[ص 284] و قوله عليه السلام : وَ سَلّم كثيراً هو عطفٌ عَلَي و صَلّي اللّهُ و هو فعل ماضٍ مِثْلُهُ قُصِدَ به الدُّعَاۤء مثله و لُوحِظَ فيه اعتبارانِ احدهما انه اقتُبِسَ من القُرْءانِ لِارادةِ ما تَضَمَّنَهُ في قوله تعالي و سلِّموا تَسْلٖيماً تلويحاً و ان كان بعيداً بالنظر الي ظاهر العربيّة فانّ معني التسليم في الٰاية في الظاهر كما هو في هذا الكلام فتقول صلي اللّهُ عليه و آله و سَلّم و اللهم صلّ علي محمد و آلهِ و سَلِّم بكسر لام و سلِّم بصيغة الامر للدعاۤء و بالتّسليم عليه بمعني اللهم احفظه و آلَه من كل ما لاتحبّ في الدّنيا و بصيغة الماضي صلي عليه بمعني رحمه و سلّم عليه بمعني حفِظه لان التسليم من قولك السلام عليه و السلام اسم للّه تعالي بمعني الحافظ و تقدّمَتْ له معانٍ في اوّل الشرح و في الٰاية معني سلّموا تسليماً امْرٌ للمكلّفين بان يقولوا السلامُ عليه علي الظّاهر و معناهُ في التأويل و سلِّموا فيما ورد عنه صلي اللّه عليه و آله كما تقدّم في حديث المعاني و في المحاسن عن الصادق عليه السلام انه سُئِل عن هذه الٰاية فقال اثنُوا عليه و سلّموا له و معناه في الباطن كما في تفسير علي بن ابراهيم و قوله و سلِّموا تسليماً يعني سلِّموا له بالولاية و بما جاۤء به و في الاحتجاج عن اميرالمؤمنين عليه السلام لهذه الٰاية ظاهر و باطن فالظاهر قوله تعالي صلّوا عليه و الباطن سلّموا تسلٖيماً اي سلِّموا لمن وَصّاهُ و استخلفه عليكم فضله و ما عَهِدَ به اليه تسليماً قال هذا مما اَخْبرتُكَ انه لايعلم تأويله الّا من لَطُفَ حِسُّه و صفا ذِهْنُه و صحّ تمييزه ه ، و لو خلص لفظ سلِّموا تسليماً في الدلالة علي معني سلّموا الامر لمن نصبه يوم الغدير لاسقطه اعداۤؤهم كما اسقطوا نظاۤئره من جميع القرءان لكنه لمّا كان ظاهره و المتبادر منه ان يقولوا السلام عليه او سلّموا له علي ارادة العموم ابقوه و لميحذفوه لعدم منافاة ظاهره لغرضِهمْ مع انهم يعرفون باطنه و لٰكنّ اللّه تعالي القي في نفوسهم [ص 285] انّ العوام و ساۤئر الناس الذين يستجلبون قلوبهم لايفهمونه فلايفوتُ غَرضهُم و لو حدَّثَتْهُم انفسُهمْ باسقاطه كراهة ان يعثر احدٌ علَي المنافي لغرضهم القي سبحانه في نفوسهم انّ الاكثار من الاسقاطِ ربّما يكون منافياً لان ساۤئر الناس قد يتنفّرون و يتوحّشون من كثرة التغيير فيقتصرون علي اقلّ ما يندفع به المنافي و كلّ ذلك رعاية منه تعالي لاعلاۤءِ كلمته و اتمام نوره و الي فعله بهم و بما شاۤء من تدبير النظام بحكمته الاشارة بقوله تعالي و الذين كذّبوا بٰاياتِنا سنستدرجهم من حيث لايعلمون لانّه تعالي قالَ و تحسبهم ايقاظاً و هم رقود و نقلّبهم ذات اليمين و ذات الشمال و كان تعالي قَدْ دَخَل المدينةَ عَلَي حينِ غَفْلةٍ من اهلِها فافهم الاشارة فلاحظوا عليهم السلام في ذكر التسليم المعطوف علي الصلوة عليه صلي اللّه عليه و آله ما ذكر في الٰاية و ما نبَّهْنا عليه سابقاً في اوّل الشرح في بيان السلام عليكم يا اهل بيت النبوّة و كلّ هذا فيما لحظوا علي الاوّل و ثانيهما انّ سادة اَعْدَاۤئهم و كبراۤءهم عرفوا باطن و سلموا تَسْليماً و انّه انّما اتي بهذا الكلام للحثّ علي الولاية و ذلك مُنافٍ لغَرَضهِمْ و كَرِهُوا اِسقاطَهُ كراهةَ الاكثار من الاسقاط وَ سَاۤئر النّاس لايعرفُونَ ذلك فقَدْ اَمِنُوا غاۤئلِةَ عواۤم النّاس فصرفوا الافهام عن فهم ما عرفوا من باطنه باِلْقاۤءِ معنيً في ذلِكَ مناسبٍ يصرف افهام العواۤمّ بل غير مَن لَطُفَ حِسُّه و صفا ذهنُه و صحَّ تمييزُهُ عمّا اراد اللّه سبحانه فقالوا يُكره اِفْرادُ الصلوةِ علي محمد (ص) عن السلام بل ينبغي اذا قلت اللهم صلِّ علي محمّد تقول و سَلِّمْ و اذا قلتَ صلّي اللّه عليه تقول و سَلَّم فتُقْرِنُ الصلوة عليه بالسلام لانّ اللّه تعالي انزلَ في ذلك قرءاناً للاقتران بينهما فقال يا ايها الذين آمَنُوا صلُّوا عليه وَ سَلِّمُوا تَسْليماً و ذلك تعليمٌ منه تعالي و هداية للمكلّفين وَ لَمْيُريدوا بهذا الكلام الّا صرفَ الاَفْهٰامِ عمّا ارادَ المَلِكُ العَلّام و هذا من قوله تعالي [ص 286] و مَااَرْسَلْنا من قبلِكَ من رسولٍ و لا نبي الّا اذا تمنّي الْقَي الشيطانُ في اُمنيّته يعني في قرَاۤءتِهٖ و لا شكّ عند جميع مَنْ عرَف الحقَّ بتوفيق اللّٰهِ انّ فعلهم هذا مِنْ اِلْقاۤءِ الشَّيْطان فكان النّاس في استعمال الاتيان بالسَّلام بعد الصلوة علي ثلاثة اقسام قسم منهم العارفون فَاِنْ اَتوْا بالسَّلام قصَدُوا ما اَراد اللّٰهُ بذلك من الظاهر بالتسليم عليه بعد الصلوة و الدعاۤء بالحفظ و السلامة له و عليه و بالتّسليم له فيما جاۤء به عن اللّهِ تعالي خصوصاً و عموماً و من الباطن بالتسلِيم لوَليِّ الامرِ مِنَ اللّهِ و الطّاعة له فمعني قوله صلّي اللّه عليه و سلّم اي لوصيّه الامر اي حفظه له و عليه و ادّاه اليه و قصدوا التّقية باَنْ لايفارِقوا الاعداۤء المُتَغلِّبين فيما لهم المناص منه و عدم الضرر عليهم في الاتيان به لا في الدنيا و لا في الدين بل الاتيان به ارجح لانّهم يقصدون به افضل المقاصد و اجلّ المطالب و ان تركوه قصدوا بالترك المخالفة لِاَهْلِ البدَعِ و قسم منهم المعاندون للحقّ و اتباعهم و قد سمعتَ ذِكْرَ اِرادَتهِمْ و قصدِهم الشقاق البعيد و قسم منهم الجاهلون فهم قدْ يذكرون و قد يتركون منهم مَن يتابع اهل ملّته بلا بصيرة و منهم من لايريد المتابعة و انما يفعل بحالِ ما يجري علي خاطره حال الصّلوة و اللّه سبحانه يقول كلّ يعمل علي شاكلته و قوله عليه السلام و سلّم كثيراً علي ما سلكه الاوّلون و يحتمل ان يكون قوله كثيراً مُرجِّحاً لارادة الظاهر و هذا الاحتمال هو الذي افاده لفظ كثيراً و يمكن ان يقال انّه انّما اراد الباطن او المعني الاعم ليدخل الباطن فيه لان الباطن هو الاهم عنده و انّما قال كثيراً تَعْمِيةً لاجل التقيّة و ارادة المعني الاعم ليدخل الكل و الاتيان بقوله كثيراً للتَّقٖيّة قريبةٌ و اللّه سبحانه اعلم .
