قال اعلي الله مقامه : و الصلوة علي السبب الخفيف الظاهر بالسبب الثقيل المستسر ببواطن مطالع الاشراق البيت الرفيع العالي القائم بالوتدين بل القائم به الوتدان المحوران جمعا و فرقا في كوني التكويني و التشريعي في رتبة التمييز و الافتراق .
اقول كثير من هذه الكلمات من اصطلاحات علم الموسيقي و العروض بمناسبة ان اكثر ما يستعمل الموسيقي في قراءة الاشعار و الابيات و هذا الشرح الشريف ايضا في شرح تلك الابيات فعبر عن المراد بتلك الالفاظ من باب براعة الاستهلال و من باب قول الشاعر :
اعبر عن خلي بليلي و تارة بهند فما ليلي عنيت و لا هندا
و من باب قوله تعالي تلك الامثال نضربها للناس لعلهم يعقلون و لا بد اولا من توضيح تلك الكلمات لعله نستعين به علي معرفة المراد و لا حول و لا قوة الا بالله قال السيد الاوحد اعلي الله مقامه في شرح الكتاب من قول الناظم :
هذا كتاب من غدا بيمينه يعطي الذي يرجو غدا و يؤمل [ص 143]
ان في هذا الكتاب علوما كثيرة و ذكر كثيرا منها الي ان قال الفصل الحادي و الثلثون في علم الموسيقي و فيه مباحث : المبحث الاول في حقيقة الموسيقي و سره و اصل مبدئه و منتهاه المبحث الثاني في ان هذا العلم اي ظهور هذه النغمات علي الطبيعي انما كان من الافلاك قد اظهرها فيثاغورث الحكيم بعد ان سمعها من حركات الافلاك المبحث الثالث ان هذا العلم مبني علي حدود ستة : الاول السبب الخفيف و هو حركة و سكون الثاني السبب الثقيل و هو حركتان الثالث الوتد المجموع و هو حركتان و سكون الرابع الوتد المفروق و هو حركتان بينهما سكون الخامس الفاصلة الصغري و هي ثلث حركات و سكون السادس الفاصلة الكبري و هي اربع حركات و سكون المبحث الرابع في نسبة هذه الحدود الي الافلاك الستة ما عدا الشمس فسبب الخفيف نسبة القمر و الثقيل نسبة العطارد و الوتد المجموع نسبة الزهرة و الوتد المفروق نسبة المريخ و الفاصلة الصغري نسبة المشتري و الفاصلة الكبري نسبة زحل المبحث الخامس في تفرع الاصوات و النغمات و الالحان المختلفة من المفرحات و المكدرات و المؤثرات و المنومات و المسكرات [ص 144] و المضحكات و المبكيات كلها من هذه الحدود الستة بجميع الاسباب و الاوتار و الفواصل و ملاحظة بعضها مع بعض اقول و قد صنف ابي العلامة اعلي الله مقامه في هذا العلم رسالة خاصة بديعة و قد عكس في نسبة الحدود الستة الي الافلاك و قال و لما كانت الافلاك مختلفة في القرب و البعد و الحركة في البعد ظهورها اقل و في القرب اكثر فالابعد له حركة و الاقرب يزداد حركة فيكون له حركتان و ثلثة و اربعة فكان نسبة حركة فلك زحل السبب الخفيف لانها ابعد و ابطأ و حركة الفلك المشتري السبب الثقيل و حركة فلك المريخ الوتد المجموع و حركة فلك الزهرة الوتد المفروق و حركة فلك عطارد الفاصلة الصغري و حركة فلك القمر الفاصلة الكبري اقول و لعله لا اختلاف بين القولين فان السيد الاوحد (اع) نظر الي الحركات في نفس الافلاك و ابي العلامة اعلي الله مقامه نظر الي ظهور الحركات من الافلاك في الارض و لا بد هنا من بيان حتي تعرف معني ما اقول و هو ان ظهور حركات الافلاك في الارض علي توالي البروج مختلف بداهة ففلك القمر يدور دورة في شهر تقريبا و عطارد و الزهرة في حدود سنة علي رأي المتقدمين و المريخ في [ص 145] سنتين و نصف تقريبا و المشتري في اثنتيعشرة سنة و زحل في ثلثين سنة و ظهور تلك الحركات علي هذا النحو انما ينطبق علي ما ذكره ابي العلامة (اع) بداهة فان كل اعلي ابطئ و اقل حركة و كل اسفل اسرع و اكثر حركة و لكنها في نفس الامر علي خلاف ما يترائي منها في الظاهر فان بعض الحكماء حقق في حركات الافلاك تحقيقا بديعا و هو ان اصل الحركة من فلك الافلاك علي خلاف توالي البروج في كل يوم و ليلة دورة و الافلاك الثمانية كلها تتحرك بتحريك فلك الافلاك علي تواليه الا انها بحسب قوابلها تتخلف عن العرش و تبطئ فيترائي منها انها تحركت علي خلاف توالي العرش و ليس الامر في الواقع كذلك و انما تخلف كل واحد منها عنه و بطؤه يظهر في صورة حركة الي وراء فالكرسي الذي هو اسرع الافلاك اجابة لتحريك العرش لشدة لطافته و شباهته لمادة العرش يتخلف عنه في كل ثلاثينالف سنة مقدار دورة و فلك زحل من بعده اشبه الافلاك به و الطفها فيتخلف في كل ثلثين سنة دورة و فلك المشتري من بعده اشبهها به فيتخلف في كل اثنتيعشر سنة دورة و فلك المريخ في كل سنتين و نصف و فلك [ص 146] زهرة و عطارد في حدود سنة و فلك القمر في كل شهر يتخلف دورة فهو ابطؤها حركة و يتبين هذا الامر في مسابقة الجياد دائرة فاسرعها جريا مثلا يسير ثلثة ادوار في ساعة و ابطؤ منه يسير دورتين في تلك الساعة و ابطؤ من الثاني يسير دورة في تلك الساعة فليس الثاني و الثالث هنا قد سارا الي وراء دورة و دورتين بل تخلف الثاني عن الاول دورة و تخلف الثالث عنه دورتين فالاول اسرعها حركة و الثاني من بعده و الثالث من بعده و هكذا يكون نسبة حركات الافلاك ففلك البروج اسرعها حركة بحيث لايتخلف عن العرش الا في كل ثلثينالف سنة دورة و فلك زحل من بعده اسرعها و فلك المشتري من بعده اسرعها الي ان القمر ابطؤ من الكل حتي صار يتخلف في كل شهر مرة و هذا بيان شريف لطيف موافق لحكمة الايجاد فما ذكره السيد الاوحد (اع) ان السبب الخفيف و هو حركة و سكون نسبة القمر و السبب الثقيل و هو حركتان نسبة عطارد و هكذا صحيح متين و لكنه بالنسبة الي الحركات في نفوس الافلاك مع قطع النظر عن ظهورها في الارض و ما ذكره ابي (اع) فهو من حيث ظهورها في الارض و كلاهما صحيح [ص 147] ثم انا نذكر بعض الامثال لتوضيح المراد و احسن ما نذكره كلام ابي اعلي الله مقامه في هذا المعني فان كلام الملوك ملوك الكلام ، قال روحي فداه :
اعلم ان الالحان كما عرفت من النغمات و النغمة صوت ممتد زمانا و الصوت لايحصل الا بالحركة و كل حركة في الحوادث بعدها سكون و به يحصل تعدد النغمات و تمايزها فالاصل في جميع النغمات الحركة و السكون فمن الحركة مادتها و بالسكون صورتها و تميزها عن غيرها و السكون سكونان سكون حقيقي و هو ضد الحركة و عدمها و سكون نسبي و هو الحركة الضعيفة بالنسبة الي الحركة القوية و كلاهما مستعملان في الايقاعات فنعبر في العروض عن الاول بعدم الحرف كالالف المفتوحة مثلا فهي حركة بعدها سكون ليس بعدها حرف و في الايقاع كنقرة واحدة و عن الثاني بحرف ساكن كقولك ام بفتح الالف و سكون الميم و في الايقاع بنقرة قوية و نقرة ضعيفة بعدها و بكليهما تتحقق الادوار و تحصل الفاصلة بين الدورين فالسكون المتخلل بين النقرتين ان كان بحيث لايتخلل بينهما نقرة فهو زمان ا و ان كان ضعف ذلك و يمكن تخلل نقرة واحدة فهو ب و ان كان ثلثة امثاله [ص 148] و يمكن تحلل نقرتين فهو ج و ان كان اربعة امثاله و يمكن تخلل ثلث نقرات فهو د و ان كان خمسة امثاله و يمكن تخلل اربع نقرات فهو ه فالزمان الاول و الخامس قليل الاستعمال و الثاني و الثالث كثير