و هو وجه الله الواقعي الحقيقي لان الاحد الذي لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار قد تجلي و ظهر فيه و به و منه اذ لا صفة له سوي صفاته و لا اسم له غير اسمائه و لا علائم له دون علائمه ففي كل عالم اول ما يكون و يظهر هو وجه الله و دليل ذلك و شاهده حيوة هذا العالم و انتظامه و بقاؤه و شعوره و ادراكه و ذلك معني ما نقول من ان الله سبحانه يخلق الحجة اولا ثم المحجوجين او النبي اولا ثم الامة او السلطان اولا ثم الرعية او القلب اولا ثم الاعضاء ، فبه فتح الله في كل عالم و به يختم فلايكون عالم الا و فيه خلق الله ذلك المبدأ و الوجه الكريم بلطفه العميم و لو لميكن كذلك لكانت الحكمة و النعمة ناقصة من الحكيم المنعم و كان للخلق حجة علي الله البتة فلا صنف من الخلق و لا عالم من العوالم الا و فيه حجة الله و وجهه و برهانه ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و يوحّد الله اهل التوحيد و يقدّسه و يسبّحه اهل التفريد و يتوجه اليه اهل التوجه و الاقبال و من شك في ذلك او انكره او ظن انه لا وجه و لا وسيلة و لا حجة او اعتقد انه لاتناله الايدي فهو اعمي و اصم و هو في مرية من لقاء ربه و الا فذلك الوجه ظاهر له باهر في عالمه بما يجانسه و يشاكله اذ ذلك هو المفروض و الا لميكن هو وجها في هذا العالم لان الوجه هو ما ظهر ذو الوجه به لغيره علي ما عرفت سابقا قال الله تعالي [ص 22] قل انما انا بشر مثلكم يوحي اليَّ انما الهكم اله واحد و قال ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه و قال و للبسنا عليهم ما يلبسون الآيات ، و انما ذكرتها بلزوم التجانس و بان الوجه في كل عالم من الوجودات الشرعية كما مرّ بيان ذلك في فصل خاص و هيٰهنا اعنون فصلين و اذكر فيهما ان شاء الله كيفية ظهور سرّ الكينونة في كل عالم و سببه .
فصل - اعلم ان الداني انما يحكي العالي علي حسب اختلاف حالاته في الصفاء و الكُدْرة و الاعتدال و الانحراف و الجامعية و النقصان فاذا كان العالي صافيا انما يحكيه الداني اذا صار مرآة صافية و اذا كان معتدلا انما يحكيه اذا صار مرآة معتدلة و اذا كان جامعا كاملا انما يحكيه اذا صار جامعا تاما كاملا فليس كل دان مرآة حاكية عن كل عال و ليس كل عال يظهر في كل دان الا اذا تحقق المشاكلة و المجانسة بينهما و لا اريد من مشاكلة الداني الا اتصافه بصفات العالي علي ما يمكن له في حده و مقامه من الصفاء و الاعتدال و الجامعية و ما يضاهي ذلك مما ينسب الي العالي ثم العالي اِما يكون عاليا معتدلا بالنسبة الي الجمادات فقط و هو النبات الذي لميبلغ مبلغ الحيوان في الاعتدال فهذا لا بد و ان يكون مرآته الحاكية له جمادا معتدلا و اما يكون عاليا معتدلا بالنسبة الي النباتات و هو الحيوان الذي لميبلغ مبلغ الانسان في الاعتدال فهذا لابد و ان يكون مرآته الحاكية له نباتا معتدلا و شروط اعتداله اكثر من شروط اعتدال الجماد لا محالة كما ان كمال الحيوان اوفر من كمال النبات و اما يكون عاليا معتدلا بالنسبة الي الحيوانات و هو الانسان الجزئي الذي لميبلغ مبلغ الكملين الكليين في الايمان و الاعتدال فهذا لا بد و ان يكون مرآته الحاكية له حيوانا معتدلا مستقيما و شروط اعتداله و استقامته اكثر من شروط اعتدال النبات و [ص 23] استقامته و ذلك لان كمالات الانسان و لو كان جزئيا اكثر من كمالات الحيوان و اما يكون عاليا معتدلا بالنسبة الي افراد الاناسي و هو النجيب الكلي الذي لميبلغ مبلغ النقباء الكليين او النقيب الكلي الذي لميبلغ مبلغ المرسلين الكليين او النبي الكلي الذي لميبلغ مبلغ المعصومين الاربعة عشر صلوات الله عليهم اجمعين في الاعتدال و الكمال و الجامعية و الكلية فهذا لا بد و ان يكون مرآته الحاكية له نجيبا كليا و شروط اعتداله اكثر او نقيبا كليا و شروط اعتداله اوفر او نبيا كليا و شروط اعتداله اكثر و هكذا فالعالي كلما يكون اعلي و اكمل لا بد و ان يكون مرآته في الاداني اعدل و شروط اعتدالها اكثر و من البين ان الكينونة التي