هذه الامكنة تعلقت به و دخلت في بدنه و عروقه و تعلقت بارواحه و صعدت الي دماغه و خيلت اليه امورا باطلة و افزعوه و ارعبوه و اوحشوه و اروه صورا باطلة و من الامكنة ما هو مهبط الملئكة و منزل الرحمة كالمشاهد المشرفة و المساجد و المواضع الطيبة الطاهرة و منها الفراش الطاهر و بيت ليس فيه كلب و لا خنزير و لا كافر و لا اناء بول و امثال ذلك فان فيها تنزل الملئكة بالرحمة لاسيما اذا كان يقراؤ فيها القرآن و الدعوات و يتطيب بالطيوب و يعلق فيها احراز و عوذات و قرآن و امثال ذلك بشرط ان لاينام في ذلك البيت وحده فان الشيطان يكون قريبا من الذي ينام وحده و يلعب به و ملعون من نام في بيت وحده ففي هذه الامكنة اذا رأي الانسان رؤيا تكون معتبرة ان لم‌يمنع عنه مانع آخر و اما الامكنة الاولي فحرية بان تكذب فيها الرؤيا و تكون باطلة و لااستحسن النوم مع جنب او حايض و لااستأمنه من تطرق الشياطين بل مطلق المرأة خاصة غير المأمونة فانها محل الشيطان بالجملة هذه الاسباب ايضا مما يختلف بسببه الرؤيا اختلافا فاحشا و اعلم ان المقتضيات للشئ الواحد في الدنيا كثيرة و الموانع عنه كثيرة كما قد رأيت في كتابنا اسرار النقاط و سمعت من علم النجوم و لا بد للانسان من ملاحظة جميع ذلك و مقابلة المقتضيات بالموانع و الحق المحض ما خلص من الموانع بالكلية و حصلت له المقتضيات و الباطل المحض ما حصل له الموانع و عدم فيه المقتضيات [ص 45] فاذا اختلطا يكون الامر بين بين و ان كان الاغلب اقوي و اكثر جرا الي جانبه و لكن الله سبحانه لايحرم المانع الضعيف عن مقتضاه بوجود المقتضي القوي و لايمنع المقتضي الضعيف عن رحمته بواسطة وجود المانع القوي بل يعطي كل ذي حق حقه فافهم ذلك و اجره في كل مقام و لاتحكم ابدا بالصرف عند الشوب و غلبة جهة فان الله ذو الفضل العظيم و قل ما يوجد في الدنيا صرف قال علي عليه السلام ما معناه لو خلص الحق لم‌يخف علي ذي حجي و لو ان الباطل خلص لم‌يخف علي عاقل و لكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيأتيان جميعا ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و الدنيا كذلك ما دامت دولة الباطلة قائمة فاذا صار الرجعة و قتل الشيطان عند الروحا في الوقت المعلوم خلص العالم عن شوب الباطل و ظهر امر الله و اما هذه الايام فامر محكم و قضاء مبرم و لم‌يرد الله الا هكذا حتي يبلغ الكتاب اجله فراع المقتضيات و الموانع ان احطت بها خبرا و احكم لكل بقدره و لما كانت المقتضيات لاتحصي و الموانع لاتستقصي لارتباط جميع اجزاء هذا العالم بعضه ببعض صار هذه العلوم علي ما تري كثيرها لايدرك و قليلها لاينفع و لكن قليلها لاينفع في جلب نفع محذور او دفع بلاء مقدور و في الحكم علي النتيجة بالبت و القطع و لكن في العلم بالاسباب و العلل ينفع و ينفع و الحكيم ليس بحكيم حتي يفهم هذه المسائل حق الفهم و يعرف حقايق الاشياء فلاتملن عن اخذ العلم بالاسباب و العلل اذا لم‌تصب النتيجة فانك ان لم‌تصب النتيجة المطلوبة ظاهرا اصبت معرفة حقايق الاشياء و ينفعك في معرفة ربك و في ساير العلوم العقلية الكلية التي ليس لها اعراض و اسباب مختلفة و هي تجري علي القطع و اليقين .

