قال اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه : الحمد لله الذي طرز ديباج الكينونة بسر البينونة بطراز النقطة البارز عنها الهاء بالالف بلا اشباع و لا انشقاق .
اقول و اسأل الله العليم الوهاب بحرمته و حرمة اوليائه الاطياب صلوات الله عليهم ما طلع نجم و غاب ان يلهمني الحق و الصواب من معاني تلك العبارات المهذبة المحجوبة بالحجاب المستورة بالنقاب فالحمد علي ما في المعيار بالفتح نقيض الذم و عن بعضهم هو الشكر و الرضا و الجزاء و قضاء الحق و عن ابيعبدالله عليه السلام في تفسير الحمد لله رب العالمين الشكر لله الخبر ، و قال في الشكر شكرت الله كنصر و المصدر كقفل و سرور و برهان اعترفت بنعمته و فعلت ما يجب من فعل الطاعة و ترك المعصية و لهذا يكون الشكر بالقول و العمل الي ان قال و عن بعضهم الشكر بالضم الثناء الجميل علي المحسن بما اولاكه من المعروف و الالف و اللام في الحمد للاستغراق كما روي انه فقد للصادق عليه السلام بغلة فقال لئن ردها الله علي لاحمدنه بمحامد يرضاها فمالبث ان اتي [ص 60] بها بسرجها و لجامها فلما استوي و ضم اليه ثيابه رفع رأسه الي السماء فقال الحمد لله و لميزد ثم قال ماتركت و مابقيت شيئا جعلت جميع انواع المحامد لله عز و جل فما من حمد الا و هو داخل فيما قلت ، اقول و اما لفظ الجلالة فقد مر معناه و اللام فيه للاستحقاق و هي الواقعة بين معني و ذات و يجوز جعلها للاختصاص و الملك اي الحمد مختص به تعالي او ملك له و الطراز بالراء المهملة علم الثوب معرب ج طرز ككتاب و كتب و طرز الثوب تطريزا جعل له طرازا فتطرز علي تفعل للمطاوع و ثوب مطرز بالذهب و غيره كمعظم و الطراز ايضا الموضع الذي تنسج فيه الثياب الجيدة و النمط و ثوب نسج للسلطان الي ان قال و الطرز بالفتح الهيأة و الشكل و الديباج في المعيار دبجه بالموحدة دبجا كضرب نقشه و الديباج ثوب سداه و لحمته القز و يقال هو معرب ديبا ثم كثر حتي اشتقت العرب منه فقالوا دبج الغيث الارض دبجا كضرب اذا سقاها فانبتت ازهارها مختلفة لانه عندهم اسم للمنقش الي ان قال و ديباجة الكتاب كديوان بهاء عنوانه و الديباجتان بصيغة المثني الخدان ، اقول و هذا المعني لايخلو من [ص 61] اجمال و تفصيله ما ذكره السيد الاوحد اعلي الله مقامه في شرح قول الناظم : ديباجة الشرف الذي لايجهل ، قال و هذه العنوانات هي المرقومة علي ذلك الديباج و هو العنوان لها و هي ( الديباجة كذا ) الشرف الذي لايجهل لان ديباجة الكتاب مشتملة علي اشرف ما في الكتاب من الثناء علي الله و الصلوة علي محمد و خلفائه و اصحابه و اولاده سلام الله عليهم و هي عبارة عن العنوانات المذكورة من التوحيد و الاسماء و الصفات و الولاية و النبوة و كرامة النفس و هي المجتمعة في كينونة الانسان الكامل الي آخر و الغرض انها بحسب اللغة و ان كانت بمعني العنوان و لكن لايخفي ان العنوان للشئ هو اعلي اذكاره و اشرف مراتبه بالجملة و اما الكينونة ففي المعيار كان الشئ كونا كقال و كيانا ككتاب و كينونة كزيتون بهاء حدث فهو كائن كفاعل و هي بهاء و الكائنة الحادثة وزنا و معني ، اقول لايخفي ان الكون او الكينونة اذا اضيف الي الحوادث فلا مانع من تفسيره بالحدوث و لكن اذا اضيف الي الله سبحانه فهو بمعني الثبوت و قد نص عليه في اللغة كما في المعيار انه قد تأتي لمحض ثبوت الخبر للاسم و منه قوله تعالي و كان [ص 62] الله سميعا بصيرا و امثاله فليست في امثال ذلك عبارة عما مضي بل معناه انه سبحانه سميع بصير فيما مضي و فيما سيأتي حيث لايكون ما مضي و ما سيأتي ظرفه و زمانه بل بمعني انه سبحانه محيط بهما و كينونته كينونة سميعة بصيرة فليست كان في امثال هذه المواقع زائدة و قيل هي زائدة في تلك الآيات و الحق ما قلنا و في اصطلاح الحكمة يعبر بالكينونة عن الوجود الحق و الوجود اللابشرط و الذات الظاهرة و هو معني قوله عليه السلام كنا بكينونته كائنين غير مكونين موجودين ازليين و البينونة قال في المعيار بان الشئ بينا كباع و بيونا كسرور و بينونة ككينونة انفصل و انقطع و الاشباع بحسب اللغة معلوم فان الشبع ضد الجوع و يأتي بمعني الكثرة و الوفور و في اصطلاح علم القراءة اذا كانت الهاء مضمومة قد تشبع الضمة فتصل الهاء بالواو و اذا كانت مفتوحة تصلها بالالف و اذا كانت مكسورة تصلها بالياء فان تلك الحركات الثلثة من جنس هذه الحروف الثلثة الا انها خفيفة فاذا اشبعتها صارت واوا او الفا او ياءا و لكن المراد في كلامه اعلي الله مقامه اشباع الهاء بالواو ليحصل منه الاسم الاعظم هو و اما [ص 63] الانشقاق فهو ايضا معلوم فان الشق لغة بمعني الصدع و التفريق و شق الشئ كضد نصفه و المراد منه هنا ان الهاء قد تكتب بعين واحدة هكذا ه و هي التي ظاهرها عين باطنها و باطنها عين ظاهرها و قد تكتب بعينين هكذا ه فينشق داخلها و ينتصف فيسري فيها الاختلاف و التكثر و هو معني قول السيد الاستاد اعلي الله مقامه في شرح قول الناظم :
فاقبل هدية امة الهادي التي منك الاغاثة في الشدائد تسأل
قال في شرح هاء الهادي انه من اقصي الحلق من حروف عالم الجبروت بل من حروف اللاهوت فهي دائرة قبل الاتصال ظاهرها في باطنها و باطنها في ظاهرها و ح حركتها علي القطب و اذا اتصلت بغيرها تكثرت و تحركت علي المحور فتوسط في الدائرة خط المحور فحصل لها ثلث درجات دائرة و محور و قطب و اما قبل الاتصال فالدائرة نفس المحور و المحور نفس القطب و المجموع شئ واحد اقول المراد بحسب الظاهر ان الهاء اذا كانت وحدها كتبت هكذا ه و اذا اتصلت بغيرها كتبت هكذا ه فخط الوسط محورها و طرفاه قطباها فتصير ذات عينين و الدائرة المحيطة بهما دائرتها بالجملة و [ص 64] في هذه العبارة الشريفة من براعة الاستهلال بحسب اللفظ و المعني ما لايخفي علي المتتبع في ذلك الشرح فان الطراز مأخوذ من قوله في مطلع قصيدته :
وافتك يا موسي بن جعفر تحفة منها يلوح لنا الطراز الاول
و الديباج مأخوذ من قوله بعده :
رقمت علي العنوان من ديباجها ديباجة الشرف الذي لايجهل