الاستعمال لان المراد من اللحن ارتسام النغمات في الذهن ففي الزمان الاول تختلط النغمات علي السامع و في الخامس تنمحي صورة السابقة فلايدرك نسبتها مع اللاحقة الا قليلا ، و ترتيب النقرات في الادوار اما علي ترتيب الاسباب او الاوتاد او الفواصل و الاسباب سببان و لا ثالث اذ السبب هو المركب من حركة و سكون او حركتين اما الابتداء بالساكن فمحال و يستنطق لهما لَمْاَرَ فقولك لَمْ سبب خفيف و اَرَ سبب ثقيل و الاوتاد وتدان و لا ثالث اذ الوتد هو المركب من ثلثة حركتان و سكون او سكون بين حركتين و استنطق لهما عَلٰي ظَهْرِ فالابتداء بالسكون فمحال و توالي السكونين لايتمشي في الموازين فلا بد و ان يكون حركتان و سكون فاما يكون السكون بعد الحركتين او بينهما و اما قبلهما فلايمكن و يسمي الوتد الاول بالمجموع و الثاني بالمفروق و اما الفواصل ففاصلتان صغري و كبري اما الصغري فاربعة سكون [ص 149] بعد ثلث حركات اذ لو كان السكون في الثانية لكان مركبا من سببين و هما بانفسهما مستقلان و لو كان السكون في الثالثة لصار مع ما قبله وتد مجموعي و هو بنفسه مستقل و استنطق له جَبَلِنْ و اما الكبري فخمسة آخرها السكون اذ لو كان قبل الآخر صار سببان و هما مستقلان و لو كان في الوسط لاحدث وتدا مجموعيا و سببا ثقيلا و لو كان بعد الاول احدث سببا خفيفا او وتدا مفروقا و سببا ثقيلا فاستنطق لها سَمَكَتَنْ و المستنطق للكل لاجل التسهيل لَمْاَرَ عَلٰي ظَهْرِ جَبَلِنْ سَمَكَتَنْ و قلما ينقر علي خمس حركات متواليات و لايقع في العروض الا ان يكون بعضها في قوة الساكن و لما كانت الاشعار ايضا من الحروف و لها موازين يقدر علي هذه الموازين الستة و المفاعيل الموضوعة لتقاطيع الاشعار و موازينها كلها مستنبطة من هذه الموازين فعبر عن تركيب السبب الخفيف مع مثله بقولهم مَفْعُوْ و مع السبب الثقيل فٰاعِلُ و مع الوتد المجموعي فٰاعِلُنْ و مع المفروقي مُسْتَفْعِ و لايأتي مع الفاصلة الصغري مركبا الا ان يفرق نحو فٰاعِلَتُنْ و السبب الثقيل مع نفسه ثقيل لايأتي و مع الوتد المجموعي عِلُمُفٰا و مع المفروق نحو [ص 150] مُتَفٰاعِ و مع الفاصلة الصغري عِلُمُتَفٰا و لايأتي مع الكبري لثقله و اما الوتد المجموع مع نفسه نحو مَفٰاعِلُنْ و مع المفروق نحو مَفٰاعٖيلُ و مع الفاصلة الصغري نحو مُفٰاعَلَتُنْ و لايأتي مع الكبري لثقله و اما الوتد المفروق مع نفسه نحو فٰاعِلٰاتُ و مع الفاصلة الصغري نحو لٰاتُفَعَلُنْ و الفاصلة الصغري نحو فَعَلُنْ و يجمع هذه المفاعيل قولهم فَعُولُنْ و مَفٰاعِلُنْ و مُفٰاعَلَتُنْ و مَفٰاعٖيلُ و مُتَفٰاعِلُنْ و مُسْتَفْعِلُنْ و مَفْعُولٰاتُ و فٰاعِلٰاتُ و فَعَلُنْ و علي ذلك جميع الموازين العروضية و الالحانية و الايقاعية و لااحب المثال و الا لمثلت لك حتي تشاهد .
انتهي موضع الحاجة و لنبدأ بشرح الفقرة المباركة و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم فالصلوة لغة كما في المعيار كفلاة قيل اصلها في اللغة الدعاء كقوله تعالي و صل عليهم اي ادع لهم و واحدة الصلوات المفروضة و هو اسم يوضع موضع المصدر تقول صليت صلوة و لاتقل تصلية كتربية فانا المصلي كمحدث و قيل الصلوة في اللغة مشتركة بين الدعاء و التعظيم و الرحمة و البركة و زاد آخر و الاستغفار و حسن الثناء من الله عز و جل علي رسوله صلي الله عليه و آله انتهي ، و سمي بها هذه [ص 151] الافعال المشهورة لاشتمالها علي الدعاء و المأثور عن اهل بيت العصمة عليهم السلام ان الصلوة من الله عز و جل رحمة و من الملئكة تزكية و من الناس دعاء ، انتهي كلام صاحب المعيار و في الكتابالمبين عن ابيعبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل ان الله و ملئكته يصلون علي النبي الآية ، فقال اثنوا عليه و سلموا له و عن موسي بن جعفر عن ابيه عليهما السلام قال من صلي علي النبي صلي الله عليه و آله فمعناه اني علي الميثاق و الوفاء الذي قبلت حين قوله الست بربكم قالوا بلي و روي القمي في هذه الآية قال صلوة الله عليه تزكية له و ثناء عليه و صلوة الملئكة مدحهم له و صلوة الناس دعاؤهم له و التصديق و الاقرار بفضله و في قوله و سلموا تسليما يعني سلموا له بالولاية و بما جاء به و عن عبدالرحمن بن كثير قال سألته عن قول الله تبارك و تعالي ان الله و ملئكته الآية ، فقال صلوات الله تزكية له في السماء قلت ما معني تزكية الله اياه قال زكاه بأن تبراه من كل نقص و آفة يلزم مخلوقا قلت فصلوة المؤمنين قال يبرأونه و يعرفونه بأن الله قد برأه من كل ما هو في المخلوقين من الآفات التي تصيبهم في بنية خلقهم [ص 152] فمن عرفه و وصفه بغير ذلك فماصلي عليه الحديث ، اقول و في بعض المقامات يؤخذ الصلوة من الوصل و الصلة و لعله من باب الاشتقاق الكبير و للشيخ الاوحد اعلي الله مقامه في بعض رسائله المباركة كلام مختصر انقله تيمنا و تبركا قال حشره الله مع ساداته صلوات الله عليهم فاعلم ان الصلوة من الله يراد بها رحمته و المراد من الرحمة احد وجوه نذكر منها ما يناسب المقام منها ان الصلوة بمعني وصله به فجعل طاعته طاعته و معصيته معصيته و رضاه رضاه و سخطه سخطه و منها انها بمعني صلته اياه اما اولا فلقوله تعالي ارفع رأسك و سل تعط و اشفع تشفع فاعطاه ما يحتاج اليه الخلق و ما لايحتاجون اليه و لايعلمونه و هو قوله و يخلق ما لاتعلمون و ذلك في الذر الاول قبل المثل الروحية في الدرة البيضاء و اما ثانيا فهو قوله تعالي و لسوف يعطيك ربك فترضي و ذلك يوم القيمة فيعطيه من الشفاعة و المقام و الوسيلة ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر و منها ان الصلوة بمعني الرحمة و هي الصبغة بعد الوجود قال عليه السلام ان الله خلق المؤمن من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن [ص 153] اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة الحديث ، فالرحمة الظاهرة فيه صفة الرحمن و هي الرحمة الواسعة و صفة الرحيم المكتوبة فجري الظهور فيه بالاصالة و في نفسه منه كما قال عليه السلام كالضوء من الضوء و في المؤمنين بالتبعية و المشايعة ، انتهي كلامه علا مقامه و لانحتاج الي شرح زايد في معني الصلوة بعد بيانه لاشتماله علي ما تريد و ان اردت زيادة البيان فارجع الي شرحالزيارة ذيل قوله (ع) و اقمتم الصلوة و آتيتم الزكوة فانا نقتصر علي بيان ما لميبين من مشكلات هذه العبارة و لا حول و لا قوة الا بالله فقوله اعلي الله مقامه السبب الخفيف الظاهر بالسبب الثقيل فاعلم ان السبب بحسب اللغة كما في المعيار بفتحتين الحبل قال تعالي فليمدد بسبب الي السماء و ما يتوصل به الي الاستعلاء ثم استعير لكل شئ يتوصل به الي امر من الامور فقيل هذا سبب هذا و علاقة القرابة و من مقطعات الشعر حرف متحرك و حرف ساكن يسمي بالسبب الخفيف و حرفان متحركان يسمي بالسبب الثقيل ج اسباب بفتح الهمزة و بعد الباء الف و اسباب السماء ايضا مراقيها او نواحيها او ابوابها و ذو الاسباب ايضا لقب و سبب الله [ص 154] الاسباب تسبيبا اوجدها و هيأها و الله تعالي هو مسبب الاسباب من غير سبب كمحدث و منه التسبيب و المفعول مسبب كمعظم و قطع الله به السبب ايضا اي الحيوة دعاء عليه ، اقول و بجميع هذه المعاني يجري في هذه العبارة و يجوز تفسيره بها و في اصطلاح الحكمة ذكر السيد الاوحد اعلي الله مقامه في معني قول الناظم :
