فاذا عرفت ما ذكرنا فالجواب انه سبحانه بنَي افعالَهُ في عِبَادِهٖ علي التفضّل لغناه المطلق الذي لايتخصّص و كرَمِهٖ المحقّق الذي لاينقص و اجري قدرته علي التجاوز لكمال حاجة الخلق اليه و فقرهم الي لطفه بهم و لتكمل آثار رحمته التي بها خلقهم و انّما خلقهم لمحمد و آله صلّي اللّهُ عليه و آله و امرهم بطاعته المأخوذة عنهم عليهم السلام لانّها لهم و انّما امرهم بان يوقعُوها له تعالي خاۤصة لتصحّ الطاعة فاذا صحّت كانت لهم و شرط صحة الطاعة شيئان احدهما ايقاعها تقرّباً اليه تعالي خاۤصة لايشاركه في ذلك احدٌ و ثانيهما اخذُها و حدودهَا عنهم عليهم السلام كما امروا و حدّدوا مقرونة بالائتمام بهم و التسليم لهم و المحبة لهم و الولاية لهم و لاولياۤئهم لاجلهم و البراۤءة من اعداۤئِهم [ص 311] فاذا فعلها العبد كما امروه قبِلها اللّه تعالي و كانت صحيحة ثابتة و جعلها لاهلها المستحقين لها لانّها دعاۤء لهم و ثناۤء من اللّهِ تعالي علي قوابل عباده عليهم فكان عليهم العوض صلّي اللّه عليهم فلمّا اعطاهم اعمال عباده وجب في الحكمة علي الجواد المطلق ان يجعلها موفّرة عليهم فيحمل سبحانه جزاۤء ذلك عنهم و انما حمل الجزاۤء لاجلهم فكان جزاۤء العاملين من تمام العطيّة لهم عليهم السلام لان الكريم لو ارسل لك بعطيّةٍ عند شخصٍ و قال لك اعط حامل العطيّة اجرة حمله كان ذلك نقصاً في كرمه و تمام كرمه ان يعطيك ايّاها موفّرة بان يعطي اجرة حملها اليك لتصل اليك تاۤمّة و الّا لنقصت باجرة الحمل و لمّا كان ايصال اجرة العاملين متوقّفاً علي استحقاقهم و هم لايستحقون شيئاً كما ذكرنا سابقاً و لو لميعطهم و قد امرهم وجب علي مَن اعطاهم العمل العوضُ للعاملين و لو اعطوا نقصَ كرمه كما سمعتَ فجدّد تفضّله مرةً بعد اخري فجعل ما اعطي العاملين من النعم و الاقدار و التعليم و الاعانة علي طاعته و غير ذلك ممّا لاتتقوم الطاعات و الاعمال الصالحة الّا به كفاءً لتأدية حقّه فنسب عواۤئدها اليهم كما نسب سوابقها اليهم تفضّلاً بعد تفضلٍ فشكرهم علي ما وفّقهم له من السعي لاجل محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله بما امدّهم من الانوار و التأييدات و المعارف و العلوم و بنسبتهم اليه بقوله عبادي و من التوفيق لما يرضيه عنهم و برضاه عنهم و قبوله اليسير منهم و جعله كثيراً و بالتجاوز عنهم و العفو و المغفرة لهم و جعلهم اَتباعاً لاولياۤئه المقربين عنده و قرّبهم بقربهم و محبّته لهم و بالثناۤء عليهم مثل قوله تعالي فبشّر عبادي الذين يستمعون القول فيتّبعون احسنه اولۤئك الّذين هدٰيهم اللّه و اولۤئك هم اولوا الالباب و علي السنةِ اولياۤئِهٖ من الاوّلين فان كل رسولٍ و نبي اَثني علي شيعة عليّ [ص 312] عليه السلام بامر اللّهِ تعالي و من الٰاخرين كما اثني الائمة عليهم السلام علي شيعتهم فيما ذكرنا وَ ما لمْنذكر و انّما شكر اللّه سعي شيعتهم بهم و لاجلهم و هو قوله و شكر سعيي بكم .
و قوله عليه السلام : و غفر ذنبي بشفاعتكم كما ذكرنا في شرح الزيارة من احاديثهم انّ اللّه تعالي يغفر ذنوبَ محبّيهم علي ما هُمْ عليه فان كانت التبعات للّه تعالي استوهبوه منه فهو لشيعتهم و ان كانت لهم فهو لشيعتهم و ان كانت لاعداۤئهم فهو لشيعتهم و ان كانت لبعض المؤمنين عوّضوهم عنه فهو لشيعتهم فاذا شفعوا قَبِل اللّهُ تعالي شفاعتهم و بغير شفاعتهم يجب في الحكمة اَلّايتجاوزَ ظلم ظالمٍ لانّه مقتضي العدل فيعطي كلّ ذي حقٍّ حَقَّهُ الّا اَنْ يحصل مُرَجّحٌ و ذلك من شفاعتهم بالقَلْبِ بان يحبّوا الشخص فيرضونه فيرضي اللّه عنه فمحبّتهم له شفاعتهم لهُ عِنْدَ اللّهِ وَ مِنْها اَعْمالهم فانّ ذلك المحبّ يهبونه لاجل محبّتهم من فاضلِ اَعْمالهم ما ترجح به موازينه و تكثر حَسناتُه و يدخل بذلِك الجنّة وَ منْها دُعاۤؤهم له كما في الاخبار الكثيرة الواردة و هذه و امثالها من شفاعتهم لشيعتهم .
و قوله عليه السلام : و اقال عثرتي بمحبّتكم اَقالَ بمعني فَسخ و نقض و وَافقَ عَلي ما طلب منه وَ العَثْرة الخَطٖيۤئة وَ ذَلك اَنّ من فعل الخطيۤئة لَزِمتْهُ و مَن اَخطَأَ فَقدْ وَقع كالعَاثِر فقَوْلُهُ و اَقالَ عثرتي كما يُقَال اقالَهُ البيعَ الّذي لزِمَ بالعقدِ فاقالَهُ البيعَ اي فسخَ العَقْد الملزم و نقضَهُ و وافقه علي ما طلبَ مِن الفَسخ و اقالَ عَثْرَتٖي يعني خطٖيۤئَتي الّتي لزمتني مَحاها و فكَّ لُزُومها لي و المعني غفر لي خطيۤئَتٖي بمحبّتِكم لِاَنّها تكفِّرُ الذُّنُوبَ و تمحوها فيكون الغفران بمقتضي القَابِلِ اَوْ بسَبَبِ مَحبّتِكم فيكون الغفران بمقتضي المُتمّم للقابل و هذا هو الظاهر من الاضافة الي المفعول [ص 313] و لو اعتبرت الاضافة الي الفاعل و ان كان بعيداً عن الظاهر كان الغفران بمقتضي الشفاعة كما اشرنا اليه قبل .
