رسالة في كيفية التوجه الي الله سبحانه
من مصنفات المرحوم المبرور جناب الشيخ علي البحريني رضوان الله عليه
[ص 2] * * * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العظيم ذي الوجه الكريم و المنّ القديم ذي الجلال و الاكرام و الفضل و الانعام و الصلوة و السلام علي اسمه الرضي و وجهه المضيء محمد سيد الانام و علي آله سرّ بيت الله الحرام و نور وجهه الباقي للخواص و العوام و علي شيعتهم الخصيصين الذين تدور عليهم رحي الايمان و الاسلام في جميع الايام و لعنة الله علي اعدائهم هياكل الشيطان و اصول الاوثان و الاصنام ما دامت الدهور و جاءت الشهور و الاعوام .
اما بعد فيقول العبد الخاطئ الجاني علي بن الحسن الكرماني عفي الله عن ذنوبهما و ستر عيوبهما انه قد جاءني كتاب من عالم فاضل صديق مدقق و خطاب من اخ في الله عامل شفيق محقق امرني فيه ببيان كيفية التوجه الي الله سبحانه مع انه و الحمد لله عالم بصير و عارف خبير و ظني انه ادام الله بقاه امرني بذلك ليري ان ما استنبطه في هذا المضمار من الاخبار و كلمات المشايخ الاخيار انار الله برهانهم مطابق لما فهمته انا ام لا ، فبعد ما جاءني كتابه السامي عاقتني عن الامتثال كثرة الاشغال بامور لازمة مدة مديدة الي ان بلغني من جنابه العالي كتاب آخر فيه ايضا كان امرني بذلك و اشار فيه الي ما كنت اظن من انه ايده الله و سلمه كان ينظر في كتاب المصباح لسيدي الاوحد و مولاي الامجد جعلني الله فداه و ساير كتبه الشريفة انار الله برهانه فاستنبط منها ما استنبط و طلب مني بيانه ليري التطابق و يطلع علي التوافق لكنه سلمه الله تعالي امرني بالاختصار و بيان لب المطلب في مراسلة من المراسلات المتداولة مع ما نحن فيه من وضع الزمان و اهله فاخّرت البيان علي ما اراد سلمه الله الي زمان الملاقات و اوان المشافهة لغايات [ص 3] عندي و بادرت الي بيان المنظور بذكر النتايج في المقدمات و بثّها في خلال الالفاظ و العبارات فان ذلك ديدن مشايخنا الكرام اعلي الله مقامهم لكني اجهد ان شاء الله في الاختصار و الايجاز ليكون البيان جامعا بين ما اراد سلمه الله من الاختصار و بين ما اريد من الاشارة الي المقدمات و ذكر النتيجة في خلالها و ذلك يقتضي رسم فصول قليلة و اسأل الله سبحانه التسديد و التأييد فانه قريب مجيب .
فصل - لا شك في ان العبادة غاية خلقة الجن و الانس و لا بد ان تظهر تلك الغاية فيهم و بهم و الا لكان ينسب الي الله اللغو و العبث و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فان استنكف طائفة من الخلق عن عبادة الله و طاعته عبده قوم آخرون منهم و بذلك ظهر منهم و بهم سرّ حكمته و غاية خلقته فلاتخلو البلاد عن هؤلاء العباد اذ بهم عبد الله و خلقت لهم و بهم الجنة و لولاهم ماعبدالله و بهم عرف الله بالحكمة و الجمال و الكمال و لولاهم ماعرف الله و من البين ايضا انه جل و عز لما ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها ابي ان يجري العبادة اي الغاية الا بالاسباب ايضا و ابي برأفته و رحمته ان يجعل تلك الاسباب لعباده الضعفاء العاجزين الا علي وجه يمكن التمسك بها و التوسل اليها لكل فرد من افراد الجن و الانس اذ كلهم كلفوا بذلك اضعفهم و اقواهم اسودهم و ابيضهم اجهلهم و اعلمهم و الا لكان التكليف فوق طاقتهم و الله سبحانه لايكلف نفسا الا وسعها و الا ما آتاها فتجلي الله عز و جل لهم بوجهه الكريم و امرهم بعبادته التي لاتتحقق الا بالتوجه اليه و يسّر لهم ذلك بلطفه العميم فعرفهم وجهه و علمهم كيفية التوجه بارسال الرسل و ايصالهم الي السبل ليكون ذلك لهم سهلا يسيرا و لايكون عليهم مشكلا عسيرا و لايشك فيما ذكرت من هو [ص 4] مفطور لميغيّره الشيطان و لميبدّله شبهات اهل الشك و الشبهة و الطغيان فامر التوجه لا بد و ان يكون بيّنا هيّنا معروفا بين العباد ليكون الطريق الي المعبود واضحا و الدليل الي المقصود لايحا و لايكون لاحد من العباد علي الله حجة يوم التناد فكل من آمن بمعرفة الله و عبادته وجب عليه ان يوجه وجهه للذي فطر السموات و الارض ليظهر فيه الغاية و يصل الي الفائدة اي مرضات ربه و ليس له ان يتواني في معرفة ذلك و لا في العمل به فيكون وجوده لغوا في عرصة الشرع يلقي في نار جهنم كالارمدة التي لا فائدة فيها في العالم الوسيط قال الله عز و جل انكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم فان استحوذ علي احد من الناس الشيطان المستكبر الوسواس الخنّاس فانساه ذكر الله و وجهه و تواني بذلك في ما به نجاته و حيوته من معرفة الوجه و التوجه و الاقبال الي الله المتعال فقد ظهرت فيه صفة ذلك المستحوذ و استكباره و حينئذ يختلف حاله باختلاف ظهور ذلك المستحوذ لعنه الله فيه و سلطانه عليه فاما يجحد الوجه و يعرض عنه استكبارا و ظلما و علوا بعد الاستيقان و اقامة البرهان فيدخل في زمرة الجاحدين الكافرين و اما يزعم معرفته و الاقبال اليه امرا صغيرا حقيرا لضعفه و جهالته و غفلته فيدخل في زمرة الجاهلين الغافلين المهملين و اما يطلبه معوجا منصبغا بصبغ الشيطان المستحوذ فينحرف و لايعرف كيفية الاقبال و التوجه و لذا يتخذ عجلا لنفسه و يدخل بذلك في زمرة الملحدين المشركين عبدة الاصنام و الاوثان و اما يوسوس في نفسه و صدره ذلك المستحوذ فيمنعه عن اليقين و الاطمينان و يريه ان ذلك و ما يضاهيه من امر الدين صعب مشكل يعسر الوصول اليه و الاطلاع عليه و يريد بذلك عدوّ الله و عدوّه ان يجعله من الآيسين التاركين للعبادة و ليس كما يريه فان الخوارج ضيّقوا علي انفسهم و ان الدين اوسع من ذلك كما عرفت .
[ص 5] فصل - ان الله سبحانه بذاته احد قديم ليس له جزء و جزء و لا فيه شيء غير ذاته اذ لو كان فيه جزءان او اجزاء لكان كل واحد منها مركبا من حيث هو هو و من حيث انه غير الآخر و كان بذلك حادثا محتاجا الي من ركبه من تلك الحيوث و ذلك خلف بالبداهة فالاحد بذاته ممتنع عن الاجزاء و التركيب و امتناعه عن ذلك هو امتناعه عن الامتياز اذ هو من لوازم الاجزاء المتغايرة و اذ ليست فليس و امتناعه عن الامتياز هو امتناعه عن الحد لانه يوجد اينما وجد و يفقد حيثما فقد و الحد باعتبار التعميم عند الحكيم هو العلامة التي بها يعرف كل محدود عن غيره و هي الاسم بعبارة اخري و هي الصفة كما قال الرضا عليه السلام الاسم صفة لموصوف ، فامتناع الاحد جل شانه بذاته عن الحد هو معني امتناعه عن الصفة و ذلك معني ما روي عن امير المؤمنين عليه السلام كمال التوحيد نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع عن الازل الممتنع عن الحدث ، ثم امتناعه جل و عز عن الصفة و الحد هو معني عدم تناهيه بشيء غيره اذ لو كان بذاته متناهيا بشيء لكان محدودا بحد اي متصفا بصفة في ذاته فلايعقل ان يكون متناهيا بالذوات و لا بالصفات و لا بالجواهر و لا بالاعراض و لا بالاشباح و لا بشيء غير ذلك و عدم تناهيه جل شانه يقتضي ان لايكون معه غيره ابدا لا عينا و لا كونا و لا امكانا بل و لا امتناعا فهو اذ ذاك هو لا شيء سواه و اذ لا شيء سواه فلايعقل ان يكون معروفا بذاته لعارف و لا معبودا لعابد و لا مقصودا لقاصد اذ غيره ممتنع معه و الممتنع لايتصف بانه عارف و لا بانه عابد و [ص 6] لا بانه قاصد و لا بشيء غير هذه الاوصاف فما سمعت او تسمع و ما امرت به او تؤمر من التوحيد و التفريد و الايمان و العبادة و التوجه و الاقبال و ما نهيت عنه من الكفر و الشرك و الاعراض و ما ورد في الوعد و الثواب و الوعيد و العقاب و امثال ذلك كلها في مقال آخر و بالنسبة الي ما سواه عز و جل و اما بالنسبة اليه عز و جل و لا نسبة فلايعقل مفهوم لشيء من ذلك ابدا فاين المعرفة مع امتناع العارف ؟ و اين العبادة و التوجه مع امتناع العابد و المتوجه ؟ و لايكون ما ذكرت مقدمة رفع التكليف عن العباد و لا مقدمة اليأس عن الوصول الي مقام المعرفة المأمور بها و لا مقدمة اليأس عن امكان حصول التوجه و الاقبال الذي هو من اسباب ظهور الغاية و بروز الفائدة بل هي مقدمة مطابقة للواقع منتجة لامر آخر يعرّفه الله لمن يشاء بفضله و يحجبه عمن يشاء بعدله .
فصل - ان ما سوي الاحد جل شانه خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و الخلق مركب اما من الجزئين الممتازين او من الاجزاء الممتازة و التمايز يستلزم التغاير و هو التحديد فكل مخلوق ممتاز عن غيره و غيره معه البته اما عينا و اما كونا و اما امكانا و كل واحد منهما يحدد الآخر لا محالة فكل مخلوق محدود و ذلك لانه معه غيره كما عرفت مجملا بخلاف الاحد جل شانه فانه لما لايكون معه غيره لايعقل ان يكون له حد فان قيل اذا كان ذلك كذلك فما معني كلمة « ما سواه » و ما مفهوم لفظ « ما عداه » ؟ قلت معني هاتين الكلمتين ليس في رتبة القدم و لا مفهومهما مع الازل بل هما في رتبة الحدوث فالمراد منهما هو الحادث من غير نسبة بينه و بين القدم فما سواه لايصاقعه بل هو ممتنع معه [ص 7] فلايدرك و لايري معه و ما عداه محض تعبير اذ لايصير القديم مرجع ضمير و لايضاف الي شيء ابدا فما سوي الاحد لايعدّ معه كعد مخلوق مع مثله و ما عداه لايحده كتحديد مخلوق شكله و الي ذلك يصرح قوله عليه السلام غيوره تحديد لما سواه ، و لست الآن بصدد بيان ذلك بل المراد بيان ان المخلوق محدود و قد عرفت ان التمايز المستلزم للتغاير بين الاشياء هو تحديدها فلكل شيء فسحة وجود و هي حدوده و قيوده اعلاها رتبة هو مبدؤ ذلك الشيء و ادناها رتبة هو منتهاه و كلما يترقي ذلك من رتبة الي رتبة و يصعد من درجة الي درجة فهو في عرصة تلك الحدود الا انه يصير الطف و اصفي و لما هو اعلي رتبة منه احكي لكنه لايتجاوز ما وراء مبدئه و لايخرج من فسحة وجوده و ذلك لانه هو بتلك الحدود و القيود فاذا فرض خروجه عنها لا بد و ان يفرض خروجه عما به هو هو و ذلك ينافي وجوده في حده و مقامه فكل شيء لايتجاوز ما وراء مبدئه كائنا ما كان بالغا ما بلغ فالمخلوق لايتجاوز ما وراء مبدأ الخلق و المحدود لايتجاوز ما وراء مبدأ الحد قال امير المؤمنين عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الطريق مسدود و الطلب مردود ، فالمحدود يمتنع ان يعرف غير المتناهي و يمتنع ان يتوجه الي غير المحدود البتة فالوجه الذي يجب ان يعرفه العبد و يتوجه به الي ربه لا بد و ان يكون مشاكلا للعباد مجانسا محدودا مثلهم ليمكن لهم ان يعرفوه و يقبلوا اليه فعن امير المؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها . فالجسماني لايشير الا الي الجسمانيات و الروحاني لايشير الا الي الروحانيات و العقلاني لايحد الا العقلانيات و هكذا فالجمادي يعرف الجماد لا غير و النباتي النبات و الحيواني الحيوان لا غير و الانساني الانسان و هكذا و يظهر من ذلك معني اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة و اولي الامر بالولاية .
[ص 8] فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم انه لايكون اشدّ تشاكلا للشيء من نفسه فلايدرك و لايعرف شيئا علي الحقيقة الا نفسه كما صرّح بذلك عليه السلام انما تحد الادوات انفسها ، فالله سبحانه تجلي بوجهه المضيء لخلقه بخلقه و في كل رتبة بها دون غيرها اذ بذلك تكون حجة علي خلقه ابلغ و تعريفه نفسه لهم اكمل و تكليفه لكل فرد من افرادهم اوسع و اسهل كما اخبر في كتابه عن ذلك حيث قال لايكلف الله نفسا الا وسعها و انشد وليّه عليه السلام حيث قال :
و في كل شيء له آية تدل علي انه واحد
فوجه الله الكريم انما ظهر لكل عبد في الباطن و الظاهر بنفسه و لذا ورد عنهم عليهم السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه ، لكن العباد يعرفون ربهم و يتوجهون اليه علي اختلاف قوابلهم فمنهم من يعرفه بوصف و يعبده علي حرف فهذا لايدرك منه الا الظاهر بالصفات و العلامات و منهم من يعرفه بالتنزه و التقدس و الربوبية و الالوهية و يعبده وحده لا شريك له فهذا لايدرك الا الاحد الصمد وجدانا و ان لميكن نفسه كذلك وجودا و سيأتي الاشارة الي ذلك ايضا في خلال الفصول ان شاء الله .