كم جاورت قبرا لجدك فاكتست مجدا له انحط السماك الاعزل
في الشيئين المتجاورين و ان اقترنا مع بقاء آثار كل منهما فان توقف وجود احدهما علي الآخر بأن احدثه لا من شئ و لا علي شئ فهما العلة و المعلول فان توقف وجود الثاني بمادته و صورته و كينونته علي الاول بأن يحدث المجموع لا من شئ و هما الفاعل و المفعول و ان كان احدهما واسطة في صدور الاعلي و يدا للاعلي غير معتبر اعتباره في نفسه بل الثاني انما ينسب الي الاعلي لا الواسطة فهما السبب و المسبب بالفتح و اما بالكسر فهو الاعلي و يقال للسبب يد كالحركة بالنسبة الي افعال الشخص فانها منسوبة اليه لا اليها مع انها لايحصل بدونها و ان كان احدهما واسطة لقابلية الوجود فهو المعد و المعد له كالنطفة [ص 155] للعلقة و هي للمضغة و هي للعظام الي الانسان الهيكل البشري و ان كان احدهما واسطة لقابلية الظهور للآخر فهو الشرط و المشروط كالارض لظهور النور و كالبلور لظهور احراق المنير الي آخر كلامه علا مقامه ، و لايخفي ان مراده اعلي الله مقامه من السبب الخفيف في عبارة الخطبة الشريفة رسول الله صلي الله عليه و آله و من السبب الثقيل اميرالمؤمنين عليه السلام و اخبار آلمحمد صلوات الله عليهم مشحونة بهذا اللفظ في حقهم و قد سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول نحن السبب بينكم و بين الله عز و جل و في الندبة المعروفة فما شئ منا الا و انتم له السبب و اليه السبيل و عن الباقر عليه السلام في حديث و نحن سبب خلق الخلق و في ذلك الحديث من قول الله تعالي فانتم خيار خلقي و احبائي و كلماتي و اسمائي الحسني و اسبابي و آياتي الكبري ، اقول و قد وصفوا بالعلية ايضا كما روي عن ابيعبدالله عليه السلام في حديث و نحن علة الوجود ، اقول و العلة في اللغة بمعني السبب ايضا و لميفرقوا في معناهما و لعل الاخبار ايضا جرت علي المعني اللغوي و لكن بحسب الاصطلاح سمي [ص 156] المؤثر في ذاته علة للاثر و فعله و حركته سببا في ايجاده بالجملة فالمراد من السبب الخفيف بحسب الكون العقل المرتفع و هو الالف المتحركة و قد عرفت في تعريف السبب الخفيف في مقطعات الشعر انه حرف متحرك و حرف ساكن و العقل ايضا له جهتان جهة الي المبدأ و هو فعل الله سبحانه و مشيته و فيها تظهر حركة الفعل لا محالة لقربها منه و حكايتها عنه و جهة الي نفسه و هي الجهة الساكنة المطمئنة بل الراضية بقضاء المبدأ و قد استقر في ظله و لايخرج منه الي غيره و سمي عقلا لما عقل نفسه بعقال حكم الله و قضائه فهو سبب خفيف ذو حركة و سكون و ساكن لايدرك بالسكون لشدة حكايته عن حركة المؤثر فهو ساكن اي لا حركة له من نفسه علي خلاف حركة المؤثر و علي خلاف كينونته فان العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و هو سبب لايجاد ما دونه و ما لما دونه ففي حديث الاعرابي عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال يا مولاي و ما العقل قال جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب و في حديث شمعون عن النبي صلي الله عليه و آله قال و ان [ص 157] الله خلق العقل فقال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر فقال الله تبارك و تعالي و عزتي و جلالي ماخلقت خلقا اعظم منك و لا اطوع منك بك ابدئ و بك اعيد لك الثواب و عليك العقاب و قال ابوعبدالله عليه السلام لما خلق الله العقل قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر ثم قال و عزتي و جلالي ماخلقت خلقا هو احب الي منك بك آخذ و بك اعطي و عليك اثيب و عن موسي بن جعفر عن آبائه الطاهرين صلوات الله عليهم عن رسول الله صلي الله عليه و آله في صفة خلق العقل الي ان قال ثم قال له تكلم فقال الحمد لله الذي ليس له ضد و لا ند و لا شبيه و لا كفو و لا عديل و لا مثل الذي كل شيء لعظمته خاضع ذليل فقال الرب تبارك و تعالي و عزتي و جلالي ماخلقت خلقا احسن منك و لا اطوع لي منك و لا ارفع منك و لا اشرف منك و لا اعز منك بك اوحد و بك اعبد و بك ادعي و بك ارتجي و بك ابتغي و بك احذر و بك الثواب و بك العقاب الحديث ، فالعقل سبب لكل شئ في عرصة الايجاد و التشريع و هو في غاية الخفة و اللطافة و الرفعة و غير بطيء و لا ثقيل في طاعة الله بحيث كان ما امر الله سبحانه [ص 158] به عينا من مقتضيات نفسه و لميجعل له في الدين من حرج قال (ع) غير ضنين بنفسي فيما يرضيك عني اذ به قد رضيتني و قالوا (ع) ان الله ادب نبيه فاحسن ادبه ثم انزل عليه انك لعلي خلق عظيم ثم فوض اليه امر دينه ، اقول فلا حرج عليه في الدين لانه من مقتضي خلقه العظيم و قد قام من شدة خفته و لطافته في قمة رأوس الاكوان و كان اول ما خلق الله بالجملة ثم ان العقل بعد ما امر بالادبار ظهر بالنفس و هي الباء و الالف المبسوطة و السبب الثقيل و قد ظهر فيها حركتان لان العقل في باطنها و له حركة و هي ظاهر العقل و عنوانه و لها ايضا حركة و حركة العقل عليها علي خلاف التوالي و حركتها عليه علي التوالي قال سيدالشهداء روحي و ارواح العالمين فداه و صلوات الله عليه الهي امرتني بالرجوع الي الآثار و كسوة الانوار لهداية الاستبصار فارجعني اليك منها كما دخلت اليك فيها مصون السر عن النظر اليها مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شئ قدير ، اقول الرجوع الاول في قوله صلوات الله عليه من حركة العقل علي النفس في مقام الادبار و الرجوع الثاني في قوله [ص 159] ارجعني من حركة النفس علي العقل في مقام الاقبال و هي في كمال الموافقة للحركة الاولي لانها لمتتعلق بالطبيعة المخالفة لكينونة العقل و هو قوله مصون السر عن النظر اليها مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها و قال تعالي يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي و عباده العقل و جنته دار رضاه و رجوع النفس اليه و دخولها فيه حركتها اليه و وصلها به فهيهنا حركتان و هي سبب ثقيل قريب الي حيز المسبب بالفتح بالنسبة الي السبب الخفيف و هي الساعة التي قال الله تعالي و يسألونك عن الساعة ايان مرساها قل انما علمها عند ربي لايجليها لوقتها الا هو ثقلت في السموات و الارض بالجملة و قوله اعلي الله مقامه المستسر ببواطن مطالع الاشراق اي المستتر بها و يمكن جعله وصفا للسبب الخفيف او الثقيل فان جعلناه وصفا للسبب الخفيف كانت بواطن مطالع الاشراق هي السبب الثقيل الا انه من حيث كليته يعبر عنه بالمفرد و من حيث الجزئية يعبر عنه بالجمع فالنفس الكلية سبب ثقيل و كرسي هذا العالم من حيث بروجه الاثنيعشر مطالع الاشراق و اسباب ثقال و [ص 160] عرشه من حيث التعلق بها بواطنها و ان جعلناه وصفا للسبب الثقيل فهو ايضا جايز فان النفس الكلية سبب ثقيل مستتر ببواطن مطالع الاشراق و هي البروج فان ظهور النفس الكلية بنفسانيتها في كرسي ذلك العالم و العرش من حيث التعلق بها بواطنها و هو الباب الباطن و الكرسي هو الباب الظاهر كما في الحديث و قوله البيت الرفيع العالي ايضا يمكن جعله وصفا لاي السببين فان السبب الخفيف اول بيت اذن الله ان يرفع و يذكر فيه اسمه لاقتضاء قابليته و هو مظهر للمسبب بالكسر كما عرفت من اخبار ذكرناها في وصف العقل و يمكن جعله وصفا للسبب الثقيل و السبب الخفيف صاحب هذا البيت و اول بيت وضع للناس للذي ببكة من البيوت التي قد اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه و هو العقل فانه اسم الله الرضي و وجهه المضيء و قوله اعلي الله مقامه القائم بالوتدين بل القائم به الوتدان المحوران المراد بالوتدين هنا مقام الطبيعة و الجسم و الروح في عالم الغيب و المادة و المثال في الشهادة برازخ قد تلحق بالاعلي و الاسفل و الطبيعة هي الوتد المجموع لها حركتان من بعدهما [ص 161] سكون و الجسم هو الوتد المفروق له حركتان بينهما سكون اما ان الطبيعة لها حركتان من بعدهما سكون فلأنها اول مظاهر الغيب و حركتا النفس تظهران فيها لا محالة الا انها من حيث انيتها مخالفة لكينونة النفس بطيئة في اطاعتها فهي ساكنة من جهتها السفلي و اما ان الجسم له حركتان بينهما سكون فلأنه من حيث بدئه نازل من الاعلي و لا بد في النزول من الحركة و اذا وقع في موقعه و هبط منتهي الهبوط يشرع في الاقبال الي المبدأ و بين الحركتين اي حركة الادبار و حركة الاقبال سكون لا محالة الاتري ان من يدبر عنك ثم يقبل اليك يسكن هنيأة بين ادباره و اقباله البتة فالجسم وتد مفروق و اعلم ان الطبيعة و الجسم هما ظاهر الغيب و شهادته و عنوانه و رسمه قال اميرالمؤمنين (ع) الدنيا رسم الآخرة و الآخرة رسم الدنيا و قال الصادق (ع) الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور و كليات الحكمة ما لمتكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و قال تعالي قد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون فان نظرت من الاسفل قلت ان الغيب قائم بالشهادة كما ان الصورة الخامسة قائمة باجزائها الاربعة و المركب قائم بمادته و صورته و ان نظرت من الاعلي و من حيث المبدأ [ص 162] قلت ان الشهادة قائمة بالغيب و النظر الحقيقي هو هذا فان الطفرة في الوجود باطلة و لو لميكن الغيب من جانب المبدأ لمتكن شهادة حتي يفرض حصول الغيب بها و ظهوره عليها و المؤخر في الظهور مقدم في الوجود لا محالة فبالنظر الجمعي الكوني الوجودي اي النظر من الاعلي تقول ان الشهادة قائمة بالغيب و بالنظر الفرقي التشريعي اعني ظهور الفعليات المتكثرة من كمالات المبدأ اللانهاية في عرصة الشهادة تقول ان الغيب قائم بالشهادة و الواقع الخارج انهما مساوقان في الوجود و كل واحد منهما تمام الآخر و ما لمتكن كليات الحكمة تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و مع تساوقهما الغيب اقربهما من المبدأ و احكاهما له و الشهادة ابعدهما و اقل حكاية له و لذا تخلل السكون في جزئي حركتها التي بها حيوتها و عرضها الموت و من هنا صارت حركتها علي المحور و اختلفت الحركات فان حركة المبدأ و ما يليه علي القطب اي المركز من كل جهة و لايحدث فيه الحركات المختلفة و النسب المتكثرة و لكن اذا بعد الاثر من مبدئه و تكثرت اجزاؤه و تعددت اختلفت [ص 163] نسب اجزائه بالنسبة الي المركز و ظهر المركز لها في صورة المحور و هي الخشبة او الحديدة الطويلة التي تدور عليها الرحا او الكرة و حدثت من حركات الاجزاء هنا دوائر صغار و عظام و لا شك ان الدوائر العظيمة اسرعها حركة و الصغيرة ابطؤها و للسيد الاوحد اعلي الله مقامه هنا كلام في الحركة علي المحور انقله تيمنا و تبركا قال ان العالم الاسفل بل عالم الامكان له ثلث حركات الاولي حركته من حيث نفسه من حيث مبدئه في مقام الهي كيف ادعوك و انا انا و كيف لاادعوك و انت انت الثاني حركته من نفسه منكس الرأس عند ربه في مقام قوله تعالي و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم ، الثالث حركته من حيث مبدئه فحسب من غير النظر الي نفسه في مقام الامتثال لقوله تعالي القها يا موسي و قوله تعالي قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون علي حد ما قال سيدنا الحسين عليه السلام في المناجات يا من استوي برحمانيته علي العرش فصار العرش غيبا في رحمانيته كما صارت العوالم غيبا في عرشه محقت الآثار بالآثار و محوت الاغيار بمحيطات افلاك الانوار ، فالحركة الاولي هي [ص 164] الحركة علي المحور و الثالثة هي الحركة علي القطب و الثانية عرضية و آثارها مجتثة فالحركة علي القطب لاتؤثر كثرة و علي المحور تؤثر كثرة الي آخر كلامه اعلي الله مقامه ، و الغرض ان عرصة الشهادة لبعدها عن المبدأ و تكثرها يظهر القطب فيها في صورة المحور و القطبان اللذان هما طرفا المحور ليسا قطبا حقيقيا و لكن المحور من طرفيه الي المركز يحكي القطب لكل دائرة تدور عليه علي اختلاف مواقعها فهو ظاهر القطب و محل بروزه كاللحم الصنوبري بالنسبة الي روح الحيوة و تسميته بالقلب من باب تسمية المحل باسم الحال و كذلك المحور في كل عالم بالنسبة الي قطبه و قلبه و لبه و من هنا وصف الوتدان بالمحورين فان قلب وتد عالم الطبيعة محوره و قلب وتد عالم الجسم محوره فتدبر و هذا قليل من كثير ما اراد سيدي اعلي الله مقامه من كلامه بحسب الكون و الصلوة ايضا تفسر بحسب المعني الكوني بما يناسب المقام و هو واضح بعد ما روينا من الاخبار في فضل العقل و في دعاء الصحيفة السجادية صلوات الله علي صاحبها في الصلوة علي حملة العرش و الروح و الملائكة شواهده موجودة [ص 165] و اما بحسب الشرع فاعلم ان المراد من السبب الخفيف ظهور رسول الله صلي الله عليه و آله في اول الاكوان في مقام العقل و هو ظهور مشية الله تعالي و تمامها و الجزء الاخير منها و فيه حركة امر الله سبحانه حيث ارسله الي الناس كافة و سكونه تحت امره بحيث انه ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و هو صلي الله عليه و آله هنا بالنسبة الي ساير الاسباب سبب الاسباب و علة العلل بل ظهور مسبب الاسباب من غير سبب و لا سبب اعلي و اقرب منه بالنسبة الي المسبب بالكسر بحيث لو كان يجوز استقلال سبب في السببية لكان هو هذا صلي الله عليه و آله و لكن لايجوز يكاد زيتها يضيئ و لو لمتمسسه نار و لكن مسته نار مشية الله سبحانه فحركته الي مرادات الله سبحانه الهي جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من بواطنهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقايق ما منحتهم ، و السبب الثقيل نفسه المقدسة التي هي نفس الله القائمة فيه بالسنن و يحذركم الله نفسه و هي الساعة التي لايجليها لوقتها الا [ص 166] و ثقلت في السماوات و الارض كما ان في يوم الغدير خرج بعضهم و قال اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب اليم او نحو ذلك و في حديث النورانية قال سلمان رضوان الله عليه قلت يا اخا رسول الله صلي الله عليه و آله و من اقام الصلوة اقام ولايتك قال نعم يا سلمان تصديق ذلك قوله تعالي في الكتاب العزيز و استعينوا بالصبر و الصلوة و انها لكبيرة الا علي الخاشعين فالصبر رسول الله و الصلوة اقامة ولايتي فمنها قال الله تعالي و انها لكبيرة و لميقل و انهما لكبيرتان لان الولاية كبيرة حملها الا علي الخاشعين و الخاشعون هم الشيعة المستبصرون و ذلك لان اهل الاقاويل من المرجئة و القدرية و الخوارج و غيرهم من الناصبية يقرون بنبوة محمد صلي الله عليه و آله ليس بينهم خلاف و هم مختلفون في ولايتي منكرون لذلك جاحدون بها الا القليل قال الله تعالي عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون و هم القليل الذين وصفهم الله في كتابه العزيز فقال و انها لكبيرة الا علي الخاشعين و قال الله تعالي في موضع آخر في كتابه العزيز [ص 167] في نبوة محمد صلي الله عليه و آله و في ولايتي فقال عز و جل و بئر معطلة و قصر مشيد فالقصر محمد و البئر المعطلة ولايتي عطلوها و جحدوها و من يقر بولايتي لاتنفعه الا بالاقرار بنبوة محمد صلي الله عليه و آله و من يقر بنبوة محمد صلي الله عليه و آله لاتنفعه الا بالاقرار بولايتي لأنهما مقرونان الحديث ، فهو صلوات الله عليه سبب ثقيل و رسول الله صلي الله عليه و آله سبب خفيف و فيه الرحمة الرحمانية الواسعة التي تعم البر و الفاجر و لكن اميرالمؤمنين عليه السلام فيه الرحمة الرحيمية المختصة بشيعته و مواليه و يختص برحمته من يشاء و هو رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب فله حركتان حركة رحمة و حركة نقمة و الرحمة الرحمانية ايضا لاتتعلق بشئ الا بعد ظهورها في قابلية الولاية فانها قبل ذلك لاتنال و لاتدرك قال عليه السلام ظاهري امامة و وصية و باطني غيب لايدرك ، و باطنه مقام رسول الله صلي الله عليه و آله و يكشف عن مقامهما و نسبتهما صلوات الله عليهما و آلهما ما روي عن النبي صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله نوري ابتدعه من نوره [ص 168] و اشعة من جلال عظمته فاقبل يطوف بالقدرة حتي وصل الي جلال العظمة في ثمانينالف سنة ثم سجد لله تعظيما ففتق منه نور علي فكان نوري محيطا بالعظمة و نور علي محيطا بالقدرة الخبر ، قال ابي العلامة اعلي الله مقامه قوله صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله نوري اي في مقام الوحدة العامة الكلية ابتدعه من نوره اي من نور الوهيته و انيته و نور عظمته فاقبل يطوف بالقدرة المراد بالقدرة هنا مقام العقل من حيث الرب فانه ظهور مشية الله جل و عز و قدرته التي استطال الله بها علي كل شئ فكان يطوف بالقدرة ثمانينالف سنة الي ان نزل الي مقام العظمة و هي مقام النفس فههنا سجد و خضع لله تعظيما و وضع جبهته علي التراب تراب النفس فههنا فتق منه نور علي الذي هو نفسه فكان نوره محيطا بالعظمة التي هي نور علي و كان نور علي محيطا بالقدرة يعني باطن محمد محيط بظاهر علي و باطن علي محيط بظاهر محمد عليهما السلام كما قال علمني علمه و علمته علمي ، و مثل الباطنين العرش و الكرسي و الظاهرين الشمس و القمر فالقدرة التي هي محاط عليّ هي ظاهر القدرة فافهم اقول توضيحا للبيان ان [ص 169] لاسماء الله و صفاته تعالي حقايق و اصولا في مقام المعاني العليا و هو مقام مشية الله سبحانه و لها فروع و ظهورات في المراتب الدانية في مقام المعاني السفلي و محمد و آلمحمد صلوات الله عليهم لهم حقايق في مقام الامر و هو قولهم عليهم السلام اما المعاني فنحن معانيه و نحن امره و يده و لسانه و علمه و حقه ، و هم في هذا المقام في غاية الوحدة و الاطلاق و لما نزلوا في عرصة الاكوان ظهر نور محمد صلي الله عليه و آله في مقام العقل و هو ظهور القدرة الاولي التي استطال الله بها علي كل شئ كما قال عليه السلام في صفته محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب ، و قال تعالي في خطابه الي العقل بك ابدئ و بك اعيد و بك آخذ و بك اعطي ، و غير ذلك مما مر فهو ظهور القدرة الاولي و هنا مقام الاستطالة علي الاشياء لا القدرة الاولي فان الاشياء كانت عندها منفية معدومة و ههنا مبدؤ ظهورها فاقبل صلوات الله عليه يطوف بالقدرة اي مصاحبا لها و معها حتي وصل الي جلال العظمة و باللسان الاصطلاحي المادة المعنوية من مقام اطلاقها المادي [ص 170] النوعي تنزل حتي تنتهي الي الصورة و نهاياتها و هنا تفتق منها الصورة و مقام العظمة الظاهرة في المعاني السفلي في مقام النفس و توصف النفس بالعظمة كما توصف الجسم بالكبرياء قال تعالي له الكبرياء في السموات و الارض و من هنا تكبر للصلوة حال القيام و تصفه بالعظمة حال الركوع فانه صورة النفس و بالعلو حال السجود فانه صورة العقل المرتفع و هو الفؤاد و اقرب ما يكون الي العبد و هو ساجد بالجملة فكان هنالك نور محمد صلي الله عليه و آله محيطا بالعظمة و نور علي عليه السلام محيطا بالقدرة من باب قوله تعالي هن لباس لكم و انتم لباس لهن و المادة تحيط بالصورة من حيث الاعلي و الصورة تحيط بالمادة من حيث الاسفل و بنظر آخر كما ذكر ابي اعلي الله مقامه ان باطن محمد صلي الله عليه و آله محيط بظاهر علي (ع) و باطن علي محيط بظاهر محمد صلوات الله عليهما فهنا تم ظهورهما في مقام الفتق و اضاء نورهما حتي استضاء بهما ما استضاء فعن النبي صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله نوري ثم فتق منه نور علي فلمنزل نتردد في النور حتي وصلنا الي حجاب العظمة في ثمانينالف سنة ثم خلق [ص 171] الخلق من نورنا فنحن صنايع الله و الخلق بعد صنايع لنا ، اقول هذا الخبر يعطي ان انفتاق نور علي (ع) منه (ص) كان في المقام الاول في مقام القدرة و ترددا معا حتي وصلا الي حجاب العظمة و لكن مايخالف فان انفتاقهما هنا معنوي لاينافي الاتحاد كثيرا كما اشرنا الي هذا المعني سابقا و مقام القدرة اصل العباء و الكساء الذي تغطوا به في الظاهر فلما وصلوا الي حجاب العظمة خلق الله الخلق من نورهما صلوات الله عليهما و اول الخلق آلهما عليهم السلام كالضوء من الضوء ثم من دونهم علي مراتبهم في مقاماتهم و ما منا الا له مقام معلوم و ليسوا بالنسبة اليهم كالضوء من الضوء بل كالشعاع من النور و شعاع الشعاع الي آخر مراتب السلسلة في الكون بحسب الكون و في الشرع بحسب الشرع كما هو معلوم في محله بالجملة و قوله اعلي الله مقامه المستسر ببواطن مطالع الاشراق فاعلم ان الوصف كما عرفت يمكن ارجاعه الي اي السببين و لكن من باب