و قوله عليه السلام : لمّا استوهبتم ذنوبي و كنتم شفعائي قال الشارح المجلسي رحمه اللّه لمّا مشدّدة بمعني الّا اي لايقع منكم شئ الّا استيهاب ذنوبي منه تعالي او مخفّفة و اللام لتوكيد القسم و ما زاۤئدة للتأكيد انتهي .

اقول يعني رحمه اللّه بقوله لايقع منكم شئ انّه حيث ثبت انّ المأٰب اليكم و الحساب عليكم كما رواه البرقي في كتاب الٰايات عن ابي‌عبداللّه عليه السلام ان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قال لاميرالمؤمنين عليه السلام يا علي انت ديّان هذه الامّة و المتولّي حسابَها و انت ركن اللّهِ الاعظم يوم القيٰمة الا و ان المأٰب اليك و الحساب عليك و الصراط صراطك و الميزان [ص 259] ميزانك و الموقف موقفك ه‍ ، و اني ارجع اليكم و انتم تحاسبوني فتجاوَزوا عنّي و لاتناقشوني و استوهبوا ذنوبي من اللّهِ تعالي و ما كان للٰادميّين عليَّ فعوّضوهم عن حقوقهم فانّ اللّه سبحانه قد جعل لكم الدنيا و الٰاخرة فاشفعوا لي في حطِّ التبعات عني و رفع درجاتي و هذا الدعاۤء الذي سألهم الزاۤئر انّما سألهم اعتماداً علي ولايتهم و محبتهم و وعدهم محبّيهم بذلك عن امر اللّه تعالي بانّ اللّه تعالي ملّكهم كما تقدّم و اذن لهم في الشفاعة فيمن شاۤؤا و اخبروا شيعتهم بذلك و وعدوهم بالشفاعة علي اللّه تعالي و اللّه منجزٌ لهم ما وعدهم فاقسم محبهم و زاۤئرهم عليهم بمن ملّكهم و وعدهم و انجز لهم و امرهم بان يبشّروا محبّيهم بذلك و ذلك ما ذكرُوه في اخبارهم مما لايكاد يحصي و منه ما رواه الكراجكي في الكنز باسناده الي محمد بن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده عليهما السلام في قوله عز و جلّ انَّ الينا ايابهم ثم انّ علينا حسابهم قال اذا كان يوم القيمة وكّلنا اللّه بحساب شيعتنا فما كان للّه سألناه ان يهبه لنا فهو لهم و ما كان لمخالفيهم فهو لهم و ما كان لنا فهو لهم ثم قال هم معنا حيثُ كنا و فيه باسناده الي عبداللّه بن سنان عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال اذا كان يوم القيمة وكّلنا اللّه بحساب شيعتنا فما كان للّه سألناه ان يهبه لنا فهو لهم و ما كان للٰادميّين سألنا اللّه ان يعوّضَهم بدلَهُ فهو لهم و ما كان لَنا فهو لهم ثم قرأ انّ الينا ايابهم ثم انَّ علينا حسابهم ه‍ ، و قد تقدّم و امثالها كثير و في مناقب ابن‌شاذان محمد بن احمد باسناده الي ابي‌ذر رضي اللّه عنه قال نظر النبي صلّي اللّه عليه و آله الي علي بن ابي‌طالب عليه السلام فقال هذا خير الاوّلين و الٰاخرين مِن اهل السموات و الارضين هذا سيّد الوصيّين و امام المتّقين و قاۤئد الغر المحجّلين اذا كان يوم القيمة جاۤء عليٌّ علي ناقةٍ من نوق الجنّة قد اضاۤءت القيمة من ضوءها و علي رأسه تاج مرصَّعٌ بالزبرجد و الياقوت [ص 260] فتقول الملاۤئكة هذا ملكٌ مقرّب و قال النبيون هذا نبي مرسل فينادٖي منادٍ من بُطنَان العرش هذا الصّدّيقُ الاكبر هذا وصيُّ حبيب اللّهِ هذا علي بن ابي‌طالب فيقف علي متن جهنّم فيخرج منها من يحب و يدخل فيها مَن يبغض و يأتي ابواب الجنّة فيدخل اولياۤءَه الجنّة بغير حسابٍ ه‍ ، فقوله لمّا استوهبتم ذنوبي عزيمةٌ من الساۤئل المتوجّه اليهم المقسم عليهم بمن ائتمنهم علي سرّه فملّكهم ما شاۤؤا وَ استرعاهم امر خلقه بحيثُ رجع الامْرُ كُلُّه اليهم و قرن طاعتهم بطاعته فينقاد لهم كلّ شئ و في ذكر هذه الاوصاف في القَسم عليهم تنبيه علي انّ سؤاله علي جهة العزيمة عليهم لانّه ارادَ منهم ما يقدرون عليه و وعَدُوا به و امرهم اللّهُ به و اذِنَ لهم علي ما يرونه مما دلّهم سبحانه عليه فيكون كالالزام و ان كان سؤالاً و هو يقتضي خلاف العزيمة لكنه لما قُلنا يطالبهم بحقّ الوعد الذي امرهم اللّه به علي جهة التفضّل و لهذا اتي بلَمّا فانّها عَلي التشديد و ان كانت بمعني اِلّا لكنّها اخصّ منها لارادة العزيمة علي المسئول منها و الّا قد لايراد منها ذلك و علي التَّخْفيف تكون اللام مفيدةً للعزيمة لانّها مؤكدة للقسم و ما و ان كانت صلةً لكنها انّما زيدت لتأكيد ما اكّدتْهُ اللّام .

و قوله عليه السلام : و كنتم شفعاۤئي قد تقدّم معني ذلك و تقدّم الكلام في الشفاعة و بقي معني للشفاعة ينبغي التنبيه عليه علي جهة الاشارة فاقول انّ الشفاعة الّتي يراد منها بذل الجاه في اسقاطِ حقٍّ عن مطلوب به اوْ رَفع دَرَجةٍ له كثيراً ما تكون منهم عليهم السلام لشيعتهم في الدنيا بالدعاۤء لهم بالتوفيق للطّاعة و العمل الصّالح و بِالتّسديد لهم للحق و الاصابة للصواب من العلوم و الاعتقادات و طلب الحلال في المعاش و غير ذلك و كلّ هذه و امثالها من افراد الشفاعة فانّهم اذا ارادوا نجاة محبّهم من النار توجّهوا الي اللّه تعالي و استوهبوه حقوقه التي عند محبّهم [ص 261] و سألوه ان يعوّض طالب الحق عندهم عن حقّه و مثل هذا قد تكون موازين محبّهم خفيفةً لقلّة حسناته او عدمها فيهبونه من فاضل حسناتهم ما يثقل به موازينه و بالدعاۤء لهم في الدنيا و الاستغفار لهم من ذنوبهم كما دلّت عليه آثارهم بانّهم عليهم السلام تحمّلوا عن شيعتهم و محبّيهم ذنوبهم كما في قوله تعالي انّا فتحنا لكَ فتحاً مبيناً ليغفر لك اللّه ما تقدّمَ من ذنبِك و ما تأخّرَ ، ففي مجمع البيان و تفسير علي بن ابراهيم عن الصادق عليه السلام انّه سُئِل عن هذه الٰاية فقال ماكان لَهُ ذنبٌ و لاهَمَّ بذنبٍ و لكن اللّه حمّله ذنوبَ شيعته ثم غفرها له و في المجمع عنه عليه السلام انّه سُئِل عنها فقال واللّهِ ماكان لَهُ ذنبٌ و لكن اللّه سبحانه ضمن له ان يغفر ذنوب شيعة علي عليه السلام ما تقدّم من ذنبهم و ما تأخّر ه‍ ، و انّما فعلوا ذلك مع شيعتهم لانّهم خلقوا من فاضل طينتهم و انّما لحقتهم الذّنوب من لطخ اعداۤئهم فلمّا كانوا منهم و منسوبين اليهم في الذوات و الصفات و الاعتقادات و الاعمال و الاقوال حتي انّ اعداۤءهم عادوا شيعتهم و سعوا اليهم بكل مكروه بغير سببٍ سوي انتسابهم للائمة عليهم السلام و متابعتهم لهم وجب عليهم صلي اللّه عليهم اعانتهم و نصرتهم و نجاتهم بكلّ وجهٍ من الدعاۤء و العناية بهم و تحمّل الذنوب عنهم و الشفاعة لهم في الدنيا و الٰاخرة و قد مضي كثير من اخبارهم يدلّ علي هذا المعني المشار اليه و من ذلك ما رواه في البحار من كتاب رياض الجنان لفضل‌اللّه بن محمود الفارسي بسنده عن المفضّل بن عمر عن ابي‌عبداللّه عليه السلام انه قال انّ امرنا صعبٌ مستصعب لايحتمله الّا صدور مشرقةٌ و قلوب منيرة و افئدةٌ سَليمةٌ و اخلاق حسنة لانّ اللّه قد اخذَ ( لنا ظ ) علي شيعتِنا الميثاق فمن وفي لنا وفَي اللّهُ له بالجنّةِ و مَن ابغضَنا و لم‌يؤدِّ الينا حقّنا فهو في النار و انّ عندنا سرّاً من اللّهِ ماكلّف اللّه به احداً غيرنا [ص 262] ذلك ثم امرَنا بتبليغه فبلّغناه فلم‌نجد لَهُ اهلاً و لا موضعاً و لا حَمَلةً يحملونه حتّي خلق اللّه لذلك قوماً خُلِقوا من طينة محمّدٍ و ذرّيّته صلي اللّه عليه و آله و من نورهم صنعهم اللّهُ بفضل صنعِ رحمته فبلّغناهم عن اللّه مَا امرَنا فقبلوه و احتملوا ذلك و لم‌تضطرب قلوبهم و مالت ارواحهم الي معرفتنا و سرّنا و البحث عن امرِنا و انّ اللّه خلق اقواماً للنار و امَرنا ان نبلّغهم ذلك فبلّغناه فاشمأزت قلوبهم منه و نفروا عنه و ردّوه علينا و لم‌يحتملوه و كذّبوا به و طبع اللّه علي قلوبهم ثم اطلقَ السنتهم ببعض الحق فهم ينطقون به لفظاً و قلوبهم منكرة له ثم بكي عليه السلام و رفع يديه و قال اللهم انّ هذه الشرذمة المطيعين لامرك قليلون اللهم فاجعل محياهم محيانا و مماتهم مماتنا و لاتُسلِّط عليهم عدوّاً فانّك ان سلّطتَ عليهم عدوّاً لن‌تُعْبَدَ ه‍ ، فتدبّر فيما قال و في دعاۤئه فانّه يستشفع الي اللّه فيهم في محياهم و مماتهم و اَلّايُسلِّطَ عليهم عدوّاً يهلكهم بالقتل كساۤئر الظالمين و لايهلكهم بالكفر و الضلالة كالشياطين من الانس و الجن فافهم .

