قال اعلي الله مقامه : فتثنت و تكعبت و تذوتت فتم بها نظم الكلمة التي هي الاصل في الاشتقاق .

اقول قوله اعلي الله مقامه فتثنت و تكعبت كذا في نسخة و في نسخة اخري و تثنت فتكعبت و لعل الثاني اصح بالجملة فتثنت فاعله الهاء دون الكاف و ان كانت اقرب و لذا قلنا ان النسخة الثانية اصح ليكون عطفا علي و دارت فتدبر و الكاف انما حصلت بضرب الخمسة في الاربعة التي هي اركانها و طبايعها بحسب ذاتها [ص 104] و لكن التثنية و التكعيب انما يحصلان بتنزل الهاء من مقامها و تكررها و نحن قد ذكرنا ذيل كلام السيد الاوحد اعلي الله مقامه في شرح المخمس للناظم ان الواو انما تحصل باشباع الهاء المضمومة التي ضمت بالاعلي و ارتفعت به و المراد من الاشباع تنزلها من مقام الوجود المطلق الي مقام الوجود المقيد اي ظهور نوره فيه و قد كان في مقامه خمسة و اذا اجتمعت الخمسة بظهورها في الوجود المقيد صارت ستة و عبر عنها بالواو فالواو حاصلة من اشباع الهاء و الهاء حاصلة من الالف كما عرفت سابقا و من هنا ظهرت و تفصلت في الواو صفات الالف و قد روي ابي العلامة (اع) من المجمع قال روي ابواسحق الثعلبي في تفسيره مسندا الي علي بن موسي الرضا عليهما السلام قال سئل جعفر بن محمد الصادق (ع) عن قوله الم فقال في الالف ست صفات من صفات الله عز و جل ابتداء الحروف و الاستواء فهو عادل غير جائر و الالف مستو في ذاته و الانفراد فالله فرد و الالف فرد و اتصال الخلق بالله و الله لايتصل بالخلق و كلهم يحتاجون اليه و الله غني عنهم فكذلك الالف لايتصل بالحروف و الحروف متصلة به و هو منقطع [ص 105] من غيره و الله عز و جل بائن بجميع صفاته من خلقه و معناه من الالفة فكما ان الله عز و جل سبب الفة الخلق فكذلك الالف تألفت الحروف و هو سبب الفتها انتهي ، اقول فالواو لما كانت حاصلة بتنزل الالف ظهرت فيها صفات الالف بالجملة و قد عرفت انها حصلت بتركيب الخمسة مع الواحد اي الوجود المقيد و لكن هذا بالنظر الاجمالي و اما اذا دققت النظر في الوجود المقيد و فصلت بين مراتبه وجدته في نفسه ايضا ذا خمس مراتب لانه ايضا امر الله المفعولي من قوله تعالي و كان امر الله مفعولا و المراتب الخمسة التفصيلية فيه ايضا موجودة بل اوضح و ابين و اذا تنزلت الهاء اليه و هو ايضا ذو خمس مراتب صار المجموع عشرة و اذا كعبت العشرة اي ضربت في الخمسة التي هي مادتها الاولي صارت خمسين و عبر عنها بالنون و تم بها نظم الكلمة التي هي الاصل في الاشتقاق يعني كن فان الكاف حصلت في مقام الوجود المطلق و النون حصلت في مقام الوجود المقيد فتم بهما نظم كلمة كن التي هي الاصل في الاشتقاق فان ما كان و ما يكون كلها مشتقة من فعل الله تبارك و تعالي كما لايخفي و قوله اعلي الله مقامه [ص 106] تذوتت يشير الي ما اشرنا اليه ان ن انما يحصل في مقام الوجود المقيد و هو الفؤاد و الحقيقة المحمدية صلوات الله علي صاحبها و ماكذب الفؤاد ما رأي و هو الذات و الذات في الذوات للذات و جوهر الجواهر الا و ان لكل شئ جوهرا و جوهر ولد آدم نحن و شيعتنا و اذا كانوا جوهر ولد آدم فبالنسبة الي غيرهم اولي مع انه تعالي خاطبهم بقوله خلق لكم ما في الارض جميعا و قوله الله الذي خلق السموات و الارض و انزل من السماء ماءا فاخرج به من الثمرات رزقا لكم و سخر لكم الفلك لتجري في البحر بامره و سخر لكم الانهار و سخر لكم الشمس و القمر دائبين و سخر لكم الليل و النهار و آتاكم من كل ما سألتموه و ان تعدوا نعمة الله لاتحصوها ان الانسان لظلوم كفار قال الشاعر و نعم ما قال :

يا جوهرا قام الوجود به و الناس بعدك كلهم عرض

فهذا المقام جوهر الجواهر و ذات الذوات و الدليل علي ما ذكرنا من اخبار آل‌محمد عليهم السلام ما رواه في البرهان بسنده عن سفيان بن سعيد الثوري عن الصادق عليه السلام في تفسير الحروف المقطعة في القرآن قال و اما [ص 107] ن فهو نهر في الجنة قال الله عز و جل اجمد فاجمد فصار مدادا ثم قال للقلم اكتب فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما كان و ما هو كائن الي يوم القيمة فالمداد مداد من نور و القلم قلم من نور و اللوح لوح من نور قال سفيان فقلت له يا بن رسول الله بين امر اللوح و القلم و المداد فصل بيان و علمني مما علمك الله فقال يا ابن‌سعيد لولا انك اهل للجواب مااجبتك فنون ملك يؤدي الي القلم و هو ملك و القلم يؤدي الي اللوح و هو ملك و اللوح يؤدي الي اسرافيل الحديث ، و الاخبار بهذا المعني متعددة و عن الكلبي عن ابي‌عبدالله (ع) قال قال يا كلبي كم لمحمد صلي الله عليه و آله من اسم في القرآن فقلت اسمان او ثلثة فقال يا كلبي له عشرة اسماء ثم ذكرها و قال فيها و ن و القلم و ما يسطرون ما انت بنعمة ربك بمجنون و عن محمد بن الفضيل عن ابي‌الحسن موسي عليه السلام قال سألته عن قول الله عز و جل نون و القلم و ما يسطرون قال (ظ) فالنون اسم رسول الله صلي الله عليه و آله و القلم اسم لاميرالمؤمنين عليه السلام بالجملة فالنون في كلمة كن اشارة الي مقام الامكان الجايز و بحر المداد و الحقيقة المحمدية [ص 108] صلوات الله علي صاحبها و هو الاصل في الاشتقاق و هو قوله تعالي و ماارسلناك الا رحمة للعالمين و العالمين جمع محلي باللام يعم الكل و هذه الرحمة هي الماء و من الماء كل شئ حي و هو السراج المنير في القرآن الذي اضاء له كل شئ و لا حاجة الي التفصيل باكثر من ذلك و الاخبار به نادية و اعلم ان الكلمات المذكورة في هذه العبارة الشريفة من اصطلاحات علوم متفرقة كالحساب و الجبر و المقابلة و الصرف و الاشتقاق و غيرها كما لايخفي و لا حاجة الي التفصيل .