و قوله عليه السلام : و حَسْبُنا اللّٰه يُرَادُ منه انّه تعالي كافينا فانّه يكفي مَن توكّل عليه و قد توكّلنا عليه فيما سألناه بحقّهم عليهم السلام من ان يُدْخِلَنا في [ص 287] جملة العارفين بحقهم و في زمرة المرحومين بشفاعتهم او في هذا و في سؤالهم صلّي اللّه عليهم اَنْ يشفعوا لنا عند اللّه تعالي في استيهاب ذنوبنا منه عز و جلّ و توكّلنا علي اللّه سبحانه في ان يرزقنا قبولهم عليهم السلام لسُؤَالِنا و الاجابة لدعاۤئنا و الانجاح لطلبتِنَا او في الجميع و في قبول زيارتنا و ما امّلنا منه تعالي ثم منهم من حسن الجزاۤء في الٰاخرة و الدنيا او الاعم مما ذكرنا انقطاعاً و تفويضاً اليه تعالي ليكفينا مؤنة كلّ امرٍ مرهوب و يُنٖيلنا كلّ امرٍ مرغوب و يوصلنا بفضله الي كلّ امرٍ محبوب فانه الكافي لمن توكّل عليه .
و قوله عليه السلام : و نعم الوكيل
اي نعم المعتمد الذي تُوكَلُ اليه الامور اثني عليه تعالي بما اعتمد فيه عليه و فوّض امره اليه و هو كلّ شئ منه و من غيبه و شهادته و مِنْ اَحْوَاله و اعتقاداته و اقواله و اعماله و جميع مطالبه في الدارين و ما انتظم عليه احوال النشأتين فانه في وجهه الي اللّه تعالي عند قوله و حسبنا اللّه خلع جميع وجوداته من وُجْدَانِهٖ فلمّا خلَعها من وجدانه توكّل عليه اقام النظر اليه بعين الرجاۤء منه و الانقطاع اليه مقامَ ما خلع و من يتوكّل علي اللّه فهو حسبه و في معاني الاخبار بسند مرفوع الي النبي صلي اللّه عليه و آله قال يعني محمد بن خالد البرقي قال جاۤء جبرئيل الي رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله فقال يا رسول اللّه ان اللّه تبارك و تعالي ارسلني اليك بهديّة لميُعطها احداً قبلَك قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قلتُ و ما هي قال الصبر و احسن منه قلتُ و ما هو قال الرضا و احسن منه قلتُ و ما هو قال الزهد و احسن منه قلتُ و ما هو قال الاخلاص و احسن منه قلتُ و ما هو قال اليقينُ و احسن منه قلتُ و ما هو قال ان مدرجة ذلك التوكّل علي اللّه عز و جل فقلتُ و ما التوكّل علي اللّه فقال العلم بان المخلوق لايضر و لاينفع و لايعطي و لايمنع و استعمال اليأس من الخلق فاذا كان [ص 288] العبد كذلك لميعمل العبد لاحدٍ سوي اللّه و لميرجُ و لميخَفْ سوي اللّهِ و لميطمع في احدٍ سوي اللّهِ فهذا هو التوكل قال قلتُ يا جبريل فما تفسير الصبر قال تصبر في الضرّاۤء كما تصبر في السّرّاۤء و في الفاقة كما تصبر في الغني و في البلاۤء كما تصبر في العافية فلايشكو حاله عند المخلوق بما يصيبه من البلاۤءِ قلتُ فما تفسير القناعة قال يقنع بما يصيب من الدنيا يقنع بالقليل و يشكر اليسيرَ قلتُ فما تفسير الرضا قال الراضي لايسخط علي سيّده اصاب من الدنيا او لميُصِب و لايرضي لنفسه باليسير من العمل قلتُ يا جبرئل فما تفسير الزهد قال الزاهد يحبّ من يحبّ خالقه و يبغض من يبغض خالقه و يتحرّج من حلال الدنيا و لايلتفِت الي حرامها فان حلالها حساب و حرامها عِقاب و يرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه و يتحرَّجُ من الكلام كما يتحرّج من الميتة الّتي قد اشتدّ نَتْنُهَا و يتحرّج من حطام الدنيا و زينتها كما يجتنب النار ان تغشيٰهُ و اَن يقصّر املَه و كان بين عينيه اجلُه قلتُ يا جبريل فما تفسير الاخلاص قال المخلص الذي لايسأل النّاسَ شيئاً حتّي يجِدَ و اذا وجدَ رضي و اذا بقي عنده شئ اعطاه في اللّه فان لميسئل المخلوق فقد اقرّ للّه عزَّ و جل بالعبوديّة و اذا وجدَ فرضيَ فهو عن اللّه راضٍ و اللّهُ تبارك و تعالي عنه راضٍ و اذا اعطي للّه عز و جل فهو علي حدّ الثّقةِ بربّه عز و جل قلتُ فما تفسير اليقين قال المؤمن يعمل للّه كأنه يراه فان لميكن يري اللّه فان اللّه يراه و ان يعلم يقيناً انّ ما اصابه لميكن ليُخْطِئَهُ و انّ ما اخطئه لميكن ليُصيبه و هذا كلّه اغصان التوكّل و مدرجة الزهد ه ، و ليكن هذا الحديث الشريف ختاماً لهذا الشرح ليكون ختامه مسكاً نفعنا اللّه تعالي ببركة الائمة الطاهرين صلي اللّه عليهم اجمعين و نفع اللّه به طالبي اليقين من المؤمنين في الدين و نوّر اللّه به قلوب العارفين بعين اليقين و جلي به افئدتهم [ص 289] بحق اليقين بحرمة محمد الامين و آله الميامين انه اكرم المتفضّلين و ارحم الراحمين و الحمد للّه رب العالمين و لا حول و لا قوّة الّا باللّهِ العلي العظيم و صلّي اللّه علي محمد و آله الطاهرين ، و قد وقع الفراغ من تسويده بيد مؤلّفه العبد المسكين احمد بن زينالدين بن ابراهيم بن صقر بن ابراهيم بن داغر المطيرفي الاحسائي تجاوز الله عنهم اجمعين في الليلة العاشرة من شهر ربيعالاول سنة ثلاثين و مائتين و الف من الهجرة النبوية علي مهاجِرها و آله افضل الصلوة و السلام حامداً مصلياً مستغفراً ، تمت .
[ص 290] بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحٖيمِ
الحمد للّه ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحسائي انّي لما فرغت من هذا الشرح للزيارة الجامعة الكبيرة احببتُ ان الحقه بشرح الوداع الملحق بها في الرواية فانّه خاۤصّ بها و ان جاز استعماله بعد غيرها من الزيارات و اللّه سبحانه خير موفّق و معين .
قال عليه السلام : فاذا اردتَ الانصراف .
قال الشارح المجلسي رحمه اللّه اذا اردتَ الانصراف الي البلد او مطلق الخروج و هو اولي انتهي .
اقول الاولي استعمال الوداع اذا اراد الانصراف من البلد لانّه هو المتعارف و المعروف من طريقة الشيعة علماً و عملاً بل ربّما كان التّوديع بعد الزيارة اوّل النَّهار و هو يريد ان يعود اليه آخر النهار لزيارته مثلاً من سُوء الادَب و ان كان يجوز بملاحظة كراهة المفارقة و ارادة الملازمة لقبره الشريف فيشبّه نفسه عند ترك الملازمة و لو لقضاۤء الحاجة بالمفارق بالخروج من البلد الي البلد الناۤئية فيودّعه عليه السلام اشعاراً بالمحبّة لملازمة قبره [ص 291] الشريف الّا انّ هذا غير مأنوس عند الشيعة و لا مأثورٍ في الشريعة فيما اعلم و اللّه سبحانه اعلم فالمراد بالانصراف المذكور الذي يقع الوداع قبله هو الانصراف الي بلد الزاۤئر اذا كانت غير بلاد الامام عليه السلام و ان كانت قريبة من بلده عليه السلام بشرط ان تكون مغايرة للبلد التي هي محل قبره صلوات اللّه عليه .
قال عليه السلام : فقل السلامُ عليكم سلام مودّعٍ لا سَئِمٍ و لا قالٍ و لا ماۤلٍّ .