و قوله عليه السلام : و اعلي كعبي بموالاتكم الكعب ما عَلا و ارتفع و اعلي كعبي كناية عن الشرف و الرفعة يعني ما ارتفع من مقامي اوْ ما من شانه الارتفاع مني اعلاه الله بموالاتكم و هو دعاۤء منه و سؤال من اللّهِ بان يرفع ما انحطّ من قدرِهٖ بسبب تقصيره اَوْ قُصُورِه بموالاتهم فانّ موالاتهم تتمّ ما نقص من الاعمال و تقوم مقامَ ما فُقِدَ منها فان موالاتهم اقلّها المحبّة بالقلب و اللّسان و الولاية كذلك يعني بالقلب و اللّسان و هذا كافٍ في اعلاۤءِ الكعب اذا لميحصل ما ينافيهما لان المحبّة الصّدق و الموالاة الحق ان يطابق القول العمل و القلب اللسان فاذا خالَف القلبُ اللسان بان اقرّ بولايتهم و انكرها بقلبه فقد خرج عن ربقة الايمان ان كان جاهلاً بما انكر و اقر و عن ربقة الاسلام ان كان عالماً و اذا خالف القولُ العمل بان يقرّ بلسانه و لايعمل فان طابق حينئذٍ قلبُه لسانه فذلك الذي قلنا انه كافٍ في اعلاۤء الكعب و ان كان كلّ شئٍ بحسبه و ان خالف القلبُ اللسان فكالفرض الاوّل يعني كان عن جهل فليس بمؤمنٍ و ان كان عن معرفةٍ فليس بمسلمٍ فان تطابقت حصل الكمال فصاحبها شافع لا مستشفع فيه و ان خالفهما القلبُ فعلي التفصيل المتقدّم و ان خالفهما العمل بان اقرّ اللسان بالموالاة و طابقه القلب فالكافي المشار اليه و ان خالفهما اللسان فعن الجهل مرجيً لامر اللّه و عن العلم فللتقيّة لا بأس و لغير التقية هل يكون ارْتداداً ام لا و العلم قد يَكونُ عن بصيرة و قد يَكونُ عَنْ غيرِ بصٖيرةٍ فاذا كان العلم عن بصيرة يعني اَنّ لسانه انكر الولاية من بعد ما تبيّن له الهدي لغيرِ تقيّةٍ و قلبه مستيقن لها و يعمل بعمل اهل الحقّ فالاقرب انّه [ص 314] ارتداد لقوله تعالي و لعنوا بما قالوا ، و امّا كون قلبه مستيقِناً فلايفيده كما قال تعالي و جحدوا بها و استيقنتْها انفسهم ظلماً و علوّاً علي ان الكافر و المشرك و المُنَافق اذا لميستيقن حقّيّة ما دُعِي اليه لمتقم عليه الحجّة ان اللّه تعالي يقول و مَاكان اللّه ليُضِلّ قوماً بعدَ اِذْ هَدٰيهُمْ حتي يُبَيِّنَ لهم ما يتّقون و قال وَ مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهدي فاذا لميستَيْقِنْ حقّيّةَ ما دُعِي اليه بقي الحكم عليه موقوفاً الَي يَوْم القيمة حتّي يُجَدِّدَ لَهُ التكليف و تَسْتقرّ الحكم عليه بعد ما يتبيّن له الحَقُّ .
و قوله عليه السلام : و شرّفني بطاعتكم دعاۤء منه بِاَنْ يشرّفه بطاعتهم بِاَنْ يُوَفِّقَه و يُعينه علي طاعتهم فانّها هي طاعة اللّه تعالي و فيها شرف الدنيا و الٰاخرة و هي مقولةٌ علي جميع مراتب الاعتقادات الحقّة و الاقوال الصّادِقة و الاعمال الصحيحة بِالتّشكٖيك في كل واحدةٍ من هذه الثلاث و في كلّ جزئيّ من كلٍّ منها و المسئول منها المطلق اَوْ مَا يَحْصُل به التشريف لا اَعْلَي مراتبها فانّ سؤال ذلك محرّم علي كلّ مَنْ سواهم اِذْ لايَنال اَعْلَي طاعتِهم احدٌ غيرهم من جميع الخلق و جَعْلُ اَعْلَي ما يمكن منها طاعةً لاحَدِهمْ لايلزم منه كونُ الوٰاحِدِ طاۤئِعاً مُطَاعاً لانّ المرادَ بهذه الطّاعة بالنسبة اليهم طاعةُ محمدٍ صلّي اللّهُ عليه و آله فانّها واجِبَةٌ عليهم ثم من دونه علي عليه السلام فان طاعته واجبةٌ عليهم ثم من سابقٍ علي لاحقٍ او انّها واجبةٌ عليهم من حيث انّها طاعة اللّه تعالي او انّما وجبت عليهم طاعةُ اللّهِ تعالي وَ اِنْ قُلْنَا بالاِتّحَادِ اَوْ انّما تتحقّقُ فيهم او بهم او عنهم فلذلك اُسْندت اليهم فافهم .
قوله عليه السلام : و اعَزّني بهُدٰيكم يعني اَعزّني اللّه اي ايّدني و قوّاني و رفع خَسيٰسَتٖي و دفع ذلّي بهدٰيكم و هو دعاۤء منه للّه تعالي كما انعم عَلَيَّ باَن اعزّني و رفعني عن ذلّ الكفر [ص 315] و النّفاق و الجهل الي عزّ الاسلام و الايمان و العلم بكم اي ببركة وُجُودِكم و هُدٰيكم فاسألُه اَنْ يُعِزَّني و يرفعَني عن ذُلِّ المَعْصِيَةِ الَي عِزّ الطّاعة بهُدٰيكم و هدٰيهُم هو ما اسَّسوا من قواعد الدين باذن اللّهِ تعالي وَ اَمْرِهٖ و بَيّنوا احكامه و عرّفوا المعارف و الاعتقاد و ابانوا ما اراد اللّه تعالي من جميع العباد من الاعتقادات و العلوم و الفراۤئض و النوافل و الٰاداب و ما اعانوا عليه مَن مال اليهم و اقتدي بهم و سلم لهم و رَدّ اليهم من التسديدات و الايراد حياض الرشاد و الدعاۤء الذي لايحجب عن ربِّ العباد فسأل اللّه سبحانه ان يعزّه و يقوِّيهُ و يرفع خسٖيسَته بالتوفيق للقيام بواجب مقتضي هدٰيهم و يعينَهُ علي تحمّلِ ما ارادَ منه تحمّلَهُ و القيام بواجبه و ندبه ليجعله بذلك عزيزاً بعد ذلّ الجهل و التقصير و هو سبحانه علي كل شئ قدير .
قال عليه السلام : و جعلني ممّن انقلبَ مفلحاً منجحاً غانماً سالماً معافيً غنِيّاً فاۤئزاً برضوان اللّٰه و فضله و كفايته .
قال الشارح المجلسي (ره) و جَعلني ممّن انقلَبَ بالماضي اي رجع مَع الفلاح من السلامة من النار و الفوز بالجنّة غانماً بالغنيمة الصوريّة و المعنويّة انتهي .
قوله ممّن انْقلبَ اي الي اهله من زيارتكم مسروراً مُفلِحاً اي ظافراً بمطلوبه من صلاح الدارَين و سعادة النشأتين و الفلح محرّكةً الفوز و النجاة و البقاۤء في الخير اي اجعلني من نوع الذي انقلَب من زيارتكم فاۤئزاً بما طلب في رجاۤئه او بزيارتكم او فيكم من طول العمر و دوام اليسر ناجياً من الاخترام و من البلايا و الفقر و من سوۤء المنقلب بميتة السوۤء و من سوء المرجع في القبور و من الندامة يوم القيٰمة باقياً في الخيرات الابديّة و السعادة السرمديّة [ص 316] منجحاً هو مرادف لقوله مفلحاً او انّ النجاح امكن في الظفر بالمطلوب بان يكون الفلاح الظفر بالمطلوب و الوصول اليه و النجاح الاستقلال به و الحيازة له الموجبة للأمن من فواته و لهذا يؤخّر النجاح في الذكر عن الفلاح لان الفلاح كالمقدمة له اَوْ كاوّلِ ادراكِ المطلوب اَوْ انّ الفلاح مطلق الظفر بالمطلوب و النجاح تَنَجُّزُهُ بسرعةٍ من قولهم استنجحتُ الحاجة اي تَنجّزتُها غانِماً اي كاسِباً للفاۤئدة المطلوبة لاهل الدارين و للغنيمة العظيمة مدركاً بما تقرّ به العين سالماً من تغيّر نعم الدنيا و الدين و وقوع النّقم بسبب الذنوب فانّي اسأل اللّهَ ان يغفرَها لي بمحبّتكم و ولايتكم و البراۤءة من اعداۤئكم مُعَافيً ان شاۤء اللّه تعالي من وقوع الفِتَن و الاختبار و الابتلاۤء و التمحيص و التمييز و البلبلة و السَّوط فانّ كثيراً من المكلّفين اذا لميُعَافَ من الاختبار و الفتنة انقلبَ و تغيّرَ عن طريق الهدي الي الضلالةِ و لو عافاه اللّهُ ربَّما آلَ امرُه الي الخير هذا في ظاهر الامر و الاحاديث داۤلّة علي انه لايكون احدٌ من هؤلاۤء من اُولۤئك و لا احدٌ من اولۤئك من هؤلاۤء فالاختبار و البلبلة و الفتنة اِنّما تقع بمن كان في اصل اجابته في الخلق الاوّل من اهل القلا ممن خلقوا للنّار فلمّا كانوا في الخلق الثاني اصابَهُم لطخ من اهل الجنّة و عاشوا شطراً من اعمارهم بين ظَهْرَانَيْهِم و ظهر اثر لطخ اهل الايمان علي ظواهر اقوالهم و اعمالهم و يأبَي اللّه ان يجعلهم في المؤمنين فيختبرهم بما لايعلمون و يفتنهم بما لايعرفون حتي يستقرّ امرهم علي طبق حقيقتهم و ينقلب الي ما يسّر له من شأن بدئه في علم الغيب و ربّما تكون حقيقته طاهرة و لكن غلب عليه مقتضيات اللطخ بحيث يكون علي تمام المشابهة بمن لطخوه من طينتهم في الاعتقاد مثلاً بحيث لو اختبر غلبت الطّينة الثانية علي الاولي و ان كانت ليست سابقةً و لا ذاتيّة و الاولي ضعيفةٌ لعدم استمدادِها من اَعْماله لانّها لاتستمد [ص 317] الّا من الاعمال الصّالحة و اغلب اعماله بمقتضي الثانية فاذا عوفي من البلايَا و الفِتَن ربّما قويت الاولي بسبب العافية لانّ مقتضي الفتنة غالباً يكون مقوّياً للثانية لما بينهما من الموافقة و ذلك لان اللطخ الثاني موافق للنفس الامّارة و الفتنَةِ موافقةٌ لها لانّها باعثةٌ للانّيّة علي التشخّص و التعيّن اللذين هما اصل الامّارة و فرعها فتكون العافية من الفتنةِ منافيةً للامّارة لانّها لاتبعثُها علي ما يقوّي الانيّة و ربّما لو اختبر هَجر الاولي بالكليّة و لا ريب انّه اذا مات مُعَافيً و كان ممن لميمحض الايمان محضاً اُخِّرَ حِسَابه الي يوم القيمة فاذا كان يوم القيمة حُوسِبَ و يكون اهون حالاً ممّن اختبر قبل موته لانّ الموت له نوع تقرير للصفة التي يموت عليها امّا في الماحض فالموجب للتقرير هو الموت و امّا في غيره فالعافية في الدنيا لطفٌ من اللّه به فيكون الموتُ له غالباً مقرِّراً و ان جدّد له التكليف يوم القيمة و اليه الاشارة بقوله تعالي و جاۤءَت سكرةُ الموت بالحقّ و هذا اشارة و تلويح لانّ البيان يحتاج الي تطويل لدقّة مسلكه غنياً اي بكثرة الحسنات كما في دُعاۤءِ غسل اليد اليمني في الوضوءِ في قوله و الخلد في الجنان بيَساري بفتح الياۤء المثنّاة بعد حرف الجر اي اعطني كتابي بيميني و براۤءة الخلد بيساري اي بكثرة حسناتي علي احَدِ الوجهين و مثله ما في العيون عن ابيالحسن الرضا عليه السلام قال انّ امّسليمن بن داود عليهما السلام قالت لابنها سليمن يا بني ايّاك و كثرة النوم بالليل فانّ كثرة النوم بالليل يدع الرجل فقيراً يوم القيمة ه ، يعني لقلّة الحسنات فهو سأل اللّه تعالي اَنْ يقلبه من زيارتهم غنِيّاً لكثرة حَسَناتِهٖ ممّا كتب له لاجل زيارتِهمْ و يحتمل ان يكون المراد غَنِيّاً من جهةِ كثرة الرِّزْقِ لانّ زيارتهم المقبولة تزيد في العمر و الرزق و كذا قوله عليه السلام : فاۤيزاً برضوانِ اللّٰهِ و فضلِهٖ و كفايته يعني ظافراً [ص 318] برضوانِ الله علَيَّ بمحبّتكم و ولايتكم فان رضاكم رِضَي اللّهِ عز و جلّ و من رضيتم عنه فقد انقلبَ برضوانِ اللّهِ عنه في الدنيا و الٰاخرة او فقد ظفر باعلي مراتب الجنان و هو الرضوان فانه نهاية نعيم اهل الجنة فان اَهْل الجنّةِ يأول نعيمهم الي رضوان الله و لا غاية له و لا نهاية فدعا اللّه بحقّهم عليه ان يبلّغه رضوانه بما اوجب تعالي علي نفسه لمن زاره فطلب حقّ الزّيارة من اللّه تعالي لانه تعالي اخبر علي اَلْسنَةِ اولياۤئه انّ مَن زار ولياً له فكأنّما زاره في عرشِه و للزاۤئر حقّ علي المزور فدعا اللّه عَزّ و جَلّ بان يجعله فاۤئزاً برضوانه و فضله من جميع نعم الدنيا و الٰاخرة اذْ كُلُّها تَفَضُّلٌ و بكفايته باَنْ يدبّره في مصالح دنياه و آخِرته فانّ الزاۤئر لمٰا اطاع اللّه سبحانه فيما نَدبَ اليه عَلَي اَلْسنَةِ اولياۤئه من فضل زيارة اولياۤئه و ما وَعَدَ علي نفسِهٖ لمن زارهم فقد توكّل عليه سبحانه و من توكّل عليه كفاه فاراد بدعاۤئه الّايَكِله الي نفسه طرفة عينٍ ابداً لا في شيء من امرِ الدنيا و لا الٰاخرة .
قال عليه السلام : بافضل ما ينقلب به احدٌ من زوّاركم و مواليكم و محبّيكم و شيعتكم .
بافضل متعلّق بانقلَبَ يعني جعلني الله من نوع الزاۤئر الذي انقلب الي اهله من زيارتكم بافضل ما ينقلب به احدٌ من زوّاركم الذين قصدوا زيارتكم من بُعدٍ او قربٍ سواۤء كانوا من مواليكم ام من محبّيكم ام من شيعتكم ام لا لجواز ان يأتيهم لزيارتهم مَنْ ليس من المذكورين بل قد يكون من موالي مواليهم او من موالي محبّيهم او شيعتهم او من محبّي مواليهم او محبّي محبّيهم او محبّي شيعتهم فان هؤلاۤء و ان كانوا اضعف الّا انّهم يقع منهم حال الزيارة اعتقادٌ او ازراۤء من بعض الزاۤئرين او المحبّين و تنكسر [ص 319] قلوبهم بذلك الازراۤء فيقبل منهم عملهم افضل من الذين ازرَوْا عليهم او انّ عطف مواليكم عطف تفسيري يعني من زوّارِكم من مواليكم و محبّيكم و شيعتكم و قد يراد بافضل ما ينقلبُ به احدٌ من زُوّارِكم من اجر زيارتكم و محبّيكم من اجر محبّتِكم و شيعتِكم من اجر متابعتهم لكم و تسليمهم لكم و موالاتهم لكم و البراۤءة من اعداۤئكم و المراد من ذلك كله اجعلني من نوع مَن انقلَبَ بافضل ما ينقلب به احدٌ من الخلق بخير من خيرات الدّنيا و الٰاخرة كنتم سببَهُ و منشأه و مبدءَهُ و مأوٰيهُ و منتهاه و اتي بانقلبَ بصيغة الماضي في الدعاۤء للتّحقّق اعتماداً و ثقة في الرجاۤء في اللّه تعالي و فيهم عليهم السلام و في زيارتهم و اتي بالمضارع في قوله بافضل ما ينقلب به احدٌ للسؤال لما يتجدّد من العطايا من اللّه تعالي بهم عليهم السلام لزوّارهم و محبّيهم و شيعتهم علي استقبال الاوقات يعني انقلبتُ باللّه تعالي من زيارتهم الي اهلي كواحدٍ من نوع مَن انقلبَ من زيارتهم باللّه تعالي الي اهله بافضل ما ينقلب به الوُفّاد عليهم عليهم السلام من العطايا و التّحف الظاهرة و الباطنة للدنيا و الٰاخرة من زوّارهم و محبّيهم و شيعتهم الي يوم القيمة او الي قيامهم و رجعتهم عليهم السلام .
قال عليه السلام : و رزقني اللّٰه العود ثمّ العود ابداً ما ابقاني ربّي بنيّة صادقة و ايمان و تقوي و اِخباتٍ و رزقٍ واسعٍ حلالٍ طيّبٍ .
قال الشارح المجلسي (ره) بنيّةٍ صادقةٍ متعلق بالعود او بابقاۤئي و اخباتٍ اي خضوع تام انتهي .
قوله و رزقني اللّه دعاۤء بان يرزقَه و يوفّقه لاَنْ يعود لزيارتهم ثمّ يعود ثم يعود ابداً اي داۤئماً ما ابقاه في الدنيا بحيث لايكون جافياً لهم عليهم السلام بتركِ زيارتهم و يكون الباعث الي زيارتهم النيّة [ص 320] الصادقة بان يكون الباعث علي ذلك طاعة اللّه تعالي و صلة نبيّه صلّي اللّه عليه و آله و صلة اهل بيته عليهم السلام متقرّباً بذلك الي اللّهِ تعالي باَنْ يكون عوده لزيارتهم مصاحِباً للنيّة الصّادقةِ من القلب و الايمان و التقوي و الاخبات خاضعاً خاشعاً للّهِ تعالي ثم لهم منقاداً مسلِّماً مفوّضاً غير متردّدٍ و لا مشكّكٍ و لا مرتاب في شئٍ ممّا نُدِبَ اليه و لرزقٍ واسعٍ حلالٍ طيّبٍ يكون زاداً للسفر الي زيارتهم ليكون زاداً للسفر الي الٰاخرة و الحلال الطيب له عند اهل الشرع عليهم السلام اطلاقان يطلقونه و يريدون به ما هو في نفس الامر كذلك و هذا قوتُ النبيين و المرسلين و الائمة صلي اللّه علي محمد و آله و عليهم فالداعي من غيرهم للرزق يحرم عليه طلب ذلك لانّه هو الحلال و غيره قد يكون حلالاً علي ساۤئر الناس و هو عليهم حرام فاذا قُصِدَ الحلال الواقعي لا غيره كان طالباً لرتبة النبيين و ذلك ممنوع بخلاف ما لو قصد الرزق الحلال شرعاً و هو الواقعي التّشريعي بمعني ما حكم الشرع بحلّيّته في ظاهره و هو الاطلاق الثاني فانه لا بأس به بل مندوب اليه فالاول هو كالحكم الواقعي الوجودي لايكلّف به الّا من كان معصوماً و لايجوز له المصير الي الواقعي التشريعي الّا بالتوقيف من الوحي الخاۤص من قبل اللّهِ تعالي لمصالح تُرَجِّحُه علي الواقعي الوجودي بعد الاطلاع عليه و الثاني هو كالحكم الواقعي التشريعي فانّه حكم مَن لميكن معصوماً فالرزق الحلال الطّيّبُ الواقعي لايصلحُ طلبه لغير المعصوم لانّه طَلبٌ لِرُتْبتِهم و الرزق الحلال الطّيّب التّشريعي هو ما حكم في ظاهر الشّرع بكونهٖ حَلالاً و الفرق بين الطّلب المنهي عنه و الطّلب المندوب اليه اَن يطلب الحَلال الواقعي الوجودي لا غير فهذا لغير المعصوم عليه السلام منهيّ عنه اذا قصده لا غير فانّه حينئذٍ طالبٌ لما اختصَّ به اَهْلُ العِصْمةِ و هو مُحَرَّمٌ و الثاني اَنْ يطلب [ص 321] الحَلال سواۤء كان خصوص ما حُكْم الشَّرْعِ بكَوْنهٖ حَلالاً في الظّاهر ام مطلقاً مِنْ دُونِ تعيينِ خصوصِ الوُجودي فلا بأس به لانّا لانمنع منه لو اتّفقَ و انّما المنهي عنه طلب الخاص و في الكافي بسنده الي البزنطٖي قال قلتُ لابيالحسن عليه السلام جعلتُ فداك ادع اللّه عز و جل ان يرزقني الحلال فقال اتدري ما الحلال فقلتُ جُعِلت فداك امّا الّذي عندنا فالكسب الطّيّب قال كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول الحلال قوتُ المُصْطَفَيْنَ و لكن قل اسألُكَ من رزقك الواسع و فيه بسنده الي معمر بن خلّاد عن ابيالحسن عليه السلام قال نظر ابوجعفر عليه السلام الي رجل و هو يقول اللهم انّي اَسْألُكَ من رزقك الحلال فقال ابوجعفر عليه السلام سألتَ قوتَ النّبيّين قل اللّهمّ انّي اسألُكَ رزقاً واسِعاً طيّباً من رزقِكَ ه ، و ظاهر هاتين الروايتين النّهي عن طلب الحلال الخاص و قال بعض العلماۤء لاينبغي ذلك و ظاهر عبارته مرجوحيّته و في كتاب الوافي للملا محسن هكذا بيان لمّا كان للحلالِ مراتب بعضُها اعلي من بعضٍ و اطيب جاز الامر بطلبه تارةً و النهي اخري و يختلف ايضاً بحسب مراتب الناس في اهليّتهم له و لطلبه فلا تنافي بين الاخبار ه ، و فيه في باب طلب الرزق بالدعاۤء و القرءان قال بيان التعقيب الدعاۤء بعقب الصلوة و قد مضي في كتاب الصلوة صلوات و دعوات و قراءات لطلب الرزق و انه ينبغي ان يطلب الرزق الواسع الطيب دون الحلال لان الحلال قوت النبيين و المصطفَيْن انتهي ، و ظاهر الروايتين و الكلام المذكور من عباراتهم كراهة الدعاۤء بقصد الحلال الخاص و الذي يشير اليه الادلّة ببواطنها هو التحريم لانّه طلب ما يختصّ به المعصومون عليهم السلام و هو تعدّي الحدّ العاۤمّ و ما ورد من جواز الطلب و مشاركة المعصومين (ع) للمؤمنين فمن الاول ما ذكر في هذا الوداع الذي نحن بصدده و ما في الكافي بسنده الي ابنعمار قال سألتُ [ص 322] اباعبداللّه عليه السلام ان يعلّمني دعاۤء للرزق فعلّمني دعاۤء ما رأيتُ اجلبَ للرزق منه قال قل اللهم ارزقني من فضلك الواسع الحلال الطيب رزقاً واسعاً حلالاً طيّباً بلاغاً للدنيا و الٰاخرة صبّاً صبّاً هنيۤئاً مريۤئاً من غير كدّ و لا مَنٍّ من احدٍ من خلقِك الّا سعةً من فضلِك الواسع فانّك قلتَ و اسئلوا اللّه من فضله فمن فضلِك اسأل و من عطيّتِك اسأل و مِنْ يدك المَلْأٰ اسأل ه ، و هذا لاينافي عدم جواز طلب الخاص لانّ المراد به العاۤم و من الثاني ما في مجمع الجوامع عن النبي صلّي اللّه عليه و آله انّ اللّه طيّب لايقبل الّا طيّباً و انّه امر المؤمنين بما امر به المرسلين فقال يا ايّها الرسل كلوا من الطيبات و قال يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيّبات ما رزقناكم ه ، و المراد به العام و ليس ما امر به المؤمنين من الطيّب الخاص بل منَ العاۤم و ما ذكرنا من انّ ما يختصّ باهل العصمة عليهم السلام لايجوز لغيرهم طلبُهُ و الّا لميكن مختصّاً لا اشْكال فيه و توقّف مَن توقّف انّما هو في ان هذا اعني الحلال هل هو مختصّ ام لا و الاخبار كما سمعتَ .