و اما بحسب المعني فيحتاج بيانه الي بسط طويل و لكن يظهر ان شاء الله مما سنذكره بعد في شرح هذه العبارة فان المطالب المندرجة في تلك الاشعار علي ما استخرجها السيد السند ذو المجد و الفخار حشره الله مع الائمة الاطهار صلوات الله عليهم ما سكنت الارض و دار الفلك الدوار من نحو ما اشار اليه (اع) في هذه الفقرات و فيها من التشبيهات البديعية من باب قوله تعالي تلك الامثال نضربها للناس لعلهم يعقلون متعددة فان ديباج الكينونة من باب التشبيه و وجه المشابهة ان الديباج ثوب سداه و لحمته قز كما عرفت و القز حاصل من الدود الحي و في غاية اللطافة و النعامة فشبهت الكينونة به بمناسبة حيوتها الاصلية و الصوف و الشعر و الوبر ايضا و ان كانت حاصلة [ص 65] من الحيوان و لكنها من جهة كثافتها و غلظتها لاتليق بهذا الشأن فعدل عنها الي القز الذي هو مادة الديباج و في غاية اللطافة علي ان الدبج بمعني النقش كما عرفت و الغرض هنا بيان ظهور تلك النقوش و الحروف المغيبة في ذلك المقام فانه مقام العلم و لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها فمن هنا عبر عن الكينونة بالديباج و شبهت به و كذلك الطراز ايضا ثوب ينسج للملوك و علم الثوب و نقشه و هذا ايضا يناسب ما ذكرنا فشبهت به و كذلك التعبير بالنقطة و الحروف ايضا ان اريد منها ما تري في ظاهر الحيوة الدنيا فقط فهي من باب التشبيه و التمثيل و ان اريد منها حقايقها فهي حقيقة و ما نراه في ظاهر الحيوة الدنيا شبهت بها او نقول ان كل ما في العوالم السافلة كلها آثار و تمثلات لما في ذلك المقام و هي علي اصطلاح مشايخنا اعلي الله مقامهم حقيقة بعد حقيقة و ليست من باب التشبيهات المجازية كما ان اطلاق الشمس علي الشمس حقيقة و علي نورها ايضا حقيقة و ليس من باب التشبيه و لكنه حقيقة بعد حقيقة و سمي النور بالشمس من باب انها اولي به من نفسه و [ص 66] اظهر فيه و بهذا النظر يمكن ان يقال ان جميع هذه الالفاظ و الاستعمالات في هذه العبارات من هذا الباب و حقيقة هذا البيان انما تعرف بمعرفة باطن الباطن و لسنا من اهلها و لا بصددها الآن و لنقدم و لا حول و لا قوة الا بالله اولا بيانا نتوصل به الي اصل المطلب ليسهل علينا استخراجه من تلك العبارات انشاء الله تعالي فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية لا تعبير عنها بوجه من الوجوه و تلك الالفاظ و العبارات التي نذكرها او ذكرها الذاكرون كلها راجعة الي عنوانه تعالي من حيث ظهوره في الآفاق و الانفس لا من حيث ذات العنوان فضلا عن ان تكون تعبيرا عن الذات الاحدية التي لا عبارة عنها و لا اشارة و ذلك لان الادوات انما تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها و هو سبحانه لايكون نفس احد من خلقه و لا نظيره و بالجملة هذا بحث مفروغ عنه رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك الطريق مسدود و الطلب مردود لكنه سبحانه تجلي بكينونته الازلية لا بحركة بعد سكون و لا بنطق بعد سكوت زائد علي الكينونة و لا بأن تكون الكينونة نفس حركته و نطقه فان الحركة هي الكمال الاول نحو الكمال [ص 67] الثاني و لا بد لها من محل تظهر الحركة فيه و من محرك يحركه و يستخرج ما استجن فيه من الكمالات و هنا لا شئ الا الذات البحت البات و هي لاتكون محلا للحركة و لا علة لايجادها و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و روي كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة علي ان العلة اذا كانت تامة لاتكون الا و المعلول معها و قد قالوا عليهم السلام لاتكون الارادة الا و المراد معها ، فلاتكون العلة التامة الا و المعلول معها فاذا فرض ان تكون الذات البحت البات علة لما دونها فلا بد من كون ما دونها معها مع انها ممتنعة عما سواها و ما سواها ممتنع معها و الا كانت حادثة مثلها بلا شك كالشمس و نورها بالجملة فالكينونة العليا ظهوره تعالي لا بحركة بعد سكون و لا بنطق بعد سكوت و لا ببروز بعد خفاء و لا بحضور بعد غياب بل هي الظاهرة بالقدم لساير الامم و هي الازلية الاولية و لولاها لميعرف من ازليته تعالي و قدمه شئ ابدا بل لميعرف بوجه من الوجوه و هي موقع قوله تعالي ليس كمثله شئ قال السجاد صلوات الله عليه اما البيان فهو ان تعرف الله بانه ليس كمثله شئ فتعبده و لاتشرك به شيئا و هو غيب [ص 68] باطن ستدركه كما وصف به نفسه فلاتدرك الكينونة من حيث ذاتها الا بما وصفت به نفسها و من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة و هي الذات التي روي انه كان الله و العلم ذاته و لا معلوم و بيان ذلك ان هذا المقام مقام حق الوجود و ذاته و هو الوجود المعبر عنه بالفارسية بهست و هو الثابت الكائن من كل حيث و لا حيث و قد يعبر عنه بالفعلية المحضة التي لا قوة فيها و لا فقدان و هي موجودة من كل حيث و لايخفي ان الفعلية المحضة لا تعدد فيها و لا تكثر و لا اختلاف و لا تحديد و لايفرض لها غير بوجه من الوجوه و هي الاحد النسبي فان التعدد و التكثر انما يحصل بالوجدان و الفقدان فان زيدا زيد و ليس بعمرو و عمرا عمرو و ليس بزيد و السماء سماء لا ارض و الارض ارض لا سماء و الغيب غيب لا شهادة و الشهادة شهادة لا غيب بل الامر امر لا خلق و الخلق خلق لا امر فبهذا الوجدان و الفقدان تكثر الامكان و الاكوان و الاعيان و لكن الوجود الحق لايفقد شيئا حتي يعتريه التعدد و التكثر فهو احد نسبي و آية الاحد الذاتي و انما نعبر عنه بالاحد النسبي معذلك لما سنبينه بعد ان شاء الله بالجملة فهو باحديته [ص 69] لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها و لكن لا بمعني اثبات الكثرات في ذاته فانه لو كانت الكثرات في ذاته و كانت وعاءا لها لاعتراه النقصان و الفقدان الاتري الصندوق الذي حوي اشياء و امتعة هو في ذاته فاقد لما فيه و ما فيه يفقده و يفقد بعضها بعضا فليس احصاؤه لكل شئ كما يحوي الصندوق الامتعة بل علي كمال الوحدة بحيث لا شئ غيره معه و لما كان فعلية تامة كاملة قلنا انه لايفقد شيئا و هذا معني قولهم (ع) كان الله و العلم ذاته و لا معلوم اي لايفقد شيئا و لا شئ غيره معه فان عرفته فانت انت و ان شئت عبرت عن هذا المعني بأن معلومه نفسه من غير تغاير بين العلم و المعلوم و علمه هذا لايقع علي شئ و لايقع عليه شئ اذ لا شئ غيره حتي يقع عليه فان ثبوت شئ معه يستلزم الفقدان و قد عرفت انه في البطلان بمكان ثم انه قد تجلي بوجود منبسط و ضياء مستطير و قدرة مستطيلة لايشذ منها شاذ و لايخرج من تحتها خارج و لكن لا علي نحو التحديد فتزعم انه تجلي به كما تتجلي الشمس بضوئها علي نحو التحديد و المغايرة بحيث تنظر اليهما معا بعين واحدة حاشا و حاشا و لكن علي نحو قوله عليه [ص 70] السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما ، و المراد منه انهما لو كانا متغايرين محدودين و كان بينهما فصل او هنا ثالث غيرهما كان الوجود الاول و الثاني متجانسين متشاركين مركبين متكثرين بداهة و هذا ينافي احدية الوجود الحق البتة فالحال فيهما بحيث ان نظرت الي حق الوجود لمتر الا هو و ان نظرت الي الوجود المنبسط لمتر الا اياه فلاتراهما معا بعين واحدة حتي تدرك المغايرة و تري بينهما فصلا فتكون هنا مادة مشتركة بين الثلثة و صورة مميزة لكل واحد منها فالوجود المنبسط المطلق ليس مع الوجود الحق و لايذكر معه و لايوجد بسببية للوجود الحق له بذاته و لكنه تجلي به بنفسه و هو قوله عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ، و نفسها آية الكينونة و هي العلم الواقع منها علي المعلوم من قوله (ع) كان الله و العلم ذاته و لا معلوم و لما خلق المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم ، فان العلم الواقع علي المعلوم سوي العلم الذي هو ذاته فانه لايقع علي شئ اذ لا شئ غيره و هو قولهم عليهم السلام بالعلم خلقت المشية ، ففي مقام يعبر عنه بنفس المشية و في مقام يعبر بالعلم و هو العلم الواقع [ص 71] عليها المتعلق بها و اعلم ان عند التدقيق توجد هنا اربعة مقامات الاول الكينونة الاولي العليا التي قال عليه السلام لجابر بن يزيد في شأنها و هو غيب باطن ستدركه كما وصف به نفسه ، اقول فهو من حيث الباطن الغيب الغيوب لايدرك و لايري و لايعرف بتنزيه او تشبيه بوجه من الوجوه حتي يتجلي بالظهور و ظهوره ظهوران ظهور عام لايحد بالنفي و الاثبات و الاطلاق و التقييد و المشية و المشاء من قوله عليه السلام ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و من قوله تعالي المتر ان الله يعلم ما في السموات و ما في الارض مايكون من نجوي ثلثة الا هو رابعهم و لا خمسة الا هو سادسهم و لا ادني من ذلك و لا اكثر الا هو معهم اينما كانوا و من قوله هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم علي ان تكون المشية اولا و باطنا و المشاءات آخرا و ظاهرا فهذا النور العام اضاء لكل شئ و استضاء به كل شئ و لو كان هذا الظهور مختصا بالمشية [ص 72] مع ما هي عليه من الابهام و الاطلاق كنت تصف الكينونة العليا بالابهام و الاطلاق و التعطيل و النفي مع انها منزهة عنها و لو كان مختصا بالمشاءات كنت تصفها بالتعين و التشخص و الاثبات و التشبيه بالمشاءات مع انها منزهة عن كليهما فهذا النور المشرق في حده لا شئ غيره و لايري فيها نور الا نوره و لايسمع منها صوت الا صوته و هذا هو الذي عبر عنه السيد الاستاد اعلي الله مقامه بديباج الكينونة فان الحقيقة الاولي العليا التي قلنا انها غيب باطن هي الكينونة و هذا النور المشرق الذي احاط بكل شيء و اضاء له كل شيء ديباجها فانه ظاهرها و ظهورها كما ان الثوب و اللباس ظهور لابسه قال الله تعالي في القدسي الكبرياء ردائي فمن نازعني في ردائي سلبته عنه و العظمة دثاري فمن نازعني في دثاري سلبته عنه ، بالجملة فهذا النور المشرق هو ديباج الكينونة ثم ان لهذا النور ظهورا في قابلية المشية و اول ما ظهر ظهر فيها لانها اعلي القوابل و اسناها و الطفها و اشرفها و اشبهها بذلك النور المشرق فمن هنا اول ما تعلق به هذا النور هو المشية فخلقها الله سبحانه بنفسها و نفسها هي ذلك النور من حيث ظهورها في قابلية المشية و انما حصلت [ص 73] هذه الاولية لكمال استعداد قابلية المشية لحكاية النور لا ان للنور في ذاته قرب او بعد بالنسبة الي شئ دون شئ و المثل في ذلك النار الدهرية الغيبية فان لها ظهورا في عرصة الزمان لايختص بشئ دون شئ و لايكون اقرب الي شئ دون شئ و لكن الدخان المكلس لاجل استعداد قابليته حكي من ذلك الظهور علي حسبه فاستضاء اول مرة و اضاء علي غيره من ساير الاجسام فعلي هذا قس ما نحن فيه و ان كان المثال تقريبيا و لا بد من وضع الكثرات موضعها فهكذا الامر في ايجاد المشية اول مرة فان النور المشرق من الكينونة لا اختصاص له بمشية او مشاء و لا مشية معه و لا مشاء و لكن قابلية المشية و هي صورة الاطلاق الامكاني اقرب القوابل لحكاية ذلك النور و اشبهها به فاستضاءت منه اول مرة علي حسبها ثم اضاءت علي غيرها و القابلية هنا انيات تلك الانوار و مهياتها لا انها كمرايا مستقلة موضوعة تحت الشمس او كادهان مختلفة صالحة لحكاية النار و انما هي قوابل معلومة مذكورة في علمه تعالي قال الله تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لميكن شيئا مذكورا و قال اولايذكر الانسان انا [ص 74] خلقناه من قبل و لميك شيئا و في البرهان عن سعيد الحداد عن ابيجعفر عليه السلام قال كان مذكورا في العلم و لميكن مذكورا في الخلق و عن عبدالاعلي مولي آلسام عن ابيعبدالله عليه السلام مثله ، اقول و هنا بعض الاخبار ينافي ذلك بحسب الظاهر فعن علي بن ابرهيم في تفسير آية هل اتي قال قال لميكن في العلم و لا في الذكر قال و في ذلك حديث آخر كان في العلم و لميكن في الذكر ، اقول و يرتفع الاختلاف بملاحظة درجات العلم و لسنا الآن بصدد بيانه و الغرض ان القوابل و ان لمتكن مذكورة في الخلق و لكنها كانت معلومة و علم الله اولي بحقيقة التصديق بالجملة فلما كانت قابلية المشية الطفها و اشرفها و اقربها لحكاية النور و لمتكن مشروطة بشرط متعين استضاءت به و اضائت علي غيرها فحصلت هنالك مقامات اربعة الاول الكينونة الاولي العليا و الثاني مقام ظهورها الكلي و هو مقام الجمع من قوله عليه السلام في الدعاء اعوذ بجمع الله قيل ما جمع الله قال كل الله و هذا هو مقام ديباج الكينونة علي ان تكون الاضافة للاختصاص و التمليك و لاتكون بيانية و الثالث مقام الظهور المختص بالمشية و [ص 75] هو نفسها و العلم المتعلق بها و هو المعبر عنه بالنقطة فان العلم نقطة كثرها الجاهلون و الرابع مقام قابلية المشية و مهيتها و صورة اطلاقها و هي النفس الرحماني و الالف اللينية التي هي في غاية التجرد عن المخارج و الاطلاق عن القيود و الحدود و لا كيف لفعله كما لا كيف له و ان شئت عبرت عن الاول بالبيان و الثاني بالمعاني و الثالث بالباب و الرابع بالامام فلك ذلك و لا بأس و ان شئت عبرت عن الاول بالعلم الذاتي اذ لا معلوم معه و عن الثاني و هو ديباج الكينونة باللوح و القلم حيثه الاعلي مما يلي المبدء فانه ظهور و فيه ظاهر و هو مقام القلم و لتكن المقامات الاربعة مع هذا المقام خمسة ثم النقطة و هي المقام الثالث و مقام نفس المشية اول ما يرسم في ذلك اللوح و اذا تكررت صارت الفا فان الالف نقطتان لا اقل و لا شك انها لاتتكرر في حد ذاتها الاتري ان النقطة نقطة سواءا كانت معها نقطة اخري ام لمتكن فلا جرم هي في ذاتها واحدة و اذا تكررت في مقام ظهورها صارت الفا و هي المقام الرابع اي المشية او الخامس بزيادة مقام الظاهر الذي عبرنا عنه بالقلم كما عرفت و لكنها اي الالف في غاية الاطلاق و لاتتكي علي مقاطع [ص 76] الفم و الحلق فهي الف لينية و هي علة لساير الحروف حتي الواو و الياء و ان عدتا حرف علة و ذلك لان الالف اذا خرجت من الحلق لاتتكي علي مقطع ابدا الي ان تخرج من الفم و لكن في الياء لا بد من تضييق اواسط الفم و في الواو لا بد من تضييق اواخر الفم مما يلي الشفاه فمن هنا كانت الالف علة لجميع الحروف حتي الواو و الياء و من هنا تكون المشية علة لجميع الاشياء قال (ع) خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، ثم ان اول ما يصدر من الحروف من بعد الالف هي الهاء و ذلك لان الالف صوت يخرج من الرية مع انفتاح المجري من اوله الي آخره و لايتكئ ذلك الصوت علي مقطع ابدا و لكن الهاء صوت يخرج من الرية و له اتكاء في الجملة في اقصي الحلق مما يلي الرية ثم يرسل ارسالا مع انفتاح باقي المجري الي ان يخرج من الفم فالهاء برزت من النقطة التي هي الهواء المحتبس في الرية كما روينا سابقا ان اول ما خلق الله الهواء و الماء ايضا مخلوق من الهواء فهو النقطة الاولي و قد برزت منها الهاء بواسطة الالف اللينية التي هي الصوت الممتد المجرد عن الاتكاء بالمخرج مطلقا و لكنها اي الهاء [ص 77] لاتشبع هنا بالف و لا واو و لا ياء اما عدم اشباعها بالالف فلأنها باتكائها علي المخرج في اقصي الحلق خرجت عن حد الالف و اما عدم اشباعها بالياء و الواو فلان الياء انما تحصل بتضييق اوسط المجري و الواو بتضييق آخر المجري و الهاء في صعودها من الجوف قبل وصولها الي آخر الفم او وسطه مجرد عن التضييقين اللذين هما شرط وجود الياء و الواو ففي هذا الموضع اي من اقصي الحلق الذي هو مصدر الهاء الي وسط الفم لاتوجد هنا ياء و لا واو حتي تشبع باحديهما و كذلك لا انشقاق فيها لان الانشقاق لا بد فيه من آلة للتقطيع و التفصيل و الغرض ان الهاء بعد صدورها من الحلق لاتتكي علي مقطع و مخرج فكيف يفرض فيها الانشقاق و اعلم ان ما نقول هنا لاجل تطبيق الظاهر مع الباطن و لكن الامر في الحقيقة فوق ذلك فالمشية بعد ما خلقت بنفسها صارت صاحب مقامات خمسة و هي الكينونة و ظاهرها و ظهورها العام و ظهورها الخاص بالمشية اي نفس المشية و الخامس ظاهر المشية و صورة اطلاقها و هي ميادين التوحيد و مراتبه التي يعبر عنها بتوحيد الذات و الهوية و الالوهية التي استولي علي ما دق و جل و [ص 78] الاحدية و الواحدية فالمشية من حيث صورتها الاطلاقية واحدة كما قال تعالي و ما امرنا الا واحدة فمن هنا عبر عنها بالالف و لكنها من حيث اشتمالها علي المراتب الخمسة خمسة فيعبر عنها بالهاء و انما حصل لها هذا الاشتمال و اجتماع المراتب فيه بقابليتها التي هي مقام الالف الاتري انه لولا الدخان المكلس بل لولا الدهن لميكن هنا دخان و لا مس نار شخصي او نوعي و لا نار ظاهرة فهذه المراتب الخمسة انما حصلت باستعداد الدهن و دعائه و مسألته من ربه و مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم فمن هنا قال السيد الاستاد اعلي الله مقامه بطراز النقطة البارز عنها الهاء بالالف و المراد منه ما ذكرنا ان تمثل هذه المراتب الخمسة بل وجودها بقابلية المشية ثم ان المشية هنا في غاية الوحدة الخلقية كما قال تعالي و ما امرنا الا واحدة فهي واحدة و المراتب الخمسة المجموعة فيها ليست علي نحو التعدد و التكثر بل علي حذو قوله (ع) حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما ، كما ذكرنا فكل مرتبة منها اذا رؤيت لمتر معها الا اياها فلا تعدد و لايفرض فيها كثرة و لا تعدد و لا تشقق من غير هذه الجهة لاستلزام كل ذلك [ص 79] الغيور و لا شئ مع المشية في ذاتها لانها علة جميع الاشياء و قد قال (ع) خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، و لا شك ان المعلول لايقوم مع العلة في عرصة ذاتها و الا كان علة مثلها و قائما بنفسه كما في العلة الاخري فاذ لا شئ غيرها معها فلايفرض فيها اشباع و لا انشقاق اذ الاشباع يحتاج الي توفير و تكثير و لايفرض التكثير في عرصة ذات الشئ الا ان يتكثر في مراتب ظهوره و كذلك الانشقاق يحتاج الي فصل كما عرفت اولا ان الهاء في اول صدورها دائرة فقط هكذا ه و تدور علي نفسها و قطبها الذي هو مركزها من كل جهة علي التوالي و نفسها تدور عليها علي خلاف التوالي و اذا اتصل بالهاء غيرها من ساير الحروف كتبت هكذا ه فتنشق و تحدث فيها محور تدور عليه و تحدث هنا دوائر كبار و صغار علي ما تشاهد في الافلاك بالجملة فالمشية من حيث جامعيتها التي عبر عنها بالهاء ما لمتظهر في مراتب ظهورها و لمتبرز منها الغيور لميكن لها اشباع و لا انشقاق ثم ان المشية لكونها مظهرا للاسماء و الصفات و معاني خالق البريات كما عرفت فهي الحمد و المدح و الثناء الجميل و الشكر له [ص 80] تعالي فان من اعظم الشكر ان تتحدث بالنعمة و تظهرها و لاتكتمها قال الله سبحانه اما بنعمة ربك فحدث و سئل ابوجعفر عليه السلام عن هذه الآية قال الذي انعم عليك بما فضلك و اعطاك و احسن اليك ثم قال فحدث بدينه و ما اعطاه الله و ما انعم به عليه و قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان الله جميل يحب الجمال و يحب ان يري اثر نعمه علي عبده و قال ابوعبدالله (ع) اظهار النعمة احب الي الله من صيانتها فاياك ان تزين الا في احسن زي قومك و قال اذا انعم الله علي عبده بنعمة فظهرت عليه سمي حبيب الله محدثا بنعمة الله و اذا انعم الله علي عبد بنعمة فلمتظهر عليه سمي بغيض الله مكذبا بنعمة الله و قال اني لاكره للرجل ان يكون عليه من الله نعمة فلايظهرها ، اقول فالشكر الحالي و هو اظهار النعمة و التحديث بها بلسان الحال احسن و اخلص من اظهاره بالمقال نعم يظهر النعمة و يحدث بها و لكن يصرفها في سبيل رضاه كما قال ابوعبدالله عليه السلام شكر النعمة اجتناب المحارم و تمام الشكر قول الرجل الحمد لله رب العالمين و قيل له هل للشكر حد اذا فعله العبد كان شاكرا [ص 81] قال نعم قيل ما هو قال يحمد الله علي كل نعمة عليه في اهل و مال و ان كان فيما انعم عليه في ماله حق اداه ، اقول فالحمد و الشكر الحقيقي لله تعالي هو ما كانت مشية الله تعالي عليه لانها كما عرفت اول مظهر لكل نعمة انعم الله بها علي عباده و اعلاها و اشرفها و قد اظهرت نعمه سبحانه كلها و صرفتها في سبيل رضاه و طاعته و ما سمعت من المشية المحبوبة و المبغوضة و المرضية و المسخوطة فانما هو بعد ظهورها في قوابل المشاءات و انصباغها بصبغها و الا فهي من حيث ذاتها محبوبة مطلقا قال الله تعالي في القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف فهي العبد العارف المطيع لله الشاكر لآلائه و نعمه و هي الحامدة له بجميع محامده كلها علي جميع نعمه كلها و هي الاسم الذي استقر في ظله و لايخرج منه الي غيره و سميت بالحمد من باب زيد عدل و فيه من المبالغة ما لايخفي بالجملة فالهاء لما كانت صورة للمشية جامعة للمراتب الاربعة السابقة التي هي آيات الله الكبري و آلاؤه العظمي و اسماؤه الحسني و مظهرة لها محدثة بها صارفة اياها في سبيل محبة الله و رضاه خالصة لوجهه [ص 82] تعالي بريئة عن الشرك و الكفران فاذا حدثت ظهر بحدوثها ان الحمد لله و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و لواء الحمد بيد الولي صلوات الله عليه فانه يد الله الباسطة في الارضين و السماوات و ظهور نعمه و آلائه و قدرته و قوته كلها علي يديه و هو نفس الله القائمة فيه بالسنن و قد كتب علي نفسه الرحمة و في دعاء الحسين عليه السلام اللهم منك البدأ و لك المشية و لك الحول و لك القوة و انت الله لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و جعلت عقولهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به عنك في عقولهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقايق ما منحتهم الدعاء ، فللنبي صلي الله عليه و آله المقام المحمود يثني علي الله ثناءا لميثن عليه احد قبله و لا بعده و لواؤه بيد اميرالمؤمنين عليه السلام لان ظهور هذا الثناء و التحديث به علي يدي اميرالمؤمنين و لسانه صلوات الله عليه و وجهه المضيء و النبي صلي الله عليه و آله هو الباطن و الغيب الذي لايدرك قال علي عليه السلام [ص 83] ظاهري امامة و وصية و باطني غيب لايدرك ، فهو صلي الله عليه و آله اذا اراد الثناء علي الله عز و جل و اظهار نعمه و نشر آلائه للناس انما يفعل ذلك علي يدي اميرالمؤمنين عليه السلام و لسانه فانه نفسه و ظاهره كما في آية المباهلة و بالجملة لسنا بصدد التفصيل و الغرض الاشارة و بقي الكلام في قوله اعلي الله مقامه : بسر البينونة ، و بيان ذلك ان كينونته تعالي مع كمال احديتها و تنزهها عن صفات الخلق و حكايتها عن الله تعالي بحيث ان كلما سمعت او سمعه السامعون او قاله القائلون و سبوحيته التي اشار اليها في قوله سبحان ربك رب العزة عما يصفون و قوله سبحان الله عما يصفون كل ذلك لايتجاوز ذلك المقام و رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك الطريق مسدود و الطلب مردود و الكينونة مع كمال قدسها و تنزهها و حكايتها عن قدمه تعالي و ازليته معذلك هي خلقه تعالي الا انها لاتدرك بمخلوقية و ذلك لانها ان كانت تدرك بالمخلوقية و الحدوث و الافتقار و التكثر و التركيب و هي الآية العظمي لله تعالي دلت علي حدوثه و مخلوقيته و تكثره و كان تعالي قد عرف نفسه لخلقه بتلك الصفات و هيهات [ص 84] هيهات ان يكون الله سبحانه عرف نفسه لخلقه بالحدوث و يكلفهم باعتقاد قدمه و ازليته و هو اعدل و اكرم من ذلك فلا جرم تكون تلك الآية العظمي آية قدمه و ازليته و لاتري و لاتدرك الا بالقدم و الاحدية و لكن معذلك لايمكن ان تكون تلك الآية قديمة حقية و ازلية ذاتية و لو كان يمكن ذلك لمنحتج الي آية و علامة لذاته و كانت يمكننا رؤيته تعالي و معرفته بذاته و انما عدل تعالي الي جعل تلك الآية لعجزنا عن معرفة ذاته فلا بد ان تكون الكينونة مخلوقة لاتدرك بمخلوقية عند سطوع نور الازلية و المثل في ذلك بحسب الظاهر ما اذا كتبت مثلا الله القديم و اريته كل من يقرؤ الخط يقرؤه الله القديم مع انه بلا شك حادث مخلوق مصنوع من المداد مكتوب بالقلم حال في اللوح قائم به فمن هنا اعتبر ما نحن بصدد بيانه فان الكينونة آية تعريفه تعالي و تعرفه و ظهور قدمه و ازليته و احديته و لكنها معذلك خلقه تعالي و بينه و بينها بينونة ذاتية و هي المعبر عنها ببينونة الصفة في خطبة اميرالمؤمنين عليه السلام حيث قال و حكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة انه رب خالق غير مربوب مخلوق ما تصور فهو بخلافه فهو تعالي لايكون بمعزل [ص 85] عنها و لا هي بمعزل عنه بل هو اولي بها من نفسها و اوجد منها في مكان وجودها لايري فيها نور الا نوره و لايسمع منها صوت الا صوته و هي المقامات و العلامات التي اشير اليها في الدعاء بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك ، اقول فتلك الآية العظمي امرها هكذا و معذلك هي مخلوقة و بينها و بين الله بينونة صفة اي انها وصفه تعالي خلقها لتكون آية تعريفه و يجري فيها لوازم الحدوث من الفتق و الرتق و البدؤ و العود لكنها في ذاتها كأنها مرتوقة لايري فيها آثار الحدوث و التعدد و التكثر و لكن يعرضها الفتق في مقامات ظهورها و المثل في ذلك الماء فانه في ذاته مرتوق لايقبل الانقسام و لو فرض انقسام الماء في ذاته كان كل قسم منه غير ماء فلايقبل الانقسام في ذاته و لكن اذا ظهر الماء في عرصة الاجسام يقبل الانقسام فيحدث هنا بحر و نهر و اودية و اوان مملوءة من الماء و الماء في كلها واحد الا انه بحسب الصورة المجموعية انقسمت و كذلك الماء لاينكسر في ذاته و لكن [ص 86] اذا عرضه الجمود ينكسر و يتشقق فيحدث قطعات من الجمد فيعرضه الفتق فبملاحظة انقسامه في هذا العالم و انكساره تثبت للماء الفتق و تقول انقسم الماء و انكسر مع ان الماء في ذاته لمينقسم و لمينكسر الاتري ان كل جزء منه هنا ماء بلا شبهة فلمينقسم الماء و لمينكسر فهذا معني جريان الفتق بل الرتق ايضا في المقامات و العلامات فان الكينونة العليا في ذاتها لا رتق فيها و لا فتق اي لا تعطيل فيها و لا تشبيه و لكن يعرضها الرتق و الفتق في مقامات الامكان و الاكوان و الاعيان التي هي مظاهرها و تجلياتها و تمثلاتها فمن هنا ينسب اليها و تعرف منها مخلوقيتها و مربوبيتها فاول ما يعرضها الفتق لسر بينونتها و عدم احديتها الذاتية و حدوثها و قبولها للتغيير و التكثير و الاختلاف في مرتبة ظهورها الذي عبرنا عنه بديباج الكينونة فينفتق هنا و تظهر النقطة الاولية و المثل القشري في ذلك ان الشمس في ذاتها لاتنقسم و لكن يظهر منها نور ينبث و يشمل كل سهل و جبل و بحر و نهر و مرآت صافية و حجر و مدر فللنور هنا مقام استواء علي الكل و لاينقسم في نفس هذا المقام ايضا و مقام انقسام يظهر منه [ص 87] قطعة في المرآت الصافية فتحكيها اضوء ما يكون ثم ينعكس من المرآت علي ما يقابلها فكأن مقام استواء النور و انبساطه و انبثاثه في جميع الفضاء بمنزلة اللوح و الديباج المذكور و القسم المفروز منه للظهور في المرآت نقطة طرز بها ذلك الديباج و لما كان كل ذلك من ظهورات تلك الكينونة العليا و تمثلاتها و فعلياتها ثبت بها لها الحدوث و التغير بخلاف ذات الله تعالي الغيب الغيوب فانه لميمثل فيكون موجودا كما في الخبر و وجوده بذاته لا بالتمثلات بخلاف الكينونة فانها لولا التمثلات لمتكن موجودة و ان كان وجود التمثلات قائما بها و المثل في ذلك ان نور الشمس و ان كان قائما بالشمس بداهة و لكن معذلك ان لميكن نور ظاهر في وجه الارض و الجو مطلقا تقطع انت بعدم طلوع الشمس هنا و لو لميكن نور ظاهر في وجه الارض مما يلينا و ظهرها مما يلي اهله و لا في الجو المحيط بالارض تقطع بأن الشمس كورت بل عدمت من اصلها و لو كانت موجودة كان لها نور و كذلك الامر هنالك لو لمتكن ظهورات و تمثلات للكينونة العليا ابدا لمتكن الكينونة موجودة و ان كانت موجودة كانت التمثلات صادرة عنها دالة عليها بخلاف [ص 88] ذات الله تعالي فان الخلق معها علي اي حال ممتنع كانوا ام لميكونوا وجدوا ام لميوجدوا و كلما تصور او امكنك تصوره و توهمه و لو بادق النظر و احد الاشارة فهو بخلافه و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و كفاني يا اخي اقراري اولا بعجزي و قصوري عن معرفة حقيقة كلامه اعلي الله مقامه فنكتفي بما ذكرنا و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
قال اعلي الله مقامه : و دارت باركانها علي نفسها فبرزت ديباجة عنوان الازل فلاح عنها الطراز الاول باستنطاق الكاف بايتلاف و وفاق .
اقول و من الله التأييد و التسديد انك قد عرفت كيفية حدوث الهاء و انها المشية و الالف اللينية و مقام الواحدية و لكن من حيث حكايتها عن المراتب الاربعة السابقة التي هي مقامات التعريف و علامات التوصيف خمسة عبرت عنها بالهاء و قد مثلنا لها بالشعلة و حكايتها عن النار الغيبية و النار الظاهرة و ظهورها النوعي الذي لا اختصاص له بشعلة دون شعلة و ظهورها المختص بهذه [ص 89] الشعلة ففيها و لها خمس مراتب عبر عنها بالهاء لكنها في غاية الوحدة قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة و من كمال وحدتها ان ظاهرها عين باطنها و سرها عين علانيتها و من هنا يعبر عنها بالهاء المستديرة هكذا ه حيث ان باطنها دائرة و ظاهرها ايضا دائرة و من هنا تكون دليل التوحيد و تثبيتا للثابت و عن النبي صلي الله عليه و آله التوحيد ظاهره في باطنه و باطنه في ظاهره ظاهره موصوف لايري و باطنه موجود لايخفي انتهي ، ثم انه لايخفي ان كل اثر في صدوره من مؤثره له اربعة مقامات فان له جهة الي المؤثر من حيث صدوره منه و جهة الي نفسه و انيته فجهته الي المؤثر في غاية الحرارة بالنسبة لانها اول شئ صدر من حركة المؤثر و فعله فان الفعل ما انبأ عن حركة المسمي و الحركة تستلزم الحرارة الاتري ان الحركة في كل مقام حدثت و اشتدت تحدث الحرارة كالزناد و القدحة المتر في عمل الخراطين ان بالحركة السريعة التي تحصل في خشبتهم تشتد الحرارة بحيث قد تشتعل رقاق الخشب و تصير نارا و هكذا في كل حركة و كلما كانت المادة انسب و اقرب لظهور النار تظهر اسرع كما تري في الكبريت [ص 90] المصنوع من الفسفور و الكبريت انه بادني حركة يشتعل بالجملة فحركة المؤثر يحدث في اعلي درجات الاثر الحرارة غاية ما يمكن فيه ثم ان انية الاثر و جهته من نفسه ابعد مراتبه عن فعل المؤثر و ابردها و ايبسها اما برودتها فلبعدها عن فعل المؤثر بالنسبة الاتري في الحجر الذي تلقيه الي بعد انه ما دامت فيه الحرارة باقية يسير و اذا برد يقع فانية الاثر بحسب بعدها عن المؤثر باردة بالنسبة و يابسة ايضا لقلة انفعالها و حكايتها عن فعل المؤثر و الجهة الاولي ايضا يابسة و لكن يبسها من شدة مطاوعتها و لبثها و صبرها تحت امر الآمر و هي في فسحة وجود الاثر الاسم الذي استقر في ظله فلايخرج منه الي غيره فالجهتان العليا و السفلي و ان كانتا يابستين و لكن بين يبوستيهما فرق بين فان اليبوسة العليا يبوسة مع الحرارة و هي في غاية اللطافة و الشرافة و المطاوعة تحت امر الآمر و اليبوسة السفلي يبوسة مع برودة الانية و المهية و هي في غاية الغلظة و الكثافة و عدم المطاوعة لفعل المؤثر يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي فهاتان الجهتان في الاثر لكمال المنافرة لاتقبلان الازدواج [ص 91] و التركيب اما تنافر الحرارة مع البرودة فمعلوم و الحرارة تقتضي الصعود و البرودة تقتضي الهبوط فلاتكادان تجتمعان و تأتلفان و اما تنافر اليبوستين ايضا فقد عرفت سرا من اسراره علي ان اليبوسة حيثما كانت من طبعها التشقق و التكثر و التعدد بخلاف الرطوبة فانها تقتضي التألف و الالتيام المتر السيل يجري و يذهب و يمكث منه طين رقيق في الارض في غاية التألف و الالتيام و هو قطعة واحدة حتي يضربه الهواء و تؤثر فيه الشمس فيجف و اذا عرضه الجفاف يتشقق و يتقطع قطعا كثيرة متعددة بالجملة فاليبوسة اينما كانت تقتضي التشقق و لاسيما مع اختلاف كيفية اليبوستين فمن هنا لاتكاد الجهتان تأتلفان و قد قال الله سبحانه ان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اهله و حكما من اهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما فمن هنا لزم في الحكمة ان يجعل بين الجهتين حكمان و لا بد فيهما من رطوبة رابطية ملاطية الا انها في الحكم من اهله مع حرارة تناسب الجهة العليا و في الحكم من اهلها مع برودة تناسب الجهة السفلي الا ان حرارة الحكم الاعلي اخف من حرارة الجهة العليا اولا لبعدها بالنسبة عن المؤثر و ثانيا للرطوبة التي معها فانها تكسر سورتها [ص 92] في الجملة و كذلك برودة الحكم الاسفل اقل من برودة الجهة السفلي اولا لانها اقرب الي المبدء بدرجة و ثانيا هي مع الرطوبة و الرطوبة الجارية فيها حرارة في الجملة و الا لجمدت بالجملة فلخفة الحرارة و البرودة في الحكمين يرتفع تنافرهما من البين و الرطوبة فيهما جهة جامعة توجب ارتباطهما و امتزاجهما فاذا امتزج الحكمان يجذبان الاعلي الي الاسفل و الاسفل الي الاعلي فتجتمع الاربعة و يحصل بينها التألف و التركيب و الامتزاج و تتم حكمة العليم الحكيم و يقوم الاثر في الخارج قائما بمؤثره فهذه الاركان الاربعة مما لا بد منه في كل اثر و في كل خلق الا انه كلما كان الاثر اعلي و اشرف كانت تلك الاركان فيها اوحد و الطف و اوفق بحيث انها بعد التركيب كأنها ركن واحد كالاكسير فانه من شدة تشاكل اجزائه و توافقها كأنه عنصر واحد فان صعد صعد بكله و ان هبط هبط بكله و ان انبسط انبسط بكله و ان جري جري بكله :
كمحمومة ربعا عدلت مزاجها الي ضده لما علت زفراتها
بجنية انسية ملكية هوائية نارية نفحاتها
جنوبية شرقية مغربية شمالية كل الجهات جهاتها
فهي كأنها نار لا غير هواء لا غير ماء لا غير تراب لا غير و [ص 93] انما ذلك من شدة التشاكل و امتزاج بعضها ببعض و تأثير بعضها في بعض فهي نار حائلة و هواء راكد و ماء جامد و ارض سائلة فمن جهة هذه المشاكلة و الموافقة صارت كأن حيزاتها حيز واحد فيجتمع بعضها مع بعض و تتفق و تتحد فارضه لما سالت فهي تجري و تنفذ في اعماق الشئ كما ان الماء يجري و ينفذ و كذلك النار و الهواء اذا حالا و ركدا غلظا كالارض فاثرا فيها و احالاها الي طبعيهما و بالجملة الغرض انها اذا اتحدت ظهر آثار كل واحد منها في كل مرتبة من مراتبها ففي المولود الفلسفي مثلا له بنظر آخر كيان ثلثة كون روحاني و كون نفساني و كون جسداني و طبايعها الاربعة من شدة تشاكلها و اتحادها و تأثير بعضها في بعض و صعود كلها الي اعلي درجات اللطافة و هبوط كلها الي اسفل درجات الغلظة صارت بحيث تسري باجمعها في جميع الكيان الثلثة فيصير كونه الروحاني ذا اربع طبايع و كونه النفساني ذا اربع طبايع و كونه الجسداني ذا اربع طبايع و انما ذلك لشدة اتحاد تلك الاجزاء و الكيان و نفوذ بعضها في بعض فتدبر و قس علي ذلك ما نحن فيه فالالف التي اذا نظرت فيها بنظر التفصيل وجدتها ذات خمس مراتب فسميتها هاء لما كانت من حيث [ص 94] تماميتها في مقام الاثرية ذات اربع طبايع و كانت تلك الطبايع في غاية الوحدة و التشاكل و التفاعل و النفوذ في اعماقه فمن باب التزييلات الفؤادية اعني النظر الي الآثار و قياس المؤثر عليها نقول ان الهاء اي المشية تصير هنا ذات عشرين مرتبة من ضرب الخمسة في الاربعة و يعبر عنها بالكاف المستديرة علي نفسها فان طبايعها الاربعة تدور علي نفسها علي التوالي اي تدور دور استمداد و استفاضة فهي لشدة حاجتها الي المدد و فقرها الي عطاء جانب المؤثر احب مايكون اليها الدور عليه و نفسها تدور علي طبايعها دور امداد و افاضة و هي قائمة بنفسها غنية عن طبايعها و امدادها و افاضتها عليها من باب الجود و الكرم و الفضل لا من باب الحاجة فيكون دورها عليها علي خلاف التوالي و اعلم انه قد عبر السيد الاوحد اعلي الله مقامه في مقام من شرح القصيدة حيث استشهد ببعض اشعار مخمس للناظم ناظم القصيدة في مدح اميرالمؤمنين (ع) منها قوله :
نقطة افرغت و ليس وعاء ملأت حكمة و لا املاء
تحت باء لها العباء غطاء لا الخلا يوم ذاك فيها خلاء
فيسمي و لا الملاء ملاء
[ص 95] ثم شرحها و ذكر في اثناء الشرح ان بيان ذلك ان النقطة افرغت و افراغها استدارتها فكانت هاءا فلو انها اشبعت بعد الاستدارة كانت هي الاسم الاعظم الاعظم الاعظم و لكنها قبل الاشباع نظرت الي جهة المفرغ و الافراغ من حيث المصدر و من حيث المفعول المطلق و من حيث المفعول به فكانت اربعة اركان و الهاء لما نظرت الي هذه الاركان استنطقت منها الكاف و لما تنزلت الي مقام انزل كانت مبدأ مرتبة اخري و هي الياء و لما كعبت الهاء في الياء استنطقت النون الي آخر كلامه علا مقامه ، اقول و هذا البيان ايضا عبارة اخري عما ذكرنا في بيان الاركان اي الطبايع و المراد منه مجملا ان النقطة و هي مقام نفس المشية افرغت اي استدارت علي ظاهرها اي صورتها الامكانية علي خلاف التوالي كما عرفت فكانت هاءا هكذا ه فلو انها اشبعت بعد الاستدارة اي تنزلت من مقامها الي مقام الوجود المقيد و عرصة الفؤاد فيزيد عليها و هي خمسة مقام اخر فتصير ستة و يعبر عنها بالواو فهي النفس التي من عرفها فقد عرف ربه و الهاء ايضا ثابتة في مقامها و قد تنزلت بظهورها و حدثت الواو ايضا فصارت [ص 96] هو و كانت هي الاسم الاعظم الاعظم الاعظم اي هو فعن ابيعبدالله الصادق جعفر بن محمد عن ابيه محمد بن علي الباقر عليهم السلام في قول الله عز و جل قل هو الله احد قال قل اي اظهر ما اوحينا لك و نبأناك به بتأليف الحروف التي قرأناها لك ليهتدي بها من القي السمع و هو شهيد و هو اسم مكني و مشار الي غايب فالهاء تنبيه عن معني ثابت و الواو اشارة الي الغايب عن الحواس كما ان قولك هذا اشارة الي الشاهد عند الحواس و ذلك ان الكفار نبئوا عن آلهتهم بحرف اشارة الشاهد المدرك فقالوا هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالابصار فاشر انت يا محمد الي الهك الذي تدعو اليه حتي نراه و ندركه و لانأله فيه فانزل الله تبارك و تعالي قل هو الله احد فالهاء تثبيت للثابت و الواو اشارة الي الغايب عن درك الابصار و لمس الحواس و الله تعالي عن ذلك بل هو مدرك الابصار و مبدع الحواس حدثني ابي عن ابيه عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال رأيت الخضر عليه السلام في المنام قبل بدر بليلة فقلت له علمني شيئا انصر به علي الاعداء فقال قل يا هو يا من لا هو الا هو اغفر لي و انصرني علي القوم الكافرين [ص 97] فلما اصبحت قصصتها علي رسول الله صلي الله عليه و آله فقال لي يا علي علمت الاسم الاعظم و كان علي لساني يوم بدر و ان اميرالمؤمنين قرأ قل هو الله احد فلما فرغ قال يا هو يا من لا هو الا هو اغفر لي و انصرني علي القوم الكافرين و كان علي عليه السلام يقول ذلك يوم صفين و هو يطارد فقال له عمار بن ياسر يا اميرالمؤمنين ما هذه الكنايات قال اسم الله الاعظم و عماد التوحيد لله لا اله الا هو ثم قرأ شهد الله انه لا اله الا هو الحديث ، و قد ذكرته بطوله لكثرة محصوله و الغرض ان الهاء اذا اشبعت و اقترنت بالواو صارت هو و هي الاسم الاعظم كما في هذا الحديث الشريف و هو اخص الاسماء بالله تعالي كما ان لفظ الجلالة اخص من ساير الاسماء به تعالي و من هنا يحمل علي ساير الاسماء و لايحمل اسم آخر عليه لكن هو يصير محمولا لله ايضا كما في قوله تعالي قل هو الله احد فهو الاسم الاعظم الاخص بالله تعالي و هو العلي العظيم كما في آية الكرسي علي تفسير ظاهر الظاهر بأن يكون هو بلفظه مبتدأ و العلي العظيم خبره و قد مر في الخبر ان اول ما اختار الله سبحانه لنفسه من الاسماء العلي العظيم [ص 98] و من اسرار ما في كلمة هو انها بحسب العدد احدعشر لكنها في مقامها الاعلي مع بساطتها النسبية و قربها من عرصة الوحدة آحاد و اذا تنزلت في عرصة الاسماء تعشرت فصارت مأة و عشرة و هي عدد علي اول ما اختير من الاسماء و هو ايضا و ان كانت من الاسماء الا انها لشدة دلالتها علي المسمي كأنها المسمي و لا اسم و من هنا قيل ان هو ليست باسم و لكن عند التحقيق نقول انها ايضا اسم لكن اعلي الاسماء اي المسمي فان المسمي ايضا اسم علي المعني الاعم الا انه اعلي الاسماء بالجملة و اما بيان ان الهاء تثبيت