و قوله عليه السلام : و اتّبعنا الرّسول فيما دعا اليه و امر به من توحيد اللّه و معرفته و معرفة ما وصف به نفسه لنا و من الايمان به و بملاۤئكته و كتبه و رسله و باوصياۤئهم علي محمد و آله و عليهم السلام و باليوم الٰاخر و بتصديقهٖ فيما جاۤء به من احوال النشأتين و من الدين الاسلام و الايمان و غير ذلك من مرادات اللّهِ من عباده التي هي آثار الولاية و صفاتها و فروعها و من الامر بقبولها و من بيان حقيقتها و انها الدين و اَن لا دينَ الّا بها و بيان اَهْلها القُوَّام بها و بيان وجوب طاعتهم و انّهم معيّنون لتحمّل الولاية و تأدية احكامها الي الرّعيّة من اللّه سبحانه و انه يجب متابعتهم و الأخذ عنهم و التسليم لهم و انّهم اولي بالخلق من اَنْفُسِهم و انه لايجوز [ص 207] ان يتقدّمهم احدٌ بعد رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و لايتأخّر عنهم متأخّر و انّ اللازم لهم لاحق و المتقدّم لهم مارق و المُتَأخّر عَنْهُمْ زاهق و هو عهد منّا اخذه اللّه سبحانه فاعطيناه العهدَ من انفُسِنا بذلك اَنّا آمنّا بما انزل وَ اتَّبَعْنا الرّسول في جميع ما امر و من جملة ذلك انه (ص) امرنا باتّباعهم عليهم السلام في جميع ما امروا فيكون المعني آمنّا بما انزلتَ و اتَّبعنا الرسول و آلَ الرسول في جميع اوامرهم و نواهيهم و اراداتهم و هذا هو المراد من الٰاية و من المذكور في الزيارة و انّما لميصرَّحْ به في القرءان لئلّايسقطه اعداۤؤهم و في الزيارة ليبيّن انّ المراد به ما اريد في الٰاية من ارادة العموم و خصوص احكام هذه الامّة و خصوص احكام الولاية و خصوص احكام ارادة اهلها المخصوصين عليهم السلام .
و قوله عليه السلام : فاكتبنا مع الشاهدين يراد منه انّا نسألك بكرمك و نعمك اللّذَيْن ابتدأتَنا بهما رحمة منك لنا من غير استحقاق لذلك الّا كرماً و جوداً منك حتي جعلتنا من الموالين لاولياۤئك و اولياۤء اولياۤئك و المعادين لاعداۤئك و اعداۤء اولياۤئك و اتباعهم و ماكنّا لنهتدي لهذا لولا اَن هَديتنا و حبّبْتَ الينا الايمان بك و بكتبك و ملاۤئكتك و رسلك و اوصياۤء رسلك صلي اللّه علي محمد و آله و عليهم اجمعين و بما جاۤؤا به منك و اخبروا عنكَ خصوصاً نبيّنا محمد و اوصياۤؤه صلي اللّه عليه و عليهم و القبول منهم و التسليم لهم و الائتمام بهم و الرضا بهم ائمة و سادة و قادة في الدنيا و الٰاخرة و زيّنتَ ذلك في قلوبنا و كرّهتَ الينا اعداۤءهم و الميل اليهم و البراۤءة منهم و من اشياعهم و اتباعهم و من اعتقاداتهم و اعمالهم و اقوالهم و دينهم و سنّتهم و جميع فروعهم فضلاً منك علينا و جعلتنا بما تفضّلت به علينا و وفّقْتَنَا له من طاعتك في اتّباع اولياۤئِك و في مجانبة اعداۤئهم بقلوبنا و بما نستطيع [ص 208] بتفويقك باَلْسِنَتِنا و اعمالِنا مؤمنين بما انزلتَ مصدّقين لما قلتَ مسلّمين لامرك و متّبعين لاولياۤئك و موالين لهم و لاولياۤئهم و معادين لاعداۤئهم و من تبعهم في معاداة اولياۤئك و رضي بذلك من الجن و الانس نسألك بكرمك و نعمك و تفضّلك علينا بذلك و باولياۤئك الابرار و بموالاتهم و بالبراۤءة من اعداۤئهم و بك يا اللّه فليس يعدلكَ شَئ ان تُصلّي علي محمد و آله الطاهرين و ان تُضَاعِفَ اللعن علي اعداۤئهم و ظالميهم و من رضي بذلك اجمعين و ان تكتُبَنا مع الشاهدين لك بذلك بما ابتدأتهم به من فضلك و اسبغتَ عليهم من نعمك و امددتَهم بتوفيقك و قوّيتهم علي طاعتك و رفعتَ عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم اهله من عنايتك و فضلك حتي كشفتَ لهم عن بصاۤئرهم غشاوات طباۤئعهم و صوارف لطخ اعداۤئهم و اعداۤئك في اولياۤئِك عليهم السلام بما تفضّلتَ به عليهم و وفّقتهم له من مراضيك فعاينوا حقاۤئق ما اردتَ منهم و ندبْتَهم اليه و اوقَفْتَهم عليه و ارَيْتَهُمْ ايّاه لما سبق لهم من الهدي فشهدوا لك بما ابصروا و رأوا بتبصيرك و اِراۤءتِك من اركان الايمان و شعبه و بتوفيقِك لهم للقيام بموجبه فاكتبنا معهم بان توفّقَنا لما وفّقتَهم له و تعينَنا علي ما اعنتَهُمْ عليه و تتمّم لنا نقصَ ما يوصل الي ما وصلوا اليه فان ذلك عليك سهل يسير و انت علي كل شئ قدير و معني هذه الكتابة بالعبارة الظاهرة التي يكون معناها مشرعةً لكلّ خاۤئض هو ما ذكره السيّد الاوّاه السيّد نعمتاللّه رحمه اللّه فيما تقدم من كلامه في بيان ذلك . و امّا حقيقة هذه الكتابة فانها من المكتوم من اسرار العلوم التي لاتُسْطَر في كتاب و لاتذكر في جواب و لاتسمع من خطاب الّا اذا كان من المعصوم صلوات اللّه عليه فانّ ما كتبتُ لك في هذا الشرح فانه من كلامهم عليهم السلام و لكن لايعرف ذلك الّا مَن علّموه و سلكوا به تلك المسالك لان [ص 209] امثال هذه الامور لاتذكر في السطور الّا تلويحاً و رمزاً منهم عليهم السلام لارباب القلوب التي في الصدور و قد قال جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه ما كلّ ما يعلم يقال و لا كلّ ما يقال حان وقته و لا كلّ ما حان وقته حضر اهله ه ، الّا انّ السّائل مني لشرح هذه الزيارة الشريفة السيد حسين بن السيد محمدقاسم الحسيني