هي وجه الله الباقي الذي له جميع انوار التوحيد و فيه جميع اسرار التفريد هي الاسم الاعظم الاعظم الاعظم و النور المتجلي المشرق الاعلي الاعلي الاعلي له الاسماء الحسني و الامثال العليا لايحكيه من خلق الله علي ما ينبغي الا اعدلهم و اجملهم و اكملهم في جميع الصفات و الحالات و هو من انتجبه الله في القدم علي ساير الامم علي علم منه به من اعتداله في الجمادية و النباتية و الحيوانية و الانسانية و النجابة و النقابة و النبوة و الامامة و الخاتمية في الظاهر و الباطن في جميع العوالم و لسنا نريد من الاعتدال في هذا المقام الا استعداد الداني لظهور العالي فيه لا ما يقصده بعض الناس من توسط الشيء في المزاج و الطبيعة بان لايكون حارا او باردا او يابسا او رطبا او من توسطه في الاجزاء بان يكون ترابه و ماؤه و هواؤه و ناره متساوية فان الشيء ربما يكون كما يزعمون و هو منحرف عن الاعتدال المنظور فالجماد المعتدل في المقام هو الذي قد استعد لظهورالنفس النباتية فيه و هو ربما اجزاؤه متفاوتة [ص 24] و النبات المعتدل هو ما لاتنافي اجزاؤه ظهور النفس الحيوانية فيه سواءا كانت اجزاؤ وجوده متفاوتة في الكم و الكيف او متساوية و الحيوان المعتدل ما ليست عناصره و اجزاؤه مشتهية لما يخالف ارادات الانسان و الانسان المعتدل فيما نحن فيه هو من لايخالف جماديته و نباتيته و حيوانيته و انسانيته ارادات النفس الكلية الالهية و هكذا الامر في كل دان بالنسبة الي كل عال فالذي يظهر منه سرّ الكينونة في كل عالم من العوالم او في جميع الملك لا بد في اعتداله و كماله ان لايكون في شيء من اجزاء وجوده مخالفا لما يقتضيه ذلك السرّ ففي جميع الملك لايكون من خصايص مظهره الكلية كما لايكون من خصائصه الجزئية و لايكون من خصائصه المعنوية كما لاتكون منها الصورية و لا وصف المسمي كما لايكون وصف الاسم و هكذا مما قد انفرد به ذلك السرّ المنمنم و النور الاكرم الاعظم فمظهره لا بد ان يكون حاكيا له منزها عما يضاده و ينافيه و ذلك لان ما ينافيه هو الانحراف و الاعوجاج و ضد الكمال و الاعتدال فالجماد اذا كان في حده و مقامه مريدا مشتهيا لما يبغضه و يكرهه كان منحرفا معوجا و النبات اذا كان في صفاته و آثاره مخالفا لما يحبه و يريده كان خارجا عن الاعتدال و الحيوان اذا كان في صفاته و افعاله الخاصة به من السمع و البصر و الذوق و الشم و اللمس و الرضا و الغضب علي خلاف ما يحبه و يرضاه كان معوجا منحرفا عن الاعتدال المنظور الذي يمكن في حده و مقامه كائنا ما كان بالغا ما بلغ و الانسان اذا كان عاملا بما يكرهه جاهلا بشيء غافلا عما ينبغي له ذكره كان منحرفا ايضا عن الاعتدال المنظور غير حاكٍ في صفاته هذه عن ذلك السرّ الاول و النور الاكمل و كذلك الامر في جميع المقامات و الدرجات الي ان يبلغ مبلغا يعد فيه ترك الاولي و الجزئية مما ينافيه في الحكاية [ص 25] و الرواية و غاية الكمال و لا شك ان هذا و اشباهه انما يكون منافيا لمظهره الكلي في جميع الملك لجميع الكائنات و اما لمظاهره التي هي في العوالم الخاصة فلا ضير في ذلك و ما يضاهيه فانه في كل واحد من العوالم انما يظهر له به علي ما يستطيع من المعرفة و التوصيف لا فوق طاقته فالاعتدال الذي كلف ان يبلغ اليه هو غاية ما يمكن له في حده و مقامه و الانحراف الذي نهي عنه هو ما يسمي بالانحراف في حده و مقامه و ان لميسم به في غير هذا المقام و لست الآن بصدد بيان ذلك بل اريد بيان ان ما ينافي الكينونة و يخالف رضاها هو مانع ظهورها علي ما هي عليه في المجالي و المظاهر و هو الانحراف حقيقة في ملك الله و ان ما يناسبها و يوافق رضاها هو سبب بروزها علي ما هي عليه في المرايا و المجالي و هو الاعتدال حقيقة في ملك الله فالمشاكلة التي هي الامتثال لامر المولي سبب الاعتدال بل هو نفسه الاعتدال و المغايرة التي هي المخالفة لامره سبب الاعوجاج بل هي الاعوجاج و الامتثال اي الاعتدال في جميع الاحوال و الاعمال هو سبب ظهور سرّ الكينونة و وجه الله ذي الجلال علي ما هو عليه .
فصل - ان التأثير و الفعل و الغلبة في ملك الله لمشيته سبحانه لانها امره و فعله الذي ظهرت فيه و به القدرة و القوة و الغلبة علي جميع الاشياء قال عز و جل انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فاذا ظهرت في شيء صفة من صفات المشية و اثر من آثارها ظهرت فيه القوة و القدرة و التأثير البتة الا ان ذلك يختلف باختلاف قوابل الاشياء فان كان شيء احكي لها باعتداله و صفائه كان احكي لقوتها و غلبتها و ان كان في حكايته اياها ضعيفا ناقصا لانحرافه و كدورته كان في القوة و التأثير و [ص 26] الغلبة ناقصا البتة و كل عال بالنسبة الي ما دونه احكي للمشية لانه اقرب اليها منه فهو قوي غالب عليه مؤثر فيه محيط به و هو بالنسبة اليه مقهور مغلوب محاط متأثر لا محالة فالارواح و النفوس الغيبية كائنة ما كانت لقربها من المشية غالبة علي الابدان الشهادية الدانية كائنة ما كانت و الابدان الدانية لبعدها منها مغلوبة لديها كائنة ما كانت و لاتتخلف هذه القاعدة الكلية في مرتبة من المراتب ابدا فالنفس النباتية المستعلية علي الجماد اذا ظهرت فيه غلبت علي اجزاء وجوده و صار الاثر و الحكم لها لا له فاضمحل الجماد و صار مسمي باسم النبات مع ان فيه الجمادية ايضا فذلك لان جماديته مغلوبة مقهورة لدي النباتية فالقت في هويتها مثالها و اظهرت عنها افعالها و كل ناظر نظر اليها التفت اولا الي انها نبات بحيث لايحتاج في التفاته ذلك الي تكلّف في قطع النظر عن جماديته اذ النبات اظهر فيها منها و النظر لميقع عليها حتي يحتاج الي قطعه بل التكلّف في الالتفات الي جماديته و ذلك امر يجده كل مفطور في نفسه و لايشك فيه و كذلك الكلام في النفس الحيوانية المستعلية علي النبات فهي لقربها من المشية بالنسبة اليه اذا ظهرت فيه غلبت علي اجزاء وجوده و صار الحكم و الاثر و الاسم لها لا له فتجلت له به و القت في هويته مثالها و اظهرت عنه افعالها و من نظر اليه وجده حيوانا اول مرة و سمّاه باسمه و رأي منه رسمه و اثره و لايلتفت الي انه جماد و لا الي انه نبات الا اذا عمد و تكلّف و اذا ظهرت النفس الناطقة القدسية المستعلية في الحيوان غلبت علي اجزاء وجوده ايضا لقربها من المشية الغالبة القاهرة و سمي باسمها بحيث من نظر اليه رآه انسانا و لايلتفت الي انه جماد او نبات او حيوان مع ان فيه كل ذلك في الواقع و ذلك لان كل واحد من الجمادية و النباتية و [ص 27] الحيوانية مقهور مضمحل متلاش مغلوب لدي الناطقة القدسية فالحكم و الاثر و الاسم و الرسم بعد ظهور تلك النفس لها لا لما دونها و ان كان شيء من ذلك لما دونها كما انك تشاهد ان الاكل او الشرب انما ينسب الي الانسان بعد ظهوره في الحيوانية التي لها نباتية مع انهما من شأن النفس النباتية و منها و تشاهد ايضا ان السمع و البصر انما ينسب اليه بعد ظهوره في الحيوان مع انهما من شأنه و منه فلايقال ان نبات الانسان اكل او شرب و دفع و جذب و لا ان حيوانه سمع و بصر و ذاق و شم و رضي و غضب بل يقال ان الانسان اكل و شرب و سمع و بصر و رضي و غضب و هكذا في ساير الآثار و الخواص فالامر كله للعالي و اليه في جميع المواطن و من ذلك يتبين لك ان الامور في ملك الله راجعة الي امر الله لا الي ساير الخلق فان امره عز و جل هو الغالب و ما سواه مغلوب مضمحل لديه ثم النفس الناطقة القدسية اذا ظهرت فيها النفس الكلية الالهية غلبت عليها كما عرفت و صار الحكم و الاثر و الاسم لها من نظر اليها رآها اولا الا اذا تكلّف و نظر الي ما دونها من الابدان الشهادية بالنسبة اليها كالجماد و النبات و الحيوان و الانسان فحينئذ ربما يجد شيئا من ذلك و يغفل عنها و اذا ظهر في النفس الكلية الالهية سرّ اعلي منها غلب عليها ايضا و صار الامر علي ما عرفت الي ان ظهر في موجود سرّ الكينونة و غلب هو علي اجزاء وجوده فحينئذ لا غالب في وجوده الا هو و لا اسم و لا حكم لشيء من اجزاء وجوده الا له و لايري الناظر اليه الا اياه و لايلتفت المتوجه اليه الي غيره الا بالتكلفات و لايحتاج الناظر في النظر اليه الي تكلف من قطع النظر و قطع الالتفات عن غيره [ص 28] ابدا اذ هو اظهر من غيره و لذا يكون هو المنظور اولا لا غيره اللهم الا ان لايعرف الناظر ما ظهر فيه مطلقا فحينئذ ربما ينظر اليه و لايري الا الداني مثال ذلك ان الحيوان حين ينظر الي الانسان لايعرف انه انسان ذو علم و حلم و ذكر و فكر بل يعرف انه حي متحرك و ذلك لانه لميدرك الانسانية و لميدر انها ما هي حتي اذا نظر الي هيكلها وجدها فله عين ينظر بها الي الهيكل و لايبصر بها ما فيه يعلم ظاهرا من الحيوة الدنيا و هو الهيكل و هو عن الآخرة اي نفس الانسان غافل فالناس ينظرون باعينهم الي هيكل التوحيد الذي ظهر فيه سرّ التفريد و لايعرفون ما فيه فلهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها ، صم بكم عمي فهم لايعقلون ، يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون ، الا انهم في مرية من لقاء ربهم فالناظرون الي هياكل التوحيد و الآيات و العلامات متفاوتون و تفاضلهم في معرفة ما ظهر فيها و منها من الانوار و الاسرار ، تدبر في قول مولانا امير المؤمنين عليه الصلوة و السلام يا سلمان و يا جندب ان معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز وجل هي معرفتي الحديث ، فاشار عليه السلام الي ان العارف الناظر بالنورانية هو العارف بالله لا العارف بما فيه عليه السلام من القوي التي يجانس بها المواليد اذ العارف بها ربما لايكون عارفا بالله لانها بانفسها من غير ان يظهر فيها سرّ الله و نوره ليست بنور الله و آيته و علامته .
[ص 29] فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان نور الله و سرّه الفرد الاحد لا اختصاص له بشيء دون شيء في ذاته و لميختر مكانا بذاته لذاته حتي يكون هو فيه دون غيره من العوالم بل هو خارج عن كل شيء و كل مكان كما هو داخل في كل شيء و كل مكان و نسبته الي ما سواه علي السواء و لا نسبة في الواقع اذ لا شيء سواه و الا لماكان يعرف الله به و يوحّد و ماكان ظهر نور الصمد الذي لميلد و لميولد فاذ لا نسبة بينه و بين ما سواه فلايعقل ان يظهر بذاته الاحدية الصمدية في هيكل من الهياكل ابدا بل الظاهر في الهيكل هو نوره الذي له اختصاص به الذي اقامه مقامه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار فتجلي له به و القي في هويته مثاله و اظهر عنه افعاله فذلك الهيكل وجميع ما فيه من النفوس و الانوار المختصة و المثال الملقي المشخص له نسبة الي ما سواه اذ معه شيء سواه فيعبّر عن تلك النسبة تارة بالرب و المربوب و اخري بالمولي و العبد و اخري بالسلطان و الرعية و امثال ذلك من التعبيرات فالنسبة قد حصلت هيٰهنا لا قبل ذلك و لا فوق هذا المقام فالتكاليف و لوازمها قد وجدت هيٰهنا لا فوقه و لا بالنسبة الي من لا نسبة بينه و بين ماسواه .
مثال ذلك و لله المثل الاعلي الدخان المشتعل و النار الدهرية الغيبية فان الدهرية نسبتها الي جميع الاجسام بالسواء بحيث ليس شيء منها اقرب اليها من ساير الاجسام و لا اختصاص لها بجسم دون جسم و ذلك لانها دهرية خارجة عن عرصتها محيطة بها نافذة فيها و اما الدخان المشتعل الذي هو بمنزلة الهيكل المتقدم فله نسبة الي ساير الاجسام و تلك النسبة هي انه اكملها و اعدلها و اصفاها و اولها و مولاها في ظهور النار الغيبية و آثارها و افعالها و هي كلها ناقصة [ص 30] كدرة محتاجة اليه و انه مشرق محرق منير مسخن ممد و هي كلها علي خلاف ذلك متأثرة من افعاله مستمدة منه فهو النار الظاهرة لها بينها لاتعرف و لاتدرك من النار الا اياه و هي كلها اجسام ظلمانية غاسقة غافلة عن النار جاهلة بها و هو نبأ النار يبين لها صفاتها و حالاتها بلسان بيّن فصيح يعرفه و يسمعه من له اذن واعية منها و هي كلها محجوبة عنها و هو السبيل اليها و الدليل عليها و المنادي الذي ينادي للايمان بها و هي الامة و الرعية المكلفون بالتكاليف فالنسبة و الاختصاص للنار الغيبية انما حصلت في الشعلة التي هي الدخان المشتعل لا في غيرها و المعاملات كلها من مقتضيات تلك النسبة و ذلك الاختصاص لا من غيرها فلولا الشعلة لميكن احراق متعلق بالاجسام و لا انارة و لا اشراق من النار و لا احتراق و لا استنارة و لا استشراق من الاجسام بل لو لمتكن الشعلة لميكن تعرف النار و لمتكن نار موجودة اي ممثلة بين الاجسام فبها عرفت و لولاها ماعرفت و بها ظهرت و تمثّلت و لولاها ماظهرت و ماتمثّلت ، هذا و قد تبين في محله ان النار الغيبية الدهرية ليست بمعزل من الشعلة و لا خارجة عنها فان ما هو كذلك جسم زماني مصاقع مع ساير الاجسام محدود بحدودها الزمانية بل النار هي الشعلة وجودا و ظهورا و عيانا و ان لمتكن هي هي كلا و جمعا و احاطة و نحن ما نعني من ذلك النفي و الاثبات الا خروج العالي الدهري عن عرصة الاسماء و الصفات و وقوع الشعلة في مواقعها فلما عرفنا ان النار الدهرية ليست لها تلك الاسماء و الصفات ذاتا و هي غيّبتها و طوتها بالكلية قلنا ان الشعلة المسماة باسم النار المتصفة بصفة الاحراق و الاشراق الخاص ليست بها اذ هي بذاتها و اطلاقها مجردة عن ذلك كله [ص 31] و لما رأينا ان الشعلة هي تحرق و تشرق و تضيء و تستضيء علي ما تشاهده الاجسام الزمانية و تدركه قلنا هي النار اذ صفات النار كلها ظاهرة منها و افعالها صادرة عنها بحيث لايخفي ذلك علي جاهل و لاينكره غافل فضلا عن عاقل فالنار التي تعنيها الاجسام و تقصدها هي الشعلة و جميع ما تريد منها من الاحراق و الاشراق و الانارة و امثالها هو فيها و اما ما فوق تلك الشعلة فلايدخل في مشاعرها و لايحس بمداركها و لاتعرف له اسما و لا اثرا دون ما فيها فطلبها اليه مردود و طريقها اليه مسدود لا سبيل لها اليه الا بالشعلة و فيها و منها اذ هي موقع الصفات كما مرت الاشارة من عرفها فقد عرف النار و بلغ قرار معرفتها .
و كذلك الامر في الارواح و النفوس الغيبية بالنسبة الي مجاليها و هياكلها فليست النفوس العالية الملكوتية و الجبروتية و اللاهوتية و السرمدية بمعزل من الهياكل و لا خارجة عنها كخروج الاداني عنها بل الهياكل المستنيرة المشتعلة هي تلك النفوس وجودا و شهودا و عيانا و ان لمتكن هي هي كلا و جمعا و احاطة اذ ليس لتلك النفوس فوق تلك الهياكل اسم و لا صفة و لا فعل ابدا فاسم الانسان موقعه القابلية المشتعلة بآثار النفس الناطقة القدسية و انوارها و اسم النفس الكلية الالهية موقعه الهيكل المشتعل المستنير بنورها و اسم نفس الله موقعه الهيكل المستنير بنورها الذي يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار و ليس فوق ذلك الهيكل اسم و لا صفة اذ لايقع عليه اسم و لا رسم و لا صفة بل هو غيب ممتنع لايدرك فالذي يمكن دركه و يرجي الوصول اليه و له اسماء و صفات و يدل عليه الآيات و العلامات و يجب الاقبال و التوجه اليه هو الهيكل المشتعل الذي لاح عليه آثار النور المشرق من صبح الازل و اما فوقه فهو مقام امتناع الاسماء و الصفات و مقام [ص 32] الحق الذي لا اختصاص له بشيء دون شيء بل ليس معه شيء كما سبق ذكر ذلك مكررا فهو اذ ذاك هو لا شيء سواه حتي يقال هو يعرفه و يحبه و يعبده و يتوجه اليه او يقال يجهله و يبغضه و يعصيه و يعرض عنه و يكفي هذا المقدار من البيان في ظهور الاسرار في الاعلان ان شاء الله و لا قوة الا بالله .
فصل - و اذ قد عرفت هذه المقدمات الشريفه فاعلم يا اخي في الله انك لمتكلف بما هو ممتنع عنك و لا بما هو فوق طاقتك بل كلفت بما هو في وسعك و يمكنك الاقبال و التوجه اليه و هو الآية الظاهرة و العلامة الباهرة للخلق بينهم و هو الباب المبتلي به الناس و ان خطر ببالك غير ذلك و زعمت انك مع ما فيك من حدود وجودك تتوجه الي الذات الممتنعة عنك او زعمت انك كلفت بذلك و بما هو فوق طاقتك فتيقن بانك اخطأت و استحوذ عليك الشيطان الوسواس الخنّاس الذي يريد ان يصدّك عن السبيل و يضلّك عن الدليل و حينئذ لا بد لك ان تعالج نفسك بالاعراض عن الشبهات و ترك الشكوك فدع عنك ما يلقي اليك عدوّ الله و عدوّك ليلا و نهارا من الخيالات و الافكار الفاسدة التي تورث الشك و التحير في دين الله و تمسك في معرفة الباب و ذلك الجناب بالنصوص من اهل الخصوص او التسديدات الربانية و التأييدات الالهية بموازين الصفات و الآثار و الامارات التي لا ريب فيها و لا شك يعتريها و ذلك امر بيّن ممكن سهل هيّن فان ربنا جل شانه لايؤيّد من ادعي باطلا لديه و لايسدّد من دعا الي نفسه بين يديه لايصلح عمل المفسدين و لايعجز عن اظهار بطلان المبطلين كما قال ما جئتم به السحر ان الله سيبطله ان الله لايصلح عمل المفسدين و قال [ص 33] و يحق الله الحق بكلماته و يبطل الباطل فاذا عرّفك الله الشاهد العليم الخبير القاهر القادر آيةً بانها باب له و دليل عليه و سبيل اليه و ايّدها و سدّدها بما شاء و اراد من الصفات و الامارات التي علّمك و اراك في الكتاب و السنة و الادلة العقلية المستنيرة بهما فخذ به مطمئنا ثلج الفؤاد بارد القلب و كن من الشاكرين و حينئذ ليس لك ان تشك في امرك لانك بمنزلة الاعمي العاجز الذي بيده قادر بصير رفيق شفيق يمشي به في الطريق لايفارقه ابدا و لايكله الي نفسه مطلقا فانت اذا وصلت الي الباب بتسديد الله و تأييده و وقفت لديه تخاطبه و تسأله و تتوجه اليه و تراه و لايخطر ببالك انك تخاطب و تسأل غير ذي الباب او تتوجه الي ما سوي رب الارباب لانه بنفسه دلّك و هداك اليه و ايّدك و سدّدك و كفي به هاديا و شاهدا و دليلا و ليس لك حينئذ ان تلتفت الي ان الباب له اجزاء و لا الي ان له مراتب و لا الي ان له مكانا او وقتا او وضعا او كما او كيفا كما انك ان اقبلت الي زيد و كلمته و سألته و عاملته بمعاملة من المعاملات لاتلتفت الي انه في ايّ مكان و لا الي انه في ايّ وقت و لا الي انه في ايّ لباس و لا الي لونه و لا الي شكله و لا الي هيأته و لا الي علمه و لا الي عمله و لا الي نسبته الي غيره ابدا و ان كان هو في الواقع ذا مكان و وقت و لباس و شكل و هيئة و نسبة و وقع التفاتك و نظرك الي ذلك كلها بان النظر لايتجاوز في الواقع عنها لكنك لاتلتفت في وجدانك اليها بل تلتفت الي زيد وحده دون غيره فالوجه و ان لميكن في الواقع الخارج مجردا عن القيود و الحدود لكونه غير الاحد القديم لكنك لاتجد [ص 34] شيئا من تلك الحدود و القيود في وجدانك و الا لمتتوجه الي الوجهة فان المفروض هو ان تجد الوجهة و تراها و لست تراها الا بعد ان تري منها و بها و فيها ذا الوجه الظاهر منها و هو ذو كمال و جمال و جلال مجرّد منزّه و لاينافي كماله و تجرّده وجود الكمالات و الحجب في امكنتها و مقاماتها فالانسان المتوجه لاينظر الي ما ليس بوجه الله من الوقت و المكان و الحد و القيد و غير ذلك من الحجب بل يتوجه الي وجهه و هو ليس بشيء من ذلك وان توجه فرضا الي شيء منها فقد توجه الي غير الوجه و غيره من الاوثان و الاصنام و عبادتها هي الكفر بالله و ان توجه فرضا الي شيء منها و الي الوجه معا فقد توجه اليه و الي غيره و هو الشرك بالله و ان توجه الي ذي الوجه دون الصفات بانه احاط بها و غيّبها و انها مضمحل عنده متلاشية لديه فقد توجه الي الله و عبده وحده و يدل علي ما ذكرت ما روي عن ابي عبدالله عليه السلام قال من عبد الله بالتوهم فقد كفر و من عبد الاسم دون المعني فقد كفر و من عبد الاسم و المعني فقد اشرك و من عبد المعني بايقاع الاسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه و نطق به لسانه في سرّ امره و علانيته فاولئك اصحاب امير المؤمنين عليه السلام حقا و في حديث آخر : اولئك هم المؤمنون حقا انتهي ، فعبادة الاسم دون المعني هي التوجه و الالتفات الي الصفات و الآثار التي تحجبك عن الحقيقة و عبادتهما معا هي التوجه و الالتفات الي الصفات ايضا لان المعني و الحقيقة لايري معها و حينئذ تحجبك عنه و اما عبادته فهي التوجه اليه دون غيره و هو التوحيد .
[ص 35] هذا و قد عرفت مما ذكرت في الفصول السابقة ان النفوس الغيبية المتصفة بصفة مشية الله الغالبة المهيمنة اذا ظهرت في شيء من المرايا الدانية غلبت علي اجزاء وجوده و صار الحكم و الاثر و الاسم لها لا له فاذا نظر ناظر الي تلك المرايا راي تلك النفوس اولا و شاهدها من غير تكلف و ان كان نظرها واقعا علي المرايا و ذلك لان المرايا مضمحلة لديها غاية الاضمحلال بحيث لميبق لها حكم و لا اثر فاين المرآة مع الشاخص حتي تري دونه او معه ؟ و اين سبحات الجلال مع الحقيقة حتي يتوجه اليها دونها او معها ؟ فمن التفت الي المرآة او الي شيء من السبحات و اراد ان ينظر الي الشاخص او الحقيقة ثم تكلف في قطع النظر عن تلك المرآة او السبحات كان كمن نظر الي شيء و اراد ان يتوجه الي شيء آخر فلميتوجه الي الشاخص و لا الي الحقيقة بل الي المرآة او الي السبحات و حينئذ لايمكن له قطع النظر عنها الا بان لايلتفت اليها ابدا و اذا لميلتفت اليها لميحتج الي قطع النظر و لا الي تكلف فانت اما تنظر الي نفس المرآة او السبحات و حينئذ لاتلتفت الي الشاخص و لاتتوجه الي الحقيقة و ان تكلفت في قطع النظر و اما تنظر الي الشاخص او الحقيقة و حينئذ لاتري غيرهما لتحتاج الي قطع النظر عنه فعالج نفسك اولا في اصل النظر هل هو الي الشاخص او الي المرآة ؟
و اعلم انك اذا رأيت الشاخص وتوجهت اليه لايخلو اما تكلمه و تخاطبه فتصفه بالصفات و تسأله ما تحتاج اليه من الرحمة و الفضل و الانعام و ما يضاهي ذلك فحينئذ رأيته ظاهرا بالاسماء و الصفات و لست تري نفس اسمائه و صفاته فانها ليست بمستقلة دونه بل تراه مهيمنا عليها محيطا بها ظاهرا منها لكنك توجهت بخيالك و فكرك و ساير مشاعرك التي دون حقيقتك اليه ظاهرا في صفاته متجليا باسمائه و [ص 36] حينئذ تسأله الفضل و الانعام و العفو و المغفرة و الرحمة و اشباه ذلك و هي كلها غيره و تحت رتبة ذاته الا انك لاتدركها مستقلة فلو لميتجل لك باسمائه و صفاته لمتكن تتوجه اليه بخيالك و فكرك و امثالهما و لما تجلي لها توجهت اليه بها و حينئذ انت متوجه اليه لا الي غيره الا انك رأيته متجليا ظاهرا بالصفات و ان لمتكن رأيت نفس الصفات و اما تراه مجردا عن الصفات فلاتكلمه بشيء و لا تسأله عن شيء و لاتصفه بشيء و لاتري نفسك حينئذ متوجها الي صفة و لا الي اسم و لا الي انه ظاهر بصفة و لا الي انه متجل بشيء فحينئذ تطفئ سرج المشاعر التي هي منك و تنظر اليه بعينه التي اعارك اياها فلست انت حينئذ متوجها و لا ناظرا لانك مضمحل لديه غير مستقل عنده و الي هذا المقام يشير قوله المحبة حجاب بين المحب و المحبوب و قوله :
اعارته طرفا رآها به فكان البصير بها طرفها
و عملك في هذا المقام هو اصل جميع الاعمال و العبادات و روح جميع الصلوات و التوجهات و جميع الاعمال و العبادات هي شؤن هذا العمل و فنون هذا الاصل فالبدن او الخيال او الفكر يريد ان يتوجه اليه هكذا لكنه لايقدر علي ذلك لعجزه و ضعفه فيريد البدن ان يكون عابدا فانيا مضمحلا عند ربه فيخضع و خضوعه هو ركوعه و سجوده و ذكره بلسانه ما يدل علي ذلك و الخيال يريد اضمحلاله لدي المعبود فيتصور عجز نفسه و صغره و ذلّه و عظم المعبود و قهره و عزته و لايقدر علي توجه بغير ذلك و الفكر يريد اضمحلاله ايضا لديه فيدرك انه يقدر علي ما يشاء و يقهر ما يشاء و انه لا قادر الا هو و لا حي الا هو و انه لا اله الا هو و لايقدر علي توجه بغير ذلك فهؤلاء العباد اي البدن و الفكر و الخيال [ص 37] و اشباهها اعمالهم و توجهاتهم هي تفصيل عمل الحقيقة و تمثلاته و توجهاتها يريدون بها الخضوع و الخشوع و الاضمحلال لدي ذي الجلال و الجمال لكنهم لايقدرون علي ما يعمل به الفؤاد من التوجه و الخضوع فكل يعمل علي شاكلته و عمل كل هو عبادته و توجهه فالبدن لايتجاوز في توجهه الاعمال المقررة في الشرع و الخيال لايتجاوز في عبادته و توجهه التصورات المقررة من الشارع عليه السلام و الفكر لايتجاوز في عبادته و توجهه النسب المقررة من الشارع عليه السلام و ليس لاحد ان يقول ان توجه البدن لا بد و ان يكون كتوجه الخيال و لا ان يكون توجه الخيال كتوجه الفكر و لا ان يكون توجهه كتوجه الفؤاد اذ توجه كل واحد هو ما في وسعه و ليس لاحد ان يزعم ان توجه الفؤاد كتوجه ساير المشاعر اذ حسناتها سيئاته .
و اعلم ان العابد العارف اذا اراد ان يتوجه الي ربه و يعبده و فيه فؤاد او عقل او روح قاهر مستوٍ علي مشاعره الدانية و ظواهره يوقف بدنه مستقبل الوجهة كايقافه البدن مستقبل الكعبة و يأمر لسانه بالذكر المأمور به و عينه بالنظر الي المواضع المأمور بها و ايديه بالحركات المأمور بها و هكذا ثم يوقف خياله في محله مستقبلا لوجهته و فكره مستقبلا لوجهته و نفسه مستقبلة لوجهتها و هكذا ساير المراتب فيوجه كل واحد منها لوجه الله ثم يشتغل بتوجهه و عبادته مؤتمرا و منتهيا بامره و نهيه سبحانه حيث قال و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون الآية ، و حينئذ كل واحد من هؤلاء المتوجهين العابدين المقبلين الي ربهم لايستشعرون في انفسهم ان ما توجهوا اليه هو شيء غير الرب و ان استشعروا لوقعوا في حد الشرك او الكفر في عملهم هذا و لايستشعرون في انفسهم ايضا ان غيرهم كيف يعمل في عبادته و كيف يتوجه كما لميؤمروا بذلك و لميكلفوا به و كما لايسألون عن ذلك و لايؤاخذون به قال [ص 38] الله عز و جل كل يعمل علي شاكلته و قال و لاتزر وازرة وزر اخري و قال لايكلف الله نفسا الا ما آتيها فالعقل القاهر في الشخص العابد بمنزلة امام الجماعة و المشاعر و المراتب الدانية بمنزلة المأمومين الذين قد اختلفت حالاتهم في الضعف و القوة و غيرهما فهو يقوم و يصلي و يتوجه و يخضع في صلوته غاية التوجه و الخضوع و هم يتبعونه في الحركات و السكنات لكنهم لايتوجهون غاية التوجه و لايقبلون نهاية الاقبال و هو يجهر في القراءة مثلا و هم يخفتون او هو يقرأ الفاتحة و هم ينصتون فكذلك العقل فانه يتوجه الي ربه و يعرض عما سواه و ليس في اقباله و اعراضه قيام و لا قعود و لا جهر و لا اخفات و لا ركوع و لا سجود و لا التفات الي جهة من الجهات في عالم الشهادة لكن اعضاؤه في البدن الشهادي تختلف في الاقبال و الاعراض و لها قيام و قعود و ركوع و سجود و كذلك ساير مشاعره من الخيال و الفكر و الوهم فان لكل واحد منها حالة خاصة حال الصلوة غير حالة الآخر و مع ذلك كله هي تصلي بصلوة العقل او الفؤاد و ليس العقل و لا الفؤاد يلتفت الي ما هي تصنع و لايتوجه الي ما هي تتوجه اليه ابدا و ان التفت او توجه الي شيء من ذلك فقد غفل عن ذكر ربه و صار منكوسا كمن يلتفت في صلوته كلها الي مخارج الحروف و مقاطعها و الي نفس القيام و القعود و الركوع و السجود و حدودها و قيودها فهو كالذين ليس في ايديهم الا استقبال القبلة و الحركات و السكنات الظاهرة فليس للانسان العابد ان يلتفت حال صلوته و توجهه الي غير وجه الله من الالفاظ و الكلمات و العبارات و الحركات الا بقدر ما امر به من حفظ الركعات و اداء الفرائض و تصحيح اجزاء الصلوة علي ما ورد من الشارع و هذا [ص 39] القدر من التوجه الي اجزاء الصلوة هو التوجه الي وجه الله ايضا لانه امر بذلك و اما الالتفات اليها من اول الصلوة الي آخرها فهو كالالتفات الي الدنيا و ما فيها من الخيالات الفاسدة و الافكار الكاسدة اعاذنا الله من شرها بمحمد و آله عليهم السلام و الصلوة .
و اعلم يا اخي في الله ان الانسان لاينجو من تلك الخيالات و الافكار الفاسدة و لايخلص توجهه الي الله سبحانه الا بان يشتد حبه لله فلايكون في قلبه سوي حبه فحينئذ يعرض عما سواه قهرا و يقبل الي وجهه قهرا لايحتاج في التوجه الي تكلّف و لا في الاعراض عما سوي المعبود الي تكلّف فهذه التحقيقات العلمية و التشقيقات و التدقيقات و الالتفات اليها عند العامل و حين العمل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتي اذا جاءه لميجده شيئا فوجد الله عنده فوفيٰه حسابه و الله سريع الحساب فانت اذا اردت ان تكون من الفائزين فاسع سعيك في اشتداد محبة الله في قلبك فانه اذا هاج ريح المحبة في الفؤاد آثر المحبوب علي ما سواه فلايريد الا اياه و لايقصد الا اياه و لايهوي الا اياه و لايذكر الا اياه و لايتوجه الا اليه ، يعرض عما سواه و يترك ما عداه و ينسي ما خلاه و حينئذ يقف علي حقيقة التوجه و شرايطها و يطلع علي اسرار العبادة و حدودها و قيودها و محبة الله عز وجل لاتتحقق في قلب احد الا بمحبة محمد و آل محمد عليهم السلام فانهم باب الله و لسانه و وجهه و سبيله و دليله و حجته و علامته ، من والاهم فقد والي الله و من عاداهم فقد عادي الله من اراده بدأ بهم و من قصده توجه اليهم عليهم السلام فعن ابي جعفر عليه السلام بنا عبد الله و بنا عرف الله و بنا وحّد الله تبار ك و تعالي و محمد حجاب الله تبارك و تعالي . [ص 40] و عنه عليه السلام نحن حجة الله و نحن باب الله و نحن لسان الله و نحن وجه الله و نحن عين الله في خلقه و نحن ولاة امر الله في عباده . و عنه عليه السلام قال في حديث بعبادتنا عبد الله و لولانا ماعرف الله و ايم الله لولا وصية سبقت و عهد اخذ علينا لقلت قولا تعجب منه الاولون و الآخرون . و عن ابي عبدالله عليه السلام بعبادتنا عبد الله و لولانا ماعبدالله انتهي .
و علي هيٰهنا اختم الرسالة لكثرة الاشتغال و تبلبل البال و لان ما ذكر فيها كاف لاهل التنبّه ان شاء الله و قد وافق ختمها يوم العشرين من شهر ربيع الثاني من سنة ١٣٠١ بيد مصنفها علي بن الحسن حامدا مصليا مستغفرا . تمت .
( تمت مقابلتها بحمد الله العشر الاوسط من الآبان سنة ١٣٨٩شاكرا لله تعالي . حل )
( جديد شهريور ١٣٩٥ )