اي اللّهُ حافظٌ عليكم يعني يحفظ لكم فيكم ما انعمَ به عليكم من التقريب لكم و العلوم التي افاضَ عليكم و ما آتيكم من الشفاعة المطلقة العاۤمّة و الوسيلة و المقام و المرتبة و الشرف و التّنويه بهم و رفع الدرجات ما لميؤتِ احداً من العالمين فمعني يحفظ لكم انّه تعالي يَدَّخِرُه لكم و معني يحفظ عليكم انّه تعالي يُلحِقكم بما ارادَ لكم من النِّعَمِ و الخيرات حتي يجعلها لازمةً لكم و يحفظها لكم فيكم فالحفظ المُعَدَّي باللّام بمعني الاِدّخار و المُعَدَّي بعلي بمعني الالصاق بهم حقيقةً او حكماً و يحفظ ذلك بهم يعني يحفظه بواسِطَتهم كما يحفظ الصَّبَّاغ الحمرة للثوب به فيه و لمّا كان الموجود في النّفوس و الاوهام انّ الشئ ما دامَ الانسان حاضراً عنده مشاهِداً له لايخاف عليه الفَوات كما يخاف عليه لوْ ارادَ مفارقته و ان كان يعتقد انّه لايملك له من اللّه شيئاً ناسَبَ تجديدَ الدعاۤء بالحفظ لهم بعد ما دَعَا لهم عندَ اوّلِ قدومِهٖ عليهم لانّ الاوّل تحِيّةٌ لهم و بعد المفارقة محاذرة عليهم فقال هذا السلام الثّاني ليس تحيّة لكم كما فعلتُ لكم اوّل قدومي بل هو سلام مودّعٍ مفارقٍ يخاف من اشفاقِهٖ عليكم التّغيير و لو فيما يتعلّق باتباعكم في شئ من نعمه تعالي عليهم كان فراقه لكم لقدرٍ جري عليه بما كتب فيه عليه من الدواعي الضروريّة التي اغلبها موجب [ص 292] عندكم و في دينكم للفراق لان تركه مخالفٌ لامر اللّهِ الذي به تحكمون لا سَئِم من باب تعِب علي وزن فرِحٍ بكسر الراۤء بمعني الملال و الفترة يعني ليس سلامي عليكم سلامَ مودّعٍ لكم لاجلِ سأمةٍ و ملالٍ من الحضور عندكم و الملازمة لقبوركم و لا فترةٍ عرضت لي لانّها انّما ترد الفترة لضعف الباعِثِ و امّا اذا كان الباعِثُ قوِّياً فلاتحصل معه فترة فوِداعي لكم ليس عن ملالٍ و لا فترة و ليس سلامَ قالٍ اي مبغضٍ لكم محبٍّ لمفارقتكم و لا ماۤلٍّ بتشديد اللام اسم فاعل من ملل اي ليس سلامي عليكم سلام مالٍّ ضجرٍ من الاقامة بمشاهدكم و حضور قبوركم و انّما سلامي عليكم سلام مودّعٍ لكم مفارقٍ بالرغم منّي غير محبٍّ للبعد عنكم و المفارقة لقبوركم و حضراتكم .
قال عليه السلام : و رحمة اللّٰهِ و بركاته عليكم يا اهل بيت النبوّة انّه حَمٖيدٌ مَجيدٌ .
اقول قد تقدّم في شرح الزّيارة بيان رحمة اللّهِ و بركاته و انّما قالَ هذا لانه الْتَفتَ الي ما في الٰايةِ الشّرٖيفة الّتي في حقّ ابراهيم و سَارة و انّ ما ذكر من الدّعاۤءِ بالرحمة فظاهره قُصِدَ به ابراهيم و سارة و باطنُه قُصِدَ بهٖ آلمحمّدٍ صلّي اللّهُ عليه و آله فذكر هذا الكلام لمن هو في حقّهم علي الحقيقة لانّ الرحمة التي هي علّة الايجاد و بها حيوة القلوب و صلاح الظاهر و الباطن انّما قامت بمحمد و آله صلي اللّه عليه و آله فهم محلّها و خزاۤئنها و ابوابها و مفاتِحُهَا و مصادرُها و الذين يقسمونها بين العباد باذن اللّه تعالي و بعبارةٍ اُخْرَي و اللّهُ سبحانه يقسمُهَا بين عباده بهم عليهم السلام فاِذا اراد اَنْ ينشرهَا بيْنَ اَحَدٍ من خلقه نشرَها بهم و لمينشر منها ما بَسَطهُ عليهم صلَّي اللّهُ عليهم و لا بدونهم و انّما ينشر منها بهم ما كان من اثر ما بَسَطهُ عليهم فينشر تلك الٰاثار علي مَن يشاۤء مِنْ عباده فيحيي الموتٰي بها فانظر الي آثار رحمة اللّهِ كيف يحيي [ص 293] الارض بعد موتها و قال تعالي و ينشر رحمته و هو الوليّ الحميد فاللّه هو الوليّ و هو يحيي الموتي و اتّخذ وليّاً من العزّ و التكرّم فهو باذنه ينشر تلك الٰاثار علي من يشاۤء الملك الجبّار و هم بامره يعملون و اشتقّ له اسماً من اسمه فاللّه المحمود و هو محمد صلّي اللّه عليه و آله اي كثير المحامد و هو الوليّ الحميد و اتّخذ من بعده وليّاً من العزّ و التكرّم و اشتقّ له اسماً من اسمه فاللّهُ الأعلي و هوَ عليٌّ عليه السلام فالرّحمة عليهم و آثارُها نشرَهَا بهم علي مَن يشاۤء من عباده و منهم ابراهيم و آل ابراهيم في الظاهر يعني به ما في ظاهر الٰاية و هو قوله رحمة اللّهِ و بَرَكاتُه عليكم اَهْلَ البيت انّه حمٖيدٌ مجيدٌ و قبل هذا قالُوا اتعجبين من امر اللّهِ رحمة اللّه الخ ، فالخِطاب في الاستفهام لسارة و الدّعاۤء عام شاملٌ لابراهيم و اَهل بيته دخل الموجود بالخطاب و من لميوجد بالتبعيّة يعني يبقي الدعاۤء في الموجودين فاذا وُجد مَن بعدهم دخل في الدّعاۤء كما في دعاۤء ابراهيم عليه السلام في قوله ربِّ اجْعَلني مقيم الصلوة و من ذرّيَّتٖي هذا في ظاهر الدُّعاۤء و المُراد بباطنه محمّد و آله صلّي اللّه عليه وَ آلِهٖ و هم اۤل ابراهيم و كلامه عليه السلام هذا الذي نحن بصدده حكاية لقول جبرئل و ميكاۤئيل و كُربيل فانّهم ارادوا بالقصد المعنوي محمّداً و اهل بيتِهٖ صَلَّي اللّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهٖ فحكي قولهم وَ عَنَي ما عَنَوْا وَ رُبّما يُشٖيرُ اليه قولهم عليهم السلام في تفسير هذه الٰاية في معاني الاخبار ان الصادق عليه السلام سلّم علي رجل فقال الرجل و عليكم السلامُ و رحمة اللّه و بركاته و رضوانه فقال لاتجاوزوا بنا قول الملاۤئكة لابينا ابراهيم رحمة اللّه و بركاته عليكم اهل البيت انه حميد مجيد ، و يقرب منه ما في الكافي و تفسير العيّاشي و هذا و ان كان ظاهره انّ الملاۤئكة انما سلّموا علي اهل بيت ابراهيم عليه السلام و انّ قولهم عليهم السلام لاتجاوزوا بنا الخ ، ظاهر معناه لاتجاوزوا بنا اي لاتزيدونا في [ص 294] دعاۤئكم علي دعاۤء الملاۤئكة لابراهيم (ع) و آل ابراهيم الّا ان الاخبار متواترة معنيً بان آل ابراهيم في التأويل و في الباطن محمد و آله صلي اللّه عليه و آله و انّهم المَعْنيّون بالقصدِ الحقيقي بدعاۤء الملاۤئكة و انّ ابراهيم وَ آله انّما دخَلُوا في هذا الدّعاۤء و في كلِّ خيرٍ بالتبعيّة و انّ من المراد من قولهم عليهم السلام لاتجاوِزوا بنا الي آخره اِنّكم لاتزيدوا في دعاۤئكم عَلَي ما قالَتْه الملاۤئِكةُ لابينا ابراهيم في دعاۤئهم لَنَا فانّ الاَوْلي لَكم اَنْ تقتصِرُوا في دُعاۤئِكم لنا علي دعاۤء الملاۤئِكة لنا في خطابهم ابراهيم و اهل بيته و لاتزيدوا علي ما قالوا فانكم لاتعلمون ما الحكمة في قولهم و البركات جمع بركة و هو زيادة الخير و المنفعة و دوام المدد فيما يتعلّق بالايجاد و الاعتقاد و الاعمال و الاقوال و الاحوال و الافعال الذّاتية و العرضيّة و النّسبيّة في الذّاتية و التّبعيّة و لمّا كانت الرحمة لايخرج تأثيرها عن الحيوة الظاهرة او الباطنة كالعلوم افردَها و البركات لمّا كانت متكثّرة كزيادة الخير اي زيادة الاعيان و زيادة المنفعة و دوام المدد في الذّوات و الصفات و غير ذلِك جمعها لتعدّد متعلّقاتها و قوله اهل البيت يراد منه اهلُ بيت النبوة ليشمل الظاهر و التّأويل كما اشرنا اليه . و قوله انّه حميدٌ مجيد ، حميد فاعل ما يستوجب عليه الحمد و مجيد كثير الخير و الاحسان و ذكر حميد هنا من دُون اسماۤئه تنبيهٌ علي انّ مفيض الرحمة الواسعة التي منها كلّ خير حميد يستحقّ من جميع عباده الحمد الداۤئم بدوام بقاۤئه و انّ معطي الخيرات الكثيرة التي لاتتناهَي و المبتدئ بالجميل و الاحسان الذي لاينقطع و لايباهَي مجيد يستحق بنعمه الشكر علي جميل العطاۤء و جزيل النّعماۤء و من حيث ظهوره بهذين الاسمَين و قبولهم لجميع فيوضاتِه استحقّوا نشر الرحمة و البركات عليهم و قال الشارح المجلسي (ره) انّه حميد مجيد اي لاجل اَنْ جعلكم اهل بيت النبوّة او للسلام و الرحمة و البرَكة انتهي ، [ص 295] و هو كما قال رحمه اللّه .