للثابت و الواو اشارة الي الغايب عن الحواس و ان لمنكن بصدد بيانه و لكن بالاشارة لاتضيق العبارة فاعلم ان الهاء تنبيه عن معني ثابت لما ذكرنا انها تعبير عن المقامات و العلامات الخمسة التي هي علامات التعريف و ميادين التوحيد و هي كلها ظهورات الوجود و كينونة الله الحق المعبود و حقيقة الثبوت في المراتب الخلقية انما هي لتلك المقامات التي هي مراتب الآئية و دليله آياته و وجوده اثباته و اما ان الواو اشارة الي الغايب عن الحواس فلأنها كما عرفت اشارة الي مقام الوجود المقيد و اول الخلق و الهاء [ص 99] الي مقام الامر و الوجود المطلق و اليهما الاشارة بقوله تعالي له الخلق و الامر و الامر هو الامر الفعلي و الخلق هو الامر المفعولي من قوله تعالي و كان امر الله مفعولا و هو مقام المفعول المطلق و مقام المصدر الذي هو تأكيد للفعل و قولك ضرب ضربا في قوة قولك ضرب ضرب فهو ايضا فعل ثانوي فالهاء اذا كانت تثبيتا للثابت فالواو ايضا تؤكد ثبوته و لاتزيده علي الثبوت شيئا بحيث يظهره و يبينه للناس فهي اشارة الا انها معذلك اشارة الي الغايب عن الحواس علي ان الهاء كما عرفت انما هي ظهور الالف اي الالف اللينية تظهر بالالف المتحركة و هي الهمزة و الهمزة تظهر بالهاء و هي التي تحدث في اقصي الحلق من بعد الهمزة فهي ظاهر الهمزة و من هنا سميت الالف المتحركة بالهمزة و جعلت الهاء في مبدئها الذي هو اول ما يظهر منها و مسمي الحرف الاتري ساير الحروف كلها مبدوة بحرفها الخاص فالالف اوله الف و الباء اوله باء فالهمزة و هي الالف المتحركة لم سميت بالهمزة و اول الهمزة هاء فمن ذلك يعلم ان الهمزة بحسب الظاهر هاء فالهاء هي ظاهر الالف فهي بحسب الاصل حرف علة ثم [ص 100] الواو ايضا حرف علة الا ان لها ظهورا في الجملة من حيث كونها شفوية و يضيق المجري عند الشفة بخلاف الالف فانها تخرج مع انفتاح المجاري و لايحد بشئ منها بالجملة فالواو اشارة الا انها للاشارة الي الغايب اذ لايزيد المشار اليه كثير تعريف و توضيح لان الاشياء انما تعرف باضدادها و لا ضدية تامة هنا لأنهما معا حرفا علة فتدبر بقي الكلام في بيان الاركان التي ذكرها السيد الاوحد اعلي الله مقامه و كان اصل كلامنا فيها فقال رفع الله في الخلد اعلامه و لكنها قبل الاشباع نظرت الي جهة المفرغ و الافراغ من حيث المصدر و من حيث المفعول المطلق و من حيث المفعول به فكانت اربعة اركان اقول اما الاشباع فقد عرفت انه انما يحصل بالتكثير و التوفير و التكرير و هو لايكون الا في مرتبة دون مرتبة الاصل لان مرتبة الاصل لاتسع الا ذات الشئ و هي واحدة الاتري الشاخص في مقام ذاته واحد لايتكرر و لكن يمكن تكرره و حصول الاشباح المتعددة منه في مقام دون مقامه كما في المرايا بالجملة فالاشباع ايضا للهاء لايحصل الا دون مقامها و اما اركان الشئ فهي في الحقيقة طبايعه و اجزاؤه الذاتية فلا جرم [ص 101] يكون نظره اليها قبل الاشباع في مقام ذاته و قد عبر السيد الاستاد اعلي الله مقامه عن تلك الطبايع عن الاولي و الثانية و هي النار و الهواء بجهة المفرغ و الافراغ من حيث المصدر و ذلك لما ذكرنا ان النارية في الاثر انما تحصل بحركة المؤثر فهي ظهور الحركة عن المحرك في المتحرك فعبر عنها هنا بجهة المفرغ و هي بعينها ظهور فعله في المفعول و اما التعبير عن الهواء بالافراغ من حيث المصدر فلان الهواء علي ما بينا هو الحكم من اهله و بينه و بين النار ارتباط و مناسبة و الافراغ من حيث المصدر ايضا تأكيد للفعل و هو في قوة تكريره و قولك ضرب ضربا في قوة قولك ضرب ضرب فلذا يصير المصدر تأكيدا للفعل و حكما من اهله الا انه من حيث بعده عن المبدء في الجملة تضعف حرارته الاتري ان قلب الفعل متحرك و قلب المصدر ساكن فبذلك تقل حرارته و يميل الي المفعول ايضا و ينحو نحوه فيحدث فيه الرطوبة فيكون هواءا و عبر اعلي الله مقامه عن الماء بالمفعول المطلق و ذلك لشدة مطاوعة المفعول المطلق لفعل الفاعل و انفعاله منه فهو مفعول من كل حيث علي نحو الاطلاق فهو ماء و هو اول ما خلق [ص 102] الله بفعله اي بظهور فعله من مراتب الاثر و عبر عن التراب بالمفعول به و ذلك لان المفعول به من حيث نفسه لايكون مفعولا و انما يقع الفعل من الخارج عليه فان قولك ضرب زيد عمرا فعمرو لايكون مفعولا حقيقيا و انما وقع المفعول و هو الضرب عليه و صار مفعولا به و هذا صفة التراب فانه بذاته لاينفعل الا ان يقع الماء عليه فيبل و يصير قابلا للانفعال فتدبر فالاركان الاربعة التي عبرنا عنها بالطبايع الاربعة و العناصر الاربعة هي بعينها ما عبر به السيد الاوحد اعلي الله مقامه و هي جهة المفرغ و الافراغ من حيث المصدر و المفعول المطلق و المفعول به و هي اجزاء وجود الشئ من مبدئه الي منتهاه و لا بد في حصول الامتزاج و الاتحاد و التركيب الحقيقي من نظر الشئ و هو الطبيعة الخامسة ذات المقامات الخمسة التي بيناها سابقا الي اركانها و طبايعها حتي يحصل التركيب التام الكامل فيصير ذا عشرين مرتبة فيستنطق منها الكاف فيلوح منه الطراز الاول و هو النقطة فانها بنفسها لاتدرك و مع التكرير ايضا تصير الفا لينية و هي ايضا لاتحس لعدم اتكائها علي المخرج و اذا اتكأت صارت همزة [ص 103] باطنها الالف المتحركة و ظاهرها الهاء كما عرفت فهنا يلوح الطراز الاول الذي هو النقطة و تقوم في الخارج و قوله (اع) بايتلاف و وفاق لانها مع تعددها مؤتلفة متفقة و مع اختلافها ممتزجة متحدة فكان اكسيرا نافذا فعالا و شجاعا بطلا يهزم الصفوف و لايكترث بالالوف و هي القدرة النافذة المستطيلة علي كل شئ و هي ديباجة عنوان الازل فان عنوان الازل المشية و هي الازلية الثانية بعد الازلية الاولي اعني الكينونة العليا و ديباجة ذلك العنوان حرفه الاول و هو الكاف من قوله كن من قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون .