قال عليه السلام : يا وليّ اللّٰه ان بيني و بين اللّه عز و جلّ ذنوباً لايأتي عليها الّا رضاكم .
قال الشارح المجلسي (ره) يا وليّ اللّه المخاطب هو الامام الحاضر الذي يزوره او يقصده بالزيارة او الجميع لشمول الجنس له و يؤيّده الاتيان بالجمع بعده لايأتي عليها اي لايهلكها اوْ لايمحوها الّا رضاكم عنّي مطلقاً او بالشّفاعة انتهي .
اقول قوله يا وليّ اللّه ان عيّن بالقصد او الاشارة او الحضور عند قبره الشريف فان الحضور معيّن سواۤء خاطبه بالمفرد ام بالجمع و لكن اذا خاطبه بالجمع كان الحاضر عليه السلام سابقاً في الخاطر لمكان الحضور و ما سواه [ص 234] منهم عليهم السلام ان قصدهم مع الحاضر كانوا بعده في الحضور الذهني و ان لميقصد غيره تعيّن في القصد و كان الجمع للتعظيم و الاشارة و القصد كالحضور في حكم اوّل الخطور بالبال و لكن يحتاجان الي تأكّد اقبالٍ و توجّه لانّ الحضور يُعينه علي التعيين البصر و المشاهدة للحضرة و القبر الشريف و اطلاق الشارح رحمه اللّه بقوله او الجميع تسامح او لارادة التّنبيه علي خصوص صحّة التوجّه اليهم عليهم السلام جميعاً عند زيارة احدهم و حينئذٍ يكون الحال كما قلنا فانّ الزاۤئر اذا توجّه اليهم جميعاً بالزيارة و الخطاب و هو عند قبر احدهم كان الحاضر سابقاً في الحضور في ذهن الزاۤئر و اذا قصد خطاب الجميع كانوا مخاطبين بواسطة خطاب الحاضر فهو المخاطب و هم تبع له في الخطاب او هو امامهم بفتح الهمزة و بكسرها في مخاطبة الزاۤئر و هذا ظاهر قوله عليه السلام يا وليّ اللّه قد يستعمل بمعني انّ اللّه تعالي تولّاه و تكفّل به في مصالح نشأتيه كما قال تعالي اللّه ولي الّذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور ، و قد يستعمل بمعني انّ اللّهَ ولّاه اي وجّهه الي جهته التي خلق لها من مقامه من اللّه و رتبته في الجنّة او جهات ما اراد منه من رفع الحجب عن قلبه حتي يشاهدَ من ملكوت اللّهِ تعالي في خلقه ما كتب له في الواح قدَرِهٖ و قد يُستعمل بمعني انّ اللّه تعالي ولّاه و استرعاه من عبادهٖ ما يحتمله من التأدية عنه تعالي اليهم و ذلك كساۤئر الانبياۤء و الاولياۤء من خلفاۤئهم عليهم اجمعين السلام و قد يُستعمل بمعني الحامل للواۤء الحمد و هو لواۤء الولاية المطلقة العاۤمة كما تقدّم يعني انه عز و جل خلق هذا الولي له تعالي خاۤصّة و خلق له جميع خلقه فلمّا خلقه اشهده خلقَ نفسه و انهي اليه علمها و حين خلق الخلق من الانس و الجن و الملاۤئكة و الحيوانات و الشياطين و النبات و المعدن و الجماد [ص 235] و السموات و الارضين و ساۤئر الافلاك في مشاهد متعددة و اوقات متجدّدة و هي الفالفِ دهرٍ كل نوع و جنس و صنف و شخصٍ في مكان حدوده و وقتِ وجوده اشهدهم كل شئ منها و انهي اليهم علمه و القيام به و تربيته بان يؤدّي اليه ما كتب عز و جل له من خلق و رزق و حيوة و مماتٍ و ما يلحق بذلك من كل ما يتعلق بتربيته في النشأتين فهم يؤدّون الي رعاياهم التي استرعاهم اللّه ايّاهَا بانفسهم و بوساۤئط من كلّ نوعٍ الي ما يشاكله علي حسب ما علّمهم اللّه و هذا هو الوليّ المطلق و الولاية العاۤمّة المطلقة مختصّة بهم من بَعْدِ اللّه تعالي و ما سواهم من جميع الخلق فولايتهم خاۤصّة و اليه الاشارة بقوله تعالي تعلم ما في نفسي و لااعلم ما في نفسِك و صاحب هذه الولاية المطلقة هو المرادُ هنا في قوله عليه السلام يا وليّ اللّهِ .
و قوله عليه السلام : انّ بَيْنٖي و بين اللّٰهِ ذنوباً يراد منه اني في حالةِ طاعتي انا مقصّر عاصٍ ففي حالةِ عِصْياني كيف لااكون عاصياً كما في المناجاة الملحقة بدعاۤء الحسين عليه السلام علي ما نقله بعضهم و الّا فقد قيل انّ هذه المناجاة ملصقةٌ به و انّها من كلام ابنعطاۤءاللّه و قيل هي من كلام الحسين عليه السلام و زاد فيها ابنعطاۤءاللّه و في اوّل المناجاة الهي من كانت مَحاسنه مَساوِيَ فكيف لاتكون مَساوٖيه مَساوِيَ و من كانَت حقاۤئقُه دَعاوِيَ فكيف لاتكون دعاوٖيه دَعاوِيَ و ما تقدّم من دعاۤء علي بن ابيطالب عليه السلام و خُطبته و دُعَاۤء عليّ بن الحسين عليه السلام بعد الثماني من صلوة اللَّيْل فانّما يشعرانِ هما و غيرهما انّ العبد في جميع احواله مُقَصِّر ليس طريق الي استحقاق رحمة اللّه وَ استيهالِ عفوِ اللّه و فضله الّا بفضل اللّهِ و عفوه و منّه و كرمه و رحمته يمنّ بها علي من يشاۤءُ من عبادِهٖ هذا في حقّ مَن يقوم بظاهر اوامر اللّه و نواهيه في جميع احواله [ص 236] و قد نقل بعض العلماۤء الاخيار من اهل البحرين انه وجد بخطِّ الشيخ حسين بن محمد بن جعفر الماحوزي السّاكن القطيف و اظنه نقله من اشعارِ بعض العرفاۤء او المتصوّفة بيتين و هما :
لو اقسمَ المرءُ بالرحمنِ خالقِهٖ بانَّ بعضَ الوري لا شئَ ماحَنِثَا
لو كان شيئاً فغيرُ اللّهِ خالقُه اللّهُ اكرم مِن ان يخلقَ العَبثا
و معناهما لو اقسم المرءُ باللّهِ بانّ بعض الوري و المراد الكل لا شئ يعني لا حقيقةَ له من ذاته و لا شيئيّة و انّما شيئيّته في الحقيقة من شيئية غيره اي بشيئية غيره ما حَنِث و لا كفارة عليه لان يمينه صادقة لانه اي المخلوق لو كان شيئاً لكان خالقه غير اللّهِ لانّه اذا كان شيئاً لميكن للّهِ فيه صنع الّا التصوير كصنع البَنّاۤء للجدار فانّ التّراب و الماۤء اللذَين عمِل منهما الطين صنعُ غيره و كذلك الحجارة فليس له عمل الّا الهيئة و كذلك جميع العاملين الصانعين ماخلا اللّه تعالي فانهم انما يعملون في صنع غيرهم و لو كان اللّه تعالي يصنع في صنع غيره لكان عابثاً لان ذلك الغير الذي صنع الاصل و احدث الماۤدة يصنع الصورة فيكون صنع الصانع بعده عبثاً و الاستشهاد من هٰذَيْن البَيْتَيْنِ اَنّ كُلَ ما سِوي اللّٰهِ لا اِنّيّةَ له من ذاته و لا حقيقة فكلُّ مَن وجدَ لَهُ اِنّيّةً فهو عاصٍ بل جاحِدٌ وَ ما اَحْسنَ ما قال شاعرُهم في هذا المعني :
اَقول وَ مااذنَبْتُ قالَتْ مُجٖيبةً وجودُكَ ذَنْبٌ لايُقَاسُ بهٖ ذَنْبُ
فاِذا كان وجْدَانُه لوجوده ذنباً لايعدلهُ شئ من الذنوبِ لانَّ كُلَّ ذَنْبٍ فاثباتُه و ثبوتُه و تحقّقُه انّما يكون مبنِيّاً علي وجدانِ وجوده فاذا كان الامرُ كذلك بان وَجد له وُجوداً فقد عصي بنسبة وجدانه لانه حينئذٍ مدّعٍ للاستقلال و الاستغناۤء و كفي بذلك ذنْباً لو كان يعلم لانكره و تبرّأ منه لو اطّلعتَ عليهم لولّيْتَ منهم فراراً و لمُلِئتَ منهم رُعباً و لايكادُ ينفكّ من هذا في [ص 237] حالٍ هٰذَا مع قيامه بما يراد منه و امّا من كان مقصِّراً فيما يراد منه من ظاهر التكليف فلاتسئَلْ عن حاله و قوله عليه السلام ان بيني و بين اللّه ذُنوباً مَعَ اَنَّ بَيْنَهُ و بَيْن الٰادمِٖيّينَ ذُنوباً و لكن حقوق الخلق لاتكون حقوقاً الّا بحقوق اللّهِ فكلُّ حق للخلق فهو حقّ للّهِ و ليس كلّ حقٍ للّهِ حقّاً لِلنّاسِ فلذا قال انّ بيني و بين اللّهِ عز و جلّ ذنوباً عَلي اَنَّ مَنْ اَصْلَح حاله مع اللّهِ تعالي فانّ تبعات الخلقِ تمحوها شفاعتهم عليهم السلام و يُعَوَّضونَ عن حقوقهم من فضل اللّهِ فيؤل الامر الي انّ التبعات و الحقوق للّهِ تعالي فان العباد ملكه وَ حقّ المملوك للمالك فاذا شاۤء اسقط حقّ عبده عن عبده و عَوّض عبدَهُ عمّا اَسْقَطَ من حقِهٖ .
و قوله عليه السلام : لايأتي عليها الّا رضاكم يراد منه ان تلك الذنوب التي كانت بيني و بين اللّه لايمحوها و يُسْقِطها من اعتبارها و نسبتها اليّ لا بمعني يهلِكها و يمحوها من الوجود العلمي الامكاني لأن هذا العلم الامكاني الذي هو الوجود الراجح الذي تقوّمت به مشيّة اللّه تعالي تقوّم ظهور و تقوّم بها تقوّم تحقّق هو خزانةُ ملكِ اللّه تعالي و لايخرج عن ملكه ما دَخل فيه نعم قد يمحوها من الكوني و هو ما نُقِشَ بين دفّتي الكتاب الحفيظ و ترتفع الي اصلها في الوجود الامكاني و قد يمحوها بمعني يمحو تعلّقها بمن عمِلها كما مثّلنا سابقاً بان مثال السّارق الذي رأيته يسرق اذا تاب كان كلّما ذكرتَ تلك الحال منه بحضوره او بذكره منك او من غيره بلسانٍ او بذهنٍ رأيتَ المثالَ يسرق و لكن تري بينهما حجاباً و ذلك لانّ التوبة حالت بينه و بين المثال فقطعَتِ الربط و الاتّصال بينهما و تري المثالَ مُتَخلِّفاً عنه غير لاحقٍ به و لازمٍ لَهُ و لا منسوبٍ اليه لانّ المؤمن لمّا سار به نَهرُ الزمان الي الوقتِ الذي رأيته به بعد التوبة بقي المثال في وقتِ وجوده و وجهه مقابلٌ للمؤمن لا لذاته بل للحال التّي [ص 238] تولّد المثال فيها و تلك الحال لمّا تاب حالت التوبة بينه و بينها فبقيت ملقاة علي وجهها في المكان الذي وقعت السرقة فيه و زمانها و المثال متلبِّسٌ بها و لمّا سار نَهرُ الزمان بسفينةِ المؤمن تجاوز عن المثال و مكانِه و زمانِه و كان المثال بدَناً لا روحَ فيه و انّما يسير مع السارق حيث ما سار نَهرُ الزمان بسفينتِهٖ لانه كان متعلّقاً به و لازِماً له لميحُلْ بينهما حاۤئل فهو متّصل به فينجذِبُ معه اينما كان فيثقل الشَّخص بالامثال القبيحة فلايصعد الي عليين بل ينزل الي درَكاتِ اعمالِهٖ لان الجذب في الحقيقة للامثال و ان كانت هي لازمةً للذوات و انّما قلنا ان المثال القبيح ينجذب مع صاحبه لانه صفة و الصفة تابعةٌ للموصوف و لانّها انّما حدثت بميله اليها فهي منسوبة اليه فيقال انها تتبعه بمعني انّها لازمةٌ له كما قال تعالي و لكم الويل ممّا تصفون و قال تعالي سيجزيهم وَصْفَهم و الّا ففي الحقيقة هو تابع لامثاله بمعني انّ مصيره و مَردّهُ الي محلّ امثالِه اَلاتَري انّ زيداً من حيثُ هو فاعل قام في قولك قامَ زيدٌ تابع في الحقيقة من جهة الرتبة و المصير للقيام فيما تترتّب عليه من الاحكام و ان كان القيام ناشياً من فعل زيدٍ فظهر لك ممّا لوَّحنا لك ان المثال الحسن في الدّفة العليا من الكتاب الحفيظ و هو كتاب الابرار في عليّين و ان المثال القبيح في الدَّفّة السُفلي من الكتاب الحفيظ و هو كتاب الفجار في سجّين و ان المثال حسناً كانَ او قبيحاً ان تركه صاحبه و عمل بخلافه تخلّف عنه في مكانه و رتبته و لحقه حكم الثاني الحادث بالعمل الثاني و ان لميتركه كان تابعاً له اي للمثال في رتبته فالمثال و ان كان لازِماً لكنّه يجرّ صاحبه الي مقامه كما انه لازم لصاحبه الّا اذا طرأ عليه آخر يحول بينهما فتنقطع الرابطة و الي معني هذا الانجذاب و التبعيّة اشار ابوجعفر عليه السلام كما في الكافي قال اُتِيَ الي اميرالمؤمنين عليه السلام بقومٍ لُصوصٍ قد سرقوا [ص 239] فقطع ايديَهم من نصف الكفّ و ترك الابهام لميقطعها و امرهم ان يدخلوا دار الضيافة و امرَ بايديهم ان تُعَالَجَ و اطعمهم السمن و العسَل و اللحم حتّي بَرِئُوا فدعا بهم و قال يا هؤلاۤء انّ ايديَكم قد سبَقَتْ الي النار فان تُبتم و علم اللّهُ مِنكم صدقَ النيّة تاب عليكم و جَرَرْتم ايديكم الي الجنّة و ان انتم لمتتوبوا و لمتُقلِعُوا عمّا انتم عليه جرَّتْكم ايديكم الي النار ه ، فقولنا فيما قبل فوجهه اي المثال مقابل للمؤمن لٰا لِذَاته بل للحال الّتي تولّدَ المثال فيها اُرٖيدُ انّه اذا تابَ قد يُمْحَا المثال من الوجود الكوني عند مَنْ علِمَهُ و قد يَبْقَي و اذا بقي فبقاۤؤه انّما هو بتلك الحال و تلك الحال بعد الترك ارْتَفَعَتْ في مكانِ العَملِ و زمانِهٖ فهي في عَالَمِ الاَشْباحِ الخالية بلا اَرْوَاحٍ فان كانت الحالة قَبيحةً سقطت الي الريح العقيم بعد التوبة و امّا اذا لميَتُبْ كانَتْ حالَتُهُ مُصاحِبةً له فمن رأٰه رأٰهُ مُتَلَبِّساً بها حتّي يردَ علي اللّهِ تعالي باحَدِ الحالَيْنِ فمعني قوله عليه السلام لايأتي عليها بمعني لايهلكها و يفنيها و يمحوها الّا رضاكم ما ذكرنا من احد الوجهين امّا محو كونها كما في بعض الذنوب بان ينسي اللّه الملاۤئكة و الارض و الوقت ذلك و النِّسْيان محو الصورة من الحافظةِ و هي هنا نفوسُ الملاۤئكة و الناس و الواح المكان و الزمان المعبّر عنها بالكتاب الحَفٖيظ فَاِنَّ تلك من الواح اللَّوْحِ المحفوظ و امّا قطع الرَّبْط و التعلّق بينهما فافهم قوله عليه السلام الّا رضاكم يراد انّ غير رضاهم كالتّوبة لو كفّرَتْ بعضاً ماكفّرَتْ آخَرَ لعدم شمولها لكلّ شئ اذ بعض الذُنوب لايُشْعِرُ بها المرء و التوبةُ انّما تقع علي ما يُشْعِرُ به مجملاً اوْ مُفَصَّلاً و امّا رضاهم فهو يأتي علي كُلّ شئ اذ لايمكن ان يقع شئ من الذّنوبِ و هم لايعلمونه لانّ الاعمال تُعْرَضُ عليهم و قد اطلعهم اللّه علي ما في اللوح المحفوظ و كذلك القرءان فانه تفصيل كلِّ شئ و قد اعطاهم اللّه تعالي [ص 240] عموداً من نورٍ يرونَ فيه جميع اعمال الخلاۤئِق و لانه لايكون ذنبٌ الّا ما كان مخالِفاً لامر اللّهِ و ارادتِه ظاهراً او باطِناً و لا ارادة للّه و لٰا امرَ الّا بهم عليهم السلام لِانّهم مَحاۤلّ مشيّته و اَلْسُنُ ارادته و خزنَةُ امرِه و نَهْيه فلايمحو جميع الذنوب الّا رضاهم فان قلتَ لم قال عليه السلام الّا رضاكم و لميذكر رضا اللّه تعالي و ذكر رضي اللّه اولي في العموم فانّ شفاعتهم لاتنْفع الا من رضي اللّه دينه كما قال تعالي و لايشفعون الّا لمن ارتضي و بدون رضاه لاتنفع الشفاعة عنده و لهذا قال لنبيّه صلّي اللّه عليه و آله استغفر لهم اوْ لاتستغفرْ لهم اِنْ تستغفر لهم سبعين مرّة فلنيغفر اللّه لَهُمْ و لو اَذِنَ اللّهُ لهم بالاستغفار غفر اللّه لهم باستغفاره صَلّي اللّهُ عليه و آلِهٖ فالاَوْلَي ان يقال لايأتي عليها الّا رضا اللّهِ او يُقال الّا رضا اللّهِ و رضاكم قلتُ هذا مبني علي احد وجوهٍ بل كلّها مرادةٌ احدها ان يكون المراد برضاهم رضا اللّه امّا علي اعتبار المساواة في جميع مايترتّب علي الرضا من الاحكام مطلقاً او في خصوص غفران الذنوب و امّا علي اعتبار اتّحاد رضا اللّهِ و رضاهم في الجعل بان جعَل تعالي رضاهم رضاه و غضبهم غضبهُ و طاعتهم طاعته و معصيتَهم معصيته و ثانيها اَنْ يكون المراد انّ اللّه تعالي جعل رضاه في رضاهم و سخطه في سَخَطهم كما جعل امرَهُ و نهْيَه في قلوبهم فعلي هذا يكون رضاه في الذات غير رضاهم و في المتعلّق هو رضاهم بمعني انّ رضاه لايكون له محل يتعلّق به بحيث يكون مرضيّاً للّه تعالي الّا بواسطة رضاهم بان يكون ذلك المحل مرضيّاً لهم فيكون رضا اللّه في رضاهم علي جهة الظرفيّة باعتبار تعلّقِه بالمرضيّ كالنفس في الجسد بمعني انّ النفس و ان كانت هي المؤثّرة و لكن [ص 241] لايتحقّق تأثيرُها الّا بالجسم فتقول عملته بيدي و العامل هو النفس و لكن لايتحقّق عَمَلُها في الاجسام الّا بواسطة الجسم فاذا كان كذلك نسِب العمل الي الجسم لا الي النفس لانها لاتباشر الاعمال الجسمانيّة الّا بواسطة الجسم و ثالثها ان يكون المراد اَنّ اللّه تعالي جعل رضاهم شرطاً لرضاه تعالي شرط صحةٍ بمعني انه متمِّمٌ لرضاه تعالي او شرطَ ظهورٍ بمعني انه قابل لرضاه و رضاه مقبول فعلي الاوّل يكون رضاهم ركناً لرضاه بنحو ما يشير اليه الحجة عليه السلام في دعاۤء شهر رجب فجعلتهم معادن لكلماتك و اركاناً لتوحيدِك و آياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكانٍ علي معني انّ حقاۤئقهم معانيه اي معاني افعاله فيكون رضاهم جزءاً متمِّماً و اعتبر دون رضاه لانه السبب القريب منّا و الوَاسطةُ بيننا و علي الثاني اَنّ رضاه تعالي و رضاهم قابل له فهو الصورة و رضاه تعالي ماۤدّة و الحكم يتبع الصورة و ما يتبع الحكم تابع له بواسطتها فلذا اعتبر رضاهم و رابعها انّ شؤنه تعالي لذواتها منحصرة فيهم لانّه تعالي اصطنعهم له و انّما اصطنَعَ ما سواهم لهم فانحصرت معانيه اي معاني افعاله فيهم فَرِضاهُ الذي يكون منشأً و مستنَداً للامور بدءاً و عوداً حادِثٌ و جميع صفاته الحسني اي صفات افعاله من الكرم و الرّضَي و الفضل و الرحمة و غير ذلك فهم معانيها في مقام الاسماۤء و هم اسماۤؤها و اركانها في مقامِ الامثال العليا بمعني انهم عليهم السلام بظاهرهم اسماۤء لتلك الامثال و المقامات التي لا تعطيل لها في حالٍ و انّهم بباطنهم اركان لها و اَبْدالٌ فليس له تعالي رِضيً غير ذاته المقدّسة الّا هم او ما تَقوَّمَ بهم اوْ عنهم يعني ان الرضي الذاتي القديم ليس شيئاً غير ذاته تعالي و لا كيف لذلك و لا يعلمه الّا هو سبحانه و الرّضي ثلاثة اقسام رضيً تقوّم بهم تقوُّمَ ظهورٍ و هو فعله الراجح الوجود [ص 242] و هو قولنا اوْ ما تَقوَّمَ بهم و رضيً هو حقيقتُهمْ و رضيً تَقوَّمَ عنهم تَقَوُّمَ صدورٍ و تحقُّقٍ فذاته تعالي لاتنسب الي شئ و لاينسَبُ اليها شئ و ما سوي ذاته فما هو فعله و مشيّته و ارادته فهم محاۤلُّهُ و بهم تَقوّمَ تقوُّمَ ظهُورٍ و ما هو ذاتهم فهو ذاتهم و ظاهرٌ انّ اللّه تعالي اقامهم بهمْ و ما هو عنهم فما يفعلونه بامره لايسبقونه بالقول يعني انهم لا وجود لهم و لا شيئيَّةَ لهم الّا بما اعطيهم من ذواتهم فكان الاعتبار في مقام النّسبِيّةِ و المنسوبيّة انّما هو برضاهم و هم رضي اللّه تعالي و هم برضي اللّه قاۤئمون و هم عن رضي اللّهِ يفعلون و يرضون كما قال سيدُالشهداۤء صلوات اللّه عليه و لعنة اللّه علي ظالميه في قوله لعبداللّه بن عمر و هو (ع) متوجّه الي العراق قال (ع) بعد كلامٍ طويل يا عبداللّهِ خُطّ الموتُ علي ابنِ آدمَ مخطّ القلادة علي جيد الفَتاة و مااولهني الي لقاۤء اسلافي اشتياق يَعقوبَ علي ( الي خل ) يُوسفَ و خيرُ مصرعٍ انا لاقيه كأني باوصالي تُقطِّعُها عُسلانُ الفلوات بين النواويس و كربلاۤء فيملأن منّي اكراشاً جوفاً و اجربة ( و اَجْوفةً خ ) سُغْباً لا محيص عن يومٍ خُطَّ بالقَلم رضي اللّهِ رضانا اهلَ البيت نصبر علي بلاۤئه ليُوَفِّيَنَا اجر الصابرين لنتشُذَّ عن رسول اللّهِ لحمته و هي مجموعة له في حظيرة القدسِ تقَرُّ بهم عينه و يُنجز بهم وعدَهُ فمن كان باذلاً فينا مهجتَهُ موطِّناً علي لقاۤء اللّهِ نفسَهُ فليرحل معي فانا راحلٌ مصبّحاً ان شاۤء اللّه تعالي ه ، قوله عليه السلام فيملأن مني الخ ، كناية عما صنعوا به اعداۤؤه لعنهم اللّه و قوله (ع) اكراشاً الخ ، لبيان شدّة حِقدهم و عداوتهم كالجاۤئع الذي حين وجد الأكل لايظنّ انه يشبع لشدّة حرصه و لحمة رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله بضم اللام قرابته و المراد بهم المعصومون الثلاثةعشر عليه و عليهم السلام و حظيرة القُدس الجنّتان المدهاۤمّتان عند مسجد الكوفة و ذلك عند رجعته و اهل بيته صلي اللّه عليه و اهل بيته في آخر الرجعات التي يقتل فيها [ص 243] ابليس لعنه اللّه و الاستشهاد من كلامه عليه السلام قوله الحق رضي اللّه رضانا اهل البيت فانه عليه السلام اخبر بالاِتّحاد و ذلك كساۤئر ما اراد من خلقه مثل مَن اطاعهم فقد اطاع اللّه و مَن عصاهم فقد عصي اللّه و مثل قولهم عليهم السلام طاعتنا طاعة اللّه و معصيتُنا معصية اللّهِ و ما اشبه ذلك و خامسُهَا انّما خصّ رضاهم باللّفظ و ان كان يريد انّه هو رضي اللّه او ملازم لرضي اللّه او محلٌّ له او غير ذلك لبيان الانقطاع اليهم و للاخبار عن اخلاص القلب و عن الاستهلاك و الاضمحلال لوجوده في وجودهم و طاعتهم و امرهم و نهيهم نظير ما تقدّم في هذه الزيارة الشريفة من قوله و مُفَوِّض في ذلك كلّه اليكم و في الزيارة الجامعة الصغيرة في خصوص شهر رجب كما في مصباح الشيخ (ره) قال عليه السلام انا ساۤئلُكم و آمِلُكم فيما اليكم التفويض و عليكم التعويض فبِكُمْ يُجْبَرُ المَهٖيضُ و يُشْفَي المريض و عندكم ما تزداد الارحام و ما تغيض الخ ، و كلّ هذا و مثله لبيان ما انطوي عليه القلب من الانقطاع اليهم و قد تقدّم بيان التفويض و المراد به التفويض الحقّ اي التعليم لما شاۤء من العلوم و الاحكام و الاوامر و النواهي و الافعال ممّا هو مقتضي الولاية المطلقة و كلّ ما وصل اليهم منه تعالي فهو قاۤئمٌ بفعله قيام صدورٍ كقيام صورتك في المِرءاة بك فانها قاۤئمة بمقابلتِك لها قيامَ صدورٍ اذ ليست شيئاً الّا بمقابلتك كذلك جميع ما ينسب اليهم منه تعالي لا التفويض الذي هو كناية عن الاستقلال فانه شركٌ باللّه العظيم و قوله و عليكم التعويض يراد منه ما ذكرنا مراراً انّهم ابواب اللّه تعالي لايصل الي احدٍ من الخلق شئ من اللّه تعالي الّا بواسطتهم و قوله يجبر المهيض المهيض هو كسر العظم ثانياً بعد اَن جبر عن كسرٍ اوّل فَانّ جبرَهُ صعبٌ لايكاد يستقيم علي ما ينبغي و قوله و عندكم ما تزداد الارحام و ما تغيض اذا اجري تعالي صنعه علي الاسباب [ص 244] فاذا اتي المَرأة الحيض في حملها كما هو المشهور الصحيح زادت مدة الحمل بقدر ما تراه في حملها من الحيض و لذا قال الاكثر اكثر الحمل سنة لانّ مدة الحمل تسعة اشهر فيحتمل ان يأتيها في كل شهر عشرة ايّام فتزيد تسعون يوماً و هي ثلاثة اشهر و نقصان المدة عن التسعة لجواز صلاح الغذاۤء للجنين و قوة قابليّته و هاضمته و كثرة غذاۤئه من امّه فيشبّ في الستّة الاشهر او السبعة او غيرهما كما يشبّ غيره في التسعة و اذا كان كذلك لو بقي يوماً قتل امّه و لاسباب يطول ذكرها و اعظمها ان لكلّ شئ اجلاً في البقاۤء و الظهور و الخروج و الفناۤء لايزيد و لاينقص لكل اجل كتاب .
قال عليه السلام : فبحقّ من ائتمنَكم علي سرّه و استرعاكم امرَ خلقه و قرن طاعتكم بطاعته لمّا استوهبتم ذنوبي و كنتم شفعاۤئي .
قال الشارح المجلسي رحمه اللّه فبحقّ من ائتمنكم علي سرّه من العلوم اللّدنّيّة و المكاشفات الغيبيّة و الحقاۤئق الالهيّة و استرعاكم امْرَ خلقِهٖ اي جعلكم ائمّة و رعاة لامور الخلاۤئِق من العقاۤيِد و الاعمالِ و قرن طاعتكم بطاعته بقوله تعالي اطيعوا اللّه و اطيعوا الرسولَ و اولي الامر منكم و يفهم من المقارنة انه لايقبل واحدة منها بدون البقيّة بل الجميع واحد كما قال تعالي مَن يطع الرسول فقد اطاع اللّه انتهي .
اقول يعني اسألكم و اتوجّه اليكم بِحَقِّ مَنِ ائتمَنَكم عَلَي سرّه عليكم فانَّ لَه تعالي علي كُلِّ اَحَدٍ من الخَلْقِ حقُّ الايجاد و افاضة النّعم الَّتي لاتُحْصَي و لايقومُ بِحَقِّها احدٌ اِلّا بالاعتراف بالعَجْزِ و التَّقصٖير عن اداۤءِ شكرِ اَقلِّها فاتوجَّهُ اليكم بذلك الحقّ الذي اَعْظَمُهُ انّه تعالي ائْتَمنكم علي سرِّه و هذا السِّرُّ سرُّ الخليقةِ و هو مجموع احكام مُقْتَضَيات افرادِ الوجود و مجموع مقتضيات احكامها من [ص 245] الاجناس و الانواع و الاصْنَافِ و الافراد مِن حَيوانٍ و غيره و ذلك السّرُّ من حكمٍ و محكومٍ عليه من عوالِم الغيوبِ و عوالِم الشّهادةِ و الاشارة الي بيان هذا السر المشارِ اليه علي نحو الاجمال تلويحاً اذْ لايعرفه تفصيلاً الّا من ائتمنه اللّه تعالي ايّاه هو انّ اللّه تعالي قال كنتُ كنزاً مَخْفِيّاً فاحببتُ ان اعرف فخلقتُ الخلق لاعرف فاشار تعالي الي ثلاث رتب الاُولي مقام الكنز المخفي و هو مقام الذّات البحت المعبّر عنه باللّاتَعَيُّن و يعرف بما وصف نفسَه به من صنعه و ذلك صفةُ استدلالٍ عليه لا صفة تكشفُ له و لا سبيل لاحدٍ من الخلق اليه الّا بذلك و ان اختلفَتْ مراتبُ وصفِهٖ نفسه لخلقه بتفاوتٍ لايتناهي في الكم و الكيف و العدد و هذا اعلي مراتب السّرِّ الذي ائتمنَهُ و لايتحوّل سبحانه عن هذه الحال و انّما يظهر لمن اراد ان يظهر له به و بما شاۤء من آياته و الثانية ( مقام خ ) فاحببتُ ان اُعرف و هو مقامُ مشيّته و ارادته و ابداعه و فعله و هو الوجودُ الراجح ( الذي خ ) لا اوّلَ له في الامكان خلقه تعالي بنفسِهٖ و اَقامَهُ بنفسِهٖ و في الدعاۤءِ و باسمِك الذي استقرّ في ظلِّك فلايخرج منك الي غيرك فهو اسمه تعالي و هو ظلّه الّذي اقامه فيه يعني اقامَهُ بنفسه . و اعلم انّ للعرش الّذي استوي عليه الرحمن برحمانيّته فاعطي كلّ ذي حقٍّ حقَّهُ اطلاقاتٍ عندهم عليهم السلام و اعلي ما يطلق هذا الاسم عليه هذا المقام و نسبة هذا الي الحقيقة المحمدية و الوِلاية المطلقة كنسبة الكسر الي الاِنكسَار و هم عليهم السلام محاۤلُّ هذا كما انّ الانكسَار محلّ الكسر و قد ائتمنهم علي هذا السّرِّ و هو اَمْرُ اللّهِ الّذي به يعملون فلمّا كان الصنع و العمل و كلّ شئٍ من عين او معني حركةٍ او سكون لايكون الّا بامر اللّهِ الذي هو فعلُه و مشيّته و كانوا محلَّ ذلك كلِّه في رتبة الاكوان كما قال تعالي و وسِعَني قلبُ عبدي المؤمن ائتمنهم عليه اي [ص 246] علي حفظه و القيام بموجبه و تأديَةِ احكامِهٖ و آثارِهٖ الي مستحقّيها و قابليها و قوّاهم به علي تحمّلِهٖ فليس لهم عملٌ بغيره لا من انفسهم و لا من غيرهم من الخلق و لميكلّفهم الّا به قال اللّه تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلبُ عبدي المؤمن فقلبُ المؤمن وسِعَه اي وسِع فعله فقال اللّهُ لايكلِّفُ نفساً الّا وُسْعَها فحصر تكليفَهم عليهم السلام في فعله تعالي و امرِه و هذا هو السّرُّ في تقديم الجار علي العامل في قوله تعالي و هم بامرِه يَعْملون و هذا كمال الائتمان لهذا السّرّ الّذي هو منشأ كلّ شأنٍ وَ الثالثة ( مقام خ ) فخلقْتُ الخلقَ لاُعْرَفَ فخلقهم صَلّي اللّهُ عليهم و اشهَدَهُمْ خَلْقَ اَنْفُسِهِمْ فبذلك عرفوهُ و وحدّوه و هلّلوه و سبّحوه و حمِدوه و كبّروه ثم خلق الخلقَ علي ترتيب قابليّاتِهم للوجود و كلّما خلق شيئاً اشهدهم خلقَهُ و انهي علمه اليهم اي انهي علمه تعالي بذلك الشّئ اليهم اوْ انهي علم ذلكَ الشئ اليهم فعلي جعل الضمير في علمه عاۤئداً اليه تعالي يرادُ بهذا العلم العلم الكوني و الارادي و القدري و القضاۤئي و الاذنيّ و الاجلي و الكتابي كلّما نزل المُشاۤءُ الي مقامٍ انهي تعالي علمه به اليهم و هكذا و هذا العلم هو المستثني في قوله تعالي و لايحيطون بشئ من علمه الّا بما شاۤء فان المستثني منه علي الظاهر ليس هو العلم الذاتي فان العلم الذاتي هو ذاته تعالي و لايصحّ ان يقال و لايحيطون بشئ من ذاته الّا بما شاۤء و الاصل في الاستثناۤء الاستثناۤء المتّصل لانه لاخراج ما لولاه لدخل في المستثني منه و المنقطع ليس هذا سبيله علي الظاهر و انما قلتُ علي الظاهر ليس هو العلم الذاتي لاحتمال المنقطع و ان كان مرجوحاً لان المستثني و ان لميدخل في المستثني منه بالاصالة لكنه يحتمل دخوله بالتبعيّة فان بعض المخاطَبين من يحتمل غير المتعارف فالمتكلّم قد يجوّز في مخاطَبِه ذلك فيستثني المنقطع و قد يكون المتكلم يريد تنبيه المخاطب [ص 247] علي معني الشمول في المستثني منه اذا استثني المنقطع فاذا قال قام القوم الّا حماراً يريد تنبيه المخاطب علي ان جميع القوم قاموا و لو اراد المجاز و اَنه انما قام بعضهم لما استثني منهم ما ليسَ منهم فلمّا استثني ما ليسَ منهم كان كالنّصّ علي العموم و لو لغرضٍ له من الاغراض و قد يلاحظ جانب اللفظ فعَلَي هذا يجوز ان يراد بالعلم المستثني منه العلم الذّاتي و المستثني العلم الحادث المُشاۤء فقد يتوهّم المخاطب انّه تعالي حين سمّي نفسه علماً و كان له علم بالكاۤئنات حادث لعلّه عني مطلق ما يسمي علماً و لو باللفظ فيكون العلم الحادث غيرَ مُحاطٍ به فابانَ تعالي بان الحادث المشاۤء اي الّذي يدخُلُ في حٖيطةِ مَشيّتِهٖ يحيطونَ به و ربّما يُحتمل هنا قسماً ثالثاً و ذلك ان يقال بانه علي فرض المنقطع يكون المستثني منه قديماً و المستثني حادثاً و علي فرض المتّصل يكونانِ معاً حادثَيْن و علي فرض القسم الثالث يكون لا متّصلاً لانّه استثناۤء ما لولاه لدخل في المستثني منه لانه مغاير للمستثني منه لان العلم المستثني منه امكاني راجح الوجود و ان كان حادثاً لكن اللّه سبحانه احدثه بنفسه لا بشئٍ آخر و المستثني تكويني جاۤئز الوجود احدثه اللّه بفعله لا بنفسه كالاوّل و انّما احدثه اللّه تعالي بالاوّل فهو غيره باعتبارٍ بحيث لايصدق عليه الّا بظاهر اللّفظ خاصّة لانه من الاوّل كالنور من الشمس فاولي فيه ان يكون الاستثناۤء منقطعاً و باعتبار انّهما معاً داخلان في مسمي العلم حقيقة قد اشتركا فيه و في الحدوث فيكون منقطعاً فاذا قلنا بالقسم الثالث نريد انه بين اعتبارين متصادمَيْنِ يصدق باحدهما انهما من جنسٍ واحدٍ و باحدهما انّهما من جنسين فهو ذو وجهين فان قلتَ هو متّصل صدقتَ و ان قلتَ هو منفصِل صدقتَ و ان قلت لا متّصل و لا منفصل صدقتَ و ليس لك ان تقول الاصل فيه الاتّصال لانّ الاصل انما يتمشي في مجهول الحال و لا ان تقول انّهم [ص 248] اجمعوا علي الاتّصال و الانفصال لانّهم لميجمعوا علي نفي غيرهما و انّما حصروا التقسيم فيهما نظراً الي ان المستثني من جنس المستثني منه او من غير جنسه فحصرهم بَنَوهُ علي هذا النظر و اذا وجد قسم لايكون من جنسه و هو من جنسه فما يقال فيه علي ان اثباتهم لشيئين لاينفي ما عداهما و لميقم الاجماع علي النفي و انّما قام علي الاثباتِ و اثبات الشئ لاينفي ما عداه و الحاصل انا نقول ليس المراد بالمستثني منه العلم القديم الذي هو ذاته لما يلزم ذلك من المفاسد المنافية للتوحيد فيكون المراد به العلم الحادث فنقول المراد بالاستثناۤء في الٰاية المتّصل امّا مقابلة لما قيل انه منقطع بناۤء علي انّ المراد بالمستثني منه القديم او لان الاصل فيه الاتّصال بمعونة الاستعمال اللفظي فانه كافٍ في الاتّصال او ترجيحاً للاجتماع في الحدوث علي التفريق بالعلّيّة و المعلوليّة او لانّ ما هو علّة بالفعل هو معلول بالقوّة فيشتركانِ اوْ لانّا لسنا بصدد تحقيق اللغة و انما نحن بصدد المعني و هو يتأدَّي علي اي الاحتمالين فالاستعمال في الاتّصال اكمل و اشرف او لانّ ما نُفِي عنهم عليهم السلام الاحاطة به ليس علي جهة الاستمرار و الدوام و انّما هو موقّت ينتظر به وقته فيحيطون به يعني يحيطون بما حضر وقته لا انّهم يحيطون به كله بحيث لايبقي ما ينتظرونه لانّ ذلك انما يكون في المتناهي و هذا العلم الامكاني و ان كان حادثاً احدثه اللّه تعالي بنفسه و لميكن معه في الازل اذ ليس معه تعالي شئ من الحوادث الّا انّه منْهُ يمُدُّ الخلقَ و الخلقُ ابداً محتاجون في بقاۤئهم الي المدد لا وجود لهم و لا بقاۤء بدونه و ذلك المدد ليس قديماً لان القديم لايستمدّ من ذاته الحادثُ و لايجوز ان يفني لانه لو فني فاِمّا ان يبقي فاِن بقي الموجود كان حينئذٍ مستغنياً و الحادث لايكون مستغنياً في حالٍ و امّا ان يفنَي و المسلمون كلهم اهل الشرع عليهم السلام [ص 249] و غيرهم مجمعون علي بقاۤء الجنة و اهلها و النار و اهلها و دوامهم لا الي غاية و نهاية فثبت بان هذا الامر اعني الامر الامكاني ليس بمتناهٍ ابداً و انّ اللّه سبحانه يمدّ الخلق اهل الجنّة بنعيم متجدِّدٍ لايتناهَي و اهل النار بعذابٍ اليمٍ يتألّمون به متجدِّدٍ لايتناهَي و لاينقطع و لايأول امرهم و حالهم الي النعيم كما زعمه الصوفيّة المتلوِّنون بل كلّما طال عليهم المَدا ازدادوا تألُّماً فهو تعالي يمدّ الفريقين بما يستحق كل واحد منهما من هذا الحادث الذي لايتناهَي و لايتغايَا و هو علي كلّ شئٍ قدير فقولنا و هذا العلم هو المستَثني في قوله تعالي و لايحيطون بشَئٍ من علمه الّا بما شاۤء فما شاۤءَ من علمه يحيطون به عليهم السلام لانه انهاه اليهم و هو علم ما كان و ما يكون علي ما فصّلنا فيما تقدّم سابقاً و معني الّا بما شاۤء انّهم يحيطون من علمه بما شاۤء ان يحيطوا به او انهم لايحيطون بشئ مما شاۤء من علمه الّا بمشيّته فما في هذا الوجه مصدريّة حرفيّة كما قال تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الّا من ارتضي من رسول ، فعلي الظاهر تكون من رسول بيانية و المراد به رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و ما علّمه اللّه فان اللّه امَرهُ ان يعلّمه الطّيبين من اهل بيته عليهم السلام و علي الباطن و التّأويل ان المرتضي من محمد صلّي اللّه عليه و آله عليّ و فاطمة و الاحدعشر معصوماً من ذرّيتهما عليهم اجمعين السلام و قد اشار الهادي عليه السلام في هذه الزّيارة في قوله و ارْتضاكم لغيبه و كذلك قوله تعالي و ماكان اللّه ليطلعَكم علي الغيب و لٰكن اللّه يجتبي من رُسُلهٖ مَن يشاۤء ، فعلي الظاهر المجتبي من الرسلِ محمد صلي اللّه عليه و آله و اطلعه تعالي علي ما شاۤء من الغيب و ما اطلعه عليه فانه امره ان يطلع عليه الطيبين من اهل بيته عليه و عليهم السلام و علي الباطن و التأويل فالمجتبي من محمد صلي اللّه عليه و آله علي و فاطمة و الائمة من نسلهما عليهم السلام . [ص 250] و اعلم ان العلم الامكاني الراجح الوجود هو وجود الامكان عند وجود المشيّة بما فيه من الامكانات الجزئيّة التي لاتتناهَي فانّها هي و المشيّة و الارادة لمتكن في الازل لان الازل ذاته تعالي و ليس معه غيره و ليس شئ في تلك الرتبة التي هي ذاته غيره ثم احدث المشيّة بنفسها و احدث بها معها الامكان المطلق و ما فيه من الامكانات الجزئيّة الّتي لاتتناهي فهي مع المشيّة و الارادة متساوقان في الظهور في الوجود بعد ان لميكن شئ غير اللّهِ تعالي و هذا الامكان و ما فيه هو خزانةُ اللّهِ الّتي لاتغيض بل تفيض و هذا هو العلم الامكاني الذي لايعلمه الا اللّه تعالي و لايحيطون بشئ منه ثم شاۤء ان يُكوّن منه ما شاۤء فما شاۤء كونه و اراد عينه فهو العلم الكوني و التّكويني و العلم المشاۤء و الّذي يحيطون به بمشيّة اللّه تعالي فكلّ من اتّصف بالوجود الكوني فقد انهي علمه اليهم صلي اللّه عليهم كما تقدّم و جعل تربيته اليهم في كلّ شئ و هو الذي اشار اليه بقوله و اسْتَرْعاكم امر خلقه و قد ائتمنهم سبحانه في هذه الاسرار الثلاث ففي الاولي هم اركان مقاماته و علاماته بل هم مقاماته و علاماته و في هذه الرتبة اشار الحجة عليه السلام في دعاۤء شهر رجب كما تقدّم مراراً اليهم و اشار الصادق عليه السلام اليهم بقوله لنا مع اللّهِ حالاتٌ نحنُ فيها هو و هو نحن و هو هو و نحن نحنُ ه ، و في روايةٍ الّا انه هو هو و نحن نحنُ ه ، و في الثانية هم معانيه فهم علمه و قدرته و حكمه و يده و لسانه و عينه و قلبه و امره و غير ذلك مما ذكروه عليهم السلام بل هم فيها اركان مقاماته و معني كونهم معانيه انّهم معاني افعاله كالقيام و القعود و الاكل و الشرب و الكتابة بالنسبة الي زيد فان هذه معاني زيد اي معاني افعاله و في الاولي هم كالقاۤئم و القاعد و الٰاكل و الشارب و الكاتب بالنسبة الي زيد فانّ هذه اسماۤءُ فاعلٍ كذلك هم اسماۤؤه [ص 251] كما قال الصادق عليه السلام و هو المسمّي و نحن اسماۤؤه و في الثالثة هم بيوته و ابوابه التي امر ان يؤتي منها و قد تقدم بيان هذه في مواضع متعددة و انا اكرّر القول لمن اراد ان يذّكّر اوْ اراد شُكوراً و في كلّ مرتبةٍ من هذه الثلاث له سرٌّ غير متناهي المراتب و اعطاهم و قوّاهم بما اختارهم له و آتيٰهم تقويٰهم و ائتمنَهم علي ذلك كلّه لعلمٍ منه سَبق فيهم فهم بامره يعملون صلّي اللّه عليهم اجمعين .
و قوله عليه السلام : و استرعاكم امر خلقِهٖ يعني به انه تعالي استرعاهم امر خلقه جعلهم قاۤئمين برعاية الخلق فيما يتعلّق بامر الوجود الكوني و شرعِهٖ و فيما يتعلّق بامر الكون الشرعي و وجوده و فيما يتعلّق بامر الغيب و الشهادة و فيما يتعلّق بامر الدنيا و الٰاخرة و فيما يتعلّق بامر الجنّة و النّار طلب تعالي منهم عليهم السلام رعاية جميع خلقه في هذه الامور الخمسة كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام فيما تقدّم من خطبته يوم الغدير و الجمعة قال في حق محمّد صلّي اللّه عليه و آله استخلصه في القدم علي ساۤئر الامم علي علم منه الي ان قال و انتجبه آمِراً و ناهياً عنه اقامَهُ في ساۤئر عالمِهٖ في الاداۤءِ مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتُمَثِّلُه غوامضُ الظنون في الاسرارِ لا الٰه الّا هو الملِكُ الجبّار و قد تقدم هذا و مثله في حقهم من خُطْبته عليه السلام فهم المُرَبُّون لرعيّتهم الراعُون الذين استرعاهم اللّه تعالي امْرَ غَنمِهٖ فَان شاۤؤا فانّما شاۤءَ . و هنا شبهة تحتاج الي البيان و هي انّ اللّه قدْ يريدُ امْراً فاذا ارادوا اَلّايكونَ اراد سبحانه اَلّايكون فيترُك ارادتَهُ لارادتهم و هذا شئ كثير الوقوع كما في الشفاعات التي تكون منهم اذ لولا شفاعتهم لعذّبَ اللّهُ ذلك الشخص لانه يريد تعذٖيبَهُ فلمّا شفعوا رحمه و كذلك في دعاۤئهم لشئ فيَستجيب [ص 252] اللّه تعالي لهم و يفعل ما سألوهُ و لولا دعاۤؤهم لميفعله فاذا كان الامر كذلك دلّ علي اَنّ لهم ارادة و مشيّة غير مشيّة اللّه تعالي و ارادته و قد ذكرتَ في كثيرٍ من ابحاثِ هذا الشّرح انّه تعالي انّما خَلقَهم لَهُ لا لشئٍ سوَاهُ و لا لِاَنْفُسِهِمْ و قبول الشّفاعةِ و الدّعاۤء منهم يدلّ علي وجود انّيَّةٍ لهم . و الجواب انّ اللّه سبحانه خَلقَهُمْ لَهُ خاۤصّة كما قلنا و لٰكِنْ صنعه لخلقه و بخَلْقِهٖ جارٍ علي حكمته و سنّته و لنتجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تبديلاً و هو انّه اجري عادته علي انه يفعل بالقوابل و بتَوسُّطِ الاَسْباب مثلاً ينزل من السَّماۤءِ ماۤءً و هو سبب لاخراج الثمرات علي اختلافِها فيخرجُ الرمّان من شجره بطبيعتها و بتوسّط الماۤء و التراب و يخرج العنب من شجره بطبيعتِها و بتوسّط الماۤء و التّراب و الفاعل واحد سبحانه و الفعل واحد و اصل السبب واحد و هو الماۤء و التراب فلو خلق بغير القابلية لكان المخلوق شيئاً واحداً و لكنه خلق الرمّان بطبيعة شجره و العنب بطبيعة شجره و لمّا كانَتْ عَادتُه اَنّه يفعل بالقوابل و الطباۤئع كان فعله تعالي متقوِّماً بمقوِّماته و هي هم عليهم السلام و المقوّماتُ مقوِّماتٌ علي رُتَبِها في كل رتبة بحسبه مثاله انّك مدرِك و لكن تدرك الالوان و الاصوات و الطعوم و الرواۤئح و المجسّات في رتبتها من الاجسام بما يوافقها من مدركاتك فتدرك اللون بالبصر و الصوت بالاذن و الطعم باللسان و الراۤئحة بالانف و المجسَّة بالانملة مثلاً و تدرك المثال بالحسّ المشترك و الصور الخياليّة بالخيال و النفسانية بالنفس و المعاني بالعقل و المعرفة بالفؤاد فالفؤاد يدرك المعرفة بنفسه و لما دونه بتوسّط العقل و الصور بالنفس بتوسّط العقل و يدرك المثاليّة بتوسّط ما بينه و بين مدركه و هكذا الاَعْلَي يدرك ما في رتبته بنفسه و ما فوقه و ما تحته بتوسّط الادراك المتوسط فكذا ما نحن بصدده فاِنّ مثالَنا آيةُ بَيانِهٖ و دليل برهانه فهم عليهم السلام في مقام [ص 253] العلامات لَيْس لهم مَشِيّة الّا مشيّته تعالي و في مقام المعاني مشيّتهم اركان مشيّته تعالي و في مقام الابواب مشيّتهم وجهُ مشيّته و في مقام الامام مشِيّتُهُمْ تابعة لمشيَّتِهٖ فمشِيّتهم في الظاهِر السبَبُ القريب ففي الاوّل لايجدون لهم مشيّةً و لا وُجوداً و في الثّاني مشيّته تعالي متقوِّمةٌ في الصنع بمشيّتهم بمعني ان مشيّتهم في الصّنع محلٌّ لمشيّتِهٖ و مشيّته فاعله و منه قوله تعالي و مارميتَ اِذْ رميتَ و لكنّ اللّه رمَي ، و في الثالثِ مشيَّتُهُمْ في مشيّتِهٖ تعالي عَضُدٌ لِلمشاءَاتِ فانّهم لايقدرونَ علي قبولِ مشيّتِهٖ تعالَي بدُونِ وَاقٍ منهم عليهم السلام و هو مشيّتهم و في الرّابع لهم المشيّة التَّابعَةُ لمشِيّتِهٖ تعالي فمشيّته تعالي بالنسبة الي مراتبهم الثلاثة الاواخِر مرتبطةٌ بمشيّتهم فان توجّهت مشيّتُهُ الٰي مُشَاۤءٍ فلايتمّ تعلّقها به الّا مع انضمام مشيتِهم مَعَها لكونِهَا ركناً او عضداً او تابعاً قريباً فان شاۤؤا جهةً غير تعلّقِ مشِيَّتِهٖ فاِنّما شاۤؤا بتفويضِ مشيّتِهٖ فاذا شاۤؤا فبمَشيَّتِهٖ شاۤؤا فيجب في الحكمة ان تجري مشيّته تعالي علي وَفْقِ مشيّتهم لانها مُتَمِّمةٌ لقابلية المشاۤء و لفاعليّة مشيّته تعالي كما يتمّم البصر ادراكَ العقلِ للالوان و لايجوز في الحكمة تفرّد مشيّته تعالي و الّا لجري صنعه علي غير مقتضي القَوابِل اذ مُقتضاها توسّط المتمّمات لها من المشخّصات و من توسط اسباب المقبول و اذا شاۤء اللّه تعالي عذابَ شخصٍ بمقتضي ذنبه و شاۤؤا الشفاعة له و شفعُوا قبِل شفاعتهم و شاۤء ما شاۤؤا لانّ الذنب الّذي اقتضي ان يشاۤءَ اللّه تعالي تعذيبَهُ عليه انّما هو تقصير فيما جعل لهم من حق الولاية وَ المحبّة لا انّه تعالي يتشفّي بتعذيبِ من عصاه اذ لا حاجة له الي شئ و لايهيجه شئ و انّما هو في الحقيقة اَخْذٌ بحقِّهم اَوْ لِحقِّهم فاذا شفعوا فبمشيّته شفعوا و لحقِّهم اسقطوا فكان مقتضي حال ذلك الشخص مع ضميمة شفاعتهم عليهم السلام العفو عنه و التفضّل عليه بالرحمة [ص 254] لانّ مَعْصيته مع الشفاعة تتبدّل طاعة كما قال تعالي فاولۤئك يُبَدِّل اللّه سيّئاتهم حسنات و ما مثال هذا الشخص في ذنبه الّا كرجل في ثوبه الساتر له الذي يريد الصلوة فيه قطرة بولٍ فانّ مقتضي حكم اللّه و مشيّته منعه من الدخول في الصلوة فلمّا غُمِسَ في الفراتِ بثوبه كان مقتضي حكم اللّهِ و مشيته الاذن له بالدخول في الصلوة لان نجاسة ثوبه من قطرة البول و من غيرها بُدِّلتْ طهارةً فلمتكن لهم مشيّة الّا مشيّة اللّه تعالي او عن مشيته اوْ بها فمع اتّحادِ المشيّة من اللّه تعالي و منهم كما في المقام الاول فلا كلام و مع اعتبار التعدّد او المغايرة فلانه تعالي اولي منهم بالكرم و الفضل فكما كانوا يتركون ما يريدون من شهوات انفسهم و مقتضي انّيّاتهم لما يريد سبحانه كان تعالي اولي بذلك فيترك ما يريد لما يريدون علي انه انّما اراد لهم خاۤصّة و اللّه غني حميد و لاجل هذا ورد في اخبارهم عليهم السلام اذا شئنا شاۤء اللّه و ماتشاۤؤن الّا ان يشاۤء اللّه ورد و اذا شاۤء اللّه شِئنا هذا عطاۤؤنا فامنن او امسك بغير حسابٍ فلمّا اشهدهم خلق انفسهم و انهي اليهم علم ذلك و اشهدهم خلق جميع مخلوقاته و انهي اليهم علم جميع خلقه و جعلهم محاۤلّ مشيته و الْسُنَ اِرادَتِهٖ و اصطنعهم لنفسه و اغناهم به تعالي عمن سواه فلايشاۤؤن الّا بمشيته او عن مشيّته و اقدرهم علي ما حمّلهم و كان تعالي لاتدركه الابصار و لاتمثّله الظنون استرعاهم امر خلقه اي منهم خاۤصّة طلبَ رعاية امر خلقه لانحصار شؤنه تعالي و حواۤئج جميع خلقه فيهم عليهم السلام فهم بأَمره يعملون .
و قوله عليه السلام : و قرَن طاعتكم بطاعته لمّا كان تعالي باۤئناً من خلقه بينونة صفةٍ لا بينونة عزلةٍ و كان مصير كلّ شئ اليه وجب في اللطف ان يميّز خلقه بحدودهم التي هي غيوره كما قال الرضا عليه السلام في خطبته كنهه تفريق بينه و بينَ خلقِهٖ و غيورُه تحديدٌ لما سواه [ص 255] ليعرفوه تعالي بمباينته لحدود خلقه التي منها الاتّحاد و المساواة و الموافقة و المخالفة و المشاركة و المضاۤدّة و الشبه و الاقتران و الاجتماع و المباينة و المفارقة و غير ذلك فيعرفوه تعالي بخلافِها و خلافِ خلافها و يلزم هذا التوحيد و التجريد الغني المطلق فٰاية التوحيد الانفراد بما يجوز عليه ففرق بهذا اللحاظ بين طاعته و طاعتهم فقال و قَرَن طاعتكم بطاعته و آية الغني المطلق انّما ينسب اليه و يجوز عليه غير ذاته المقدّسة فهو لأقرب خلقه اليه و انّما نسبه اليه و هو لهم تشريفاً لهم و تعظيماً و لانّ ما لميكن له باطل فلايجعل لمن جعلهم احبّاۤءَهُ بالحقّ ما يكون باطلاً اذا لمينسب اليه ما لمينسب اليه ليكون حقّاً يليق منه تعالي لاحبّاۤئه الحقّ فقال تعالي في آية الغني المطلق من يُطع الرسول فقد اطاع اللّه ، فٰاية التوحيد انه تعالي قرن طاعتهم بطاعته ليبين من خلقه بينونة صفةٍ لا بينونة عزلةٍ لان مقتضي بينونة الصفة تعدّد الطاعة و مقتضي بينونة العزلة عدم اقتران طَاعتهم بطاعته فافهم و هو الغني المطلق في توحيده المتوحد في غناه فيجب في آية غناه ان يعتبر كون المراد بتعدّد الطاعة مع اتّحادِها في الغني المطلق و مع التوحيد و الغني المطلق انّ الطاعة بمقتضي الغني المطلق لاتكون طاعة الّا اذا نسبت اليه ليصح كونها طاعةً تعود الي مَن شاۤءَ و احبَّ فقوله عليه السلام و قرَن طاعتكم بطاعته مع انّه قال قبل هذا مَن اطاعكم فقد اطاع اللّه و هو مشعر بان طاعة اللّه تعالي هي نفس طاعتهم لانه اتي بقد الداخلة علي الماضي المفيدة للتحقيق و لا شكّ انّ من اطاعَهم فانّما اطاع اللّه لبيان تحقّق كونها طاعةً في نفس الامر بايقاعها له تعالي بتَبْٖيينِهمْ مشفوعةً بولايتهم و محبّتهم و البراۤءة من اعداۤئهم و لايلزم علي الظاهر انّ مَن اطاع اللّه فقد اطاعهم لما تقدم في حديث مناقب ابنشاذان من قوله تعالي في الحديث القدسي اقسم بعزّتي و جلالي [ص 256] انّي ادخل الجنّة من اطاعَ عليّاً و ان عصاني و اقسم بعزتي و جلالي اني ادخل النار مَن عصي عليّاً و ان اطاعني و هذا مرويّ في المتواتر معني من الفريقين فكانت طاعته تعالي في الظاهر قد لاتكون طاعة لهم نعم اذا اريد بالطاعةِ الطاعة التي هي عند اللّه تعالي و عندهم طاعة فهي طاعة اللّهِ الناشية عن طاعتهم يعني علي النحو الذي اطاعوا به اللّه سبحانه و امروا ان يطاع به اللّه سبحانه و هي ما اخذت عنهم و رضوا بها طاعة للّه سبحانه و لاتكون الّا بطاعتهم و انّما سمّي تلك طاعة له تعالي علي زعمهم اَنّها طاعةٌ له و ليست طاعةً له بل هي معصيةٌ له و لهذا يدخل صاحبَها النارَ و ذلك لانه تعالي امر عباده بان يأتوا البيوت من ابوابها و قد جعلهم عليهم السلام ابوابه و امر عبادَهُ بان يطيعوه بطاعتهم و اخبرهم بان مَن اطاعني بطاعة غيرهم فقد اشرك بي فهم يطيعونَهُ بطاعة اعداۤئهم لعنهم اللّه و هم يحسبون انهم يحسنون صنعاً فاخبر سبحانه عن حالهم يوم القيمة فقال و يوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين اشركوا اين شركاۤؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لمتكن فِتنَتُهُمْ الّا ان قالوا و اللّهِ ربّنا ماكنا مشركين فقال تعالي لنبيّه صلي اللّه عليه و آله يا محمد انظر كيف كذبوا علي انفسهم و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون ، و في الكافي عن الصادق عليه السلام في كلام له يعرّض بالمرجئة بعد ان تركهم و مضي عنهم فلما خرج من المسجد قال لي يا ابامحمد واللّهِ لو انّ ابليس سجد للّه تعالي بعد المعصية و التكبر عمر الدنيا مانفعه ذلك و لا قبِلَهُ اللّهُ تعالي ما لميسجد لٰادم عليه السلام كما امره اللّه تعالي ان يسجد له و كذلك هذه الامة المفتونة بعد نبيها صلي اللّه عليه و آله و بعد تركهم الامامَ الذي نصبه نبيّهم صلي اللّه عليه و آله فلنيقبل اللّه لهم عملاً و لنيرفع لهم حسنةً حتي يأتوا اللّهَ من حيث امرهم و يتولّوا الامام الذي اُمِروا بولايته و يدخلوا في الباب [ص 257] الذي فتحه اللّهُ و رسولهُ (ص) لهم يا ابامحمد انَّ اللّهَ افترض علي امة محمد (ص) خمس فراۤئض الصلوة و الزكوة و الصيام و الحج و ولايتنا فرخّص لهم في اشياۤء من الفراۤئض الاربعة و لميرخّص لاحدٍ من المسلمين في ترك ولايتنا لَا واللّهِ ما فيها رخصةٌ ه ، و فيه عنه عليه السلام في حديثٍ قد تقدّم ذكره الي ان قال (ع) وصل اللّه طاعةَ وليِّ امرهِ بطاعة رسولِه و طاعةَ رَسُولهِ بطاعتِه فمن ترك طاعةَ وُلاةِ الامر لميُطِعِ اللّهَ و لا رَسُولَه و هو الاقرار بما نزل من عند اللّه تعالي و يجوز ان يكون المراد بقَرْنِ طاعتهم بطاعته الاتّحاد في الظهور الكوني و المساوقة في الصدورِ منَ الفِعْل و ان وُجد التّعدّد في الوجود العلمي و انَّ طاعتهم مترتّبة علي طاعته لانا لانريد بهذا الترتّب العلمي التَّعدُّدَ في نفسه لانّ التّعدد في نفس الامر يلزم منه تعدّد المَنْسوب اليه لانّ الطّاعة وصفٌ نسبي يستلزم مطاعاً و اذا كان غنياً لذاته لميرد شيئاً لذاته و انّما يريد لغيره و هم ذلك الغير لا غير و ايضاً الطاعة حادثة و لاتنسب الّا الي حادث و هم ذلك الحادث المنسوب اليه الحادث و انّما نريد بالترتيب العلمي الموجب للتعدّد في اللفظ انّ هذه الطّاعة الواحدة انّما تكون طاعة في الواقع بنسبتَيْن نسبة الايقاع و نسبة التعيين اَمّا نسبة الايقاع فباَن يوقِعَها المطيع للّه تعالي وحده و هي النسبة الاولي في الاعتبار و هي مشتملةٌ علي ابتداۤئين بينهما انتهاۤء و امّا نسبة التعيين فباَن يأخذها و كيفيّتها عنهم بشروطها من ولايتهم و محبّتهم و التسليم لهم و الردّ اليهم و من البراۤئة من اعداۤئهم و هي النسبة الثانية في الاعتبار و هي مشتملة علي انتهاۤئين بينهما ابتداۤء فالنسبة فيها ابتداۤء من اللّهِ تعالي بفضله و رحمته باَن انزل تلك الطاعة في ماۤدة النور و هذا الابتداۤء الاوّل من النسبة اليه تعالي و الانتهاۤء الاوّل من النسبة اليهم ان ذلك النور انزله اليهم و اوحي اليهم علم الكيفيّة [ص 258] لطاعته فقدّروها بامر اللّه تعالي كما شاۤء و رفعها المطيع الممتثل لامرهم الي اللّهِ تعالي بان اوقعها له عز و جل و هذا هو الانتهاۤء المتوسطُ من النسبة اليه تعالي فقبلها لموافقتِها لارادته و محبته و امره فاحياها بان نفخ فيها روح القبول فانزلَها مِنْه تعالي اليهم و هذا الانزال هو الابتداۤء الثاني من النسبة اليه و اليهم اي و كون الانزال اليهم هو الانتهاۤء الثاني من النسبة اليهم فكانت الطاعة الحقّ منه اليهم بالفضل الابتداۤئي و السؤال الاوّل ثم منهم اليه تعالي بالاجابة الحقّة ثم منه تعالي اليهم باقامة الولاية الكبري و رفع لواۤء الحمد له تعالي بهم فمن حيث لحاظ الابتداۤء و الانتهاۤء منه اليهم و منهم اليه و منه اليهم قال عليه السلام و قرن طاعتكم بطاعته و من حيث لحاظ انّ شرط الصحة فيها ان تكون له تعالي بهم و لهم منه قال عليه السلام و قرن طاعتكم بطاعته فظهر اللفظ بصورة التعدّد وَ من حيث انه تعالي حصر شؤنه فيهم عليهم السلام و حصر حواۤئج الخلق عندهم قال مَن يطع الرسول فقد اطاع اللّهَ و قالوا عليهم السلام فجعل طاعتنا طاعته تعالي و معصيتنا معصيته فتقرّر المعني و اللفظ علي الاتّحادِ كما هو حكم الغني المطلق .