قال عليه السلام : سلام وليٍّ لكم غير راغب عنكم و لا مستبدلٍ بكم و لا مؤثرٍ عليكم و لا منحرفٍ عنكم و لا زاهدٍ في قربكم .
قال الشارح المجلسي (ره) و لا مستبدلٍ بكم اي لا اجعل لكم بدلاً عقداً اوِ اتّباعاً و لا مؤثرٍ بالهمزة اي لااختار غيركم عليكم و لا زاهدٍ اي تارك لعدم الرغبة انتهي .
اقول يعني ان سلامي عليكم سلامَ وَليٍّ لا سلام قالٍ و لا سَئِمٍ و لا ماۤلٍّ يعني اَنّ المودّع اذا كان وليّاً كانَ سلامه للتوديع لما قُدِّر عليه لا عن سئمٍ و لا قِلاً و لا ملَلٍ ثم استشعر انّ ممّن يصدق عليه اسم الولي ما تعرض له تلكَ الصفات المنافية للرغبة فابانَ عن حال اعتقادِهٖ و ما يجد في نفسه غير راغبٍ عنكم الي شيءٍ و لا مُسْتَبْدِلٍ بكم احداً سواكم و لا مُؤْثِرٍ عليكم غيركم و لا منحرفٍ عنكم الي مَنْ سِوَاكم و لا زَاهدٍ في قربكم الي قربِ احدٍ غيركم اَوْ اِلَي مطلبٍ لايرضيكم و هذا مِنْهُ احْتِرازٌ عَنْ وَليٍّ يقع منه احد هذه الاُمورِ وَ اِنْ كانَ بِظاهرِهٖ دونَ باطنِهٖ باَنْ يَمٖيلَ الي بَعْضِ الظّلَمَةِ و بَعْضِ اعداۤئِهمْ لِغَرَضٍ من اَغْراضِ الدُّنْيَا وَ اِنْ كانَ قلبه معهم عليهم السلام و لكن هذا في الغَالِبِ يكون دٖينُهُ ناقِصاً و لِأنّه قَدْ يُوَدِّع و يُسَلِّم عليهم سَلامَ راغبٍ عنهم الي حاجته وَ مُسْتبدِلٍ بهم غيرهم لِبعضِ اَغْراضِهٖ اَوْ مُؤْثِرٍ كذٰلكَ اَوْ منحرِفٍ عنكم ( عنهم ظ ) او زاهدٍ في قربهم كما وَجَدْنا كثٖيراً من المحبّين ربّما يكون منزلُه قريباً منهم من قبورِهم و مشاهدِهم و لايأتي لزيارتهم او يأتي نادِراً و رُبَّما يكون الشخص منهم حسن الاعتقاد و المعرفة و لكنه لايقدر علي مفارقةِ اهله و اَمْواله او يصعب عليه السفر و التنقّل و يحبّ الرّاحة اَوْ يَخافُ علي مالِهٖ من صرفه في غير معيشته و كل هؤلاۤء من ساۤئر المؤثرين عليهم [ص 296] و الزَّاهدينَ في قربهم و ان كان اكثر هؤلاۤء يأول امرُهم الي الخير و تتداركهم الرّحمة ما لميكن ما وقع منه من قلبه و اعْتِقادِهٖ اَوْ عَنْ شَكٍّ منه فانّ غالبَ هؤلاۤء يَؤُل امرُهم الي سوۤء العاقبة نعوذ باللّه من سخط اللّهِ .
قال عليه السلام : لاجعله اللّٰهُ آخر العهد من زيارة قبوركم و اتيان مشاهدكم .
هذا دعاۤء منه بان يرزقَهُ زيارتهم ابداً فان قال ذلك عازماً علي المعاودة ابداً ما دام حيّاً فانّ اللّه تعالي يقبل منه دعاۤءَهُ لانه اَمر الزاۤئرين علي اَلْسِنَةِ اولياۤئه بذلك فان علم اللّه صلاحه في ذلك وفّقه لذلك ما دامَ رزقه لمينفد من اللوح المحفوظ و قد يبقي رزقه و لايكون دوام الزيارة صَلَاحاً لَهُ فيمنع منها و يكتب له ثواب نيّتهِ و كذلك اذا انتهي رزقه و انقضت مدّته فانّ اللّه بكرمه يكتب له ثواب ما نواه لانّ زيارة الامام عليه السلام تزيد في العمر و في الرّزق ففي كامل الزيارة لجعفر بن محمد بن قولويه بسنده الي محمد بن مسلم عن ابيجعفر عليه السلام قال مُروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين بن علي عليهما السلام فان اتيانه يزيد في الرزق و يمدّ في العمر و يدفع مَدافع السّوۤءِ و اتيانه مفروض علي كلّ مؤمنٍ يقرّ للحسين عليه السلام بالامامة مِنَ اللّه و فيه بسنده عن منصور بن حازِم قال سمعناه يقول مَن اتي عليه حول لميأتِ قبر الحسين عليه السلام انقصَ اللّهُ من عمره حولاً و لو قلتُ انَّ اَحدكم ليموتُ قبل اجله بثلاثين سنةً لكنتُ صادِقاً و ذلك انكم تتركون زيارته فلاتدعون زيارته يمدّ اللّه في اَعْمارِكم و يزيد في ارزاقكم و اذا تركتم زيارتَهُ نقّص اللّه من اعمارِكم و ارزاقكم فتنافسوا في زيارته و لاتدعُوا ذلك فانّ الحسين بن علي عليهما السلام شاهدٌ لكم عند اللّه و عند رسوله و عند علي و فاطمة عليهم السلام ه ، و الزيادة فيهما عَلي حسب مصلحة الزاۤئر فربّما يزور الحسين [ص 297] عليه السلام و يموتُ و ذلك لانّه ربّما علم اللّه ان رزقه انقطع و انتهي اجله فلمّا عزم علي زيارته عليه السلام مدّ اللّه تعالي فيهما له علي حسب مصلحة العبد فقد يكونان الي اثناۤء الطّريق و قدْ يَكونان الي ان يصل او قبلهما او بعدهما و في جميع الاحوال يكتب له ثواب نيّتِهٖ ان عزم علي مرّة اوْ مَرّاتٍ اوْ اَبداً ما حَيِيَ و مَن ترك زيارته نقص من عمره و رزقه فاذا وجدتَ تاركاً لزيارته و عمره طويل و رزقه كثير فهو امّا ان يكون المكتوب له في اللوح بحسبِ مقتضي خِلقتِهٖ كثيراً في الرزق طويلاً في العمر و هو ما قال تعالي في كتابه و من اظلم ممّن افتري علي اللّهِ كذباً اولۤئك ينالهم نصيبهم من الكتاب و هذا النصيب هو المكتوب لهم بمقتضي الكون و امّا ما يحتمل الزيادة و النقصان فيهما فهو ما كان بمقتضي الاعمال و زيارته عليه السلام من اعظم الاعمال المقتضية لذلك و لو زاره عليه السلام هذا لطال عمره و زاد رزقه اعظم منه حين ترك و امّا اَنْ يكون قد عمل بعض الاعمال الصالحة الموجبة لزيادتهما كصلة الارحامِ مَثَلاً و ربّما يكون تركه لزيارته عليه السلام لعذرٍ فلايكون موجباً للنقص فيهما و امّا ان يكون انّما ترك لعُذْرٍ و انْ لميطّلع عليه غيره من الناس و امثال ذلك و هذا الذي ذكرناه من اَنّ زيارة الحسين عليه السلام كذلكَ لميكن مختصّاً به بحيث لاتكون زيارة غيره من الائمة عليهم السلام بل كلّما جرَي لاوّلهم يجري لٰاخرهم و قد ورد في زيارة الرضا عليه السلام ما يقرب من ذلك نعم انّما الاسباب الخارجة لها في شأنهم صلي اللّه عليهم تأثير بزيادةِ الاَجْر و الجزاۤء و تفاوتهم في الزيادة لايستلزم النفي لانّ الاصل التساوي فافهم .
قال عليه السلام : و السّلام عليكم و حشرني اللّٰهُ في زمرتكم و اوردني حوضكم و جعلني في حزبكم و ارضاكم عني .
[ص 298] اقول قد تقدّم في الزّيارة سؤال الزاۤئر من اللّه تعالي ان يدخله في زمرة المرحومين بشفاعتهم و هنا قال عليه السلام في تعليم هذا الزاۤئر عند توديعهم ان يدعُوَ اللّه تعالي ان يحشره في زمرتهم و لعلّ الاختلاف لفظي لانّ مَن دخلَ في زمرة المرحومين بشفاعتهم فقد حشره اللّه معهم و يجوز ان يكون من المراد انّ يوم القيمة يُدْعَا فيه كل اناسٍ بامامهم فتقدم راية وليّ اللّه عليه السلام و معه اهل ولايته و البراۤءة من اعداۤئه من اهل زمانه فكلّ امام منهم عليهم السلام كذلك و تأتي رايات اعداۤئهم كلّ امام ضلالةٍ مع اتباعه من اهل زمانه فعلّمه ان يسأل اللّه ان يحشره في زمرتهم يعني مع امامِ زمانه عليه السلام و يجوز اَنْ يكون المراد ان يجعل له مِنْبراً بحذاۤء مَنابرهم يوم القيمة ما دام الخلاۤئق في الحساب فاذا جعل في زمرة المرحومين بشفَاعتِهم جعل اللّه تعالي له ببركتهم منبراً يجلس عليه بحذاۤء منابرهم الي ان يفرغ الخلاۤئق مِنَ الحِسَاب و لا منافاة و روي جعفر بن محمد بن قولويه في كامل الزيارة عن علي بن ابراهيم قال قال ابوجعفرٍ عليه السلام مَن زار قبر ابي بطوسٍ غفر اللّه له ما تقدَّم من ذنبه و ما تأخّر قال فحججتُ بعد الزيارة فلقيتُ ايّوبَ بن نوحٍ فقال لي قال ابوجعفرٍ عليه السلام من زار قبر ابي بطوسٍ غفر اللّه له ما تقدَّم من ذنبه و ما تأخّر و بَني له مِنْبَراً بحذاۤء مِنبرِ محمد و عليّ عليهما السلام حتّي يفرغ اللّهُ من حساب الخلاۤئِق فرأيتُه (ع) بعد ايُّوبَ بنِ نوح و قد زار عليه السلام فقال جئْتُ اطلبُ المنبر ه ، و فيه بسنده الي يحيي بن سليمان المازني عن ابيالحسن موسي بن جعفر عليهما السلام قال مَن زار قبر ولدي كان له عند اللّه كسبعين حجّة مبرورة قال قلتُ سبعين حجّة قال نعم و سبعمائة حجّة قلتُ و سبعمائة حجّة قال نعم و سبعينالف حجّة قلتُ و سبعينالف حجة قال رُبَّ حجّةٍ لاتقبل [ص 299] من زاره و بات عنده ليلة كان كمن زار اللّه في عرشِهٖ قلتُ كمن زار اللّهَ في عرشه قال نعم اذا كان يوم القيامة كان علي عرش اللّهِ اربعةٌ من الاوّلين و اربعة من الٰاخرين فامّا الاربعة الذين هم من الاوّلين فنوح و ابراهيم و موسي و عيسي عليهم السلام و امّا الاربعة الذين هم من الٰاخرين فمحمد و علي و الحسن و الحسين عليهم السلام ثم تمدّ المضمار فيقعُد معنا مَن زار قبور الائمة عليهم السلام الّا انّ اعلاهم درجة و اقربهم حبوة زوّار قبر ولدي عليّ صلّي اللّه عليه ه ، و فيه في حديث ابراهيم بن رئاب مثله اقول في الحديث الثاني ما يقرب في الاستشهاد من الاول و فيه زيادة اشارة لما اشرنا قبل هذا انّ ما جري لاوّلهم يجري لٰاخرهم و انما الاسباب الخارجة لها في شأنهم صلي اللّه عليهم تأثير بزيادة الأجر و الجزاۤء و هو قوله عليه السلام فيقعد معنا من زارَ قبور الائمة عليهم السلام الّا انّ اعلاهم درجةً و اقربهم حبوة زوّار قبر ولدي عليّ صلّي اللّٰهُ عليه و ذلك لاجل غربته و بعد مشهده عليه السلام عن مشاهدهم و انّه لايزوره الّا الخواۤصّ من الشيعة لانّ غيره من الائمة عليهم السلام يزورهُ غير الشيعة و يزوره غير الخواۤصّ لاجل زيارة غير الشيعة له امّا لانّ غير الخواۤصّ لايزورونه خوفاً ان يعيب عليهم اعداۤؤهم فاذا رأوا اعداۤءهم زاروه زاروه هم و لو لميزره الاعداۤء لميزره بعض غير الخواص خوف العيب بخلاف زيارة الرضا عليه السلام فانّه لايزوره الّا مَن لايبالي بعَيْب الاعداۤء فهم اذ ذاك خواۤصّ و ان كانوا جهّالاً و ليس المراد بالخواۤصّ الخواص في غير الموضع لان المراد بهم هناك العارفون و اهل البصيرة في الدين فتفهّم و امّا لعدم شدّة رغبتهم و مَنْ سوي الرضا عليه السلام من الائمة عليهم السلام قريبون منهم فلاتشقّ عليهم زيارتهم لقرب مشاهدهم منهم فيزورونهم و امّا الرضا عليه السلام فلبُعْدِ مشهده عنهم تكون في زيارته مشقَّةٌ شديدة فالخواص يتحمّلونها و امّا غيرهم [ص 300] فلايتحملونها لعدم شدّة رغبتهم و هذان الوجهانِ باعتبار الزّاۤئرين و امّا باعتبار حال المزور عليه السلام فانّه كان ناۤئِياً عن مسقط رأسه و مأنسِ نفسِهٖ غريباً من اهله و اقرباۤئه منفرداً من بين سَاۤئر اهل بيته و هذه الاحوال و امثالها موجبة لخمول الذكر و نسيان الاسم و اِطْفاۤءِ النّور فلو كان فضل زيارته كفضل زيارة غيره من الائمة عليهم السلام لكانت زيارته ناقصةً عن زيارة احدهم و انّما ساوَتْها بما اشتملت عليه من المشاۤقّ من البعد و قلّة الزاۤئرين و غربة المزور و امثال ذلك فتكون في اصلها ناقصةً عن زيارة مثله و يلزم من هذا عدمُ المماثلة بل يكون في نفسه عليه السلام ناقصاً عن احدهم عليهم السلام فلمّا ثبت انّهم سواۤء ثبت انّ اصل زيارتهم سواۤء و لمّا اشتملت زيارته عليه السلام علي مزايَا لمتحصل لغيرها خصوصا هَذٰا الوَجه الاخير و هو كونه عليه السلام غريباً وحيداً بعيداً عن مسقط رأسه و عن مساكن آباۤئه و قبره بعيداً عن قبورهم و الحال انّ هذه و امثالها موجبة لتصغير قدره و خمول ذكره و اطفاۤء نوره و مساواته لساۤئر الناس و الحكمة التي اجري اللّه سبحانه عليها النّظام و لاجلها خلق الانام و بسببها اسبغ علي جميع خلقه الاِنعام و الاِفْضال و الاكرام مقتضاها الذي لاتكون الحكمة حكمة الّا به علي كمال ما ينبغي اَنْ يكون قدره عليه السلام كبيراً و ذكره مشهوراً و نوره تاۤمّاً مُنٖيراً لايعدله احدٌ من الناس و لايعتري فضله و ظهور شأنه و علوّ مكانه التباس فَوجب في الحكمةِ اَنْ يَلْطُفَ سبحانه بعباده فيما يتوقّف عليه صَلاحُهُمْ و تمام نظامِ الخلقِ من اظهارِ اسْمِهٖ عليه السلام و اعلاۤء شانه و التنويه باسمه فاوجب ذلك الحَثّ علي زيارته و الترغيب فيها بما لايحصل في غيرها لانّ في ذلك ترغيب الزاۤئرين بكثرة الثواب بان زيارته عليه السلام يغفر اللّه بها ما تقدّم من ذنب الزاۤئر و ما تأخّر و يبني [ص 301] اللّهُ له منبراً يوم القيمة بحذاۤء منبر محمد و علي صلي اللّه عليهما و آلِهما و انّه يجلس عليه بجوارهما عليهما السلام حتي يفرغ سبحانه من حساب الخلاۤئق و انّ زيارته تعدل سبعينالف حجة و عمرة او مائةالف حجة و عمرة و ما اشبه ذلك لانّ الحكمة الالهيّة التي يستقيم بها النظام تقتضي ذلك جبراً لما جري عليه صلي اللّه عليه من الغربة و الوحدة و البعد عن الاهل و الاوطان و هذا الوجه لايرد عليه شئ و امّا الوجهان فيرد عليهما امّا الاوّل فيقال انّه عليه السلام ايضاً قد يزوره غير الخواۤصّ و يجري في حقه ما يجري في حقّ باقي الائمة عليهم السلام و امّا الثاني فيُقال اَنَّ مشهدَه الشريف قريب من كثير من الشيعة بحيث لاتشقّ زيارته عليهم و تشقّ عليهم زيارة الائمة عليهم السلام فيكون الاَمرُ بالعكس وَ الجَوابُ اَنّ الخِطابات الشرعية العَاۤمّة مبنيّةٌ هي وَ ما يترتّب عليها من الجزاۤء علي الامور الغالبة و الابتداۤئيّة فعلي الاَمْر الاول الغَالِب اَنّ زُوَّار الرضا عليه السلام لايكونون الّا الخواۤصّ من الشيعة و المحبّين بخلافِ غيرهٖ من الائمّة عليه السَّلَامُ و علي الامر الثاني فلأن الخطاب انّما جري علي مَن كان قريباً من الائمة عليهم السلام بعيداً من الرّضا عليه السلام مع انّ من كان قريباً من الشيعة من الرضا صلوات اللّه عليه في وقت الخطاب كانَ قليلاً و كونه الان كثيراً لايوجب انقلاب الحكم لانّ الحكم نَزلَ من عند اللّه تعالي حين السؤال علي حدِّ قوله تعالي و ان تسألوا عنها حين ينزّل القرءان تُبْدَ لكم فاَجْرَيها اللّه سبحانه سنته فيه عليه السلام و لنتجدَ لسنة اللّٰهِ تَبْديلا .
قوله عليه السلام : و اوردني حوضكم اِنْ اُرٖيدَ به الحوض الباطني فهو هُدٰيهم و هم عليهم السلام يوردون باذن اللّهِ مَن شاۤؤا ذلك الحوض من اولياۤئهم و يذودون مَن شاۤؤا عنه باذن اللّه [ص 302] تعالي و هو المشارُ اليه في كلام اميرالمؤمنين عليه السلام الذي ذكرناه في شرح الزيارة في حديث ابيالطفيل قالَ قلت يا اميرالمؤمنين اخبرني عن حوض النبي صلي اللّه عليه و آله في الدنيا ام في الٰاخرة قال بل في الدنيا قلتُ فمن الذاۤئِدُ عليه قال انا بيدي فليَرِدَنّه اولياۤئي و ليُصرفَنَّ عنه اعداۤئي و في روايةٍ و لاُورِدَنّه اولياۤئي و لاَصرفَنَّ عنه اعداۤئي الحديث ، و معروف عند مَن سقط اليه شئ من علومهم عليهم السلام ان هُديهم و مذهبهم و دينهم هو حوض النبي صلّي اللّه عليه و آله الذي مَن شَرِبَ منه شربةً لمْيظمأ بعْدَهُ ابداً و هو دينُ اللّهِ الحق الذي لايوجد الّا عندهم و هو ما اجتمع عليه محكم القرءان و قولهم فانّه هو الدّٖين و لايخرجان عنه كما قال صلّي اللّه عليه و آله لنيفترقا حتّي يردا عليّ الحوض ه ، فهم يُوردُون مَن شاۤؤا باذن اللّه تعالي و يذودون عنه من شاۤؤا باذن اللّه تعالي فقوله و اوردني حوضكم مثل ما قلنا من نظيره في الشرح فهنا ان شِئتَ قلتَ اوردني اللّهُ الحوض بهم و ان شئتَ قلتَ اوردني الحوض باذن اللّه تعالي و المعني واحد من حيث فاۤئدة الايجاد فعلي هذا يكون المعني ثبّتني اللّه علي دينكم و وفّقني للعمل الصالح الذي يرضي اللّه و يرضيكم حتّي اجدَ حلاوة الايمان الّذي هو من ماۤء حوضكم و وفّقني للاستقامةِ عليه حتي لااظمأ بعده لااظمأ اي لااُواقع ذنباً و لااخرج من هديكم حتي يتوفاني الموت و ان اريد به المعروف و هو الحوض الذي يظهر يوم القيمة و هو الذي يوردونَهُ اولياۤءهم و محبيهم الذين يحشرون معهم في زمرتهم فانّه سأل اللّه ان يحشره في زمرتهم يوم القيمة و يوردَهُ حوضهم كما حشرَهُ في زمرتهم في الدنيا و اوردهم حوضهم في الدنيا و يفيد سؤاۤله الدعاۤء بالثّبات علي ما وفّقه لمتابعتهم و ولايتهم و محبّتهم حتي يتوفّاه ليحشر في زمرتهم و يُورد حوضهم و في كنز الكراجكي بسنده الي ايّوب السجستاني [ص 303] قال كنتُ اطوف فاستقبلني في الطواف انس بن مالكٍ فقال لي الاابشّرك بما (ظ) تفرح به فقلتُ بلي فقال كنتُ واقفاً بين يدي النبي صلّي اللّه عليه و آله في مسجد المدينةِ و هو قاعدٌ في الرّوضةِ فقال لي اَسْرِع و ائتِنٖي بعليّ بن ابيطالبٍ عليه السلام فذهبتُ فاذاً عليّ و فاطمة عليهما السلام فقلتُ له انّ النبي صلي اللّه عليه و آله و سلّم يدعوك فجاۤءَ عليّ فقال يا عليّ سلِّم علي جبرئل فقال عليٌ السلام عليكَ يا جبرئل فردّ عليه جبرئل السلام فقال النبي صلي اللّه عليه و آله و سلّم جبرئل يقول انّ اللّهَ يقرأ عليك السلام و يقول طُوبَي لكَ و لشيعتك و محبّيك و الويل ثم الويل لمبغضٖيكَ اذا كان يوم القيٰمة نادي منادٍ من بطنان العرش اين محمد و علي فيُزَخُّ بكما الي السماۤء حتي تُوقَفا بين يَدي اللّه فيقول لنبيّه اَوردْ علياً الحوض و هذا كأس اَعْطِه حتّي يسقي محبّيه و شيعته و لايسقي احداً من مبغضيه و يأمر لمحبّيه ان يحاسَبُوا حساباً يَسٖيراً و يؤمر بهم الي الجنّة ه ، فقوله حتي يسقي محبّيه و شيعته يدلّ علي انّ ذلك لمَنْ اتي يوم القيمة بمحبّتِهم فلمّا علم ذلك سأل اللّه اَن يورده حوضهم يعني اَنْ يثبّته علي ما وفّقه لمحبّتِهم و ولايتهم فانّه اذا ثبّته علي ذلك حتّي يموت فانّه تعالي يجب عليه في الحكمة و لما وَأي علي نفسِهٖ لشيعتهم و محبّيهم اَنْ يَحْشُرَهُ في زُمْرَتِهمْ و يُورِدَهُ حوضهم فيفيد قوله و ان يحشرني في زُمرتكم و ان يُوردَني حَوْضَكم انّه يسأله ما يُوجب ذلك و هو الثّبات علي ما وَفّقه له من محبّتهم و ولايتهم و طاعتهم و متابعتهم .
و قوله عليه السلام : و جعلني في حزبكم و ارضاكم عنّي يريد الدعاۤء بان يجعلني معكم في حزْبِكم في الٰاخرة كما جعلني في حزبكم في الدنيا فانّه تعالي و له الحمد جعلني في الدنيا من محبّيكم [ص 304] و مواليكم فاسأله اَنْ يثبّتَنٖي علي ذلك حتّي القاه محبّاً لكم موالياً لكم و لاولياۤئكم معادياً لاعداۤئِكم و اولياۤئهم و اكونَ في حزبكم و اسألُهُ ان يجعلَكم راضٖين عنّي بان يبلّغَني ما يوجِبُ رضاكم عنّي من طاعته و طاعتكم و يثبتَني عليه حتّي القاكم عنّي راضين فانّه تعالي ابتدأني بنعمة التوفيق لمحبّتكم و ولايتكم فلقديم الرجاۤء فيه و عظيم الطمع في كرمه و فضله و رحمته سألتُه ذلك و هو ارحم الراحمين فانكم لاترضون عنّي الّا لرضي اللّه و لايرضي اللّهُ تعالي الّا لرضاكم فرضاكم رضي اللّهِ و رضا اللّهِ رضاكم اللّهم بحقّهم عليك ارض عنّي و بحقّك عليهم ارضهم عنّي انّك علي كلّ شئ قدير .
قال عليه السلام : و مكّننٖي في دولتكم و احياني في رجعتكم و ملّكني في ايامكم .
يقول اسأل اللّه الّذي وعدكم ليَستَخْلِفَنّكم في الارض كما استخلف الّذين من قبلكم و ليُمكّن لكم في الارض بان يجعلكم الوارثين للارض و المالكين لها اَنْ يمكّنني في دولتكم بان يجعلني في وقتِ ملككم من المملّكين بكم المقرّبين لديكم و هذا كناية عن ان يجعله من شيعتهم الخُلَّصِ فانّه اذا رجعوا ذهبت دولة اعداۤئهم و اشياع اعداۤئهم و رجع الامر كلّه الي محمّد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله و مَن كان من شيعتهم كامل الايمان مكّنوه فيما شاۤؤا من الارض و ملّكوه منها ما اَرادُوا وَ جعلوه مقدّماً بنسبة معرفته و ايمانه فدعاۤؤهُ طلباً لرفع درجته عند اللّه و عندهم لانّهم عليهم السلام انّما يقدِّمون مَن تقدّم بعلمه و عمله و معرفته و امّا اعداۤؤهم فهم الذين عناهم اللّه بقوله و من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكاً يعني من اعرض عنهم و عن ولايتهم فانّ له معيشةً ضنكاً في رجعتهم عليهم السلام لانّ الارض لاتعطيه من نبتِها [ص 305] و التجارة لاتعطيه من ربحها و لاتحلّ له الزكوة و يبقي مهيناً محتقراً فقيراً جاۤئعاً حتي روي انّهم ليأكلون العَذَراتِ و في الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله و من اعرض عن ذكري قال ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام اعمي البصر في الٰاخرة اعمي القلب في الدنيا عن ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام و هو متحيّر في القيمة يقول لم حشرتني الٰاية قال الٰايات الائمة عليهم السلام فنسيْتَها يعني تركها و كذلك اليوم تترك في النار كما تركتَ الائمة عليهم السلام فلمتطع امرهم و لمتسمع قولهم ه ، و في تفسير علي بن ابراهيم عن الصادق عليه السلام انّ له معيشةً ضنكاً قال هي واللّهِ للنّصّاب قيل له رأيناهم في دهرهم الاطول في الكفاية حَتَّي ماتوا قال ذاك واللّهِ في الرجعة يأكلون العذرة ه .
و قوله عليه السلام : و احياني في رجعتكم سأل اللّهَ ان يُكرَّهُ فيمن يكرّ معهم في رجعتهم و هو كناية عن توفيقه لان يكون ممّن محض الايمان مَحْضاً فانّ مَن محض الايمان محضاً و محض الكفر او النفاقَ مَحْضاً فانّه يرجع في رجعتهم اِلّا اَنْ يَكُونَ مَحض الكفر و النِّفاقَ مَحْضاً و قد اُهلِكَ في الدُّنْيا بالعذاب فانّه لايرجع في رجعتهم و ذلك قول اللّه تعالي و حرامٌ علي قريةٍ اَهْلكناها انّهم لايرجعون و امّا ماحض الايمان فانّه لا بدّ ان يرجع فان قُتِلَ في الدُّنْيا رجعَ حتّي يموتَ بعد ان يعيش بالضّعفِ من عمرِه في الدنيا و امّا من يرجع في رجعتهم العَاۤمّة الاخيرة التي يجتمعون فيها كلهم عليهم السلام فروي انّه لايموت حتّي يَرَي الفَ وَلَدٍ من صلبهٖ و ان مات في الدنيا فيرجع حتّي يقتلَ اذ كلّ مؤمنٍ محض الايمان محضاً فله قتلةٌ و مٖيتَةٌ مَنْ ماتَ بُعِث حتّي يقتلَ و مَن قتل بُعِثَ حتّي يَمُوتَ فسأل اللّهَ اَنْ يُوفّقه لمحض الايمان ليحيَي في رجعتهم و هذا من قول الصّادق [ص 306] عليه السلام اللّهُمَّ اَحْيِ شيعتنا في دَوْلتِنا و اَبْقِهم في مُلكِنا و مملكَتِنا و هذا قوله عليه السلام و مَلَّكني في اَيّامِكم اي جَعَلَني من المملّكين و هو كما تقدّم كناية عن التوفيق لكمال الايمان و المعرفة فانّهما من جهة كرم اللّه و فضله موجبان لمن جعله اللّه كذلك لأن يكون في رجعتهم اذا مكّنهم اللّه في ارضه و اظهرهم علي الدين كله و لو كره المشركون مملَّكاً من قِبَلِهم حاكماً بامرهم بنسبة كمال ايمانه و معرفته .
قال عليه السلام : و شكر سعيي بكم و غفرَ ذنبي بشفاعتكم و اقال عثرتي بمحبّتكم ( بحبّكم . خ ) و اعلي كعبي بموالاتكم و شَرَّفَنٖي بطاعتكم و اَعزّني بهُدَيكم .
قال الشارح المجلسي (ره) و شكر سعيي بكم اي جزاني اللّه تعالي في زيارتي ايّاكم او ببركتكم او شفاعتكم و اقال عثرتي اي تجاوز عن سيئاۤتي و اعلي كعبي اي جعلني مشرّفاً و عالياً او جعل اعداۤئي تحتَ قدمي او تحتَ رُمحي بغَلَبَتي عليهم بموالاتكم ايّاي او بموالاتي ايّاكم انتهي .
الشكر اعم من الحمد في المصدر و اخصّ منه في المتعلق فالحمد مصدره اللسان خاۤصة و متعلّقه الفضيلة و الفاضلة و الشكر مصدره الجَنان و الاركان و اللسان و متعلّقه الفاضلة فالشكر من جهة المتعلّق الباعث له الفاضلة و هي النعمة التي تصل من المَشْكُور الي الشاكر و من جهة المصدر يصدر من الجَنانِ و الاركان و اللِّسان فشكر الجنان الاعتقاد بانّ هذه الفاضلة من المشكور علي جهة الفَضْلِ الابتدائي و الرضا عنه بالعطيّة و ان كانت قليلة بالنسبة الي غيره او عند غيره اوْ الي غيرها و يعتقد انّه مقصِّرٌ في اداۤءِ شكرِها و الشكر من الاركان امتثال امر المنعم و اجتناب نهيه و طاعته بكلّ ركنٍ فيما خلق له [ص 307] فطاعة العينين النظر لما امر اللّهُ بنظره كنظر المصلي في القيام الي محل سجوده و في القنوت الي كفّيه و في الركوع الي ما بين رجليه و في السجود الي طرفِ انفه و في التشهد الي حجره و كالنظر الي كتابة القرءان و كتب العلم و غير ذلك و غَضُّهما عن النظر الي ما حرّم اللّه عليه نظره و الاذنانِ طاعَتُهما السماع لما ندب اللّه الي سماعه اَوْ اَباحه بقصد الاخذ بما اباحه اللّه و اليدان طاعتهما البطش فيما امر اللّه به او ندبَ اليه اوْ اباحه كذلك و طاعةُ الرجلين السعي كذلك و الحاصل طاعة الجوارح استعمالها فيما خلقت له كما امر سبحانه و الشكر من اللسان الثناۤء علي المنعم باظهار نعمه و آثارِها و ذكرُه بها علي جهة التعظيم له و لنعمه فاذا عرفتَ هذا في الجملة فقوله عليه السلام و شكر سعيي بكم يريد به انّي ادعوه سبحانه و اسأله اَن يشكر سعيي بكم اي ان يعاملني معاملةَ المنعِم من المنعم عليه فيحبّني و يحبّبَني الي خلقه و يرضي عنّي بالقليل من السعي و يراه كثيراً و يري انّ ما فعل بي من الجميل اني مستحقٌ له و يوصل اليّ من الثواب و النعم جزاۤء سعيي علي جهة الاستحقاق و يذكرني بالثّناۤء الجميل في الملأ الاعلي و علي السِنَةِ اولياۤئه و في ما انزل من كتبه و ما اشبَه ذلك و هذا انّما يكون منه تعالي اذا كان محتاجاً الي سعيي و كان سعيي ليس منه و كلّ ذلك لميكن بل هو غنيّ عن سعيي و عن كل شئ و سعيي علي فرض صحّته و حقّيّته نفعه لي و راجع اليّ و مثاله لو انّ زيداً جدَّ في عمل التجارة حتّي ربح كثيراً فما حصل من الربح فهو له ينتفع به في مهمّاته فهل يجب عليك ان يشكره جزاۤءً لما عمل لنفسه و انّما يجب عليك لو كان ربحُه يصل اليك و ايضاً ما اتيتُ به من السعي فمنه تعالي و بتوفيقه و هو اَوْلَي به منّي فكيف يصحّ ان يشكر مَن لايحتاج الي شئ و ذلك النعمة التي صارت من العبد منه [ص 308] تعالي فهو اولي بالشكر فلايصحّ اَن يشكر مَنْ لايفعل شيئاً و هذا ما تعرفه العقول و لكنّه سبحانه و تعالي جَدّدَ تَفضّله علي عِبادِهٖ مرّةً بعد اُخري فابرز لطفاً من غيبه علي افئدة اولياۤئه و اولياۤئهم لاتسَعُه عقولهُمْ لطفاً بالعباد و تيسيراً لما خلقوا له بما اراد بانه تعالي و له الفضل يشكر مَن شكره و يذكر مَن ذكره و يجازي مَن عمِل له و قد اشار سيّدالساجدين عليه السلام في الصحيفة السجاديّة الي ما اشرنا اليه بقوله في وداع شهر رمضان تشكر مَن شكرك و انت الهمتَهُ شكرك و تكافِئُ من حمدك و انتَ علّمته حمدك يعني انّك تفضّلاً منك تشكر مَن شكرك علي شكرِه و شكرهُ من فضلك الهمته ايّاه و اجريته عليه و لولاك لكفر نعمتك و تكافئ اي تجازي مَن حمدك علي ما عرّفته من نفسك و انعمتَ عليه من نعمك و ذلك منك انت علّمته و قوّيتَه علي ذلك و وفقته له و اعنتَهُ عليه و لولا فضلك عليه ثانياً لماقدرَ علي شئ من ذلك و انّما عاملك معاملة الغني الحميد فجعل ما انعم به عليك من شكره و حمده مكافاةً لتَأدية حقّ نعمِهٖ عليك ليجزيك علي ما اجري عليك من نعمه نِعَماً و فضلاً نعماً و فضلاً مرّة بعد اُخري كما في دعاۤء مفردة الوتر بعد الركوع و جعل ما امتَنَّ به علي عباده كفاءً لتأدية حَقِّهٖ ه ، و قد ذكر سيدالساجدين عليه السلام في دعاۤء الوداع المذكور ما اشرنا اليه لك من انّه تعالي تفضّل مرّة بعد اُخري فركز في افئدة اولياۤئه و الخصيصين من شيعتهم لطفاً من غيبه لاتسعه عقولهم و لولاه تعالي لماوجد المخلوق شيئاً من ذلك لانّه مخالف في الافهام و القلوب لمعني القدم و لهذا قلنا ركزه في الافئدة لانّها هي التي تسع ذلك و تعٖيه فقال عليه السلام و انت الذي دللتهم بقولِك من غيبك و ترغيبك الّذي فيه حظهم علي ما لو سترته عنهم لمتدركه ابصارُهم و لمتعِه اسماعهم و لمتلحقه افهامُهم فقلتَ اذكروني اذكركم و اشكروا لي و لاتكفرونِ [ص 309] و قلتَ لئن شكرتم لازيدّنكم و لئن كفرتم انّ عذابي لشدٖيدٌ و قلتَ ادعوني استجب لكم الي آخر الٰايات و ذلك لانّ ما دلّ عليه نوع من الانفعال و هو لايصحّ في حقّ الازل سبحانه و الذي تفهمه العقول عدم جواز نسبة ذلك اليه فلمّا تفضّل عليهم و اراد ان يجدّد النعم و يغمرهم بالخيرات التي فيها حظهم و نجاتهم من غضبه ابان للافئدة سرّ ذلك و تعبّد خلقه بذلك ليلزمهم ما به نجاتهم و فيه صلاحهم فالزمهم بما لايعلمون سرّه و لو لميلزمهم ذلك لميقبلوه و اِنْ طلبوا رضاه لانّهم ينكرونه و لكنّه اَلْزمَهم به لاجل نجاتهم من عذابه فقال انّ الذين يستكبرون عن عبادتي يعني باَلَّايدعوني فاستجيب لهم سيدخلون جَهنّم دٰاخرينَ فلذا قال عليه السلام فسمّيتَ دعاۤءك عبادة و تركه استكباراً و توعّدتَ علي تركه دخولَ جهنّم داخرين الدعاۤء ، و لكنّه لما جرت حكمته بان لايظهر شيئاً الّا مشروحاً مبيّن العلل و الاسباب لتطمَئِنَّ بها اُولوا الالباب الّا اَنّ بيان كلّ شئ في مقامه و رتبته من الوجود كما ان مقتضي الحكمة التاۤمّة راكز في الافئدة التي هي حقيقة المخلوق من فعل ربّه سبحانه و تعالي بيان ذلك و الاشارة الي ذلك في رتبة الافئدة و رتبة ذلك السرّ علي جهة الاقتصار انّ المخلوق لاينتهي الي الخالق و انّما ينتهي الي مثله و المثال المخلوق لهذا السرّ المشار اليه انه لاينتهي المخلوق الّا الي مثله مضافاً الي قول اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته الموسومة باليتيمة التي لميوجد مثلها قطّ في معرفة اللّه تعالي قال عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأهُ الطلب الي شكلِهٖ السبيل مسدود و الطلب مَرْدود مثل الكتابة التي هي مثل المخلوق تنتهي الي حركة الكاتب لا الي الكاتب بمعني انّك تقطع بانّ هيئات الكتابة من هيئات الحركة فاذا رأيتَ كتابة حسنة علمتَ انّ حركة يد كاتبها معتدلة مستقيمة و ان كانت الكتابة غير حسنة [ص 310] علمتَ بان حركة يد كاتبها غير مستقيمة بل معوجّة مضطربة فدلّتك الكتابة بهيئتها علي حركة يد الكاتب لانها منتهية اليها و لمتدلّك الكتابة علي كاتبها بان تعلم اذا وَجدتها حسنة ان كاتبها حسَن اوْ اذا وجدتها قبيحة انه قبيح فقد انتهي المصنوع الي الصنع لا الي الصانع فكان الانفعال المشار اليه في الفعل لانه هو المقبول و المفعول كالمخلوق و الداعي و العامل و الساۤئل هو القابل و غير الافئدة من المشاعر كلّها لاتفهم من معني اذكروني اذكركم و ادعوني استجب لكم الّا ان المنفعل هو الفاعل و هذا باطل و امّا الافئدة فتفهم من معني ذلك انّ المنفعل هو الفعل لا الفاعل لانّ اللّه سبحانه اشهدَها خلق انفسها فتعرف انفسها و ما في رتبتها و ما دون ذلك و لهذا قال صلي اللّه عليه و آله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربّه و قال اميرالمؤمنين عليه السلام مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه و الفرق بين العبارتين هو الفرق بين النبوّة و الولاية فاذا اردتَ ان تعرف نفسك فاطلب رسالتنا الموضوعة في ذلك و لايوجد ذلك في غيرها ابداً الّا ما اُخِذ منها .