السادس و تختلف الرؤيا بحسب الاحوال فان الانسان اذا نام علي طهارة ظاهرية و باطنية مستقبل القبلة ذاكرا لله سبحانه متوجها اليه و قد استغفر لذنوبه و تطهر بماء التوبة من اقذار الخطيئات و ذكر الله حتي غلب عليه النوم و [ص 46] اسكته و استعاذ بالله من الشيطان و احترز بالاحراز المأثورة و استعاذ بتعويذات مروية و قرأ القرآن و احتجب به عن شر الشياطين لاسيما آية السخرة فانها آية لله سبحانه في هذا الامر و نام علي ذلك و هو مستكمل ساير الشروط و استتمها بهذا الامر ان كان فيها نقص فان هذا اقويها فانه يصدق رؤياه و يصعد نفسه الي السماوات البتة و يري ما يري في السماوات و يحف به الملئكة و تمنعه عن الشياطين فلايدخلونه و لايلعبون به لاسيما اذا كان خفيف البطن صائم النهار قائم الليل في وقت صلوة الليل و اما اذا نام علي غير طهارة و علي غير ذكر و توبة و قراءة و استعاذة و لاسيما وحده او في بيت وحده او ممتلي البطن فان ما يراه اضغاث احلام اللهم الا ان يمنعه مانع و اعلم هذه الاسباب في هذه العلوم كالطب فانه يقال ان الدارصيني يسخن يعني هو وحده طبعه كذا و اما اذا خلطه شاربه باضعافه ماء الحصرم فانه لايحس له بسخونة البتة و يقال ان الدواء الفلاني مسهل لكن اذا خلطه باضعافه افيون ليس يظهر له اسهال و كذلك الاعمال الشرعية و الثوابات الموعودة لها و العقابات المذكورة فيها و الا يلزم التناقض في اقوال الحكيم و الحكيم ليس يخالف كلام منه كلاما آخر اعتبر من قول الامام في شرح قوله تعالي : و من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ، يقول ان جازاه و كذلك هذه الاسباب تقتضي ذلك يعني لو لم‌يكن مانع و الموانع و المقتضيات للاشياء لاتحصي و لايقدر علي موازنتها كلها و استخراج النتيجة منها الا من يحصي الخلايق اجمعين و احصي كل شئ في امام مبين و يضع الموازين القسط ليوم القيمة .

السابع عن المجالس باسناده عن ابي‌هريرة عن النبي صلي الله عليه و آله قال اذا تقارب الزمان لم‌تكذب رؤيا المؤمن و اصدقهم رؤيا اصدقهم حديثا و روي اذا اقترب الزمان لم‌تكد رؤيا المؤمن تكذب و قيل في شرحه انه اراد اقتراب الساعة و يؤيد هذا المعني ما روي من طريق العامة ايضا عن ابي‌هريرة قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله اذا كان آخر الزمان لم‌يكد رؤيا المؤمن [ص 47] تكذب و من طريقنا ما روي عن الكافي بسنده عن هشام بن سالم عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال سمعته يقول رأي المؤمن و رؤياه في آخر الزمان علي سبعين جزءا من اجزاء النبوة و قيل معناه اعتدال النهار و الليل و استوائهما نظرا الي ما يقوله المعبرون ان وقت ادراك الثمار و ينعها يكون الرؤيا اصدق و لا شك ان الاول اوجه لشهادة الخبر بمضمونه فيكون رؤيا المؤمن في آخر الزمان اصدق و الوجه في ذلك ان الاحلام تترقي و الافهام تتزايد و المؤمن الثابت علي الايمان في آخر الزمان اثبت ايمانا و ارسخ في الدين و لذلك ثبت علي الدين و قد ملأت الدنيا ظلما و جورا و قد غربل اهل الزمان غربلة حتي خرج من لم‌يكن من اهل الايمان الحقيقي و ارتد و