رسالة التقليد
في جواب الحاج حسن الحمادي
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا الشهيد المرحوم الحاج عبدالرضا خان الابراهيمي اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطيبين الطاهرين و علي شيعتهم الانجبين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
و بعد يقول العبد المسكين المستكين عبدالرضا بن ابيالقاسم بن زينالعابدين اعلي الله مقامهما انه سألني الاخ الاكرم الحاج حسن الحمادي سلمه الله تعالي من بغداد عن مسألة وجوب التقليد للشيعة مع ان هذه المسألة مفروغ عنها و اجمعت الشيعة بل المسلمون علي وجوبها و كتب مشايخنا اعلي الله مقامهم مشحونة بادلتها و لعله سلمه الله تعالي لما لميكن له [ص 3] ممارسة في الكتب العلمية اراد مني بيانا سهلا يسعه حفظه و بنائي في هذا الجواب عليه مهما امكن و ان اراد ازيد من ذلك فعليه بالرجوع الي كتب مشايخنا العظام اعلي الله لهم المقام .
قال سلمه الله تعالي : اريد من جنابكم ان تعرفني هل ان التقليد واجب علي كل فرد من الشيعة و ما سبب وجوبه و الي من و باي علامات .
اقول و الله المأمول ان بيان الجواب عن فقرات السؤال يقتضي رسم فصول :
فصل - اعلم ان التقليد واجب علي جميع الشيعة لان الله خلق الجن و الانس للعبادة كما قال تعالي و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و لما كان الخلق جاهلين بكيفية عبادته بعث الله فيهم رسلا مبشرين و منذرين و امروا الناس بامر الله ان يطيعوهم في جميع ما امروا و ينتهوا عما نهوهم عنه و جاءت الرسل تتري مصدقا بعضهم لبعض الي ان وصل الامر الي نبينا صلي [ص 4] الله عليه و آله فجعله الله آخر النبيين و جعل شرعه خاتم الشرايع و انزل عليه كتابا فيه جميع احكامه الي يوم القيامة و قام النبي صلي الله عليه و آله و دعاهم الي توحيد الله و الاقرار برسالته و بين لهم ان الله جعل طاعته في طاعته و اوجب عليهم الائتمار باوامره و الانتهاء عما نهي عنه كما قال تعالي اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و قال تعالي ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و قال تعالي فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم و قال تعالي لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة فاوجب الله بهذه الآيات و غيرها علي الناس متابعته و تقليده و التأسي به و هو صلي الله عليه و آله بين لهم احكام الله بقدر ما يسعهم و لما كان الحلال و الحرام اكثر من ان يحصيها صلي الله عليه و آله لهم في زمان قليل و قدر الله ان يرتحل عنهم امره ان ينصب خليفة فيهم بعده و يودعه احكام دين الله ليتعلم الناس منه شرايع دينهم و هو صلي [ص 5] الله عليه و آله نصب عليا عليه السلام للخلافة و عرفه الناس يوم الغدير و امر الناس باطاعته و مودته و اطاعة الائمة من ذريته و مودتهم و قال من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و قال صلي الله عليه و آله ايها الناس علي بن ابيطالب فيكم بمنزلتي فقلدوه دينكم و اطيعوه في جميع اموركم فان عنده جميع ما علمني الله عز و جل من علمه و حكمه فاسألوه و تعلموا منه و من اوصيائه بعدي ، فاوجب بذلك علي الناس متابعته و مودته و تقليده في جميع الامور و قبل منه من قبل و انكره من انكر و صار الذين قبلوا امر الرسول فيه شيعته و كانوا يقلدونه و يقلدون الائمة من ولده و كان علي ذلك ديدنهم و كانت الائمة عليهم السلام يوبخون من كان يتقاصر عنه كما قال الرضا عليه السلام في حديث فيمن عملوا بالقياس قال عليه السلام فاين التقليد الذي كانوا يقلدون جعفرا و اباجعفر ، قال جعفر لاتحملوا علي القياس فليس من شئ يعدله القياس الا و [ص 6] القياس يكسره . و الاخبار الدالة علي وجوب اطاعة الائمة و تقليدهم اكثر من ان تحصي و اما تقليد غيرهم من ساير الناس فحرام محرم لقوله تعالي فلاتطع منهم آثما او كفورا ، و قال ابوجعفر عليه السلام ليس عند احد من الناس حق و لا صواب و لا احد من الناس يقضي بقضاء حق الا ما خرج منا اهل البيت و اذا تشعبت بهم الامور كان الخطاء منهم و الصواب من علي عليه السلام و قال عليه السلام كلما لميخرج من هذا البيت فهو باطل ه ، فاذا لايجوز لاحد تقليد غيرهم عليهم السلام و اما ما نقول من وجوب تقليد العوام للعلماء فهو من باب روايتهم عنهم عليهم السلام و صدقهم في الحديث و لانريد من التقليد اكثر من اخذ قول الامام عليه السلام عنهم و هو من باب اطاعة الله حيث قال تعالي كونوا مع الصادقين و قال تعالي و ماكان المؤمنون لينفروا كافة فلولانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ، و اطاعة النبي صلي الله [ص 7] عليه و آله حيث جعلهم خلفاءه فينا كما قال صلي الله عليه و آله اللهم ارحم خلفائي ثلثا قيل يا رسول الله و من خلفاؤك قال الذين يأتون بعدي يروون حديثي و سنتي ، و اطاعة اولي الامر الذين امرونا بالاخذ عن رواتهم الثقات العاملين بما علموا كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام تعلموا ممن علم فعمل و قال العسكري عليه السلام فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا علي هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه و ذلك لايكون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم و قال الحجة عجل الله فرجه في توقيعه الشريف اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله و في توقيع آخر لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا قد عرفوا بانا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم انتهي ، فبهذه الاوامر و غيرها مما جاوز حد التواتر عرفنا وجوب تقليد الراوين عنهم بشروط ذكروها لهم و سيأتي ذكرها في ذكر علاماتهم [ص 8] ان شاء الله و قد قام الاجماع علي وجوب الاخذ من الروات و لنا ادلة اخر حكمية مأخوذة من اخبار آل الله صلوات الله عليهم اجمعين دالة علي امتناع الوصول اليهم و الاخذ عنهم من غير طريق شيعتهم و ربما نشير اليها في الفصول الآتية ان شاء الله و يكفيك في وجوب تقليدهم و الاخذ برواياتهم ما ذكرنا من ادلة الكتاب و السنة و الاجماع .
فصل - في بيان سبب وجوب التقليد . اعلم ان الله سبحانه خلق هذا الخلق لغاية هي معرفته كما ورد في القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف و قال الحسن بن علي عليهما السلام ماخلق العباد الا ليعرفوه ، و لما كان لايسعهم معرفة ذاته تعالي لانه لاتدركه الابصار لميكلف الله الخلق اياها لان الله لايكلف نفسا الا وسعها بل خلق خلقا و جعلهم مواقع صفاته و معاني اسمائه و جعل معرفتهم معرفته و محبتهم محبته و اطاعتهم اطاعته و اقامهم مقامه [ص 9] في جميع عوالمه و هم محمد و آلمحمد عليهم السلام كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة النبي صلي الله عليه و آله اقامه في ساير عوالمه في الاداء مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا هو الملك الجبار الخطبة ، و قال عليه السلام من عرفني و عرف حقي فقد عرف ربه لاني وصي نبيه في ارضه و حجته علي خلقه لاينكر هذا الا راد علي الله و رسوله ، و سمع ابوجعفر عليه السلام يقول بنا عبد الله و بنا عرف الله و بنا وحد الله تبارك و تعالي و محمد حجاب الله تبارك و تعالي ، فالواجب علي الخلق هو ان يعرفوا الله بما عرف نفسه بصفاته التي جعلها الله فيهم و يتبعوهم و يتأسوا بهم و يتصفوا بصفاتهم حتي يظهر صفات الله فيهم بقدر طاقتهم فيعرفوه بها و جميع شرايع الانبياء و شرع نبينا صلي الله عليه و آله الذي هو خاتم الشرايع و اخبار ائمتنا عليهم السلام هو تفصيل هذا الاجمال [ص 10] و جميع الشريعة هو صفات الله التي امرنا بالاتصاف بها في ابداننا و نفوسنا و عقولنا و افئدتنا لنعرفه بجميع مراتبنا و لما كان هذه الصفات فروع صفات الله الظاهرة فيهم و اشعتها و لايقوم الفرع الا بالاتصال بالاصل و لايقوم النور الا بالاتصال بالمنير و يفني الفرع بانقطاعه عن الاصل و النور بانقطاعه عن المنير لزم لمن رام عبادة الله و معرفته التوجه الي الله بهم و الاخذ عنهم و التأسي و الاقتداء بهم دائما و من استكبر عن تقليدهم و اراد ان يصل الي الله من غير هذا السبيل المستقيم لايصل اليه و سمع ابوجعفر عليه السلام يقول نحن جنب الله و نحن صفوته و نحن خيرته و نحن مستودع مواريث الانبياء و نحن امناء الله و نحن حجة الله و نحن اركان الايمان و نحن دعائم الاسلام و نحن من رحمة الله علي خلقه و نحن الذين بنا يفتح و بنا يختم و نحن ائمة الهدي و نحن مصابيح الدجي و نحن منار الهدي و نحن السابقون و نحن الآخرون و نحن العلم [ص 11] المرفوع للخلق من تمسك بنا لحق و من تخلف عنا غرق و نحن قادة الغر المحجلين و نحن خيرة الله و نحن الطريق و صراط الله المستقيم الي الله و نحن من نعمته علي خلقه و نحن المنهاج و نحن معدن النبوة و نحن موضع الرسالة و نحن الذين الينا تختلف الملئكة و نحن السراج لمن استضاء بنا و نحن السبيل لمن اقتدي بنا و نحن الهداة الي الجنة الخبر ، و كذلك الامر في شيعتهم في غيبتهم بل في زمان حضورهم اعني الذين شيعوهم و اتبعوا آثارهم و اقتدوا باعمالهم و اتصفوا بصفات الله التي ظهرت في مواليهم ضاق علي من تأخر عنهم في الاتصاف بتلك الصفات التخلف عنهم و وجب عليهم الاقتداء بهم كما قال الله تعالي اولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده و من تخلف عنهم ينقطع الوصل بينه و بين الله و يتيه الي الفناء كما قال ابوعبدالله عليه السلام من دان الله بغير سماع من عالم صادق الزمه الله التيه الي الفناء و من ادعي سماعا من [ص 12] غير الباب الذي فتحه الله لخلقه فهو مشرك و ذلك الباب هو الامين المأمون علي سر الله المكنون انتهي ، و ينبغي لمن قصد عبادة الله و طلب معرفته ان يطلبها من حيث يمكن طلبها و اي سبيل لمعرفة شمس السماء غير طلب نورها في الارض و الاستضاءة به قال ابوجعفر عليه السلام يفصل نورنا من نور ربنا كشعاع الشمس من الشمس و قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث و خلق شيعتنا من شعاع نورنا و قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث و لو كشف الغطاء عن الناس فنظروا الي وصل ما بين الله عز و جل و ما بين المؤمن خضعت للمؤمن رقابهم و تسهلت لهم امورهم و لانت لهم طاعتهم الخبر ، فلا بد لمن اراد الاتصال بنور الله و الاتصاف بصفات الله ان يتصل به من سبيل المؤمنين و يتأسي بهم و يقتدي بهداهم و لايقبل الله عملا الا ما كان بدلالتهم و هدايتهم و في دعاء التوسل في صفة اميرالمؤمنين عليه السلام من لااثق بالاعمال و ان زكت و لااراها منجية [ص 13] و ان صلحت الا بولايته و الايتمام به و الاقرار بفضائله و القبول من حملتها و التسليم لرواتها الدعاء ، انظر كيف جعل شرط الوثوق بالاعمال القبول من حملتها و التسليم لرواتها و ذلك لان العمل بنفسه اذا لميكن بدلالتهم منقطع عن نور الله ميت لا حراك له و هو كالجمل الميت مع انه يشبه الجمل الحي لايحمل اثقالك و لايعبؤ به كما قال الصادق عليه السلام الناصب لنا اهل البيت لايبالي صام او صلي زني ام سرق انه في النار انه في النار و قال الله تعالي و قدمنا الي ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا فتلخص مما ذكرنا ان سبب وجوب التقليد عن علماء الشيعة هو ان يتصل المقلد بنور هدايتهم بنور ائمته عليهم السلام و بالاتصال بنورهم يتصل بنور الله و يظهر فيه صفاته و يحصل له المعرفة التي خلقه الله لاجلها و هذا الوجه من الاستدلال هو من دليل الحكمة و ان اردت الاستدلال بدليل الموعظة الحسنة فاعلم انا في زمان فقد نبينا و غاب ولينا و نحن قوم جهال [ص 14] لانعرف مراضي ربنا و مساخطه من عند انفسنا و لايوحي الله الينا شيئا و لا الي من هو مثلنا الا انا نعرف ان الله لميخلقنا عبثا و اراد منا ان نعبده و الله عدل لايجور لايطلب منا ما لايسعنا كما قال تعالي لايكلف الله نفسا الا وسعها فقد جعل يقينا في هذا الزمان من يهدينا و اخبر عن ذلك في كتابه مخاطبا لرسوله انما انت منذر و لكل قوم هاد فعرفنا من ذلك ان الله قد جعل لنا هاديا الي الحق لنتبعه و هو احق بالاتباع من هوي انفسنا و هوي من هو مثلنا كما قال تعالي افمن يهدي الي الحق احق ان يتبع ام من لايهدي الا ان يهدي فلما كنا نحن ممن لانهتدي من عند انفسنا الي الحق وجب ان نتبع من يهدي الي الحق و هو الذي ظهر فيه صفات الحق و اتصف بها و المتصف بالحق هو الذي شيع اهل الحق و علمه و عمل به و هو الراوي عنهم عليهم السلام ظاهرا و باطنا و هو الحجة علينا من الله و يجب علينا التعلم منه و الاقتداء به و ازيدك دليلا آخر ائتمارا لامره تعالي [ص 15] ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و هو انه جري عادة الناس بان يطلعوا علي اقوال من لميحضروا عنده و احواله بواسطة النقلة سواء كانوا معه في زمان واحد او زمانين فكما ان المعاصرين للنبي و الائمة صلوات الله عليهم اذا كانوا نائين عنهم كانوا يأخذون عنهم بواسطة النقلة الثقات و كان النبي صلي الله عليه و آله و الائمة عليهم السلام يأمرونهم بذلك كما قال الله تعالي فلولانفر من كل فرقة الآية ، و قال رسول الله صلي الله عليه و آله اللهم ارحم خلفائي ثلثا قيل يا رسول الله و من خلفاؤك قال الذين يبلغون حديثي و سنتي ثم يعلمونها امتي و قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث اما اذا قامت عليه الحجة ممن يثق به في علمنا فلميثق به فهو كافر الخبر ، فكذلك الامر اليوم لا سبيل لنا الي الاطلاع علي اقوال نبينا و ائمتنا سوي الرجوع الي رواة حديثهم و بذلك امرنا امامنا عجل الله فرجه بقوله اما الحوادث الواقعة [ص 16] فارجعوا فيها الي رواة حديثنا و اذا كان السبيل منحصرا في سبيل واحد لايجوز التخلف عنه و من عدل عنه الي اتباع رأيه و هواه او هوي غيره ينكب عن الصراط المستقيم قال الله تعالي فماذا بعد الحق الا الضلال .
فصل - فيمن يجب تقليده . اعلم بعد ما عرفت وجوب التقليد ان الغرض منه الوصول الي ما اراد الله منا من الطاعات و العبادات و الاتصاف بصفات الشارع التي هي صفات الله و لا بد لمن نريد منه الايصال ان يكون بنفسه واصلا و من لميكن بنفسه واصلا كيف يمكنه ايصال غيره الي ما لميصل اليه بنفسه و من حاول الاهتداء بمن لميهتد بنفسه يضل لا محالة فيجب فيمن نقلده ان يكون بنفسه عالما عاملا متصفا بما اراد الله و لما كان الناس في درجات مختلفة في اجابة دعوة النبي صلي الله عليه و آله و منهم من سبق الي الايمان و منهم من تأخر عنهم جعل الله السابقين اسوة للآخرين ليهتدوا بهداهم و يقتدوا بهم و جعل السابقين واسطة [ص 17] و طريقا بينهم و بين ائمتهم عليهم السلام و قدر للمتأخرين ان يسيروا فيها ليصلوا الي ما اراد الله منهم كما قال تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين ، و ورد في تفسيره عن ابيجعفر عليه السلام فنحن القري التي بارك الله فيها و ذلك قول الله عز و جل فمن اقر بفضلنا حيث امرهم الله ان يأتونا فقال و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها اي جعلنا بينهم و بين شيعتهم القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و القري الظاهرة الرسل و النقلة عنا الي شيعتنا و ( و فقهاء شيعتنا خل ) شيعتنا الي شيعتنا و قوله و قدرنا فيها السير فالسير مثل للعلم سيروا به ليالي و اياما مثل لما يسير من العلم في الليالي و الايام عنا اليهم في الحلال و الحرام و الفرايض و الاحكام آمنين فيها اذا اخذوا عن معدنها الذي امروا ان يأخذوا منه آمنين من الشك و الضلال و النقلة من الحلال الي الحرام الخبر و ورد عن ابيعبدالله عليه السلام في [ص 18] معني القري الظاهرة قال عليه السلام هم شيعتنا يعني العلماء منهم انتهي ، فظهر من الآية الشريفة و تفسيرها ان العلماء هم الوسائط بيننا و بين ائمتنا عليهم السلام و قدر الله ان نأخذ عنهم فالواجب علي اهل كل درجة من المؤمنين ان يعرف من سبق عليه في تلك الدرجة ليأخذ عنه علوم آلمحمد عليهم السلام و يعمل بها حتي يستحق الترقي الي درجة ثانية و يعرف السابق في تلك الدرجة و يأخذ عنه و هكذا و لما كان الخلق اميين لايعرفون شيئا من الكتاب و الحكمة وجب في الحكمة ان يزكيهم و يرقيهم النبي درجة درجة و يعلمهم الكتاب و الحكمة شيئا فشيئا كما قال الله تعالي هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و ان كانوا من قبل لفي ضلال مبين و آخرين منهم لما يلحقوا بهم و هو العزيز الحكيم و كما ان الله جري حكمته بان يخلق الابدان و يكملها ثم ينفخ فيها الارواح كما قال تعالي [ص 19] و لقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله احسن الخالقين كذلك جري حكمته في خلق الايمان فيهم و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و الايمان رجل كما كتب الصادق عليه السلام الي المفضل ثم اني اخبرك ان الدين و اصل الدين هو رجل و ذلك الرجل هو اليقين و هو الايمان الخبر ، فقدر الله ان يوجد حججه ظاهر الايمان و بدنه في الناس اولا و بعد كمال البدن و تسويته يوجدوا روح الايمان فيهم كما قال الله تعالي استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم فوجب ان يكون القائدون رجالا اعتدل طباعهم و صفا مزاجهم و زكوا انفسهم بالعلم و العمل فصاروا بذلك احياءا بحيوة الايمان و ذكر الله و ذكر رسوله قد سوي ابدانهم بالاعمال الصالحة و شرحت صدورهم بما القي الله و رسوله فيها من الآيات [ص 20] البينات و صفت قلوبهم بما كتب الله فيها من الايمان و هوت افئدتهم اليهم بما فيها من ذكر الله و رسوله و اوليائه لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن هذا الذكر و قد شابهوا به اوائل جواهر عللهم و استحقوا بذلك الاذن بالرفعة من الله و ذكر اسمه فيهم و الدعوة اليه و الدلالة عليه كما ورد في الحديث ما مضمونه نحن الناس و شيعتنا اشباه الناس و ساير الناس نسناس و قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و من سما الي ما يرتقيه فقد تخلق بالاخلاق النفسانية و من تخلق بالاخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان الخبر ، و الصورة الانسانية هي صورة الله اي منسوب اليه كما ورد في الحديث ان الله خلق آدم علي صورته و هي صورة النبي صلي الله عليه و آله الذي هو اول الخلق و آدم الاول [ص 21] و العلة الغائية كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجموع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي الشاهد علي كل غايب و هي الحجة علي كل جاحد و هي الصراط المستقيم الي كل خير و هي الصراط الممدود بين الجنة و النار انتهي ، و تلك الرجال لما شايعوا النبي و اوصياءه و اتبعوا آثارهم و اقتدوا باعمالهم شابهوهم في تلك الصورة و صاروا شيعتهم حقا كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت اوائل جواهر عللها و اذا اعتدل مزاجها و صح منهاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد انتهي ، و لما ظهر فيهم الصورة الانسانية و اهتدوا بهداها صاروا من الذين قال الله تعالي اولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده فجعلهم الله حججا علي خلقه و ائمة و قادة بعد ائمتهم عليهم السلام لمن [ص 22] بعدهم من الابرار كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة المتقين في حديث يأتي تمامه ان شاء الله قال عليه السلام بل يقتدي بمن كان قبله من اهل الخير فهو امام لمن بعده من اهل البر انتهي ، و اوجب الله علي الموالين الذين لميبلغوا هذه الدرجة من اليقين و السبق الي الايمان ان يعرفوهم و يتبعوهم باحسان و جعل معرفتهم اصلا من اصول الدين بعد معرفة الله و رسوله و حججه عليهم السلام كما كتب الصادق عليه السلام الي المفضل ثم اني اخبرك ان الدين و اصل الدين هو رجل و ذلك الرجل هو اليقين و هو الايمان و هو امام امته و اهل زمانه فمن عرفه عرف الله و دينه و من انكره انكر الله و دينه و من جهله جهل الله و دينه و لايعرف الله و دينه و حدوده و شرايعه بغير ذلك الامام كذلك جري بان معرفة الرجال دين الله الخبر ، و لايوحشنك يا اخي تعبيري عن هذه الرجال بالائمة فان كل من يقتدي به الناس يسمي في اللغة اماما سواء كان [ص 23] دعوته الي الحق ام الي الباطل قال الله تعالي و جعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا و قال تعالي ائمة يدعون الي النار و لما كان ذكرهم في الحديث بلفظ الامام تأسيت بهم عليهم السلام في تعبيري عنهم بهذا اللفظ و لميكن مرادي انهم كالائمة الاثنيعشر صلوات الله عليهم نعوذ بالله بل هم دون درجتهم عليهم السلام و عبادهم عباد طاعة الا انهم فوق ساير الناس لشدة متابعتهم لمواليهم و قربهم منهم و ظهور نورهم فيهم و مرادي من هذه الرجال السابقون الي الايمان من المهاجرين و الانصار الذين هجروا السيئات و نصروا الله و رسوله و اهل بيته و اعد لهم و لتابعيهم الجنات و هم الذين قال الله فيهم و السابقون الاولون من المهاجرين و الانصار و الذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و اعد لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ذلك الفوز العظيم و قال تعالي فيهم السابقون السابقون اولئك المقربون و هم مثل سلمان الذي كان في الدرجة العاشرة من الايمان [ص 24] و ابيذر الذي كان في الدرجة التاسعة و مقداد الذي كان في الدرجة الثامنة و امثالهم صلوات الله عليهم و المراد من الذين اتبعوهم باحسان ساير الموالين المقلدين لهم و الآخذين عنهم و لما كان الموالون في درجات مختلفة في الاستباق الي الايمان و قري متقاربة و لميكن يمكن ان يدرك من في آخر درجات الايمان اولها كما قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله سبق بين المؤمنين كما يسبق بين الخيل يوم الرهان فضلهم علي درجاتهم في السبق اليه فجعل كل امرء منهم علي درجة سبقه الي ان قال عليه السلام ابي الله عز و جل ان يدرك آخر درجات الايمان اولها الخبر ، قدر الله لاهل القري ان يسيروا اليه في درجتهم و قريتهم التي يكونون فيها بهداية من يسبقهم في تلك الدرجة و يتعلموا منه و يخرجوا به من ظلمة جهلهم الي نور العلم الي ان يرفعهم الله الي درجة عليا و فرض عليهم طلب العلم كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله اطلبوا العلم فانه السبب بينكم و بين الله [ص 25] عز و جل و ان طلب العلم فريضة علي كل مسلم و قال ابوعبدالله عليه السلام طلب العلم فريضة في كل حال ، و فرض علي العلماء التعليم كما قال ابوعبدالله عليه السلام قرأت في كتاب علي عليه السلام ان الله لميأخذ علي الجهال عهدا بطلب العلم حتي اخذ علي العلماء عهدا ببذل العلم للجهال فان العلم كان قبل الجهل انتهي ، و لميخل و لنيخلو الارض من العلماء الداعين الي الله و الدالين عليه قال الله تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد ، و قال ابوجعفر عليه السلام ان الله لميدع الارض الا و فيها عالم يعلم الزيادة و النقصان من دين الله عز و جل فاذا زاد المؤمنون شيئا ردهم و اذا نقصوا اكمله لهم و لولا ذلك لالتبس علي المسلمين امرهم و عن يعقوب السراج قال قلت لابيعبدالله عليه السلام تبقي الارض بلا عالم حي ظاهر يفزع اليه الناس في حلالهم و حرامهم فقال لي اذن لايعبد الله يا ابايوسف و في تفسير الامام عليه السلام رواية عن ابيه عليه السلام لولا من يبقي [ص 26] بعد غيبة قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين اليه و الدالين عليه و الذابين عن دينه بحجج الله و المنقذين لضعفاء عباد الله من شباك ابليس و مردته و من فخاخ النواصب لمابقي احد الا ارتد عن دين الله و لكنهم الذين يمسكون ازمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها اولئك هم الافضلون عند الله انتهي ، و تلخص مما ذكرنا ان الله جعل السابقين من المؤمنين اسوة للمتأخرين و هم الذين اتبعوا آثارهم و اقتدوا باعمالهم و اتصفوا بصفاتهم و تصوروا بالصورة الانسانية و علي المتأخرين ان يقتدوا بهم و يتشبهوا بهم حتي يصيروا منهم كما قال النبي صلي الله عليه و آله قل من تشبه بقوم الا اوشك ان يكون منهم ، و لكن المتأخرين لما كانوا في الدرجات المختلفة و كل جماعة منهم يكونون من اهل قرية من قري الايمان يجب عليهم التشبه و الاقتداء بمن يكون في قريتهم اشبه بهم عليهم السلام فالعوام الذين هم في ادني الدرجات و ابعد القري عن تلك [ص 27] القري المباركات اذا ارادوا السير اليهم يجب عليهم ان يسيروا في القرية الاولي اي قرية الشريعة الظاهرة و يسعوا في معرفة من تقدم عليهم في هذه القرية و هو الفقيه الجامع لشرايط الفتوي علي ما يأتي ذكرها في الفصل الآتي ان شاء الله و يقلدوه فيما يروي لهم عن امامهم عليه السلام و يصححوا بهدايته اعمالهم و صورة عباداتهم و يداوموا علي العمل بها و يجتنبوا عن المحرمات و ما نهي الله عنه حتي يصير ظاهرهم كظاهر الانسان و لاتزعم ان جميع الناس ظاهرهم يكون كظاهر الانسان فانا لانعني بالانسان الا من كان مؤمنا و ساير الناس نسناس كما قال الله تعالي فيهم ان هم الا كالانعام بل هم اضل و قال فيهم كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة و شبه بعضهم بالنباتات و قال فيهم كأنهم اعجاز نخل خاوية و شبه بعضهم بالجمادات و قال فيهم قلوبهم كالحجارة او اشد قسوة و اما المؤمن الذي تابع النبي صلي الله عليه و آله في الاعمال الظاهرة يكون ظاهره [ص 28] كظاهر الانسان ثم من ترقي منهم و استعد لاصلاح مشاعره الباطنة و عرف ان لها ايضا تكاليف و ينبغي له اصلاح ذكره و فكره و علمه و هو الذي صلح للدخول في القرية الثانية اي قرية الطريقة الظاهرة و يجب عليه ان يعرف من تقدم عليه في هذه القرية و هو الذي يكون ذاكرا لله و رسوله متفكرا في آيات الله متعلما من علوم آلمحمد عليهم السلام مجتنبا عن متابعة العادات و الطبايع و الشهوات و الغضب و الالحاد و الشقاوة و كل ما نهي الله عنه من الامور الباطنة و هو كما يروي لسانه عن امامه يروي باخلاقه الباطنة عنه بالتخلق باخلاقه و هو الراوي عنه ظاهرا و باطنا فاذا عرفه المقلد هكذا يقتدي بما ظهر من صفات امامه فيه و يتصف بها و بذلك يصلح مشاعره الباطنة و يزكيها كما قد زكي ظاهره ثم من ترقي من اهل هذه القرية و استعد لادراك الحقيقة صلح للدخول في القرية الثالثة اي القرية الحقيقة الظاهرة و السير فيها و يجب عليه ان يعرف من تقدم [ص 29] عليه في هذه القرية و هو الحكيم الذي اخذ حكمته من آلمحمد عليهم السلام و صار عارفا بهم و بفضايلهم مقرا بها عاملا بمقتضاها حتي ظهر حبهم و حب اوليائهم و بغض اعدائهم في قلبه و عمل بمقتضاها بمشاعره الظاهرة و الباطنة فاذا عرفه المقلدون في هذه القرية و اتبعوه يتصف قلوبهم بما اراد الله من الاتصاف به و يصيرون عارفين بالله و برسوله محبين له و لاوليائه مبغضين لاعدائه و سمي هذه القري الثلثة بالظاهرة لان اهلها اهل الظاهر و يكون علومهم بالتعلم و الاستدلال لا بالمشاهدة و العيان و ما يخطئون اكثر مما يصيبون و مثلهم بالنسبة الي من فوقهم من المؤمنين كالاعمي و البصير و كما يقول البصير الاحمر مثلا الاعمي ايضا يتلفظ به و يقول الاحمر الا ان البصير يفهم ان الاحمر ما هو و الاعمي لايفهم معناه و ان جاهد جهده ثم فوق اهل الظاهر جماعة يسمون بالنجباء هم اهل القرية الرابعة و هم الذين يكون علومهم عن مشاهدة و عيان و يكون [ص 30] اعمالهم من طباعهم و ليس عملهم كعمل اصحاب الظاهر بالتكلف و مثلهم و مثل اعمالهم بالنسبة الي اهل الظاهر و اعمالهم يكون كالسراج و انواره و الجدار و استنارته فالسراج اينما ذهب يكون انواره معه و تصدر منه بلا تكلف و اما الجدار فاستنارته بالتكلف و لميدخل النور في بطونه و متي غاب عن السراج يظطلم و انسانيتهم بالنسبة الي الانسانية التي ظهرت في المؤمنين من اهل الظاهر هي كالانسان و شبحه في المرآة و ليس الشبح من المرآة حقيقة و لو زالت عن مقابلة الشخص يزول الشبح عنها و لو لميكن امثال تلك الشموس المضيئة في الدنيا لكانت تزول اشباح الايمان من قلوب الموالين ، و هم المؤمنون الذين قال علي بن الحسين عليه السلام فيهم لنور الامام في قلوب المؤمنين انور من نور الشمس المضيئة بالنهار و هم الذين ينورون قلوب المؤمنين و يحجب الله نورهم عمن يشاء و تظلم قلوبهم ، و هم الشيعة الذين قال اميرالمؤمنين عليه السلام خلق شيعتنا من شعاع نورنا ، فهم [ص 31] اصفياء ابرار متوسمون نورهم يضيء علي من سواهم كالبدر في الليلة الظلماء ، و هم العدول الذين قال النبي صلي الله عليه و آله يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد ه ، و هم الراوون حقيقة عن الامام عليه السلام لما اشتعل ظاهرهم و باطنهم بنور الامام عليه السلام ، و هم المعنيون بقول الحجة عجل الله فرجه اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله ه ، حقيقة و اولا و الروات الظاهرة من الفقهاء و العلماء و الحكماء هم الراوون عنهم ثانيا ان كانوا علي الحق ، و لايضر خفاء اشخاصهم عن ابصارهم لان علومهم و آدابهم مبثوثة في قلوبهم و نوروها بها كما قال اميرالمؤمنين عليه افضل صلوات المصلين في خطبة خطبها بالكوفة اللهم لا بد لك من حجج في ارضك حجة بعد حجة علي خلقك يهدونهم الي دينك و يعلمونهم علمك لئلايتفرق [ص 32] اتباع اوليائك ظاهر غير مطاع او مكتتم خايف يترقب ان غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم في دولة الباطل فلنيغيب عنهم مبثوث علمهم و آدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة و هم بها عاملون يأنسون بما يستوحش منه المكذبون و يأباه المسرفون الخطبة ، و هم الذين لو خلت الارض عنهم لانقطعت آثار النبوة و لميعبد الله ابدا و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول بشر المخبتين بالجنة بريد بن معوية العجلي و ابوبصير ليث بن البختري المرادي و محمد بن مسلم و زرارة اربعة نجباء امناء الله علي حلاله و حرامه لولا هؤلاء لانقطعت آثار النبوة انتهي ، و تأمل في معني هذا الحديث الشريف حيث جعل عليه السلام وجود هؤلاء شرط اتصال آثار النبوة بنا مع ان الامام عليه السلام بنفسه كان ظاهرا فبين بذلك الوساطة لهم و قال عليه السلام ان عندنا سرا من سر الله و علما من علم الله امرنا الله بتبليغه فبلغناه عن الله عز و جل الي ان ذكر عليه السلام اقواما من شيعتهم قبلوا [ص 33] ما بلغوا اليهم الي ان قال عليه السلام في آخر الحديث اللهم ان هؤلاء لشرذمة قليلون فاجعل محيانا محياهم و مماتنا مماتهم و لاتسلط عليهم عدوا لك فتفجعنا بهم فانك ان افجعتنا بهم لمتعبد ابدا في ارضك و صلي الله علي محمد و آله و سلم تسليما انتهي ، و هم الذين فاوضهم الائمة عليهم السلام في سرهم و منعونا عن التشكيك في رواياتهم كما ورد عن الحجة عجل الله فرجه في توقيعه الشريف لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا قد عرفوا بانا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم ، و هم الفقهاء بحقيقة الفقاهة يفهمهم الحق امامهم كما قال الصادق عليه السلام اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا فانا لانعد الفقيه منهم فقيها حتي يكون محدَّثاً فقيل له اويكون المؤمن محدّثاً قال يكون مفهّما و المفهّم المحدّث انتهي ، و هم العلماء بحقيقة العلم و آتاهم الله من لدنه علما كما قال الصادق عليه السلام ليس العلم بالتعلم انما هو نور يقع في قلب [ص 34] من يريد الله تبارك و تعالي ان يهديه فان اردت العلم فاطلب اولا في نفسك حقيقة العبودية الخبر ، و هم الحكماء بحقيقة الحكمة و الذين آتاهم الله خيرا كثيرا كما قال تعالي و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا ، و ورد في تفسير الحكمة في الآية الشريفة عن ابيعبدالله عليه السلام هي طاعة الله و معرفة الامام انتهي ، و هم الذين يكون معرفتهم من كمال معرفة الامام عليه السلام كما روي عن جابر بن يزيد الجعفي في حديث انه قال لعلي بن الحسين عليهما السلام الحمد لله الذي منّ عليّ بمعرفتكم و الهمني فضلكم و وفقني لطاعتكم و موالاة اوليائكم و معاداة اعدائكم قال صلوات الله عليه يا جابر اوتدري ما المعرفة المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا ثم معرفة الاركان خامسا ثم معرفة النقباء سادسا ثم معرفة النجباء سابعا و هو قوله تعالي قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر [ص 35] قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و تلا ايضا و لو ان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله ان الله عزيز حكيم انتهي ، و هم الذين اوجب الله محبتهم و لايعذب من احبهم و يدخل مبغضهم النار كما قال ابوعبدالله عليه السلام و الولاية للمؤمنين الذين لميغيروا و لميبدلوا بعد نبيهم واجبة مثل سلمان الفارسي و ابيذر الغفاري و المقداد بن الاسود الكندي و عمار بن ياسر و جابر بن عبدالله الي ان عد عليه السلام جماعة فقال عليه السلام و من نحا نحوهم و فعل مثل فعلهم و الولاية لاتباعهم و المقتدين بهم و بهديهم واجبة انتهي ، و هم من المؤمنين الكاملين الذين لو لميكونوا لمينظر الله الي اهل الارض و لرفع اليه الائمة عليهم السلام كما قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث و لو لميكن في الارض مؤمنين كاملين اذا لرفعنا الله اليه و انكرتموا الارض و انكرتموا السماء بل و الذي [ص 36] نفسي بيده ان في الارض في اطرافها مؤمنين ما قدر الدنيا كلها عندهم يعدل جناح بعوضة الحديث ، فبمثل هؤلاء ينبغي ان يقتدي الناس و يهتدوا بهداهم الا ان الناس لمايصلوا قريتهم و هم اليوم سائرون علي اختلاف درجاتهم في قرية الفقهاء و قرية العلماء و قرية الحكماء و لمايبلغ ايمانهم و تقواهم للدخول في قريتهم قال الله تعالي و لو ان اهل القري آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الارض و لكن كذبوا فاخذناهم بما كانوا يكسبون ، و قال ابوجعفر عليه السلام ان المؤمن بركة علي المؤمن و ان المؤمن حجة الله ، و عسي الله ان يأتينا بهم يوما كما وعدهم فقد روي عن ابيعبدالله عليه السلام في قوله عز و جل وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني و لايشركون بي شيئا قال القائم و اصحابه ، و عن علي بن الحسين عليه السلام انه [ص 37] قرء الآية وعد الله الذين آمنوا منكم الآية ، و قال هم والله شيعتنا اهل البيت يفعل الله ذلك بهم علي يد رجل منا و هو مهدي هذه الامة و هو الذي قال رسول الله صلي الله عليه و آله لو لميبق من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم حتي يأتي رجل من عترتي اسمه اسمي يملأ الارض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا انتهي ، و اذا عرف القائم عجل الله فرجه منا الايمان و التقوي يفتح علينا من سماء جوده بركات وجود امثال هؤلاء و يستخلفهم فينا و ليس علينا الا ان نعينوه بعفة و سداد و ورع و اجتهاد و الورع و الاجتهاد هو ان نترك اهواءنا و نجتهد في معرفة من جعله الامام عليه السلام هاديا لنا في قريتنا و لانشرك به احدا ممن لايدعو اليه و نسير بنور هدايته كما قدر الله لنا فمن كان من اهل قرية الشريعة يجب عليه طلب فقيه عالم عامل و يقلده فيما يروي له عن امامه و من كان من اهل الطريقة فليطلب عالما سالكا الي الله باقدام الاخلاق الحسنة و الصفات المرضية [ص 38] و يتبعه ليعلمه مما علم رشدا و من كان من اهل الحقيقة فليطلب حكيما عارفا بالله و رسوله و ائمته عليهم السلام محبا لهم و لاوليائهم و يرقي بسلم معرفته و محبته الي الدرجات العلي و لعلك عرفت مما مر ان الآخذين عن تلك الهادين في القري الثلثة يقلدون النجباء حقيقة و يأخذون عنهم و ان لميعرفوهم باشخاصهم لان نور الامام يصل اليهم اولا ثم يصل منهم الي قلوب الحكماء و العلماء و الفقهاء الظاهرة كما مر في حديث علي بن الحسين عليه السلام لنور الامام في قلوب المؤمنين انور من نور الشمس المضيئة بالنهار و هم الذين ينورون قلوب المؤمنين انتهي ، فما كان في قلوبهم من حق فهو مما رزقهم الله من هذه الابواب و القي في روعهم و ان هم بالنسبة اليهم الا كالمرآة بالنسبة الي السراج فما كان فيها من نور فهو من السراج و لااقول ان الحكماء و العلماء و الفقهاء يعرفونهم باشخاصهم في كل زمان بل اقول ما قال اميرالمؤمنين [ص 39] عليه السلام في صفة حجج ايام الغيبة و الهدنة ان غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم في دولة الباطل فلنيغيب عنهم مبثوث علمهم و آدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة و هم بها عاملون الخطبة ، خذها قليلا من كثير في امر من يجب تقليدهم اليوم و ازيدك ان فوق هؤلاء النجباء طائفة اخري يسمون بالنقباء و امرهم اجل و اعظم من ان يسطر في كتاب او يذكر في خطاب و هم الذين استووا و بلغوا اشدهم فآتاهم الله علما و حكما و كذلك يجزي الله المحسنين و النجباء هم اصحاب العلوم و هم اصحاب الحكوم و لكل من النجباء و النقباء ايضا في دائرتهم و قريتهم قطب يدور عليه رحاهم جعله الله حجته فيهم و امرهم الله بالرجوع اليه و الاخذ عنه كما جري سنته في القري السالفة بل في جميع الملك سنة الله التي قد خلت من قبل و لنتجد لسنة الله تبديلا قال الله تعالي و ان من امة الا خلا فيها نذير و رجوع الكل الي الامام عجل الله فرجه [ص 40] و سهل مخرجه و حسابهم عليه .
فصل - في علامات الذين يجب تقليدهم و قد مر في ما مر كثير من علاماتهم الكلية و نريد في هذا الفصل بيان بعض الجزئيات ، فاعلم ان المدار في التقليد علي ما نجوزه هو الاخذ برواية الروات لحصول العلم بقول الامام عليه السلام و لانقلد احدا غير المعصومين عليهم السلام و ليس ظن احد و لا عقل احد غيرهم حجة علينا قال الله تعالي و لاتطع منهم آثما او كفورا و نحن نقلد اي نأخذ الرواية عمن اجازوا عليهم السلام لنا بالاخذ عنه و يجمع الشروط التي شرطوا في جواز الاخذ عن الروات قول العسكري عليه السلام فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا علي هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه و ذلك لايكون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم انتهي ، و لا علينا ان نشرح فقرات قوله عليه السلام باستعانة ساير احاديثهم فاقول ان قوله عليه السلام من الفقهاء يؤذن بان من [ص 41] يجب الاخذ عنه ينبغي ان يكون فقيها و الفقه في اللغة بمعني الفهم فعلينا ان نرجع الي من يفهم كلامهم و يكون له من العلوم بقدر فهم ظاهر كلامهم من علم العربية و لغتها و صرفها و نحوها و فنون العلوم الادبية من علم المعاني و علم البيان و غيرهما بقدر ما يفهم به ظاهر الكتاب و السنة بلا تكلف كما يعرفهما العرب و يكون ممارسا في مطالعة الكتاب و السنة بحيث يفهم لحنهم عليهم السلام كما قال ابوعبدالله عليه السلام انتم افقه الناس اذا عرفتم معاني كلامنا و قال عليه السلام خبر تدريه خير من عشرة ترويها ان لكل حق حقيقة و لكل صواب نورا ثم قال انا والله لانعد الرجل من شيعتنا فقيها حتي يلحن له فيعرف اللحن و قال عليه السلام حديث تدريه خير من الف ترويه و لايكون الرجل منكم فقيها حتي يعرف معاريض كلامنا و ان الكلمة من كلامنا لتنصرف علي سبعين وجها لنا من جميعها المخرج انتهي ، فعليه ان يعرف بعد معرفة العربية ما يحتاج اليه في معرفة لحن [ص 42] الكتاب و الاخبار و يعرف من الآيات ناسخها من منسوخها و خاصها من عامها و محكمها من متشابهها و رخصها من عزايمها و مكيها و مدنيها و اسباب التنزيل و يعرف موارد التقية في كلامهم و يعرف ما اجمع عليه العامة و المشهور بينهم و غير هذه الامور مما هي شرط في معرفة لحنهم و من اهمها هو ان يكون له قريحة للتفقه و لا كل من حصل ما ذكرنا من العلوم يقدر علي التفقه الا ان يكون ذلك في طبعه لان التفقه صنعة كساير الصنايع كالشعر مثلا و رب رجل عرف العربية و حصل فنون الشعر من البديع و العروض و غيرهما لايقدر علي انشاء شعر واحد فكذلك التفقه لايقدر عليه من ليس من اهله و ليس له قريحته و لو حاوله يفسده لا محالة و اما قوله عليه السلام صائنا لنفسه ، يشعر بان قريحة التفقه لايكفي وحدها لجواز الاخذ عن صاحبها و اخرج عليه السلام بهذا الوصف من لميتصف به من الفقهاء [ص 43] لان التفقه و الفهم بمعناه المعروف ليس مما يخص المؤمنين فلرب يهودي مثلا يكون له من الفقه و الفهم و القريحة و الممارسة في كلماتهم عليهم السلام بحيث يمكنه التفقه لغة الا انه ليس ممن يجيز الامام عليه السلام الاخذ عنهم و لذا قال عليه السلام من كان من الفقهاء صائنا لنفسه و المراد منه هو ان يقي نفسه عما نهي الله عنه و يكون له تقوي يحجزه عن ارتكاب المعاصي و ان لميكن له تقوي لايمنعه شئ عن الكذب علي الله و رسوله مع انه قد فهم كلامهم ظاهرا و في الحقيقة نقول انه لميفهم كلامهم و لميعلم لان الله تعالي يقول انما يخشي الله من عباده العلماء فمن لميخش الله و لميتقه و لميصن نفسه عما نهي الله عنه لميعتقد به و ليس عالما به عند الله و يقين المرء يري في عمله و لرب رجل آمن بالله و رسوله الا ان ايمانه ضعيف و لايطيق حفظ نفسه عن دواعيها فهو ايضا ممن لايصلح الاخذ عنه بل ينبغي ان نأخذ عمن يكون له قوة ايمان يصون بها نفسه عما نهي [ص 44] الله عنه و يكون مجتنبا عما نهي الله عنه من الكباير غير مصر علي الصغاير حتي يصلح للاخذ عنه ان جمع فيه ساير الشروط و اما قوله عليه السلام حافظا لدينه ، فاوله ان يكون مسلما ثم مؤمنا اي شيعيا مقرا للائمة الاثنيعشر عليهم السلام مواليا لاوليائهم معاديا لاعدائهم في جميع مراتبه كما قال الباقر عليه السلام ان الله تعالي اعطي المؤمن البدن الصحيح و اللسان الفصيح و القلب الصريح و كلف كل عضو منها طاعة لذاته و لنبيه و لخلفائه فمن البدن الخدمة له و من اللسان الشهادة به و بهم و من القلب الطمأنينة بذكره و بذكرهم فمن شهد باللسان و اطمأن بالجنان و خدم بالاركان انزله الله الجنان انتهي ، ثم عليه ان يحفظ هذا الايمان الذي هو من نور امامه و به صار مؤمنا كما قال الرضا عليه السلام ان الله تبارك و تعالي خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته و اخذ ميثاقهم لنا بالولاية فالمؤمن اخو المؤمن [ص 45] لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة فاتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله الذي خلق منه و قال ابوعبدالله عليه السلام ان روح المؤمن لاشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها انتهي ، و شرط بقاء النور المواجهة للمنير حتي يصير محفوظا بحفظه و لو غفل عنه يفني ، فكذلك المؤمن الذي يريد حفظ دينه و ايمانه ينبغي ان يكون ذاكرا لله و رسوله و اوليائه متوجها اليهم في جميع حالاته و مراتبه شاهدا لهم باللسان خادما لهم بالاركان حتي يبقي دينه محفوظا بحفظهم و لو غفل عنهم يزول معني ايمانه ما دام غافلا عنهم و يحرم عن تأييدهم و تفهيمهم كما قال ابوالحسن عليه السلام ان الله تبارك و تعالي ايد المؤمن بروح يحضره في كل وقت يحسن فيه و يتقي و يغيب عنه في كل وقت يذنب فيه و يعتدي فهي معه تهتز سرورا عند احسانه و تسيخ في الثري عند اسائته الخبر ، و لذا قال الصادق عليه السلام لاتحل الفتيا لمن لايستفتي من الله بصفاء سره و اخلاص [ص 46] عمله و علانيته و برهان من ربه و اما قوله عليه السلام مخالفا علي هواه مطيعا لامر مولاه ، فاعلم ان الله سبحانه خلق الناس ذوي مراتب مختلفة بعضها فوق بعض ادناها اجسادهم الجمادية و فيها ارواحهم النباتية و فيها ارواحهم الحيوانية و الناس يشاركون في هذه المراتب الحيوانات ثم جعل لهم نفوسا ناطقة راكبة عليها و جعل لهم اسماعا و ابصارا و قلوبا و البابا و لما كان بدء خلقهم من الجمادية و النباتية و الحيوانية و نشأت ارواحهم العالية منها انصبغت بصبغها و انحرفت عن الفطرة الالهية و الصورة الانسانية التي احب الله ان يكونوا عليها و لما كانت لكل مرتبة من مراتبهم المنصبغة اهواء و اميال تدعون الي انفسها و لميرض الله لهم ذلك بعث الله اليهم النبيين مبشرين و منذرين فدعوهم الي فطرة الله التي فطرهم عليها و طلبوا من الناس ان لايبدلوها فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله و الانبياء و الحجج هم الناس كما ورد في [ص 47] الخبر نحن الناس و شيعتنا اشباه الناس و ساير الناس نسناس نعم جعل الله في المكلفين من صورة فطرتهم بالايادي الكونية بقدر ما اذا سئلوا اجابوا و هو جسد التوحيد و جسد الانسانية و به اقروا بالتوحيد الاجمالي و لئن سألتهم من خلق السموات و الارض ليقولن الله و به كانوا امة واحدة و بعث الله النبيين فيهم فطلبوا منهم ان يتركوا اهواءهم و آراءهم و اصباغهم التي انصبغوا بها من الاصباغ الجمادية و النباتية و الحيوانية و يعدلوا طبايعهم و يصفوا امزجتهم و ينصبغوا بصبغة الله التي هي دينه و يتصوروا بالصورة الانسانية التي هي صورتهم اي صورة الانبياء و الحجج عليهم السلام و يخرجوا عن الصور التي اكتسبوها من مراتبهم الدانية و اختلف الناس في درجات الاجابة لهم فمنهم من سبق الي الايمان بهم و هاجر معهم و خرج من تلك القري الظالم اهلها و منهم من نصر الله و رسوله و المهاجرين معه و منهم من اتبعهم باحسان فرضي الله [ص 48] عنهم و رضوا عنه و منهم من تأخروا عنهم و لميهاجروا السيئات كلا بل خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا و اعترفوا بذنوبهم عسي الله ان يتوب عليهم ان تابوا و رجعوا اليه من السبيل الذي جعل الله لهم و هو الرجوع الي تلك المؤمنين الاولين كما قال ابوالحسن العسكري عليه السلام سبيل الله شيعتنا ثم هؤلاء صنفان صنف منهم عامة المكلفين و صنف منهم العلماء الظاهرة نوعا و هم ايضا ثلثة اصناف فمنهم الفقهاء و منهم العلماء بالاصطلاح الخاص و منهم الحكماء و هؤلاء الثلثة وسائط بين العوام و السابقين الذين ادناهم النجباء و ينبغي للعلماء الظاهرة ان يرجعوا اليهم في الحوادث الواقعة و يأخذوا روايات امامهم عنهم و يوصلوها الي العوام و النجباء هم الروات عن الامام حقيقة بل هم بانفسهم رواية عن الامام كما ان الشعلة بنفسها رواية عن النار الغيبية و العلماء الظاهرة هم كالمرايا الصافية اذا ما اتقوا عن متابعة الهوي و خالفوها و اطاعوا امر مولاهم [ص 49] بالرجوع الي الروات عنه و الاقبال الي تلك الشعلات الراويات عن الامام الغايب عجل الله فرجه و استناروا بنورها حتي ظهر انوار الصفات الانسانية الساطعة من تلك الشعلات فيهم و بما اروا من الصورة الانسانية فيهم صاروا حاملين للرواية عن الامام و سموا بذلك رواة عنه فهم بقدر روايتهم و حكايتهم وقعوا في منازل من منازل الايمان كما روي عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال لي ابوجعفر عليه السلام يا بني اعرف منازل الشيعة علي قدر روايتهم و معرفتهم فان المعرفة هي الدراية للرواية و بالدرايات للروايات يعلو المؤمن الي اقصي درجات الايمان الخبر ، فمنهم من لميستنيروا بجميع مراتبهم بتلك الانوار بل استناروا بظاهرها بقدر ان يرووا عنهم الفاظ الروايات من دون دراية حقيقية لمعانيها لعدم استنارة بواطنهم بتلك الانوار فهم اذا صفت ظاهر مراياهم عن الاغبرة و حكوا الروايات كما هي يكونون ثقات في رواياتهم [ص 50] و يحصل العلم بالفاظ الروايات من رواياتهم فيؤخذ عنهم لما امرنا الامام عليه السلام بذلك و هم الرواة الظاهرة التي رووا الفاظ الروايات بالسنتهم او كتبوها في كتبهم نأخذ عنهم باردي القلب ثلجي الفؤاد و نترك ما رأوا اذا كانوا ممن لميصلح باطنهم لان دراية المعني شأن الباطن و الباطن اذا لميتصف لايحكي المعني كما هو كما قال الامام عليه السلام في كتب بنيفضال الذين توقفوا في امامة بعض الائمة عليهم السلام و لميستنر بواطنهم بنور الايمان قال الامام عليه السلام خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا و اما من ترقي منهم و نزل في منزل اعلي و شرح الله صدره بالتسليم للسابقين و صفا سريرته بمخالفة هواه و ازالة ما علي مرآة سريرته من اغبرة العادات و الطبايع و الشهوات و الغضب و الالحاد و الشقاوة و اطاع امامه بالاستفتاء من الرواة الحقيقية حتي حصل العلم له في مرآة سريرته و رواه بلسانه و فعاله و بذله للناس و لميأخذ عليه طمعا و لميشتر به ثمنا قليلا [ص 51] فهو من الفقهاء الذين وصفهم الامام عليه السلام و امر العوام بتقليدهم ثم من ترقي منهم و نزل في منزل اعلي و صفا مرآة قلبه و كتب الله في قلبه الايمان و آمن به و عرف به الله و رسوله و اولياءه و اقر بفضائلهم و كتب الله في صدره من الآيات البينات من التخلق بالاخلاق الروحانية حتي ظهر له العلوم النفسانية فكان ذكره ذكر الله و ذكر رسوله و اوليائه و فكره في آيات الله و علمه ما كان مأخوذا من اولياء الله و عقله عارفا بالله و رسوله و اوليائه و روي ما كتب الله في قلبه و صدره من آيات توحيده و فضايل حججه عليهم السلام بلسانه و بنانه و فعاله فهو من العلماء الذين قال رسول الله صلي الله عليه و آله فيهم فضل العالم علي العابد كفضل القمر علي ساير النجوم ليلة البدر و قال صلي الله عليه و آله النظر الي وجه العالم حبا له عبادة و قال صلي الله عليه و آله ساعة من عالم يتكي علي فراشه ينظر في علمه خير من عبادة العابد [ص 52] سبعين عاما و ذلك ان الشيطان يدع البدعة للناس فيبصرها العالم فينهي عنها و العابد مقبل علي عبادته لايتوجه فيها و لايشعر فيها و قال صلي الله عليه و آله ان الله تبارك و تعالي جعل لاخي علي بن ابيطالب فضايل لايحصي عددها الا الله فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرا بها غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و لو وافي يوم القيمة بذنوب الثقلين و من كتب فضيلة من فضائل علي بن ابيطالب لمتزل الملئكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم و من استمع الي فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع و من نظر الي كتابة في فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر ثم قال رسول الله صلي الله عليه و آله النظر الي علي بن ابيطالب عبادة و ذكره عبادة و لايقبل ايمان عبد الا بولايته و البراءة من اعدائه انتهي ، و قيل لابيعبدالله عليه السلام رجل راوية لحديثكم يبث ذلك الي الناس و يشدده في قلوب شيعتكم و لعل عابدا ليس له هذه الرواية ايهما افضل [ص 53] قال الراوية لحديثنا يبث في الناس و يشدد في قلوب شيعتنا افضل من الف عابد انتهي ، و هم الذين حثهم الله علي بر يتامي محمد و آلمحمد عليهم السلام كما ورد في تفسير الامام عليه السلام بعد ذكر اليتامي الظاهرة قال عليه السلام و اشد من يتم هذا اليتيم يتم يتيم ينقطع عن امامه لايقدر علي الوصول اليه و لايدري كيف حكمه فيما يبتلي به من شرايع دينه الا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا و هذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره الا فمن هداه و ارشده و علمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الاعلي حدثني بذلك ابي عن آبائه عن رسول الله صلي الله عليه و آله و قال علي بن ابيطالب عليه السلام من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا اخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم الي نور العلم الذي حبوناه به جاء يوم القيمة علي رأسه تاج من نور يضيء لاهل جميع تلك العرصات و عليه حلة لايقوم لاقل سلك منها الدنيا بحذافيرها ثم ينادي مناد يا عباد الله هذا [ص 54] عالم من تلامذة بعض علماء آلمحمد الا فمن اخرجه في الدنيا من حيرة جهله فليتشبث بنوره ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات الي نزهة الجنان فيخرج كل من كان علمه في الدنيا خيرا او فتح عن قلبه من الجهل قفلا او اوضح له عن شبهة انتهي ، و اوجب الله علي الناس التعلم منهم قال رسول الله صلي الله عليه و آله اطلبوا العلم و لو بالصين و عن ابيذر عنه صلي الله عليه و آله قال يا اباذر من خرج من بيته يلتمس بابا من العلم كتب الله له بكل خطوة ثواب شهيد و قال صلي الله عليه و آله يوزن مداد العلماء و دماء الشهداء يوم القيمة فلايفضل احدهما علي الآخر و لغدوة في طلب العلم احب الي الله من مأة غزوة و لايخرج احد في طلب العلم الا و ملك موكل به يبشره بالجنة و من مات و ميراثه المحابر و الاقلام دخل الجنة ه ، و الاخبار بهذه المضامين كثيرة .