قال عليه السلام : فاني لكم مطيع مَنْ اطاعكم فقد اطاع اللّٰه و من عصاكم فقد عصي اللّٰه و من احبّكم فقد احبّ اللّٰه و من ابغضكم فقد ابغض اللّهَ .

اقول قوله فانّي لكم مُطيع يريد انه تجب لي الشفاعة و استيهاب ذنوبي لاجل طاعتي فجعل طاعته لهم علّة لاستيهاب الذنوب و الشفاعة له فيها اوْ مطلقاً اوْ انّ قوله فاني لكم مطيع استعطافٌ اَرْدفَ القسم عَلَيْهم به للتّأكيد فيه فعلي العلّة يكون فيه استنجاز لما وعَدوا به مَن اطاعهم و احبّهم من تحمّل الذنوب عنه و الشّفاعة له كما تكرّم به سبحانه و تعالي عليهم عليهم السلام من الاذن في الشفاعة لمن احبّهم و اطاعهم و الاذن في تحمّل الذنوب عنهم و غفرانها لهم عليهم السلام و الاذن لهم في وعدِهم شيعتهم بذلك فهو بعد [ص 263] ثبوت طاعته طالبُ حقٍّ اوْ كطالبِ حقٍّ ثمّ اخبر اني قد اطعتُ اللّه تعالي بطاعتكم و من اطاع اللّه تعالي فقد وفي بعهد اللّه و اللّه عز و جل قد تكرّم و تفضّلَ عَوْداً كما تكرّم و تفضّل بدءاً فقال و اوفوا بعهدي اوف بعهدكم و قال و مَن اوفي بعهده من اللّه و احببتُ اللّهَ بحُبِّكم و اتّباعكم و مَن احبّ اللّه فقد وعده اللّه بغفران ذنوبِهٖ فقال تعالي لنبيّه صلي اللّه عليه و آله يبلّغ عنه ان كنتم تحبّون اللّه فاتّبعوني يُحْببكم اللّه و يغفر لكم ذُنوبَكم و حيث قام بشروط الشفاعة و غفران الذنوب من اتّباعهم و محبّة اللّه تعالي بحبّهم و طاعة اللّه بطاعتهم كان طالبَ حقٍّ اوجبه اللّه تعالي علي نفسِه تفضّلاً و اوجبه عليهم تشريفاً لهم و تكريماً و تنويهاً بهم و رفعاً لدرجتهم فهو طالبُ حقِّ الوعدِ وَ العهد و الكرم و الجزاۤء او كطالبِ ذلك لانّ الوعد و العهد و الكرم و الجزاۤء انّما وجبَتْ له وجوب تفضّلٍ و رحمة و كرم لا وجوب استحقاقٍ و ان سمّاه بذلك كرماً في كرم فقال تعالي جزاۤءً بما كانوا يعملون فانما هو كما في الدعاۤء بعد ركوع الوتر و جعل ما امتَنَّ به علي عباده كفاۤءً لتأديةِ حَقِّهٖ و علي الاستعطاف فهو سؤال معنويٌّ ثانٍ و قوله اني لكم مطيع اذا صدر عن غير المعصوم فلا بدّ من صرفه عن الحقيقة امّا بان يراد من الطاعة العزم عليها او التندّم علي ما فاته منها او التشوّق اليها و رؤية انّها اُمنِيّة المتمنّي لو ساعَدَ الحظّ او يراد بها بعضها كما اشار اليه سبحانه و تعالي بقوله فمن يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا كفران لسعيه و انّا له كاتبون او المحبّة بالفؤاد و القلب و الخيال و اللسان او الولاية لهم او البراۤءة من اعداۤئهم بالفؤاد و القلب و الخيال و اللسان او الاعتراف عند نفسه بالتقصير في طاعتهم او الاعتراف بالفؤاد و القلب و الخيال و اللسان بان الحق لهم و معهم و فيهم و بهم الي غير ذلك ممّا قد يسمّي طاعةً معتبرة لعدم وجود منافٍ اقوي كما في المنافقين [ص 264] فانّهم يتلفّظون بالشّهادتين بالسنتهم و قلوبهم منكرة و هم مستكبرون لانّ الانكار القلبي اَقْوَي من الاقرار اللفظي فانَّ طاعة المنافقين و ان كانت تسمّي ايماناً كما يدلّ عليه قوله تعالي يا ايّها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لاتفعلون كبر مقتاً عند اللّهِ اَنْ تقولوا ما لاتفعلون و ذلك لان اللفظ ايمان و ان خالفه القلبُ كما قال تعالي و لذا قالَ كبر مقتاً عند اللّه ان تقولوا ما لاتفعلون و يسمّي عملاً ايضاً و هو قول الصّادق عليه السلام كما في الكافي بسنده الي جميل بن درّاج قال سألتُ اباعبداللّه عليه السلام عن الايمان فقال شهادة ان لا اله الا اللّه و انّ محمّداً رسول اللّه قال قلتُ اليس هذا عمل ( عملا ظ ) قال بلي قلتُ فالعمل من الايمان قال لايثبت له الايمانُ الّا بالعمل و العمل منه ه‍ ، الّا انّها لمّا كان القلب مخالفاً لما يقول و لما يعمل لم‌يعتبر ذلك الايمان و لا تلك الطاعة لقوّة المنافي لهما و هو الانكار القلبي لانّهما لم‌يقعا منه علي الوجه المأمور به و لا المسكوت عنه و لا المباح له بل وقعا علي الوجه المنهي عنه فاذا فعل ذلكَ قيل له كذبتَ مثل ما كذّب اللّه سبحانه المنافقين في شهادتهم بان محمداً رسول اللّه مع انّهم يعلمون ذلك و يصدّقونه صلي اللّه عليه و آله فيما ادّعاه من النبوّة و الّا لكانوا معذورين اذ ليس علي العباد ان يعلموا حتّي يعلّمهم اللّه و النّاس في سعةٍ ما لم‌يعلموا و لهذا قال تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلماً و علوّاً و قال تعالي فانّهم لايُكذِّبونكَ و لكنّ الظالمين بٰاياتِ اللّهِ يجحدون و مع هذا كذّبهم فقال و اللّه يشهد ان المنافقين لكاذِبُون لانّ العلم و المعرفة و الاستيقان و العمل بغير الباعث القلبي علي ما يفعله للحق الواقع و الاخلاص للّهِ لايسمّي ايماناً نافعاً و لا طاعةً معتدّاً بها و امّا اذا كان الباعث علي مقتضي العلم و المعرفة و الاستيقان ذاتيّاً من القَلْبِ فلا بُدّ ان يقع من اللسان و الاركان شئ من اعمالهما ما يكون [ص 265] مُصدِّقاً لهما وَ لباعِثهما فاذا وقع تحقّقت الطاعة و كان ما وقع من المعاصي منه غير منافٍ لتلك الطاعة لانّ الباعث الذاتي لايرد من مقام واحدٍ متغايراً فان وقعت طاعة من الفؤاد قبلت و اعتدّ بها و كانت موجبةً لقبول الاعمال و غفران الذنوب و لدخول الجنّة كما قال تعالي فمن يعمل من الصالحات اي بعض الصالحات و هو مؤمن فلا كفران لسعيه و انّا له كاتبون لان الفؤاد اعلي مشاعر الانسان و اقربها الي اللّه تعالي و اوّل ما خلقه اللّه من الانسان و هو حقيقته من ربّه و هو المعبّر عنه بالوجود و بالنور الذي خلق منه و بنور اللّهِ الذي ينظر به المؤمن و يتفرّس به و اذا صدرت عنه طاعة لم‌يتوسط بينها و بين الفؤاد باعث منافٍ لانها انما صدرت عن العقل من الفؤاد و العقل متوسط موافق و داعٍ معينٌ لمراد الفؤاد و اذا صدرت عنه قبلت و اذا قبلت دخل الجنّة و ان وقعت منه معاصٍ فَبواعثُها من دون ذلك فهي لاتحبط ما فوقها و ما لاتصل الي رتبتها و مقامها و في الكافي و التهذيب و الفقيه عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال من قبل اللّه منه صلوة واحدة لم‌يعذّبه و من قبل منه حسنةً لم‌يعذّبه ه‍ ، و هو صريح فيما ذكرنا عند من له قلب فالقبول علامة الذّاتية و لو كان المنافي ذاتياً لم‌يقبل منه صلوة و لا حسنة و الدليل علي هذا ما ثبت ان مَن قبل اللّه منه صلوة لم‌يعذّبه كما تقدم في هذا الحديث المذكور في الكتب و قد تلقّته العلماۤء بالقبول لم‌يتوقّف فيه من عرفه و ما ثبت انّ السّرّ في صلوة الجماعة انها بحكم بيع الصفقة فاذا قبلت صلوة واحد من الجماعة قبلت صلاتهم جميعاً لان اللّه تعالي اكرم من ان يأمر العبد بعملٍ و يأتي به كما امره و لم‌يقبله فاذا قبلَهُ في الجماعة قبل مَن معه فان اللّه تعالي اكرم من ان ينهانا عن تبعيض الصفقة وَ يبعّض هو فكما امرنا عند وجود العيب في بعض المبيعات المتعدّدة صفقةً امّا بقبول الجميع او ردّ الجميع [ص 266] فهو اولي بالجميل فمن قبل صلاته في الجماعة لم‌يجز في كرمه ان يقبلها و يردّ الباقي لانه تبعيض للصفقة التي امرنا بها و قد علم من ضرورة مذهب المسلمين انّ رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله ممّن اتي بما امره اللّه به كما امره و انه قد قبل صلاته كل مرّة لايشكّ فيه الّا كافر و كان المنافقون داۤئماً يصلّون معه فيلزم من هذا انّ صلاتهم مقبولة و قد ثبت انّ من قبلت منه صلوة لم‌يعذّبه اللّه مع انه تعالي قال ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار لان المنافي للقبول ذاتي يعني انّه صادر عن ماهيّتِهٖ فلايكون ما فعله عملاً ليدخل في الصفقة بل هو ليس شيئاً لعدميّة اصله كما قال تعالي و مثل كلمة خبيثةٍ كشجرةٍ خَبيثةٍ اجْتُثَّتْ من فوق الارض ما لها من قرار فقوله اجتثّت اشارة الي عدميّة اصلها فان اصلها الماهيّة الّتي ماشمّت راۤئحة الوجود الّا بالعرض و معني هذا علي المذهب الحق انّ الماهيّة و ان كانت موجودة في الخارج الّا انّها وجدت بايجادٍ عرضي اي انها لمّا كان الوجود يحتاج في تقوّمه في الظهور اليها وجدت لاجل تقوّمه لا لنفسها اذ لا خير فيها لنفسها فهي موجودة بالعرض اي لاجلِ الوجود اذ لولا منفعته لم‌توجد هذا هو المراد بالايجاد العرضي و وُجدت من نفس الوجود من حيث نفسه لانّها انفعاله و هذا هو المراد من عدمية اصلها وجدتها و قومها يسجدون للشمس من دون اللّه لانّها لاترجع الي الوجود من حيث ربّه فهي شجرة مجتثّة اي مجتثة الاصل ما لها من قرارٍ و لهذا كان ما صدر عنها من الاعمال ليس شيئاً بمعني الثبات قال اللّه تعالي و الذين كفروا بربّهم اعمالهم كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمأٰن ماۤء حتّي اذا جاۤءه لم‌يجده شيئاً و ان كان شيئاً في نفسه غير ثابت الاصل لأنّ السراب في نفسه شئ و لكن كونه ماۤء يروي الظمأٰن ليس شيئاً قال تعالي و وجد اللّهَ عنده لانه في نفسه شئ فوفّاه حسابه كما ان الظمأٰن يحسَبُ السَّراب ماۤءً [ص 267] حتّي اذا جاۤءَهُ لم‌يجده شيئاً ممّا حَسِبَهُ و وَجَد اللّهَ عند السّراب فوفّاه حسابه من مقتضي السّراب و هو اَنَّهُ يُمٖيتُه ظَمَأً فقَوْلُهُ عليه السلام فانّي لكم مطيع لا بدّ ان تكون هذه الطاعة المشار اليها صادرة عن احد هذه الامور التّسعة و عن ما اشبَهها لانّ ذلك هو الّذي يصدر عن الفؤاد و لا رَيْبَ اَنَّ شيئاً منها معتبرٌ فيلحظ فيه احد الوجهين التّعليل او الاسْتعطاف .

قال عليه السلام : اللّٰهُمَّ انّٖي لَوْ وَجدْتُ شُفَعاۤء اَقْربَ اليك من محمّدٍ وَ اَهْل بيته الاَخْيار الائمة الابرار لجَعَلْتهم شفعاۤئي .

