قال اعلي الله مقامه و رفع في الدارين اعلامه : و علي آله و اصحابه الذين هم الفواصل الكبري و الصغري في النشأتين و نظم الكون في الكورين و بيت القصيدة في الدورين فبهم و منهم الوفاق و لهم و عنهم الفراق .
[ص 190] اقول كل هذه الكلمات من اصطلاحات الموسيقي و العروض كما عرفت بمناسبة شرحه اعلي الله مقامه للقصيدة المزبورة و قد عرفت انهم سموا الحركات الثلث بعدها سكون بالفاصلة الصغري و الحركات الاربع بعدها سكون بالفاصلة الكبري نحو جَبَلِنْ و سَمَكَتَنْ ● فعبر اعلي الله مقامه هنا عن آل النبي (ص) بالفواصل الكبري و عن اصحابه (ص) بالفواصل الصغري و المراد من الاصحاب شيعتهم (ص) و عبر عنهم بالاصحاب من باب التقية لانه اعلي الله مقامه في هذا الشرح الشريف وجه كلامه الي العامة فاراد ان يعبر بلفظ يمكنهم حمله عليهم لانه من مصطلحات العامة و كثيرا ما يطلقونه علي المهاجرين الاولين و الانصار بزعمهم و لا بأس به و منه قوله تعالي في خبر الغار اذ قال لصاحبه لاتحزن ان الله معنا و هم يزعمون ان فيه شرفا لصاحبهم مع انه لا شرف له فيه و قد قال الباقر عليه السلام في مناظرة الحروري لما استدل في تفضيل صاحبه باربع خصال منها انه صاحب رسول الله صلي الله عليه و آله في الغار فقال الباقر (ع) و اما ما ذكرت انه صاحب رسول الله (ص) في الغار فذلك رذيلة لا فضيلة من وجوه [ص 191] الاول انا لانجد له في الآية مدحا اكثر من خروجه معه و صحبته له و قد اخبر الله في كتابه ان الصحبة قد تكون للكافر مع المؤمن حيث يقول قال له صاحبه و هو يحاوره اكفرت و قوله ان تقوموا لله مثني و فرادي ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة و لا مدح له في صحبته اذ لميدفع عنه ضيما و لميحارب عنه عدوا ثم عاب عليه السلام عليه بقلة صبره و خوفه علي نفسه و عدم وثوقه بما وعده الله و رسوله من السلامة حتي قال له النبي (ص) لاتحزن ان الله معنا ثم بجهله بأن الله معهما حتي قال له رسول الله (ص) ان الله معنا ثم بتخصيص نزول السكينة عليه (ص) دونه حيث قال انزل الله سكينته عليه ، بالجملة و الغرض ان كونه صاحبا له (ص) مع هذه الرذايل لا فضل له فيه لكن الله سبحانه اعمي ابصارهم و طبع علي قلوبهم حتي لميعرفوا ذلك و استندوا به و من ذلك تسميتهم هؤلاء بالاصحاب افتخارا و لا فخر لهم فيه اذا خالفوا امره بل الصاحب العاصي المخالف اشر من غير الصاحب و ان لميكن مطيعا لان الحجة قد يتم علي الصاحب قبل المجانب بالجملة لكنه كلمة يستعمل للموافق و المخالف جميعا و يميز بينهما بالقراين كما بين الباقر (ع) فمراده اعلي الله مقامه هنا من الاصحاب شيعتهم حقيقة و عينهم بقرينة [ص 192] الاوصاف المذكورة و الآل كما في فرائداللئالي اصله اهل ابدلت الهاء همزة فصار اءل فتوالت الهمزتان فابدلت الثانية الفا و استدل عليه بعود الهاء في التصغير فيقال اهيل و اويل بالواو ايضا و قيل اصله اول تحركت الواو و انفتح ما قبلها فقلبت الفا و آل النبي صلي الله عليه و آله الائمة و فاطمة الصديقة عليهم السلام و قد تكرر في الحديث و الدعاء و آل الله ايضا آل الرسول (ص) و تكرر ايضا في الكتاب من ذلك اعملوا آل داود شكرا آل داود سليمان و ذريته و من حذا حذوه فقد آتينا آل ابرهيم الكتاب آل ابرهيم اسمعيل و اسحق و اولادهما ممن حذا حذوهم و محمد و ذريته صلوات الله عليهم بدليل قوله تعالي ان الله اصطفي آدم و نوحا و آل ابرهيم و آل عمران علي العالمين ذرية بعضها من بعض و آل عمران موسي و هرون و اولادهما ممن حذا حذوهما بدليل قوله تعالي ان آية ملكه ان يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم و بقية مما ترك آل موسي و آل هرون ، ادخلوا آل فرعون اشد العذاب هم اشياعه و اتباعه و قومه لع و الخطاب لآلمحمد و ذريته صلي الله عليه و آله و منه الحديث لايحل الصدقة لمحمد و [ص 193] آلمحمد و فيه سئل من الآل فقال ذرية محمد (ص) فقيل له من الاهل فقال الائمة (ع) و في معانيالاخبار سئل (ع) من آلمحمد فقال ذريته فقيل و من اهل بيته قال الائمة (ع) قيل و من عترته قال اصحاب العباء قيل فمن امته قال المؤمنون ، و عن بعض المحققين في معرفة الآل ان آل النبي (ص) كل من يؤل اليه و هم قسمان الاول من يؤل اليه مآلا صوريا جسمانيا كاولاده و من يحذو حذوهم من اقاربه الصوريين الذين يحرم عليهم الصدقة في الشريعة و الثاني من يؤل اليه مآلا معنويا روحانيا و هم اولاده الروحانيون من العلماء الراسخين و الاولياء الكاملين و الحكماء المتألهين المقتبسين من مشكوة انواره و لا شك ان النسبة الثانية اشد تأكيدا من الاولي و اذا اجتمعت النسبان كان نورا علي نور كما في الائمة من العترة الطاهرة (ع) انتهي ، اقول و هذا البيان الاخير مأخوذ من الاخبار و قد روي عن عمار بن موسي قال كنت عند ابيعبدالله عليه السلام فقال رجل اللهم صل علي محمد و اهل بيت محمد فقال ابوعبدالله (ع) يا هذا لقد ضيقت علينا اماعلمت ان اهل البيت خمس اصحاب الكساء فقال [ص 194] الرجل كيف اقول قال قل اللهم صل علي محمد و آلمحمد فنكون نحن و شيعتنا قد دخلنا فيه و في خبر لبعض شيعته انتم من آلمحمد انتم من آلمحمد فقال الراوي من انفسهم فقال من انفسهم ، اقول و مواقع الاستعمال مختلفة و لعله يلاحظ فيه اعتقاد الانسان و نيته و ما يريد من كلامه المتر في اخبارهم (ص) ان سلمان منا اهل البيت و ابوذر منا اهل البيت و مقداد منا اهل البيت و جابر منا اهل البيت