قال عليه السلام : اللهم لاتجعله آخر العهدِ من زيارتهم و ذكرهم و الصلوة عليهم و اوجب لي المغفرة و الرحمة و الخير و البركة و الفوز و النور و الايمان و حسن الاجابة كما اوجبتَ لاولياۤئك العارفين بحقّهم الموجبين طاعتهم الراغبين في زيارتهم المتقربين اليك و اليهم .
اقول سؤاله يمكن تصحيح اجابته ابداً كما تقدّم و الاعتراض ان يقال اذا جاز اجابته في كل مرّة يجب ان لايموت الي يوم البعث لِتتّصل زيارته بالٰاخرة التي لا انقطاع لها و لا نفاد و قد قامت الادلّة القطعيّة علي انه يموت فيجب ان يكون بعد الزيارة التي مات بعدها في وداعها لميستجَب دعاۤؤه [ص 323] و الجواب ان الوداع الذي توفي بعده يجوز انه استجيب له و لايكون اٰخر العهد بل يجوز ذلك و يزورهم في البرزخ و يوم القيمة يزورهم في الجنة او يكتب له اجر الاستجابة بان يجمع بينهم في الجنّة و قوله عليه السلام و ذكرهم ، يعني في الزيارة باسماۤئِهم و كناهم و اَلْقابِهمْ و صفاتهم و في الدعاۤء بحقّهم و في ذكر اللّه سبحانه باسماۤئِه فانّهم اسماۤؤه فمن ذكر اللّه فقد ذكرهم و قد تقدم في الزيارة مَن اراد اللّهَ بَدَء بكم و كذا قوله (ع) و الصلوة عليهم بظاهر الصلوة مثل اللهم صل علي محمّد و المحمّد و بباطنها مثل جميع ما ذكر اللّه به من كلّ ذكر فانه عند من عرفهم يكون كلّ ذكرٍ لِلّهِ تعالي فهو ثناۤء عليهم كما ورد في حقّ الملاۤئكة في قوله تعالي انّ اللّه و ملاۤئكته يصلّون علي النبي صلي اللّه عليه و آله ما معناه قيل له عليه السلام اذا كانت الملاۤئكة كما ذكرهم اللّه يسبّحون الليل و النهار لايَفْترون فمتي يصلّون علي النبي (ص) فقال عليه السلام ان اللّه سبحانه لمّا امرهم بالصلوة عليه اوحي الي الملاۤئكة اَن نقّصوا من تسبيحي وَ تهليلي و تمجيدي بقدر صلاتكم علي محمد و المحمد صلي اللّه عليه و آله فاذا قال اللهمّ صلّ علي محمد و المحمد فقَدْ سَبّح اللّهَ و هَلَّلَهُ و مجّدَهُ فَمَعْنَي الصَّلَوة عَلَي مُحَمد وَ آلمحمد تسبيحُ اللّهِ وَ تكبيره و تهليله و تحميده و تمجيده و الثناۤء عليه باكمل اسماۤئه و صفاتِهٖ و معني تسبيح اللّه و تكبيره و تهليله و تحميده و تمجيده و الثناۤء عليه باكمل اسماۤئه و صفاته اللهم صلّ علي محمد و المحمد و في معاني الاخبار بسنده الي موسي بن جعفر قال قال الصّادق جعفر بن محمد عليهم السلام من صلّي علي رسول اللّه صلّي اللّهُ عليه و آله اني انا علي الميثاق و الوفاۤءِ الَّذٖي قبِلتُ حين قوله اَلَستُ بربّكم قالوا بَلي ه ، و معني قوله لاجعله اللّه الخ لااخلاني في كلّ احوالي من ذلك في الدنيا و الٰاخرة [ص 324] بظواهرها و بواطنها و اوجب لي الخ اي اوجب لي مغفرة ذنوبي و سيّئاتي و جميع تقصيراتي بما تفضّل عَليّ من ولايتهم و محبّتهم و وفّقني له من زيارتهم و ذكرهم و الصلوة عليهم و ادخالي في رحمته الواسعة التي هي ولايتهم و محبّتهم و البراۤءة من اعداۤئهم و افاضةَ خيرِهٖ و بركته في احوال مَبدئي و معادي و حصول الفوز لي بما فاز به ببركتهم عباده الصالحونَ و بثّ النّور في غيبي و شهادتي بهم من آثار ولايتهم و محبّتهم و كتابة الايمان في قلبي بروح منه بواسطتهم و توفيقي لحسن اجابته بهم و اجابتهم بهدايته تعالي و معني قوله كما اوجبتَ الخ انّك يا متفضِّل اوجبتَ لاولياۤئِك الذين والَوا فٖيك اولياۤئك و اولياۤئَهُمْ اجابةً لامرك العارفين بحقّهم بما دللتهم عليه من معرفتهم و معرفة حقّهم فانّك قد وصفتَ نفسك لهُمْ بذلِكَ فعَرفوك بمعرفتهم و عرفوا حقّك بمعرفةِ حَقّهم و الموجبين لطاعتك بايجاب طاعتهم الراغبين في زيارتهم بما رغّبتهم فيها و ندبتهم اليها طمعاً في وعدك المتقرّبين اليك بطاعتهم و محبّتهم و ولايتهم و اليهم باجابتك و طاعتك فيما امرتنا به من ايجاب حقّهم و اجلالِهم و احلالهم المحلّ الرفيع الذي احللتَهُمْ فيه فجعلتَهم وجهَك الّذي يتوجّه اليه مَن قصدك و بابَك الذي تؤتَي منه و طريقك الموصِل اليك و سبيلك القصد المستقيمَ .
قال عليه السلام : بابي انتم و امّي و نفسي و اهلي و مالي اجعلوني في همّكم و صيّروني في حزبكم و ادخلوني في شفاعتكم و اذكروني عند ربكم .
اقول قد تقدّم الكلام في شرح الزيارة علي قوله بابي انتم و امّي الخ ، يعني اَفْدٖيكم بابي و امّي و نفسي و اَهْلي و مالي مما تكرهون و هو دعاۤء منه [ص 325] و يجوز اَنْ يكون اِخْباراً اجْعَلوني في همّكم اي فيمن تعتَنُونَ به و تهتمّونَ به ممّن يكون علي بالكم في الدعاۤء و الامداد بالتّوفيق لما يُحبّ اللّه عز و جل و تحبّون من جميع ما تريدون منّي مما اَراده اللّهُ منّي بواسطتكم و في الشّفاعة لي عند ربّكم في ذنوبي و ايرادي الحوض في الدنيا و الٰاخرة و سَقْيي منه بكأسهم ( بكأسكم ظ ) و اِصْدَارٖي رَيّاناً و اِدْخالي الجنّة سالماً بشفاعتكم و جاهِكم عند اللّهِ تعالي و قوله و صيّروني في حِزْبِكم اجعلوني في المتوالين بِكم المُطٖيعين للّهِ و لكم المحبين لكم المُبْغِضٖين لِاَعْداۤئِكم و لاَوْلياۤئِهمْ اي انقلوني من حالة العموم الي حالةِ الخصوص من طاۤئفَتِكم و حزبِكم و جُنْدِكم الاَغْلَبِ و قوله و ادخلوني في شفاعتكم اي اجعلوني في جملة مَن تشفعونَ له مِنْ عُصَاةِ مُحبّيكم وَ مَوَاليكم المعتمدين عَلَي حبّكم الراجين شفاعتكم وَ اذْكُرونٖي عِنْدَ ربّكم اي اذكُرُوني في الشَّفَاعة بخُصوصي بِاسْمٖي و اسْم اَبٖي عندَ ربّكم لِتَخُصّوني بوجهٍ خاۤصٍّ بي منْ جاهِكم لانال الفَوْزَ ببركتكم و جاهكم عند اللّه سبحانه .
قال عليه السلام : اللّهمّ صلّ علي محمّد و آلمحمّد و ابلغ ارواحهم و اجسادهم منّي السلام و السلام عليه و عليهم و رحمة اللّٰه و بركاته و صلي اللّٰه علي محمّد و آله و سلّم كثيراً و حسبنا اللّٰهُ وَ نعْمَ الوكيل .
اقول قد تقدّم الكلام في بيان الصلوة علي محمد و آلمحمد صلي اللّه عليه و اٰله و امّا اللّهم فالمراد منه اللّه و هو مناديً اُلْحِقَ بالميم المشدّدة لطلب اقبال المدعوّ ليُسْأل منه المطلوب فاَفادت الميم المشدّدة شيئَيْن احدهما طلب الاقبال فاغنت عن حرف النداۤء لافادته مفادَهُ و ثانيهما الدلالة علي ان [ص 326] الطلب للسؤال منه حاجة الساۤئِل فاللهم مفيد فاۤئدة يا اللّه اَطلبُ منك حاجتي و هي كذا و يا اللّه انّما يفيد طلب الاقبال عليه و التوجّه اليه من غير افادة السؤال و لهذا يترجّح اللهم في ارادة المبالغة في الدّعاۤء علي يا اللّهُ و حذفت يا تخفيفاً بعد وجود ما يفيد مفادَها و ادخالها مع الميم المشدّدة قليل في الاستعمال فانّهم انما حذفوها تخفيفاً و كراهةً للجمع بين العوض و المعوّض و لقلّة فاۤئدتها لوجود فاۤئدتها في الميم و لاتوجد فاۤئدة الميم فيها و من اتي بها كما في قول الشاعر :
اني اذا ما حدثٌ اَلَمّا اقولُ يَا اللّهمّ يا اللّهُمَّا
قصدَ التأكيد في ارادة التوجه و الاقبال و لضرورة الشعر و لانه جمع بين يا و بين الميم بلحاظين بلحاظ الابتداۤء اَتي بيا و بلحاظ الدعاۤء اتي بالميم و قولي قليل في الاستعمال انه قياسي و لكن لاجل التخفيف غلب في الاستعمال الحذف و ليس فيه في الحقيقة جمع بين العوض و المعوّض لانّ الميم لميؤتَ بها للعوض عن يا و انّما اتي بها للمبالغة في طلب الاقبال و التنبيه عليها قبل ذكرها و لكنّها لمّا افادت فاۤئدة و هو طلب الاقبال و توجّه المدعوّ للدعاۤء استغنوا عنها طلباً للتخفيف و انّما قطعت الهمزة في يا اللّه لانّها و ان كانت علي الصحيح انها همزة وصل و لكنها للزومها للاسم طلباً لملازمة التعريف ليلحق بالاعلام بل هو اسم علم بالتغليب كما قال الصادق عليه السلام في تفسير بسم اللّه الرحمن الرحيم و اللّه علم علي الذّات الواجب الوجود الحديث ، كانت كالاصلية فعوملت معاملة همزة القطع لاجل لزومها و لاجل اَنّ استعمالها بصورة القطع ابلغ في الدعاۤء و طلب الاقبال من المدعوّ و توجّهه للداعي و هذا الوجه اوجه من غيره و لاجل هذا كانت توصل في غير النداۤء مثل باللّه و من اللّهِ و الي اللّهِ مع مراعاة الملازمة للتعريف [ص 327] و انّما وصلها الشاعر لضرورة الشعر .
و قوله عليه السلام : و ابلغ ارواحهم اي اَوْصِل ارواحهم و اجسادهم سَلامي و الارواح جمع روح بضم الراۤء سُمِّيت بذلك لمجانستها للريح في اللطافة كما قال الباقر عليه السلام لمحمد بن مسلم حين سأله ما هذا النفخ في قوله تعالي و نفختُ فيه من روحي و ما ورد عنهم عليهم السلام انّ روحهم واحدة لاينافي الجمع هنا لانّ الجمع باعتبار كل فرد منهم و الافراد باعتبار عدم الاختلاف و التغاير فيها لان جميع ارواحهم من حقيقة واحدة هذا في الشهادة و في الغيب انما هي واحدة كانت هناك واحدة من متعدّدين هنا كما كانت صورة المرئيّ الواقعة عليه من عيني الراۤئي واحدة من صورتين كل عين فيها صورة غير الاخري فَاِنّكَ اذا نظرتَ و قابلتَ المرئي انطبعت صورته في كلّ عينٍ فكانت فيك اي في عينيك صورتان فان شخّصتَ في المرئي اي تحقّقتَ الرؤية و الادراك انطبقتا عليه و ان لمتشخّص رأيته اثنين فكذلك هم في الاجساد متعدّدون كصورتي المرئي الواحد في عينيك و هم في الغيب متّحِدُون كالواقع علي المرئيّ من عينيك .
و اعلم ان الروح قد اختلف العلماۤء في معرفة حَقٖيقتها اختلافاً كثيراً ربّما عدّاها بعضهم الي اربعَةعشر قولاً او اكثر و الحق انّها جسم مجرّد و لونها اصفر و شكلها المعنوي صورة قاۤئم الزاوية هكذا
و صورتها قبل التكليف بالستُ بربّكم كهيئة ورق الٰاس هكذا
و لهذا ورد في اخبار اهل العصمة عليهم السلام تسميتها بورق الٰاس و بالاظلّة و هي في الغيبي للانسان كالمضغة في الوجود الجسماني شكلاً و رتبةً فالدعاوَي هنا خَمْسٌ اُشٖير لك الي بيانها علي جهة الاختصار من غير ذكر الدليل علي كلّ دعوي لان ذلك ممّا يطول [ص 328] ذكره و لو ذكرناه صعُبَ عليك ادراك المعني منه لانه لايذكر الّا بدليل الحكمة و امّا دليل المجادلة فلايفيد هنا شيئاً و ان كان بالبرهان القطعي فمن طلب هذه الامور بغير دليل الحكمة اخطأ الصواب و لميعلم اخطأ ام اصاب و امّا دليل الحكمة فان كنتَ عارفاً به فهمتَ مرادي بمجرّد الذكر و انتقش وجودها بفؤادك عن قلبِك في نفسِك و خيالك و ان لمتكن عارفاً به فلاتفهم شيئاً منها قطّ .
فاقول و باللّهِ المستعان الاول قولي انّها جسم فمن النقل قول الصادق عليه السلام انّها جسمٌ لطيفٌ اُلبِسَ قالباً كثيفاً و امّا من الحكمة فلانها جوهر لا عرض و هي مركبة من ماۤدةٍ و هو النور الاصفر و من صورة و هي هيئة ورق الٰاس و لانعني بالجسم الّا المركب من مادة و صورة فانه تلزمه الابعاد الثلاثة في كلّ شَئٍ بحَسبه و ايضاً لها حيّز من نوعها و هو ارض الورق الاخضر و لها وقتٌ من نوعها و هو الدّهر هي في وقتها و مكانها كفلك الثوابت في زمانه و مكانه هذا اذا اريد بالروح البرزخ بين العقل و النفس امّا اذا اُريدَ بها العقل كما في قوله صلي اللّه عليه و آله اوّل ما خلق اللّه روحي فكالعقل بل هي العقل او اُريدَ بها النفس كما تقول قبض ملك الموت روحَه فكالنفس بل هي النفس و العقل وقته اوّل الدهر كفلك المحدد للجهات زمانه اول الزمان و اعلاه و الطفه و النفس وقتها وسط الدّهر كالافلاك السبعة زمانها وسط الزمان في اللطافة و الكثافة و الروح ليست مفارقة كالعقل بل هي متعلقة بالعقل و لها نظر الي الاجسام بفعلها فهي في نفسها شكلها شكل الكرة كما هو شأن كلّ كاملٍ الّا انّها منجذِبةٌ باسفلِها الي جهة الاجسام و باعلاها الي جهة العقل فامتَدّ شكلها و لمّا كان اعلاها الطف من اسفلها لقربه من العقل كان امتداده دقيقاً للطافته و اسفلها لمّا كان غليظاً كثيفاً بالنسبة الي اعلاها [ص 329] لقربه من جهة الاجسام كان امتدادُه عريضاً فكان شكلها الصوري كهيئة ورق الٰاس كما مثّلنا لك فافهم .
الثاني قولي مجرّد فمن النّقل قول اميرالمؤمنين صلوات اللّهِ عليه كما رواه الشيخ عبدالواحد بن محمد بن عبدالواحد الاسدي في كتابه الغرر و الدرر قال عليه السلام و قد سُئِل عن العالم العلوي صُوَر عاليةٌ عن المواۤدّ عاريةٌ عن القوّة و الاستعداد تجلّي لها فاشرقت و طالَعها فَتلألَأَتْ و القَي في هُويّتِها مثالَهُ فاَظْهرَ عنها افعاله الحديث ، و اما من الحكمة فمرادُنا بانها جسمٌ مجرّد ما اَرادُوا يعني القاۤئلين بوجود المجرّدات من ان المراد بالمجرّد هو المجرّد عن المادة العنصريّة و المدّة الزّمانيّة لا المجرّد عن مطلق الماۤدة و مطلق الصورة فقول صاحب البحار رحمه اللّه في كتاب العقل بتكفير مَن اثبت مجرداً غير اللّه تعالي و نفي وجود هذا في الاخبار غفلةٌ منه لانّهم انّما ارادوا انه مجرّد عن الماۤدّةِ العنصرية التي هي تحت الافلاك و هو يقول به في كثير من المخلوقات منها الافلاك كلها و الكواكب كلها اجسام و هي مجردة عن المادة العنصريّة و كذلك الاعراض و الالوان و كذلك نور محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله خلقها اللّه قبل الافلاك و قبل العناصر و قبل الزمان كما تدل عليه الاخبار الكثيرة و كذلك كثير من الملاۤئكة و كذلك القلم و اللوح و العرش و الكرسي و غير ذلك و انكار وجوده في الاخبار وقع غفلةً كيف و قد اوردتُ لك قول اميرالمؤمنين عليه السلام صور عالية عن المواۤدّ عارية عن القوّة و الاستعداد و غير ذلك كما في كلامه عليه السلام للاعرابي الذي سَئَلَه عن النفس و حديث كميل و امثال ذلك فمن كتب اللّه له فهم ذلك عرف فايّ دليلٍ اصرح من هذا و قد رواه هو بنفسه .
الثالث قولي لونها اصفر فمن النقل ما في الكافي بسنده الي عمار بن مروان [ص 330] قال حدّثني من سمع اباعبداللّه عليه السلام في حديث طويل الي ان قال عليه السلام ثم يسلّ يعني ملك الموت نفسَهُ سَلّاً رفيقاً ثم ينزل كفنه من الجنّة و حنوطه من الجنّة بمسكٍ اذفر فيكفّن بذلكَ الكفن و يحنّط بذلك الحنوط ثم يكسي حلّة صفراۤء من حلل الجنّة الحديث ، و المراد بالمكسي حلّة صفراۤء من حلل الجنّة الرّوح و المعني ان الروح كان لونه اصفر انها بقرة صفراۤء فاقع لونها تسر الناظرين فلمّا دخلت في الجسد بعد ما تمّت خلقتُهَا كانت خضراۤء بسواد كثرة الحدود مع صفرتها فلمّا فارقت رجعت علي لونها و معني انّ ملك الموت يكسوها حلّة صفراۤء الكناية عن قبضها من الجسد و رجوعها علي لونها الاصلي و امّا من الحكمة فلانّ العقل نور ابيض كناية عن شدّة بساطته و الروح نور اصفر لانّه اوّل تنزّل العقل فلمّا نزل حصلت فيه كدورة النزول فانه في الروح كالنّطفة في الجسد في كمال البساطة و الروح في الغيب كالمضغة في الجسد و هي تنزّل النّطفة و اوّل تخلّق الصورة و اوّل التخطيط المعبّر عنه في حديث علي بن الحسين عليه السلام في انوار العرش و نور اصفر اصفرّت منه الصفرة و النور الابيض في حديثه هو العقل و نور اخضر اخضرّت منه الخضرة هو النفس لاجتماع صفرة الروح مع سواد الكثرة فحدث منهما الخضرة و النور الاحمر الذي احمرّت منه الحمرة نور الطبيعة لاجتماع بياض العقل مع صفرة الروح كاجتماع الزيبق مع الكبريت الاصفر فيحدث منهما الزنجفر فافهم .
الرابع قولي و شكلها المعنوي صورة قاۤئم الزاوية هكذا
ليس في ظاهر النقل فيما اطّلعت عليه شئ يدل علي ذلك و امّا في باطِنه فما من شئ الّا و فيه كتاب اَوْ سنّةٌ و علماۤء الفَنّ ذكروا هذا و هو مستفاد من اشارات الاخبار مثل ما ذكرنا من ان العقل يسمّي بالقلم و يسمونه بالالف القاۤئم [ص 331] كناية عن بساطته و صورته هكذا
و اللوح يسمي بالالف المبسوط و بالباۤء من بسم اللّه الرحمن الرحيم روي ابن ابيجمهور في المجلي عن النبي صلي اللّه عليه و آله انه قال ظهرت الموجودات من باۤء بسم اللّه الرحمن الرحيم و هي اللوح و سمي بالالف المبسوط عبارة عن الكثرة التي فيه من النقوش و الصور و صورته المعنويّة هكذا
و الروح لها اعتباران اعتبار كالعقل في كونه الفاً قاۤئماً و اعتبار كالنفس في كونها الفاً مبسوطاً فالروح صورته بينهما يعني بين
و بين
فيكون هكذا
.
الخامس قولي و صورتها قبل التكليف كما اشرنا اليه في الاوّل و هذا اقلّ ما يُشَار به الي ما ذكرنا من صفات الرّوح و يأتي له تتمّة في ذكر الاَجْساد . و قوله عليه السلام : و اجسادَهم و المراد المدفونة في القبور و قد تقدّم في شرح الزيارة الاشارة الي شئ من البيان و هي جمعُ جَسَدٍ و يطلق علي الاَجْسام او علي ما حلّته الروح و ذكرنا قبل الاختلاف هناك و الجسد جَسَدان جَسَدٌ عنصريّ بشريّ مركب من العناصر الاربعة الّتي هي تحْتَ فلك القمر و هذا يفنٰي و يلحق كلّ شئ الي اصله و يعود اليه عود ممازجة و استهلاكٍ فيعود ماۤؤه الي الماۤء و هواۤؤه الي الهواۤء و ناره الي النار و ترابه الي التراب و لايرجع لانه كالثوب يلقي من الشخص و الثاني جسد اصليّ من عناصر هُورقليا و هو كامِنٌ في هذا المحسوس و هو مركب الروح و هو الباقي في قبره مستديراً مترتّب الوضع كتَرَتُّبِهٖ في الشخص حال حَياته مثلاً اجزاۤء الرقبة بين اجزاۤء الرأس و اَجْزاۤءِ الصَّدْرِ و اَجْزاۤءُ الصدر بين اجزاۤء الرَّقبة و اجزاۤءِ البطن و اجزاۤءُ البطن بين اجزاۤء الصدر و اجزاۤء الرجلين و هكذا الاجزاۤء في انفسها مرتّبة و هو المراد من كونها باقية في قبرِهٖ مستديرةً فاذا كان يوم القيمة الّف اجزاۤء هذا الجسد الذي بدأه اوّل مرّة حتّي يكون بصورته [ص 332] في الدنيا ثم تتعلق به الروح فيقوم للحِساب و هذا الجسد هو الذي يتألّم و يتنعّم و هو الباقي و به يدخل الجنّة او النار و هو المراد هُنَا و ان كانَ لَهُ تصفية ثانية للٰاخرة لانّه ظاهراً من جنس البرزخ و هو جسدك هذا و قشره كثافته و هو الجسد العنصري البَشريّ الفَاني و هذا الجسد الثاني يقال عليه الجسم كما في بعض الزيارات يقال و السلام علي ارواحكم و اجسامكم و المراد بها الاجساد الباقية في القبور و هي من عناصر البرزخ المعبّر عنه بجنّة الدنيا و بنار الدنيا المشار اليهما في القرءان في قوله في جنّة الدنيا جنّاتِ عدنٍ التي وعد الرحمن عباده بالغيب انه كان وعده مأتياً لايسمعون فيها لغواً الّا سلاماً و لهم رزقهم فيها بكرةً و عشِيّاً و هذه جنة الدنيا لان الٰاخرة ليس فيها بكرة و عَشيٌّ ثم اخبر تعالي انّ جنّة الدنيا هذه هي جنّة الٰاخرة فقال تلك الجنّة التي نورثُ من عبادنا مَن كان تقِيّاً فاشار الي انّ هذه التي فيها بكرة و عشيّ هي الجنّة الّتي نورث من عبادِنا مَن كان تقياً اي يوم القيمة و في نار الدنيا في قوله و حاق بٰال فرعونَ سوۤء العذاب النار يعرضون عليها غدوّاً و عشِياً و يوم تقوم الساعة فاخبر انهم يعرضون عليها غدوّاً و عشيّاً و هذا في الدنيا و يوم تقوم الساعة في الٰاخرة فجنّة الدنيا هي جنّة الٰاخرة بعد التصفية و نار الدنيا هي نار الٰاخرة بعدَ التّذكية و بعد اذهاب ما فيها من برودة البرزخ و رطوبته و ذلك كما انّ جسَدك هذا هو جسد الدنيا و هو بعينه هو جسد الٰاخرة بعد التصفية و هو لطيف اسفله في اللطافة مُسَاوٍ لمحدّب محدّد الجهات في اللطافة فافهم . و امّا الروح الّتي يقبضُهَا ملك الموت فهو الانسان و قلنا انها جسم لطيف لانّها مركّبة من ستّة اشياۤء مثال و هيولي و طبيعة و نفس و روح و عقل فاذا اخذَها الملك ارسلها في ذلك العالم و تبقي ساهرة لاتنام كما قال جعفر بن [ص 333] محمد عليه السلام في قوله تعالي فانما هي زجرة واحدة فاذا هم بالساهرة فان كان ممن محض الايمان محضاً او محض الكفر محضاً بعث في الرجعة ثم يموت او يقتل فاذا مات او قتل رجع الي الساهرة الي ان ينفخ في الصور فاذا نفخ اسرافيل في الصور نفخة الصعق جذبَ بنفخته الارواح كل روح الي ثقبها الذي خرجت منه من الصور حين نفخ الحيوة في الدنيا و في ذلك الثقب ستّة بيوت يدخل في الاوّل المثال و في الثاني جوهر الهباۤء الذي هو الماۤدّة و الهيولي و في الثالث الطبيعة و في الرابع النفس و في الخامس الرّوح و في السادس العقل فتبطل الارواح و ذلك بين النفختين اربعمائة سنةٍ فاذا نفخ اسرافيل في الصور نفخة البعث دفعت النفخة العقل حتي دخل في الروح و دفعتهما حتي دخلا في النفس و دفعت الجميع حتي دخلت في الطّبيعة و دفعت الجميع حتي دخلَتْ في المثال فقامت سَوِيّةً و طارت حتي دخلت الروح في الجسَدِ و مجموع هذه الستة ثلاثةٌ منها هي جِسمٌ مجرّد و هو مجموع النفس و الطبيعة و الماۤدّة و المثال صورته و العقل روحه في الرّوح و هذا الجسم اللّطيف يلحقه بعض التّصفية في جهة الطبيعة و الماۤدة فيلقي منها عند النَفخة الثانية الجسم الثاني بالتّصفية لانه بَشَريّةٌ برزخيّة لاتلحق بذاتِ المكلّف لانها من احكام الرتبة كما انّ الجَسدَ العنصري من احكام الدُّنيا وَ لَوازمها فلايخرج منها كذلك الجسم الاوّل البرزخيّ فانه من احكام البرزخ فلايخرج منه و لاتخرج الرُّوحُ من الصور الّا بعد ان تتصفّي من كدورات الطبيعة و الماۤدة و هذه الكدورات هي الجسم الاوّل الّذي لايلحق بالانسان فكان الجسد جَسَدينِ الاوّل فانٍ في الدنيا و الثّاني باقٍ ابداً و لِلروح المقبوضة جسمان الاوّل فانٍ في البرزخ و الثاني باقٍ ابداً و مثال الاوّل من الجسدين و من الجسمين كالوسخ المتعلّق بالثوب يُغسل الثوب فيذهب الوسخ لا حاجة فيه [ص 334] و لا فاۤئدة بل فيه تنقٖيص الثوب في لونه و قيمته فاذا ازيل طهر الثوب وَ زَكا فقوله و ابلغ ارواحهم و اجسادهم يريد الارواح و الاجساد الباقية التي هي الانسان لا ما لحقه مما ليس منه حقيقة و انّما لحقه بحكم المكان و ذلك لانّ هذا اللّاحق لايشعر بلذّةٍ و لا الَمٍ و ليس من الانسان و اعلم اَنّ ما اشرنا اليه هو الرّوح و الجسد الجزئيّان و المراد في الوداع و في الزيارة هما الكلّيّان و ذلك في المعصومين من اهل بيت محمد صلّي اللّه عليه و آله و ليس المراد بالكلّي و الجزئي الكلّي و الجزئي اللَّذَان يبحث عنهما الحكماۤء و العلماۤء في كتب المنطق و ما اشبهه لانّ ذلك الكلّي معني ذهنيّ ظِلّي منتزع من افراده الخارجة حين لاحظ الذهن في الافراد معني تساوت فيه اخذ صورته عنده يحكم به عليها في علمه باعتبار ما اشتملت عليه منه وَ اَمّا هذا الكلّي فالمراد منه الذّات القاۤئمة التي لها امثال و صفاتٌ من ظهوراتها قامت تلك الامثال بتلك الذات الشريفة كقيام الاشعّة و اظلّتها من الشمس بالشمس فارواح الانبياۤء و المرسلين عليهم السلام اشعة ارواح محمد و آله صلّي اللّه عليه و آله و امثلتُها و مظاهرها و ارواح المؤمنين اشعّة ارواح الانبياۤء و المرسلين فارواح المؤمنين اشعّةُ اشِعّةِ ارواحهم صلي اللّه عليهم اجمعين و باقي الكلام قد تقدّم الكلام عليه في شرح الزيارة و لنقبض عنان القلم علي ما اراد اللّه سبحانه لنا من اثبات ما حصل من شرح الزيارة الجامعة الكبيرة و شرح وداعها و الحمد للّه رب العالمين جعله اللّه زاداً ليوم الدين و نفع به طالبي البيان و اليقين من عارفي المؤمنين .