ان السبب الثقيل اقرب الموصوفين نقول انه مقام الولاية الكلية و بواطن مطالع الاشراق بواطن الائمة الاثنيعشر صلوات الله عليهم و الولاية الكلية مستترة فيهم ظاهرة [ص 172] بهم كالكلي الطبيعي في افراده و كذلك الامر بالنسبة الي النبوة الكلية و السبب الخفيف و هو قوله تعالي و توكل علي العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم و تقلبك في الساجدين و الائمة صلوات الله عليهم هم الساجدون الذين تقلب محمد صلي الله عليهم فيهم و في الحديث النورانية اولنا محمد و اوسطنا محمد و آخرنا محمد و كلنا محمد و قال (ع) انا الذي اتقلب في الصور كيف شاء الله من رآهم فقد رآني و من رآني فقد رآهم و نحن في الحقيقة نور الله الذي لايزول و لايتغير و هم في مقام الكلية و الوحدة مطلع الاشراق لجميع الخلق كما قال عليه السلام في الخبر المذكور آنفا ثم خلق الخلق من نورنا فنحن صنايع الله و الخلق بعد صنايع لنا ، و في مقام التفصيل مطالع الاشراق و كل واحد منهم صلوات الله عليهم مطلع اشراق خاص كما في الخبر عن انس بن مالك قال بينا رسول الله صلي الله عليه و آله صلي صلوة الفجر ثم استوي في محرابه كالبدر في تمامه فقلنا يا رسول الله ان رأيت ان تفسر لنا هذه الآية قوله تعالي اولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين فقال النبي [ص 173] (ص) اما النبيون فانا و اما الصديقون فعلي بن ابيطالب و اما الشهداء فعمي حمزة و اما الصالحون فابنتي فاطمة و ولداها الحسن و الحسين فنهض العباس من زاوية المسجد الي بين يديه (ص) و قال يا رسول الله الست انا و انت و علي و فاطمة و الحسن و الحسين من ينبوع واحد قال (ص) و ما وراء ذلك يا عماه قال لانك لمتذكرني حين ذكرتهم و لمتشرفني حين شرفتهم فقال رسول الله (ص) يا عماه اما قولك انا و انت و علي و فاطمة و الحسن و الحسين من ينبوع واحد فصدقت و لكن خلقنا الله نحن حيث لا سماء مبنية و لا ارض مدحية و لا عرش و لا جنة و لا نار كنا نسبحه حين لا تسبيح و نقدسه حين لا تقديس فلما اراد الله بدؤ الصنعة فتق نوري فخلق منه العرش فنور العرش من نوري و نوري من نور الله و انا افضل من العرش ثم فتق من نور ابن ابيطالب فخلق منه الملئكة فنور الملئكة من ابن ابيطالب و نور ابن ابيطالب من نور الله و نور ابن ابيطالب افضل من الملئكة و فتق نور ابنتي فاطمة فخلق منه السموات و الارض فنور السموات و الارض من نور ابنتي فاطمة و نور فاطمة من نور الله و نور فاطمة افضل من السموات و الارض ثم فتق نور الحسن فخلق منه الشمس و القمر فنور الشمس و القمر من نور الحسن و نور [ص 174] الحسن من نور الله و الحسن افضل من الشمس و القمر ثم فتق نور الحسين فخلق منه الجنة و الحور العين فنور الجنة و الحور العين من نور الحسين و نور الحسين من نور الله و الحسين افضل من الجنة و الحور العين ثم ان الله خلق الظلمة بالقدرة فارسلها في سحائب البصر فقالت الملئكة سبوح قدوس ربنا مذ عرفنا هذه الاشباح مارأينا سوءا فبحرمتهم الا كشفت ما نزل بنا فهنالك خلق الله تعالي قناديل الرحمة و علقها علي سرادق العرش فقالت الهنا لمن هذه الفضيلة و هذه الانوار فقال هذا نور امتي فاطمة الزهراء فلذلك سميت ابنتي الزهراء لان السموات و الارضين بنورها زهرت و هي ابنة نبيي و زوجة وصيي و حجتي علي خلقي اشهدكم يا ملئكتي اني قد جعلت ثواب تسبيحكم و تقديسكم لهذه المرأة و شيعتها الي يوم القيمة فعند ذلك نهض العباس الي علي بن ابيطالب و قبل ما بين عينيه و قال يا علي لقد جعلك الله حجة بالغة علي العباد الي يوم القيمة انتهي ، ففي عرصة التفصيل يطلع من كل واحد منهم (ص) اشراق خاص كما يظهرون في هذا العالم بصفات خاصة فمنهم بالاصطفاء و منهم بالارتضاء و منهم بالاجتباء و منهم بالشهادة و هكذا [ص 175] و ان كان يمكن كل واحد منهم ان يظهر بصفة الآخر بل كان يمكنهم ان يظهروا بصفات مختلفة في آن واحد علي حسب اعين النظار كما كان قد يظهر من بعضهم صلوات الله عليهم فليسوا محدودين باشراق خاص و نور خاص و صفة خاصة الا بحسب الاظهار و بالجملة لا حاجة الي التفصيل و قوله اعلي الله مقامه البيت الرفيع العالي ايضا يمكن ارجاعه الي اي السببين فانهما كلاهما بيت الله بل هما و آلهما بيوته و بيوت اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و الرجال يمكن ان يكون فاعل يسبح و يمكن ان يكون يسبح علي بناء المجهول و الرجال خبر مبتدأ محذوف اي تلك البيوت رجال و كلا المعنيين صحيح و كذلك السبب الثقيل هو المراد من قوله تعالي ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين و قد وضع في الكعبة كما هو معلوم و من هنا صارت قبلة لجميع اهل الارض لما وضع فيها من نوره تعالي بالجملة فالبيت الرفيع العالي يصدق عليهما صلوات الله عليهما معا و لكن في مقام التفصيل يختص البيت بالولي عليه [ص 176] السلام و الاولي ان نذكر هنا من كلام السيد الاوحد اعلي الله مقامه ما به يظهر المراد فانه ادري بما افاد قال روحي فداه في شرح قول الناظم :
فترحموا يا آل بيت المصطفي و تكرموا و تفضلوا و تقبلوا
قال و اما البيت فهو وعاء و جامع و مكن للشئ فلما كان رسول الله (صلعم) هو وعاء العلم و النور و السرور و السودد و الشرف و الكمال و الجمال و الجلال و الرحمة و العزة و الكرامة و هو الذي قال تعالي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن ، و لما كان ذات الله سبحانه و تعالي لايسعها شئ و لايحويها شئ و لايدانيها شئ فلايصح اعتبارها في هذا الحديث الشريف فاذا تعذرت الحقيقة فاقرب المجازات متعين فح يجب ان يكون قلبه الشريف قد وسع جميع مقامات الربوبية من الاسماء و الصفات و الاسماء الحسني العظام و الامثال العليا الكرام و الاسم الاعظم الاعظم الاعظم و الذكر الاجل الاعلي الاعلي الاعلي و الكلمات التامات و الاسماء الفاعلات و ساير الشئونات و الاطوار و النسب و الاضافات و الذات الظاهرة بانحاء الظهورات و مقامات الاختراع و الابتداع و الافعال و ساير [ص 177] الظهورات و الشئونات كلها قد وسعها ذلك القلب الشريف لذلك العنصر اللطيف و كان بذلك بيت الله و مسجد الله و كعبة الله و كتاب الله و جمع الله و حيث كان النبي و الولي لهما ثلث مقامات مقام جمع الجمع و مقام الجمع و مقام الفرق كانت المراتب المذكورة في المقام الاول و الثاني غير متميزة و اما في مقام الفرق فحيث ان النبي سماء و الولي ارض و النبي عرش و الولي كرسي و النبي شمس و الولي قمر و النبي واحد و الولي متعدد و النبي قلم و الولي لوح و النبي باطن و الولي ظاهر و النبي غيب و الولي شهادة و النبي نقطة و الولي الف و النبي سحاب مزجي و الولي سحاب متراكم و النبي سحاب و الولي ماء و النبي ماء و الولي تراب و النبي بذر و الولي شجرة و النبي شجرة و الولي ثمرة و النبي قطب و الولي محور و النبي اصل و الولي فرع و النبي علم و الولي قلب و النبي سر