لم‌يبق الا الثابت الماحض الايمان هذا و يصفو الزمان و يقترب الملكوت و يترقي الزمان و الكون و المكان فيكون المؤمن اقرب الي ملكوت السموات فما يراه برأيه في يقظته او برؤياه في منامه لم‌يكد يكذب و اما رأي المنافقين و رؤياهم في آخر الزمان لم‌يكد يصدق لاستيلاء الشياطين عليهم و نفوذهم فيهم فلاينظر من اعينهم الا الشيطان و لاينطق من السنتهم الا الشيطان و لايدرك بمشاعرهم الا الشيطان ففي هذه الايام يكون رؤيا المؤمن اصدق و رأيه اصوب و رؤيا المنافق اكذب و رأيه اخطأ و اما آخر الخبر الاول ان اصدقهم رؤيا اصدقهم حديثا فاحد معانيه ان الذي لايبالي في اخباره عن الامور المحسوسة التي يتبين خطاؤه ان يكذب لايبالي في قصته الرؤيا ان يزيد و ينقص و يكذب فمن كان اكثر احتياطا في اخباره عن الامور الظاهرة ان لايزيد و لاينقص يكون رؤياه اصدق و يطمئن المعبر باخباره انه رأي كذلك و ليس يغرق في كلامه و ليس يسامح فيطمئن بقوله فيعبره بحسب ما يراه و يحصل الظن بوقوع التأويل و اما الكاذب فلايقدر الانسان علي تصديقه انه رأي رؤيا اصلا او رآها كما حكي بلا زيادة و لا نقيصة فلايقدر علي تأويلها و يمكن ان يراد به ان الصادق في قوله هو الذي قد عود نفسه بتحقيق الامور و التوجه الي الاشياء بكله حتي يفهمها علي [ص 48] الحقيقة ليكون اذا اخبر عنها صادقا لايكذب و اما الكاذب فلايبالي بالاشياء و فهمها و لايبالي في اخباره عن الامور ان يخالف الواقع فمن كان نفسه معتادة بتحقيق الامور يكون توجه نفسه في المنام الي الاشياء عن اعتناء و دقة فتحققها فتصيب في رؤياه و من كان نفسه معتادة بالتسامح في تحقيق الامور و تكون حواسه مشوشة بالاكاذيب التي يقولها لاتحقق نفسه في الرؤيا الامور فلاتصيب في ادراكها هذا و الرؤيا شأن من شؤن النبوة و النبي هو المخبر عن الله سبحانه و الله سبحانه لايستنبئ كاذبا و لايتخذه مخبرا عنه فلايلهمه الله في منامه خير الناس ليكون بشارة لهم و لا شرهم ليكون انذارا لهم فالكاذب محروم عن الهام الله سبحانه و الذي يدل علي ان الرؤيا من شؤن النبوة كثيرة منها ما مر هنا و منها ما روي عن البصاير بسنده عن زرارة قال سألت اباجعفر عليه السلام من الرسول و من النبي و من المحدث فقال الرسول الذي يأتيه جبرئيل فيكلمه قبلا فيراه كما يري احدكم صاحبه الذي يكلمه فهذا الرسول و النبي الذي يؤتي في النوم نحو رؤيا ابرهيم و نحو ما كان ياخذ رسول الله صلي الله عليه و آله من السبات اذا اتاه جبرئيل في النوم فهكذا النبي و منهم من تجمع له الرسالة و النبوة فكان رسول الله صلي الله عليه و آله رسولا نبيا يأتيه جبرئيل قبلا فيكلمه و يراه و يأتيه في النوم و اما المحدث فهو الذي يسمع كلام الملك فيحدثه من غير ان يراه و من غير ان يأتيه في النوم و الاخبار بهذا المعني كثيرة و عن الصادق عليه السلام اذا كان العبد علي معصية الله عز و جل و اراد الله به خيرا اراه في مناه ( منامه ظ ) ما يروعه فينزجر بها عن تلك المعصية و ان الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءا من النبوة و عن النبي صلي الله عليه و آله ان الرؤيا جزء من ستة و اربعين جزءا من النبوة و هي علي رجل طاير فاذا حدثت بها وقعت فالله سبحانه لايتخذ الكاذب نبيا مخبرا عنه بغيبه و تبشيره و انذاره و اما الوجه في قوله ان الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءا من النبوة فان المؤمن خلق من شعاع النبي صلي الله عليه و آله و نسبة الشعاع [ص 49] الي المنير نسبة الواحد الي السبعين كما يظهر من الاخبار و هذا الواحد غير ذلك السبعين بل هو واحد آخر ادني من اجزاء السبعين خلق من اسفل جزء من اجزاء كينونة العالي لان الاثر شبح اسفل مراتب وجودات العالي و قسم مراتب العالي علي السبعين اشارة الي ان مقامه بالنسبة الي الداني مقام المشية بالنسبة الي المشاء و المشية يعبر عنها بكن و كن قواها سبعون و اما الوجه في الستة و الاربعين فان العالي قد تم وجوده في اربعة ادوار ثلث دورات لتمام قابليته و دورة لتمام مقبوله و كل دورة منه مركب من عشر قبضات تسع من الافلاك و واحدة من الارض كما حقق في محله فتم له اربعون مقاما كما قال الله سبحانه و واعدنا موسي ثلثين ليلة و اتممناها بعشر فتم ميقات ربه اربعين ليلة و له في مقام التعين و التشخص حدود ستة فذلك ستة و اربعون مقاما و الاثر بهذا الاعتبار جزء من ستة و اربعين جزءا فانه اثر اسفل مقاماته و انه كالعرض بالنسبة الي المؤثر و ظهور منه بالجملة رؤيا المؤمن و رأيه ظل جزء من اجزاء النبوة البتة و ان لم‌تكن في آخر الزمان و ان كانت تتأكد في آخر الزمان كما روي عن كتاب المؤمن للحسين بن سعيد باسناده عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال رأي المؤمن و رؤياه جزء من سبعين جزءا من النبوة و منهم من يعطي علي الثلث و عن الرضا عن آبائه عن علي عليهم السلام قال رؤيا الانبياء وحي انتهي ، و ليس رؤيا المؤمن وحي و لكنها الهام من الله و ليس حد التحدث كالائمة عليهم السلام كما روي من المجالس بسنده عن هرون بن حمزة قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول ان منا لمن ينكت في قلبه و ان منا لمن يؤتي في منامه و ان منا لمن يسمع الصوت مثل صوت السلسلة في الطشت و ان ( منا ظ ) لمن يأتيه صورة اعظم من جبرئيل و ميكائيل انتهي ، بالجملة اذا تقارب الزمان لم‌يكد يكذب رؤيا المؤمن و اصدقهم رؤيا اصدق حديثا و اما قول المعبرين ان الرؤيا تصدق عند ايناع الثمار فهو قريب فان وقت ايناع الثمار آخر الصيف و اول الخريف و عند ذلك يصفو الهواء [ص 50] و يتحلل الابخرة و الرطوبات الشتائية و الربيعية بغلبة حر الصيف و تجفيفها لها كما روي عن الرضا عليه السلام ان في ايلول يطيب الهواء و يقوي سلطان المرة السوداء الخبر ، و فيه يدرك الثمار فاذ طاب الهواء قل الشياطين و صح الرؤيا ثم في تشرين‌الاول قال عليه السلام تهب الرياح المختلفة و يتنفس فيه ريح الصباء انتهي ، و يحدث فيه امراض و اوباء لاختلاف الرياح فلا عبرة بالمنام فيه فتبين ان في اول الخريف يصدق الرؤيا ان لم‌يكن مانع هذا و في اول الخريف اول سلطان السوداء و هي في حالة الصفاء صايبة الرأي دقيقة الفكر ثابتة العزم تتدقق في الامور فالانسان فيه حري بان يصدق رؤياه فافهم .