الأشكوري الجيلاني اصلاً الرشتي مسكناً تغمّده اللّه برحمته و اسكنه بحبوحة جنّته التمس منّي ان اكتب في هذا الشرح الحقاۤئق و الاسرار و البواطن المستورة فاجبته بعد الالتماس الشديد الي ذلك فكتبتُ فيه من اوله الي آخره علي نحو ما طلب و لماترك الّا ما اعلم انه لايجوز بيانه و لا كتابته و لا اجابة الساۤئل و كم من خبايَا في زوايا و بيان معني هذه الكتابة المذكورة علي الحقيقة من تلك الاسرار المكتومة حتّي انّ اهل العصمة عليهم السلام انما يذكرونها للخصيصين من شيعتهم تلويحاً و رمزاً قد البَسُوه ثوباً من القشر يستر لبّه عن الجهّال و الخصيصون من شيعتهم يعرفون لغتهم فيفهمونه و اما الخواۤصّ من شيعتهم فانهم لايفهمون مراد ائمتهم عليهم السلام الّا المراد من القشر و هذه و امثالها كثيرة لاتراها الناس و المعصوم عليه السلام يخبر عنها و القرءان ينطق بها فاين القلم و اين اللوح و اين الجنّة و اين النار التي قال لو تعلمُنّ علم اليقين لترونّ الجحيم و اين الارواح و اين الحوض و اين الصراط و اين الميزان و اين سدرة المنتهي و اين شجرة طوبي و اين البيت المعمور و ان الصادق عليه السلام اخبر انه صلي اللّه عليه و آله انّما اسري به من هذه الي هذه و اشار الي السماۤء يعني من المسجد الحرام الي السماۤء و قال بينهما حرم و اللّه تعالي اخبر انه اسري به من المسجد الحرام الي المسجد الاقصي و قال صلّي اللّه عليه و آله فقال لي يعني جبريل (ع) اتدري اين صلّيتَ فقلتُ لا فقال صلّيتَ بيت لخم و بيت لخم بناحية بيت المقدس [ص 210] حيث ولد عيسي بن مريم عليه السلام ثم ركبتُ فمضينا حتي انتهينا الي بيت المقدس فربطتُ البراق بالحلقة الّتي كانت الانبياۤء تربط بها الحديث ، و الصادق عليه السلام لمّا قيل له و المسجد الاقصي فقال ذاك في السماۤء اليه اسري رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و هو اعلم بما قال جده (ص) في قوله فربطتُ البراق بالحلقة التي كانت الانبياۤء تربط بها و الانبياۤء ماربطت دواۤبّهم في السماۤء و الصادق عليه السلام اخبر انه انما اسري به صلي اللّه عليه و آله من المسجد الحرام الي المسجد الاقصي و هو في السماۤء فاين هذا المسجد الذي في السماۤء و لميمض الي بيت المقدس لانه عليه السلام لمّا قيل له انّ الناس يقولون انه بيت المقدس انكر عليهم ذلك فقال مسجد الكوفة افضل منه و هو صلي اللّه عليه و آله قال اني مضيتُ الي بيت المقدس فانظر رحمك اللّه في كمال هذا الاختلاف و التنافي الذي هو في كمال التوافق و الاتحاد و بالجملة لو تتبّعتَ ما ورد عنهم عليهم السلام و تأملتَ فيه ظهر لك ان عاۤمّة الناس لايعرفون شيئاً من كلامهم علي الحقيقة و لايعرفه الّا مَن هو كالكبريت الاحمر و الغراب الاعصم في القلّة و الندرة و انا جرياً علي ما التزمتُ للسيد المرحوم لا بدّ و ان اشير الي هذه الكتابة علي جهة الاختصار لان بيانه يستلزم تطويلاً كثيراً فان هذّبت العبارة و تركتُ الترداد و التكرار لميفهم مرادي احدٌ قطّ لغرابة هذا المعني و عدم الانس به لكلّ احد و ان جريتُ علي عادتي من تكرير العبارة و الترديد لاجل التفهيم لزم التطويل المملّ فانا اشير الي ذلك بالعبارة المعتادة المكررة ليكون اسهل في التذكرة ، فاقول انّ الكتابة في لغة اهل العصمة صلّي اللّه عليهم عبارة عن اثبات المكتوبِ في رَقِّهٖ اللاۤئق به و اظهارِه في ذلك فكتابة شَبَحِك اظهاره في المِرءاة بمقابلتك لها و كتابة خيالك عبارة عن نقش صورتك الخياليّة في [ص 211] خيال مَن تصوّرك في غيبتك عنه و رَقّ الشّبح وجه المرءاةِ و وجه الماۤء و امثال ذلك من الاشياۤء الصقيلة عند مقابلتك لذلك الصقيل و رَقُّ صورتك الخياليّة مِرءاةُ خَيالِ مَن تخيّلكَ في غيبتك عند التفاته بمرءاة خياله الي مثالِك المنقوش في روح مكان رؤيته لك و زمانِها فان ذلك الرجل لمّا رءاك يوم السبتِ في المسجد تصلي اقام مثالك في ذلك المكان يوم السبت يصلّي الي يوم القيمة فكلّما التفتَ من رءاك الي ذلك المكان المعيّن في ذلك الوقت المعيّن بخياله وجد مثالك يصلّي في المسجد يوم السبت لايري ذلك المثال احدٌ الّا مَنْ رءاك في المسجد يوم السّبت و كل مَن رءاك هناك في ذلك الوقت لايري مثالك الّا في ذلك المكان في ذلك الوقت و لايراه في ذلك العمل يعني انه يصلّي و العلّةُ في ذلك انّ اللّه سبحانه امر القلم فكتب بمدادٍ من صِفتِك و عملك و مدادٍ من ذلك المكان و ذلك الوقت صورة مثالك فهو باقٍ الي يوم القيمة يعمل بذلك العمل الذي انت عملته و يرجع اليك ثمرته من خير و شرٍّ فاذا كان يوم القيمة حضرك مثالك بمكانهٖ و وقته و اَلْبَسَتْك الملاۤئكة ذلك المثال كما تلبس الثوب هذا اذا كان خيراً او شرّاً و لميتب عنه توبة مقبولة و ان كان شرّاً و تاب منه توبة مقبولة مُحِيت تلك الصورة من المكان و الوقت فلاتجد الملاۤئكة شيئاً لكَ يأتونك به و لميكن له وجود في خيال مَنْ رءاك في الدّنيا عاملاً به لك لان الخيال مرءاة و المرءاة لاتنطبع فيها الصورة الّا مع مقابلة الشئ لتنتزع منها الصورة المنطبعة فاذا لمتقابل شيئاً لك لمينطبع فيها لك منه شئ .
بقي هنا دقيقة يجب التنبيه عليها و هي جواب سؤال يرد هنا و هو انه قد دلّت الادلّة النقلية و الوجدانية و العقلية علي انّ التّاۤئب يُرَي مثاله يعصي و اِنْ كانَ تاۤئباً فانّ السّارق اذا تاب كل من رءاه يسرق اِذا الْتَفتَ الي [ص 212] مثالِه رءاه يسرق و ان تابَ . و الجواب انّ المثال في نفسه لايضمحل من الوجود لانه مكتوب في اللّوح المحفوظ و ما كُتِبَ في اللوح المحفوظ لايضمحلّ لان معني كونه محفوظاً اِنَّ ما كُتِبَ فيه محفوظ من المحو و انّما المراد بقولنا انه اذا تابَ مُحِيَتْ تلك الصّورة الخ ان الصورة التي هي المثال كانت مقابلةً للسارق بوجهها معلقةً هي بمشخّصاتها من المكان و الوقت و غيرهما به لازمةً له فاذا التفَتَ من رَءٰاه اليها رَءٰاها مرتبطةً بالسارق حاضرةً معه عند مَن رءاه فهو بها يَسْرِق اَيْنما كان و اذا تاب البسَتْه الملاۤئكة بامر اللّهِ ثوباً من رحمته يواري سَوْءَتَهُ فيحول هذا الثوب بين الصورة و بين وجهها منه فتصرف الملاۤئكة بامر اللّه وجهَ الصورة عن جهته المتجدّدة بالتوبة و تبقي في مَحلِّها من لوح الثري متوجهة بوجهها الي اصل مبدأها التي تفرّعت منه متعلّقةً به لانّها من سنخِهٖ لحقت هذا الشخص باللطخ ثم خلعَها بتوبته التي هي من حقيقته فلمّا خلعها و هي مثال و المثال صفة لاتقوم بغير الموصوف لحقت باصلها و مبدئها التي هي فرعه و من لطخه لعنه اللّه و انقطعت علاقتها بذلك الرجل و كان المؤمن بطيب قلبه و طهارته اذا نظر الي العاصي اَنْكَرَهُ و اسْتَوْحَشَ من اللباس المنهي عنه لانه لايستر عورته كما قال الشاعر :
ثوبُ الرياۤء يَشُفُّ عَمَّا تحْتَهُ فاذا التحَفْتَ به فانّكَ عاري
وَ اِذَا نظر اليه بعد التوبة النصوح مع علمه بها اَنِسَ بهٖ لانّه يراه مَسْتُورَ العورةِ بلباسِ التّقوَي و لمير ذلك المثال القبيح متوجِّهاً اليه بل يري بينهما حاجزاً من توفيقِ اللّه و رضاه و ذلك المثال غير منسوب اليه الٰان لانه الٰان في عليّين مع الابرار و حين باشر المعصية كان في نزوله بذلِكَ اللطخ الي سجّين مع الفجّار فلمّا تاب و تبرّأ من تلك الصورة بقيت في سجين [ص 213] متوجهةً الي موصوفها من الفجار بواسطة لطخه الذي هو سببُهَا في الرجل قبل ان يتوبَ فخلع اللطخ بالتوبة فلحقت اللطخ لانّها متعلقة به و هو متعلّق بالاصل فاذا كان يوم القيمة محيت من ذلك المكان و الوقت المنسوبين اليه فتراها هي و الوقت و المكان منسوباتٍ الي ذي اللطخ الذي كان منه و هذا معني قولنا محيت الخ ، و معني ما روي انه اذا تاب ستر اللّه عليه ففي الكافي بسنده الي ابنوهب قال سمعت اباعبداللّه عليه السلام يقول اذا تاب العبد توبة نصوحاً احبّه اللّه تعالي فسَتَر عليه في الدنيا و الٰاخرة فقلتُ و كيف يستر اللّه عليه قال يُنسي ملكَيْه ما كتبا عليه من الذنوب ثم يوحي اللّهُ الي جوارحه اكتمٖي عليه ذنوبَهُ و يوحٖي الي بقاع الارض اكتمي عليه ما كان يعمل عليكِ من الذنوب و يلقي اللّه تعالي حين يلقاه و ليس شئ يشهد عليه من الذنوب و فيه بسنده الي ابنوهب قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلام يقول اذا تاب العبد توبةً نصوحاً احبَّهُ اللّهُ تعالي فستر عليه فقلت و كيف يستر عليه قال ينسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه و يوحي اللّه الي جوارحِهٖ و الي بقاع الارض اَنِ اكتمي عليه ذنوبَهُ فيلقي اللّه تعالي حين يلقاه و ليس شئ يشهد عليه بشئٍ من الذنوبِ ه ، فقد ظهر لك بما ذكرنا و بما قدّمنا سابقاً انّ الخيال انّما تحصل فيه الصور بالانطباع لانه مِرْءٰاةٌ فاذا قابَل الشاخص انطبعت فيه صورته و انّ مثالَ الشخصِ الذي رأيتَهُ يُصَلّٖي في المسجد لاتنطبع صورته في خيالك حتّي تلتفِتَ الي مكان الرؤية و وقتها فَاِذَا الْتفتَّ اليه في ذلك المكان في ذلك الوقت رأيته فيهما و انطبعت صورته في خيالك في الوقت الّذي رأيتَ شخصه اي موصوفه فيه يعمل ذلك العمل كما في المثال المذكور اوّلاً فانّك كلّما التفتَّ اليه في وقتٍ رأيته يصلّي في المسجد يوم السبت و لو بعد خمسين سنة فَانّكَ تَراهُ في [ص 214] المكان في الوقت الاَوَّل لِاَنَّ وقْتَ رؤية المثال اذا التفتَ اليه خيالك في الدهر لا في الزّمانِ لِأنَّ الزمان سَيَّالٌ لايَجْتَمِعُ جزءانِ منه في حالٍ بل كلّما وُجدَ جُزْءٌ مضي ما قبله فلايَجْتمِعَان و مُرَادٖي باَنَّ الاَوَّل يمضي انّه يخرج من رتبة ظرفيّة الاجسام الي الدَّهرِ لَا انّه يفني بل هو في اللَّوْح الحفيظ و اَنّ ذلك المثال كتبَهُ القلم في ذلك الكتاب باذن اللّٰهِ وَ اَمْرِهٖ و هذه دَفَّةٌ من اللوح المحفوظ هذا كلّه في ادراكِك مِثاله اذا غابَ عنك و اَمّا اذا كان حاضراً بين يديك فان القلم بامر اللّهِ تعالي كتبَهُ في هذا المكان بمدادٍ من كون جسمه فيه و من هيئاته حينئذٍ في ذلك الوقت فهو حينئذٍ مكتوبٌ في دَفَّةٍ من اللّوح المحفوظ و اليه الاشارة بقوله تعالي جواب قول منكري البعث ائذا كنّا تُراباً ذلك رجع بعيد قال قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتابٌ حفيظ و هذا الذي اشار اليه الصادق عليه السلام في قوله تبقي طينته التي خُلِقَ منها في قبره مستديرةً ه ، و ذلك لانّ صورةَ جسده التي كان بها في الدنيا تذهب من جسده في قبره و تلحق بعالم الاشباح و تبقي مادّته الاصليّة التي خلق منها في قبره مستديرة يعني ان الكتاب الحفيظ لاتخرج منه بل هو حافظ لها الي ان تُعَاد منها كما خلق منها اوّل مرة و معني مستديرة انّها مترتّبة في اصل رسم الكتاب الحفيظ كترتّبها في الوجود الكوني بل قد تكون اَصَحَّ ترتيباً لاحتمال انّه قد يختلف في الوجود بسبب غلبة بعض القوي علي بعض فيحصل لبعضها من بعضٍ او من لوازم بَعْضٍ قسرٌ يمنَعُها عن كمال الترتيب لوجود تلازم بعضها ببعض او بلواحق بعضٍ و لوازمه او بلواحقه و لوازمه فاذا زالتِ المقارَنات و التّلازم الّفتْهَا الطبيعة علي مقتضياتها و دَواعيها و تقاربها و تَشَابُهِهَا و تَنَاسُبِها و الطبيعة لايجري عليها الغلط فتكون مستديرةً لانّ الاستدارة اكمل الهيئات لتساوي ابعاد اجزاۤء محيطها و سطحها الي مركزِها فاذا فهمتَ هذا عرفتَ [ص 215] انّ الموجود بين هاتين الدّفّتين هو المكتوب بالقلم بامر اللّه تعالي دفّة الذوات و دفّة الصفات و كل شئ يكتب بمداد منه لانه ماۤدّته و الشئ يكتَبُ بمادته كالسرير فان النجّار باذن اللّه تعالي كتبه بمادته و صورته اي بمداد من الخشب و مداد من الهيئة الخاۤصّة به فافهم هذه العبارات المكررة المردّدة للتفهيم و معني قوله عليه السلام فاكتبنا مع الشاهدين يعني انّه يسأله ان يكتبه بهذا المداد في هذه الدفّة التي كتب فيها الشاهدين له بالحق بمدادٍ من ذواتهم و اعمالهم و اعتقاداتهم و اقوالهم فاذا عرفتَ هذه الكتابة كما بيّنتُ لك عرفت معني انّ القلم كتبَ في اللوح ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و عرفتَ معني انّ اللّه تعالي لمّا خلق العقل قال له ادبِر فادْبَر ثم قال لَه اقبل فاَقْبلَ فقال له و عزّتي و جلالي ماخلقتُ خلقاً هو احبّ الَيَّ منكَ الحديث ، فافهم راشِداً موفّقاً و قد قال الشاعر و نعم ما قال :
و مَن حضَرَ السماعَ بغير قلبٍ و لميُطْرِبْ فلايَلُمِ المُغَنّي
و قوله عليه السلام : ربّنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا اي لاتمل قلوبنا عن الهداية التي دللتنا عليها من دينك الذي ارتضيته و في التهذيب في الدعاۤء بعد صلوة الغدير عن الصادق عليه السلام ربّنا انّك امرتنا بطاعة ولاة امرِك و امرتَنا اَنْ نكون مَع الصادقين فقلتَ اَطيعوا اللّهَ وَ اَطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و قلتَ اتّقوا اللّهَ و كونوا مع الصّادقين فسمعنا و اطعنا ربّنا فثَبِّتْ اقدامَنا و توفَّنا مُسْلِمين مصدّقين لاولياۤئِك و لاتزغ قلوبَنا بعد اذ هَدَيْتنا و هب لنا من لدنك رحمة انّك انت الوهّاب و هذا يشعر بان الدعاۤء بعدم ازاغة القلوب انّما هو عن ولايتهم و هو كذلك ان اريد بالولاية امرهم الذي اقامهم اللّه تعالي له و فيه و به و اقام به جميع خلقه بواسطتهم عليهم السلام و امّا اذا اريد بالولاية خصوص المحبّة فان اريد بالمحبّة الكليّة [ص 216] فكذلك لانها في الحقيقة جميع ما امر اللّه به و نهي عنه و احبّ و كره و ما بين ذلك و ان اريد بها المعني الخاص الذي هو خصوص ميل القلب اليهم و تولّيهم و البراۤءة من اعداۤئهم فالدعاۤء بعدم ازاغة القلوب اعمّ لان الاعمال و الاتّباع لهم و الصدق مع اللّه في كل المواطن لايدخل فيها الّا علي الارادة الاولي و الدعاۤء انما هو بالثبات علي كلّ حقٍّ لِلّهِ و لهم و قد تقدّم مراراً ان الولاية هي ولاية اللّه و المراد بها الامر الكلّي العام الشامل لكل ما امر اللّه تعالي لانه سبحانه هو الولي علي جميع خلقه فتأمّل ما هذه الولاية لتعلم اَنَّ كل ما اَمَرَ و احَبَّ منها و انّ الفاۤئض منها اربعة انهارٍ افاضها علي الخلاۤئق نهر الخلق و نهر الرزق و نهر الممات و نهر الحيوة و ما يُناط بكل واحدٍ منها و منها هداية النّجدين توفيقاً لهم و منها تعليمهم كيفيّة القبول لما اراد منهم القبول لشئ من تلك الاربعة و ما يُناط بكل واحدٍ منها و اعطاۤئهم شراۤئط الاستطاعة لما اراد منهم من صحة الخلقة و تخلية السرب و المهلة في الوقت و الزاد و الراحلة و السبب المهيج للفاعل علي فعله كما قال الصادق عليه السلام و ذكر في حقيقته داعي الطاعة ليبعثه علي فعلها تحنّناً منه و فضلاً و الزمه بمقتضي نفسِهٖ و انّيّته داعي المعصية ليتمكّن من فعلِها اختباراً له و عدلاً لانه لايحبّ الطاعة باكراهٍ فخلقَ له من حقيقتِهٖ منه تعالي عقلاً منيراً يدعوه الي طاعة اللّه تعالي و ايّده بروحٍ منه ملكٍ مسدّدٍ يؤيّده و يعصمه مما لايحبّ اللّه سبحانه و جعل له من حقيقته من نفسه نفساً امّارة بالسوۤء و داعيةً الي معصية اللّه تعالي و اثبت لها التسلّط علي استخدام الٰالة التي خلقها للعقل لاجل الطاعة في ما تحبُّ من معصية اللّه و قيّض لها شيطاناً جعله لها قريناً يعينها علي مقاومة العقل و صَدِّه عمّا يريد من طاعة اللّه سبحانه فاذا اجاب المرء داعي عقله قام الملك و جنوده في جهادِ شيطان النفس و جنوده حتي يهزمه و يقتل جنوده [ص 217] و تذل النفس و تنقاد مع العقل الي طاعة اللّه تعالي كارهةً و هكذا حتي تكونَ ملهمةً فان عمل المرء بمقتضي داعي النفس قويَتْ علي المعصية و اسعدها الشيطان و تنحّي الملكُ الخاۤصُّ بتلك الجهة و ان عمل بمقتضي داعي العقل مرة بعد اُخرَي كانت الملهمة لَوّامَةً و هكذا ثم تكون مطمئنّة فتكون اختاً للعقل طالبةً لما يطلب العقل من الطاعة و هي الكلب المعلّم الذي علّمه العقل ممّا علّمه اللّٰهُ فيصطاد بها قُوْتَهُ اي قُوْتَ مركبه فانّ العقل انّما يدعو الي طلب الحلال و الاكل الحلال و النكاح الحلال لِقُوتِ مركبه الذي يستعمله للركوب و حمل الاثقال فان البدن لايستغني العقل عن اصلاحه ليَستعمله في سيره الي ربّه و لايمكنه الّا بالنفس المطمئنّة و تحمل اثقالكم الي بلدٍ لمتكونوا بالغيه الّا بشقّ الانفس ، و الحاصل هذه تلويحات و بيانها من العقل و النقل طويل و المراد بيان معني السؤال بعدم ازاغة القلب و هو انّه اذا حصل العقل الشرعي و هو العقل المكتسب من الطاعات و الاعمال الصالحات علي ما امروا به سادات البريات صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين استقام علي الولاية و فروعها مما امر اللّه به و دلّ عليه من صحيح الاعتقادات و خالص الاعمال الصالحات و اذا استقام علي الطريقة عرّفه اللّه نفسه و عرّفه نبيّه و اوصياۤءه صلي اللّه عليه و آله و وفّقه لطاعته و عصمه عن معصيته فيطلعه اللّه تعالي بحقيقة ما هو اهله علي بابٍ من ابواب غيوبه فرأي رأي العين ان كلّ ما سوي اللّه فهو قاۤئم بفعل اللّه سبحانه قيام صدور اقامه و اقام كونه و عينه بما يُمِدّه به من امدادِهٖ المتجدّد تجدّداً سيَّالاً فيري عياناً انه انما هو هو بذلك المدد الحادث المتجدّد و ذلك المدد الحادث انما هو شئ بفعل اللّهِ لا من شئ فهو من جهة الفعل داۤئم الفيض و من جهة القابل انّما يتحقّق بدَوام القبول جارياً من جهته [ص 218] كجريان المدد من جهة فعل اللّه تعالي و هو شئ اشترك فيه جميع الخلق فالراسخون في العلم العالمون بتأويل القرءان عن اللّه تعالي حين قالوا اٰمنّا به بمحكمه و متشابهه و انه كلّه من المحكم و المتشابه من عند ربّنا و بذلك ذكروا اللّه سبحانه و تذكّروا بما آتيهم من الحكمة علموا بانّ هذا الايمان الّذي اعترفوا به و انه دين اللّه سبحانه صفة و الموصوف لا قوام له الّا بمدد اللّه و لاينتفعون بذلك المدد الّا بقبوله و لا قبول له اعظم من مشاهدتهم في كلّ شئٍ انه من اللّه و بيده و حين اجراه عليهم لميخلّه من يده اذ لو خلّاه من يده لميكن شيئاً اذ لا شئ الّا باللّهِ و اعلمهم ان حفظ المدد عليهم انما هو باعترافهم انه من اللّه و باللّه و بالسؤال من اللّه بقلوبهم و باقوالهم و باعمالهم و الصفة مع مشاركتها للموصوف في الحاجة الي اللّه تعالي محتاجة الي الموصوف و ذلك بجَعْلِ اللّه سبحانه فهي في الظاهر اولي من الموصوف بالحاجة و لمّا كان باب الايمان من اللّه سبحانه اليهم في المدد و منهم الي اللّه عز و جل في القبول هي القلوب لانها سبب طلب الايمان و الهداية و الثبات عليهما و سبب الميل عن الايمان و الهداية الي الكفر و الضلالة سألوا اللّه تعالي ان يُثَبّتَ قلوبَهُمْ علي الايمان و الهداية و ان لايزيغَها و يميلها الي الباطل و الكفر بعد الهداية الي الايمان لعلمهم بان القلوب تزيغ عما كانت عليه من الايمان فان قلتَ اذا هديهم للايمان فكيف يميلهم قبل ان يميلوا و قد قال تعالي انّ اللّه لايغيّر ما بقومٍ حَتّي يُغَيّروا ما باَنفسِهم ، قلتُ انّ القلوب انّما لمتغيّر ما دام اللّه سبحانه حافظاً لَها عن التغيّر و لميكن يحفظها الا بقبولها لحفظه و لا قبول لها لحفظه الّا بالاعتراف له بان ذلك من فضله الابتداۤئي بغير استحقاقٍ من العباد و بالسؤال من كرمه و فضله الثبات كما فعل الراسخون في العلم فانّهم في استحقاق الثبات بحقيقة ما هم اهله اولي و لكن [ص 219] لعلمهم باللّهِ سبحانه سألوه لانّهم يعلمون انّ ذلك عنده و لاينال ما عنده الا بطاعته و سؤاله و التضرع اليه فان قلتَ اذا كان الفيض داۤئم الظهور و المؤمن داۤئم الطاعة و الطاعة هي القبول لذلك المدد و لذلك الثبات علي الايمان لانه بالمدد فقد تمّت العلّة من جهة الفاعل و من جهة القابل و اذا وجدت العلّة التامّة امتنع تخلّف المعلول قلتُ اذا تمّت علّة القبول من قبل العبد لميلزم من ذلك تمام العلة من قبل الربّ لان المدد ليس وجوده علّة تاۤمة و لا القبول لانّ العلل اربع العلّة الفاعلية و العلّة المادية و هي هنا المدد المشار اليه و العلّة الصورية و هي القبول و العلّة الغاۤئيّة و هي نفع العِباد و انتفاعهم اي نفع بعضهم بعضاً و امّا العلّة الفاعلية فهي فعله تعالي و فعله مشيّته و ارادته فاذا لميشأ و لميرد كيف ينفع القبول لان القبول حينئذٍ لا لشئ فليس بقبول و ايضاً مرادنا بقولنا ان العلة الفاعلية فعله نريد به فعله في المراتب السبع فعل الكون بالمشيّة و فعل العين بالارادة و فعل الحدود و الهندسة بالقدر و فعل التمام بالقضاۤء و فعل الاذن بالرخصة في جميع مراتب الظهور فانّ الشئ اذا تمت اسبابه توقّف علي سبب الرخصة فاذا اذن اللّه سبحانه له في الظهور ظهر و فعل الاجل بمعني انه لايظهر الّا في الوقت المقدّر لظهوره و لايفني الّا في الوقت المقدر لفناۤئه و فعل الكتاب بان يكتبه في الالواح بجميع اسبابه و هو قول الصادق عليه السلام لايكون شئ في الارض و لا في السماۤء الا بسبعة بمشيّةٍ و ارادةٍ و قدرٍ و قضاۤءٍ و اذنٍ و اجلٍ و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد كفر ه ، و في رواية علي نقض بالضاد المعجمة و في رواية فقد اشرك و العلة فيما قلنا من ان العلّة الفاعلية لمتتم ان الحادث اذا استوجب شيئاً فذلك الشئ عند اللّهِ تعالي و له و ملكه و هو بالخيار ان شاۤء اعطي و ان شاۤء منع اذ لايجب عليه شئ و لايحكم [ص 220] عليه و ان كان سبحانه اجري عادته انه لايمنع الخير و يعطي من سأله و من لايسأله تفضّلاً منه و كرماً و اذا سمعتَ العلماۤء يقولون يجب علي اللّه سبحانه اللطف بعباده فيراد منه انه يجب عليه في الحكمة لا وجوب تسلّطٍ لانه تعالي يحكم و لايحكم عليه قال اللّه تعالي و لئن شئنا لنذهبنّ بالّذي اوحينا اليك مع انه تعالي لايفعل ذلك بنبيّه صلي اللّه عليه و آله ابداً و لكنه علي كل شئ قدير الّا انّه اجري عادته علي الاحسان و الجميل فلايفعل الّا ما هو الصلاح بعباده و ما هو الا لطف بهم و في الحديث في التوحيد قال الرضا عليه السلام في الردّ علي سليمن المروزي في قوله انّ ارادة اللّهِ علمه قال عليه السلام و ما الدليل علي ان ارادته علمه و قد يعلم ما لايريده ابداً و ذلك قوله عزّ و جل و لئن شِئنا لنذهبنّ بالّذي اوْحَيْنا اليك فهو يعلم كيف يذهب به و هو لايذهب بهٖ ابداً فقوله عليه السلام فهو يعلم كيف يذهب به يشير به انّه قادر عليه لانّه ممكنٌ له و لَوْ كانَ وَاجِباً عليه لَمٰاجازَ اَنْ يقالَ وَ لَئِنْ شِئنا لَنذهبَنَّ بالَّذي اَوْحَيْنا اليكَ لانّ قوله هذا معناه انّا انّما ابقينا ما اوحينا اليك عندك تفضّلاً منّا عليك و ليس بلازمٍ علينا و لو شئنا لذهَبْنا به و هذا صريح بانه مايجب عليه و انّما اوجبه علي نفسه من الايفاۤء بعهده و اتمام وعده قال تعالي و يستعجلونكَ بالعذاب و لنيُخْلِفَ اللّهُ وعده . و ما ذكره السيد نعمتاللّه الجزاۤئري في الكلام الذي نقله عن بعض المفسرين كما تقدم و هو : و لايقتضي ذلك انّه تعالي سُئِل عَمّا لوْلَا المسئَلة لجازَ اَنْ يفعلَهُ لانَّهُ غير ممتنعٍ اَنْ يدعوَهُ علي سبيل الانقطاع اليه الخ ، يدلّ بان الراسخين لميدعوا اللّه سبحانه بان لاتزيغ قلوبهم خوفاً من انّها يجوز عليها و يمكن وقوع الزّيغ من قلوبهم لانّهم معصومون آمِنون من زيغ قلوبهم و ميلِها عن الحق و انّما دعوه انقطاعاً اليه بمعني انّ كلّ شئ فانّما ثباتُه به [ص 221] و تبرّءاً من الحول و القوّة و المعروف من القرءان و من احاديث اهل العصمة عليهم السلام و من الدليل العقلي الّذي هو التوحيد الحقّ ان الراسخين انما دعوه خوفاً من زيغ قلوبهم و انّ القلوب تزيغ الّا ان يثبّتها اللّهُ تعالي و لايُثبّتها الّا بالدعاۤء و الانقطاع اليه و التضرّع عنده كما في دعاۤء الوتر و لاينجي منك الّا التضرّع اليكَ و انّ ما يدّعونه لو كانَ موجوداً لكان في حق سيّد المرسلين محمد صلي اللّه عليه و آله بالطريق الاَولي و قد اخبر عن نفسه كما في خطبته يوم الغدير بانّه يفعل ذلكَ خوفاً حقيقيّاً لا مجرّد انقطاعٍ فقال صلي اللّه عليه و آله خوفاً اَلّاافعَلَ فتحِلَّ علَيَّ منه قارعةٌ لايدفعُهَا عنّي احَدٌ و انْ عظمت حيلتُهُ لانّه اللّه الذي لايُؤمَنُ مكرهُ و لايُخافُ جَورُهُ و قال صلي اللّه عليه و آله و لو عصيتُ لهوَيْتُ و في الكتاب العزيز عباد مكرمون الي قوله تعالي و هم من خشيته مشفقون و من يقل منهم انّي الٰه من دُونهٖ فذلك نجزيه جهنّم كذلك نجزي الظالمين ، و في الكافي عن الصادق عليه السلام ما معناه انّ النبي الياس سجد و تضرّع الي