يقول اللهمّ انّك خَلقتَني و ابْتدأتَنٖي بِنِعمِكَ و اوّل نعمك عليّ و اجلُّها و اَشْرَفُها ما عرّفتَني من نَفْسِك و مِنْ رَسُولِك و اولياۤئك و وفّقتَنٖي لطاعَتِك و طاعة رسولك و اَوْلياۤئِكَ و عرّفتَني مقامَهُمْ منك حتّي جعلتهم ظاهرك في عبادك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان و معانيك و اركاناً لتوحيدِك و آياتِك و بُيوتَك و ابوابك و حججك علي خلقك و اخذتَ لهم الميثاق علي من خلقتَ و قَرنْتَ طاعتهم بطاعتِك و لم‌تقبل الاعمال الّا بولايتهم و محبّتهم و طاعتهم فلمّا اوجدتَني ذلك وجَدْتُ بايجادك ايّايَ ذلك انّه لايكون شفعاۤء اقربَ اليكَ من محمد و اهل بيته الاخيار الّذين هم العامِلُونَ بالخيرات و افعالهم و اقوالهم و اعمالهم و علومهم و فروعهم الخيرات و هم الّذين يُسارعون في الخيرات و هم لها سَابقون و الاخيار جمع خيّر بالتشديد فاعل الخير و بالتخفيف الفاضل في الخير كالعلم و العمل و الاخيار ضدّ الاشرار جمع شرير فاعل الشرّ و جمع شرّ و هو البالغ في الشرّ فهم عليهم السلام الاخيار قال تعالي انّ الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات اولۤئِك هم خير البريّة جزاۤؤهم عند ربهم جنّاتُ عدنٍ تجري من تحتها الانهار خالدين فيها [ص 268] ابداً رضي اللّه عنهم و رضوا عنه ذلك لمن خشي ربّه و اعداۤؤهم الاشرار قال تعالي انّ الّذين كفروا من اهل الكتاب و المشركين في نار جهنّم خالدين فيها اولۤئك هم شرّ البريّة ، و الائمة جمع امام و هو من يؤتمّ به و تقدّم الكلام فيه الابرار جمع بَرّ بفتح الباۤءِ اي الصّادق او الذي عادته الاحسان او الولي للّٰهِ تعالي فالابرار علي الاوّل الصادقون مع اللّه تعالي في جميع المواطن فانّ اللّه سبحانه منذ خلق انوارهم قبل الخلق بالفِ‌الفِ دهرٍ الَي اَنْ قبضهم اليه مكرّمين لم‌يفقدهم حيث امرهم اوْ احَبَّ و لم‌يجدهم حيث نَهاهُمْ اَوْ كَرِهَ ، وَ عَلَي الثاني هم الّذين استقرّت حقاۤيقهم علي وجهٍ واحدٍ و هو وجه افئدتهم و قلوبهم فلا اعتبار لهم في شئ من احوالهم الّا من جهة افئدتهم في ما يتعلق بالمعارف او من جهة قلوبهم في العلوم و الاقوال و الاعمال او من نفوسهم المطمئنّة فيما يتعلّق و يرتبط بالابدان من المأٰكل و المشارب و المناكح و غير ذلك بتعليم عقولهم او نفوسهم الراضية فيما يناط بالعبوديّة او نفوسهم المرضيّة فيما يناط بالولاية و النّيابة او نفوسهم الكاملة فيما يناط بالقطبيّة الكليّة و العقل وسط الكل في هذه النفوس فلمّا استقامت حقاۤئقهم علي هذه الاحوال المرضيّة و طباۤئعهم التي عادتُها و مقتضاها الجميل و الاحسان ضعُفت الجهة المخالفة فيهم للاعمال المرضيّة لعدم التفاتهم اليها بحالٍ و اضمحلّت حتّي لم‌يبق منها الّا ما يتحقّق به كونهم و اختيارهم صلّي اللّه عليهم فلذا كانت عادتهم الاحسان كما تقدّم في هذه الزيارة الشريفة ، و علي الثالث هم الذين ذكرهم سبحانه في مفهوم قوله تعالي و لم‌يكن له وليّ من الذّلّ اي لم‌يكن له عين ناظرة في عباده و عضدٌ لخلقه و لسان يخاطبهم به و اذن واعية لنجواه و نجويهم و ترجمان يعبّر عن وحيه من عجزٍ او جهل او عدم احاطةٍ او حاجةٍ او لغوبٍ في صنعٍ و غير ذلك بل جعل له [ص 269] ذلك من عزٍّ و تكرّمٍ و عدم استطاعة تلقّي احدٍ منه تعالي غيرهم كما يتكرّم الملِك عن سياسةِ خيله و كنس بيته و طبخ طعامه و غير ذلك من خدمة بيته و مملكته مع قدرته علي مباشرة هذه و لٰكنه يتكرّم عن ذلك و للّهِ المثل الاعلي فهم اولياۤؤه علي خلقه تكرّماً لذاته و لطفاً بضعفاۤء خلقه فلمّا اوجدتَني يا الهي ما انعمتَ به عَليَّ من معرفة مقامهم عندك و مكانهم منك لم‌اجِدْ شُفعاۤء اقْرَبَ اليهم منك فاستشفَعْتُ بهم اليك و قد اخبرتني انا و جميع خلقك علي اَلْسُنِ انبياۤئك و رسلك و اولياۤئك و دُعَاتِك بانه ليس احد من خلقِك اقربَ اليك منهم و انّك لاتردّ ساۤئلاً سألك بهم و لا مستشفِعاً استشفعَ اليك بهم علي ما هو عليه و قد دعوتَ عبادَك الذين عصوك و خالفوا امرك و نهيك و استوجبوا غضبك و سخطك ان يلجأوا اليهم و يعوّلوا عليهم فانّهم عليهم السلام يجيرون عليك باذنك عن غضَبك و سخطك و دعوتهم اليهم و اخبرتهم بانهم عليهم السلام ابواب رحمتِك و رضاك فمَن رجاهم و لجأ اليهم دخل في رحمتك و رضاك و انْ كان عاصياً لامرك و نهيك و قد تقدّم كثير من الاحاديث الداۤلّة علي هذه الامور و المعاني المذكورة ، و ممّا يدلّ من احاديثهم علي انه تعالي جعلهم ظاهره في خلقه ما رواه محمدباقر المجلسي بالوجادة و هو مذكور في كتاب انيس السمراۤء و سمير الجلساۤء في حديث جابر بن يزيد الجعفي عن علي بن الحسين عليه السلام في حديث الخيط الاصفر و هو طويل الي ان قال يا جابر اثبات التوحيد و معرفة المعاني امّا اثبات التوحيد فمعرفة اللّه القديم الغاية الذي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و هو غيبٌ باطنٌ كما سنذكره كما وصف به نفسه و امّا المعاني فنحنُ معانيه و ظاهره فيكم اخترعَنا من نور ذاته و فَوّضَ الينا اُمورَ عبادِهٖ الحديث ، و ممّا يدلّ علي كونهم مقاماته تعالي [ص 270] التي لا تعطيل لها في كل مكان و اركاناً لتوحيده و آياته ما تقدَّم في دعاۤء شهر رجب الذي ذكرناه مراراً كثيرة من قول الحجة عليه السلام فجعلتهم معادنَ لكلماتك و اركاناً لتوحيدِك و آياتك و مقاماتِك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها مَنْ عَرفك لا فرق بينَك و بينها الّا انّهم عبادُك و خلقك الدعاء ، و علي انّهم مَعانيه و بيوته و ابوابه و حججه علي خلقه فقد تقدّم فيما ذكرنا من الاخبار فراجع ان احتجتَ الي ذلك و علي انه تعالي اخذ الميثاق لهم من جميع خلقه ما في مختصر بصاۤئر سعد الاشعري للحسن بن سليمن رواه من كتاب المعراج عن الصدوق باسناده الي موسي بن جعفر عن ابيه عن جده عليهم السلام قال لمّا عرج بالنبيّ صلي اللّه عليه و آله الي السماۤء قال العزيز عز و جل آمن الرسول بما انزل اليه من ربّه قال قلتُ و المؤمنون قال صدقتَ يا محمد مَن خَلّفْتَ لِاُمَّتِكَ و هو اَعْلم قُلْتُ خيرَها لاهلِها قال صدقتَ يا محمّد انّي اطّلعْتُ الي الارض اطّلاعةً فاخترتُكَ منها ثم شققتُ لك اسماً من اسماۤئي فلااُذكر في موضع الّا ذُكِرْتَ فانا المحمود و انت محمد ثم اطّلعتُ اليها اطِّلاعةً اُخري فاخترتُ منها عليّاً فجعلتُه وصيّكَ فانت سيّد الانبياۤء و عليٌّ سيد الاوصياۤء انّي خلقتُك و خلقتُ علياً و فاطمة و الحسن و الحسين من شبح نورٍ ثم عرضتُ ولايتهم علي الملاۤئكة و ساۤئر خلقي و هم ارواحٌ فمَن قَبِلَها كان عندي من المقرّبين و مَن جحدَها كان عندي من الكافرين يا محمّد و عزّتي و جلالي لو انَّ عبداً عبدني حتّي ينقطع له و يصير كالشنّ البالي ثم اتاني جاحداً لولايتهم لم‌ادخله جنّتٖي و لم‌اُظَلِّلْه تحت عرشي ه‍ .

قال عليه السلام : فبحقّهم الذي اوجبتَ لهم عليك اسألُك ان تدخلني في جملة العارفين بهم و بحقّهم و في زمرة المرحومين بشفاعتهم انّك ارحم الراحمين [ص 271] و صلي اللّٰهُ علي محمّد و آله الطاهرين و سلّم كثيراً و حسبنا اللّٰه و نعم الوكيل .

اقول اقسم علي اللّهِ تعالي بحقّهم كما اقسم عليهم بحَقِّهٖ تعالي اَوّلاً و قدّم القَسم عليهم بحقّه تعالي لسبق حقّه و اصالته و ذاتيّته و اخّر القسم عليه بحقِّهم لتفرّعه عَلي حقّه تعالي و لانّه حقهم تفَضُّلٌ منه تعالي عليهم و مِنّةٌ و لذا قَيَّدهُ باَنّه اوْجَبهُ عَلي نفسِهٖ لا اَنَّهُ وَاجب عليه بالذات اِذْ لايَجب عليه بالذّاتِ شئ و قد تقدّم في بَيانِ الحقّ انّ مِن اعظمِ حقّه عليهم انه تعالي خلقهم له و اصْطَنَعَهُمْ لِنَفْسِهٖ وَ اِنَّ مِن اعظمِ حقّهم عليه تعالي انّهم قاموا بما اراد منهم من خلقه لهم كما اراد و هو من حقّه عليهم لانّه منْ عَظاۤئِم النِّعَمِ عليهم فاردفَ هذه النعمة بالمؤكّدِ لها باَنْ اَوْجب علي نفسِهٖ ذلك و هو نعْمةٌ بَعْدَ اُخْرَي فهذا الايجاب و التوفيق للقِيٰامِ بِمَا اَرادَ منْهُمْ هو اعظم حقّهم عليه تعالي و قوله عليه السلام اَسْألُكَ اسْتِشْفَاعٌ بِالْحَقِّ المُقْسَمِ به لاَنَّهُ دُعَاۤءٌ بشفٖيعٍ اخبر سبحانه اَنّه لايَرُدُّ مَنْ دَعاهُ به و قولُه اَنْ تُدْخِلَنٖي في جملة العارفين بهم و بحَقِّهم الجملة المذكورة مشتملة علي اشخاصٍ كثيرة من العارفين بهم و بحقهم متفاوتين في مراتب المعرفة بقرينة قوله بان تُدْخِلني المشعِر بانّه لولا الاستشفاع المذكور لما استحق الدخول و بقرينةِ قوله في جملة لان الجملة انّما تُسْتَعْمل فيما يجمع من الاشياۤء الّتي يتسامح في تَماثُلِها و تساوٖيها فهي مشتملةٌ علي ما يصدق عليه اسم العارف حقيقةً اوْ حُكْماً اَوْ شرْعاً اَوْ عُرفاً اَوْ لُغَةً و قوله هٰذَا اَرادَ بِهٖ الاعْتِرافَ بالتَّقْصٖيرِ او القُصور اَوْ عَملاً بيقينِ قُصُورِهٖ و تقصيرِه وَ الشَّكِّ في قصورِ غيرِهٖ وَ تَقْصيرِه و المراد بالعارف العارف بهم بالمعرفة النورانية كما في حديث علي عليه السلام لِسلمنَ و ابي‌ذرٍّ علي ما في انيس السُّمراۤء و هي مراتب متفاوِتَةٌ جدّاً قد اشتمل هذا الشرح علي ما يمكن منها لغير اهل [ص 272] العصمة علي محمد و آله و علي جملتِهم السلام فتدبّر فقد ذكرنا الاشارة الي ذلك في عدّة مواضع منه و اعلاها انهم عليهم السلام العلامات و المقامات التي لا تعطيل لها في كل مكانٍ ثم انّهم مَعَانٖيه تعالي ثم اِنَّهُمْ بُيُوتُهُ وَ خَزاۤئنُه ثم اِنَّهُمْ اَبْوَابُهُ و مَفَاتِحُ الغَيْبِ اَيْ مَفاتِحُ خَزاۤئنِهٖ و غَيْبِهٖ و تفاوتُ مراتب اهلِ كلّ مقامٍ في الاجمال او التَّفْصٖيل في محض الاعتقاد و خصوصه او في العمل بمقتضاهُ باللِّسَانِ او الاركان اَوْ فيهما معاً لايَكاد ينحصر في عددٍ بل هو من مراتب المشكِّكِ و المراد بالعارف بحقّهم حيثُ يُرَادُ مِنْهُ اَوْ يشترط في الاَعْمالِ اَوْ في قَبُولِها العارف بانّهم ائِمّةٌ مُفْتَرضُوا الطّاعة من اللّهِ تعالي و انّهم حججُه علي بريّته و مراتب اهل هذا المقام فيما ذكرنا من التّفصيل و الاجمال و العمل و القول كما مر متفاوتة علي نحو ذلك و قد يكون حقّ يعرفه بالسماع من غير عيانٍ و لا دليلٍ لا في اجمالٍ و لَا تفصيلٍ كما رواه في كتاب الخراۤئج و الجراۤئح و في كتاب الاحتجاج بسنده الي كامل بن ابراهيم المدني عن المهدي عليه السلام من جملة الحَدٖيث اَن قال قاۤئِل لي يا كامل بن ابراهيم فاقشعررتُ من ذلك و اُلْهِمتُ اَن قلتُ لبّيك يا سيّدي فقال جئتَ الي ولي اللّهِ تسْئله هل يدخل الجنّة الّا من عرف معرفتَكَ و قال بموالاتك قلتُ اي واللّهِ قال اِذاً واللّهِ قَلَّ داخِلُهَا واللّهِ لَيدخلها قومٌ يقال لهم الحَقِّيّة قلتُ و مَنْ هُمْ قال قَوْمٌ من حبّهم لعليّ بن ابي‌طالبٍ يحلفون به و لايَدْرُون ما حَقّهُ و فضله ه‍ .

قال شيخنا الشيخ حسين بن محمد بن جعفر الماحوزي اي قوم يعرفون ما يجب عليهم جملةً لا تفصيلاً من معرفة اللّه و رسوله و الائمة عليهم السلام و الاحاديث الداۤلّة علي الاكتفاۤءِ بالمعرفة الاجماليّة كثيرة اورد الكليني جملةً منها فلا بعد في الاكتفاۤء بها و الحكم بما اتّصف بها و لم‌يقم دليل علي اعتبار الدليل التفصيلي فتدبّر انتهي قوله رحمه اللّه و لم‌يقم دليل علي اعتبار الدليل التفصيلي ان اراد [ص 273] علَي الاعتبار في صدق الاسم فكما قال (ره) لانه اذا حصلت له المعرفة الاجماليّة و لم‌يُفْتَتن حتّي ماتَ علي ذلك فيرجي له النجاة و ان كان لا بدّ من ان يجدّد له التكليف يوم القيمة الّا انَّ موته علي ذلك بغير افتتانٍ امارةُ النجاة و اللّه سبحانه اعلم و ان اراد علي الاعتبار مطلقاً فالاخبار علي اعتبار الدليل التفصيلي عند ارادة المعرفة الكاملة متظافرة بل فيها ما يدلّ علي عَدَمِ اعْتِبار غير التّفصيلي كما قال الصادق عليه السلام رواه في الكافي عن طلحة بن زيد قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلام يقول العامل علي غير بصيرة كالساۤئر علي غير الطريق لاتزيده سرعة السير من الطريق الّا بعداً و فيه عنه عليه السلام قال قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله مَن عمِل علي غير علم كان ما يفسد اكثر مما يصلح و فيه عن الحسن بن الجهم قال قلتُ لابي‌الحسن عليه السلام انّ عندنا قوماً لهم محبّة و ليست لهم تلك العزيمة يقولون بهذا القول فقال ليس اولۤئك ممن عاتبَ اللّهَ انما قال اللّه فاعتبروا يا اولي الابصار ه‍ ، و غير ذلك مما يدلّ علي ان الاجمالي محلّ الشبه و الغلط و الجهل كما وجدنا كثيراً ممّن يقول بالكلام الحق مجملاً فاذا اختبر بالتفصيل قال بخلاف الحق لانّ هذا الاجمال متداولٌ بين المسلمين فيعرفه الجاهل فاذا اختبر بالتفصيل او نطق بمعناه نطق بالكفر و لقد رأيتُ شخصاً ممن هو يقول بهذا المذهب الحقّ يعني يقول بالولاية و البراۤءة و ظاهره الزهد و الصلاح و ملازمة العبادة و قعدت بعد الفراغ من الصلوة اعظ الجماعة و اعلّمهم بَعْض المعارف و كان الرجل بالقرب منّي فاخذتُ اقول بان اللّه تعالي لايشابهُه شئ من خلقه و لا في مكان و لا في جهة و ما اشبه هذا فاعترض ذلك الرجل بالكلام فقلتُ له اسكتْ لاني قلتُ ان تكلّم قال بالكفر فقلتُ اسكت لاتتكلم فلم‌يقدر علي امساكِ نفسه الي ان قال البارحة رايتُ ربّي في المنام و عنده جُرْوَا كلبٍ [ص 274] جبريل و ميكاۤئيل هذا و انا اقول له اسكت اسكت مع انه يقول ان اللّه تعالي ليس كمثله شئ و ليس الملاۤئكة باجرَاۤءِ كلابٍ و لكن يقول ذلك بِلسَانِهٖ فَاِذَا نَطَقَ بمقتضي التفصيل نطق بمثل ما سمعتَ و اصل هذا عدم معرفته بالدليل التفصيلي نعم ممّن لايعرف التفصيلي قد يُعافَي من الفتنة فيكون ناجياً فقول الحجة عليه السلام لكامل بن ابراهيم انما هو في من قال بالاجمال و عافاه اللّه من الفتنة و اكثر اهل الاجمالي بل اكثر اهل التفصيلي يفتنون في دينهم اماسمعت قول اللّه تعالي احسب الناس ان يتركوا اَنْ يقولوا آمنّا و هم لايفتنون و قول اميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة لَتُبَلْبَلُنَّ بلبلةً و لتُغَرْبَلُنَّ غَربلةً و لتُسٰاطُنَّ سَوط القِدْرِ حتّي يعودَ اعلاكم اسفلكم و اسفلُكم اعلاكم و ليسبقُنَّ سبّاقُونَ كانوا قَصَّروا و لَيُقَصِّرُنَّ سبّاقون كانوا سَبقوا نعم اذا كان التفصيلي ذَوقيّاً عَيانِيّاً غير مخالفٍ لكلام اهل العصمة عليهم السلام بمعني انّهم يقولون طِبْقَ ما قال هذا المستدلّ ليكونوا عليهم السلام مخبرينَ عن صدقه لا انّه يَصرِف كلامهم عن ظاهره و يدّعي انّ هذا مرادهم فان ذلك ضلال بل شرط صحة قولِ المستدلِّ ان يَحْصُلَ له شاهدانِ بقوله بلا تأويل احدهما كلام المعصوم عليه السلام بظاهره و بباطنه الذي يوافِقُ ظاهره و ثانيهما ان يكون قوله مطابقاً لما عليه ظاهر كلام العوام من المسلمين المؤمنين لا ما يتأوّلونه كما ذكرنا سابقاً فانّهم لايفهمون الّا ما ينافي الحق و لكن ظاهر كلامهم صحيح و مثال ما قلنا ان كلام المعصوم عليه السلام صريح بظاهره و بباطنه انّ اللّه علي كل شئ قدير و كذا كلام العوام بظاهر القول منهم و من الاشياۤء التي هو قادر عليها ان لو شاۤء لهدي الناس جميعاً و القرءان مشحون به و كلامهم عليهم السلام و كلام العوام من شيعتهم بظاهره متطابقةٌ فمن تعمّق في الدليل التفصيلي الذوقي و استخرج من بحر معرفته و لجج غَمْره جواهر علمه [ص 275] مطابقاً لذٰلِكَ فهو حقّ و دليل تفصيليّ صدقٌ و انه لايلزم من ظاهر قولك انّ اللّه سبحانه يعلم كفر ذلك الشخص فلو هداه انقلبَ علمُه جهلاً كما يقوله بعض المتعمّقين او انّ حقاۤئق الاشياۤء ليست مجعولةً و انّما هي صورٌ علميّة و لايمكن تبديلها لاستحالة انقلاب الحقاۤئق و لزوم كون الشئ ليس هو حينئذٍ ايّاه و انّما المتغيّر غير الاوّل و امثال هذه المقالات الفاسدة كما ذهب اليه اشباه الناس كالصوفيّة و من سلك مسلكهم كالملّا محسن فانه في كتابه الوافي في باب الشقاوة و السعادة و غيره احال ان يهدي اللّه سبحانه جميع الخلق لانّهم لم‌يعطوه العلم من انفسهم و العالم علمه مستفاد من المعلوم و ذلك لانّه شحن كتابه من كلام عبدالرزاق الكاشي في شرح الفصوص لمميت‌الدين ابن عربي و يزعم مع هذا انه مذهب الائمة عليهم السلام و الائمة عليهم السلام بُرَاۤء من هذا المذهب كيف و انما يقولون بقول اللّه سبحانه و هو يقول و لو شاۤء اللّه لجمعهم علي الهدي فلاتكوننّ من الجاهلين و انا اقول ممّن عني اللّه سبحانه مميت الدين و عبدالرزاق و اتباعهما فاذا اردتَ ان تعرف صدق كلامي فانظر في الوافي في الموضع المذكور فانّك تجده كما ذكرتُ لك و عبارته بعينها عبارة عبدالرزاق في شرح الفصوص و اسئل جميع عوامّ المسلمين فانهم يتّفقُون علي ان اللّه تعالي قادر علي ان يجمع الخلق علي الهدي و انه لو شاۤء لهدي الناس جميعاً و كلام اهل العصمة عليهم السلام كذلك و امّا كلام الصوفيّة فيقولون ليس للّه ذلك و قولي قبلُ كلام المعصوم بظاهره و بباطنه الذي يوافق ظاهره احتراز عن دعويهم الباطلة فانهم يقولون كلامنا هذا هو مراد الامام عليه السلام و لكن القِشريّين لايفهمونه فهم يؤلّون لكلام الامام عليه السلام معني يخالف ظاهرهُ و يخالف القرءان و يخالف ما اقرّ اللّه و رسوله صلّي اللّه عليه و آله عليه المسلمين و اللّه سبحانه سَيَجْزيهم وصفهم انّهُ حَكيم عليم .

[ص 276] و قوله عليه السلام : و في زمرة المرحومين بِشفاعَتِهِم عَطْفٌ علي جملة وَ الزُّمْرة الجماعة منَ الناسِ و المعني اسألك يا مَن فضّلهم و اَذِنَ لَهُم في الشّفاعةِ و مَلّكهم اِيّاها فيمن شاۤؤا بحقّهم الّذٖي اوجبتَ لهم عَلَي نَفْسِكَ بان تقبل منهم و لاتردّهم في شئٍ ارادُوا منك ان تدخلني في زمرة المرحومين بِشَفاعَتِهِمْ فانّي تقرّبت اليك بماتقرّبوا به من ولاية اولياۤئِك و محبّتهم وَ البراۤئة من اعداۤئهم و البغض لهم و سألتهم بحقّك ان يكونوا شفعاۤئي عندك في الذّنوب التي بيني و بينك و سألْتُك بحقّهم و ما فعلتُ من الولاية و الحُبِّ وَ من البراۤءة و الاستشفاعُ و القسَمُ عليهم بحقّك و عليك بحقهم هو الموجب لمحبّيهم الرحمة بشفاعتِهم و اَتيتُك من الباب الذي امرتَ ان تُؤْتَي منه فادخلني في زمرة المرحومين بشفاعتهم فاني بنعمتك واحد من جملتهم بحكم ما وعدتَ في كتابك و علي اَلْسِنَةِ اولياۤئِك و انت لاتُخْلِفُ الميعاد و انت ارحم الرّاحمين و انّما قال انّك ارْحَمُ الراحمين تَنْبيهاً علي انَّ ما اَتيْنَا بهٖ ممّا تَقربْنَا بهٖ لانستوجبُ به منك الادخال في جملة العارفين بهم و في زمرة المرحومين بشفاعتهم استيجاب استحقاقٍ و انّما اَتينا بما تقربنا به استعطافاً بفقرنا و حاجتِنا و ضعفِنا لانّك ارحم الراحمين و انّما قال ارحم الراحمين لانه امرنا بانّ مَنْ اَتي منّا احداً منّا بمثل ما اَتيناه به من التقرّب اليه باحبّ الناسِ اليه و اعزّهم عليه و مَن وعد مَن تقرّب به الاكرام و القبول و الاجابة و بمحبّة مَنْ احبَّ و بغض مَن عاداه و امتثلَ امرَهُ في احب الاشياۤء من اوامره اليه و اجتنبَ ما نهي عنه في ابغض الاشياۤء اليه بان نقبل عذرَهُ و نغفر ذنبه و تقصيره و نقرّبه منّا و نعطفَ عليه و نرحمه و انت اَوْلي بذلك وَ انتَ ارحم الراحمين لانّك ابتدأتَ عبادك برحمتِك و خلقتهم برحمتك و اعظمْتَ عليهم النعمة برحمتك و رزقتهم برحمتك و قد امرتنا بالرحمة و انّما وصل منك الينا من رحمتك فاضل جزءٍ [ص 277] من مائة جزءٍ من رحمتك و انت قد وعدتنا علي لسان نبيّك و السنةِ اولياۤئك صلّي اللّه عليه و عليهم انّك تضمّ ذلك الجزء الذي اوصلتَ الينا فاضلَهُ و اردتَ منا ان نتراحم بذلك الفاضل الذي هو جزء من سبعين جزءاً من ذلك الجزء فتضمّه الي باقي الرحمة المدَّخرة عندك و هو تسعة و تسعون جزءاً فترحم به عبادَك و في تفسير الامام عليه السلام للبسملة في الرحيم قال عليه السلام و امّا قوله الرحيم فانّ اميرالمؤمنين عليه السلام قال رحيم بعباده المؤمنين و من رحمته انه خلق مائةَ رحمةٍ و جعل منها رحمة واحدة في الخلق كلهم فيها يتراحم الناس و ترحم الوالدة ولدها و تحنّ الامّهات من الحيوان علي اولادِها فاذا كان يوم القيمة اضاف هذه الرحمة الواحدة الي تسع و تسعين رحمة فيرحمها امة محمّد صلي اللّه عليه و آله ثمّ يشفّعهم فيمن يحبّون له الشفاعة من اهل الملّة حتي انّ الواحد ليجيۤء الي مؤمنٍ من الشيعة فيقول له اشفع لي فيقول له اي حقّ لكَ علَيَّ فيقول سقيتُك يوماً ماۤءً فيذكر ذلك فيشفع له فيشفّع فيه و يجيۤء آخر فيقول انا لي عليك حقّ فيقول ما حقّك فيقول استظللْتَ بِظّلِ جداري ساعةً في يوم حاۤرّ فيشفع له فيشفّع فيه فلايزال يشفع حتّي يشفع في جيرانه و خلطاۤئِه و معارفه و انّ المؤمن اكرم علي اللّه تعالي ممّا يظنّون ه‍ ، و انت ارحم الراحمين لانّك اردتَ من عبادك الرحمة و هم فقراۤء محتاجون و رحمتهم من فاضل جزء من رحمتك و انت الغني المطلق الذي لايحتاج الي شئٍ الكريم الذي لاتزيده كثرة العطاۤء الّا كرماً و جوداً و رحمتك وسعت كلّ شئ فانت اولي بكل جميلٍ .

و قوله عليه السلام : و صلي اللّٰه علي محمد و آله الطاهرين قد تقدّم ما يبيّن المعني المراد من الصلوة من اللّهِ تعالي و من الملاۤئكةِ وَ منَ النّاسِ و هذا ان شاۤء اللّه غير خفيّ علي من راجَع ما هنالك فقد ذكرنا انّ [ص 278] الصلوة من الصِّلة و عليه فقد اعطي سبحانه نبيّه و اهل بيته عليه و عليهم السلام ما ارضاه من كلّ خير بمقتضي فضله و كرمه و بمقتضي قوابلهم و استعدادهم صلّي اللّه عليهم و بِدُعَاۤء كلّ مَن لهم عليه شكرُ نعمة الهداية و التعليم و الاعانة و التوفيق لطاعة اللّه تعالي و الايمان و شكر البابيّة الكبري و الوساطة العُظْمي في كلّ ما وصل اليهم من اللّهِ تعالي من احوال الخلق و الرّزق و الحيوة و الممات من النّعم و الامدادات فانها لم‌يصل الي احدٍ من الخلق شئ من اللّهِ الّا بواسطتهم او انّ الصلوة من الوصل و عليه فقد وصل نبيه صلّي اللّه عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام بكلِّ خَيْر مطلوبٍ و امرٍ مرغوب اَوْ انّ الصلوة من الوصْلَة اي ما يتوصّل به من الاسباب فان الصلوة هي السَّبَب الموصل الي اللّهِ تعالي فقد انزل الي نبيه و اهل بيته صلّي اللّه عليه و عليهم من اَسْبَابِ القربِ اليه و التكرمة و التشريف و النّيابة و الوسيلة و غير ذلك بمقتضي كرمه و تفضّله و بمقتضي قوابلهم و استعداداتِهمْ عليهم السلام و بدعاۤء من اشرنا اليه من الخلق بجميع جهات طرقهم الي الطاعات ما هم اهله صلي اللّه عليهم اجمعين و روي القمّي في قوله تعالي انّ اللّه و ملاۤئكته يصلّون علي النبي يا ايّها الذين آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليماً قال صلوة اللّه عليه تزكية له و ثناۤء عليه و صلوة الملاۤئكة مدحهم له و صلوة الناس دعاۤؤهم له و التصديق و الاقرار بفضله و قوله سلّموا تسليماً يعني سلّموا له بالولاية و بما جاۤء به و في ثواب الاعمال عن الكاظم عليه السلام انه سُئِلَ ما معني صلوة اللّهِ و صلوة ملاۤئكته و صلوة المؤمن قال (ع) صلوة اللّه رحمةٌ من اللّهِ و صلوة الملاۤئكة تزكية منهم له و صلوة المؤمنين دعاۤء منهم له و في المعاني عن الصادق عليه السلام انه سئل عن هذه الٰاية فقال الصلوة من اللّهِ رحمةٌ و من الملاۤئكة تزكيةٌ و من الناس دعاۤء و اما قوله عز و جل و سلّموا تسليماً يعني التسليم فيما ورد عنه [ص 279] قيل فكيف نصلّي علي محمد و آل‌محمد قال تقولون صلواتُ اللّهِ و صلواتُ ملاۤئكته و انبياۤئه وَ رُسله و جميع خلقِهٖ علي محمّد و آل‌محمد و السّلام عليه و عليهم و رحمة اللّه و بركاته قيل فما ثوابُ مَنْ صَلّي علي النبي (ص) و آلِهٖ بهذه الصَّلوة قال الخروج من الذنوب واللّهِ كهيئته يوم وَلدَتْه امُّه ه‍ ، و اعْلم اَنّ المعروف بين العلماۤء انّ الصَّلوة من الملاۤئكة اسْتِغْفار و الملاۤئكة يسبّحون اللّه و يستغفرون للمؤمنين كما دلَّتْ عليه آية الذين يحملون العرش و مَنْ حوله يسبّحون بحمد ربّهم و يؤمنون به و يستغفرون للّذين آمنوا ربّنا وسِعتَ كلّ شئٍ رحمةً و علماً فاغفر للذين تابوا و اتّبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم ربّنا و ادخلهم جنّات عدنٍ التي وعدتهم و من صلح من آباۤئهم و ازواجهم و ذرّيّاتهم انّك انت العزيز الحكيم و قهم السيّئات و مَنْ تق السيّئات يومئذٍ فقد رحمته و ذلك هو الفوز العظيم وَ لَمْ‌يذكر تعالي لَهُمْ حالاً ثالثاً فلَعلَّ استغفارهم له صَلَّي اللّهُ عليه و آله استغفارهم لامّته المؤمنين اوْ انهم صلي اللّه عليهم تحمّلوا ذنوب شيعتهم كان استغفارهم لِاَنْفُسِهم لاجل ما تحمّلوا من الذنوب عن شيعتهم و استغفار الملاۤئكة "٢" لمحمد "٤" صلي اللّه عليه و آله و اهل "٤" بيته عليهم السلام الذي هو صلاتهم "-٢" عليهم "-٤" هو استغفارهم لشيعتهم لانهم اذا استغفروا لشيعتهم سقطت عنهم ذنوبهم كما في العيون عن الرضا عليه السلام في هذه الٰايات قالَ للّذين آمنوا بولايتِنا و في الكافي عن الصادق عليه السلام انّ للّهِ ملاۤئكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتِنا كما تُسقِط الريح الورق اَوَانَ سقوطه و ذلك قوله تعالي الذين يحملون العرش الٰاية ، قال استغفارهم واللّهِ لكم دون هذا الخلق ه‍ ، فاذا سقطَتْ عَنْهم ذُنُوبَهُمْ باستغفارِ الملاۤئكة لم‌يَبْقَ شئٌ تتحمّله الائمّة عَنْهُمْ و لعلَّ ما ذكر في الاخبار المتقدّمة من تفسير صلوة الملاۤئكةِ علي النبيّ صلّي اللّه عليه و آله [ص 280] بانّها تزكية له (ص) انّ المرادَ بها انّهم اذا استغفروا لشيعته فقد سَلِم صلّي اللّه عليه و آله من تحمُّلِها فقد طهّروه عن الاخلاق الذّميمة الّتي هي المعاصي فمعني انّ صلاتهم عليه تزكية له انّ صلاتهم استغفارهم لَهُ ممَّا لوْلٰا اسْتِغْفَارُهم لَتحَمَّلَ تلك الاخلاق الذميمة التي هي ذنوب الشيعة فكَانَتْ صلاتهم عليه تزكيةً لَهُ صَلَّي اللّٰهُ عليه و آله من تلك الذّنوب .

بقي شئ هل استغفارهم له بعد ما تَحَمّل من ذنوب شيعتهم اَمْ لشيعتهم لحَطّ ذنوبهم قبل ان يتحمّلها صلّي اللّه عليه و آله احتمالان الاوّل من ظاهر صلاتهم عليه و ان معناها الاستغفار و هو صلي اللّه عليه لا ذنب عليه من نحو نفسه كما تقدم من قول الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالي ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر حين سُئل عن هذه الٰاية فقال عليه السلام ما كان له ذنبٌ و لا همَّ بذنبٍ و لكن حمّله اللّه ذنوب شيعته ثم غفرها له ه‍ ، و الثّاني من ظاهر الٰايات السّابقة و يستغفرون للّذين آمنوا فانّه في الحقيقة لاجله و لاجل اهل بيته صلي اللّه عليه و آله فالاستغفارُ لهم وَ اِنْ وقعَ ظاهِراً لشيعتِهِمْ و لهذا قال العلماۤء انّ الصلوة من الملاۤئكة الاستغفار مع ان الائمة عليهم السلام قالوا ان استغفارهم تزكية له و التّزكية لغةً التطهير من الاخلاق الذميمة فلايحصل علي ما بَيَّنَّا تَنَافٍ ان شاۤء اللّه تعالي . و اعلم ان العلماۤء اختلفوا في وجوب الصلوة عليه عند ذكره علي اقوال ليس هنا محل بيانها و ان كان الصحيح عندي الوجوب ليس علي الفور المطلق و لا علي التراخي المطلق جمعاً بين ما دلّ علي الفور و علي النهي عن التراخي و بين ما دلّ علي الفصْل كما هو مذكور في الادعية المرويّة عنهم عليهم السلام من الفصل بين ذكره و بين الصلوة عليه بدعاۤء قدر السطرين اَو الثلاثة او الاَرْبعة و المعروف من كَلَام الاصحاب انّ الصلوة [ص 281] لاتجب علي احدٍ غيره من الانبياۤء وَ الرُسُلِ وَ لَا من اهل بيته الّا انه قد ورد عنه صلي اللّه عليه و آله النهي عن الصلوة البُتَيْراۤءِ و هي ان يُصَلّي عليه و لايُصَلّي علي آله معه و المعروف من المذهب حمل هذا النهي علي الكراهة وَ ان ادخالهم في الصلوة عليه مستحَبٌّ و الّذي اَفْهَمُ انّ النهي علي حقيقةِ التحريم و ان المنهيّ بذلك النهي هم اعداۤؤهم و اتباعهم الّذين لايصلّون علي اهلِ بيته فلا اقلّ انهم تركوا ما ندبَ اللّه اليه و حرّموه او كرّهوه فيكون النّهي عَلَي حقيقته في حقّهم مع انّ اللّه سبحانه الحقَ اهل بيته بهٖ كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام فيما تقدّمَ من خطبته قال فَعلّاهم بتعليته و سَما بهم الي رتبته و في تفسير فرات بن ابراهيم بسنده الي جعفر بن محمد عليه السلام مُعَنعناً عن الحسن بن علي عليهما السلام في حديث طويل الي ان قال و فَضّلَ الصلوة في مسجد النبي (ص) بالف صلوة علي ساۤئر المساجِد الّا المسجد الذي بناه ابراهيم النبي بمكّة لمكان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و فضله و علّم رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله فقال قولوا اللّهم صلّ علي محمّد و آل‌محمّد كما صلّيتَ علي ابراهيم و آل ابراهيم انّك حميد مجيد فَحقُّنا علي كلّ مسلمٍ اَنْ يُصَلّي علينا مع الصلوة عليه فريضةً واجبةً من اللّه الحديث ، فيحتمل ان يكونَ المراد بالفريضة الواجبة النَّدْب للتأكيدِ اَو الوجوب علي المنكرين او المكرّهين كاهل الخلاف بقرينة قوله علي كلّ مسلمٍ و اعلم انك اذا قلتَ صلّي اللّه عليه و آله فانّ اهل العربيّة ينصبون الٰال لانّ العطف علي الضمير بدون اعادة الجار قبيح بل ربّما منعه بعضهم و الاكثر علي جواز الجر و قد قرئ و اتّقوا اللّهَ الذي تساۤءلون به و الارحامِ بجرّ الارحام هذا ما يعرفونه اهل اللغة و امّا الموجود في كتب الادعية المرويّة عنهم عليهم السلام المصحّحة المعربة فكلّها بجَرّ آلِهٖ لايكاد يوجد في جميع اَحاديثهم [ص 282] و ادعيتهم موضع بالنّصب بحسب ما ورد عنهم الّا ما كان في بعضها يوضع الفتح بالاحمر و هو من اعْرابِ الرواة و النّقلة الْتِفَاتاً الي اصل العربيّة و لقد رأيتُ مساۤئل للشيخ ناصر الجبيلي الاحساۤئي سَألَ بها الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن جعفر الماحوزي رحمهما اللّه و كان مِن مساۤئله هذه المسئلة فاجاب الشيخ حسين المذكور بما معناه انّ الاكثر في ادعيتهم الجر و في كثير منها بالفتح و ذكر اصل القاعدة و هو رحمه اللّه نظر في جوابه الي ما قرّروه في النحو و الّا فالوارد عنهم عليهم السلام كلّه بالجرّ نعم ربّما كتَب بعض النُّسَاخ الفتح نظراً الي اللغة و انه ارجح من الجرّ فيكتب نسخةً بالفتح و هذا و ان كان مرجوحاً بالنسبة الي المشهور عند النحويّين الّا انّه لغة صحيحةٌ و كانت اللّغة تتبدّل و تتعدّد باختلاف القرون فربّما يشتهِرُ بعض الالفاظ او الاعراب في هذا القرن و تنعكس الشهرة في القرن الذي يكون بعده و يسمّون المشتهر الاوّل شاۤذّاً نادراً و ليس الّا لقلّةِ استعماله في زمانهم و لهذا كان القرءان الذي نزل علي اعلي درجات الفصاحة و البلاغة مشتملاً علي اللغات الشاۤذّة و ليست شاۤذة و انّما كان استعمالها في زمن نزول القرءان قليلاً فكانت بقلّة استعمالها كما في كُبّاراً و انَّ هذانِ لساحرانِ و الاصل ان القرءان محيط باللغات في جميع القرون فاذا اتي قرن لايعرف لغة ما قبله او كانت قليلة الاستعمال كانت عنده شاۤذةً او نادرةً و ما نحنُ فيه الذي يقتضيه اللغة الصحيّحة الاصلية هو الجر في لفظة و آله خاۤصّة و ان الفتح مرجوح او لاينبغي و ان كان في تساۤءلون به و الارحام جاۤئز الفتح او راجحَهُ و الفرق بينهما من جهة المعني فانّك اذا قرأتَ في صلّي اللّه عليه و آله بالجر كانت الصلوة عليهم معطوفةً علي الصلوة عليه فهي تابعة و لاحقة و متأخّرةً عن الصلوة عليه رتبةً و لفظاً و هذا هو المناسب للترتيب الطبيعي و الوجودي فان اللّه تعالي خلقه صلي [ص 283] اللّه عليه و آله قبلهم و خلقهم من نوره و صلّي عليه قبلهم و صلّي عليهم بعده فعلي الجرّ يتّسق الترتيب الوجودي و الطبيعي مع اللفظي و اذا قرأتَ بالفتح كان امّا علي المعيّة او عطْفاً علي المحلِّ و في الاول يلزم ظاهراً انّ صلوة اللّه عليه و عليهم في الافاضة سواۤء و يلزم من هذا امّا التساوي في الوجود ان لَاحَظْنا الترتيب الطبيعي و امّا مخالفة الترتيب الطبيعي ان قدّرنا سبقه علي وجودهم و في الثاني يكون المراد ان الضمير المجرور منصوب المحل بمعني انه منصوب فيكون العامل قَدْ توجَّه اليه في المعني بدون واسطة الجار فيكون الصلوة واقعة عليه بغير فاصل فاذا قرأتَ بالنصب كان المعطوف مشاركاً له في عدم الفَاصل و يلزم التّساوي في الوجود او في الصلوة فعلي التساوي في الوجود يلزم خلاف الواقع و علي التساوي في الصلوة يلزم خُلوُّ السّابِق عن صلة المتفَضّل عز و جلّ الي ان وُجِد اللّاحق و يلزم من هذا افضليّة اللاحق و هو مُنَافٍ للحكمة و ان قلتَ انّه معطوف علي المحل و لايلزم التساوي في الوجود و لا في الصّلوة لتأخّره لفظاً قُلتُ انما يتوجّه هذا اذا كان المعطوف مجروراً ليكون عطفاً علي لفظ الضمير الذي دخل عليه الجار و امّا اذا قدّرتَ العطف علي المحل فلايتّجه ذلك لان الالفاظ قوالبُ المعاني و الارادة لاتُفْرِغُ المعاني عن قَوالبِها فالذي ينبغي ان يقرأ بالجرّ لينتظم اللفظ علي ترتيب الوجود و الطبيعة و علي هذا كان صلي اللّه عليه و آله اوّل مخلوق فكان نورهُ يطوف حول القدرة ثمانين‌الف سنة و صلوة اللّه عليه واصبة داۤئمة ثم نزل الي العظمة فخلق اللّه من نوره نورَ علي بن ابي‌طالب عليه السلام كايجاد السراج من السراج فكان نور عليٍّ يطوف بالقدرة و نور محمد يطوف بالعظمة صلي اللّه عليهما و آلهما الطاهرين . و قوله عليه السلام و آله الطّاهِرٖين قد تقدّم الكلام فيه في معني الٰال و معني طَهارَتِهِم فرَاجِعْ .