و غير ذلك مما قالوا سلام الله عليهم في حق شيعتهم و عدهم من انفسهم فان كنت عارفا بمعني ما تقول و اردت منه العموم كان لك ذلك و لكن قد يكون الرجل جاهلا و لايحتمل البيان فيؤمر باداء لفظ يعم الكل بالجملة فالآل ايضا يشمل شيعتهم و لكن لما اردف بالاصحاب فيختص الآل بالائمة صلوات الله عليهم و الاصحاب شيعتهم ثم وصف الآل بالفواصل الكبري و الاصحاب بالصغري في النشأتين بملاحظة الترتيب اما تسميتهم (ص) بالفاصلة الكبري فلأنها كما عرفت اربع حركات و سكون و هم في مقام الولاية الكلية و السبب الثقيل ذووا حركتين كما عرفت و اذا نزلوا الي مقام التفصيل تكررت [ص 195] فيهم الحركتان فصارت اربعة الاتري السراج اذا انطبع في المرآت يتكرر ضوؤه و حرارته في المرآت و كذلك الامر هنا انهم اذا نزلوا الي عرصة التفصيل يتكرر فيهم الحركتان فتصير اربعا ثم يسكنون كما عرفت سابقا و اما شيعتهم فاعلم ان الشعاع انما يفصل من ذي الشعاع من حيثه الاسفل و صورته الظاهرة و لايحكي من المقامات الباطنة حق الحكاية فحركة الولاية الظاهرة تظهر في شيعتهم و لها ظهور خاص في ارائة الظاهر هي حركة المادة و حركة من حيث الصورة علي حسب حكايته و استعداده ثم لهم حركة عليهم (ص) من حيث المشايعة و المتابعة من قولهم (ع) شيعتنا من شيعنا و اتبع آثارنا و اقتدي باعمالنا ، ففيهم ثلث حركات ثم سكون و اطمينان تحت اوامرهم و لساداتهم اربع حركات لان حكايتهم عن الولاية المطلقة حكاية ذاتية غيبية و شهادية و لاتختص بالظاهر فقط ثم سكون العصمة و الامتناع بالله تعالي عن الخروج من تحت امره فهم مستقرون في ظله و لايخرجون منه الي غيره لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا و الرجس هو الشك [ص 196] و التردد و التزلزل فتدبر فهم ساكنون مطمئنون في اعلي درجة العصمة و الطهارة و النشأتان في كلامه اعلي الله مقامه يمكن تنزيلهما علي مقام الولاية المطلقة و الولاية الخاصة و علي مقام عليتهم (ص) و مقام معلولية اصحابهم و شيعتهم و القري المباركة و القري الظاهرة و بحسب الظاهر المراد منهما الدنيا و الآخرة من قوله تعالي قد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و الفواصل الكبري و الصغري صلوات الله عليهم ابواب الله في الدنيا و الآخرة و حجبه قال (ع) هو المحتجب و نحن حجبه ، و هم شهداء دار الفناء و شفعاء دار البقاء و الفواصل الصغري خاصة هم القري الظاهرة بالنسبة الي القري المباركة كما ان القري المباركة ايضا محال معرفة الله و مساكن حكمة الله و مدائن علم الله و قد فصلوا الخلق عن جميع ذلك و حرموهم الا من دخل من ابوابهم و ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و اتوا البيوت من ابوابها و هم بشدة نورانيتهم حجبوا الخلق و منعوهم عن التطلع علي ما فوق مقامهم كما ان نور الشمس حجاب بينها و بين الناظرين يمنعهم عن التعمق في جرم الشمس و التطلع [ص 197] عليها فنور الشمس فاصل بينها و بين الناظرين و لكن معذلك يحكي عنها اشد حكاية قال (ع) يفصل نورنا من نور ربنا كما يفصل نور الشمس من الشمس ، فنور الشمس فاصل بينها و بين الارض كما ان نورهم (ص) ايضا فاصل بين نوره تعالي و ساير الخلق و عن النبي صلي الله عليه و آله في دعاء الحجب اللهم اني اسألك يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه الي ان قال و اسألك بالاسماء التي تجليت بها للكليم علي الجبل العظيم فلما بدا شعاع نور الحجب من بهاء العظمة خرت الجبال متدكدكة لعظمتك و جلالك و هيبتك الدعاء و سمع ابوجعفر عليه السلام يقول بنا عبد الله و بنا عرف الله و بنا وحد الله و محمد حجاب الله ، اقول و اخبار الحجب كثيرة و كلها راجعة اليهم و الانوار الصادرة عنهم صلوات الله عليهم و ليس معني الحجاب و الفصل هنا ما يجري في الخلق فعن الصادق عليه السلام فان قالوا و لم استتر قيل لهم لميستتر بحيلة يخلص اليها كمن يحتجب عن الناس بالابواب و الستور انما معني قولنا استتر انه لطف عن مدي ما تبلغه الاوهام كما لطفت النفس و هي خلق من [ص 198] خلقه و ارتفعت عن ادراكها بالنظر الحديث ، و في خطبة لعلي عليه السلام لاتشمله المشاعر و لايحجبه الحجاب فالحجاب بينه و بين خلقه لامتناعه مما يمكن في ذواتهم و لامكان ذواتهم مما يمتنع منه ذاته و لافتراق الصانع و المصنوع و الرب و المربوب و الحاد و المحدود ، اقول فمعني كونهم صلوات الله عليهم فاصلا ليس بمعني الحجاب الساتر لما ورائه مما غاب بل لشدة نورانيتهم و بعدهم عن مدي ما تبلغه الاوهام حجبوا الخلق عن رؤيته تعالي الا بما بدي من فضل نوره تعالي في اشعة انوارهم و سيأتي زيادة بيان في شرح الفواصل و قوله (اع) و نظم الكون في الكورين قال في الفرائد نظم اللؤلؤ و غيره كضرب و المصدر كفلس و كتاب جعله في سلك و الفه فيه الي ان قال و نظم وصف بالمصدر و منه نظم الشعر و تنظيمه ايضا فانتظم و تنظم علي افتعل و تفعل للمطاوع و الشئ ضمه الي آخر و الامر اقامه الي ان قال و النظام كل خيط ينظم به اللؤلؤ و نحوه و قال في الكور كار العمامة علي رأسه كورا كقال ادارها عليه و كل كور دور الي ان قال و الكور ايضا في كلام علي عليه السلام انا مع الكور قبل الكور انا مع الدور [ص 199] قبل الدور معناهما في اصطلاح الحكمة اذا اجتمعا ان الكور يستعمل في دوران الافلاك النفسانية الباطنية و الدور يستعمل في دوران الافلاك الجسمانية و اذا افترقا يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر اقول اما مع الاجتماع و الافتراق فكما ذكر و لكن الظاهر من الكورين هنا انه يشمل المقامين كالدورين بعد ذلك و الغرض من نظم الكون في الكورين علي سبيل الاجمال ان استقرار الاشياء و وقوعها في مواقعها و دوران بعضها علي بعض الاسباب علي المسببات و المسببات علي الاسباب و الافلاك علي الاراضي و الغيب علي الشهادة و الشهادة علي الغيب و المشية علي المشاءات و المشاءات علي المشية و كل ما يفرض من نحو ذلك في عرصة الايجاد و عرصة التشريع كل ذلك لمينتظم و لميستقر الا بهم صلوات الله عليهم فعن ابنعباس قال قال رسول الله (ص) و الذي بعثني بالحق بشيرا مااستقر الكرسي و العرش و لادار الفلك و لاقامت السموات و الارض الا بأن كتب عليها لا اله الا الله محمد رسول الله علي اميرالمؤمنين الحديث ، و عن اميرالمؤمنين (ع) في حديث النورانية انا الذي كتب اسمي [ص 200] علي العرش فاستقر و علي السموات فقامت و علي الارض فرست و علي الريح فدارت و علي البرق فلمع و علي الودق فهمع و علي النور فسطع و علي السحاب فدمع و علي الرعد فخشع و علي الليل فدجي و اظلم و علي النهار فانار و تبسم ، اقول و ساير آلمحمد صلوات الله عليهم معهما فعن موسي بن جعفر عليهما السلام في حديث طويل نحن مكتوبون علي عرش ربنا مكتوب محمد خير النبيين و علي سيد الوصيين و فاطمة سيدة نساء العالمين و عن الرضا (ع) قال ان آدم (ص) لما اكرمه الله تعالي باسجاده ملائكته له و بادخاله الجنة ناداه الله ارفع رأسك يا آدم فانظر الي ساق عرشي فنظر فوجد عليه مكتوبا لا اله الا الله محمد رسول الله علي اميرالمؤمنين و زوجته فاطمة سيدة نساء العالمين و الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة فقال آدم يا رب من هؤلاء قال عز و جل هؤلاء ذريتك لولاهم ماخلقتك ، اقول و قد يجري معني ما ذكر اعلي الله مقامه في شيعتهم ايضا فعن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله قال الله تبارك و تعالي ليأذن بحرب مني من آذي عبدي المؤمن و ليأمن من [ص 201] غضبي من اكرم عبدي المؤمن و لو لميكن في الارض ما بين المشرق و المغرب الا عبد واحد مع امام عادل لاستغنيت بهما عن جميع ما خلقت في الارض و لقامت سبع سموات و سبع ارضين بهما و جعلت لهما من ايمانهما انسا لايحتاجون الي انس سواهما و في حديث عن ابيعبدالله (ع) عن النبي صلي الله عليه و آله في صفة من يزور قبر الحسين (ع) من المخلصين و كل اهل دين يطلبون ائمتهم و هم يطلبوننا لايطلبون غيرنا و هم قوام الارض و بهم ينزل الغيث الخبر ، و الاخبار بهذه المعاني كثيرة و يأتي زيادة بيان لهذه الفقرة ايضا و قوله اعلي الله مقامه و بيت القصيدة في الدورين ايضا من باب براعة الاستهلال و التشبيهات البديعية كالكلمات السابقة و البيت قال في الفرائد ان بيت الشعر معلوم و هو ما يشتمل علي اجزاء معلومة سمي علي الاستعارة بضم اجزائه بعضها الي بعض علي نوع خاص كما يضم اجزاء البيت بمعني المسكن في عمارته علي وضع خاص و القصيدة قد عرفت انها المنقح المجود من الشعر و لايكون اقل من ثلثة ابيات فصاعدا او ستةعشر فصاعدا و قد ذكرنا ان المراد منها العوالم السبعة من [ص 202] العقل الي الجسم و كل عالم قصيدة خاصة لها ابيات من العرش الي الفرش و في العبارات السابقة عبر عنهم بمطلع القصايد و المطلع هو البيت الاول و لكن في هذه العبارة عبر بالبيت المطلق ليشمل كل بيت من اول كل قصيدة الي آخرها و المراد الاشارة الي فضيلة من فضائلهم سنبينها ان شاء الله تعالي و قوله (اع) فبهم و منهم الوفاق و لهم و عنهم الفراق المراد منه ان الموافقة و الاتصال و الاتحاد و الاخوة بين ارواح المؤمنين و ابدانهم بهم و منهم و ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة و النور هو نور رسول الله صلي الله عليه و آله و الرحمة هي رحمتهم من قوله صلي الله عليه و آله انا و علي ابوا هذه الامة ، و خلاف ذلك انما يجري في الكفار فان الفراق و الاختلاف و تشتت الآراء بينهم انما هي من جهة الاعراض عنهم و قد يجري ذلك في الكون ايضا فان كل اتفاق و اتصال و انتظام في الكون فانما هي بهم صلوات الله عليهم و كل افتراق و خلل و فساد و فناء و زوال فهي بالاعراض عنهم الا ان لهم صلوات الله عليهم ظهورا شرعيا يجري عليه [ص 203] احكام الشرع و ظهورا كونيا يجري عليه احكام الكون و الكل منهم و عنهم و اليهم و لهم و اعلم ان هذه الفقرات الاربع و هي كونهم الفواصل و نظم الكون و بيت القصيدة و كون الوفاق منهم و بهم و الفراق عنهم و لهم تعبيرات علي ما اقتضاه المقام من عليتهم صلوات الله عليهم في المقامات الاربعة و هي العلة الفاعلية و المادية و الصورية و الغائية و بيان ذلك علي سبيل الاجمال انه لما كان الخلق منقطعا عن الله جل و عز ممتنعا في ساحة قدسه تعالي و كانوا سلام الله عليهم هم الفواصل بينه و بين خلقه و الاسباب الموضوعة لايجادهم و كان لايجري فعله تعالي فيهم الا بهم صلوات الله عليهم و لا معني لاستعمال اللفظ في مقام لايصدق عليه و قد قال عليه السلام لهشام الماء اسم للمشروب و الخبز اسم للمأكول و الثوب اسم للملبوس افهمت يا هشام فهما تناضل به اعداءنا ، فاسم الفاعل و ان كان مختصا به تعالي و لا فاعل في الوجود الا الله و لكن معذلك مصداق هذا الاسم و موضوعه انما هو حيث يتحقق المعني و يصح استعماله فيه و ان كان الله تبارك و تعالي لاحاطته و اولويته و استوائه و استيلائه [ص 204] علي ما دق و جل قد ينسب جميع ذلك اليه و لكنه معذلك في ذاته منزه عن جميع ذلك و كمال التوحيد نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران الممتنع عن الازل الثابت في الحدث فالفاعلية و ان كانت مختصة به تعالي لا شريك له فيها و لكن معذلك مصداق هذا الاسم حيث يمكن الفعل الاتري ان الفاعل مشتق من الفعل و لولا الفعل لميكن الفاعل فاعلا و الفعل خلقه تعالي خلقه به في مقامه بعد ان لميكن ثم اشتق له منه اسم الفاعل فكيف يصح كونه بحسب الذات فاعلا و ائمتنا سلام الله عليهم لميرضوا بجعل الارادة ذاته تعالي فكيف يرضون بجعله مريدا في ذاته مع ان المريد مشتق من الارادة و لولا الارادة لميكن المريد مريدا و من هنا قالوا عليهم السلام في معني اتصافه بتلك الصفات انه الفاعل لا بمعني الحركات و الآلات و انه الخالق لا بمعني حركة و نصب و السميع لا باداة و البصير لا بتفريق آلة و الشاهد لا بمماسة و في كلام اميرالمؤمنين (ع) لذعلب شاء الاشياء لا بهمة دراك لا بخديعة في الاشياء الي ان قال [ص 205] فاعل لا باضطرار مقدر لا بحركة مريد لا بهمامة سميع لا بآلة بصير لا باداة ، بالجملة و هكذا كلما ذكر من الاسماء و الصفات فيه تعالي فانما هو للتعبير و التفهيم و لما لميريدوا منها المعاني الخلقية تداركوا في كل اسم و صفة بما يزيل الشبهة و التوهم عن الاذهان حتي نعلم انهم لميريدوا منها تلك المعاني الخلقية و انما مواقع تلك الاسماء و الصفات بحسب المعاني الخلقية حيث جعلها الله سبحانه و اختارها لنفسه لا انها موضوعة لذاته تعالي و من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة فظهور اسم الفاعل له تعالي حيث اظهره و جعله فيه و قد قال (ع) في حديث الانزعية و تلك الصورة هيولي الهيولات و فاعلة المفعولات و اس الحركات و علة كل علة و عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث نحن صنايع الله و الخلق بعد صنايع لنا و في كتاب اميرالمؤمنين عليه السلام الي معوية فانا صنايع ربنا و الناس بعد صنايع لنا ، اقول قد يأول هذان الخبران الي ان الله تعالي صنعهم لنا كما قال و سخر لكم ما في الارض جميعا و هذا المعني و ان كان صحيحا و لكن يجري في مراتبهم الدانية و لهم مقامات [ص 206] اعلي منها هم بانفسهم فيها صانعون للاشياء بامر الله و هنا بعض اخبار لاينسبك علي هذا التأويل كما في التوقيع الرفيع عن عثمان بن سعيد العمروي اعلي الله مقامه عن الحجة عليه السلام و نحن صنايع ربنا و الخلق صنايعنا و عن جمهور بن حكم ( حكيم خل ) قال رأيت علي بن الحسين و قد نبت له اجنحة و ريش فطار ثم نزل فقال رأيت الساعة جعفر بن ابيطالب في اعلي عليين فقلت و هل تستطيع ان تصعد فقال نحن صنعناها و كيف لانقدر ان نصعد الي ما صنعناه نحن حملة العرش و نحن علي العرش و العرش و الكرسي لنا ثم اعطاني طلعا في غير اوانه ، اقول فمثل هذين الخبرين لايقبلان التأويل المذكور بل هم الصانعون بامر الله تعالي و في الندبة المعروفة و القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتكم و الممحو ما لااستأثرت به سنتكم و فيها مجاهدتك في الله ذات مشية الله و مقارعتك في الله ذات انتقام الله و صبرك في الله ذو اناة الله و شكرك لله ذو مزيد الله و رحمته ، الي غير ذلك من الاخبار الدالة عليه و الناس يزعمون ان مراد مشايخنا اعلي الله مقامهم مما قالوا في هذا المقام ان آلمحمد عليهم السلام هم [ص 207] الفاعلون المستقلون و لا فاعل سواهم و حاشاهم ان يريدوا هذا المعني الفاسد و المذهب الكاسد و انما ارادوا ان فعله تعالي و فاعليته ظهر فيهم و منهم و هم مشيته تعالي او اكمام ارادته و اوكار مشيته و لا استقلال لهم بالنسبة اليه تعالي ابدا ابدا و في حديث طارق بن شهاب عن علي (ع) في صفة الامام انه قدرة الرب و مشيته و في دعاء الحسين (ع) اللهم منك البدأ و لك المشية و لك الحول و لك القوة و انت الله لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و جعلت عقولهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقايق ما منحتهم الدعاء ، و الغرض انهم صلوات الله عليهم ليسوا شركاء لله و لميفوض الامر اليهم كما يفوض احد من الخلق امره الي غيره و لكنه هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه و معذلك اظهر فعله و فاعليته فيهم و بهم و ابدأ من ارادته علي السنتهم فصنعهم و صنع ما سواهم بهم [ص 208] فكما تقول للنار انها محرقة لانها تحرق و للماء انه مبرد لانه يبرد و لا شرك فيه اذ لمتحرق النار و لميبرد الماء بالاستقلال كذلك الصورة الانزعية صلوات الله عليه فاعلة المفعولات و علة كل علة و لا شرك فيه ابدا فكونهم (ص) فواصل بين الله و بين خلقه بهذا المعني و هم مظاهر افعاله بل هم مظاهر توحيده و آيات معرفته و وجهه الذي يؤتي منه و معذلك ليسوا شركاء له بلهم عبيده و تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا فتدبر ثم قوله اعلي الله مقامه و نظم الكون في الكورين يشير به الي العلة المادية فان النظم بين اشياء متفرقة لايكون الا بسلك يؤلف بينها و يجمعها في نظام واحد و لو كانت الاشياء متفرقة لا سلك يؤلف بينها لمتنتظم و الله سبحانه و تعالي في ذاته لايكون سلكا ينتظم به امر خلقه و لكنه تعالي جعل في حكمة الايجاد و انتظامه سلكا للاشياء ينظمها في نظام واحد و لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا فانهم ايضا اي الآلهة المفروضة لميكن لهم بد من ان يسلكوا هذا المسلك فيما يختص بهم من الخلق فيوجد هنا سلاسل متعددة مختلفة لا سلك كليا ينظمها في نظام [ص 209] واحد فيتفرق الخلق و يفسد امرهم بالمرة نحو ما تشاهد من الدول المتخاصمة فيبغي بعضهم علي بعض و يعلو بعضهم علي بعض فيفسد امرهم من حيث انفسهم و اما الله سبحانه الذي جعل الكل في نظام واحد فلايفسد ملكه من حيث ما ينسب اليه و كل ما اراد بعضهم الاستعلاء علي بعض حيث ما لايريد الله تعالي دفعهم ببعض و اقعدهم في مقاعدهم و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله و ليحق الله الحق و يبطل الباطل و غير ذلك من الآيات مما يجري في الكون علي حسبه علي ما قدر الله سبحانه و في الشرع علي حسبه علي ما قدر الله سبحانه و الغرض ان الخلق ان كانوا باجمعهم في سلك واحد و نظام واحد انتظم امرهم و تألفوا علي ما اراد الله سبحانه و الا لذهب كل اله بما خلق و لعلا بعضهم علي بعض فلما عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان لآلمحمد سلام الله عليهم مقامين مقاما يحكون فيه عن الرحمة الرحمانية العامة الشاملة لجميع الخلق التي يجمع بها امر جميع الخلق و ينتظم بها امرهم في الكون و هو التأويل الاول لقوله تعالي و لايزالون مختلفين الا من [ص 210] رحم ربك فانه لولا الرحمة الرحمانية المؤلفة بين المتعاديات علي التأليف الكوني لفسد امر الخلق جميعا و اختلفوا و لعلا بعضهم علي بعض و يشير الي هذا المقام ما ورد في اخبارهم سلام الله عليهم من نحو قول رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله خلقني و عليا من نور واحد قبل خلق آدم بهذه المدة اي اربعينالف سنة ثم قسمه نصفين ثم خلق الاشياء من نوري و نور علي عليه السلام ثم جعلنا عن يمين العرش الحديث ، و نحو قول الصادق (ع) في حديث الانزعية و تلك الصورة هيولي الهيولات و فاعلة المفعولات ، فان هيولي الهيولات هي مادة المواد و نحو قول اميرالمؤمنين عليه السلام انا الذي اتقلب في الصور كيف اشاء ، و الجمع المحلي باللام في الخبر الاول و الاخير يفيد العموم فنورهم صلوات الله عليهم مادة المواد و في هذا النظر الكوني يستوي الظلمات و النور و يجري فيه قوله (ع) في الدعاء يا من الظلمة عنده ضياء ، فاذا كان الخلق باجمعهم من نورهم و قيام الشئ بمادته قيام تحققي فلايمكن ان يخرجوا هنا من تحت امرهم (ص) اذ لو خرجوا لفنوا و بادوا و انتظام امر الكون من جهتهم و [ص 211] نورهم الذي هو سبب لتحقق كل شئ و من معاني قوله (اع) نظم الكون في الكورين هو هذا فان الكورين يشمل كور الكون و كور الشرع فلاينتظم امر الكون الا بهم لأن جميع الاشياء خلقت من انوارهم و لفظة من في هذه المقامات لبيان المادة كما هو معلوم في محله كقولك صنعت الخاتم من فضة و اما بحسب الشرع و في عرصته و هنا مقام يحكون فيه عن الرحمة الرحيمية المكتوبة فالمؤمنون و الخيرات من كل طبقة خلقت من انوارهم كما عن الصادق عن آبائه الطاهرين (ع) عن الحسن بن علي صلوات الله عليه قال سمعت جدي رسول الله (ص) يقول خلقت من نور الله عز و جل و خلق اهل بيتي من نوري و خلق محبيهم من نورهم و ساير الخلق في النار و في الزيارة الجامعة و عناصر الابرار و دعائم الاخيار و ساسة العباد و اركان البلاد ، و الاخبار بهذا المعني متعددة و قد ورد عنهم عليهم السلام انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا ، فانتظام امر الشيعة و اتفاقهم انما هو من قبلهم و من باب اتحاد طينتهم و ذلك لأن الانتظام و الاتفاق بين المتعددين لايمكن الا من جهة اشتراك [ص 212] بينهم هي النظام المنظوم عليه فيهم كالخيط الذي تنظم عليه حبات السبحة و كلها مشتركة في هذا الخيط و منظومة عليه فمن هنا يتألف بينهم و يسلكون مسلكا واحدا و هو قولهم (ع) الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ايتلف و ما تناكر منها اختلف ، و ذلك لان التعارف لايحصل الا بالتشابه و التنظير و هو قوله (ع) انما تحد الادوات انفسها و الآلات تشير الي نظائرها ، فما خلق من الارواح من مادة النور و صبغ في صبغ الرحمة تعارفت و انتظمت و اتفقت و تحببت و ما خلق من مادة الظلمة و صبغ في صبغ النقمة فلايأتلفون مع الاولين الابرار بداهة و لايأتلف بعضهم ببعض ايضا لان الظلمة بنفسها من عرصة التكثر و الاختلاف تحسبهم جميعا و قلوبهم شتي ذلك بانهم قوم لايؤمنون و اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا و رأوا العذاب و تقطعت بهم الاسباب بالجملة فالانتظام في كل مقام لايكون الا بالاشتراك من جهة المادة و ان اشتركوا من جهة الصورة و حصل بينهم التشاكل ايضا فاولي و احسن فآلمحمد سلام الله عليهم سبب نظم الكون في الكورين الكوني الايجادي و الشرعي الاكتسابي لان الخلق [ص 213] في كل مقام علي حسب ذلك المقام خلقوا من انوارهم في مراتب تنزل الانوار علي حسب ما يقتضيه كل مقام من مقامات التنزل فلاتزعم انهم باجمعهم خلقوا من نور واحد و طينة واحدة فان النور الصادر الاول لايقتضي الا خلق المقربين و السابقين و المتنزل منه في الرتبة الثانية لايقتضي الا خلق اصحاب اليمين مثلا علي اختلاف درجاتهم بحسب اختلاف درجات النور بالجملة فقوله (اع) و نظم الكون في الكورين يشير الي عليتهم المادية و اما قوله (اع) و بيت القصيدة في الدورين فاعلم ان كل قصيدة تشتمل علي ابيات و هي تعبير عن العوالم و لكل عالم مراتب من عرشه الي الفرش و هي ابياته بل المواليد الجزئية المتولدة في كل عالم ابيات جزئية صغار في هذا العالم و البيت كما عرفت هو الوعاء الذي يحوي المتاع او الشخص و هو بمنزلة الصورة للمادة فكما ان البيت يحوي المتاع و يشتمل عليه كذلك الصورة تحوي المادة و تشتمل عليه و قوله بيت القصيدة لايخص بيتا خاصا كالمطلع يخص البيت الاول بل يشمل كل بيت من اولها الي آخرها فقوله اعلي الله مقامه بيت القصيدة في الدورين يشير الي عليتهم الصورية لكل صورة [ص 214] في دور الكون علي حسبه و في دور الشرع علي حسبه الاتري الي قوله (ص) و صبغهم في رحمته فجميع المؤمنين مصبوغون بصبغ الرحمة و صبغ الرحمة صورتهم (ص) و هو قوله تعالي كتب علي نفسه الرحمة و قوله و رحمتي وسعت كل شيء فساكتبها للذين يتقون فلهم صلوات الله عليهم هنا بالنسبة الي المؤمنين العلية الصورية و قد قال الصادق عليه السلام نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر ، فكل خير و نور و بر و بركة في المؤمنين فهي من فضل خيرهم و نورهم و بركتهم بل هم كل تلك الخيرات و الحسنات قال اميرالمؤمنين عليه السلام في الخطبة الطتنجية انا صلوة المؤمنين و زكوتهم و حجهم و جهادهم و في خطبة الافتخار انا صاحب الصلوة في الحضر و السفر بل نحن الصلوة و الصيام و الليالي و الايام و الشهور و الاعوام ، و امثال ذلك في اخبارهم صلوات الله عليهم اكثر من ان تحصي و في كتاب ابيعبدالله عليه السلام الي المفضل فافضل الدين معرفة الرسل و ولايتهم و اخبرك ان الله تعالي احل حلالا و حرم حراما فجعل حلاله حلالا الي يوم القيمة و جعل حرامه حراما الي يوم القيمة فمعرفة [ص 215] الرسل و ولايتهم و طاعتهم هي الحلال فالمحلل ما احلوا و المحرم ما حرموا و هم اصله و منهم الفروع الحلال و ذلك سعيهم و من فروعهم امرهم شيعتهم و اهل ولايتهم بالحلال من اقام الصلوة و ايتاء الزكوة و صوم شهر رمضان و حج البيت و العمرة و تعظيم حرمات الله و شعائره و مشاعره و تعظيم البيت الحرام و المسجد الحرام و الشهر الحرام و الطهور و الاغتسال من الجنابة و مكارم الاخلاق و محاسنها و جميع البر ثم ذكر بعد ذلك فقال في كتابه : ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون ، الي ان قال و انما امر الله بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي فالانبياء و اوصياؤهم هم العدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي يعني مودة ذي القربي و ابتغاء طاعتهم الي ان قال و اخبرك اني لو قلت ان الصلوة و الزكوة و صوم شهر رمضان و الحج و العمرة و المسجد الحرام و البيت الحرام و المشعر الحرام و الطهور و الاغتسال من الجنابة و كل فريضة كان ذلك هو النبي الذي جاء به من عند ربه لصدقت لان ذلك كله انما يعرف بالنبي و لولا معرفة [ص 216] ذلك النبي و الايمان به و التسليم له ماعرف ذلك فذلك من من الله علي من من عليه و لولا ذلك لميعرف شيئا من هذا فهذا كله ذلك النبي و اصله و هو فرعه و هو دعاني اليه و دلني عليه و عرفنيه و امرني به و اوجب علي له الطاعة فيما امرني به لايسعني جهله و كيف يسعني جهل من هو فيما بيني و بين الله و كيف يستقيم لي لولا اني اصف ان ديني هو الذي اتاني به ذلك النبي ان اصف ان الدين غيره و كيف لايكون ذلك معرفة الرجل و انما هو الذي جاء به عن الله الحديث ، و جميعه في بيان هذا المعني و هو طويل شريف فصور الخيرات و الحسنات كلها في المؤمنين بل و في كل احد انما هي منهم و اليهم و ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه فهم العلة الصورية لجميع المؤمنين و لا شبهة في ذلك فان قلت ان الخيرات فيهم كلها من فروعهم صلوات الله عليهم و انوارهم و آثارهم لصدقت و ان قلت انها هي هم ايضا لصدقت و ذلك لان المنير اولي بانواره منها و من محالها و اظهر فيها منها الاتري ان كل احد يسمي نور الشمس بالشمس و من البين انه ليس النور عين المنير و لكن [ص 217] المنير اولي به منه و قد استوي و استولي عليها حتي صارت الانوار غيبا في ظهور المنير و النور نور ما رؤي المنير فيه و ان لمير المنير منه فهو ظلمة و لا كلام لنا في الظلمة فالخيرات و الحسنات كلها من انوارهم و هم اولي بها منها و لولاهم لميوجد خير و لا نور و لا حسنة في احد ففي عرصة الشرع جميع الخيرات و الحسنات من آثارهم صلوات الله عليهم و هم اولي بها منهم فهم الصلوة و الزكوة و الحج و العمرة بل و التوحيد و المعرفة و قد قال الصادق عليه السلام نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر و من البر التوحيد و الصلوة و الصيام و كظم الغيظ و العفو عن المسيء و رحمة الفقير و تعاهد الجار و الاقرار بالفضل لاهله ، الحديث كما يأتي ، فهم صلوات الله عليهم بيت القصيدة في عرصة الشرع و المفرد المضاف يفيد العموم كما هو معلوم في محله فكل بيت من ابيات قصيدة الشرع من الخيرات و الحسنات هو هم و هم اصله و فرعه و معدنه و مأواه الا ان الخير المحض الخالص الكامل الذي لا نقص فيه انما هو مختص بهم في انفسهم صلوات الله عليهم و ما يظهر منهم من انوارهم في غيرهم فانما هو من اشعتهم و اشباحهم [ص 218] يظهر في كل مرآت من مرايا قوابل المؤمنين علي حسب استعدادهم فكل الخير و جمعه و حقيقته لهم (ص) و في غيرهم انما يظهر في كل احد علي حسب سعة قابليته و قد جمع الله عز و جل في الامام من آلمحمد (س) ما فرقه في جميع المؤمنين و الكل منهم و اليهم و علي عكس ذلك يجري في ائمة الضلال و اشياعهم و اتباعهم فهم اصل كل شر و من فروعهم كل قبيح و فاحشة فمنهم الكذب و النميمة و البخل و القطيعة و اكل الربوا و اكل مال اليتيم بغير حقه و تعدي الحدود التي امر الله عز و جل و ركوب الفواحش ما ظهر منها و ما بطن من الزنا و السرقة و كل ما وافق ذلك من القبيح و كذب من قال انه معنا و هو متعلق بفرع غيرنا و قال الصادق (ع) في كتابه الي المفضل بعد ما بين في الرسل و معرفتهم و انهم اصل كل حلال قال فعدوهم الحرام المحرم و اولياؤهم و الدخول في امرهم الي يوم القيمة فهم الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الخمر و الميسر و الزنا و الربوا و الدم و الميتة و لحم الخنزير فهم الحرام المحرم و اصل كل حرام و هم الشر و اصل كل شر و منهم فروع الشر كله و من تلك الفروع استحلالهم [ص 219] الحرام و اتيانهم اياها و من فروعهم تكذيب الانبياء و جحود الاوصياء و ركوب الفواحش الزنا و السرقة و شرب الخمر و المسكر و اكل مال اليتيم و اكل الربوا و الخدعة و الخيانة و ركوب الحرام كلها و انتهاك المعاصي الحديث ، فائمة الضلال هم العلة المادية لاتباعهم من جهة اشاعة الظلمة فيهم منهم و العلة الصورية لهم من جهة ان كل شر و فاحشة في الاتباع فانما هو من فضل شرهم و فحشائهم بل و العلية الفاعلية هنا ايضا تثبت لهم و هم الاسماء السوئي كما ان محمدا و آلمحمد صلوات الله عليهم هم الاسماء الحسني لله سبحانه الاتري في كتاب الله سبحانه آيات كثيرة من نحو قوله اصمهم و اعمي ابصارهم و طبع علي قلوبهم و زينا لهم اعمالهم و اذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها و غير ذلك من الآيات و هي كثيرة و ظهور فاعليته تعالي لذلك كله انما يظهر في رؤساء الضلالة عليهم لعائن الله و هم الاسماء السوئي التي لميرضها الله و لميحبها و لميخترها لنفسه بل سلبها عنه في كثير من المقامات و ان كان كل ذلك بمشية الله و حوله و قوته الكونيين فافهم و لنا في ذلك بيان آخر دقيق عميق [ص 220] ان عرفته وقفت علي سر القدر و المنزلة بين المنزلتين و الاشارة اليه ان المطلق العالي المستعلي علي جميع الاشياء نسبته الي جميع الاشياء علي السواء و هم منفيون عنه و عن حيزه و مقامه و لايستمدون عنه بشئ من خير او شر و حسنة او سيئة و لكن لما ظهر نوره تعالي في زيت قابلية محمد صلي الله عليه و آله و استضاء به و اضاء علي ما سواه قام بين الخلق قطبا لما سواه و كل ما ظهر من فيض او مدد او مد منه تعالي فانما هو بسبب تلك القابلية الطيبة الطاهرة و ان كان النور ظهر في القوابل النورانية به و منه و من فضل نوره صلوات الله عليه و آله و الظلمة ظهرت في القوابل الظلمانية به لا منه و لا اليه و لو لمتكن تلك القابلية الطيبة المباركة لميكن في الكون نور و لا ظلمة و المثل التقريبي في ذلك السراج و الجدار الذي يقع امامه و النور الظاهر علي وجه الجدار و الظل المبسوط من وراء الجدار فانه لولا السراج لميكن نور في وجه الجدار و هو منه و اليه و ما اصابك من حسنة فمن الله و كذا لولا السراج لميكن ظل للجدار بداهة و ان كنت تجد الارض التي من وراء الجدار ظلمانية قبل الاتيان بالسراج فالظلمة منها لا من الجدار [ص 221] علي ان الامثال هنا عرضية و ان نظرت بنظر الحقيقة وجدت انه لولا السراج لميكن هنا ظل و لا ارض مظلمة بالجملة فالظل من وراء الجدار قائم بالسراج و لو لميكن سراج لميكن ظل موجودا و لكن معذلك الظل من نفس الجدار لا من السراج و لا الي السراج لكنه بالسراج و لو لميكن سراج لميحدث الظل فتدبر فالشرور في اهل الشر كلها ليست بشئ و لا موجود الا بمبدء الخير في مقامه و لكن معذلك ليس الشر منه و لا اليه و لكنه من مقتضيات القوابل السيئة قد حدث و وجد بمبدأ الخير و الا فمبدأ الظلمة اقل قدرا و اخس و انقص خطرا من ان يقوم بازاء مبدأ الخير مستقلا بنفسه مستغنيا عنه فيؤثر مثل ما يؤثر و يظلم نحو ما ينور فبهذا النظر ان قلت ان مبدأ الخير هو العلة الصورية ايضا لكل خير و شر لكن الخير منه و اليه و الشر به لا منه و لا اليه صح ذلك بل المنزلة بين المنزلتين هي هذا لا غير و في النظر الظاهر نقول ان الله سبحانه يقول و السماء رفعها و وضع الميزان فالمطلق العالي المستعلي بمنزلة السماء مرفوع عن منال ايدي الخلق و لا نسبة بينه و بينهم و لكن لما وضع الميزان و هو الرسول و [ص 222] الامام في مقام انا بشر مثلكم فهناك تفاوت المؤمن و الكافر و المطيع و العاصي و القريب و البعيد و النوراني و الظلماني و وجود الامام ليلة القدر التي يقدر فيها و بها ارزاقهم و آجالهم و سعادتهم و شقاوتهم و كلما يتعلق بهم و لولا وجود القطب و المركز في الدائرة لمتكن نقطة من نقاطها قريبة و لا بعيدة و لكن لما ثبت المركز و ركز في مقامه في قلب الدائرة و وسطها فهنالك ثبت القريب و البعيد و المؤالف و المخالف فالمخالفة و ان كانت اصلا بسبب الانقطاع و الاعراض و لكن معذلك لا بد فيه من نسبة الي الميزان و المركز حتي تثبت المخالفة او الموافقة فالقطب و المركز علة لثبوت قرب القريب و بعد البعيد و لولاه لميكن هنا قريب و لا بعيد فالامام اذا قام بين الخلق و هو ميزان الخيرات و الحسنات و المثوبات يثبت به الخير و النورانية للمؤتم به و الشر و الظلمانية للمعرض عنه كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا و فريقا هدي و فريقا حق عليهم الضلالة فتدبر و اما في الكون فكما ان الله سبحانه خلق الاشياء كلها من نورهم و نورهم مادة المواد و هيولي [ص 223] الهيولات كذلك صورهم متممات لظهور انوارهم و كلها من فضل ظهورهم و لكن علي حسب القوابل كما انه لولا النور كان بياض الابيض و سواد الاسود كليهما مخفيا مستورا و اذا انار المنير ظهر هذا و ذاك فالكل منه و به و يمكن تعميم قول اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة الافتخار و تفسيره بهذه المعاني حيث قال انا صاحب الهيئات بعد الهيئات ، و علي اي حال لا شك ان لوجود الصور ايضا سببا و علة و ان من شئ لنا الا و هم له السبب و اليه السبيل و لو كانت الصور ايا كان لاتحتاج الي السبب لكانت مستقلة و هو غير معقول بداهة و اخطأ من قال ان الله لميجعل المشمش مشمشا و لكن جعله موجودا بل جعله موجودا و جعله مشمشا و هو قوله تعالي خلق فسوي و قدر فهدي و قوله جعل الظلمات و النور و قوله و جعلنا الليل و النهار آيتين فمحونا آية الليل و جعلنا آية النهار مبصرة و غير ذلك من الآيات فالمواد و الصور و الوجودات و الماهيات كلها مخلوقة بجعله تعالي و لا شريك له و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها او بالاسباب و هم (ص) سبب خلق الخلق جميعا بالجملة و قوله اعلي الله مقامه فبهم [ص 224] و منهم الوفاق و لهم و عنهم الفراق و ظني ان فيه تصحيفا و الاظهر ان يكون فلهم و منهم الوفاق و بهم و عنهم الفراق علي حذو ما بينا في مثل السراج و الجدار آنفا و المعني ظاهر و هو ان العلة الغائية لخلق ما كان و ما يكون انما هي هم و ظهور نورهم فانك تدري ان غاية الايجاد هي العبادة و المعرفة و قد قال تعالي و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و قال كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، و حقيقة العبادة و المعرفة لاتتأتي و لاتحصل الا بهم و قد قالوا (ع) بنا عبد الله و لولانا ماعبد الله و بنا عرف الله و لولانا ماعرف الله ، فالعلة الغائية للايجاد انما هي هم و قد روي عن ابيعبدالله عن ابيه عن جده قال خطب علي عليه السلام علي منبر الكوفة و كان فيما قال والله اني لديان الناس يوم الدين و قسيم بين الجنة و النار لايدخلهما داخل الا علي احد قسمي و اني الفاروق الاكبر و جميع الرسل و الملئكة و الارواح خلقوا لخلقنا الخطبة ، و عن ابيعبدالله عليه السلام قال كان مما ناجي الله موسي اني لااقبل الصلوة الا ممن تواضع لعظمتي و الزم قلبه خوفي و قطع نهاره بذكري و لميبت [ص 225] مصرا علي خطيئته و عرف حق اوليائي و احبائي فقال موسي يا رب تعني باوليائك و احبائك ابرهيم و اسحق و يعقوب فقال هم كذلك الا اني اردت بذلك من من اجله خلقت آدم و حواء و من من اجله خلقت الجنة و النار فقال و من هو يا رب فقال محمد احمد شققت اسمه من اسمي لاني انا المحمود و هو محمد الخبر ، و قد مر في الروايات قولهم (ع) نحن صنايع الله و الخلق بعد صنايع لنا ، و قد عرفت ان معناه الظاهر هو هذا و هو عليتهم الغائية و قد مر من قول الله تعالي خطابا الي آدم مشيرا الي النبي (ص) و اميرالمؤمنين و فاطمة و الحسنين عليهم السلام ان هؤلاء ذريتك لولاهم ماخلقتك ، و ادلة ذلك كثيرة و لا حاجة الي التفصيل فغاية الايجاد انما هي هم (ص) و في غيرهم ان ظهر منه نورهم و ظهورهم فقد بلغ الغاية علي قدر ما ظهر نورهم فيه و من لميظهر فقد سفه نفسه و ضيع و جعلها بحسب اختياره لغوا و ان كان و لا لغو في ملك الله و قال لمنخلقكم عبثا و وجود الظلمة في الملك ايضا لتعريف النور و انما يعرف الاشياء باضدادها و وجود الشر لتعريف الخير و وجود المعصية لتعريف الطاعة و وجود الانكار [ص 226] لتعريف المعرفة و هكذا فمن حيث صدوره عن الله تعالي لايكون لغوا و لكن من حيث نفسه جعل نفسه لغوا عبثا و قد عصي الله سبحانه حيث جري علي خلاف ما رضيه الله و احبه فالغرض ان الوفاق و الموافقة و الاطاعة و التوحيد و التوفيق انما هي بهم و لهم و منهم و اليهم و الفراق و التفريق بين ما امر الله به ان يوصل و بين الله و رسله و الفراق عنهم انما هي بهم و لكنها بالاعراض عنهم و التجنب عنهم و التفريق بينهم و بين الله و العياذ بالله و اعلم ان التفريق بين الله و رسله انما هو بحسب زعمهم الفاسد و وهمهم الكاسد و الا فلو نظروا الي وصل ما بين الله و رسله لخضعت لهم رقابهم و لايقدر احد علي التفريق بينه و بينهم و من زعم انه يعبد الله من غير سبيل آلمحمد عليهم السلام فقد اخطأ و قد كانوا عليهم لعائن الله لايعتقدون بالتوحيد و كانوا يعبدون الاصنام من غير توهم اشراك بالملك العلام بل كانوا يزعمونهم آلهة مستقلة و العياذ بالله و هنا نختم الكلام في شرح هذه الكلمات المباركة و الخطبة الشريفة المنيفة و قد اقررت علي نفسي اولا بالجهل بحقيقة ما اراده منشدها و مؤلفها روحي فداه و اين [ص 227] الثريا من يد المتناول و ما انا و ما خطري و كيف اقدر علي السباحة في بحر علمه التيار و بيانه الزخار و شرح هذه الاسرار و لكن قد ذكرنا ان الميسور لايسقط بالمعسور و الي الله ترجع الامور و العذر عند كرام الناس مقبول و قد فرغ العبد الاثيم زينالعابدين بن كريم من تسويد هذه الاوراق يوم الاربعاء التاسععشر من شهر رجب المرجب من سنة السادس و الثلثين بعد الف و ثلثمأة من الهجرة النبوية علي مهاجرها آلاف صلوة و سلام و تحية حامدا مصليا مستغفرا راجيا عفو ربه تعالي ، تمت .