تأويل الاحاديث
في علم الرؤيا و تعبيرها
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد خاتم النبيين و آله الطيبين الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه قد سألني قرة عيني و فلذة كبدي و ثمرة فؤادي ابني محمد الملقب بالرحيم اطال الله بقاه و بلغه في دينه و دنياه و اولاه و اخراه جميع ما يتمناه ان اصنف له رسالة في علم الرؤياء و تعبيرها لانه اطال الله بقاه بالطبع مائل الي العلوم الغريبة و لميكن يتفق لي فرصة ان اصنف له ذلك حتي اطلعه علي ما فيها و اوقفه علي ظاهرها و خافيها الي ان قدر الله سبحانه لي سفرا الي بلدة الصالحين خبيص و حصل لي فراغ في الجملة عن الاشغال و استراح القلب عن البلبال فاحببت ان اكتب له كتابا بحسب ما يمكنني في هذه الايام القلائل و ذلك اني لماعزم علي اقامة عشرة ايام فيها هذا و هو علم مكتوم من علوم الانبياء و المرسلين و اوصيائهم المكرمين و لايبلغ جميع اطرافه عقولنا و لايحيط به فهومنا و ليس يجوز لنا ان نشرح في الدفاتر ما فتح الله منه علينا اذ ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله و لكن الميسور لايسقط بالمعسور و علي الله المعول في جميع الامور و اسأل الله سبحانه ان يجري في هذا العلم علي قلمي ما يكون صلاحا لديني و دنياي [ص 3] و آخرتي فانه بالاجابة جدير و علي كل شئ قدير و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و هذا الكتاب مشتمل علي مقدمة و ابواب و سميته بتأويل الاحاديث .
المقدمة في ذكر امور يجب تقديمها في هذا العلم لتكون علي بصيرة و تطلع علي حقيقة امر الرؤيا و فيها فصول :
فصل - اعلم يا بني ارشدك الله ان ما يجب ان تعلمه اولا في هذا العلم امر الحواس الباطنة فان الرؤيا هي ما تراه بحواسك الباطنة بعد ما تعطلت حواسك الظاهرة عن الادراك فلا بد ان تعلم الحواس الباطنة و تعلم عددها و خواصها و افعالها و صفة ادراكها و لما كان تفصيل ذلك من علم اعلي ليس هنا موضع تفصيله فلنذكرها علي نحو الاشارة و لكني لااترك شيئا ان شاء الله الا و اشير اليه لئلاتحتاج الي غير هذا الكتاب و لو اردت التفصيل لكان الواجب ان افرد كتابا في علم الحواس فاقول اعلم يا بني و اعرني لبك لتفهم ما منح الله علي ابيك من الحكمة ما لميؤته كثيرا من خلقه و القيه اليك بحول الله و قوته و تأييده و توفيقه ان الله سبحانه احد بلا نهاية و حد فهو كامل لايترقب حصول كمال لنفسه فهو واجد جميع الكمالات غير المتناهية بالفعل فخلق خلقا يسمي من حيث الاعلي تجليه سبحانه الاعظم و اول ظهوره الاكرم و ضياؤه المشرق و نوره المتألق و ذكره الاجل الاعلي و اسمه الاعز الاسني و هو ظهور لا غاية له و لا منتهي و ليس له حد يستقصي و هو تعريفه سبحانه نفسه لخلقه بالكاملية غير المتناهية و الجامعية المتعالية و هو جمع الله المشار اليه في تعويذ الليالي و تعويذ الرمد و قد سئل ما جمع الله قال كل الله و القدس الذي ملأ الدهر كما في الدعاء و من حيث الاسفل و النسبة الي انواره يسمي بالمشية و الاسم الذي انزجر له العمق الاكبر فلما تم خلق هذا الخلق الشريف اشرق به جميع القوابل الامكانية التي لمتكن الا به و ان كانت في عرصة العلم علمية و لكنها لمتكن امكانية و صارت امكانية في الامكان الذي هو محل ذلك الخلق الاول فلما [ص 4] اشرقت بها صارت كونية فامكانيتها بالمشية الامكانية بعد ما كانت في العلم ازلية و هذا الازل هو الازلية الاولي لا ازل الآزال و كونيتها بتعلق المشية الكونية بها تعلق تكوين و انت قد علمت منا ان الامكان بحر سيال متشاكل الاجزاء فكل جزء منه صالح لكل ما يصلح له الجزء الآخر فصلوح ذلك الامكان مما لا نهاية له لانه موضع قدرة الله سبحانه التي لاتعجز عن شئ و استطال بها علي كل شئ فلما اخذ من ذلك الامكان حصة لمكون و كون منها كون كانت تلك الحصة من حيث الامكان صالحة لكل شئ بلا نهاية و ان كانت من حيث الكون خاصة بذلك الكون الذي صيغت علي هيئته كالحصة المدادية المصورة بالصورة الالفية فانها من حيث المدادية صالحة لكل حرف و لكن من حيث الالفية لاتصلح لغير الالف فبذلك الامكان صار كل شئ فيه معني كل شئ ثم لما كانت القوابل بعضها ارق من بعض و اكثر لطافة و صفاء من بعض صار كل قابلية اصفي و الطف احكي لكمالات تلك المشية و اشد اظهارا لها و كمالات تلك المشية الكاملة منها اكثر فعلية مما كان دونها في الرقة و اللطافة و الصفاء و الشفافة البتة و لما كان ارق القوابل و الطفها و اصفيها و اشفها قابلية الانسان كما حقق في محله صار الانسان احكي لكمالات المشية و اشد اظهارا و تبيينا و فعلية لها حتي ان اشرف افراد الانسان صار حاكيا لجميع كمالاتها و مظهرا اياه بالفعل فالقت في هويته مثالها و اظهرت عنه افعالها فجعله الله سبحانه محلا لمشيته و وكرا لارادته ارادة الله في مقادير اموره تهبط اليه و في بيته الصادر عما فصل من احكام العباد فاذا شاء ما شاء حرك من سريرته كوامن ما ابطن فيه و اجري لسانه و جوارحه بما اضمر فيه فماتشاؤن الا ان يشاء الله لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون ثم ما دون ذلك علي حسب درجاتهم و مقامهم سواء كانوا اناسي شرعيين او كونيين بالجملة الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي مجموع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و قد نسب الي [ص 5] علي عليه السلام ،
دواؤك فيك و ماتشعر و داؤك منك و ماتبصر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
اتزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
فالانسان هو احكي القوابل لمشية الله سبحانه و اكثر الاشياء فعلية للقوي الكامنة في محل قدرة الله سبحانه و مشيته فلاجل ذلك خلقه الله خلقة جامعة لجميع المراتب حائزة لجميع المقامات حتي يظهر فيه و منه جميع شؤن الكمالات و يصدر منه جميع انواع الفعليات فاول ما خلق الله من مراتبه عقله الذي هو اول غصن نابت في جنان الصاقورة و هو اول الوجودات المقيدة ثم قال له ادبر اي بالاشراق و التوجه الي اقصي مراتب البعد فادبر فنزل الي ارض الزعفران و الرقايق ثم الي الجزيرة الخضراء ثم الي الكثيب الاحمر ثم الي البحر الابيض ثم الي الاظلة و جابلقا و جابرصا ثم الي هذا العالم الي العرش ثم الي الكرسي ثم الي الافلاك ثم الي العناصر الي التراب و هذا الادبار هو للتمكين و خزن الكمالات في كل مقام ثم دعاه الي الاقبال و انشاء الكون فجعله كيلوسا ثم كيموسا ثم دما صالحا روحانيا صاعدا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كساه لحما ثم انشأه خلقا آخر حيوانيا ثم اخرجه من بطن الام انسانا وليدا ثم رضيعا ثم فطيما ثم يافعا ثم ناشيا ثم مترعرعا ثم خرورا ثم مراهقا ثم محتلما ثم بالغا ثم مستويا شابا و قد كمل فيه قوة النفس الناطقة ثم اتاه حكما و علما ان شاء ثم رقاه في المدارج العلمية فصار عليما ثم بصيرا ثم حكيما ثم رقاه في المدارج العملية فصار مؤمنا صالحا متقيا مخلصا ثم شرح صدره فجعله من اهل مشاهدة هورقليا و الاظلة ثم من اهل مشاهدة عالم الهباء ثم من اهل مشاهدة عالم الطبايع ثم من اهل مشاهدة عالم النفوس ثم من اهل مشاهدة عالم الارواح ثم من اهل مشاهدة عالم العقول ثم من اهل مشاهدة عالم الفؤاد فلما كمل له العلم و العمل رقاه [ص 6] الي مدارج الاسماء و الصفات و علمه اياها و هي ثمانية و عشرون اسما فصار فعالا بقوة كل اسم فيما يتكون به و يتربي يقول للشئ كن فيكون و لسنا الآن بصدد بيان تلك المقامات و انما جري ذلك لتمام الكلام لا لبيان المرام فلما كون الله الانسان بعد ما مكنه من جميع الكمالات التي في المقامات خلق له في كل عالم ادوات و آلات ينال بها ما خلق الله في تلك المرتبة كما تري في هذا العالم انه بعد ما خلق الله جميع الاشياء من الطبايع و اختلافها باختلاف موادها كما و كيفا و خلق الانسان في هذا العالم ايضا منها خلق له مشاعر من الطبايع معتدلة و منحرفة حتي يدرك بها جميع ما خلق الله من الطبايع فان الآلات تشير الي نظائرها و تدرك ما هو من جنسها فخلق له عينا من ضوء النار ليدرك بها الاضواء و الالوان و ما من النار و اذنا من الهواء ليدرك بها ما من الهواء و شما من الماء ليدرك به ما من الماء و ذوقا من التراب ليدرك به ما هو من التراب و لمسا من المجموع المركب ليدرك المعلومات المركبة من الجميع و جميع هذه المشاعر ادوات خالية من حيث نفسها عن النقوش و المعلومات صالحة لادراك ما يصل اليها من صفات الاشياء و اشباحها كما حققناه في ساير كتبنا مفصلا و شرحناه في دروسنا بما لا مزيد عليه قد علمه المستحفظون عنا و لا قوة الا بالله فجميع هذه المشاعر مرايا صافية ان كانت علي الفطرة ليس فيها شبح معلوم الا ما يرد عليها من الخارج فينطبع فيها كما ينطبع الشبح في المرآة فتدركه ادراكا ضعيفا طبعانيا بفضل ما فيها من ظل الروح و انما الادراك الكامل للروح كما روي عن المناقب لابنشهراشوب مما اجاب الرضا عليه السلام بحضرة المأمون لضباع بن نصر الهندي و عمران الصابي عن مسائلهما قال عمران العين نور مركبة ام الروح تبصر الاشياء من منظرها قال عليه السلام العين شحمة و هو البياض و السواد و النظر للروح دليله انك تنظر فيه فتري صورتك في وسطه و الانسان لايري صورته الا في ماء او مرآة و ما اشبه ذلك قال ضباع اذا عميت [ص 7] العين كيف صارت الروح قائمة و النظر ذاهب قال كالشمس طالعة يغشاها الظلام قال اين تذهب الروح قال اين يذهب الضوء الطالع من الكوة في البيت اذا سدت الكوة قال اوضح لي ذلك قال الروح مسكنها الدماغ و شعاعها منبث في الجسد بمنزلة الشمس دارتها في السماء و شعاعها منبسط علي الارض فاذا غابت الدارة فلا شمس و اذا قطعت الرأس فلا روح انتهي ، ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و الناظر المدرك من جميع المشاعر هو الروح و انما المشعر آلة صالحة لقبول الاشباح الآتية من الاشياء و عرض ما يصل اليها من الخارج علي الروح كالمنظرة البلورية تقبل شبح الخط و تعرضه عليك فانت تدركه بباصرتك و كذلك هذه الحواس فجسمانية هذه الحواس آلة القبول و العرض و قد جلس علي كرسيها سلطان القوي فالباصرة في العين و السامعة في الاذن و الشامة في الانف و الذائقة في الفم و اللامسة في الاعضاء و هذه القوي هي فاعلية الروح للادراك و هي شعاعها المتعلق بهذه الاعضاء المصبوغ بصبغها المتهيئ بهيئة قبولها و عرضها و الا فشعاع الروح من حيث الروح لا تعين فيه بادراك ضوء او صوت او غيرهما و انما هو دراك مبهم صالح لادراك ما وصل اليه فاذا وقع الشعاع في العين و العين صيقلية صافية شفافة ينطبع فيها الاضواء و الالوان استعد لادراك الاضواء و الالوان خاصة و ادركها متعينة و ليس يدرك ذلك الشعاع من هذا المشعر الاصوات لان هذا المشعر لايقبل الاصوات و لايقدر علي عرضها علي الروح و ليس يدرك الروح ما لميعرض عليه و ما لميعد لادراكه اياه فبذلك اختص الشعاع الذي في العين بادراك الاضواء من حيث العين و كذلك اختص الشعاع الذي في الاذن بالمسموعات و الاصوات و الذي في الانف بالروايح و هكذا و لهذه المشاعر خاصية اخري قد اشرنا اليها من اعداد الواصل لادراك ذلك الشعاع فان المثل الخارجية كثيفة مناسبة للمواد الخارجية و ليست بقابلة علي العرض علي الارواح الغيبية فاذا وصلت الي الحواس تلطفت في بطونها بلطافتها فاذا [ص 8] ادتها الي البنطاسيا ازدادت تلطفا فصلحت للعرض علي الروح و تلطيف المحل الشعاع الواصل محسوس في البلورات الشفافة اذا وصل اليها نور الشمس فانه فيها الطف و اضوء و اشد خطفا للبصر منه في ساير الزجاجات البتة و حر الشمس في البلور اكثر من حرها في الماء مثلا و اللون في المواد الكثيفة اكثف منها في المواد الشفافة و هكذا بالجملة تختلف المثل في اللطافة بحسب المواد الحاملة اختلافا بينا فاذا انطبعت المثل في الحواس تلطفت و صلحت للعرض علي بنطاسيا و اذا انطبعت في بنطاسيا تلطفت و صلحت للعرض علي الروح فاذا عرضت عليه ادركها و لسنا الآن بصدد بيان اكثر من ذلك ثم فوق المشاعر الجسمانية مشعر آخر يسمي بنطاسيا و هو مشعر اسفله متصل بالاجسام و اعلاه بالملكوت و ليس بجسم زماني بل هو جسم هورقلياوي نافذ في جميع البدن و هو علي هيئة الانسان الزماني بعينه مركب من عناصر هورقليا و هو الاقليم الثامن و تراب ذلك العالم الطف من عرش عالم الاجسام و اعلي منه رتبة لا علوا جسمانيا كعلو العرش بالنسبة الي الكرسي بل علوا ذاتيا و ذلك الاقليم له عرش و كرسي و افلاك و عناصر و مواليد من جماد و نبات و حيوان و انسان و كل مولود منه مركب من تسع قبضات من افلاكه و قبضة من ارضه الا ان هذه القبضات الفلكية في الجماد و النبات منه كامنة و بالقوة و القبضة الارضية بالفعل و لها آثار الا ان في الجماد ظواهرها بالفعل و بواطنها بالقوة و في النبات كلتاهما بالفعل و في الحيوان منه تكون القبضة الارضية و القبضة التي من فلك القمر بالفعل و البواقي فيه بالقوة و اما في الانسان فعلي اختلاف مراتبهم فمنهم من يكون القبضات السبع السماوية فيه بالفعل و قبضة الكرسي و العرش فيه بالقوة و منهم من يكون قبضة الكرسي فيه ايضا بالفعل و منهم من يكون قبضة العرش فيه ايضا بالفعل فيصدر عنه ما يصدر من جميع العالم و لكل درجات مما عملوا و كذلك امر هذا الجسد الجسماني في تركيبه و ان لمنذكره لوضوحه [ص 9] في الجملة فالبدن الهورقلياوي هو الحس المشترك المرتبط من حيث الاسفل بهذا العالم و من حيث الاعلي بالملكوت و وجه ارتباطه ان اسفله غليظ يناسب في غلظته المواد الجسمانية و المدد الزمانية و منه الصورة التي تراها في المرآة و هي تتعلق بالاجسام الزمانية و تقع عليها و تظهر عليها فهو صورة فعلية في الجملة عالية علي الزمان متعلقة بالمواد و المدد يجري عليها من حيث الاسفل التنقلات الزمانية ففي عالمها غدوة و عشية و من حيث الاعلي مرتبطة بالصورة العارية عن المواد الخالية عن القوة و الاستعداد الفعلية المحضة فهي ليست في الفعلية كالصور الملكوتية و لا في القوة و المادية كالاجسام الزمانية الملكية فهي في الافتقار الي المواد و لزوم القوة و الاستعداد و التنقلات بين بين فمقامها بين الفعلية المحضة و القوة و هذا البدن هو الذي تراه في منامك و تري فيه سماء و ارضا و نجوما و مواليد مثل هذه الدنيا بعينها و تري بدنك مثل هذا البدن و لربما يري ذلك العالم بهذا العين اذا انجذبت الي الاعلي بقوة التوجه الي ذلك العالم فتدرك بعض آثاره و لايدركه من لميكن كذلك كما يشاهد الجني الجن بعينه و لايراه غيره و يسمع الخايف الدهشان في الظلمات ما لايسمعه غيره و يري ما لايراه غيره و هذا المشعر هو مشعر رؤية الرؤيا و هذا العالم هو عالم الرؤيا فهو لارتباطه بالاسفل متكثر كتكثر هذا العالم بعينه و من حيث الاعلي يجمع الصور الماضية الزمانية و الصور الآتية فلربما يري الانسان بعينه تلك مثل ما مر في سوالف الزمان او ما يأتي من خوالف الدهر و ان لميكن بجامعية الملكوت .
فصل - ان الحس المشترك اي البنطاسيا اي البدن الهورقلياوي ليس له من حيث نفسه فيه تعين و لا في مداركه صور و علوم الا ما اكتسبه من جهة الجسم الزماني الاتري ان الاعمي من الولادة ليس يمكنه تصور الاضواء و الالوان ابدا و ليس يميز لونا من لون و الاصم بالولادة ليس يمكنه معني الصوت و لاتصوره و تمييز صوت عن صوت و هكذا ساير ما يدركه بحواسه الظاهرة فان لمتؤد هذه [ص 10] المشاعر الظاهرة هذه التمايزات اليه ليس يمكنه تمييزها و انما هو مشعر بسيط دراك غير مدرك بالفعل كالمرآة التي لمتقابل بشئ فهي جسم صيقلي صالح لان ينطبع فيه شئ اذا قوبل به و ليس له من ذات نفسه صبغ و لا هيئة و كذلك الحس المشترك مرآة صافية فان لميقابل بشئ من الصور المميزة الجسمانية الزمانية ليس يتعين فيه شئ و لايتصوره ابدا و كذلك صورة نفسه اي نفس البنطاسيا فليس له صورة مميزة الا ما اكتسبه من الاعمال الظاهرة فحسنه و قبحه و استقامته و اعوجاجه و لونه و شكله من جهة ما اكتسبه من الاعمال الظاهرة و بذلك الاكتساب يمتاز جسم زيد الهورقلياوي عن جسم عمرو و بكر عن خالد و مع قطع النظر عن الاعمال هو مادة صالحة لزيد و عمرو و بكر و خالد كما ان بدن زيد في الدنيا يمتاز عن عمرو بهذه الصورة الاكتسابية عن هيئات الاسباب الواردة المربية له و لولا هذا الاكتساب لكان ترابا صالحا لصورة عمرو و بكر و خالد و غيرهم ايضا فالمواد الظاهرة صورها من هيئات الاسباب الواردة و تصورها علي حسب استعدادها و المواد البرزخية صورها ايضا من اكتسابات من هيئات الاسباب الواردة و تصورها ايضا علي حسب استعدادها و منه ما كان يقال المرء علي دين خليله فاذا توارد علي المرء اسباب السماوات و الارض و ما بينهما يكتسب منها جسمه الهورقلياوي صورة فان كانت الاسباب كونية اكتسبت صورة كونية فكان زيدا دون عمرو او شرعية اكتسبت صورة شرعية فكان شقيا لا سعيدا و امثال ذلك افهم ما اقول لك فالحس المشترك من ذات نفسه بدن متشاكل الاجزاء الا انه يتلقي الاضواء و الالوان و يختص بها في العين لما يكتسب من صورة الباصرة في العين و يتلقي الاصوات في الاذن و يختص بها في الاذن و هكذا فيصير كونا بهذا الاكتساب مميز العين و في الصور الشرعية يحتاج الي اكتسابات شرعية و امتثالات للامر و النهي و الاعتقاد فيتصور كونا و شرعا بصور خاصة بعد الاكتساب كما نبهتك عليه فهو كمرآة صالحة للتصور باي شكل انطبع فيها [ص 11] و لا بد و ان يأخذه من هذا العالم و من هذه الابواب فان الشئ ما لميأت هذا العالم و ما لميتصور في هذا العالم هو في مخزن المشية و ليس فيه تعين بوجه او مخزن الارادة و ليس فيه تعين شخصي او مخزن القدر و ليس فيه تعين صوري تمييزي فاذا خرج الي هذا العالم و وقع القضاء بالامضاء تشخص الشئ بالفعل و تعين و تميز عن غيره فليس لبنطاسيا موضع ياخذ منه معلوما معينا و مدركا مميزا عن غيره الا من لوح القضاء بالامضاء و لاجل ذلك جميع تعينات عالم الغيب مأخوذ من هذه العرصة عرصة القضاء بالامضاء حتي ان تعينات العقل و الفؤاد ايضا مما اكتسبا من هذه العرصة و ذلك سره و وجهه و قد خفي علي كثير من العالمين الا ان البنطاسيا يكتسب صورة برزخية و النفس صورة مجردة و الروح رقيقة ملكوتية و العقل معني جبروتيا و الفؤاد حقيقة سرمدية و كلها مكتسبة من هذا العالم .
فصل - اعلم انه ما من شئ مما في هذا العالم الا و هو بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فبالمشية يخلق اذكاره اي مواده النوعية و بالارادة يعزم عليه اي صوره النوعية و بالقدر يخلق هندساته اي مواده الشخصية و بالقضاء يخلق تركيبه اي صوره الشخصية فيمضي خارجا مشروح العلل مبين الاسباب و بالاذن يخرج من الامكان الي الكون في كل مرتبة و بالاجل يحدد قوة تركيبه و ضعفه و اول كونه و منتهاه و بالكتاب يكتب في لوح الامضاء و هو قوله سبحانه و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم ، قال يا موسي ان خزائني بين الكاف و النون ، فالشئ لا تعين فيه مشخصا محدودا معينا الا بعد ان يخرج في عرصة الامضاء و يكتب في لوحه و قبل ذلك كل شئ علي حد الابهام صالح للمحو و الارتسام فاذا خرج مشروح العلل مبين الاسباب و امضي و كتب في لوح الزمان يمحي عنه ليرسم بعده غيره و يرسم هذا الممحو في لوح الملكوت و اللوح المحفوظ فلايمحي بعد ذلك و هو قوله سبحانه يمحو الله [ص 12] ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب فيبقي في ام الكتاب محفوظا و هو في غيب هذا العالم و هو المشار اليه بقوله سبحانه قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و هو لوح اذا توجه اليه النفس و عرفت موضع رسم ما تريد وجدته كما رأته و منه ما تتوجه في يوم السبت الي زيد يوم الجمعة وقت الزوال في المسجد و هو يصلي و تلك الصورة كانت في ذلك الوقت زمانية فمحيت عن المادة الزمانية و صارت من حيث تلك المادة بالقوة و لكن من حيث هي صورة مجردة ملكوتية محفوظة في عالمها و هي الملكوت و سر محوها من الزمان و رسمها في الملكوت ان المادة الزمانية لغلظها و كثافتها و جمودها لاتقدر علي الظهور بصورتين في آن واحد و مكان واحد فاذا كانت علي صورة و ارادت ان تلبس اخري لا بد من ان تنزعها منها و تدخلها في مخزن قوتها و تستخرج عنها اخري فتلبسها اياها بالفعل و هكذا و لكن المادة الدهرية المطلقة لرقتها و لطافتها و ذوبانها و علوها علي الزمان و اطلاقها عن قيودها صالحة لان تلبس في آن واحد الفالف صورة من غير تمانع فتتجلي بجميع الصور الزمانية في امكنتها و اوقاتها الاتري ان جسمك الزماني اما قاعد و اما قائم و اما متحرك و اما ساكن و لاتقدر ان تكون في آن واحد قائما قاعدا متحركا ساكنا و اما جسدك الاصلي الساري في صغرك و كبرك و حيوتك و موتك هو قائم في محله قاعد في محله متحرك في محلها ساكن في محله ناطق في محله ساكت في محله صبي في محله شيخ في محله و هكذا فالمادة الزمانية لاتتحمل صورتين في آن واحد و المادة الدهرية تتحمل الفالف صورة في آن واحد دهري فالشخص اذا تلبس بصورة و اراد لبس اخري لا بد و ان تنزع تلك الصورة حتي تلبس الاخري فاذا نزعت صارت المنزوعة بالنسبة اليها عائدة عن الفعلية الي القوة و هذا معني محوها و لكنها بالنسبة الي المادة النوعية لا حاجة الي نزعها حتي تلبس الاخري فهي متلبسة بهما جميعا في محليهما فالصورة المنزوعة بعد النزع قائمة بالمادة النوعية [ص 13] في محلها و ليست قائمة بها بلا واسطة مادة شخصية بل كما تنزع الصورة تنزع مادية المادة و الصورة قائمة بمادتها و هي قائمة بالمادة النوعية الاتري انك اذا تصورت زيدا امس تتصوره كما تراه في يومك له مادة كالمادة الزمانية و له صورة اخري عليها من قيام او قعود و امثال ذلك فالصورة الشخصية ابدا قائمة بالمادة النوعية بواسطة المادة الشخصية و اما ما لميأت من الصور فهي ليست بحاصلة للمادة الزمانية و لماتخرج من القوة الي الفعلية و هي بالنسبة الي المادة الشخصية قابلة للبداء و التغيير و التبديل كشمعة صالحة لان تصورها علي هيئة انسان او حيوان او نبات او غيرها و لماتصورها و هي بعد تحت اختيارك فان شئت تصورها علي هيئة اردتها و ان شئت تركتها علي حالها و لك البداء فيها كيف شئت و اما بالنسبة الي المادة النوعية فهي حاصلة لها في محالها و اوقاتها الآتية و هي صور علمية لله سبحانه يعلمها الله سبحانه انها كيف تكون و اي صورة مما في القوة تخرج الي عرصة الفعلية فانه سبحانه احدي نافذ في جميع مخلوقاته باحديته لايعزب عن علمه شئ و لوح رسم هذا العلم هو المادة النوعية و هي لهيمنتها علي ما كان و ما يكون صالحة لتلبسها بجميعها في امكنتها و هو قوله عليه السلام علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها ، و هذا العلم هو علم الغيب الذي عنده مفاتحه اي مخازنه و اليه الاشارة بقوله عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول ، و روي ان الشهادة ما قد كان و الغيب ما لميكن ، و هو علم ستره الله عن انبيائه و ملائكته فلايظهر عليه احدا الا علي سبيل الوحي الخاص و اراءة اسباب الوقوع القطعية لا غير ذلك فانه بعد بالنسبة اليهم علي حد القوة و الامكان و ان كان بالنسبة اليه سبحانه علي حد الفعلية فانه احد لا نهاية لوجوده فلوح المادة النوعية هو ام الكتاب و اللوح المحفوظ الذي لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها و ما من غايبة في السموات و الارض الا في كتاب مبين ثم يظهر بعد ذلك من ذلك اللوح شيئا بعد شئ بمشيته و ارادته و قدره و قضائه [ص 14] و اذنه و اجله و كتابه ما يشاء في عرصة الزمان كما يشاء كيف يشاء اني يشاء ثم يمحوه بعد ما اثبته ثم يعيده الي اللوح المحفوظ كما كان و بالنسبة الي اللوح المحفوظ لا خروج و لا دخول و لا محو و لا اثبات و اما بالنسبة الي لوح الزمان دخول و خروج و اثبات و محو فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم فجميع ما كان و ما يكون بالنسبة الي علمه سبحانه ممضي بالفعل و ليس في علمه حالة ترقب و جهل و استزادة و اما بالنسبة الي لوح الزمان فمشاء و مراد و مقدر و مقضي و ممضي فالبداء في المشية ما لميرد و في الارادة ما لميقدر و في القدر ما لميقض و في القضاء ما لميمض و لو ابرم ابراما فاذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء فبالنسبة اليه سبحانه لا بداء ابدا و اما بالنسبة الينا يبدو ما لميكن باديا فافهم و لسنا بصدد بيان هذه المسائل و قد تكفل بذلك ساير طروسنا و دروسنا و لا قوة الا بالله و انما المقصود هنا ذكرها علي سبيل الاشارة .
فصل - ان المدرك لما رسم في لوح الزمان و القاري له المشاعر الظاهرة كما شرحناه آنفا و المدرك للصور المرسومة في ام الكتاب في ورقته الوسطي و القاري لها هو البنطاسيا كما ان المدرك لورقته العليا و القاري لها هو النفس الملكوتية و كما ان لهذه الورقة السفلي سطورا سطر الاضواء و سطر الاصوات و سطر الروايح و سطر الطعوم و سطر الكيفيات الملموسة و لكل سطر لك مشعر خاص به يقراؤه كذلك للورقة الوسطي سطور و لك لكل سطر مشعر خاص به يقراؤه و ذلك ان البنطاسيا كما ذكرنا بدن كبدنك في هذه الدنيا منتشر في بدنك هذا فلاجل ذلك يكتسب من كل عضو ما يدركه و يقراؤه من حيث الاسفل و يوصلها من حيث الاعلي الي النفس فله بصر و سمع و شم و ذوق و لمس و ان كانت متعينة بواسطة مشاعر هذا البدن باكتساب الهيئات و الاصباغ كما ذكرنا و له مشاعر فلكية من قبضاته الفلكية كما ان لبدنك هذا صدرا و قلبا فله قبضة من فلك القمر من عالمه منها حيوته و قبضة من فلك عطارد منها فكره و قبضة من فلك الزهرة و منها خياله [ص 15] و قبضة من فلك الشمس و منها مادته الثانية و قبضة من فلك المريخ و منها واهمته و قبضة من فلك المشتري و منها عالمته و قبضة من فلك زحل و منها عاقلته و قبضة من كرسي عالمه و منها نفسه و قبضة من عرش عالمه و منها عقله و هو مركب من هذه القبضات و بها تم بدنا كاملا و كلما يكتسب من العالم الظاهر باسفله يؤديه الي افلاكه فتلطفه الي ان تنهيه الي عرشه فيصير في غاية اللطافة قابلا للعرض علي النفس فيؤديه الي المادة العليا فحينئذ يصير قابلا لادراك النفس فتدركه كما ان الحواس الظاهرة العنصرية ما لمتؤد ما ادركته الي الروح البخاري الدخاني و لميؤده الروح البخاري الي مقاماته الفلكية اي الدخانية التي في الدماغ و لمتؤده كرسويته الصدرية و عرشيته القلبية الي مطلق جسمه لميعرض ما ادركه علي البنطاسيا فان اسفل مقامات بنطاسيا و هو ترابه الطف من محدب العرش و ما هو كذلك ليس يمكن اكتسابه من المشاعر العنصرية من غير واسطة فافهم هذه المسائل الخفية التي لايتنبه بها الا واحد بعد واحد فينطبع شبح المرئي مثلا في عينك كما ينطبع الشبح في الماء و المرآة ثم ينطبع منها و هي جسم كالدر في الروح البخاري القلبي و هو جسم مثله في التركيب و الفرق بينها و بين الروح هو الفرق بين بخار القدر و الماء الذي في القدر مثلا فينصبغ الروح البخاري و هو قبضة من فلك القمر في الجسم ثم ينطبع من البخار و الموج المكفوف في الدخان اي الروح الدخاني الدماغي و هو ايضا منتشر في البدن و ان كان اصله في الدماغ كما مر في الخبر كما ان الروح القلبي البخاري اصله في القلب و هو منتشر في البدن و في اصطلاح المتطببين يسمي البخار القلبي بالروح الحيواني و ينتشر في البدن بواسطة الشرائيين و العروق و الدخان الدماغي بالروح النفساني و ينتشر في البدن بواسطة الاعصاب و النسبة بينهما كبخار صعد من الارض بحر الشمس ثم اشتد عليه فجففه فصيره دخانا لطيفا غايبا عن درك الابصار و ذلك الدخان الدماغي له مراتب ثلث اولا اوليها مرتبة التحريك [ص 16] و وسطيها مرتبة محل الارادة و العليا مرتبة محل الادراك و لهذه العليا مرتبتان ادناها متعلقة بالحواس الظاهرة بها ادراكها و اعلاها محال للحواس الباطنة بالجملة اذا انطبع الشبح في الدخان وصل من اسفله الي اعلاه كما ينتشر الضوء في الهواء الي ان يصل الي الطف مراتبه و هو مرتبته التي فيه بمنزلة العرش فاذا وصل الي تلك المرتبة اداه الي مطلق جسمه فانه قد عم و انتشر في جميع قبضاته و هو من عالم بنطاسيا اي اسفله فاداه الي عين بنطاسيا فيراه بعينه البرزخية و منه دارة الشعلة المدارة بسرعة التي تراها بعينك و لاتراها دائرة الا بهذا الترتيب فاذا وصل الشبح الي عين بنطاسيا ادته الي روحه البخاري العنصري البرزخي فاداه الي روحه الدخاني علي ترتيب ذكرنا الي ان يؤديه الي المثال المطلق بعد ما انتشر في جميع مراتبه فيعرض حينئذ علي النفس فتدركه بعد هذا التلطيف و التلطف بترتيب ذكرته لك فانه لايجوز الطفرة في حكمة الايجاد و القبضات الفلكية التي لبنطاسيا هي محال لاشراق النفس و فعلها و الادراك من النفس و من فعلها و لكن في بنطاسيا كما ان الادراك للروح و لكن في العين كما مر في الخبر و النفس و ان كانت مدركة بنفسها للصور لكنها محل لاشراق العقل و فعله و الادراك له و قد انصبغ في النفس و كذلك العقل و ان كان مدركا للمعاني و لكنه محل لادراك الفؤاد و جميع الادراك له و لذلك تقول رأيت انا و تصورت انا و علمت انا و فهمت المعني انا و ادركت الحقيقة و عرفتها انا فتنسب جميع انحاء الادراك الي من تعبر عنه بانا و هو ذلك الفؤاد و في الحقيقة هو ايضا محل لمشية الله علي حذو ما عرفت و هو السميع البصير العليم الخبير الحكيم المدرك المحرك لا غير فافهم ان كنت تفهم فلا فاعل في العالم الا الله سبحانه و كل فاعل فانما هو فاعل بفضل فاعليته سبحانه و انما يجري هذه الكلمات علي القلم لتمام الكلام لا لبيان المرام و الكلام شجون و الحكمة فنون فلنذهب الي ما كنا بصدده فبنطاسيا له قبضات من افلاكه كما [ص 17] ذكرنا و هي محال لافعال النفس و اشراقها و المدرك منها هو فعل النفس الا ان لها بنفسها ادراكا برزخيا اقوي من ادراك الروح الدخاني الزماني و هو بمشاعره السفلية و العلوية يتوجه الي مدركات عالمه و هي ما رسم في لوح الامضاء بالنسبة اليه لا الي الله سبحانه فيدرك ظواهر عالمه بمشاعره العنصرية التي من عالمها و بواطن عالمه بمشاعره الفلكية التي من عالمها الاتري انك تدرك في منامك اضواء و اصواتا و روايح و طعوما و كيفيات و تري نفسك في المنام تتخيل و تتفكر و تتوهم و تعلم و تعقل مثل هذا العالم حرفا بحرف فبنطاسيا و هو البدن الظلي البرزخي هو شخص الرائي للرؤي علي ما وصفت و بينت و اوضحت و شرحت .
فصل - جميع مشاعر الانسان شهاديها و غيبيها انما يدرك ما يدرك بالانطباع ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و قد حققنا في كتابنا ضياء البصاير في علم المرايا و المناظر ان الحواس الظاهرة كلها مدركة بالانطباع لا غير فاذا كان الامر كذلك فاعلم ان في حصول الصورة في المشعر علتين فاعلية و صورية فالعلة الفاعلية هي صورة الشاخص المقابل يلقي شبحه في المشعر و الشبح صدورا منه علي حسب صورة الشاخص بعينها بلا تفاوت فانه اثره و الاثر يشابه صفة مؤثره قل كل يعمل علي شاكلته و العلة الصورية هي المشعر فهو ان كان صافيا منزها عن الالوان و الاشكال حكي تلك الصورة علي ما هي عليه بلا تفاوت كما تحكي المرآة المستقيمة الصافية شبح الشاخص بلا زيادة و لا نقيصة فان كان فيها اعوجاج او صبغ غيرت الشبح الواصل اليها و بدلت فلربما غيرت تغييرا غير بعيد فيعرف و لربما غيرت تغييرا بعيدا فينكر كما تري من بعض المرايا انها تحكي صورتك اكثر صفرة في الجملة او اكثر حمرة و امثال ذلك و منها ما يري وجهك اطول قليلا او اعرض قليلا و لكن لاتنكره و تقول هذه صورتي و اذا رآها [ص 18] غيرك عرفها و قال هذه صورة فلان فلربما بلغ التغيير مبلغا تنكر الصورة و ينكرها غيرك فلايعرفها و لايقول انها صورتك و قد صنع الافرنجيون مرآتا كل من ينظر فيها يري فيها شبح خنزير او كلب و امثال ذلك و لايري فيها صورة انسان فكذلك الحواس الظاهرة الانسانية فان لميكن فيها صبغ و اعوجاج حكت الصورة و ادركتها كما هي و ان كانت معوجة عن الوضع الالهي منحرفة عن اعتدال الحكومة ادركت الصورة متغيرة حتي تري الاحمر اخضر و الاخضر اسود و الواحد اثنين و الصغير كبيرا و هكذا فكذلك الحواس الباطنة اذا كانت مستقيمة غير مصبوغة حكت الصورة التي توجهت اليها كما هي و ان كانت مصبوغة او معوجة تراها علي حسب صبغها و اعوجاجها البتة فتشاهد و هي مخالفة للواقع فتري العدو صديقا و بالعكس و تري الضلال حقا و بالعكس و الخير شرا و بالعكس و القريب بعيدا و بالعكس فحينئذ تدعي الرؤية و المشاهدة و هو علي خلاف الحق و بذلك اختلف كشوف الناس و كلهم يدعون المشاهدة و رؤياهم للامر الواحد و هو علي خلاف الحق فانها تختلف علي حسب اختلاف اصباغهم كما يأتي انشاء الله و ميزان الاستواء الموازنة مع كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و سيرة الانبياء و الاولياء فان وافقهم المرآة فما يري فيها حق و الا فباطل و كذلك المكشوف ان وافق ما اقيم عليه البرهان الحق فهو حق و الا فباطل الاتري انك ميزان الصورة في المرآة التي تدعي حكايتك و صدقها فان وافقت وجهك فهي صادقة في كشفها و الا فهي كاذبة لا عبرة بها و سيأتي ان شاء الله تمام القول في ذلك في محاله بالجملة اذا كانت مرآة الحس المشترك صافية مستقيمة و قابلت شيئا رأته كما هو بلا زيادة و لا نقيصة و الا زادت فيه و نقصت و غيرت و بدلت بحسب تغير المرآة بقي شئ و هو انه قد يكون الشاخص ساذجا ليس فيه نقش و لا رسم كحايط ابيض عريض طويل مسطح و لكن تصنع مرآة لها اصباغ جوهرية [ص 19] و هيئات بالنحت فتقابل بها هذا الحائط فتري في المرآة حينئذ نقوشا و رسوما علي حسب ما في المرآة فان المرآة حينئذ كالقالب و الشبح كالطين فيتهيأ بهيئة القالب فاذا نظر الناظر في المرآة لميعرف ان هذه النقوش جاءت من قبل الشاخص او هي من المرآة و ربما اشتبه الامر فظن انها من قبل الشاخص و هو ساذج كما عرفت و كذلك الحس المشترك فلربما يهيأه الانسان بهيئات عديدة كيف ما شاء و يجعله علي صفة انسان له الف رأس و بدن واحد او علي هيئة بحر ذهب مواج او شموس او اقمار عديدة فيقابله بالجسم المطلق الساذج عن النقوش و الرسوم فانه فوقه قادر علي التوجه اليه فينطبع مادة ما يري من قبل شبح الجسم المطلق فيتصور في بطن حسه فيظهر فيه انسان له الف رأس او بحر من ذهب يموج بعضه في بعض او شموس او اقمار او غير ذلك علي حسب ما صور حسه و ليس مما تصور في الخارج عين و لا اثر و تلك الهيئات التي تهيأ حسه عليها فانما هي مما رآه في الخارج فانا اسلفنا سابقا انه لايتهيؤ الا بهيئة اكتسبها من الخارج فيؤلف تلك الهيئات علي حسب ما يريد فيجعل حسه كذلك لرقته و سرعة مطاوعته فيري ما يري كما يحب كمثل من يضع يده تحت حدقة عينه و يرفعها و يقلبها عن وضعها فيري الواحد اثنين .
فصل - في معني النوم و كيفيته اعلم ان اليقظة عبارة عن توجه الروح الي ظاهر الاعضاء و استعماله اياها في حوايجها فهو لحرصه علي الاعمال يستعملها في حوائجها حتي تكل و تتعب و تعيي عروقها و اعصابها فحينئذ يتركها الروح لتستريح عن التعب و يقيم الروح الطبيعي عوجها و يثقف اودها و يمدها و يربيها و يعوضها عن ما تحلل منها فيذهب في القلب الذي هو بيت تكونه و مسقط رأسه و مولده و كرسي استقراره و يجتمع فيه و اول ما ينتزع ينتزع عن الاطراف كالارجل و الايدي ثم عن الرأس فيجتمع في القلب و يستلقي علي قفاه فتسترخي الاعضاء و تترهل و المراد بهذا الروح هو الروح النفساني لا الحيواني فان الروح [ص 20] الحيواني منتشر في البدن ما دام الانسان حيا و لاينتزع الا عند الموت الصادق و الروح الحيواني هو الذي منه الحركة القبضية و البسطية التي يلمس في المنابض و هو لايتفاوت في اليقظة و المنام و لذلك تري الحيوانات اقل استغراقا في النوم لضعف الروح النفساني فيها و الروح الحيواني غير منتزع و كلما كانت النفسانية اقوي كان النوم اشد فالانسان اكثر استغراقا في النوم بل النوم حقيقة للانسان و الذي للحيوان سنة و لذلك فسرنا قوله تعالي لاتأخذه سنة و لا نوم انه سبحانه ليس حيوته كالحيوانات فيتوسن بل و لا كالانسان فينام بل هو الحي القيوم اي دائم القيام و شديد القيام بالامر و الربوبية بلا فتور فصار ترتيب الكلام علي نهج الحكمة و لميعرف وجهه المفسرون فانهم رأوا ان في الكلام المنفي يترقي من الاكثر و الاشد الي الاقل و الاضعف فيقال ليس لفلان مائة و لا واحد و ليس له ذهب و لا فضة بخلاف المثبت فانه بعكس ذلك فيقال عنده فضة بل و ذهب و له واحد بل و مائة و هذه الفقرة قد جرت في انظارهم علي خلاف ذلك فانه منفي و ترقي من الاضعف الي الاقوي فتحيروا في وجهه و قد تبين مما شرحنا انه علي نهج الحكمة فيقول ان حيوته سبحانه ليست كحيوة الحيوانات بل و لا كالانسان فالحيوان اكثر منقصة فنفي حيوته عنه سبحانه ثم ترقي فقال و لا كالانسان الذي هو عندكم شريف و قوي و اقل منقصة بل هو حي دايم القيام بالامور بالجملة فالانسان لكون الروح النفساني فيه قويا صار اشد نوما فيذهب روحه النفساني المستعمل لآلاته و ادواته في اراداته و خدماته في القلب و يبقي الروح الحيواني الذي هو شعاعه في البدن و به حيوته و حركته البسطية و القبضية و لذلك روي عن ابيجعفر عليه السلام انه قال ما من احد ينام الا عرجت نفسه الي السماء و بقيت روحه في بدنه و صار بينهما سبب كشعاع الشمس فاذا اذن الله في قبض الارواح اجابت الروح النفس و ان اذن الله في رد الروح اجابت النفس الروح و هو قوله سبحانه : الله يتوفي الانفس حين موتها و التي لمتمت في منامها الآية ، [ص 21] فمهما رأت في ملكوت السماوات فهو مما له تاويل و ما رأت فيما بين السماء و الارض فهو مما يخيله الشيطان و لا تاويل له انتهي ، انظر كيف فرق بين النفس و الروح و قال ان المتوفاة هي النفس و الروح باق في البدن و اصرح من ذلك ما روي عن ابيالحسن عليه السلام ان المرء اذا نام فان روح الحيوان باقية في البدن و الذي يخرج منه روح العقل فقال عبدالغفار الاسلمي يقول الله عز و جل يتوفي الانفس حين موتها الي قوله الي اجل مسمي افليس تري الارواح كلها تصير اليه عند منامها فيمسك ما يشاء و يرسل ما يشاء فقال له ابوالحسن عليه السلام انما يصير اليه روح العقول فاما ارواح الحيوة فانها في الابدان لاتخرج الا بالموت و لكنه اذا قضي علي نفس الموت قبض الروح الذي فيه العقل و لو كانت روح الحيوة خارجة لكان بدنا ملقي لايتحرك و لقد ضرب الله لهذا مثلا في كتابه في اصحاب الكهف حيث قال و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال افلاتري ان ارواحهم فيهم بالحركات فالنفس المتوفاة هي الروح النفسانية فهي التي تترك الاعضاء و تذهب الي جوف القلب الذي هو كرسي استقراره و عرش استوائه فيبقي الاعضاء ساكنة و يشايعها الروح الحيوانية ايضا قليلا لانه مركبها فيميل نحو القلب و لذلك يسترخي الاعضاء و يلقي البدن لايحس كالميت و اما الحيوانات فلغلبة الروح الحيواني فيها و ضعف النفساني لاتستغرق في النوم و لها حالة كالسنة تتنبه بادني شئ فلرب حيوان لاينام لاضمحلال نفسانيته و ذلك محسوس منها فاذا اجتمعت النفسانية في القلب و قطع تعلقها التدبيري عن البدن تذكرت عالمها فانها من الملكوت و ليس لها انبعاث من البدن كما روي عن ابيبصير عن احدهما عليهما السلام قال سألته عن قوله و يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي قال التي في الدواب و الناس قلت و ما هي قال هي من الملكوت من القدرة فاذا تذكرت الملكوت توجهت اليه ، و لما كان غرضي تفهيمك اشرح ذلك في الجملة اعلم ان النفس لاتدخل اولا حتي [ص 22] تخرج آخرا بل النفس قائمة في الملكوت اولا و آخرا و ليست من اجزاء عنصرية حتي تدخل في العنصريات و تخرج عنها بل هي ابدا في الملكوت و دخولها تعلق تدبير و خروجها رفع التدبير و لذا قال ابوعبدالله عليه السلام ان الارواح لاتمازج البدن و انما هي كلل للبدن محيطة به و روي عن ابيبصير انه سأل اباعبدالله عليه السلام الرجل النائم هنا و المرأة النائمة يريان انهما بمكة او بمصر من الامصار ارواحهما خارجة من ابدانهما قال لا يا ابابصير فان الروح اذا فارقت البدن لمتعد اليه غير انها بمنزلة عين الشمس هي مركبة في السماء و شعاعها في الدنيا انتهي ، و افهم المثل فان النفس في الملكوت و شعاعها في الروح في البدن و معني قولي تعلق التدبير ليس انها تتوجه الي البدن و تستدبر عنه بل هي علي حالة واحدة و انما تعلق التدبير من اسباب سفلية و رفعه منها الاتري انك اذا وضعت مرآة ملطوخة بحاجب لمتر فيها الشمس فاذا ازلت الحاجب رأيت فيها الشمس فاذا عاد الحاجب لمتر فيها الشمس فكذلك العقل في محله فاذا كان مرآة الدماغ صافية صحيحة اشرق بالعقل و اضاء و دبره العقل و ظهر اثر تدبيره فاذا ملئ رطوبة و فسد حجبت تلك الرطوبة العقل فرفع العقل تدبيره عنه و كذلك امر النوم و رفع النفس تعلق تدبيرها عنه و توفيها فان البدن ما دام هو سليما صحيحا غير تعبان و لا عيي و لا كسلان و لا مريض حكي النفس و ظهر آثار تدبيرها فيه فيكون يقظان فاذا حصل فيه ابخرة و صعدت الي دماغه و تراكمت غيومها حجبت نور النفس عن الاعضاء فانقطع تدبيرها و صعود الابخرة اما علي نحو طبيعي و اما علي نحو خارج عن ديدن الطبيعة اما الوجه الطبيعي فان في البدن رطوبات مما يأكل و يشرب فاذا دام اشراق النفس علي البدن كالشمس في حال الصحو لطفت شيئا بعد شئ تلك الرطوبات و بخرتها و صعدت بها الي الدماغ و ملأ فضاء البدن كالضباب المالي للجو و الفضاء فحجب بين البدن و بين شمس النفس [ص 23] فلمتشرق و لمتضئ البدن فغابت و رفع تدبيرها عن البدن فنام فتركد تلك الابخرة شيئا بعد شئ و تنزل الي ان تقع علي ارض البدن و صحي الفضاء و صفي فبدي وجهها و وقع شعاعها فتيقظ و انتبه و قام في مرادات النفس فيبقي زمانا في الصحو و يبدأ الابخرة في الصعود الي ان تتراكم كاول مرة فتحجب اثر النفس ثانيا فينام و لو عرضه عارض ازداد به الرطوبات اللطيفة في بدنه و ازدادت الابخرة ازداد نومه حتي ربما يأخذه السبات فلاينتبه فيكون كالشتاء و اذا عرضه عارض قل في بدنه به الرطوبات و قلت الابخرة فلاينام حتي يبتلي بالسهر فيكون كالصيف و اذا كانت الرطوبات بالاعتدال تبخرت بالتناوب فيكون صحو وراء غيم و غيم وراء صحو كفصل الربيع و انما جعل الله ذلك كذلك ليستريح البدن عن التعب و يعود اليه بدل ما ذهب من قوته و يغتذي بدل ما يتحلل و يتفرغ الروح الطبيعي لتربية البدن فانه في اوقات تعلق النفس به مسخر لها تجذبه حيث تشاء فيغفل عن تدبير البدن كما ينبغي فهذا معني قولنا ان سبب النوم اجتماع الروح في القلب عند تعب الاعضاء ليعود اليها قوتها و انت تعلم ان ورود النوم امر طبيعي و ليس بارادة النفس و هواها اليه فاذا ورد لايمكنها دفعه و اذا امتنع لايمكنها جلبه فيتيقظ من غير روية و ينام في وقته من غير تدبير و هذا كان سر الامر اولا و آخرا و اسباب زيادة الرطوبات و قلتها معلومة في الطب و لربما جاءك هنا بعض ذلك فالنفس في مكانها كالشمس و لها اشراق دايمي و البدن كالارض و الفضاء و النوم و اليقظة بتوارد الغيوم و الصحو واحدا بعد واحد و كذلك تقدير العزيز العليم فاذا حجبت الغيوم بين الشمس و بين الارض اي حجبت الابخرة بين النفس و البدن لميصل من الخارج شئ جديد اليها لانسداد ابوابها فلاتؤدي العين و الاذن و الشم و الذوق و اللمس اليها شيئا و لاتلتفت و لاتشتغل بهذه الحواس و لمتدرك منها شيئا فاشتغلت بما لها و علمته في سوالف الاوقات و بما اكتسبتها سابقا و ذلك ان [ص 24] النفس دائمة الدوران و دائمة الحركة لايمكنها الاستقرار و لا بد و ان تتحرك و تتوجه الي جهة و تعمل عملا و تدرك شيئا و آيتها الافلاك الدوارة غير القارة فانها اشبه الاشياء بها و لا مستقر لها فاذا لمتدرك النفس شيئا من باب الحواس الظاهرة شغلت نفسها بالادراك بالحواس الباطنة فصرفتها نحو المثل و وجهتها الي لوح القضاء او القدر و اشتغلت بادراكها معتدلة صافية او معوجة مصبوغة و هذا الادراك منها هو الرؤيا للانسان علي تفصيل يأتي ان شاء الله و مرادي بلوح القضاء محل الصور التي قد خرجت في عالم الزمان و اثبتت فيه ثم محيت كما عرفت و رسمت في محل وجودها و هو محل رسمها من لوح القضاء اي اللوح المحفوظ فعرصة الصور الشخصية ماضية و آتية بالنسبة الي العالي المؤثر عرصة القضاء بالامضاء و اما بالنسبة الي الداني فعرصة الحال و الماضي عرصة القضاء بالامضاء و اما عرصة الآتي فانها بعد في القدر او الارادة او المشية فانها لا تعين للصور و لا فعلية لها فيها و انما هي بعد في القوة و الاستعداد فعرصة المادة الشخصية عرصة القدر و عرصة الصورة النوعية عرصة الارادة و عرصة المادة النوعية عرصة المشية فالنفس اذا يأست من التصرف بالحواس توجهت الي عرصة القضاء اي الماضي و الحال او الي عرصة القدر و الارادة و المشية بالنسبة الي الآتي فادركتها علي حسب صفائها و اعتدالها كما يأتي ان شاء الله و اما سر دوام حركة النفس انها اثر المشية مخلوقة من ظلها فهي طالبة ابدا لابراز قواتها الي الفعلية كالافلاك فانها لاجل قربها من المبدء و شدة شباهتها بمؤثرها و رقة انيتها تسعي دائما في ابراز ما جعل فيها بالقوة الي عرصية (كذا) الفعلية لتكون شبيهة بمؤثرها فتتحرك دائما و تدور علي حسب رقة انيتها و عدم حجبها اثر المبدء فلو ازداد رقتها ازداد سرعتها فالمؤثر في آن واحد في كل مكان و هذه صفته فلو قدرت هي اي الافلاك ان تكون في كل آن في كل مكان لكانت لكنها تمنعها عن ذلك تقيدها بحدودها فلما كانت تريد الكون في كل مكان و لو في آنات دارت [ص 25] ليخرج الي الفعلية ما جعل فيها كامنا من مثال المبدء فانه قد القي فيها مثاله و هو علي حسبه لا حسبها فاظهر عنها افعاله علي حسبها فانها اليد في الاظهار فالمثال الملقي في الافلاك هو في كل مكان علي حسب المبدء و يظهر عنها افعاله علي حسبها فيكون في كل موضع و لكن في الآنات اذا تعذرت الحقيقة فاقرب المجازات متحقق فافهم العبارات الظاهرة و كذلك النفس تكون دائمة الحركة لاظهار كوامن ما ابطن فيها و جعل بالقوة و الي تحصيل الاكتسابات الظاهرية او الباطنية المحمودة او المذمومة علي حسب استعداداتها فاذا عجزت عن الاكتساب من ابوابها الظاهرة توجهت الي الاكتسابات الباطنية و عملت في الباطن فادركت و توجهت و عملت و تصرفت فيها فكساها الله سبحانه و الزمها ما اكتسبها و كل انسان الزمناه طائره في عنقه بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية و يهديهم ربهم بايمانهم فافهم ان شاء الله ما ذكرته لك و شرحته لتفوز مع الفايزين فهذا مجمل ما اردنا ايراده في المقدمة و ان اردت التفصيل فراجع ساير كتبنا و رسائلنا و ان عييت فاسأل شفاها حتي اوقفك عليه ان شاء الله تعالي .