و لب و الولي بيت فالبيت عند التفصيل يختص بالولي و في مقام الجمع ( يشملهما ظ ) فصارت مهابط الولاية و محالها التي هي مواقع النجوم كل واحد بيت للاجمالات التي ترد من سماء النبوة و تأوي الي هذه البيوت و تتفصل و تتميز و تتشخص و الي هذه البيوت اشار [ص 178] سبحانه بقوله تعالي في بيوت اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال علي قرائة المبني للمجهول و الوقف علي الآصال رجال لاتلهيهم يعني تلك البيوت رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و اقام الصلوة و ايتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الابصار فاذا كانت البيوت هم الرجال الذين صفتهم انهم لايلتهون عن ذكر الله بالشواغل الدنيوية بل العوارض الغيرية فاذا لمتشغلهم ذلك فقد توجهت بكينوناتهم و سرائرهم الي المبدأ الاول فهم البيوت المرتفعة لا الي غاية ثم عين الله سبحانه اول تلك البيوت و قال تعالي ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين الي آخر كلامه علا مقامه ، و موضع الحاجة خاصة من كلامه هنا ان المراد من البيت الرفيع العالي في الخطبة الشريفة اميرالمؤمنين عليه السلام خاصة لان الكلام في مقام التفصيل بين النبي و الولي صلوات الله عليهما و آلهما و ان لميكن التفصيل في منتهي [ص 179] الدرجات لان الكلام في ظهور السبب الخفيف بالسبب الثقيل و لايخفي ان الظاهر و الظهور و المظهر لاتتفصل الا بالنظر و الثلثة واحد منظرا و ثلثة مخبرا الاتري المرآت و الشمس الظاهرة فيها و ظهورها واحدة منظرا و يتميز بين الظاهر و الظهور و المظهر بالنظر مع ان المرآت هنا عرضية و فيما نحن فيه المظهر و الظهور و الظاهر من سنخ واحد و نور واحد و طينة واحدة كالضوء من الضوء و اقرب من مثل المرآت و الشمس الدخان و النار و مسها الظاهر فيه فانها بحسب الواقع ثلثة و لكن في المنظر واحد و كذلك السبب الخفيف الظاهر بالسبب الثقيل فانهما اثنان مخبرا و واحد منظرا و السبب الثقيل بيت للسبب الخفيف و لايؤتي الا منه و لايطلب الا فيه و من طلبه من غيره لميجده و لا حاجة الي تفصيل زايد بعد كلام السيد الاوحد اعلي الله مقامه و قوله اعلي الله مقامه القائم بالوتدين الي آخر و قد عرفت ان الوتد في اصطلاح الموسيقي و العروض حركتان و سكون فان كان السكون متأخرا عنهما كان الوتد مجموعا و ان كان بينهما كان مفروقا و المراد منهما هنا الحسن و الحسين عليهما السلام و ارواحنا فداهما فانهما جميعا [ص 180] من مظاهر الولاية و فيهما الحركتان كما عرفت في السبب الثقيل ابيهما صلوات الله عليهم و بحسب الظاهر ايضا اظهروا شيئا من ذلك كما ان مولانا الحسن عليه السلام في زمن ابيه (ص) كأنه تحرك حركتين و جال جولتين في غزوة جمل و صفين و لكن من بعده (ع) سكن و سكت و صبر و صالح معوية حتي ارتحل عن الدنيا و الحسين عليه السلام تحرك معه اولا و سكن معه ثانيا مدة زمان معوية و لكنه تحرك ثانيا و اظهر حقه و حق ابيه و اخيه صلوات الله عليهم فالحسن (ع) وتد مجموع يحكي عن الجمع و الرحمة الواسعة من مقام رسول الله صلي الله عليه و آله و الحسين (ع) وتد مفروق يحكي عن الاختلاف و التفرقة و الرحمة المكتوبة من مقام اميرالمؤمنين (ع) و من هنا كان الحسن اشبههما برسول الله صلي الله عليه و آله بحسب الصورة ايضا في الظاهر و قد روي من طرق العامة عن النبي (ص) انه قال للحسن اشبهت خلقي و خلقي و قيل لابيجحيفة رأيت رسول الله قال نعم و الحسن بن علي يشبهه و عن انس قال لميكن احد اشبه برسول الله من الحسن بن علي و عن علي قال كان الحسن بن علي اشبه برسول [ص 181] الله ما بين الصدر الي الرأس و الحسين اشبه فيما كان اسفل من ذلك و قد صلي ابوبكر العصر ثم خرج يمشي و معه علي عليه السلام فرأي الحسن يلعب بين الصبيان فحمله ابوبكر علي عاتقه و قال بابي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي و علي (ع) يضحك و من روايتهم عن النبي صلي الله عليه و آله قال حسن مني و حسين من علي و قال هما وديعتي في امتي ، بالجملة و الغرض ان الحسن عليه السلام كان يشبه النبي لما كان ظهر فيه من نور النبوة و الرحمة الرحمانية الظاهرة فيه صلي الله عليه و آله و كان مظهر الجمع و تألف به فريقان من الامة و اصلح الله به امرهما كما روي و اما الحسين (ع) فقد فرق بينهما و ابان المؤمنين من الكفار فريقا هدي و فريقا حق عليه الضلالة و قد كانا صلوات الله عليهما والدين بالنسبة الي النبي و الولي صلوات الله عليهما و آلهما كما روي في تفسير قوله تعالي و وصينا الانسان بوالديه احسانا عن علي بن ابرهيم قال الاحسان (كذا) رسول الله صلي الله عليه و آله قوله بوالديه انما عني الحسن و الحسين ، اقول قال المجلسي رحمه الله انما عبر عن الامامين بالوالدين لان الامام [ص 182] كالوالد للرعية في الشفقة عليهم و وجوب طاعتهم له و كون حيوتهم بالعلم و الايمان بسببه فقوله احسانا نصب علي العلة اي وصينا كل انسان باكرام الامامين للرسول و لانتسابهما اليه و لايبعد ان يكون مصحفا و يكون في الاصل قال الانسان رسول الله (ص) و يكون في قراءتهم بولديه بدون الالف اقول احتمال التصحيف قريب و لاسيما في قوله الاحسان رسول الله (ص) و اما في الوالدين و ان احتمل التصحيف و لكن يصح المعني و يجوز ان لايكون مصحفا و الضمير في والديه يرجع الي الانسان و هو رسول الله (ص) و ليس من اسرارهم و خصايصهم ببعيد المتر في الاخبار كنية فاطمة عليها السلام امابيها و هي ايضا من هذا النحو و لايبعد ان يعد الحسن و الحسين والدين للنبي صلي الله عليه و آله و من هنا كنوهما بابيمحمد و ابيعبدالله صلوات الله عليهما فان النبي صلي الله عليه و آله محمد و هو عبدالله من قوله تعالي تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده فكني الحسن (ع) بابيمحمد و الحسين (ع) بابيعبدالله فلا مانع من كونهما والدين له صلوات الله عليه و آله و لابيهما (ع) لانه ايضا ولد رسول الله (ص) كما في [ص 183] الخبر انه صلي الله عليه و آله كني بابيالقاسم لانه ابو امته و منهم علي (ع) و هو قاسم الجنة و النار فاذا كان الحسن و الحسين والدي رسول الله (ص) كانا والدي علي (ع) ايضا بل جداه فمن هنا عبر عنهما في الخطبة الشريفة بالوتدين لان الوتد ما به قوام الخباء و نحوه و بالوالد ايضا قوام الولد و اعلم ان رسول الله صلي الله عليه و آله و عليا عليهما السلام بحسب الذات مستعليان علي مقام النبوة و الولاية لأنهما بلا شك من الصفات و الاسماء المتضايفة و هما في ذاتهما لا شئ معهما حتي يضافا اليه و هما اي النبوة و الولاية بالنسبة اليهما بمنزلة المادة و الصورة و ذات النبي و علي عليهما السلام هي الوحدة الحاصلة بين المادة و الصورة المستعلية عليهما و هي النور الظاهر عليهما من حجاب الواحدية و ذلك النور اذا نظرت اليه من الاعلي كان اصلا للمادة و الصورة و نسبتهما اليه كنسبة العقل و النفس الي الفؤاد فالعقل مقام المادة و النفس مقام الصورة و الفؤاد مقام الوحدة الظاهرة فيهما من حجاب الواحدية و العقل و النفس قائمان بالفؤاد حقيقة مفتقران في وجودهما اليه و هو السبب في ايجادهما و لكن [ص 184] معذلك اذا نظرت من الاسفل وجدت الحقيقة الواحدة قائمة بالمادة و الصورة و لولاهما في مقامهما لمتكن الحقيقة في مقامها كما انه ان فرض ان لايكون للمولود عقل و لا نفس لمتكن له حقيقة و لا وجود اصلا فهما والدان بالنسبة الي الحقيقة اذا نظرت من الاسفل و ولدان لها اذا نظرت من الاعلي ثم ان الحسن عليه السلام كان مظهر النبوة و من هنا كان يشبه بالنبي و الحسين (ع) كان مظهر الولاية و من هنا قال (ص) حسن مني و حسين من علي ، و كان يشبه بالنبي (ص) من صدره الي اسفل من ذلك فالولاية فيه مكشوفة ظاهرة و ظهور النبوة فيه مستور باطن فهما حاكيان في عرصة التفصيل عن النبوة و الولاية و قد عرفت انهما بمنزلة المادة و الصورة فنسبتهما الي النبي و الولي صلوات الله عليهم ان نظرت من الاعلي نسبة البنوة و الولادة و ان نظرت من الاسفل كان نسبة الابوة و الوالدية و اعلم انهم صلوات الله عليهم باجمعهم نور واحد و طينة واحدة و ذرية بعضها من بعض و ليس الامر بينهم (ص) كما في ساير الناس و قد كان الحسين عليه السلام يفتخر علي ابيه و لا حرج عليه لانه منه و هو منه و قال رسول الله [ص 185] صلي الله عليه و آله حسين مني و انا من حسين ، فان قلت ان النبي و الولي صلوات الله عليهما قائمان بهما عليهما السلام صح ذلك و ان قلت انهما قائمان بالنبي و الولي صلوات الله عليهم صح ذلك و لكن معذلك لا شك ان النبي صلي الله عليه و آله افضلهم و اولهم و من بعده علي (ع) افضلهم كما قال (ص) و ابوهما خير منهما و من بعده الحسن ثم الحسين ثم القائم عليهم السلام ثم ساير الائمة علي ما يظهر من مشهور الروايات و الغرض ان عدهما والدين وتدين للنبي او لاميرالمؤمنين عليهم السلام لاينافي ترتيبهم في مراتبهم (ص) فمن هنا قال السيد السند اعلي الله مقامه القائم بالوتدين بل القائم به الوتدان المحوران جمعا و فرقا ففي النظر الجمعي من الاعلي الي الاسفل تقول ان الوتدين قائمان بعلي عليه السلام و في نظر الفرق و التفصيل من الاسفل الي الاعلي تقول ان عليا (ع) في ذاته المستعلية علي مقام النبوة و الولاية الاضافيتين قائم بالوتدين من حيث كون الحسن (ع) مظهر النبوة و الحسين (ع) مظهر الولاية و قد وصفوا شيعتهم (ص) في بعض الاخبار ايضا بالاوتاد كما سمع ابوعبدالله (ص) يقول [ص 186] اوتاد الارض و اعلام الدين اربعة محمد بن مسلم و بريد بن معوية و ليث بن البختري المرادي و زرارة بن اعين ، اقول و يجري نحو مما ذكرنا فيهم ايضا علي الفرعية كما قال (ع) في هؤلاء الاربعة خاصة انهم اربعة نجباء امناء الله علي حلاله و حرامه لولا هؤلاء لانقطعت آثار النبوة و عنه (ع) في حديث طويل و لو لميكن في الارض مؤمنين كاملين اذا لرفعنا الله اليه و انكرتموا الارض و انكرتموا السماء الحديث ، فبمقتضي هذه الاخبار ان قلنا ان لهم صلوات الله عليهم بالنسبة الي شيعتهم قياما ظهوريا و لولاهم لميظهروا و رفعهم الله اليه كان حقا صحيحا كما انه لولا نور الشمس قلت انها لمتطلع بعد او غربت و كذلك فيما نحن فيه بالجملة و لما كان الاصل من هاتين الصفتين للنبي و الولي (ع) و هما قطب النبوة و الولاية و خاتماهما و قد كان الحسن و الحسين مظهرين لهما دون رتبتهما وصفا بالمحورين لان المحور مظهر القطب و هو المركز و المحور قطب في الظاهر و فيه تكثر ما حتي اختلفت نسبة الدوائر اليه و من هنا حصل الاختلاف بالنسبة اليهما و من دونهما من الائمة بين [ص 187] الشيعة فانهم باجمعهم مسلمون لعلي عليه السلام بل و العامة ايضا مسلمون له قائلون بخلافته و لو من بعد الثلثة و اما الحسن و الحسين و الائمة من ذرية الحسين عليهم السلام اما العامة فلميقولوا بخلافتهم و الشيعة ايضا اختلفوا فيهم حتي في الحسن عليه السلام حيث لميسلموا له حق التسليم و سموه مذل المؤمنين نعوذ بالله و في الحسين عليه السلام حتي زعم بعضهم انه القي نفسه الي التهلكة خلافا لقوله تعالي و لاتلقوا بايديكم الي التهلكة حتي تصدي بعض اصحابنا لرفع هاتين الشبهتين و من بعد الحسين عليه السلام منهم من قال بامامة محمد بن الحنفية و انه قائم آلمحمد عليهم السلام و انكروا امامة علي بن الحسين (ع) و من بعده ايضا بعضهم قال بامامة زيد بن علي بن الحسين و كذا من بعد جعفر بن محمد الصادق (ع) قال بعضهم بامامة اسمعيل ابنه و هكذا ساير فرق الواقفية كلهم اختلفوا فيهم صلوات الله عليهم فمن هنا عبر عنهما اي الحسنين بالمحورين اشارة الي اختلاف نسب الشيعة اليهم و قوله اعلي الله مقامه في كوني التكويني و التشريعي في رتبة التمييز و الافتراق فاعلم ان [ص 188] الكون التكويني هنا اشارة الي مقام الجمع و الكون التشريعي اشارة الي مقام التمييز و الافتراق و ذلك لان الشرع في مقام الصورة و النسبة الحاصلة بينها و بين غيرها من قرب او بعد و موافقة او مخالفة و هم في مقام الجمع لا احد معهم غيرهم حتي تكون بينه و بينهم نسبة او قرب او بعد او يعرفوا من مقاماتهم شيئا فان المؤمن و الكافر و البر و الفاجر من ساير الناس بالنسبة الي مقام الجمع منهم علي السواء و قد عرج النبي صلي الله عليه و آله ليلة المعراج الي مقام كان الناس باجمعهم موتي في ذلك المقام و لعله يجري هنا تأويل قوله تعالي انك لاتسمع من في القبور فان الميت لايسمع شيئا فالنسب و الاضافات هناك منقطعة و لكن في عرصة التشريع في مقام انا بشر مثلكم و مقام ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه و مقام انما انت منذر و لكل قوم هاد فهنالك انما يدعي كل قوم بامامهم و يختلف النسب و الاضافات بحسب الدعوات و الاجابات و ما اتخذوا لانفسهم من الاعتقادات بالجملة فمقام الجمع عرصة التكوين و تسوية النسب و المجهولية الصرف بالنسبة الي غيرهم و مقام الفرق عرصة التشريع و اختلاف درجاتهم صلوات الله [ص 189] عليهم ايضا يعرف في هذا المقام و هنا تتميز النبوة من الولاية و هنا يعرف المادة من الصورة و الحقيقة الواحدة المستوية عليهما فهنا تقول انه لو لمتكن مادة و لا صورة لمتكن هنا حقيقة مستعلية كما لو لمتكن الاخلاط المعينة للمعجون الفلاني لميكن هذا المعجون موجودا و قد فسرنا هذه الفقرة اولا في العوالم من العقل الي الجسم ثم في النبي و الائمة (ع) و هذا ايضا معني آخر للتكوين و التشريع في كلامه فتدبر و بالجملة قد ذكرت اولا و اقررت علي نفسي بالجهل بحقيقة ما اراده القائل روحي فداه و لكن من باب ان الميسور لايسقط بالمعسور اذكر ما يخطر بالبال و العذر عند كرام الناس مقبول و اعلم ان ضيق المجال يمنعني عن التفصيل في المقال و لعل في تلك البيانات ايضا اشارات الي مطالب علي سبيل الاجمال و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .