تنبيه الغافلين
في احوال الشيخ الاوحد الشيخ احمد الاحسائي اعلي الله مقامه
من مؤلفات المرحوم المبرور السيد محمدهادي الموسوي الهندي رحمة الله عليه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلم علي محمد و آله الطيبين الطاهرين و شيعتهم المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين ابد الآبدين و دهر الداهرين .
اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني المقيد بقيد الآمال و الاماني محمدهادي بن المرحوم السيد محمدتقي الموسوي الهندي تغمده الله برحمته و اسكنه في جنته و حشره مع ساداته و مواليه انه قد امرني جناب عالي الجناب نخبة الانجاب و زبدة الاحباب العالم العامل و الفاضل الكامل مولانا الاجل الاكرم السعيد الشيخ عبدالحميد الاحسائي دام مجده و قام سعده نجل المرحوم المغفور العالم الرباني و الحكيم السبحاني شيخنا الاجل الامجد الشيخ محمد خلف العلامة الاقدس الشيخ حسين الشهير كنيةً بابيخمسين ان أؤلف رسالة في بعض احوالات العالم العامل و الفاضل الكامل عمدة العلماء الربانيين و زبدة الحكماء الالهيين شيخ الاسلام و المسلمين و قطب العلماء و غوث المتعلمين آية الله تعالي في العالمين النافي عن الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و كيد الكائدين وحيد عصره و فريد دهره الاكمل الاوحد الاجل و العيلم الانبل الامثل المسدد الممجد مولانا المرحوم الشيخ احمد بن المرحوم المغفور الشيخ زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامهما و رفع في الخلد اعلامهما و بعض اخلاقه الشريفة من زمان طفوليته الي زمان وفاته و انا مع ما كنت في فلوات الاضطراب [ص 3] و الوحشة هائما و في بحور الفلق ( القلق ظ ) و السهاد و سوء الحال عائما و اختلال الاحوال المستوعب اوقاتي الثلثة و اغتشاش الاحوال التاركي اقاسي مضاضة الغثاثة سلباني القيام بوظايف امتثال امره المباركة السطوع فلااكاد اصيب من المحاسن في افعالي و لو عفوا موقعا و كأنه ضرب بيني و بينها حجاب فلمتك متوقعا و كفي بما يشاهد من الاعتبار الوافي دليلا قائما و توارد الانباء مؤيد كاشف عن اقتضاء سار دائما الي ان رأيت انه ليس للعوائق و البلايا من انفصال بل هو مقصور علي نفاد ايامنا و تصرم الآجال مع ما يري من قصر المهل الذي لايغني معه طول الامل و ان الميسور لايسقط بالمعسور فشمرت عن ساق الامتثال و علي الله توكلي في المبدء و المآل منقولا بعضها عن الرسالة التي كتبها اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه في بعض احواله علي سبيل الاجمال بالتماس ولده الاعز التقي النقي الشيخ محمدتقي اعلي الله مقامه و بعضها عن الرسالة التي كتبها العالم العامل و الفاضل الكامل المرحوم الشيخ عبدالله نجل الشيخ الاجل الاوحد العلامة اعلي الله مقامه و بعضها عن الكتاب المبارك المسمي بدليل المتحيرين للعلم العلام و الحبر الفهام عمدة العلماء المحققين و زبدة الفقهاء المدققين سيد الحكماء و المتألهين عماد الملة و الدين ركن الاسلام و المسلمين الناقد البصير و المتبحر الخبير السيد العالم مولانا الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه و رفع الله في الخلد اعلامه و بعضها عن عدة من الثقات الذين لااشك في صدق كلامهم و ربما اشير الي اساميهم بعد ذلك مع ان كل ما نذكره في [ص 4] هذه الوريقات هو قليل من كثير من فضائله لأن فضائله غير محصورة و سجاياه معروفة مشهورة ،
هو البحر من اي النواحي اتيته فلجته المعروف و البحر ساحل
و سميتها تنبيه الغافلين و سرور الناظرين و رتبتها علي سبعة ابواب :
الباب الاول في نسبه اعلي الله مقامه و حال آبائه ،
الباب الثاني في احواله من صغر سنه الي زمان شبابه ،
الباب الثالث في كيفية ترقياته و ذكر بعض مناماته الصادقة ،
الباب الرابع في كيفية انتشار امره و عدد اسفاره و ما جري عليه من اهل زمانه الي وفاته و تاريخ وفاته (اع) ،
الباب الخامس فيما حدث بعد وفاته و الكرامات الظاهرة منه في حيوته و بعد وفاته ،
الباب السادس في عدد زوجاته و اولاده ،
الباب السابع في عدد رسائله و مصنفاته و مؤلفاته ،
فاستمع ماذا يقول العندليب حيث يروي من احاديث الحبيب
و لعمري ما فيه (اع) من الاوصاف كاف لاهل الانصاف و لا قوة الا بالله .
الباب الاول - في بيان نسبه و حال آبائه :
اما اسمه المبارك فهو احمد بن زينالدين بن ابراهيم بن صقر بن ابراهيم بن داغر بن رمضان بن راشد بن دهيم بن شمروخ بن صولة .
اما حال آبائه فان اكثرهم كانوا اهل البادية و مسكنهم البراري و الجبال و لميكونوا في صدد تعلم العلم و المعارف و سائر الفضائل و كانوا علي هذه الحالة يعاشرون اصنافهم و اجناسهم الي ان اراد الله سبحانه و تعالي بمشيته الكاملة ظهور ذلك الوجود الاوحدي من هذه الشجرة ليكون عبرة للناظرين و تصديقا لقوله عليه السلام ما معناه ليس العلم في السماء فينزل اليكم و لا في [ص 5] الارض فيصعد لكم بل هو مكنون مخزون فيكم تخلقوا باخلاق الروحانيين يظهر لكم فاتفق انه وقع مشاجرة و منازعة بين داغر و ابيه رمضان فترك داغر مجاورة آبائه و انتقل من ذلك المكان الي المطيرفي مع عيالاته و اثقاله و بقي هناك زمانا و عاشر العلماء و ارباب العقول و جالس مع من امر صاحب الشريعة (ع) بمجالسته حيث قال (ص) جالسوا من يذكركم الله رؤيته و يزيد في علمكم منطقه و يرغبكم في الآخرة عمله فصار يوما فيوما يزداد في قلبه محبة محمد و آلمحمد عليهم السلام و يترقي في درجات حبهم و ولايتهم الي ان ولد له ابراهيم و منه صقر و منه ابرهيم و منه زينالدين و ظهر من الشيخ زينالدين شمس وجود احمد ابنه في شهر رجب في السنة السادسة و الستين بعد المأة و الالف من الهجرة النبوية علي مهاجرها آلاف الثناء و التحية و تاريخ ولادته سنة ١١٦٦ : انقض ( انفض ظ ) المديفع .
الباب الثاني - في احوالاته من صغره الي اوان شبابه :
لما صار له من العمر سنتين جاء مطر عظيم و سيل غزير من الجبال حتي احاط الماء بجميع القرية و كان عمق الماء في المكان المرتفع ذراعين و نصف تقريبا و في ذلك اليوم تولد المرحوم المبرور الشيخ صالح نجل زينالدين (اع) و في اليوم الثالث وقعت بيوت القرية كلها لميبق فيها الا مسجدها و بيت عمته المسماة بفاطمة بنت ابراهيم الملقبة بحبابة و كان يقول (اع) اني اذكر تلك القضية بتمامها كأني رأيتها اليوم و لما صار له من العمر [ص 6] خمس سنين ختم القرآن و كان في اكثر اوقاته مشغولا بالتفكر و التذكر حتي انه كان يقول اني حين معاشرتي للاطفال كان جسدي معهم مشغولا باللعب و اللهو لكن في كل امر يحتاج الي الفكر كنت متقدما عليهم و سابقا لهم و اذا خلوت منهم كنت انظر الي العمارات الخربة و الجدران المنهدمة و الاوضاعات المتغيرة و اعتبر من ذلك و اقول في نفسي اين ساكنوه و اين عامروه و ابكي بكاء شديدا و علي ذلك جرت عادتي و في ذلك الزمان كان حسين باشا آل سياب والي الاحساء فغزاه محمد آل عزيز مع طائفته فحصروه و قتلوه و جلس محمد في مكانه و مامضي برهة من الزمان الا و مات محمد و جلس ولده علي آل محمد مكانه و كان شابا بالشجاعة موصوف و بالقوة معروف فلما استقر علي في مكانه غدره اخوه دجين آل محمد المكني بابوعرعر فقتله و كان مقتله قريبا من عين تسمي بحوراء يقول اعلي الله مقامه كنت امرّ علي مقتله و اعتبر من حاله و اقول اين ملكك و اين قوتك و اين شجاعتك و كنت ابكي بكاء كثيرا لما اري من الانقلابات و التغيرات و كان يقول ان القرية التي كنت فيها كان لاهله حرص كثير في الملاهي و الملاعب و لميكن فيهم احد يأمر بالمعروف و ينهي عن المنكر و يدعو الخلق الي الله و الي عبادته و يخوفهم عنه و لميعلموا شيئا من الحلال و الحرام و من كثرة حرصهم باللهو و اللعب كانوا يعلقون آلات اللهو علي ابواب بيوتهم و كل يفتخر علي غيره بكثرة المعلقات و كان لهم امكنة مخصوصة يجتمعون فيها للملاهي و الاشتغال باقسام المناهي و لميتركوا [ص 7] شيئا من آلات اللهو و اللعب و انواع المناهي الا و اتوا به و عملوه و كنت امر علي مجالسهم و اشمئز منهم و من عملهم و كان جسدي مع الاطفال و روحي معلقة بالعالم الاعلي فاذا خلوت استغرقت في الفكر و بكيت علي نفسي و عذلتها و منعتها من معاشرتهم حتي كدت في بعض الاوقات ان اهلك نفسي و ماكنت اعلم ان هذه الاعمال حلال ام حرام الا اني بالطبع كنت متنفرا و منزجرا من اعمالهم و صفاتهم لاني اري ان اعمالهم يشبه اعمال المجانين و السفهاء و كنت اتفكر في ان الله سبحانه لميخلق الخلق عبثا و لميخلقهم لاجل اللهو و اللعب و كان عقلي يحكم بلزوم الغاية للايجاد الا انه قاصر عن ادراكها و معرفتها و يضيق صدري من عدم المعرفة بالعلة الغائية و كنت علي هذه الحالة مشغولا بالتفكر و العبرة و الامتناع من معاشرة الاطفال و لزوم الخلوة الي ان اتاني يوم من الايام رجل من اقربائي و كان مشغولا باعمال الجهال فقال لي يا بن العم اني اردت نظم ابيات من الشعر و اريد الاعانة منك في ذلك و انا مع صغر سني و كوني عاريا عن ذلك اجبته الي ذلك فاظهر اوراقا فاخذتها من يده فرأيت فيها ابياتا منسوبة الي الشيخ علي بن حمّاد البحريني في مدح الائمة الاطياب صلوات الله عليهم و هي هذه :
لله قوم اذا ما الليل جنهم قاموا من الفرش للرحمن عُبادا
و يركبون مطايا لاتملّهم اذا هم بمنادي الصبح قد نادي
الارض تبكي عليهم حين تفقدهم لانهم جُعلوا للأرض اوتادا
هم المطيعون في الدنيا لخالقهم و في القيمة سادوا كل من سادا [ص 8]
محمدٌ و علي خير من خلقوا و خير من مسكت كفاه اعوادا
فلما قرأ الابيات تركه من يده تضجرا و قال من لميكن له من علم النحو شيء لميقدر علي انشاد الشعر فلما سمعت ذلك منه صار لي اشتياق في تحصيل علم النحو لانشاد الشعر و كان من اقربائي صبي و اُمّه بنت عم اُمي تغمدها الله برحمته اسمه شيخ احمد بن محمد آل ابن حسن يقرأ في النحو في قرية قريبة من قريتنا بينهما قدر فرسخ عند الشيخ الاديب الشيخ محمد بن الشيخ محسن فقلت له اي كتاب ينبغي ان يقرأه المبتدي في علم النحو قال عوامل الجرجاني فاخذت منه الكتاب و نسخت منه و كنت استحي من اظهار هذا الامر لابي لكن غلب عليّ الشوق لقرائة النحو خصوصا لانشاد الشعر فنمت يوما في حجرة ابي و اخذت الاوراق في كفي لعل ابي يأتي الي الحجرة و ينظر الاوراق في كفي و يعلم مرادي فدخل ابي و سئل امي ما في كف احمد قالت لاادري قال خذيها حتي اري فارخيت يدي حتي اخذتها من يدي فلما نظر في الاوراق قال هذه رسالة في النحو من اين له ذلك قالت ماادري فقال لها ارجعيها الي كفه فاتت بها و وضعتها في كفي و قمت من مقامي و اخفيت الاوراق كأني لااريد احدا يطلع علي ذلك فقال ابي من اين لك هذه الرسالة فقلت كتبتها فقال هل لك اشتياق الي تحصيل النحو فقلت من غير اختيار نعم فلما اصبح الصباح ارسلني الي شيخ محمد بن الشيخ محسن فاخذت في قرائة الاجرومية و العوامل عنده الي ان فرغت منهما و شرعت في تحصيل علوم اخر و لمّا لماجد في اثناء التحصيل شفاءً لقلبي [ص 9] انصرفت عن طلبه في الباطن و لكن في الظاهر كنت مشغولا به و كنت اجد في نفسي قلقا و اضطرابا كثيرا و اكثر الاوقات كنت مايلا الي الخلوة و العزلة عن الناس و احب الخروج الي البر و الجبال و كنت مستوحشا من مجاورة هذا الخلق المنكوس متفكرا في اوضاع الزمان و انقلاباتها معتبراً منها .
الباب الثالث - في كيفية ترقياته و ذكر بعض مناماته الصادقة :
كان يقول اعلي الله مقامه بينما كنت مشغولا بتحصيل العلم اذ رأيت في المنام شاباً و هو في سن خمس و عشرين سنة قد اتاني و جلس عندي و معه كتاب ففتح الكتاب و اخذ في تفسير قوله تعالي الذي خلق فسوّي و الذي قدر فهدي فقال خلق اصل الشيء يعني هيولاه فسوّي صورته النوعية و قدر اسبابه فهداه الي طريق الخير و الشر يعني من هذا النوع فانتبهت من نومي و انا معرض عن الدنيا و ما فيها و عن تحصيل العلوم الظاهرة و كلما كنت اعاشر الناس لماسمع منهم كلمة مما رأيته في المنام و لا كلمة من علم الفقه و الحديث فبقيت علي هذه الحالة برهة من الزمان جسمي مع الناس و انا مضطرب القلب و كأني اري داعيا يدعوني و لكن لمار شخصه و كان تزداد فيّ هذه الحالة آنا فآنا و يزيد وحشتي من الخلق الي ان هجرت اصحابي و اعتزلت عنهم و جلست كسر بيتي متبلبل البال لا اليف فآلف به و لا انيس فاستأنس به و شاهدت اشياء اعجز عن احصائها و مما رأيت رأيت جميع الناس قد صعدوا علي سطح دورهم لاجل مشاهدة امر فصعدت انا ايضا علي سطح داري فرأيت شيئا ما بين المغرب و الجنوب متصلا اعلاه الي السماء [ص 10] و اسفله معلق الي الارض و كان يقرب الي شيئا فشيئا الي ان قرب اسفله الي فلمسته فرأيته في غاية اللطافة و كنت انظر اليه فاذا هو جسمٌ كالبلور الابيض الصافي حتي كاد ان يخفي من شدة صفائه و كان منسوجا مثل الدرع و لميلمسه غيري و رأيت ايضا كأن الناس صعدوا علي سطوح دورهم و صعدت انا ايضا علي سطح داري و كنت انظر الي شيء قد نزل من السماء الا ان جهاته كانت متصلة بالسماء و وسطه محاذيا لدارنا فلمسته فكان جسما غليظا ثخينا و قصر جميع الايدي عن الوصول اليه و رأيت ايضا جبلا عظيما قد اتصل اطرافه الي السماء و حوله من جميع جوانبه رمال منهالة و كل الناس يعالجون في الصعود عليه فلميقدروا علي ذلك الا اني صعدته في طرفة عين الي ان انتهيت الي قلته و ذكر في الرسالة التي كتبها في احواله رأيت في منامي كأني دخلت مسجدا و فيه ثلاثة انفار و رأيت شخصا آخر قد سئل من اكبر هؤلاء الثلثة و قال يا سيدي كم اعيش في الدنيا فسئلته عن المسئول من يكون فقال هو الحسن بن علي عليهما السلام فاقبلت اليه و سلمت عليه و قبلت يديه و ظننت ان الرجلين الآخرين الحسين بن علي و علي بن الحسين عليهم السلام فقال الحسن عليه السلام ليس كما ظننت بل هما علي بن الحسين و ابنه الباقر عليهما السلام قلت يا سيدي كم اعيش في الدنيا قال خمس سنين او اربعة قلت الحمد لله و كأني اري نفسي في هذه الحالة نائماً علي قفاي و رأسي الي طرف قطب الجنوب و هم عليهم السلام قيام علي جانبي الايمن كالمصلّين علي الميت الا ان الحسن عليه السلام مما يلي [ص 11] رأسي فلما اظهرت الرضا بالقضا جلس (ع) عند رأسي و وضع فمه علي فمي فقال له علي بن الحسين (ع) اصلح ان كان فرجه خراب قال (ع) الفرج لايخاف منه و ان الله اعقمه ● و لكن الخوف علي قلبه فلما سمعت منه هذا الكلام اخذت بحجزته فوضع يده علي وجهي و مسح بها وجهي و صدري حتي احسست برودته في قلبي فرأيت نفسي قد وقفت و وقف (ع) فقلت له يا سيدي علمني شيئا اذا قرأته رأيتكم فقال داوم علي هذه الابيات اذا اردت رؤيتنا :
كن عن امورك معرضا و كل الامور الي القضا
فلربما اتسع المضيق و ربما ضاق الفضا
و لرب امر متعب لك في عواقبه رضا
الله يفعل ما يشاء و لاتكن متعرضا
الله عوّدك الجميل فقس علي ما قد مضي
ثم قال ايضا :
رب امر ضاقت النفس به جائها من قبل الله فرج
لاتكن من وجه روح آيسا ربما قد فرجت تلك الرتج
بينما المرء كئيب دنف جائه الله بروح و فرج
و كان يقرأ من الاول فقرة و من الثاني فقرة فقلت كيف هذا فقال عليه السلام قد يستعمل في الشعر هكذا فقلت يا سيدي هل رأيت القصيدة التي اولها :
الا انظرن يا خليلي بين احوالي في ايها هو احلي لي و احوي لي [ص 12]
فقال رأيتها و هي عجيبة الا انها ضائعة و ذلك انما قال عليه السلام ذلك لأني نظمتها في التغزل فقلت له انشاء الله تعالي انظم في مدحكم قصيدة ثم اني احببت انصرافهم لئلاانسي تلك الابيات و ثقة مني بوعده عليه السلام ثم اني ذات ليلة قعدت في آخر الليل لصلوة الليل و كان قريب بلدنا بلدا اسمها البابه و فيها نخلة طويلة جداً مارأيت منذ خلقت نخلة طولها بهذه و عليها حمامة راعبية و هي تنوح فذكرتني تلك الرؤيا و من رأيت فنظمت القصيدة في مدحهم عليهم السلام اولها :
بي العزا عز و جل الجلل و ماج مدمعي و ما احتمل ●
و هي موجودة و الحاصل اني بقيت اقرأ الابيات كل ليلة و اكررها و لااراهم عليهم السلام كم شهر ثم اني استشعرت انه عليه السلام مايريد مني قرائة الابيات و انما يريد مني التخلق بمعانيها فتوجهت الي الاخلاص في العبادة و كثرة التفكر و النظر في العالم و كثرة قرائة القرآن و الاعتبار و الاستغفار في الاسحار فرأيت منامات غريبة عجيبة في السموات و في الجنات و في عالم الغيب و البرزخ و نقوشا و الوانا تبهر العقول ثم انفتح لي رؤيتهم عليهم السلام حتي اني اكثر الليالي و الايام اري من شئت منهم علي ما اختار و اذا رأيت احدا منهم و انتبهت و انقطع كلامي قبل تمامه رجعت في النوم و رأيت ذلك الذي رأيته عند منقطع كلامي حتي اتممته الي ان آل الامر الي ان بعض يقولون لي ان اذا رأيتهم تسئل لنا الدعاء منهم و كنت افعل و قد ذكر اخي الشيخ صالح ان اذا رأيت القائم عليه السلام فاسئله لي الدعاء فرأيت [ص 13] القائم عجل الله فرجه و قلت له يا سيدي ان اخي صالحا يسئلك الدعاء فدعا له و قال في زوجته ولد ثم حملت زوجته بزينالدين ابنه و كنت في اول انفتاح باب الرؤيا رأيت الحسن بن علي عليهما السلام ابن ابيطالب فسئلته عن مسائل فاجابني ثم وضع فمه الشريف في فمي و بقي يمج علي من ريقه و انا اشرب و هو ساخن الا انه الذ من الشهد قدر نصف ساعة كل ذلك انا اشرب من ريقه ثم بعد كم سنة رأيت النبي صلي الله عليه و آله و قلت يا سيدي اريد ان اخلع الدنيا اصلا بحيث لااعرف فقال حالك هذا اصلح فشددت عليه في الطلبة فتغافلني و غاب عني فتجسّست عنه ثم وجدته و قلت له انا اريد منك هذا مرارا فمرة يقول هذا حالك اصلح و مرة يقول بعد حين فلما يئست من مطلبي قلت له اذاً زودني فرفع يمينه الشريفة و اراد ان يمسح بها وجهي و صدري قلت له مااريد هذا فقال لي ما تريد قلت اريد ان تسقيني من ريقك فوضع فمه علي فمي و مجّ عليّ من ريقه ماءاً الذّ من الشهد و ابرد من الثلج الا انه قليل و كنت انا و هو قائمين فضعفت لشدة اللذة و برد الماء فقعدت ثم قمت و هو يضحك من قعودي و ضعفي و سقاني مرة اخري كالاولي ثم مضي و الحاصل اني رأيت كثيرا الائمة عليهم السلام و ظني رأيت كلهم الا الجواد عليه السلام فاني متوهم في رؤيته (ع) و كل من رأيت منهم يجيبني في كل ما طلبت الا مسئلة الانقطاع فان جوابهم (ع) لي فيه كجواب النبي (ص) و كنت مدة اقبالي سنين متعددة مايشتبه علي شيء في اليقظة الا و اتي بيانه في المنام في اشياء [ص 14] مااقدر ضبطها لكثرتها و اعجب من هذا اني مااري في المنام شيئا الا علي اكمل وجه ما اريد في اليقظة بحيث ينفتح لي جميع ما يؤيد ادلّته و يمنع ما يعارضه و بقيت سنين كثيرة علي هذه الحال حتي عرفني الناس و اشتغلت بهم عن ذلك الاقبال و انسدّ ذلك الباب المفتوح فكنت الآن مااريهم عليهم السلام الا نادرا من الاحوال و كان من جملة هذه الامور النادرة اني رأيت اميرالمؤمنين عليه السلام في مجلس مشحون من العلماء و الاجلاء فلما اقبلت قام عليه السلام فقعدت عند النعال فقال اقبل ما هذا مكانك فقمت ثم قعدت قريبا فقال اقبل و لميزل عليه السلام يقربني حتي اقعدني في جانبه فكان مما سألته (ع) هل يجوز بيع الصُبرة فقال لا ثم ذكرت له (ع) حاجتي فقال انا ما في يدي شيء فقلت له نعم و لكني اتيت اليك من الذي بيني و بينك اريد مما اعرف من مقامك عند الله فلما قلت له (ع) ذلك قال انشاء الله يكون بعد حين انتهي ، و كلما اري منامات هي الهامات و اني اذا خفي عليّ شيء رأيت بيانه و لو اجمالا و لكني اذا اتاني بيانه في الطيف و انتبهت ظهرت لي المسئلة بجميع ما يتوقف عليه من الادلة بحيث لايخفي عليّ من احوالها حتي انه لو اجتمعت الناس مايمكنهم يدخلون علي شبهة منها و اطلع علي جميع ادلتها و لو اورد عليّ الف مناف و الف اعتراض ظهر لي محاملها و اجوبتها بغير تكلف و وجدت جميع الاحاديث كلها جارية علي طبق ما رأيت في الطيف لأن الذي اراه في المنام معاينة لاتقع فيه غلط و اذا اردت ان تعرف صدق كلامي فانظر في كتبي الحكمية فاني في [ص 15] اكثرها في اغلب المسائل خالفت جل الحكماء و المتكلمين فاذا تأملت في كلامي رأيت مطابقا لاحاديث ائمة الهدي عليهم السلام و لاتجد حديثا يخالف شيئا من كلامي و تري كلام الحكماء و المتكلمين مخالفا لكلامي و لاحاديث الائمة عليهم السلام حتي بلغ منهم الحال الي ان اكثرهم مايعرفون كلام الامام عليه السلام و يفسره بغير مراد المتكلم عليه السلام و لكن اذا اردت البيان فانظر بعين الانصاف لتعرف صحة ما ذكرت فاني مااتكلم الا بدليل منهم عليهم السلام و لقد كان بيني و بين الشيخ محمد بن الشيخ حسين بن عصفور البحراني رحمهم الله بحث كثير و اكثر الانكار عليّ ثم انصرفنا فلما جاء الليل رأيت مولاي علي بن محمد الهادي عليه و علي آبائه الطيبين و ابنائه الطاهرين افضل الصلوة و ازكي السلام فشكوت اليه حال الناس فقال عليه السلام اتركهم و امض فيما انت فيه ثم اخرج (ع) اليّ اوراقا علي حجم الثُمن و قال (ع) هذه اجازاتنا الاثنيعشر (ع) فاخذتها و فتحتها و اذا كل صفحة مصدرة ببسم الله الرحمن الرحيم و بعد البسملة اجازة واحد منهم عليهم السلام و كان مما امروني به و وعدوني به و وصفوني عليهم السلام به ما لايصدق به كل من سمع استعظاماً له و اني لست اهلا له حتي اني قلت للنبي صلي الله عليه و آله من القائل بذلك فقال (ص) انا القائل فقلت يا سيدي انت تعرفني و انا اعرف نفسي اني لست اهلا لذلك فلأي سبب قلت ذلك فقال (ص) بغير سبب فقلت بغير سبب فقال (ص) نعم اُمرت ان اقول كذا فقلت اُمِرتَ ان تقول كذا فقال (ص) نعم و اُمرت ان اقول ان [ص 16] ابن ابيمُدريس من اهل الجنة و كان رجلا من اهل بلادنا من جهال الشيعة و قال (ص) ايضا و اُمرت ان اقول ان عبدالله الغُويدري من اهل الجنة فقال صلي الله عليه و آله لاتغتر بان ظاهره خبيث فانه يرجع الينا و لو عند خروج روحه و كان عبدالله الغُويدري رجلا عشّارا من اهل السنة و الجماعة و لمنسمع منه شيئا من الخير الا انه كان يحب من السادة من اقاربنا و يخدمهم و يعظمهم و يكرمهم غاية الاكرام ثم بعد مدة تكلمت بهذا الكلام بمحضر جماعة من الشيعة فقال شخص منهم اسمه عبدالله ولد ناصر العطار و كان بينه و بين عبدالله الغُويدري صداقة و مواخاة فقال عبدالله الغُويدري شيعي فقلنا ليس بشيعي فقال والله انه شيعي و لايطلع عليه الا الله و انا و هو رفيقي و انا اعرفه و الحاصل من الاتفاق ان طوايف من البوادي اعتدوا علي طائفة من الشيعة من اهل القطيف و وقع بينهم حرب و اشتغال ● الشيعة باهل الاحساء و خرج من الاحساء عسكر لاعانة اهل القطيف علي البوادي و كان من جملة من خرج معهم عبدالله الغويدري فقُتل في جملة من قُتل فختم له بالشهادة في الدفاع عن المؤمنين و الحاصل ان من الامور الغريبة تعبير ما ذكرت من الرؤيا التي تقدم ذكرها فانه مما لايحسن بيانه خصوصا للجهال و الحساد و انا فان افتريته فعلي اجرامي و انا بريء مما تجرمون .
اقول و انا المؤلف و لقد عثرت علي كتاب كتبه (اع) لاحد من احبابه فيه بعض ما ذكرنا مع زيادة احب ذكرها :
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام الله عليكم و رحمة الله و بركاته ، اعلم اني [ص 17] كنت في اول عمري كثير التدبر و النظر في العالم و كان قلبي متعلقا باشياء لااعرف حقيقتها فرأيت ذات ليلة في الطيف الحسن بن علي بن ابيطالب و علي بن الحسين و محمد بن علي الباقر عليهم السلام و كان بيننا احوال و مخاطبات عجيبة طويلة فقلت له يا سيدي اخبرني بشيء اذا قرأته رأيتكم فقال لي عليه السلام قل هذه الابيات و واظبها :
كن عن امورك معرضا و كل الامور الي القضا
فلربما اتسع المضيق و ربما ضاق الفضا
و لرب امر متعب لك في عواقبه رضا
الله يفعل ما يشاء و لاتكن متعرضا
الله عودك الجميل فقس علي ما قد مضي
ثم قرأ :
رب امر ضاقت النفس به جائها من قبل الله فرج
لاتكن من وجه روح آيسا ربما قد فرجت تلك الرتج
بينما المرء كئيبٌ دنف جائه الله بروح و فرج
فانتبهت فبقيت اقرأ ذلك و لااري شيئا حتي اني تنبهت بانه لايريد مني مجرد قرائته و انما يريد ان اتخلق بمعني ذلك فتوجهت الي اصلاح النية و العمل و الانقطاع بالقلب الي الله و الي ما يرضيه لا غير و لميكن لي مقصود غير رضي الله فلما استمر بي الحال علي هذه الطريق انفتح لي باب المنام بانواع العجائب فلاتمر بي مسئلة في اليقظة الا و رأيت بيانها في المنام و كل حين ذكرت الائمة عليهم السلام في الطيف رأيتهم فان [ص 18] ذكرت واحدا معينا رأيته و ان ذكرتهم مطلقا كان لي الخيار فيمن اريد و هكذا حتي وقفت علي باب مأخذ ادعية اهل البيت عليهم السلام من القرآن و سمعت الخطاب من بعض الجمادات و لقد ورد عن الباقر عليه السلام انه قال ما من عبد احبنا و زاد في حبنا و اخلص في معرفتنا و سئل عن مسئلة الا و نفثنا في روعه جوابا لتلك المسألة و لقد فتح لي اشياء مااعرف اصفها للناس و كل ذلك من التخلق بمعني تلك الابيات المتقدمة فانت وفقك الله اذا اردت شيئا فاقبل علي الله علي النحو الذي امر به الشارع عليه السلام و تفهم قول الله تعالي اذكروني اذكركم و قوله تعالي نسوا الله فنسيهم و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و كتب احمد بن زينالدين في بلدة الحسين علي ساكنها آلاف التحية .
و رأيت بخط العالم العامل و الفاضل الكامل حجة الاسلام الميرزا اسمعيل الآقا التبريزي سلمه الله ما هذا لفظه عن الشيخ الاوحد الامجد الشيخ احمد الاحسائي اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه انه لقي في البصرة رجلاً من اهل الكمال و كان حاكما في البصرة فالتمس الشيخ (ره) منه التدريس في الحكمة فامتنع من ذلك و اعتذر باشتغاله بامر الحكومة فالتمس الشيخ (ره) منه بعد ذلك ان يمنحه بكلمات كليات من الحكمة تكون وصلة الي المطالب الحكمية علي سبيل الاجمال فقال لاتنظر الي الحركات انظر الي المحركات لاتنظر الي الاسباب انظر الي المسببات ان الحيوانات تسير الي الله في سلسلة الطول و الجمادات تسير الي الله في سلسلة العرض و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب انتهي ، قال الشيخ الاوحد رحمه الله فانحل بسماع تلك الكلمات من ذلك الرجل الكامل اكثر المشاكل التي كانت في بالي في المطالب الحكمية و انفتح لي [ص 19] ابواب من العلوم فسألته ان يرشدني الي طريق السلوك الي الله فقلت كيف الوصول الي الحق فقال الق الدنيا فخرجت من مجلسه و لميبق في قلبي شيء من محبة الدنيا انتهي ، حرره اسمعيل بن محمد عفي عنهما .
الباب الرابع - في كيفية انتشار امره و ذكر اسفاره و ما جري عليه من اهل زمانه الي وقت وفاته علي سبيل الاجمال :
كان في سنة ١١٧٦ ( ١١٨٦ ظ ) مضي من عمره الشريف عشرون سنة لما بلغ هذا المبلغ و عاشر اهل بلده لميجد فيهم من له اهلية الخوض و البحث في المسائل الالهية و الاسرار الربانية لأن اكثرهم كانوا من اهل السنة و الجماعة و كان طريقتهم التصوف و البعض القليل منهم كانوا من الشيعة و فيهم العلماء الا انهم كانوا قشريين لا ربط لهم بالحكمة فضلا عن اسرار الخلقة فلهذا هاجر و سافر الي العتبات العاليات لعله يجد اهلا لعلومه و ما رزقه الله من الحكمة فزار الحسين و ابيه عليهما صلوات الله و سلامه و حضر في مجالس العلماء و الفضلاء و عاشرهم حتي يعرف مقدارهم و درجتهم من العلم و كان من مشاهير العلماء و اساتيدهم في ذلك الزمان جناب الفاضل الكامل الآقا باقر و جناب العالم العامل الاوحدي آقا سيد مهدي و العالم الفاضل الشيخ جعفر بن الشيخ خضر و جناب السيد العالم الوفي الآقا مير سيد علي و لميكن في ذلك الزمان لجناب الشيخ جعفر و الآقا مير سيد علي اشتهار تام كاشتهار الاولين و بالجملة فكان يحضر في مجالس مباحثاتهم و هو كاحد من الناس و لميطلع علي حاله احد من الحضار فحضر (اع) يوما عند جناب السيد السيد مهدي و طلب منه الاجازة [ص 20] و لما لميكن لجناب السيد معرفة تامة بحال الشيخ تأمل و توقف فقال هل لك شيء من المصنفات فاظهر (اع) اوراقا كتبه في شرح التبصرة فلما نظر السيد فيها و تأمل قال يا شيخي ينبغي لك ان تجيزني فكتب السيد اجازة و سلمها اليه و كان قد صنف (اع) في تلك الايام رسالة في القدر فلما طالعها السيد اخذ في تعظيمه و تبجيله و اكرامه مع انه كان من مشاهير العلماء و مطاعا عند الكل و كلما دخل الشيخ (اع) بعد ذلك في مجلسه و ناديه كان لايتوجه و لايلتفت الي احد من حضاره و تلامذته الا الي الشيخ (اع) و يأخذ في مدحه و تعظيمه و كان يقول العجب كل العجب حيث اخرج الله تعالي و اظهر هذه الدرة من بين الاصداف ان هو الا آية من آيات الله الدالة علي قدرته تعالي لأنه نشأ في بلدة خالية من العلم و الحكمة و كان نهاية علمهم معرفة بعض مسائل الصلوة فظهور هذا الوجود الجامع الذي حاز كل الفضائل من هذه البلدة ليس الا فضلٌ من الله يؤتيه من يشاء و لقد اوتي الي السيد (اع) من بعد اشتهار امر الشيخ (اع) و طعن بعض المنافقين فيه كراريس من بعض رسائله و قيل له انظر ما تري فيها من حق او باطل فأخذها و جعلها عنده يومين و اتي بها يوم الثالث رافعا يديه الي السماء مستشهدا بالله و برسول الله صلي الله عليه و آله و باميرالمؤمنين و بفاطمة الزهراء و باقي الائمة عليهم السلام واحدا بعد واحد مسميا باسمائهم مستشهدا بهم و مقسما بحقهم انه مااعرف شيئا مما في هذه الكراريس من المطالب العالية و المقاصد السنية و ليس ادراكها شغلي و لا تلك المطالب فنّي و انا مااعرف [ص 21] الا المطالب الاصولية و الفرعية ما لي و الخوض في هذه اللجج الغامرة التي غرقت فيها سفن كثيرة مع ان السيد (اع) لميطلع الا علي قليل من كثير من فضائله فكان (اع) علي هذه الحالة في كمال الاكرام و الاعظام بينهم الي ان اصاب اهل العراق طاعون عظيم و تفرق كل الي جهة و ثغر و رجع (اع) الي وطنه فخطب مريم بنت خميس آل عصر و كانت موصوفة بالعفة و الجمال و الحسن و الكمال و كانت اول زوجاته و سيأتي ذكرها بعد ذلك انشاء الله فاقام اياما و اشتهر امره كالنار علي المنار و الشمس في وسط النهار و صار معروفا بين الانام و مرجعا للخاص و العام و كان يقول اعلي الله مقامه اني بعد معاشرتي مع الخلق انسدّت عليّ ابواب الرؤيا و لماتشرف بخدمة الائمة عليهم السلام الا قليلا ثم انتقل من بلده مع عياله و اثقاله الي بلدة البحرين و اقام فيها اربع سنين الي ان توفت فاطمة بنت علي بن ابراهيم جدة ولده شيخ عبدالله في سنة ١٢١٢ فتوجه الي العتبات و زار الائمة عليهم السلام و رجع الي البصرة و اقام فيها في محلة جسر العبيد في دار الحاج ابرهيم العطار الملقب بابيجلة و طلب عيالاته من البحرين الي البصرة و بعد توقفه اياما في البصرة توجه الي الذورق و في ذلك الزمان كانت حكومة الذورق لشيخ علوان بن الشيخ شاوه فاحسن سلوكه مع الشيخ (اع) و زاد في اجلاله و اكرامه و بقي علي هذه الحال سنتين الي ان حاصره الشيخ محمد بن الشيخ مبارك و اخرج الشيخ علوان و جلس في مجلسه فبقي الشيخ (اع) سنة اخر في ايام حكومة الشيخ محمد [ص 22] و خرج الوهابي لعنه الله في يوم الغدير في اوائل هذه السنة و هي سنة ١٢١٦ و دخل كربلا فقتل ما قتل و نهب ما نهب فوقع في السنة المذكورة منافرة بين الشيخ (اع) و بين الشيخ محمد بن الشيخ مبارك فتوجه ثانيا الي البصرة و اقام في محلة جسر العبيد في دار ابن بدران و مامضي الا برهة من الزمان حتي تنفر و تضجّر (اع) من هجوم الناس عليه و اجتماعهم لديه فتوجه الي حبارات التي هي من قري البصرة فتوقف اياما ثم عاد الي البصرة ثم خرج منها الي قرية مسمي بتنومة و توقف اياما ثم توجه الي النشوة الواقعة في جهة غرب التنومة و اقام هناك ثمانيةعشر شهرا و بالجملة لما كان متضجرا من معاشرة الناس و مخالطتهم كان ينتقل من قرية الي قرية و لميستقر في محل معين الي ان قال له السيد عبدالمنعم ابن السيد شريف الجزائري و كان من اجلاء السادات و من مشاهير تلك الصفحات اذا كنت مايلا الي العزلة و الانزواء تحول الي القرية الموسومة بصفاوة و هي لطايفة من ربيعة و هي محل حسن لأنها بعيدة من عبور الناس و مرورهم فتوجه (اع) مع عيالاته و اثقاله الي تلك القرية في سنة ١٢١٩ و اقام هناك سنة كاملة فلميوافق تلك القرية طبعه المبارك و رأي اهلها و ارضها من اخبث البقاع و انشأ قصيدة غراء في ذمها هذا مطلعه :
و اهل هذا الدهر ليس يسعد و هو لما نجمعه مسدد ●
فلهذا عزم علي الارتحال من تلك القرية مع ولده الشيخ عبدالله و ترك عيالاته مع ولده شيخ علي و امرهم بالبقاء الي ان يأتيهم امره و توجه الي [ص 23] القرية الواقعة علي شعبة من شعب الفرات الموسومة بشط الكار و هي للسيد احمد بن هلاله فنزل هناك و توقف فيها ثلثة ايام و توجه الي سوق الشيوخ و كان ابنه الشيخ محمدتقي ساكنا في السوق لتحصيل العلم فترك ولده الآخر الشيخ عبدالله مع اخيه لتحصيل العلم و توجه هو بنفسه الي البصرة و عين دارا لعيالاته و طلبهم و بعد ورودهم الي البصرة عزم علي التوجه الي العتبات و كان عزمه انه بعد انقضاء وطره من زيارة الائمة عليهم السلام يتوجه الي زيارة ثامن الائمة عليه و عليهم السلام فتهيأ و صحب معه من اولاده الشيخ علي و من اصحابه السيد صالح بن السيد سلمان المولوي الموسوي و السيد حسين بن السيد احمد الحسيني و الحاج خليفة ابن ديرم الاحسائي و من زوجاته مريم بنت خميس و آمنة بنت سيد احمد و كان ذلك في سنة ١٢٢١ و لما وصل الي السوق صحب معه ولده الشيخ عبدالله فتوجه من السوق الي السماوة و منه الي النجف الاشرف فزار زمانا هناك ثم توجه الي كربلا و بعد قضاء وطره من زيارة الحسين عليه السلام توجه الي الكاظميين عليهما السلام و ارسل ولده الشيخ عبدالله الي السوق لتحصيل العلم و بعد ما زار الامامين عليهما السلام عزم الي زيارة ثامن الائمة عليه السلام مع من كان معه و صار عبوره علي بلدة يزد و كان فيها من العلماء شيخ جعفر بن الشيخ خضر و غيره فلما دخل البلدة اشتهر خبره و ارتفع ذكره و علا قدره بين الناس و اكرموه في غاية الاكرام و حضره العلماء و اجتمعت الطلبة و الافاضل في مجلسه و رأو من اخلاقه و استفادوا و سمعوا من علومه و اسراره ما لارأته عين و لاسمعته اُذُن فرأوه بحرا مواجاً و تيارا من العلم [ص 24] متلاطما رجراجا لايساحل قعر علمه و لايبلغ كنه فهمه فانقادوا لامره و التمسوا منه ان يقيم عندهم فابي عن ذلك الا انه اوعدهم بالرجوع اليهم بعد قضاء الزيارة فلما قضي وطره من الزيارة رجع الي بلدة يزد لأن الكريم اذا وعد وفي فلما نظر علماء يزد و اهل الادب منهم الي فضله البارع و زهده البالغ و انه لايزاحم احدا و لاينازع احدا فيما عنده و بلدة يزد اذ ذاك كانت مجمع العلماء و معدن الفضلاء الذين عليهم العمل مذكورة اساميهم في كتاب المبارك المسمي بدليل المتحيرين انقادوا لجنابه و اعترفوا ببالغ فضله و بارع علمه و لميختلف عليه اثنان و كانوا يقدمونه علي انفسهم في كل حال يقتضي تقديم احد من العلماء كصلوة الجمعة و الاعياد و الجماعات و الجنايز و توقف عندهم اياما فلما عزم علي الترحال اخذ اهل البلد بالبكاء و النحيب و التمسوا منه و اصروا عليه ان يبقي عندهم مدة اخري فاجاب مسئولهم و اعطاهم مأمولهم و ارسل بعض عيالاته و السيد صالح و خليفة ابن ديرم مع ولده الشيخ علي الي البصرة من طريق شيراز و بهبهان و زورق و اقام هو (اع) مع بعض زوجاته و السيد حسين عندهم و اخذ في اظهار امر مواليه و ساداته فاشتهر امره يوما فيوما الي ان انتشر امره في جميع البلاد و عرفه اكثر العباد و وصل خبره الي السلطان بن السلطان فتحعلي شاه المبرور فاثّر حبه في قلبه و اشتاق الي زيارته و كتب اليه كتبا عديدة يظهر فيها ودّه و اشتياقه الي ملاقاته و لما كان اعلي الله مقامه بالطبع منزجرا عن ملاقات السلاطين و الوزراء و اهل الدنيا كان [ص 25] يعتذر منه باعذار الي ان بالغ في الاصرار و اصرّ في عدم الاعتذار و كتب كتابا بهذا المعني المعروض انه كان الواجب علي ان اتشرف بزيارة مقتدي الانام و مرجع الخاص و العام لأنك نورت مملكتنا بقدومك لكني معذور من الوصول الي خدمتك لأني لو اردت التوجه الي تلك البلدة لا بد و ان يصحبني عشرةآلاف من الجنود و العساكر و الوزراء و غيرهم و تلك البلدة واد غير ذي زرع و لو دخل فيه جنودي يبتلون اهل البلدة بالقحط و الغلا و تضيق عليهم امورهم و انت لاترضي بذلك يقينا و الا انا بنفسي اقل جاهاً و منزلة من ان اذكر في مجلسك فضلا عن التكبر عليك فالمتمني من حضرتكم ان تمنوا علينا بقدومكم بعد ورود كتابي اليكم و ان ابيتم عن ذلك فليس لي بُدّ من الوصول اليكم فاتوجه كما ذكرت و الامر لمن له الامر و ارسل الكتاب مع البريد فلما نظر (اع) الي الكتاب استصعب عليه الامر فلميجد بُدّا من التوجه الي وطنه و عزم علي الترحال الي شيراز و منها الي البصرة فلما اطلع اهل يزد علي ارادته و ضميره بالغوا في المنع و قالوا ان السلطان اذا سمع ذلك يظن ان اهل يزد هيئوا هذه الاسباب خوفا من توجه السلطان اليهم و يكونوا في مورد العتاب و العقاب ابداً و الشتاء مقبل و المسافرة في هذه الايام مستصعبة لكثرة الثلج و البرد و الامطار و نخاف ان يصيبكم الم و مكروه فالجئوه علي الاقامة عندهم ثم اجتمع اليه الاشراف و الاعيان فقالوا ما الحيلة في جواب مكتوب السلطان قال (اع) و انا حائر في ذلك لأني لو اعتذرت منه يتوجه الينا و يترتب عليه مفاسد كثيرة و لو اردت التوجه [ص 26] اليه اري الشتاء يمنعني من ذلك لأني لااتحمل البرد و صعوبة الطريق فقال جناب العالم الميرزا عليرضا اني اتعهد اليكم باني اصلكم الي طهران بحيث لاتري اَلماً و مكروها و اتحمل جميع زحماتكم و خدماتكم فلهذا عزم علي المسافرة و كان جناب الميرزا عليرضا في خدمته الي ان وصل الي طهران فلما سمع السلطان بقدومه اكرمه في غاية الاكرام و كل يوم يزداد حبه في قلبه و كان معتقدا بان طاعته واجبة و مخالفته كفر و اتفق انه كثرت الزلازل في ذلك الزمان في ملك الري و انهدم اكثر الاماكن و المساكن فرأي السلطان ليلة في منامه كأنّ قائلا يقول لولا وجود الشيخ في هذه البلدة لهلك اهلها بالزلزلة فقام من نومه فزعا مرعوبا و قص علي الشيخ رؤياه و زاد اعتقاده فيه و سئله عن مسائل فاجابه الشيخ (اع) و كتب رسائلا في جوابه و سيأتي ذكرها في باب تعداد مصنفاته انشاء الله فلما توقف اياما في طهران بدا له العزم علي الترحال فلما اطلع السلطان علي ما في ضميره طلب منه المجاورة عنده فلميجبه (اع) فبالغ السلطان في ذلك و بالغ الشيخ (اع) في الاباء و كان خاطره المبارك مشوشا من طرف كون عيالاته في البصرة و ما وقع من القتل و النهب من الوهابي في الطرق فاتفق اجتماعه يوما مع السلطان فطلب منه الاقامة عنده و ابي الشيخ عن ذلك فقال السلطان ان البصرة و اهلها ليس لهم قابلية لبقائك عندهم مع ان التقية موجودة في ذلك المحل و لمتتمكن من اظهار علمك لهم و لميتحمل اهلها الحكم و الاسرار الالهية المودعة عندك و لا بد لك من مكان تقدر علي ذلك [ص 27] و يكون لاهلها قابلية لتحمل ما عندك من العلوم فالاحسن و الاولي اقامتك في بلادنا فاجاب اعلي الله مقامه مسئوله و اعطاه مأموله ففرح السلطان فرحا شديدا ثم قال له المتمني منك ان تجعل هذه البلدة محل مجاورتك و مسكنك و لما كان (اع) مائلا الي العزلة و الانزواء و التوقف في بلدة طهران يحتاج الي المعاشرة مع الوزراء و الاعيان ابي (اع) من التوقف في تلك البلدة فاتفق اجتماعه يوما آخر مع السلطان فقال للشيخ ان اجبتنا الي التوقف فمرنا نخلو لك دارا تليق بك فقال لو اني اخترت البقاء عندك يتعطل امور سلطنتك فقال و لِمَ ذلك فقال لأن الرعية لما شاهدوا مرتبتي و جلالتي و محلي و منزلتي عندك يراجعوني في كل امورهم و يلتجئون الي و حماية المسلمين و قضاء حوائجهم عندي من الفرائض فلا بد لي ان اكون شفيعا لهم عندك و ح لايخلو من امرين اما تقبل شفاعتي او تردها ففي الاول يختل امر سلطنتك و حكومتك و في الثاني يلحقني الذل من ذلك فقال اذا كان ذلك فالامر موكول اليك فاختر من بلادنا بلدة تسكن فيها و يطمئن قلبك اليها فاختار البقاء في يزد لأنه رأي استعداد اهلها للعلوم و سماع الفضائل فامر السلطان باحضار الشاهزاده محمدعلي ميرزا و قال له تبعث بعض امنائك و عمالك الي خوزستان حتي يتوجهوا منه الي البصرة و يحملوا اثقال الشيخ مع عيالاته الي يزد معززين مكرمين فارسل الشاهزاده بعض عماله المسمي بميرزا شايق الي البصرة و كتب كتابا الي آقا ابراهيم و كان حاكما فيها بان عيالات الشيخ الاوحد يريدون الانتقال الي بلادنا [ص 28] فحين ورود كتابي عليك تبالغ في اكرامهم و احترامهم و ترسلهم الينا مع ما يلزم من حفظهم فلو تأذي او تألم احد منهم او ممن يتعلق بهم لاتلم الا نفسك و السلم و سلم اليه الكتاب و كتب الشيخ (اع) كُتُباً لولده الشيخ علي و غيره و سلمها اليه فتوجه ميرزا شائق في اوائل شهر ذيالقعدة سنة ١٢٢٣ الي البصرة و اخذ في التهيأ و حمل عيالاته و اثقاله الي بلدة يزد فتوجهوا الي يزد من طريق الاهواز و شوشتر و دزفول و خرمآباد و بروجرد الي كاشان و منه الي يزد الا انهم تأذوا في الطريق من كثرة البرد الي ان وردوا يزد في غرة صفر سنة ١٢٢٤ قبل تحويل السنة باربعة ايام باكرام و احترام فاشتهر امره اعلي الله مقامه في البلاد اشتهارا تاما و انقاد لامره جميع العلماء و الفضلاء و اخذوا يسئلونه عن مسائل غامضة من بلاد نائية فيكتب (اع) جوابهم و يكشف لهم الاسرار و ينشر فضائل محمد و آله الاطهار عليهم صلوات الله الملك الجبار علي قدر تحملهم و استعدادهم و بقي علي هذا النهج سنتين ثم عزم علي التشرف بخدمة ثامن الائمة عليه السلام و صحب معه ولده الشيخ علي و بعض من عيالاته و بعد قضاء وطره من الزيارة عاد الي يزد ايضا قال جناب العالم الشيخ عبدالله المرحوم نجل الشيخ الاوحد (اع) اني لما رأيت سلب التوفيق عني لعدم تشرفي الي زيارة ثامن الائمة عليه السلام و عدم مصاحبتي لوالدي اخذت في البكاء و النحيب و كنت اتمني و اطلب من الله ان يوفقني لزيارته عليه السلام فوقع في قلبي ان اغتسل و اصلي ركعتين و اطلب حاجتي من ربي فاغتسلت و توجهت الي [ص 29] ربي في كمال الذلة و المسكنة و الخضوع و الخشوع و دعوت راغبا راهبا و شرعت في الصلوة و قرأت هذه الابيات في قنوتي :