قال اعلي الله مقامه : و هي اثنتان فعززنا بثالث الاصل و اربعة الفرع فنسبت فكانت مطلع قصايد ديوان الكون بظهور لا اله الا الله عند الانشاد و الاستنطاق .

اقول قوله اعلي الله مقامه فعززنا بثالث الاصل مأخوذ من قوله تعالي في سورة يس (ص) من حكاية رسل عيسي عليه السلام الي انطاكية و هو قوله سبحانه و اضرب لهم مثلا اصحاب القرية اذ جاءها المرسلون اذ ارسلنا اليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا انا اليكم مرسلون و لا بأس بنقل بعض الروايات روي الطبرسي [ص 109] عن وهب بن منبه بعث عيسي عليه السلام هذين الرسولين الي انطاكية فاتياها و لم‌يصلا الي ملكها و طالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا و ذكرا الله فغضب الملك و امر بحبسهما و جلد كل واحد منهما مأة جلدة فلما كذب الرسولان و ضربا بعث عيسي شمعون الصفا رأس الحواريين علي اثرهما لينصرهما فدخل شمعون البلدة فجعل يعاشر حاشية الملك حتي انسوا به فرفعوا خبره الي الملك فدعاه و رضي عشرته و انس به و اكرمه ثم قال له ذات يوم ايها الملك بلغني انك حبست رجلين في السجن و ضربتهما حين دعواك الي غير دينك فهل سمعت قولهما قال الملك حال الغضب بيني و بين ذلك قال فان رأي الملك دعاهما حتي نطلع ما عندهما فدعاهما الملك فقال لهما شمعون من ارسلكما الي هيهنا قالا الله الذي خلق كل شئ لا شريك له قال و ما آيتكما قالا ما تتمناه فامر الملك حتي جاؤا بغلام مطموس العينين و موضع عينيه كالجبهة فمازالا يدعوان الله حتي انشق موضع البصر فاخذا بندقتين من الطين فوضعا في حدقتيه فصارا مقلتين يبصر بهما فتعجب الملك فقال [ص 110] شمعون للملك ارأيت لو سألت الهك حتي يصنع صنيعا مثل هذا فيكون لك و لالهك شرفا فقال الملك ليس لي عنك ستر ان الهنا الذي نعبده لايضر و لاينفع ثم قال الملك للرسولين ان قدر الهكما علي احياء ميت آمنا به و بكما قالا الهنا قادر علي كل شئ فقال الملك ان هيهنا ميتا مات منذ سبعة ايام لم‌ندفنه حتي يرجع ابوه و كان غائبا فجاؤا بالميت و قد تغير و اروح فجعلا يدعوان ربهما علانية و جعل شمعون يدعو ربه سرا فقام الميت و قال لهم اني قد مت منذ سبعة ايام و ادخلت في سبعة اودية من النار و انا احذركم ما انتم فيه فآمنوا بالله فتعجب الملك فلما علم شمعون ان قوله اثر في الملك دعاه الي الله فآمن و آمن من اهل مملكته قوم و كفر آخرون ، و قد روي مثل ذلك العياشي باسناده عن الثمالي و غيره عن ابي‌جعفر و ابي‌عبدالله عليهما السلام الا ان في بعض الروايات بعث الله الرسولين الي اهل انطاكية ثم بعث الثالث و في بعضها ان عيسي اوحي الله اليه ان يبعثهما ثم بعث وصيه شمعون ليخلصهما و ان الميت الذي احياه الله تعالي بدعائهما كان ابن الملك و ذكر نحو ما تقدم [ص 111] بنوع من التغيير ، اقول قوله اعلي الله مقامه فهي اثنتان يرجع الي الكلمة في الفقرة السابقة و هي كلمة كن كاف و نون شبههما برسولي عيسي عليه و عليهما السلام و هو عيسي الاول صلوات الله عليه و آله الذي كان يقول انا مرسل الرسل انا منزل الكتب و القرية قرية الامكان الجايز و بيوتها الاكوان و اهلها الاعيان من انبياء الله و رسله صلوات الله عليهم و الاناسي و الجان و الملئكة و الحيوان و النبات و الجماد فانهم كلهم اممه صلي الله عليه و آله و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم و ماارسلناك الا كافة للناس و يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا و ماارسلناك الا رحمة للعالمين و اخبارهم صلوات الله عليهم نادية به و اعلم ان مثل هؤلاء الرسل في المولود الفلسفي الكيان الثلثة الروح و النفس و الجسد فالجسد فيه بالنسبة الي ساير الاجساد الناقصة مقام انا بشر مثلكم و النفس مقام الوحي من قوله يوحي الي و هو الصابون الذي يربط الاعلي بالاسفل و الروح مقام روح الله تعالي و آية قوله انما الهكم اله واحد من قوله و نفخت فيه من روحي و قوله [ص 112] اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و انك لتهدي الي صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات و ما في الارض الا الي الله تصير الامور ، و قوله تعالي في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و لكل من تلك الكيان الثلثة مقتضيات و آثار في الاجساد الناقصة المطروح عليها فمن الجسد مثلا الرزانة و التلزز و من النفس الصبغ و النعامة و من الروح الغوص و النفوذ و اعطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه بحيث لو اجتمع الجسد مع النفس و لم‌يكن لهما روح لم‌يؤثرا تأثيرا جوانيا داخلا في اعماق الجسد المطروح عليه فالنفس مثلا و ان كانت ذات نعامة و صبغ فاضل و لكن مثلها كصبغ يابس مسسته علي الثوب فانه مع يبوسته لاينفذ في الثوب و لايصبغه و لكن ان اذبته بالماء و طرحت الثوب فيه ينفذ في اعماقه و يصبغه و كذلك الامر في المولود الفلسفي اذا خلي عن الروح لم‌يؤثر الجسد و لا النفس اثرهما و ان اثرا شيئا كان تأثيرا برانيا زايلا و لكن اذا عززا بثالث و هو الروح و الماء النازل من سحاب المشية [ص 113] الواقف علي الطتنجين و الناظر في المغربين و المشرقين حيي به النفس و الجسد و دبا في جميع اعماق الجسد المطروح عليه و اثرا فيه تأثيرا جوانيا يصلحه و يحيله الي الاعتدال و يكمله و هكذا كان نسبة شمعون الصفا عليه السلام الي الرسولين السابقين فانهما كانا بمنزلة النفس و الجسد و شمعون (ع) كان لهما بمنزلة الروح و لم‌يؤثرا تأثيرهما حتي لحق بهما و نفّذ آثارهما و كذلك الامر في الكاف و النون من كلمة كن فانهما لايؤثران كل التأثير الا بفعلية الواو المستترة بينهما و بقوتها و نفوذها فان النون بمنزلة الجسد و الكاف بمنزلة النفس و الواو بمنزلة الروح و ذلك لان الكاف انما حصلت بضرب الخمسة في الاربعة كما عرفت و النون انما حصلت بتثنية الخمسة اولا ثم ضربها في الخمسة و كل ذلك يوجب التكثر و التفصيل و بعدهما من عرصة الوحدة نور الاحد و قربهما من عالم الكثرة و الاختلاف و لا محالة يقل بذلك تأثيرهما و يضعف قوتهما و حيوتهما الاتري الابدان الحيوانية اذا تخللت في طبايعها الغرايب و تكثرت و تفصلت عرضها الموت و الفناء و الدثور و كذلك الامر في كل مقام و اما الواو فلأنها [ص 114] حاصلة من جمع الخمسة و الواحد و هي اوحد منهما و اشبه بالمبدأ و حاكية لصفات الالف التي هي صفات التوحيد كما عرفت و معذلك واقفة علي الطتنجين ناظرة في المغربين و المشرقين و هي مقام الجمع بين الوجود المطلق و الوجود المقيد و العدد التام الذي يساوي جمع كسوره فان كسوره الصحاح السدس و الثلث و النصف و اذا جمعتها تصير ستة فهي لهما بمنزلة الروح الذي نفخ فيهما من روحه تعالي و احياهما و اورثهما النفوذ و الغوص و السريان و التأثير و لكنها معذلك غايبة فيهما و في باطنهما نافذة في ظاهرهما محيطة بهما كالكلة و نسبتها اليهما تقريبا كالوجود الذاتي بالنسبة الي الوجودات الوصفية فانه لولا الوجود الذاتي فيها لم‌تكن شيئا و لم‌تؤثر تأثيرا بالجملة فالواو المستترة في كن التي قد تظهر في عرصة التفصيل في يكون هي الاصل بالنسبة اليهما و هي قلب النون و وسطه فان النون كما عرفت مقام الامكان الجايز و الفؤاد و المداد الا انها ظاهره و عرصة تفصيله و الواو ايضا كما عرفت انما حصلت بظهور المشية التي عبرت عنها بالهاء في الامكان الجايز و الفؤاد الا انها في مبدأ [ص 115] الظهور و اعلي درجات الامكان الجايز اوحد و ابسط فلم‌يزد علي الخمسة الا واحد فصارت ستة فهي تعبير عن اعلي درجة الامكان الجايز و الوجود المقيد و النون تعبير عن اسفل درجته و مقام مداديته و صلوحه للتصور بصور الكاينات فالواو مقام كونه نهرا جاريا من ينبوع المشية و النون مقام انجماد النهر كما مر في الخبر فمن هنا صارت الواو قلب النون و وسطها كما هو محسوس في الظاهر بالجملة فعززت الكاف و النون بثالث الاصل الذي هو الواو فصارت ثلثة و اما اربعة الفرع فالمراد منها هي الطبايع الاربعة كما عرفت فيما بينا في كيفية حدوث الكاف و اعلم ان المراد من فرعيتها غير الفرعية التي قد تذكر للاثر بالنسبة الي المؤثر مثلا فان المؤثر في ذاته تام كامل جامع لاجزاء وجوده و جزئياته غير مفتقر الي الاثر في وجوده في ذاته و الاثر محتاج تفرع علي المؤثر و لكن طبايع الشئ بالنسبة الي الصورة الخامسة الجامعة لها ليست فرعا لها بهذا المعني فانه لولا الطبايع الاربعة للشئ لم‌تكن هنا صورة خامسة و مزاج خامس و لكنها فروع لها من حيث ان المزاج الخامس انما هو الشئ بتمامه و كله و جمعه و طبايعه [ص 116] اجزاء وجوده من حيث الاسفل و معذلك لولا الاجزاء في مقامه لم‌يكن كلها و جمعها في مقامه قال الله تعالي لنبيه صلي الله عليه و آله لولاك لماخلقت الافلاك و لولا علي لماخلقتك ، فمن هنا تبصر امرك و اعرف معني الخبر لا ان تزعم ان عليا عليه السلام اشرف و اعلي من النبي صلي الله عليه و آله بل هو دونه بلا شبهة و عبد من عبيده كما اعترف به صلوات الله عليه و معذلك لولاه لم‌يخلق النبي صلوات الله عليهما و آلهما لانه نفسه و شق وجوده و جزؤه بالجملة فالفرعية في كلامه اعلي الله مقامه هنا بهذا المعني الاخير لا الاولي نعم الانبياء صلوات الله عليهم فروع لآل‌محمد سلام الله عليهم و خلقوا من فاضل طينتهم و عرق جبينهم و المؤمنون كذلك بالنسبة الي الانبياء عليهم السلام كما هو معلوم في محله و اما آل‌محمد عليهم السلام فهم من نور واحد و طينة واحدة و ان اختلفت مقاماتهم في فسحة وجود ذلك النور الواحد و درجات تلك الطينة الواحدة بالجملة فالكيان ثلثة و طبايعها اربع و اذا ضربت الثلثة في الاربعة و نسبت الاربعة الي كل واحد من الثلثة صارت اثني‌عشر الائمة الهادين المهديين صلوات الله عليهم اجمعين و [ص 117] قوله اعلي الله مقامه فكانت مطلع قصايد ديوان الكون الخ ، فالقصايد جمع قصيدة و هي المنقح المجود من الشعر قيل و لايكون اقل من ثلثة ابيات فصاعدا او ستة‌عشر فصاعدا و مطلع القصيدة بيتها الاول و الديوان جريدة الحساب ثم اطلق علي موضع الحساب و هو معرب و الاصل دوان بكسر الدال و شد الواو فابدل الواو الاولي ياءا للتخفيف و جمعه دواوين بناءا علي اصله و عن بعضهم الديوان و يفتح داله مجتمع الصحف و الكتاب فيه اهل الجيش و اهل العطية و دون الديوان تدوينا وضعه و جمعه و انشاد الشعر قراءته و بالقوم هجاهم و نشده بالله استحلفه اي سأله و اقسم عليه بالله و نشدتك الله اي سألتك بالله كأنك ذكرته اياه فنشد اي تذكر و عن بعضهم نشدتك الله و بالله كنصر اي ذكرتك به و استعطفتك و سألتك به مقسما عليك و مناسبة تلك الكلمات لشرح القصيدة معلومة و فيها من التشبيهات البديعية ما لايخفي بالجملة فمراده اعلي الله مقامه من ديوان الكون كتابه و مجتمع صحفه و كثيرا ما يطلق الديوان عرفا علي مجتمع الابيات و الاشعار خاصة و قصايد الكون عوالمه المنتظمة المرتبة [ص 118] المتطابقة بعضها مع بعض فان الظاهر عنوان الباطن و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و هو معلوم فبتلك المناسبات عبرت عنها بالقصايد و كلياتها سبعة من العقل الي الجسم و مطلعها يحتمل معنيين و لعل كليهما مراد احدهما ان يكون مطلع القصايد السبعة باجمعها و الآخر ان يكون مطلع كل قصيدة من القصايد السبعة و المعني الاخير اقرب بالنسبة الي ما بعده من البيان كما ستعلم ان شاء الله و الحاصل انه لما نسبت الاربعة الي الثلثة و ضربت الثلثة في الاربعة و حصلت منهما اثناعشر حدث العقل في مطلع جميع قصايد الكون و عوالمه او حدث العرش من كل عالم من العوالم السبعة و ذلك ان كل شئ في حده و مقامه لايتكثر و لايتعدد الا بتنزله في مقامات ظهوره و ادباره من جانب المبدء كما ان السراج في حد ذاته لايتكثر الا في ظهوره باشباحه و انواره المتكثرة المتعددة و النفس الانسانية مثلا في حد ذاته لايتكثر و لايتعدد الا في مقامات ظهوره في مراتبه الغيبية و الشهادية و كذلك الفؤاد في حد ذاته لايتكثر و اذا لوحظ فيه التكثر و التعدد يتنزل الي [ص 119] مقام العقل و فيه ايضا لغاية قربه من المبدأ بحيث قالوا عليهم السلام انه اول ما خلق الله تكثره و تعدده معنوي غيبي لايظهر و لايتبين فيه كل الظهور و التبين الا بظهوره و تنزله الي مقام النفس الملكوتية كما تري ان العرش في كل عالم بنسبة عالمه معنوي غيبي و لا تعين فيه و اطلس لايري فيها كوكب مع انه واجد في نفسه لجميع الكواكب و البروج و المنازل و قد وضع كلها في سرادقه علي نحو الاجمال و الابهام و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة العقل جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب فمعرفته بالاشياء قبل كونها لاتكون الا بوجدانها في ذاتها و ان كان علي نحو الكلية و تتفصل علومه في مقام النفس الملكوتية كما يتفصل ما استجن في العرش في الكرسي و تتعين فيه الكواكب و البروج و المنازل و علي اي حال تكثر العقل و تعينه بالنسبة الي الفؤاد اكثر فانه في اول درجات الامكان الجايز و اقربها الي مقام المشية و الامكان الراجح و اوحدها و ابسطها و العقل بالنسبة اقرب الي التعينات و مثله في السراج الشعلة مثلا و الفؤاد كمس النار المتعلق [ص 120] بها و بينهما فرق واضح فاذا تكثر الفؤاد يظهر العقل و هو القلم الذي له اثنتاعشر انبوبة و كعب الا انها في غاية الوحدة و عبر عنها في عالمنا هذا بالعباء و الكساء الذي كسي عليهم صلوات الله عليهم في بيت فاطمة عليها السلام و قد شرحت هذا المعني في بعض اجوبة المسائل لبعض اخوان آذربيجان و هذه الصورة الطيبة الطاهرة الظاهرة كاشفة عن المعني و الظاهر عنوان الباطن فكما انهم صلوات الله عليهم بتعينهم كانوا موجودين تحت الكساء و معذلك شملهم الكساء و تغطوا به كذلك الامر في مقام العقل تعيناتهم و تشخصاتهم (ص) حاصلة في العقل الا ان له معذلك صورة وحدة و اجمال و بيان ذلك في حديث الجاثليق عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال اذا طوي الله السموات و الارض اين تكون الجنة و النار فقال (ع) ايتوني بدواة و بيضاء فكتب آية من الجنة و آية من النار ثم طوي الكتاب و ناوله النصراني فاخذ بيده و قال له اتري شيئا قال لا قال فانشره فقال اتري تحت آية الجنة آية النار و آية النار تحت آية الجنة قال نعم قال كذلك الجنة و النار في قدرة الرب عز و جل قال صدقت [ص 121] بالجملة الغرض ان الفؤاد اذا تكثر ظهر منه العقل بمراتبه الاثنتي‌عشرة و لكن معذلك مع وحدة و معنوية و من هنا يظهر منه توحيده تعالي و ان لا اله الا هو قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث بصنع الله يستدل عليه و بالعقول تعتقد معرفته و بالتفكر تثبت حجته معروف بالدلالات مشهور بالبينات و عن الصادق عليه السلام في حرز له اسألك بتوحيدك الذي فطرت عليه العقول و اخذت به المواثيق و عن علي عليه السلام في خطبة له بطن من خفيات الامور و ظهر في العقول بما يري في خلقه من علامات التدبير و في خطبة اخري عنه (ع) تجلي صانعها للعقول و بها امتنع من نظر العيون و في دعاء يوم الاربعاء له (ع) لا اله الا الله الذي لايدرك بالعيون و الابصار و لايجهل بالعقول و الالباب و لايخلو من الضمير و يعلم خائنة الاعين و ماتخفي الصدور ، اقول فظهور توحيده تعالي في مقام العقل و هنا موقع قولهم (ع) حروف لا اله الا الله في الرقوم المسطرات و لكن كما ذكرنا انه في نفسه مقام الوحدة و لكن تتفصل الرقوم المسطرات دون ذلك كما عرفت و اعلم ان ظهور التوحيد في مقام العقل بالدلالات و [ص 122] العلامات و اما هتك الاستار و كشف السبحات فلايكون الا في مقام الفؤاد و من هنا سلب عن العقل معرفته تعالي في بعض الاخبار فعن علي (ع) في خطبة منه خلق ما شاء كيف شاء متوحدا بذلك لاظهار حكمته و حقيقة ربوبيته لاتضبطه العقول و لاتبلغه الاوهام و لاتدركه الابصار و قال عليه السلام في خطبة لم‌يطلع العقول علي تحديد صفته و لم‌يحجبها عن واجب معرفته و في خطبة له عليه السلام الحمد لله الذي انحسرت الاوصاف عن كنه معرفته و ردعت عظمته العقول فلم‌تجد مساغا الي بلوغ غاية ملكوته و في خطبة له (ع) هو الله الملك الحق المبين احق و ابين مما تري العيون لم‌تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبها و لم‌تقع عليه الاوهام بتقدير فيكون ممثلا ، اقول و الاخبار بهذه المعاني كثيرة فلاتبلغ العقول كنه معرفته و لايتأتي منها الا مشاهدة آياته و علاماته و منتهي ما يمكن من المعرفة ما اذا كان بالفؤاد قال الله تعالي ماكذب الفؤاد ما رأي ، و سئل ابوالحسن (ع) هل رأي رسول الله (ص) ربه عز و جل فقال نعم بقلبه رأي اماسمعت الله عز و جل يقول ماكذب الفؤاد ما رأي لم‌يره بالبصر و لكن يراه بالفؤاد و روي مضمرا سئل (ع) هل رأيت ربك قال رأيته بفؤادي و قرء ماكذب ، بالجملة فمن هنا اشار [ص 123] السيد الاوحد اعلي الله مقامه الي هذا المعني بقوله بظهور لا اله الا الله عند الانشاد و الاستنطاق فان الاستنطاق لايكون الا بالتعبير بالالفاظ و العبارات الا انها في كل عالم بحسبه و نسبة الالفاظ الي المعاني كنسبة الجسد الي الروح كما قالوا عليهم السلام المعني في اللفظ كالروح في الجسد فروح التوحيد انما يحصل في مقام الفؤاد و جسده في اعلي درجات الجسد في مقام العقل و اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم و قد عرفت مما ذكرنا من شرح البسملة ان العقل مقام الاسم فالعقل تعبير عن الضمير و لاينبئك مثل خبير و باللسان الاصطلاحي اقول ان العقل مقام المعني و