فصل - ان في عرصة الخلق مقامين متغايرين و هما الكون و الشرع اما الكون ففيه الاكوان و الاوامر الكونية و الامتثالات الكونية و النعم الكونية لا غير فلما قام الكائن الاول و هو وجه الله الكوني و لسانه الكوني بين الكائنات و كلفها بالاوامر التي في تلك العرصة بان قال كن زيدا و كن عمرا او سماءا او ارضا او جمادا او نباتا او حيوانا او انسانا و هكذا امتثل كل واحد منها و صار كائنا علي ما امره فصار زيدا و عمرا و سماءا و ارضا و هكذا و ليس في هذا المقام من خالف امره الا من بقي في عرصة العدم و لميدخل [ص 9] في عرصة الكون و ذلك لايسمي باسم الكائن حتي يقال له هو مؤتمر منزجر او مخالف كافر بل هو معدوم و المعدوم لايتصف بصفة الايتمار او الانزجار و اما من دخل في تلك العرصة فهو كائن ممتثل لامر الله الكوني و امتثاله هو نعمته و توجهه و عبادته في تلك العرصة و تلك النعمة و التوجه و العبادة دائمة مستمرة له و هي جنته لايخرج منها ابدا و ان كان في عرصة الشرع معذبا معاقبا في نار جهنم فالكائنات كلها مؤمنها و كافرها ضعيفها و قويها ممتثلة مؤمنة للامر الكوني و الايمان الكوني لا تفاوت بينها بوجه من الوجوه من هذا الحيث كما قال الله عز و جل كان الناس امة واحدة فليس في عرصة الكون عبادة شرعية و لا عابد و لا معبود و لا جنة و لا نار و لا تكليف من التكاليف المعروف بين العباد و البلاد و لا مكلّف و لا مكلف بها و لا مؤمن و لا كافر و لا ثواب و لا عقاب و لا امثال ذلك فليست التوجهات وما يتعلق بها من الوجهة و المتوجه و الاقبال و الاعراض في تلك العرصة ابدا و من زعم انها فيها و طلبها منها فقد اخطأ الطريق و ضل عن سبيل التحقيق .
و اما الشرع ففيه الوجودات الشرعية و الاوامر و الامتثالات الشرعية لا غير ففي تلك العرصة لما قام الشارع و هو لسان الله الداعي الشرعي و وجهه و نوره بين الخلق و كلفهم بالاوامر و النواهي بان قال آمنوا بالله و رسله و صلّوا و زكّوا و حجّوا و لاتقربوا الفواحش و المعاصي اختلفوا في الايتمار و الانزجار و الاقرار و الانكار فمنهم من آمن به و امتثل و منهم من كفر به و ضل قال الله تعالي انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا فالعبادة التي يعبر عنها بالغاية هي في تلك العرصة و كذلك الكفر و الشرك فيها لا في غيرها [ص 10] و السيد المطاع المقصود هو الشارع لا المكوّن و ان كان المتجلي بالمكوّن و الشارع في كلتا العرصتين هو الله جل شانه لكن المعاملات بالنسبة اليه كلها في هاتين العرصتين لايتجاوز الشرعيات ما وراء مبدئها و لا الكونيات ما وراء مبدئها و لاتأتي الاوامر الكونية في عرصة الشرع و لا التكاليف الشرعية في عرصة الكون فالترقيات و الصعود من عرصة الطبايع و العادات و الشهوات و الوصول الي درجات الايمان و المقامات العالية كائنة ما كانت بالغة ما بلغت هي في عرصة الشرع و كذلك الجنة و ما فيها من النعم و المعارف و العلوم و مقامات التوحيد و الاسماء و الصفات و الانوار و الآثار المترتبة عليها كلها في الشرع و التنزلات و الانهماك في الطبايع و العادات و الشهوات و مراتب الكفر و الشرك و الالحاد و ساير الآثار المهلكة المردية كائنةً ما كانت بالغةً ما بلغت هي في عرصة الشرع و ليست هي الا النار و طبقات الجحيم و ما فيها من حصب جهنم و مما يتعلق بعرصة الشرع هو الاقبال و الادبار و التوجه و الاعراض الذي نحن بصدد بيانه فوجه الله الذي يتوجه اليه العبد و يقصده و يعبد به ربه هو في الشرع و كذلك المخاطبات و الدعوات و ما يتعلق بها من المعاني و التسبيحات و التقديسات و التنزيهات و اشباه ذلك التي يقصدها العابد في عباداته و يعرفها فلا بد ان تكون في تلك العرصة لا في غيرها و من البين ان في تلك العرصة ليس شيء اولي بان يكون وجه الله الكامل الباقي من الشارع فانه مبدأ جميع الوجودات الشرعية و اولها و متصف بجميع صفات الله فهو معبود لكل عابد و مقصود لكل قاصد و مسجود لكل ساجد و ذلك لانه لايتحقق الاقبال و الامتثال و التعظيم و التسبيح و التقديس لله سبحانه الا بالنسبة اليه في تلك العرصة [ص 11] ففي الزيارة من اراد الله بدأ بكم و من وحّده قبل عنكم و من قصده توجه اليكم الزيارة . و لايتحقق الاعراض و الادبار و الانكار لله تعالي و الشرك به الا بالنسبة اليه في تلك العرصة فان الاصنام و الاوثان هي كلها اعداؤه و مخالفوه فطاعتهم و عبادتهم هي الكفر و الشرك و الفسق و العصيان في تلك العرصة قال الله عز و جل و اذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس ابي و استكبر و كان من الكافرين و قلنا يا آدم اسكن انت و زوجك الجنة و كلا منها رغدا حيث شئتما و لاتقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فازلّهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه و قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ و لكم في الارض مستقرّ و متاع الي حين الآيات ، فتبين مما في تلك الآيات ان شاء الله و تعيّن مسجود الساجدين و مطاعهم و تبين ان الكفر هو الاستكبار بالنسبة اليه و من البين ان جميع ما في الدين و الايمان هو من متفرعات هذين المذكورين اي الاقرار و الاستكبار و هما كما عرفت في عرصة الشرع فلست مكلفا بان تحب المؤمنين و تزورهم و تواخيهم و تواسيهم لاجل انهم كائنون اذ لو كان كذلك لكنت مكلفا بمودّة الكفار و مواخاتهم و مواساتهم لانهم ايضا كائنون بل لاجل انهم يحبون الله و يسجدون له و فيهم نوره و ظهوره اي نوره المتجلي في الشرع و ظهور الشارع و لست مكلفا بالحج و طواف البيت و استقباله لاجل انه كائن او تراب او ارض اذ ساير البيوت ايضا كذلك بل لاجل انه مظهر الرب الظاهر في عرصة الشرع و تمثّله فيها قد ظهرت فيه انواره و تعلقت به عنايته الخاصة و آثاره التي لمتظهر في ساير البيوت و لمتتعلق بها فتبصر امرك يا اخي في الله مما مثّلت و بيّنت لك في هذا الفصل و لاتقتصر علي تلك الامثلة و الالفاظ و العبارات الخاصة و لا علي مفاهيمها و معانيها المخصوصة بها فان كل ذلك بمنزلة الحروف المقطعة و الكلمات الناقصة التي لايظهر المراد من مفاد كل واحد منها .
[ص 12] فصل - لا بد للانسان في مقام التوجه الي الله سبحانه من معرفة وجه العبد و وجه الرب . اما وجه العبد و هو وجه الانسان في هذا المقام فله قسمان :
الاول وجه البدن الظاهر و هو ايضا وجهان الاعم و الاخص اما الاعم فهو مقاديم البدن فانها هي الوجه باعتبار انها تقابل الظهر و تظهر منها و بها الآثار الكمالية و الافاعيل الناشئة من القوة و القدرة بخلاف الظهر الذي ليس فيه شيء من ذلك الا القليل الضعيف الذي لايعتد به و ذلك لانه جهة النفس التي خفيت فيها آثار المبدء و انواره فالمقاديم في بدن الانسان لما تكون فيها آثار المبدأ و الحيوة ظاهرة قوية تسمي بالوجه الذي هو جهة الرب التي هي وجه العبد في كل ربتة ومقام و اما الظهر و ما يتعلق به فلما تكون فيه آثار المبدأ و الحيوة قليلة خفية ضعيفة يسمي بجهة النفس التي هي ظهر العبد و خلفه ثم الوجه بهذا المعني غير معروف بين العوام لعدم اطلاعهم علي المناسبات الحكمية بين الاسم و المسمي في كل مقام و توصيفنا اياه بالاعم لعدم اختصاصه بالوجه المعروف و شموله ما من الرأس الي القدم و اما الاخص فهو الوجه المعروف في البدن الذي فيه العينان و الفم و الانف و الحاجبان و انما سمي بالوجه عند العوام و الخواص لانه جهة الرب و ظهرت فيها آثار المبدأ و الكمالات و المحاسن مما لميظهر في غيره من ساير البدن فمرة يطلق الوجه و يراد منه هذا و مرة يطلق و يراد منه المقاديم و كلاهما صحيحان لما اشرت اليه فاذا اراد الانسان ان يقبل الي شيء يهويه ويشتهيه بالذات او بالعرض يوجّه وجهه له بالفطرة لان ما يعتد به في وجوده في الظاهر او في الباطن هو المقاديم و هو الوجه الذي فيه المحاسن و الآثار الكمالية و المدارك لا الدبر و الظهر الذي فيه العجز و الضعف و الجهل و القبايح [ص 13] فاذا اراد ان يقبل ببدنه الي شيء من الاجسام و الابدان يوجّه وجهه و جماله و كماله الذي في بدنه له فيقبل به اليه الا انه اذا اراد الاقبال التام يوجه جميع مقاديم بدنه اليه و اذا اراد اقبالا ناقصا لغرض او عرض يوجّه وجهه الاخص اليه لا محالة دون جميع المقاديم هذا و الوجه المعروف الاخص تطاوعه و تقلبه اسهل و اكثر و حركته اسرع و لذا يوجهه الانسان في اغلب الاوقات الي من يقبل اليه و الوجه الاعم اي المقاديم تطاوعه و تقلبه و حركته اقل و ابطأ و لذا لايوجهه الانسان في اغلب الاوقات الي من يتوجه اليه ببدنه فتوجيهه عسير لثقله و غلظته فالوجه الاخص احكي لآثار المبدأ و محاسنه و الاعم اقل حكاية لها و لست الآن بصدد بيان ذلك بل اريد بيان وجه البدن الظاهر و هو كما عرفت الوجه المعروف و المقاديم و لعلك قد عرفت من ذلك سرّ ورود النهي عن البزاق في الوجوه و لطمها و ضربها في الحدود و التعزيرات اذ هي جهات الرب و آياته و علاماته في العباد و كتب فيها و عليها اسم الله و اسم محمد و علي عليهما الصلوة و السلام و لذا تراها خاضعة خاشعة ساجدة لله تعالي فلايسجد لله سبحانه في العباد و البلاد غير محمد و علي عليهما السلام و لايدرك شيئا غيرهما عليهما السلام و لا حسن و لا جميل و لا قوي و لا قدير و لا بصير في ملك الله غيرهما عليهما السلام فهما عليهما الصلوة و السلام وجوه العباد في ملك الله بهما جمالهم و كمالهم و حسنهم و لولاهما عليهما السلام لماكان لاحد منهم كمال و لا جمال و لا قوة و لا قدرة و اما اعداؤهما عليهما السلام فهم ادبار العباد و ظهورهم ، الحدود و ثقل الاحمال و الوزر و المشقة واردة عليهم و القبايح و القاذورات و النجاسات تبرز منهم و فيهم و العجز و الضعف و الجهل و سوء الادب منهم و منسوب اليهم فلولا اعداؤهما عليهما السلام لماكانت المساوي و القبايح في العباد و البلاد و لميكونوا مدبرين معرضين عن الله ابدا .
[ص 14] و الثاني وجه الباطن و هو اعلي المشاعر في العبد فان كان ذا فؤاد في عرصة الشرع فوجهه فؤاده و ان كان ذا عقل فيها فوجهه عقله و ان كان ذا نفس ناطقة قدسية فوجهه نفسه و ان كان ذا نفس برزخية فوجهه هي و انما قلت اعلي المشاعر دون غيره لانه غالب علي المشاعر الدانية قاهر اياها ليس لها معه آثار كمالية و لا افاعيل و لا محاسن بل الحكم و الاثر و الامر كلها له فهو جهة الرب ذات الكمال و الجمال و الجلال و هو وجه العبد منشأ الآثار و مظهر الانوار و محل ظهور المحامد و المحاسن فالمشاعر الدانية كلها تابعة مقهورة له اذا توجه و اقبل هو توجهت و اقبلت هي لا محالة فان الناس علي دين ملوكهم فالانسان الذي له فؤاد شرعي اذا اقبل الي شيء هواه و لايقبل الا الي شيء يجانسه و لايهوي الا ما يشاكله يوجّه وجهه الذي هو كماله و جماله و خيره و نعمته اليه و بذلك يتوجه اليه جميع مشاعره الدانية التي هي مقاديم وجوده في المراتب و لايتخلف المشاعر الدانية عن الاعلي لما ذكرت اللهم الا ان يكون فيه ضعف و لميبلغ في حده و مقامه غاية الكمال و القوة فانه حينئذ ربما يهوي شيئا و ما دونه شيئا آخر كما تشاهد ان الانسان بانسانيته ربما يقبل و حيوانيته لاتقبل قال الله عز و جل و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فانهماك الداني و اخلاده الي ارض طبيعته يمنعه عن اتباع اعلي المشاعر و يمنعه عن كمال ظهوره و بروزه كما يمنع المرآة الكثيفة عن ظهور الشاخص فيها فللداني حينئذ اثر و للعالي ايضا اثر يكافئان الي ان يقهر احدهما الآخر و ينفرد في الاثر فرجع القول الي ما اشرت اليه من ان العالي هو القاهر الغالب و لا منافاة فان علوه يستلزم قهره و غلبته و اذا لميكن عاليا لم [ص 15] يكن قاهرا متبوعا و اذا كان قاهرا عاليا كان هو الوجه ذو المحاسن و المحامد فاذا توجه الانسان الي شيء محاسن له و اقبل اليه وجّه فؤاده او عقله او نفسه اليه البتة نعم يختلف توجه الفؤاد الي غيره باختلاف حال متوجه اليه فان كان هو اعلي رتبة منه يتوجه بذاته الي صفته و نوره و حينئذ لايري نفسه ان كان في توجهه كاملا و الي ذلك يشير قوله عليه السلام المحبة حجاب بين المحب و المحبوب ، و ان كان هو في رتبته اي في عرضه يتوجه بفعله و اثره الي صفته و نوره و ان كان هو تحت رتبته يتوجه اليه بنوره و اثره الي ذاته و لست الآن بصدد تفصيل ذلك فمرة نطلق الوجه و نريد منه مطلق المشاعر و المدارك لانها المقاديم و بها يدرك الانسان كل شيء و يحيط به و بها يستشعر في نفسه ما للاشياء من الاحوال و الآثار و لا شك ان الاستشعار و الدرك هو العلم و الالتفات و هو صفة الرب المحيط بكل شيء و آيته في تلك الرتبة و آيته هي وجه العبد فحيثما اراد ان يقبل الي شيء يوجهه اليه و يدركه او يستشعر و يذوق شيئا مما له و فيه و كما كان الوجه في الظاهر مكتوبا عليه و فيه اسم محمد و علي عليهما السلام كان وجه الباطن ايضا مكتوبا فيه اسمهما عليهما الصلوة و السلام و به يكون وجيها جميلا في الدنيا و الآخرة و به يكون شاعرا مستشعرا عالما في الدنيا و الآخرة و لولا ذلك لماكان الفؤاد فؤادا و لا العقل عقلا و لا الروح روحا و لا النفس نفسا و لا الفكر فكرا و لا الخيال خيالا و هكذا ساير المقاديم و المدارك فلو لميكن نورهما عليهما السلام في وجوه البواطن لمتكن مبيضة و لا خاشعة لله و لا ساجدة له ابدا و لو لميكن ضوؤهما عليهما السلام مشرقا علي المشاعر و المدارك [ص 16] لمتكن مدركة لصور الاشياء و نسبها و معانيها و حقايقها و لمتكن مقبلة متوجهة الي الله تعالي فعنهم عليهم السلام بنا عبد الله و لولانا ماعبد الله بنا عرف الله و لولانا ماعرف الله و في الزيارة اشهد انك قد اقمت الصلوة و آتيت الزكوة و امرت بالمعروف الزيارة ، و مما ذكرت ظهر لك ان شاء الله امر الظهور و الادبار في الباطن اذ هي ما يقابل اعلي المشاعر او ما يقابل مطلق المشاعر من الجهل و العمي و العجز و الضعف و ما يضاهي ذلك من آثار الجماد او النبات او الحيوان و اشباه ذلك مما يستلزم الاعراض و الاستكبار و الادبار عن وجه الله تعالي و تلك الادبار و الظهور كلها من فروع الاعداء و شؤنهم و فنونهم التي بها يعصون الله في كل موطن و بها يخالفونه و يدبرون عنه في كل مقام فاذا اراد العبد ان يعرض عن شيء او يسيء الي شيء ولّي دبره او ظهره اليه لانه منشأ الادبار و الاعراض .
و اما وجه الرب جل و عز فهو ما تجلي به لعباده و اقامه مقامه في بلاده اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار . و تفصيل هذا المجمل علي ما يناسب المحل هو ان الاحد جل شانه له جميع الصفات و الكمالات بالفعل لاينتظر حدوث كمال و لايترقب تجدد جمال و ذلك سرّ نفوذه فيما سواه و عدم تناهيه بشيء مما عداه و اما ما سواه جل و عز فليس كذلك بل واجد لكمال و فاقد لكمال آخر و ذلك سر تناهي كل واحد من الاشياء بحد و نهاية و سرّ احتياجه و فقره ثم الاشياء متفاوتة في وجدان الكمال و فقدانه فبعضها واجد كثير من الكمالات و بعضها واجد قليل منها و اوجدها لها اوحدها و اكملها و اقربها الي الله الكامل و افقدها لها احوجها و افقرها و ابعدها عن الله الكامل و اكملها و اقربها اليه سبحانه [ص 17] احكي له البتة في الكمال و الجمال فهو عز و جل اظهر فيه من كل شيء و هو ظهوره الاكمل و مظهره الاجمل بين الاشياء و كلما يكون احكي و اقرب الي الشيء يكون وجهه فان وجه الشيء هو ما به و فيه قد تجلي و ظهر لغيره علي وجه اكمل فوجه الله في ملكه بين عباده هو اكمل الخلق و اقربهم اليه الذي لا كمال و لا جمال يوجد بين الخلق الا و هو واجد له و اكملهم الذي لايفقد كمالا و لذا لايكون متناهيا بشيء من الخلق بحيث اينما يولوا فثم هو هو نور مشية الله او نفسها التي يعبر عنها بالكينونة التي قد تنزهت و تقدست عن صفات الخلق اجمعين اذ هي كائنة قبل مواقع صفات تمكين التكوين غير مكونة بتكوين و اتصف بصفات الاحد القديم اذ هي الاحد الصمد الابدي و الموجود الازلي فلايري منها الا صفات الاحد و اسماؤه و كمالاته و ذلك شأن كل وجه بالنسبة الي ذي الوجه حيث لايدرك و لايري منه الا هو و الا لميكن وجها له فالكينونة لاتصافها بصفات الاحد القديم من كل جهة يكون وجهه المضيء لجميع خلقه لا بد لهم ان يتوجهوا اليه به و يسجدوا له و يعبدوه و يقصدوه به لا بغيره اذ لميظهر علي ( وجه ظ ) الكمال الا منه و فيه و به و هو مثله الاعلي الذي اشار اليه في كتابه حيث قال و لله المثل الاعلي و قال ليس كمثله شيء و هو آدم الاول قبل الف الف آدم فوق الف الف عالم الذي امر الملائكة كلهم اجمعون ان يسجدوا له و المراد من الملائكة حينئذ جميع الخلق باعتبار انهم مملوكون لله تعالي و انهم كلمات غير تامة بالنسبة اليه و اطراف الوجود بالنسبة و من البين ان هذا الوجه اي الكينونة هو وجه الله في جميع الملك و لجميع الخلق لا لافرادهم و لا لاجزائهم فليس يتمكن الجزئي في كل [ص 18] عالم من العوالم ان يعرفه او يدركه او يتوجه اليه و به لخروجه عن حدود وجوده و اطلاقه و تجرده عن قيود ذاته و صفاته بل له وجوه و امثال في المراتب و العوالم هي مشابهة مطابقة له في الاسم و الصفة و الرتبة علي ما يمكن لها في حدها و كلها في تلك المراتب وجه الله الظاهر المضيء لاهلها كما هو وجهه الظاهر في جميع الملك و لجميعه و من تلك الوجوه و الامثال الحرم و المسجد و الكعبة و الضراح و البيت المعمور و العرش و ساير البيوت و العلامات و الآيات و المقامات الباطنية التي خضعت لها رقاب الخلق و خشعت لها قلوبهم و كانت اليها سجودهم لله و وضعت لديها خدودهم علي الاستكانة و الذلة عند اظهار لوازم العبودية فلما ظهر في الكينونة و مجاليها سرّ الربوبية وجب عندها اظهار العبودية و ليس يصير شيء من مجاليها و مراياها في تلك العوالم الا بخروجه عن الحدود و القيود التي في عالمه بحيث لايكون شرقيا و لا غربيا و لا صفراويا و لا سوداويا و لا سماويا و لا عنصريا بل يكون واقفا علي الطتنجين ناظرا في المشرقين مستويا علي اركان العرش حتي يصدق عليه قوله عز و جل هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و وقوفه في هذا الموقف هو معني اعتداله في جميع الصفات غير منحرف لان المنحرف انما يعبد الله علي حرف بخلاف المعتدل فانه اذا اعتدل مزاجه و صح منهاجه شارك السبع الشداد و صار بذلك وجه الرب للعباد قال الله سبحانه فاذا بلغ اشدّه و استوي آتيناه حكما و علما و قال لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماءً غدقا فمثال الكينونة الاعلي الاكمل و مجلاها الاجمل في كل عالم هو الاعدل الواقف في مقام القطب المطابق لناشئة القطب الملقي فيه مثاله الظاهر منه فعاله فلايكون وجه الله الباقي احد الا من ظهر فيه سرّ الكينونة و القي فيه مثالها و نورها [ص 19] فماصار آدم علي نبينا و آله و عليه السلام مسجود الملائكة الا للانوار التي كانت في صلبها من هذا الوجه الباقي و ماصارت الكعبة قبلة للانام الا لما كان فيها من آياته و علاماته و كما دحيت الارض من تحت الكعبة دحيت ارض الوجودات الشرعية في كل عالم من تحت كعبته التي هي القطب و تلك هي اولادها و احفادها كما ان القري هو اولاد الكعبة و هي امها و لست الآن بصدد بيان ذلك بل اريد بيان ان الكينونة هي وجه الله الابقي الاعظم الاعلي في جميع الملك و ان مجاليها التي ظهر فيها سرها و نورها في ساير العوالم هي وجوهها و ابوابها التي تؤتي منها و يستقبلها اهل تلك العوالم و هي كلها وجه الله اذ بها يقبل الله الي اهلها و يعاملهم و يكلمهم و يكملهم و بها يقبل الخلق الي الله و يعاملونه و يعبدونه و يسجدون له فلكل اهل عالم ان يعرفوا اولا من ظهر ذلك النور فيه بصفة الكمال و سمة الاعتدال ثم يتمسكوا به و يتوجهوا الي ذي الجلال و يعبدوه علي كل حال ليكونوا شواهد قوله عز و جل و يطعمون الطعام علي حبه مسكينا و يتيما و اسيرا انما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاءً و لا شكورا و اما ان جهلوا ذلك و لميعرفوه او عرفوه ثم انكروه و اعرضوا عنه فلميعبدوا ربهم و صاروا بذلك مصاديق قوله عز و جل و من يستنكف عن عبادته و يستكبر فسيحشرهم اليه جميعا و قوله و اما الذين استنكفوا و استكبروا فيعذبهم عذابا اليما .
[ص 20] فصل - ان الموحدين في ملك الله لايوحّدونه و لايعبدونه الا بوجهه المذكور اي الكينونة و به حيوتهم و بقاؤهم و شعورهم فبه يكون ملك الله حيا باقيا منوّرا معمورا و ذلك لانهم جميع ما يعرفون من اسرار التوحيد و انوار التفريد هو فيه و منه لا في غيره و لا بغيره فالتنزه و التقدس و ما يتفرع علي ذلك هو له اذ الاسماء و الصفات و الآيات كلها له متلاشية لديه مضمحلة عنده بحيث لايجري منها شيء في ذاته اذ لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه فلايقع عليه اسم و لا رسم و لايتجاوز عنه تقديس المقدّسين و لا تنزيه المنزّهين فهو الاحد الصمد الذي لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد و هو الذي يثنون عليه و يصفونه بتلك الصفات و يخاطبونه في دعواتهم و صلواتهم و لايعرفون فيه ما ينافي ذلك و الا لميكن توحيدهم توحيدا و هو المشار اليه بقوله تعالي ان من شيء الا عندنا خزائنه ففيه و منه حيوة الكل و ادراك الجل الذي ينحدر منه السيل و لايرقي اليه الطير فهو خزينة كل نور مخزون و سرّ مكنون ، منه تجري الامداد و منه تنزل الفيوض علي العباد علي حسب اختلاف قوابلهم كما قال الله عز و جل و ماننزله الا بقدر معلوم منه و به يعبد الله و منه و به يوحّد و لولاه ماعبد الله و ما وحّد و كما عرفت ان الامر في جميع الملك كذلك فاعلم ان الامر في كل عالم من العوالم كذلك فلولا مجلي الكينونة و مظهرها الذي ظهر فيه سرّها في ذلك العالم لميكن احد من اهله عابدا لله تعالي و لا ساجدا و لا موحّدا له و لميكن ذلك العالم حيا باقيا في مقامه و محله و لا منوّرا معمورا في رتبته و ذلك لان الجميل المنوّر المعمّر و الحي الباقي في قوله [ص 21] كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام هو الكينونة و سرّها و نورها وحدها وحدها ،
ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات