ثم من العلماء من ترقوا عن هذه القرية و جاهدوا انفسهم [ص 55] الامارة بالسوء علي شهواتهم و صمتوا باسكات دواعيهم النفسانية و صاموا عن الاغذية الجمادية و النباتية و الحيوانية فحل في قلوبهم الحكمة و اورثوا معرفة الله و محبته و تنورت افئدتهم بذكر الله و ذكر رسوله و انبيائه و التواضع لهم فهوت اليهم و ظهر الصورة الانسانية التي هي الايمان بالله و رسوله و اوليائه في جميع مراتبهم و صاروا رواة لحديثهم بالسنتهم و صدورهم و قلوبهم و افئدتهم و فاقوا بمخالفة هواهم و اطاعة امر مولاهم اهل القري السابقة و وجب علي العوام الذين لميعلموا علمهم ان يقلدوهم و يتبعوهم و يزنوا علومهم بقسطاس علومهم المستقيم و هم الذين قال الصادق عليه السلام في صفتهم الحكمة ضياء المعرفة و ميزان التقوي و ثمرة الصدق و لو قلت ماانعم الله علي عبد بنعمة اعظم و انعم و ارفع و اجزل و ابهي من الحكمة قال الله تعالي يؤتي الحكمة من يشاء و من يؤتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا و مايذكر الا اولوا الالباب اي لايعلم ما اودعت [ص 56] و هيأت في الحكمة الا من استخلصته لنفسي و خصصته بها و الحكمة هي النجاة و صفة الحكمة الثبات عند اوايل الامور و الوقوف عند عواقبها و هو هادي خلق الله الي الله تعالي قال رسول الله صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام لان يهدي الله علي يديك عبدا خير لك مما طلعت عليه الشمس من مشارقها الي مغاربها انتهي ، و كفاك هذا الحديث الشريف في شأن الحكمة و اهلها فهم هادوا خلق الله الي الله تعالي يجب الاهتداء بهداهم و الاقتداء بهم و هم الذين يحببون الله الي خلقه بذكر آلائه لهم و يثبتون حب اولياء الله و بغض اعدائهم في افئدة الناس و يكتبون الايمان في قلوبهم بذكر صفاتهم و فضائلهم و يزكون انفسهم بتعليمهم العلوم الحقة و الاخلاق الحسنة و يحثونهم علي العمل بها و يعلمونهم العبادات الظاهرة ليصلح ظواهرهم فيصيروا كالانسان ظاهرا و باطنا و هم افضل من الفقهاء و العلماء الظاهرة كما ان العلماء افضل من الفقهاء الظاهرة و كلا وعد [ص 57] الله الحسني و تلخص مما ذكرنا ان العلة الغائية هي الصورة الانسانية التي هي اكبر حجة الله علي خلقه و الانسان الحقيقي الذي هو حجة الله هو النبي صلي الله عليه و آله و آله صلوات الله عليهم و هم الناس و شيعتهم علي قدر روايتهم عنهم و حكايتهم لصورتهم اشباه الناس الا ان السابقين اعني المؤمنين الكاملين كالنقباء و النجباء تشبهوا بهم ظاهرا و باطنا و العلماء الحقة الظاهرة علي اختلاف مراتبهم تشبهوا بهم ظاهرا و ما لميصلح ظاهر الناس بالتشبه بهم لايصلحون لظهور النقباء و النجباء لهم و ما لميسيروا في قرية الفقهاء و العلماء و الحكماء و لميعملوا بما يعلمونهم من روايات ائمتهم لايعرف النقباء و النجباء انفسهم اياهم و لميكلف العامة بمعرفة اشخاصهم و يكفيهم اليوم المعرفة النوعية بما ذكر من فضائلهم العلماء تمهيدا لمعرفة اشخاصهم عند بلوغ استعدادهم و استنانا بسنة الله التي قد خلت من قبل حيث كان يخبر الخلق بمجيء حججه قبل مجيئهم كما قال الله تعالي [ص 58] للملئكة اني جاعل في الارض خليفة و قال تعالي لهم اني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فاذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين و سنة انبيائه حيث كانوا يخبرون اممهم بمن يأتي من بعدهم و بيانات مشايخنا اعلي الله مقامهم لصفات النقباء و النجباء و علاماتهم كلها من هذا الباب و لمايحن وقت ظهورهم لقصورنا لا لتقصير منهم و لما كان علامات العلماء الحقة الظاهرة ايضا علاماتهم كما ان علامات شبح الانسان في المرآة هي علامات شخص الانسان لا فرق بينه و بينه الا ان ما فيهم هو الاصل و ما في العلماء الظاهرة هو الفرع نذكر هنا علاماتهم و هي علامات الانسانية و قد ذكرها اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث ذكر فيها صفات النفوس النباتية و الحيوانية و النفوس القدسية قال عليه السلام و الناطقة القدسية لها خمس قوي فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياء بالنفوس الملكية ( الكلية ظ ) و لها خاصيتان [ص 59] النزاهة و الحكمة و الكلية الالهية لها خمس قوي بقاء في فناء و نعيم في شقاء و عز في ذل و فقر في غناء و صبر في بلاء و لها خاصيتان الرضا و التسليم و هذه التي مبدؤها من الله و اليه تعود قال الله تعالي و نفخنا فيه من روحنا و قال يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية و العقل وسط الكل انتهي ، فكليات صفاتهم هذه الصفات و اما جزئياتها فكثيرة يجمعها ما قال اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين في صفة المتقين و انقلها لك يا اخي بطوله لكثرة محصوله فعن ابيعبدالله عليه السلام عن ابيه عليهما السلام قال قام رجل من اصحاب اميرالمؤمنين عليه السلام يقال له همام و كان عابدا فقال له يا اميرالمؤمنين صف لي المتقين حتي كأني انظر اليهم ، فتثاقل اميرالمؤمنين صلوات الله عليه عن جوابه ، ثم قال له ويحك يا همام اتق الله و احسن فان الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون ، فقال همام يا اميرالمؤمنين اسألك بالذي اكرمك [ص 60] بما خصك به و حباك و فضلك بما اتاك و اعطاك لما وصفتهم لي فقام اميرالمؤمنين صلوات الله عليه قائما علي قدميه فحمد الله و اثني عليه و صلي علي النبي و آله ثم قال اما بعد فان الله عز و جل خلق الخلق حيث خلقهم غنيا عن طاعتهم آمنا لمعصيتهم ( من معصيتهم خل ) لانه لاتضره معصية من عصاه منهم و لاينفعه طاعة من اطاعه منهم و قسم بينهم معايشهم و وضعهم في الدنيا مواضعهم و انما اهبط الله آدم و حواء عليهما السلام من الجنة عقوبة لما صنعا حيث نهاهما فخالفاه و امرهما فعصياه فالمتقون فيها هم اهل الفضايل منطقهم الصواب و ملبسهم الاقتصاد و مشيهم التواضع خشعوا لله عز و جل بالطاعة فبهتوا فهم غاضون ابصارهم عما حرم الله عليهم واقفين اسماعهم علي العلم نزلت انفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت منهم في الرخاء رضا منهم عن الله بالقضاء و لولا الآجال التي كتبت عليهم لمتستقر ارواحهم في اجسادهم طرفة عين شوقا الي الثواب و خوفا من العقاب عظم الخالق [ص 61] في انفسهم و وضع ما دونه في اعينهم فهم و الجنة كمن رآها فهم فيها متكئون و هم و النار كمن رآها فهم فيها معذبون قلوبهم محزونة و شرورهم مأمونة و اجسادهم نحيفة و حوائجهم خفيفة و انفسهم عفيفة و مؤنتهم من الدنيا عظيمة صبروا اياما قصارا اعقبتهم راحة طويلة تجارة مربحة يسرها لهم رب كريم ارادتهم الدنيا فلميريدوها و طلبتهم فاعجزوها اما الليل فصافون اقدامهم تالين لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا يحزنون به انفسهم يستترون به و تهيج احزانهم بكاءا علي ذنوبهم و وجع كلوم جراحهم و اذا مروا بآية فيها تخويف اصغوا اليها مسامع قلوبهم و ابصارهم فاقشعرت منها جلودهم و وجلت منها قلوبهم فظنوا ان صهيل جهنم و زفيرها و شهيقها في اصول آذانهم و اذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا اليها طمعا و تطلعت انفسهم اليها شوقا و ظنوا انها نصب اعينهم جائين علي اوساطهم يجدون جبارا عظيما مفترشين جباههم و اكفهم و ركبهم و اطراف [ص 62] اقدامهم تجري دموعهم علي خدودهم يجأرون الي الله في فكاك رقابهم اما النهار فحلماء علماء بررة اتقياء قد ( برأهم كذا ) الخوف امثال القداح ينظر اليهم الناظر فيحسبهم مرضي و ما بالقوم من مرض او يقول قد خولطوا فقد خالط القوم امر عظيم اذا فكروا في عظمة الله و شدة سلطانه مع ما يخالطهم من ذكر الموت و اهوال القيمة فزع ذلك قلوبهم فطاشت حلومهم و ذهلت عقولهم فاذا استقاموا بادروا الي الله عز و جل بالاعمال الزكية لايرضون الله بالقليل و لايستكثرون له الجليل فهم لانفسهم متهمون و من اعمالهم مشفقون ان زكي احدهم خاف ما يقولون و يستغفر الله مما لايعلمون و قال انا اعلم بنفسي من غيري و ربي اعلم مني بنفسي اللهم لاتؤاخذني بما يقولون و اجعلني خيرا مما يظنون و اغفر لي ما لايعلمون فانك علام الغيوب و ساتر العيوب و من علامة احدهم انك تري له قوة في دين و حزما في لين و ايمانا في يقين و حرصا علي العلم و فهما في فقه و علما في حلم و كسبا [ص 63] في رفق و شفقة في نفقة و قصدا في غني و خشوعا في عبادة و تحملا في فاقة و صبرا في شدة و رحمة للمجهود و اعطاءا في حق و رفقا في كسب و طلبا للحلال و نشاطا في الهدي و تحرجا عن الطمع و برا في استقامة و اغماضا عند شهوة لايغره ثناء من جهله و لايدع احصاء ما علمه ( احصاء عمله خل ) مستطيبا لنفسه في العمل و يعمل الاعمال الصالحة و هو علي وجل يمسي و همه الشكر و يصبح و شغله الذكر يبيت حذرا و يصبح فرحا حذرا لما حذر من الغفلة و فرحا لما اصاب من الفضل و الرحمة ان استصعبت عليه نفسه لميعطها سؤلها فيما فيه مضرته ففرحه فيما يخلد و يدوم و قرة عينه فيما لايزول و رغبته فيما يبقي و زهادته فيما يفني يمزج العلم بالحلم و يمزج الحلم بالعقل تراه بعيدا كسله دايما نشاطه قريبا امله قليلا زلله متوقعا اجله خاشعا قلبه ذاكرا ربه خائفا ذنبه قانعة نفسه متغيبا جهله سهلا امره حريزا لدينه ميتة شهوته كاظما غيظه صافيا خلقه آمنا منه جاره ضعيفا كبره متينا [ص 64] صبره كثيرا ذكره محكما امره لايحدث بما يؤتمن عليه الا صدقا و لايكتم شهادة الاعداء و لايعمل شيئا من الحق رياءا و لايتركه حياءا الخير منه مأمول و الشر منه مأمون ان كان من الغافلين كتب من الذاكرين و ان كان من الذاكرين لايكتب من الغافلين يعفو عمن ظلمه و يعطي من حرمه و يصل من قطعه و لايعزب حلمه و لايعجل فيما يريبه و يصفح عما قد تبين له بعيدا جهله لينا قوله غائبا مكره قريبا معروفه صادقا قوله حسنا فعله مقبلا خيره مدبرا شره فهو في الزلازل وقور و في المكاره صبور و في الرخاء شكور لايحيف علي من يبغض و لايأثم فيمن يحب و لايدعي ما ليس له و لايجحد حقا هو عليه يعترف بالحق قبل ان يشهد عليه لايضيع ما استحفظ و لايتنابز بالالقاب لايبغي علي احد و لايهم بالحسد و لايضر بالجار و لايشمت بالمصائب سريع للصواب مؤد للامانات بطيء عن المنكرات يأمر بالمعروف و ينهي عن المنكر لايدخل في الامور بجهل و لايخرج عن [ص 65] الحق بعجز ان صمت لميغمه الصمت و ان نطق لميقل خطاءا و ان ضحك لميعد صوته سمعه قانعا بالذي قدر له لايحمج به الغيظ و لايغلبه الهوي و لايقهره الشح و لايطمع فيما ليس له يخالط الناس ليعلم و يصمت ليسلم و يسئل ليسلّم و يسئل ليفهم و يبحث ليعلم لاينصت للخير ليفخر به و لايتكلم به ليتجبر علي من سواه ان بغي عليه صبر حتي يكون الله الذي ينتقم له نفسه منه في عناء و الناس منه في راحة اتعب نفسه لآخرته و اراح الناس من نفسه بعد من تباعد عنه بغض و نزاهة و دنو من دنا منه لين و رحمة فليس تباعده بكبر و لا عظمة و لا دنوه بخديعة و لا خلابة بل يقتدي بمن كان قبله من اهل الخير فهو امام لمن خلفه من اهل البر قال فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها فقال اميرالمؤمنين عليه السلام اما والله لقد كنت اخافها عليه و امر به فجهز و صلي عليه و قال هكذا تصنع المواعظ البالغة باهلها فقال قايل فما بالك انت يا اميرالمؤمنين فقال ويلك ان [ص 66] لكل اجلا لنيعدوه و سببا لايجاوزه فمهلا لاتعد فانه انما نفث هذا القول علي لسانك الشيطان انتهي ، فاذا عرفت رجلا هكذا فاعلم انه الرجل كل الرجل نعم الرجل فبه فتمسك و بسنته فاقتد و الي ربك به فتوسل فانه لاترد له دعوة و لاتخيب له طلبة و ان عرفت رجالا متصفين بهذه الصفات فبايهم اقتديت اهتديت لان كلهم اصحاب النبي صلي الله عليه و آله حقا بشرط ان يصدق بعضهم بعضا و يحب بعضهم بعضا و ان رأيت ان بعضهم لايصدق الآخر و يبغضه فاعلم ان احدهما او كليهما طالب او طالبان للدنيا لان المؤمنين اخوة و ليس بين الاخوة في الله تباغض و تحاسد و تنازع و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول اذا قال المؤمن لاخيه اف خرج من ولايته و اذا قال انت عدوي كفر احدهما لانه لايقبل الله عز و جل من احد عملا في تثريب علي مؤمن نصيحة و لايقبل من مؤمن عملا و هو يضمر في قلبه علي المؤمن سوءا و لو كشف الغطاء عن الناس فنظروا [ص 67] الي وصل ما بين الله عز و جل و ما بين المؤمن خضعت للمؤمنين رقابهم و تسهلت لهم امورهم و لانت لهم طاعتهم و لو نظروا الي مردود الاعمال من الله عز و جل لقالوا مايتقبل الله عز و جل من احد عملا انتهي ، فاذا رأيت الرجلين يتباغضان و يتحاسدان و يتنازعان فاعلم ان احدهما خالف امامه و اتبع هواه يقينا و ما لمتعرف المتقي منهما لاتجعلهما وسيلة بينك و بين الله و جاهد في معرفة من وصف لك امامك و جعله اماما لك بعده و اتبعه و صل حبلك بحبل الله المتين و وعد الله المؤمنين المجاهدين فيه ان يهديهم سبله قال الله تعالي الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، و قال الامام عليه السلام سبيل الله شيعتنا و اعلم ان الله لايخلف الميعاد و قدر في كل زمان ان يكون عالم ظاهر حي و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول ان الارض لاتخلو من ان تكون فيها حجة عالم ان الارض لايصلحها الا ذلك و لايصلح الناس الا ذلك و عن ابيجعفر عليه السلام قال لنتخلو الارض من [ص 68] رجل يعرف الحق فاذا زاد الناس فيه قال قد زادوا و اذا نقصوا منه قال قد نقصوا و اذا جاؤوا به صدقهم و لو لميكن ذلك كذلك لميعرف الحق من الباطل ، و الاخبار في هذا المعني متواترة و الظاهر انه لو وجد رجال بهذه الصفات المذكورة لايتركون الاولي لانفسهم و اذا رأي احد منهم ان غيره اعلم منه بعلم امامه يتبعه و يقتدي به كما مر في ذيل حديث همام « يقتدي بمن كان قبله من اهل الخير » الي ان ينتهي الامر الي واحد منهم و لايأخذهم الانفة عن تقليد غيرهم اذا وجدوه اهلا له و لايقولون كما قال قوم طلبا للرياسة ان الرجل اذا بلغ درجة الاجتهاد يحرم عليه التقليد غافلين عن ان فوق كل ذي علم عليم مع انه لميرد بهذا التحريم كتاب و لا سنة و انما حرم ذلك عليهم استكبارهم و اجماعهم علي متابعة هواهم و لكن امثال هؤلاء المتقين لما لميتعلموا العلم ليصرفوا به الناس الي انفسهم لايأبون عن رفع من رفعه الله بالعلم و التواضع له و يخافون ان لاينظر الله اليهم يوم القيمة [ص 69] كما قال النبي صلي الله عليه و آله من تعلم علما ليماري به السفهاء او ليباهي به العلماء او يصرف به الناس الي نفسه يقول انا رئيسكم فليتبوأ مقعده من النار ان الرياسة لاتصلح الا لاهلها و من دعا الناس الي نفسه و فيهم من هو اعلم منه لمينظر الله اليه يوم القيمة ، بل مثل هؤلاء لايرون لانفسهم علما في جنب ما يجهلون فضلا عن ان يدعوا انهم اعلم الناس و يمنعوا الخلق عن تقليد غيرهم و قد ورد عن النبي صلي الله عليه و آله من قال انا عالم فهو جاهل ، نعم لما كان الناس قد اخذوا في السير الي الله من عالم الكثرة و هم راكنون الي طبايعهم المختلفة المتكثرة قدر الله الحكيم مداراتهم لئلايتلاشي بنيٰهم و امر نبيه صلي الله عليه و آله بالمداراة بهم و ان يدعوهم الي الوحدة شيئا بعد شئ قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون و لاجل ذلك لميمنع الائمة عليهم السلام مواليهم الضعفاء عن الرجوع الي المختلفين بل اوقعوا بانفسهم الخلاف بينهم حفظا لرقابهم و مداراة [ص 70] لبنٰهم الضعيفة و هم اعلم بمصلحة غنمهم و اجازوا لاصحابهم الرواة لحديثهم ان يفتوا للناس في زمان واحد و به افتي مشايخنا اعلي الله مقامهم و عليه العمل اليوم و لعل الله يحدث بعد ذلك امرا و ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و ليس علينا الا الرد اليهم و التسليم لهم كما ورد عن ابيعبدالله عليه السلام في حديث لو اذن لنا لعلمتم ان الحق في الذي امرناكم فردوا الينا الامر و سلموا لنا و اصبروا لاحكامنا و ارضوا بها و الذي فرق بينكم فهو راعيكم الذي استرعاه الله خلقه و هو اعرف بمصلحة غنمه في فساد امرها فان شاء فرق بينها لتسلم ثم يجمع بينها ليأمن من فسادها و خوف عدوها في آثار ما يأذن الله و يأتيها بالامن من مأمنه و الفرج من عنده عليكم بالتسليم و الرد الينا و انتظار امرنا و امركم و فرجنا و فرجكم الخبر ، و ما علينا اليوم الا ان نسعي في معرفة من يجوز تقليده و نجعله بيننا و بين الله . [ص 71] و اما ما يقال في جواز تقليد الميت و عدمه ان كان التقليد و الاجتهاد بالمعني الذي يقولون من ان المجتهد هو الذي يستفرغ وسعه لتحصيل الظن بالحكم الشرعي و يوجبون علي المقلد اخذ مظنون المجتهد و العمل به فنحن في عويل من تجويز العمل بمظنونه في حيوته فكيف به بعد مماته و بذلك المعني لانجوّز تقليد احد من الماضين و اما بالمعني الذي نقول من انه لا تقليد الا عن امام معصوم نحن لانقلد غير امامنا الحي و لانجعل بيننا و بين الله ميّتا و العلماء رواة لنا عن امامنا سواء نقلوا رواياته باللفظ او بالمعني و بصورة الفتوي و كلها قول امامنا و لايشترط في الرواية حيوة الراوي و عليه عمل جميع الشيعة بل جميع المسلمين حيث يعملون بالروايات مع ان رواتها قد ماتوا فنحن نعمل بالفاظ رواياتهم ان كانوا ثقات و اهلا للرواية و بمعاني الروايات اذا نقلوها بالمعني ان عرفناهم بانهم كانوا اهلا لدراية معناها و الفتوي عندنا هو رواية نقلت بالمعني سواء [ص 72] كان مستنبطا من رواية او روايات و لذلك نعمل بكتب فتاوي مشايخنا الماضين اعلي الله مقامهم لانا عرفناهم من اهل الدراية و عرفنا انهم لميثبتوا في كتبهم الا ما حصل لهم العلم بقول الامام عليه السلام و استنبطنا جواز هذا الاخذ اي الاخذ عن العلماء الماضين مما امرنا به ائمتنا عليهم السلام و من لميقدر علي هذا الاستنباط لقصور علمه و لتنازع الناس في المسألة فعليه ان يرجع في هذه الحادثة الواقعة الي رواة حديثهم لما امرنا الحجة عجل الله فرجه بالرجوع اليهم في توقيعه الشريف اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فيرجع الي راو حي يجب تقليده علي ما مر شرحه آنفا و يستفتيه فان امره بالاخذ بفتاوي عالم ميت يأخذ بها و ان منعه لايعمل بها بل يعمل بما يأمره و ليس معني تجويزنا تقليد الميت بالمعني الذي قلنا الاستغناء عن الفقيه الحي بالكلية لان كثيرا من الامور ليست بمذكورة في كتب الفتوي و لا بد فيها من الرجوع الي فقيه حي [ص 73] و ما هو مذكور ربما لايعرف معناه الا بدلالة الاحياء و لعلك عرفت مما مر من البيان ان الرواية الحقيقية عن الامام هي الصورة الانسانية و لوح كتابة ظاهر تلك الرواية هو ظاهر بدن الراوي من يده و لسانه و صفحة كتابه و لوح كتابة بواطن تلك الرواية هي بواطن الراوي من صدره و قلبه و فؤاده فما يناسب منها الصدور يكتب في الواح الصدور قال الله تعالي بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم و ما يناسب منها القلوب يكتب في الواح القلوب قال الله تعالي اولئك الذين كتب الله في قلوبهم الايمان و ما يناسب منها الافئدة يكتب علي الواح الافئدة و كتب الفتوي تناسب ظواهر الروايات و لاتصلح لكتابة المعاني عليها بالخطوط المعنوية فالباقي من رواية الراوي بعد موته هو ظاهر الرواية و بدنها و اما بواطنها فتذهب بذهابه و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث بعد ذكر من ليسوا من دعاة الدين قال عليه السلام كذلك يموت العلم بموت حامليه ، ثم تداركه بقوله بعده [ص 74] فقال عليه السلام اللهم بلي لاتخلو الارض من قائم بحجة ظاهر او خاف مغمور لئلاتبطل حجج الله و بيناته و كم و اين اولئك الاقلون عددا الاعظمون خطرا بهم يحفظ الله حججه حتي يودعوها نظراءهم و يزرعوها في قلوب اشباههم ، الي ان قال عليه السلام اولئك خلفاء الله و الدعاة الي دينه هاي هاي شوقا الي رؤيتهم و استغفر الله لي و لكم انتهي ، انظر كيف بين عليه السلام ان العلم لايموت و لاتخلو الارض من حجة ظاهر و يحفظ الله بهم حججه حتي يودعوها نظراءهم و يزرعوها في قلوب اشباههم و هي امور لايمكن ثبتها و ايداعها الا في القلوب لا محالة و الي هذه الاشارة لاهل الاشارة في قول النبي صلي الله عليه و آله اني تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لنتضلوا كتاب الله و عترتي ، فبضم العترة الي الكتاب بين ان الكتاب حي بحيوتهم يجري فيمن يبقي من الائمة كما كان حيا به في زمانه ، و في قول الحجة عجل الله فرجه اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي [ص 75] رواة حديثنا ، و لميقل الي رواياتنا ، و في كلام اميرالمؤمنين عليه السلام مع الخوارج في الحكمين انا لمنحكم الرجال و انما حكمنا القرآن و هذا القرآن انما هو خط مسطور بين الدفتين لاينطق بلسان و لا بد له من ترجمان و انما ينطق عنه الرجال الخبر ، و ليست كتب الفتوي باشرف من القرآن و هي بالاحتياج بان ينطق عنها الرجال اولي ، و ان قال قائل فكيف تقول بجواز الاخذ بكتب فتوي السابقين مع انها ميتة بموت صاحبيها اقول انك ان عرفت حقيتها و حصل لك العلم انها قول امامك و سددك امامك و لميظهر لك خلافه حتي اعتقدت حقيتها فحينئذ تحيي الرواية بحيوة الامام بقدر ظهور نور تصديقه فيك و حصول اليقين لك و كذلك اذا لمتكن اهلا لمعرفة ذلك و سألت الفقيه عنها و افتي لك بالاخذ بها لما حصل له من اليقين بحقيتها فحينئذ تحيي بحيوة يقين الفقيه بحقيتها فان لميكن ذا و لا ذاك فهي ميتة كما اذا وجدت كتابا عتيقا مشتملا علي الفتاوي [ص 76] و لاتعرف صاحبها فحينئذ لايجوز لك العمل بها و بهذا افسر في المقام كلام مولاي جدي العلامة اعلي الله مقامه في مقدمة الجامع حيث قال اعلي الله مقامه : و نسأل الله التوفيق للاتمام و كون عملي هذا خالصا لوجهه ذي الجلال و الاكرام و ارجوه ان يحفظني من الخطاء و الزلل فانه الرقيب المسدد المؤمل و ان يجعل كتابي هذا صدقة جارية مدي الدهر و منتهي الايام و ان يثيبني بكل من ينتفع به الي يوم القيام و ان لايكون كتابي هذا مما ينقرض بمرور الشهور و الاعوام . فانه اعلي الله مقامه دعا الله ان يحفظه من الخطاء و الزلل و يجري علي قلمه الحق ليري الفقهاء بعده حقيتها و يفتوا بالعمل بها و قد اجاب الله دعاءه و الحمد لله و كان مشايخنا الماضون من بعده يفتون بالاخذ بكتابه و عملنا اليوم عليه و بهذا يجمع بين قوله و قول السيد الاستاد اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه حيث لميكن يجوز ان يجعل الواسطة بين حيين ميتا و لو كان من عند غير [ص 77] الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و تلخص مما ذكرنا انه لا بد في كل زمان من عالم عامل راو لك حديث امامك بباطنه و ظاهره تقتدي به بجميع مراتبك و تتشبه بما فيه من نور امامك حتي تكون من الفائزين .
و اما قوله عليه السلام و ذلك لايكون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم ، فاعلم انك عرفت مما مر ان الايمان هو الصورة الانسانية التي كتبها الله باقلام حججه علي لوح وجود الاناسي الكونية و بالتصور بها يصيرون مؤمنين و بالتخلف عنها يصيرون كافرين فالمؤمن من نور الله كما قال الرضا عليه السلام ان الله تبارك و تعالي خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته و اخذ ميثاقهم لنا بالولاية فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة فاتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله الذي خلق منه انتهي ، و هذا النور لما وقع بدعوة الانبياء علي لوح ضماير الاناسي ظهر في كل مرتبة منهم بما يناسبهم و يكشف عنه قول النبي صلي الله عليه و آله القلوب [ص 78] اربعة صدر و قلب و فؤاد و لب فالصدر موضع الاسلام افمن شرح الله صدره للاسلام و القلب موضع الايمان اولئك كتب في قلوبهم الايمان و الفؤاد موضع المعرفة ماكذب الفؤاد ما رأي و اللب موضع الذكر و ليذكر اولوا الالباب انتهي ، و جري بما كتب في ضمايرهم علي ظاهر جوارحهم ما فرض الله عليها من العبادات كالصلوة و الصوم و ساير العبادات و المعاملات مع الخلق و غيرها فالانسان الشرعي هو ما يكون جميع مراتبه من نور الله فلو نقص عن ذلك شئ اما لايسمي بالانسان و اما يسمي به و لكن بصفة النقصان و من ليس بالانسان لايصلح للايتمام به و الانسان الناقص ايضا لايصلح للاقتداء به و هو اولي بالاقتداء من ان يقتدي به و يجب عليه معرفة كامل يجبر به كسر نقصانه قال الله تعالي افمن يهدي الي الحق احق ان يتبع امن لايهدي الا ان يهدي و اما الذين لايعدون من الاناسي عند الله فهم الذين خلت قلوبهم عن ذكر الله و نسوا الله فنسيهم و خلت افئدتهم [ص 79] و قلوبهم عن معرفة الله و معرفة اوليائه و محبتهم كما قال الامام عليه السلام الناس كلهم بهائم الا المؤمن و اشر منهم من عرف نعمة الله ثم انكرها و عرف اولياء الله ثم ابغضهم كما قال الله تعالي يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و قال تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم و هم النصاب الذين نصبوا العداوة لمحمد و آلمحمد عليهم السلام و ابغضوا اولياءهم فهم و ان اظهروا بعض الاعمال الصالحة و تعلموا بعض العلوم الصحيحة رياءا و سمعة لايصلحون للاقتداء بهم ابدا و هم الذين قال الصادق عليه السلام فيهم في ذكره لانواع الرواة عنهم و علماء السوء قال عليه السلام و منهم قوم نصاب لايقدرون علي القدح فينا يتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا و ينتقصون لنا عند نصابنا ثم يضيفون اليه اضعافه و اضعاف اضعافه من الاكاذيب علينا التي نحن برآء منها فيتقبله المسلمون من شيعتنا علي انه من علومنا فضلوا و اضلوا و هم اضر علي شيعتنا من [ص 80] جيش يزيد علي الحسين بن علي عليهما السلام و اصحابه فانهم يسلبونهم الارواح و الاموال و للمسلوبين عند الله افضل الاحوال لما لحقهم من اعدائهم و هؤلاء علماء السوء الناصبون المشبهون بانهم لنا موالون و لاعدائنا معادون يدخلون الشك و الشبهة علي ضعفاء شيعتنا فيضلونهم و يمنعونهم عن قصد الحق المطيب ( المصيب خل ) لا جرم ان من علم الله من قلبه من هؤلاء العوام انه لايريد الا صيانة دينه و تعظيم وليه لميتركه في يد هذا الملبس الكافر و لكنه يقيض له مؤمنا يقف به علي الصواب ثم يوفقه الله للقبول منه فيجمع له بذلك خير الدنيا و الآخرة و يجمع علي من اضله لعن الدنيا و عذاب الآخرة انتهي ، و ذكرهم اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته قال عليه السلام و آخر قد تسمي عالما و ليس به فاقتبس جهائل من جهال و اضاليل من ضلال و نصب للناس اشراكا من حبال غرور و قول زور و قد حمل الكتاب علي آرائه و عطف الحق علي اهوائه يؤمن من العظائم و يهون [ص 81] كبير الجرائم يقول اقف عند الشبهات و فيها وقع و يقول اعتزل البدع و بينها اضطجع فالصورة صورة الانسان و القلب قلب حيوان لايعرف باب الهدي فيتبعه و لا باب العمي فيصد عنه فذلك ميت الاحياء فاين تذهبون و اني تؤفكون و الاعلام قائمة و الآيات واضحة و المنار منصوبة الخطبة ، ثم اذا تنزلت منهم و عرفت انهم ليسوا بالمؤمنين بل و لا من المسلمين يكون هناك جمع آمنوا بالله و رسوله و اوليائه الا انهم ناقصون في معرفتهم بالله و رسوله و اوليائه و يقرون ببعض الفضائل و ينكرون بعضها فاولئك هداهم الله و نور قلوبهم بمعرفته و معرفة اوليائه ناقصوا الايمان و هم كما قيل لابيعبدالله عليه السلام ان عندنا قوما يقولون باميرالمؤمنين عليه السلام و يفضلونه علي الناس كلهم و ليس يصفون ما نصف من فضلكم انتولاهم فقال لي نعم في الجملة اليس عند الله ما لميكن عند رسول الله و لرسول الله عند الله ما ليس لنا و عندنا ما ليس عندكم و عندكم ما ليس عند غيركم ان الله [ص 82] وضع الاسلام علي سبعة اسهم علي الصبر و الصدق و اليقين و الرضاء و الوفاء و العلم و الحلم ثم قسم ذلك بين الناس فمن جعل فيه هذه السبعة الاسهم فهو كامل محتمل ثم قسم لبعض الناس السهم و لبعض السهمين و لبعض الثلثة اسهم و لبعض الاربعة الاسهم و لبعض الخمسة الاسهم و لبعض الستة الاسهم و لبعض السبعة الاسهم فلاتحملوا علي صاحب السهم سهمين و لا علي صاحب السهمين ثلثة اسهم و لا علي صاحب الثلثة اربعة اسهم و لا علي صاحب الاربعة خمسة اسهم و لا علي صاحب الخمسة ستة اسهم و لا علي صاحب الستة سبعة اسهم فتقتلوهم و تنفروهم و لكن ترفقوا بهم و سهلوا لهم المدخل الخبر ، فمن ينكر بعض الفضائل و ليس له السبعة اسهم ليس بكامل و هو ناقص لايصلح للاقتداء به لان المطلوب الكمال و الناقص لايصير ناقصا آخر كاملا و لايؤمن عليه ان يمنعك عن كثير من الاعمال الصالحة التي هي متفرعة علي فضيلة من الفضايل التي ينكرها [ص 83] ثم بعد ذلك جماعة من المؤمنين قد طلبوا الحق و لكن اخطأوه لعدم دخولهم من الباب الذي فتحه الله لهم و اتبعوا علماء العامة العمياء من حيث لايشعرون فسد عليهم باب العلم كما سد علي العامة العمياء الذين قال اميرالمؤمنين عليه السلام فيهم في خطبته ايتها الامة التي خدعت فانخدعت و عرفت خديعة من خدعها فاصرت علي ما عرفت و اتبعت اهواءها و ضربت في عشواء غوايتها و قد استبان لها الحق فصدت عنه و الطريق الواضح فتنكبته اما و الذي فلق الحبة و برء النسمة لو اقتبستم العلم من معدنه و شربتم الماء بعذوبته و ادخرتم الخير من موضعه و اخذتم من الطريق واضحه و سلكتم من الحق نهجه لنهجت بكم السبيل و بدت لكم الاعلام و اضاء لكم الاسلام فاكلتم رغدا و ماغال فيكم غايل و لاظلم منكم مسلم و لا معاهد و لكن سلكتم سبيل الظلام فاظلمت عليكم دنياكم برحبها فسدت عليكم ابواب [ص 84] العلم فقلتم باهوائكم و اختلفتم في دينكم فافتيتم في دين الله بغير علم و اتبعتم الغواة فاغوتكم و تركتم الائمة و تركوكم فاصبحتم تحكمون باهوائكم الخطبة ، و لما كان مدار العامة علي الاهمال و زعموا ان الله تركهم بعد رسول الله سدي مهملين و ارادوا ان يحصلوا العلم من غير الرجوع الي الائمة عليهم السلام سدت عليهم ابواب العلم و قالوا لايحصل لنا الا الظن و نعمل به مع ان الله تعالي قد نهاهم عن اتباع الظن في سبعين آية من كتابه و ذكر فيه ان الظن لايغني من الحق شيئا و نهاهم الرسول عنه في سنته و قال اياكم و الظن فان الظن اكذب الكذب و لميرعووا عن نهي الله و رسوله و حكموا باهوائهم و آرائهم فكذلك من تبعهم منا غفلة عن ان ما يتمشي في مذهبهم لايتمشي في مذهبنا و قد جعل الله لنا اماما حيا شاهدا معصوما مأمورا بابلاغ اوامره و نواهيه الينا و اقدره عليه و هو عجل الله فرجه قد اطاع امر ربه يقينا و اخبرنا عنه بقوله في توقيعه الشريف [ص 85] انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لنزل بكم اللأواء و اصطلمكم الاعداء فاتقوا الله و ظاهرونا علي انتياشكم انتهي ، و اعانه الله في كل قرن بعدول يجرون اوامره و نواهيه كما قال النبي صلي الله عليه و آله يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد انتهي ، و لميستعن بنا الامام عليه السلام في تبليغ ما امره الله به الا بان نعينه بعفة و سداد و ورع و اجتهاد كما ورد في التوقيع الشريف و ان كنا نائين عن مواطن الظالمين فغير خاف عنا ما يكون من اعمالكم فاعينونا بعفة و سداد و ورع و اجتهاد و لميجعل اجتهادنا سوي معرفة رواتهم الثقات و الرجوع اليهم فاذا فعلنا ما امرنا به و يكون في وسعنا يتكفل عنا ما ليس في وسعنا و لميكلفنا الله به قال الله تعالي لايكلف الله نفسا الا وسعها و لكن ما ليس في وسعنا يكون في وسعه و اقدره علي ما كلفه به و لميستر عليه شيئا منه [ص 86] كما قال الصادق عليه السلام من زعم ان الله يحتج بعبده في بلاده ثم يستر عنه جميع ما يحتاج اليه فقد افتري علي الله انتهي ، و العجب انهم يزعمون ان الامام اهملنا و لايتصرف فينا و يخلي بيننا و بين ظنوننا و اهوائنا و يقولون ان الامام وجوده لطف و تصرفه لطف آخر و عدمه منا و ليس هذا القول ممن اعرض عن ذكر الله بعجب و لاادري هل نقص في قدرة الله و حكمته حيث منع الناس عن اقتفاء ما ليس لهم به علم و قال في كتابه لاتقف ما ليس لك به علم و ذم فيه من اتبع الظن ثم لميقدر علي ايصال امره اليهم بحيث يحصل لهم العلم باوامره و نواهيه ، ام اوصل الله اوامره و نواهيه الي نبيه و هو قد قصر نعوذ بالله في ابلاغه مع انه يقول في كتابه اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا ، او لميقصر و اودعه اوصياءه من بعده و هم قصروا في اطاعة امر الله و لميأمروا بالمعروف و لمينهوا عن المنكر نعوذ بالله ، ام يقولون ان الامام [ص 87] عجل الله فرجه لميطلع علي دس الداسين و تحريف المحرفين و كذب الكاذبين و سهو الساهين و نقول في زيارته السلام عليك يا صاحب المرئي و المسمع الذي بعين الله مواثيقه و بيد الله عهوده و بقدرة الله سلطانه ، ام يقولون اطلع الا انه لميقدر علي ابطال الباطل و احقاق الحق مع ان سلطانه يكون بقدرة الله ، ام قدر و عصي ربه نعوذ بالله مع انا نقول بعصمتهم عليهم السلام ، ام يقولون ان الله انزل دينا تاما علي نبيه و كلف الناس الي يوم القيمة ثم ذهب بنبيه و اوليائه و بدا له في حفظ دينه و جعل الامر للشيطان ليلعب بدينه كيف ما يشاء ما لهم كيف يحكمون ، انظر في قول الرضا عليه السلام في حديث العلل في علة لزوم وجود الامام قال عليه السلام و منها انه لو لميجعل لهم اماما قيما امينا حافظا مستودعا لدرست الملة و ذهب الدين و غيرت السنن و الاحكام و لزاد فيه المبتدعون و نقص منه الملحدون و شبهوا ذلك علي المسلمين لانا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع [ص 88] اختلافهم و اختلاف اهوائهم و تشتت انحائهم فلو لميجعل لهم قيما حافظا لما جاء به الرسول صلي الله عليه و آله لفسدوا علي نحو ما بينا و غيرت الشرايع و السنن و الاحكام و الايمان و كان في ذلك فساد الخلق اجمعين انتهي ، فهل تري بعد ذلك وجها لتجويز عدم تصرف الامام و لو كان غير متصرف لكان لنا عذر في التشكيك فيما يرويه الروات و لكنه لما كان متصرفا في الملك بامر الله و اوصل اوامره الي رواته الثقات بما كان رضا الله فيه و نفي بايدي عدوله عنها تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين وقع لنا في توقيعه الشريف لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا قد عرفوا بانا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم انتهي ، و ثق بقول امامك و لاتصغ الي الذين يقولون ما لايعلمون باقرارهم علي انفسهم و لاتشكك نفسك و لا غيرك فيما يرويه لك ثقاته و اعلم انها احكام الله و قد اوصلها اليك و امامك من ورائهم شهيد و العجب منهم انهم بعد ما يدعون [ص 89] انسداد باب العلم عليهم كيف يجترؤون علي الفتوي بمظنوناتهم بعد قول ابيجعفر عليه السلام من افتي الناس بغير علم و لا هدي من الله لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه انتهي ، و هلايحتاطون لانفسهم بان لايفتوا بما لايعلمون لئلايلحق بهم وزر من عمل بفتياهم و اما انت يا اخي فاحتط لدينك فانه اخوك و مصاحبك الي يوم القيمة و لاتتبع فيه اهواء قوم في دين الله مما ليس لهم من الله برهان عليه و اسع سعيك في معرفة رجال استضاء قلوبهم بنور العلم باحكام الله و استضيء بهم فان من لميجعل الله له نورا فما له من نور و ان اردت تفصيل القول في عدم انسداد باب العلم و انفتاح بابه راجع كتاب علم اليقين لمولانا العلامة الحاج محمدكريم خان اعلي الله مقامه ثم اعلم ان بعد هؤلاء الذين اشتبه الامر عليهم هداهم الله و ايانا صراطه المستقيم ان جماعة من هياكل الشيطان تلبسوا بلباس العلماء مكرا و خدعة طلبا للدنيا الدنية [ص 90] و شبهوا امرهم علي العوام منهم خرجت الفتنة و اليهم تعود و وصفهم الائمة عليهم السلام في اخبارهم و بينوا وجوه خدعهم و حذرونا عن الانخداع بهم كما قال علي بن الحسين عليه السلام اذا رأيتم الرجل قد حسن سمته و هديه و تماوت في منطقه و تخاضع في حركاته فرويدا لايغرنكم فما اكثر من يعجزه تناول الدنيا و ركوب المحارم منها لضعف بنيته و مهانته و جبن قلبه فنصب الدين فخا فهو لايزال يختل الناس بظاهره فان تمكن من حرام اقتحمه و اذا وجدتموه يعف عن المال الحرام فرويدا لايغرنكم فان شهوات الخلق مختلفة فما اكثر من ان ينبوا عن المال و ان كثر و يحمل نفسه عن شوهاء قبيحة فيأتي منها محرما فاذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدا لايغرنكم حتي تنظروا ما عقده عقله فما اكثر من ترك ذلك اجمع ثم لايرجع الي عقل متين فيكون ما يفسده بجهله اكثر مما يصلحه بعقله فاذا وجدتم عقله متينا فرويدا لايغرنكم حتي تنظروا امع هواه [ص 91] يكون علي عقله او يكون مع عقله علي هواه فكيف محبته للرياسات الباطلة و زهده منها فان في الناس من خسر الدنيا و الآخرة يترك الدنيا للدنيا و يري ان لذة الرياسة الباطلة افضل من لذة الاموال و النعم المباحة المحللة فيترك ذلك اجمع طلبا للرياسة حتي اذا قيل له اتق الله اخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم و لبئس المهاد فهو يخبط خبط عشواء يقوده اول باطل الي ابعد غايات الخسارة و يمده ربه بعد طلبه لما لايقدر عليه في طغيانه فهو يحل ما حرم الله و يحرم ما احل الله لايبالي ما فات من دينه اذا سلمت له رياسته التي قد تبقي من اجلها فاولئك الذين غضب الله عليهم و لعنهم و اعد لهم عذابا مهينا و لكن الرجل كل الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لامر الله و قواه مبذولة في رضاء الله يري الذل مع الحق اقرب الي العز الابد من العز في الباطل و يعلم ان قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه الي دوام النعيم في دار لاتبيد و لاتنفد و ان كثير ما يلحقه من سرائها ان اتبع هواه يؤديه الي [ص 92] عذاب لا انقطاع له و لايزول فذلكم الرجل نعم الرجل فبه فتمسكوا و بسنته فاقتدوا و الي ربكم به فتوسلوا فانه لاترد له دعوة و لاتخيب له طلبة انتهي ، و لاتخش يا اخي ان يشتبه عليك امر هؤلاء فيضلوك فان الله لو علم من قلبك انك لاتريد الا صيانة دينك و تعظيم وليك لايتركك في ايدي هذه الملبسين و يوقفك علي الصواب و ان الله لايهدي كيد الخائنين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و غاصبي حقوقهم و ناصبي شيعتهم و منكري فضائلهم اجمعين .
و قد فرغت من تسويد هذه الاوراق ضحوة يوم الاربعاء السابع و العشرين من شهر صفر من شهور سنة ١٣٩٢ في قرية احمدآباد من قري كرمان حامدا مصليا مستغفرا .
[ص 93]