المادة و الاجمال و النفس و ما دونها مقام الصورة و التعين فالعقل عرصة التعطيل و النفس عرصة الاثبات و التشبيه و لا بد في التوحيد الخالص من ان تخرجه عن الحدين حد التعطيل و حد التشبيه و تلك المقامات موضع السبحات و لا بد من كشفها لادراك التوحيد و الفؤاد ايضا بظاهره من مقام الوجود المقيد و الامكان الجايز و لايتأتي منه المعرفة الحقيقية الا بقطع النظر عن حدود نفسه و انيته و اتصافه بصفة التوحيد و هو معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث [ص 124] كميل جذب الاحدية لصفة التوحيد و قوله لصفة التوحيد يمكن ان يكون في موضع المفعول للجذب فتجذب الاحدية صفة التوحيد اي سبحة انية الفؤاد فانها صفة التوحيد لا حقيقته و يمكن ان يكون اللام للتعليل اي يجذب الاحدية من المقام الاعلي اليه لاتصافه بصفة التوحيد و كلاهما صحيح كما ان النار تجذب الرطوبات عن الدهن و الفتيلة و تصيرهما قابلين لظهورها و كذلك استعداد قابلية الدهن و الفتيلة و فعلية الدخان فيها تجذب النار من الاعلي اليها و الغرض ان الفؤاد ايضا بظاهره لاتنكشف له الحقيقة الا بقطع النظر عن آمال نفسه و انت غير محجوب عن خلقك الا ان يحجبهم الآمال دونك و قد روي في بعض الاخبار انه دخل علي رسول الله رجل اسمه مجاشع فقال يا رسول الله كيف الطريق الي معرفة الحق فقال صلي الله عليه و آله معرفة النفس فقال يا رسول الله فكيف الطريق الي موافقة الحق قال مخالفة النفس فقال يا رسول الله فكيف الطريق الي طاعة الحق قال عصيان النفس فقال يا رسول الله فكيف الطريق الي ذكر الحق قال نسيان النفس فقال يا رسول الله فكيف الطريق الي قرب الحق [ص 125] قال التباعد عن النفس فقال يا رسول الله فكيف الطريق الي انس الحق قال الوحشة من النفس فقال يا رسول الله فكيف الطريق الي ذلك قال الاستعانة بالحق علي النفس ، اقول فمعرفة الله بالفؤاد لايمكن الا بنسيان النفس و عصيانه و الوحشة و التباعد منه و لا حول و لا قوة الا بالله فاذا كان هذا حال الفؤاد فكيف بالعقل و هو دونه او الفؤاد هو العقل المرتفع و المتوسط و المنخفض دونه و علي اي حال لا بد من كشف السبحات و هتك الاستار و محو الموهوم حتي يصحو المعلوم و تجذب الاحدية لصفة التوحيد و الانشاد و الاستنطاق و هو التعبير بالالفاظ و الاسماء هو صفة استدلال عليه لا صفة تكشف عنه و هو قولهم عليهم السلام لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن فيها هو و هو هو و نحن نحن ، فقولهم (ع) هو فيها نحن و نحن فيها هو انما يجري في مقام الفؤاد من قولهم عليهم السلام اعرفوا الله بالله و قولهم هو هو و نحن نحن انما يجري دون الفؤاد و هنا موقع قوله (ع) بصنع الله يستدل عليه و بالعقول تعتقد معرفته و بالتفكر تثبت حجته معروف بالدلالات مشهور بالبينات و قيل لاميرالمؤمنين [ص 126] عليه السلام بما عرفت ربك قال بفسخ العزائم و نقض الهمم لما ان هممت حال بيني و بين همي و عزمت فخالف القضاء عزمي فعلمت ان المدبر غيري و قال (ع) في خطبة المستشهد بحدوث الاشياء علي ازليته و بما وسمها به من العجز علي قدرته و بما اضطرها اليه من الفناء علي دوامه و عن الرضا عليه السلام في كتابه الي فتح بن يزيد الجرجاني بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الملهم عباده الحمد و فاطرهم علي معرفة ربوبيته الدال علي وجوده بخلقه و بحدوث خلقه علي ازليته و باشتباههم علي ان لا شبه له المستشهد بآياته علي قدرته الحديث ، و الغرض ان معرفته تعالي في تلك المقامات بالآيات و الدلالات لا بالكشف عن السبحات فظهور لا اله الا الله في مقام الانشاد و الاستنطاق علي هذا النحو و لو دققت النظر لوجدت ان هذا النحو من كلمة التوحيد انما يجري في المقامات الخلقية بل يختص بالناقصين و البالغون ايضا انما يهللون بهذه العبارة في مقام ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه و قد استشكل جماعة في معني هذا الاستثناء و قالوا ان الاله ان كان موجودا فلا معني للنفي و ان كان معدوما فكذلك و الجواب [ص 127] عن ذلك ان هذه الكلمة مكنسة لغبار الاوهام و الناس لما تصوروا و توهموا و احتملوا الها دون الله اراد الله سبحانه رفع هذه التصورات و التوهمات و الاحتمالات و الا فان الها دونه سبحانه ممتنع لا وجود له اصلا و قد قال تعالي افمن هو قائم علي كل نفس بما كسبت و جعلوا لله شركاء قل سموهم ام تنبئونه بما لايعلم في الارض ام بظاهر من القول فاذا لم‌يعلم لنفسه شريكا في الارض مع انه لايعزب عن علمه مثقال ذرة فلا شريك له اصلا و لكنهم لما توهموا في انفسهم اشياء و جعلوها شركاء له تعالي نفي الله تعالي علي معني الامتناع شركتهم معه و الوهيتهم و اما عند من يقول في دعائه ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك فلايحتاج في نفسه الي نفي توهم و لكنه من باب كنس غبار الاوهام يقول هذه الكلمة و ينفي الالهية عما توهموه من الممكنات و سموه الها شريكا و العياذ بالله لخالق البريات و قد اختلفوا في خبر نفي الجنس في لا اله الا الله فمنهم من قال انه موجود و اورد عليه انه ان [ص 128] لم‌يكن موجودا فلعله ممكن و منهم من قال انه ممكن و اورد عليه انه ان لم‌يكن ممكنا فلعله موجود لكنه واجب ايضا و منهم من قال انه مستحق للعبادة و اورد عليه انه ان لم‌يكن مستحقا للعبادة فلعله موجود لكن لايستحق العبادة و كل ذلك ايرادات باطلة فانك ان قلت ان خبره موجود شمل الممكن ايضا لان له ايضا وجودا امكانيا و قد روي ان النفي شئ و ان قلت ان خبره ممكن ايضا يشمل كل موجود فرض دونه فان واجب الوجود لايفرض غيره تعالي مع انه ايضا لايدرك و انك لو فرضت موجودين و سميتهما بالواجب كانا ممكنين حادثين فانهما اذا تعددا فقد تركبا من مادة و صورة و مادتهما مقام امكانهما فهما ممكنان بحسب المادة فلايفرض موجود واجب غيره تعالي و ان جعلت الخبر مستحق للعبادة فالذي لايستحق العبادة لايكون الها معبودا بداهة فالايرادات كلها نفخ في غير ضرام و فضل من فضول الكلام بالجملة فحاصل كلامه اعلي الله مقامه ان الفؤاد و هو الحقيقة المحمدية صلوات علي صاحبها اذا تكثر نوره و تشقق الي اثني‌عشر نورا في مقام العقل او في عرش كل عالم ظهر منها انوار الائمة الاثني‌عشر [ص 129] صلوات الله عليهم الذين خلقهم الله من طينة العرش كما في اخبارهم فعن ابي‌جعفر و ابي‌عبدالله عليهما السلام قال ان الله خلق محمدا صلي الله عليه و آله من طينة من جوهرة تحت العرش و انه كان لطينته نضح فجبل طينة اميرالمؤمنين من نضح طينة رسول الله صلي الله عليه و آله و كان لطينة اميرالمؤمنين نضح فجبل طينتنا من فضل طينة اميرالمؤمنين و كان لطينتنا نضح فجبل طينة شيعتنا من نضح طينتنا فقلوبهم تحن الينا ، اقول قوله (ع) من جوهرة تحت العرش لايراد منه دونه و انما يراد غيبه كما يظهر من ساير اخبارهم بل العرش خلق من نورهم حقيقة كما في الخبر ان العرش خلق من نور رسول الله صلي الله عليه و آله بالجملة فلما خلقهم الله سبحانه قاموا يذكرون الله و يظهرون توحيده و ان لا اله الا هو كما قال رسول الله (ص) في حديث ان الله خلقني و عليا من نور واحد قبل خلق آدم بهذه المدة يعني اربعين‌الف سنة ثم قسمه نصفين ثم خلق الاشياء من نوري و نور علي (ع) ثم جعلنا عن يمين العرش فسبحنا فسبحت الملائكة فهللنا فهللوا و كبرنا فكبروا فكل من سبح الله و كبره فان ذلك من [ص 130] تعليم علي عليه السلام و في بعض الاخبار سبحنا فسبحت شيعتنا فسبحت الملائكة و كذا في التهليل و التحميد و التكبير فكانوا صلوات الله عليهم ظهور لا اله الا الله و حروفها اثناعشر بعددهم (ص) و هم حروفها في الرقوم المسطرات اي فيما كتب في كل مقام و كل شئ و لاسيما في مبدأ كل عالم فان مبدأ كل عالم احكي مراتبه لهذا المعني و لتوحيد الله العلي الاعلي فعن ابن‌عباس قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله و الذي بعثني بالحق بشيرا مااستقر الكرسي و العرش و لادار الفلك و لاقامت السموات و الارض الا بأن كتب عليها لا اله الا الله محمد رسول الله علي اميرالمؤمنين ، و الاخبار بهذا المعني اكثر من ان احصيها في هذه العجالة و عن الرضا عليه السلام قال ان آدم صلوات الله عليه لما اكرمه الله تعالي باسجاده ملئكته له و بادخاله الجنة ناداه الله ارفع رأسك يا آدم فانظر الي ساق عرشي فنظر فوجد عليه مكتوبا لا اله الا الله محمد رسول الله علي اميرالمؤمنين و زوجته فاطمة سيدة نساء العالمين و الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة فقال آدم يا رب من هؤلاء قال عز و جل هؤلاء ذريتك لولاهم [ص 131] ماخلقتك بالجملة فبهم صلوات الله عليهم ظهر توحيده عز و جل في كل مقام قال الله تعالي قل هو الله احد اي اظهر يا محمد الله احد و هو و الائمة من ولده (ص) ذكر الله تعالي كما قال و ما هو الا ذكر للعالمين و قال و اسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و هو معني قولهم (ع) جالسوا من يذكركم الله رؤيته و عن ابي‌بصير عن ابي‌عبدالله (ع) قال قلت له اخبرني عن الله عز و جل هل يراه المؤمنون يوم القيمة قال نعم و قد رأوه قبل يوم القيمة فقلت متي قال حين قال لهم الست بربكم قالوا بلي ثم سكت ساعة ثم قال و ان المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيمة الست تراه في وقتك هذا قال ابوبصير فقلت له جعلت فداك فاحدث بهذا عنك فقال لا فانك اذا حدثت به فانكره منكر جاهل بمعني ما تقوله ثم قدر ان ذلك تشبيه كفر و ليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين تعالي الله عما يصفه المشبهون و الملحدون و قد شرح هذا المعني و صرح به مولانا علي بن موسي الرضا عليه السلام اذ قيل له يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه اهل الحديث ان المؤمنين يزورون ربهم من منازلهم في الجنة فقال عليه [ص 132] السلام يا فلان ان الله تبارك و تعالي فضل نبيه محمدا صلي الله عليه و آله علي جميع خلقه من النبيين و الملائكة و جعل طاعته طاعته و مبايعته مبايعته و زيارته في الدنيا و الآخرة زيارته فقال الله عز و جل من يطع الرسول فقد اطاع الله و قال ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم ، و الاخبار بهذه المعاني ايضا اكثر من ان تحصي فبهم صلوات الله عليهم ظهر التوحيد و لايراد منه التشبيه بأن تقول انهم بحدودهم و صورهم او موادهم و عناصرهم هو تعالي و العياذ بالله و لكن له في كل مقام معني لاينافي التوحيد و لايستلزم التشبيه و التحديد و من تلك المعاني ما يشتركون فيه مع عامة الخلق و منها ما يختص بهم اما ما يشتركون فيه فصفات الحدوث كلها فان وجود الحادث يستلزم وجود القديم و كل صفة من صفات الحادث تدل بعكسها له تعالي و كل ما تراه فهو بخلافه و اما ما يختص بهم فمنها طاعتهم و عبادتهم صلوات الله عليهم لربهم و منها تجنبهم عن معصيته تعالي و منها حكايتهم لاسمائه تعالي و صفاته و قوتهم و قدرتهم و علمهم و غير ذلك مما ظهر فيهم من اسماء الله الحسني و صفاته العليا [ص 133] فانها كلها مما يستدل به عليه و فوق ذلك درجات و مقامات و علامات عجزت عن دركها الا هم صلوات الله عليهم و معذلك لاتعرف ذاته تعالي و لاتدرك و لاتري و لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير بالجملة و لا حاجة الي تفصيل زايد بعد بياناته (اع) من شرح القصيدة و غيره من كتبه المباركة الا انا نذكر من ذلك ما به تنحل عقد هذه العبارات و تظهر به تلك الاشارات و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

قال : فانتظمت و انتثرت و اختلفت و ائتلفت و اجتمعت و تفرقت و اجملت و تفصلت فملأت بها الآفاق .

اقول اللغات معلومة و الانتظام و الانتثار بمناسبة شرح الاشعار و كأنه من براعة الاستهلال و فاعلها فاعل نسبت فكانت و اعلم ان تلك الكلمات الشريفة تصح في كل عالم من عوالم الكون ظاهرا و باطنا و يصح تخصيص بعضها ببعض دون بعض فانها نسبية فرب شئ بالنسبة الي شئ آخر اجمال و الي شئ آخر تفصيل ففي عالم الاجسام مثلا قد تنظر بحسب الظاهر فتري العناصر و الافلاك بحسب اصولها مجملة و بحسب المولدات منها مفصلة و قد تنظر الي الافلاك فتراها مجملة و الي العناصر فتراها مفصلة و الي العرش و الكرسي فتراهما [ص 134] مجملين و الي الافلاك السبعة فتراها مفصلة و كذلك النار و الهواء فتراهما مجملين و الي الماء و التراب فتراهما مفصلين و الي العرش فتراه مجملا و الي ما دونه فتراه مفصلا و بحسب الباطن تري المادة الجسمانية السارية في الكل مجملة و صورها مفصلة ثم عالم الاجسام بالنسبة الي عالم المثال مع قطع النظر عن اقتران المثال بالجسم فتري عالم الاجسام عرصة التفصيل و عالم المثال عرصة الاجمال و كذلك المثال بالنسبة الي المادة و المادة بالنسبة الي الطبيعة و الطبيعة بالنسبة الي النفس و النفس بالنسبة الي الروح و الروح بالنسبة الي العقل فان كل عالم ادني اكثر تفصيلا من الاعلي و قد تنظر الي عوالم الغيب من الفؤاد الي النفس فتراها عرصة الاجمال و الي عوالم الشهادة من الطبيعة الي الجسم فتراها عرصة التفصيل و قد تنظر الي الغيب و الشهادة فتراهما منتظمين متطابقين نوعا و لكل منهما مادتان و صورتان و المادة في كل مقام عرصة الاجمال بالنسبة و الصورة عرصة التفصيل فالفؤاد مادة نوعية للغيب كما ان الطبيعة مادة نوعية للشهادة و العقل بالنسبة صورة نوعية للغيب كما ان المادة ايضا صورة نوعية للشهادة و [ص 135] الغرض من ذلك ان مادية الفؤاد و صلوحه للتطورات انما تظهر و تتعين في مقام العقل لا في ذات الفؤاد فانه حقيقة غيبية و كذلك مادية الطبيعة و صلوحها للتطورات الشهادية انما تظهر و تتعين في مقام المادة لا في ذات الطبيعة فانها حقيقة شهادية و من هنا قد نسمي العقل معنويا ماديا مع ما قلنا انه صورة نوعية و كذلك عالم المادة نسميها مادة مع انها صورة نوعية لعالم الشهادة بالجملة و الروح ايضا في عالم الغيب مقام المادة الشخصية و النفس مقام الصورة الشخصية كما ان المثال في عالم الشهادة مقام المادة الشخصية و فيه تعينات اجمالية و الجسم مقام الصورة الشخصية و هنا نظر آخر في الغيب و الشهادة فالفؤاد حقيقة غيبية و العقل مادته و الروح صورته و النفس محل اقتران المادة و الصورة و اجتماعهما و كذلك الطبيعة في عرصة الشهادة حقيقة شهادية و المادة مادتها و المثال صورتها و الجسم محل اقتران المادة بالصورة فالفؤاد و الطبيعة الحقيقة الجامعة من حيث الاعلي للغيب و الشهادة و النفس و الجسم الصورة الجامعة من حيث الاسفل للغيب و الشهادة بالجملة فالانظار مختلفة و في [ص 136] كل نظر تري اجمالا و تفصيلا كما لايخفي و هنا نظر آخر يجري في كلها من حيث المجموع علي سبيل الكلية و في بعضها علي سبيل الخصوصية و الانفراد فتري وجودا و هو حيثه من ربه و حيث آئيته و دلالته عليه تعالي و مهية و هي حيثه من نفسه و الاول حيث ظهور الوحدة فيه و الثاني حيث الكثرة و التعدد و الاختلاف و هما بحيث ان رأيت الوجود لم‌تر الا هو و ان رأيت المهية لم‌تر الا هي من قوله حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فلايدركان في عرض واحد فالاول آية التوحيد و علامة التفريد من قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولم‌يكف بربك انه علي كل شئ شهيد و قوله و في انفسكم افلاتبصرون و ما قيل :

و في كل شئ له آية تدل علي انه واحد

و تلك الآية في الوجود الكلي الجامع لما كان و ما يكون هي الآية العظمي و النبأ العظيم من قوله عليه السلام في تفسير قوله تعالي عم يتساءلون عن النبأ العظيم اي نبأ لله اعظم مني و اية آية اكبر مني ، و ذكروا عليهم السلام نحو ذلك في تفسير قوله تعالي و لقد اريناه آياتنا كلها فكذب و ابي حيث ظهر اميرالمؤمنين صلوات الله عليه لفرعون علي [ص 137] فرس من الذهب و سيف من الذهب و لباس من الذهب لما كان فرعون يعظم الذهب ثم ان الآيات الجزئية في غيرهم صلوات الله عليهم هي كلها آياتهم و علاماتهم و انوارهم و اشعتهم و آيتهم آية الله و نورهم نور الله و يفصل نورنا من نور ربنا كما يفصل نور الشمس من الشمس و اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده و يا سلمان و يا جندب معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي بالنورانية و هو الدين الخالص الذي قال الله تعالي و ماامروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء و يقيموا الصلوة و يؤتوا الزكوة و ذلك دين القيمة يقول ماامروا الا بنبوة محمد (ص) و هو الدين الحنفية المحمدية السمحة و قوله و يقيموا الصلوة فمن اقام ولايتي فقد اقام الصلوة الحديث ، بالجملة فمعرفتهم من حيث الآئية و النورانية هي معرفة الله سبحانه فقط و لا سبيل الي معرفته غيرهم و بنا عرف الله و لولانا ماعرف الله ثم انهم لما تجلوا بنورانيتهم و آئيتهم في كل مقام و في كل شئ حتي ملأوا اركان كل شئ و كانوا اولي بانوارهم و اشعتهم من انفسها فقد ملأوا السموات و الارضين و ما بينهما و الغيب و الشهادة بانفسهم لانهم منير كل تلك الانوار و النور نور ما رؤي المنير فيه و كان [ص 138] اولي به من نفسه في مقام وجوده و لو لم‌يكن كذلك لم‌يكن النور نورا بل كان ظلمة فهم اولي بكل شئ من نفسه و من كل شئ و ان لم‌تكن تري نورهم في كل شئ فهو من غشاوة في بصرك و الا فقد قالوا (ع) انت غير محجوب عن خلقك الا ان يحجبهم الآمال دونك ، و قد اجيب فيك دعوة الداعي حيث قال (ع) عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا بالجملة و ولايته صلوات الله عليه في هذا الحديث انما هي بهذا المعني حقيقة و النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم و انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون و قد اتفق المسلمون انه نزل في شأن اميرالمؤمنين عليه السلام و هو خطاب الي كافة من بعث رسول الله صلي الله عليه و آله اليهم و يعم البر و الفاجر و كل شئ و في يوم الغدير قال صلي الله عليه و آله الست اولي بكم من انفسكم قالوا بلي فقال من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، و اولويته صلوات الله عليه ليس علي نحو الظاهر كاولوية الاب علي ولده و الولد بالنسبة الي الوالد من بعده فان هذه الاولوية اولوية ظاهرية عرضية و لكن الاولوية الحقيقية فوق ذلك و هم اولي [ص 139] بكل شيء من كل شئ و الولي هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه بمعني انهم في حال مالكيتهم مملوكون له هم و ما ملكوا و في حال قدرتهم تحت قدرته عليه السلام و اعلم ان ولايتهم ولايتان ولاية شرعية تجري في المؤمنين و الانوار من كل طبقة و ولاية كونية تجري في كل شئ و لا اختصاص بشئ فهم اولي بهم من انفسهم و اظهر فيهم بحيث لايري فيها نور الا نوره و لايسمع منها صوت الا صوته فبهذا النظر نقول انهم ملأوا اركان كل شئ حتي ظهر ان لا اله الا هو ففي الزيارة بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت و قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الذي نظرت في ملكوت السموات و الارض و لم‌اجد غيري و قال انا الآمل و المأمول فلا شئ في الملك الا و هو اولي به منه و هذا هو بعينه معني ولاية الله سبحانه فان الولاية من صفات الاضافة و لا ذكر لغيره تعالي معه في ذاته حتي يتولي عليه و يكون ذلك الشئ مولي عليه و قد تجري ولايته تعالي في مقامه صلوات الله عليه ايضا بحيث ينفي المولي عليه فلايري معه و هي ولاية ذاتية حقيقية تعم الاجمال و التفصيل و الجمع و التفرقة و الايتلاف و الاختلاف [ص 140] و الانتظام و الانتثار فان المعرفة الحقيقية لاتحصل الا بأن تخرجه عن الحدين حد التعطيل و حد التشبيه فان اختصت الولاية بالمواد و المجملات كنت تصفه بالتعطيل و ان اختصت بالصور و التفاصيل كنت تصفه بالتشبيه و لكنها تعمهما جميعا منفردا و منضما و النسب و القرانات من اي جهة من الجهات قال عليه السلام انا الذات انا الذات في الذوات للذات ، و هكذا كانت حتي ملأت بها الآفاق و نسبة الايتلاف و الاختلاف و الجمع و التفرقة و غيرها من الاضداد اليها ادل دليل علي انها في ذاتها لاتحد و لاتتعين بشئ منها بل هي منزهة عنها في ذاتها و لكنها تظهر في الاضداد ليكون دليلا علي ان لا ضد له كما قالوا عليهم السلام بمضادته بين الاشياء عرف ان لا ضد له ، كما ان الجسم لما ظهر تمامه بالعرش عرصة الاجمال و بالكرسي عرصة التفصيل عرف ان لا اجمال له في ذاته و لا تفصيل و هو اولي بهما من انفسهما و هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و من هنا قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الاول انا الآخر انا الباطن انا الظاهر انا مع الكور قبل الكور انا مع الدور قبل الدور انا مع القلم قبل القلم ، و هكذا من امثال هذه الكلمات المباركة [ص 141] التي ملأت بها خطبه عليه السلام و كل ذلك مع انه في ذاته واحد لا تعدد له و لكنه (ع) لما بلغ في الآئية مبلغا خلع عن نفسه جميع الحدود و النهايات صار موقع قوله تعالي هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم فهو (ع) من حيث ظهوره في المظاهر هو الاسم الذي كتب علي كل شئ حتي استقر و سكن و جري الي حيث اجراه الله و صار دليلا علي الله و لكن من حيث الاعلي طوي الظهور و المظهر و يجري فيه قوله (ع) انا الذي نظرت في ملكوت السموات و الارض و لم‌اجد غيري و قوله عليه السلام ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا ، فهكذا ملأ الآفاق حتي ظهر ان لا اله الا الله و يجري ذلك في جميعهم و بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت بالجملة و قد ملأت اخبارهم صلوات الله عليهم و عبارات مشايخنا اعلي الله مقامهم في شرحها من هذا البيان و لايحتاج الي تفصيل زايد و كلما فصل لايزيده التفصيل الا غموضا فلنكتف [ص 142] بما ذكرنا و لا قوة الا بالله العلي العظيم .