اللّه تعالي فاوحي اللّه اليه ارفع رأسك فانّي لااُعَذّبُك فقال يا ربّ ان قلتَ لااُعَذِّبُك ثم عذّبْتَني الستُ عبدك فقال اللّه تعالي انّي اذا وعدت لااُخلِفُ الميعاد ه ، نقلته بالمعني الّذي حضرني و الحاصل انّ خوف محمد صلي اللّه عليه و آله اشدّ من خوف جميع الخَلق و من دونه اهل بيته عليهم السلام و مِنْ دونهم الانبياۤء و المرسلُونَ و هكذا الملاۤئكة و المؤمنون و لو كان خوفهم للانقطاع لميكن خوفاً بل هو انس باللّه تعالي و لو كان كذلك كانت دموعه في بكاۤئه من خشية اللّه باردةً و الامر علي العكس بل كما قال تعالي يخافون ربّهم من فوقهم و يفعلون ما يؤمرون و لقد كانوا احقّ بالخوف من مقام ربهم من جميع الخلق و ليس الّا للخوف من مكره تعالي كما قال صلي اللّه عليه و آله لانه [ص 222] اللّه الذي لايُؤمَنُ مكرهُ و اذا تتبّعتَ اخبارهم و ادعيتهم ظهر لك ان خوفهم عليهم السلام خوفٌ حقيقي و انهم مستجابوا الدعوة و وعدهم اللّه النجاة من عذابه و داۤئماً يتضرّعون اليه و يعلمون انّه لاينجيهم من مكره شئ الّا فضله و رحمته الابتداۤئيّانِ و انه تعالي لو قاۤصّهم لميكن لهم ما يستحقون به ادني شئ من رحمته و فضله تدبّر كلام سيّد العابدين عليه السلام في دعاۤئه في سجود الشكر بعد الثماني من صلوة الليل و قد ذكرناه في ما تقدم و هو الهي وَ عزّتِك و جلالك لو انّني منذُ بدعتَ فطرتي من اول الدهر عبدتُكَ دوام خلود ربُوبيّتِك بكلّ شعرة في كل طرفةِ عينٍ بحمد الخلاۤئق و شكرهم اجمعين الي آخر الدعاۤء يظهر لك انّهم خاۤئفون وجلون لانّهم لا عملَ لهم يقرّبهم عن استحقاقٍ و انّهم دعوه من الفضل و التكرم و الرحمة و اذا كان هذا حالهم انه لو عاقبهم بكل عقوبةٍ مع ما هم عليه لكان ذلك بعدله تعالي قليلاً في كثير ما يستوجبون من عقوبته كما في الدعاۤء المذكور و ليس هذا فعلوه للانقطاع خاۤصّةً او لتعليم الرعيّة لانه لو كان كذلك لكان اِمَّا لانّهم اربابٌ غير محتاجين الي ربٍّ تعالي اللّه عن ذلك علواً كبيراً و امّا لانّ لهم عليه جزاۤءً يستحقّونه من اعمالهم بدون فضله فحينئذٍ لو قال قاۤئلهم لااريد فضلَك و رحمتك و انّما اُرِيدُ حقّي الّذي عملتُه من نفسي و لا شكّ في انّ مَن قال ذلك فهو كمن قال انّي الٰهٌ من دُونه لانّه ادّعي انّ اعماله الصالحة ليست من نعم اللّه بل هي منه و لا شك في كون هذا شركاً باللّه تعالي و اِن وجد و علم انّها كلّها من اللّه تعالي فلا استحقاق له في شئ فلا نجاةَ له الّا بسؤاله و التضرع اليه و كلّها نعمه تعالي و انّما رضي من عبده بالاعتراف بالتقصير و انّ ما وَفّقه لَهُ من الاعمال فهو مما يجب عليه شكرها لانّها نعم متجددة من كرمه تعالي فاين الاستحقاق للثبات علي الايمان و حفظ القلب عن الميل عن الهداية الي الضلالة [ص 223] و كلّ ذلك نعمه تعالي و قال علي عليه السلام في خطبته يوم عيد الاضحي كما رواه الشيخ (ره) في المصباح فواللّهِ لو حَنَنتُمْ حنينَ الوالِه المعجال و دعوتم دُعاء الحَمَام ( الانام خ ) و جَأرْتم جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي الرهبانِ و خرجتم الي اللّه من الاموال و الاولاد اِلتماسَ القربة اليه في ارتفاع دَرجةٍ و غفرانِ سيّئةٍ احصتْها كتَبَتُه و حفِظتْها رسُلُه لكان قليلاً فيما ترجون من ثوابه و تخشون من عقابه و تاللّهِ لو انماثت قلوبكم انمياثاً و سالت من رهبة اللّه عيونكم دَماً ثم عُمِّرتم عمر الدنيا علي افضل اجتهادٍ و عَمَلٍ ماجزت اعمالكم حقّ نعمة اللّه عليكم و لااستحققتم الجنة بسوي رحمة اللّه و منّه عليكم ه ، فتأمّل قوله عليه السلام انكم لو قمتم بهذه الاعمال التي اشار اليها مدّة عمر الدنيا علي افضل اجتهاد و عملٍ ما قابلَت حقّ نعمة اللّه عليكم الخ ، مع انّ هذه التي اشار اليها عليه السلام لايمكن وقوعها من مكلّفٍ و لاسيما الاعمال التي اشار اليها زينالعابدين عليه السلام في الدعاۤء المشار اليه سابقاً فانّ فيه و لو انّني يا الهي كربتُ معادن حديد الدنيا بانيابي و حَرثتُ ارضها باشفارِ عَيني و بكيتُ من خشيتك مثل بحور السموات و الارض دَماً و صدٖيداً لكان ذلك قليلاً في كثير ما يجب من حقِك عَلَيّ الخ ، فانّ هذا لايمكن وقوعه من المكلّف و مع هذا بيّن عليه السلام اني لو فعلتُ هذا كنتُ مقصِّرا في واجب حقك عليّ و لو عذّبتنٖي بانواع عذاب الخلاۤئق علي التقصير الذي كان مني لكان تعذيبك ايّاي بعذاب الخلاۤئق كلهم بعدلِك ان لمتتجاوز عنّي قليلاً في كثير ما استوجب من عقوبتك علي تقصيري في حقك مع تلك العبادة فاذا تدبّرتَ ما ذكرنا لك و اشرنا اليه ظهر لكَ انّ الراسخين في العلم اشدّ خوفاً من جميع الخلاۤئق من ان يزيغَ قلوبهم عن الهدي بعد اذ هديهم و ان كان ممّا انعم عليهم ان تفضّل عليهم بالرجاۤء فيه و حسن الظن بقدر ما البسهم من [ص 224] الخوف فانّ المؤمن لايستقيم ايمانه حتي يعتدل خوفه و رجاۤؤه لانهما جناحان له يطير بهما الي اللّه تعالي و لايطير الطاۤئر حتي تعتدلَ جناحاهُ فافهم . و امّا قول السيد رحمه اللّه ان سؤالهم انقطاع اليه تعالي فهو من الحق ايضاً و نقول به و نقول ايضاً ان الانقطاع من الخوف و لايلزم مما ذكرنا ان تكون اعمالهم غير خالصة لوجهه تعالي لانّها راجعةٌ الي حظوظ النفس و المشهور عند المتقدّمين بطلان العمل بذلك لانّا نقول انّ ما اشرنا اليه هو حقيقة الاخلاص لان الاخلاص ايقاع العمل لمحض التقرّب اليه خاۤصّة و لا شك انّهم انّما سألوه ان يثبّت قلوبهم علي ما يقربهم اليه و لايُمٖيلَها الي ما يبعّدُهم منه و من هنا نشأ الخوف الشديد لهم لعلمهم بذلك حتّي كان اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه لمّا قرأ بعد ركعتي الافتتاح قبل صلوة الليل الهي كم من مُوبقةٍ حَلمتَ عن مقابلتها بنقمتِك و كم من جريرة تكرمتَ عن كشفها بكرمك الدعاء ، خرّ مغشيّاً عليه و اخبرهم ابوالدرداۤء انه عليه السلام قضي نحبه فرشّوا عليه الماۤء حتي افاق و اخبروا اباالدرداۤء انّ هذه عادته عليه السلام مع انه عليه السلام اخبر انّه ماعبد اللّه خوفاً من ناره و لا طمعاً في جنته و لكن رءاه اهلاً للعبادة فعبده فما هذا الخوف الشديد الّا لانّه يعمل للتقريب و يخاف التبعيد كيف لايكون كذلك و اللّه تعالي انزل في كتابه علي رسوله صلي اللّه عليه و آله افاَمِنُوا مكر اللّه فلايأمن مكر اللّهِ الّا القوم الخاسرون فافهم وفّقك لحقاۤئق الامور و صحيح الاعتقادات .
و قوله عليه السلام : و هب لنا من لدنك رحمة انّك انت الوهّاب يُشير به الي انّ الثبات علي الهداية انّما هو برحمةٍ منك تَهَبُهَا مَن تشاۤءُ و قوله و هب لنا نبّه بذكر الهبة علي الفضل الابتداۤئي لا عن استحقاقٍ فانّ الاستحقاق ليس هبة و انما هو طلب حقٍّ و قوله من لدنك و لميقل من عندك [ص 225] اشار به الي انّها ابتداۤئيّة لانّ لدن و ان كان بمعني عند الّا انّها اخصّ من عند لاحتمال كون عند بمعني في ملكك و هو صادق علي القريب منه و البعيد و المحبوب و المبغوض و لدن لمّا كانت تفيد القرب اختصّ استعمالها في القريب و المحبوب اماتسمعهم يقولون لمن له علم غير مكتسب من غيره يقولون علمه لدنيّ و لايقولون عندِيٌّ و لو كان الثّبات علي ما وفّق من الايمان ليس نعمة جديدة و رحمة ابتداۤئيّة لماقال من لدنك لانّ معنَي مِنْ لدنك انّه جديدُ الحدوث لميجعله لهم قبل السؤال و لميستحقّوه بالسؤال و لهذا ذكر انك انت الوهّاب اي المبتدئ بالنعم قبل استحقاقها لان السؤال و ان كان من افضل القَوابل الّا انه غير مقتضٍ للاجابة لذاته و لو كان مقتضياً للاجابة لماكانت الاجابة رحمة و لمّا كانت الاجابة رحمة دلت علي انّ مقتضي الاجابة انما هو الجود و الكرم الذي نبّه عليه بقوله انّكَ اَنْتَ الوهّاب نعم السؤال شرط لوجود العطيّة اذا اجريٰها المتفضِّل عَلي مقتضي الاسباب فكان السؤال مقتضِياً بالاجابة لا لذاته و الاجابة من الكرم المطلق ثم اذا اقتضي بالاجابة فانما هو مقتضٍ بها للظهور لا للايجادِ لان ظهور هذه العطيّة اذا جُعِل السؤال لها سَبباً متوقفٌ عليه و لو لميجعل سبباً لميتوقف عليه و المعطي سبحانه سبب مَن لا سببَ له و سبب كل ذي سبب و مسبب الاسباب من غير سبب فهو يفعل ما يشاۤء و لي في بيان هذا الحرف سِبَاحَةٌ طويلة اقِفُ بها علي ساحِلِ القُطبيّة و لكن لايقتضي المقام بيان كله فان قلتَ هذه دعوي فلا بدّ في تصديقها من المشاهدة قلتُ ان افتريتُه فعليَّ اجرامي و انا بريۤء مما تجرمون و ايضاً من اهل القابلية لما اشرنا اليه ظهر مما ذكرتُ في هذا الشرح و كرّرتُ تصديق هذه الدعوي و الي اللّهِ ترجع الامور و رحمة اللّه تعالي حقيقة لا مجازٌ لانّه تعالي انّما خلق جميع [ص 226] الخلق بالرحمة و قد سمي نفسه بالرحمن قبل خلقه فقال الرحمن علي العرش استوي و انّما خلق جميع خلقه بفاضل تلك الرحمة و سمّاها رحمة و كلام علماۤء الاصول في هذه المسئلة غير محقق فقولهم انّ المجاز لايستلزم الحقيقة لمّا تورّطوا بقولهم انّ الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له اوّلاً و المجاز استعماله ثانياً و وجدوا اسم الرحمن غير مسبوق بوضعٍ قبله قالوا انّ المجاز لايستلزم الحقيقة فنقول اذا لميستلزم لميكن مجازاً اذ معني المجاز الطريق الي الحقيقة فاذا وضع لفظ علي شئ لميستعمل فيما قبله فان كان يجوز ان يكون مَجازاً لمتوجد حقيقةٌ فان قلتَ بلي توجد بدليل انّ الرحمة حقيقة رقّة القلب قلتُ هذا مصادرة فمن اين علم اَنّ حقيقتها رقّة القلب فلعلّ حقيقتها معني آخر بدليل ان اللّه تعالي سمّي نفسه بالرحمن و سمّي الرحمة باسمها و خلق خلقه بها و لميوجد قلبٌ و لمتخلق له رقّة و لعلّ هذه الرقّة انّما سمّيت رحمة مجازاً لانّ اللّٰهَ سبحانه لمّا خلق الرحمة و سمّاها بهذا الاسم و خلق الخلق آيات لما هنالك فقال سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم فكان ما في الانفس آية و دليلاً لما في الغيب و الٰاية و الدليل ليسا ذاتين و انما هما صفتان و الصفة مجاز الموصوف و هو حقيقتها و لمّا كان الٰاية و الدليل مثلاً و صفة للمستدل عليه و للموصوف وجب في الحكمة ان يكون فيه ما يشابه الحقيقة التي في الموصوف و المستدل عليه فوضع تعالي ما يشابه اصله ليمكن الاستدلال به مثلاً لو انّك لمتر الفرس الحيوان الصاهل و طلبتَ مني بيانه و تمثيله و نقشتُ لك في القرطاس صورة فرس و هذه الصورة هي مثال الحيوان المعلوم و لها يدانِ و رجلان مثل الحيوانِ فيَداها اي الصورة و رجلاها حقيقةٌ فيها و ان كانتا مجازاً بالنسبة الي الحيوان فكذلك خلق اللّه الرحمة [ص 227] و سمّاها باسمها و وصفَ نفسَهُ بها قبل ان يخلق الخلق و القلوب و الرقّة لانّ المخلوق فرع عن صفات فعل الخالق فان كان في الاصل صفة و اراد الفاعل ان يجعل في الفرع نظير صفة الاصل صنعها مناسبة للفرع بقدر امكانه و سمّاها باسم صفة الاصل فليس لك ان كنتَ تفهم انّ صفة الفرع كانت بعد صفة الاصل و سمّيت باسمها و جعلت نَظيرها ان تسمّي صفة الفرع حقيقة و صفة الاصل مجازاً مع ان الحقيقة ذكر و المجاز انثي و تنسبون الذكر اليكم و الانثي له تعالي اَلكم الذكر و له الانثي تلك اذاً قسمةٌ ضيزي و المعلوم عند جميع العقلاۤء انه تعالي انّما خلق للاَجْسام آلاتٍ ليستعملها فيما يراد منه لانّه لايمكنه العمل بدون الٰالاتِ بخلاف الصّانِع فانه تعالي يفعل بغير آلةٍ فلمّا خلق الاجسام و النفوس المحتاجة في عملها الي الاجسَام و اراد منها عمل ما كلّفَها به خلقَ لها آلةً تعمل بها ما ارادَ منها و سمّاها لها باسماۤءٍ اشتقّها من اسماۤئه تعالي ليستدلّ بالاسماۤء ليعرفوه بها من غير تشبيه كما خلق للخلق علماً ليعرفوا به علمه تعالي بمعني انه عالم لانّه خلق العلم و الجاهل لايصنع العلم و ليس علم الخلق حقيقة و علمه مجازاً لان العلم حقيقةٌ في صورة المعلوم عندنا و لانعرف علماً الّا انّه صورة و مقترن بالمعلوم و علمه تعالي ان كان صفةً للمعلوم و صورةً له فهو حادث و ان كان مقترناً به فهو حادث للاجماع من جميع العُقلاۤء من الحكماۤء و المتكلمين و غيرهم من الملّيّين و غيرهم انّ الاقتران صفة الحدوث و لايقع الّا بين حادثين و ان لميكن صفةً للمعلوم و لا مقترناً به فليس علماً لان العلم لايكون الّا صفة و مقترناً و لمّا ثبت انه تعالي عالم لانّه خلق العلم و صنع الصنع المحكم المتقن و لايكون هكذا الّا العالم و لمّا ثبت انّ العلم حقيقةٌ انه صورة المعلوم و مقترن به و هاتان لايجوز ان يوصف اللّه تعالي بهما وجب ان تحكموا بانّ علمه مَجازٌ [ص 228] لا حقيقة لانكم لاتعرفون من العلم الّا ما لايجوز علي الله تعالي كما قلتم انّا لانعرف من الرحمة الا رقّة القلب و هي غير جاۤئزةٍ علي اللّه تعالي فرحمته مجاز فقولوا ايضاً علمه مجاز كذلك و ان قلتم ان علمه مجاز فقولوا ايضاً بذلك في قدرته و سمعه و بصره و حياته و ادراكه و غير ذلك مع انكم تقولون هي عين ذاته فتكون ذاته مجازاً و ذواتكم حقيقة لانكم لاتعرفون من الذات الّا ما هو مثلكم و لهذا قال الصادق عليه السلام كلّ ما ميّزتموه باوهامكم في ادقِّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود عليكم و ان قلتم انّ علمه لانعرف حقيقته و لا كيفيّته فكذلك قولوا رحمته لانعرف حقيقتها و كيفيتها فكما انّكم لاتحكمون بكون علمه مجازاً لعدم معرفتكم بحقيقته و الاصل في الاستعمالِ الحقيقة فكذلك لاتحكمون بكون رحمته مجازاً لعدم معرفتكم بحقيقتها و الاصل في الاستعمال الحقيقة كيف و قد استعمل الرحمن قبل المجاز و قبل خلق اهله فان قلتم فاذاً تكون رحمتُنَا مجازاً و المجاز مسبوق بالحقيقة و لايُعقل ذلك قلتُ اذا لمتعقلوا ذلك فقولوا رحمتُنا حقيقة و رحمة اللّه تعالي حقيقة و حقيقتُنا بنسبة حالنا كما مثّلنَا بالفرس فان يديها حقيقة فيها و صورتها المنقوشة في القرطاس يداها حقيقةٌ فيها و ان كانتا مجازاً بالنسبة الي الفرس الحيوان فافهم فاِنْ فهمتَ فحسن و الّا فقد بيّنتُ لكل مَن له قلبٌ اوْ القي السمع و هو شهيد ببيانٍ يفهمه الّا ثلاثة رجالٍ رجل معاند مكابرٌ لعقلِهٖ و رجل لايفهم العلم و انما هو كالطير المعلّم ينطق بما لايفهم و رجل جامِدٌ جمدَتْ طبيعته علي ما سمع بحيث اذا سمع شيئاً غير ما سمع لايلتَفِتُ اليه و لاينظر فيه لانّه لايريد العلم و انّما يريد الصورة فاذا حفظ الصورة جمَد عليها اذا سلِمَ من الردّ عليه من العوامّ او ما يستلزم ذلك فان قلتَ قد قام الاجماع علي ان رحمتنا حقيقة وَ انها لاتجوز علي اللّهِ [ص 229] قلتُ ان قام علي ان رحمة الخلق حقيقةٌ لميقم علي انّ رحمة اللّهِ مَجازٌ و ان كان فرّعوا علي كون رحمتهم حقيقة و انها غير رحمة اللّه و لايلزم من المغايرة كونها في حقِّهٖ تعالي مجازاً كما انه لايلزم من كون علمنا حقيقة و قدرتنا و سمعنا و بصرنا و انه غير ما في اللّه تعالي كون علم اللّهِ و قدرته و سمعه و بصره مجازاً لجواز ان يكون هذا حقيقة و هذا حقيقة كما انّ ذاتنا حقيقة و ذاته حقيقة و انّا شئ و هو شئ و كلّ حقيقة و كلّ مُغايرٌ للٰاخر فافهم .
قال عليه السلام : سبحان ربّنا ان كان وعد ربّنا لمفعولاً .
قال الشارح المجلسي (ره) سبحان ربّنا اي انزّهه تنزيهاً عما لا يليقُ بذاته و صفاته و افعالِهٖ ان كان اي انّه مخفّفةً من الثّقيلة وعد ربّنا لمفعُولاً في اجابة الدعوات فكيف يخلف وعده انتهي .
و قال السيد نعمتاللّه ان كان وعد ربّنا لمفعُولاً اِنْ هنا مخفّفة من المثقلة و يندرج في قوله وعد ربّنا اجابة الدعوات لانّه قال ادعوني اَسْتَجِبْ لكم انتهي .
اقول تذكّر ما اعترفَ به من الايمان و تذكّر انّ الثبات ليس في ايدينا و انّما هو في يد اللّه سبحانه و انه لا حول و لا قوّة الّا باللّهِ العلي العظيم لا حول لنا عن الانقلاب الي الضلالة و لا قوة لنا علي الثبات الي الهداية الّا باللّهِ المتعالي عن الجور و الظلم و عن البخل لانه المتفضّل بمبتدءات النعم الجزيلة و عن تغيير عادته من الجميل و الاحسان و الفضل و الامتنان و عن اَنْ يخيب رجاۤء راجيه و عن اَلَّايكون مع حسن ظنّ عبده به و عن ان يضيعَ عملنا بزيارتهم و محبّتهم و التسليم لهم و الردّ اليهم و بتوجُّهِنا اليه تعالي بهم و تقرّبنا بمحبّتهم و اتّكالِنا علي ولايتهم لامره لنا بذلك العظيم الذي لايوصف وَ لايعرف و لايكيّف [ص 230] و تذكّر ما وصفهم عليهم السلام به من الاوصاف التي لاتثبت عليها احكام الاقرار اِلّا مَعَ المُوَافَاة باَنْ تذعن القلوب و الاركان و اللّسان كُلُّ واحدٍ منها بالقيام بما يراد منه فلمّا قال ما ذكر و لمتَحْصل بالموافاة فقد خالف اللّسانُ و القلبُ الاركان و كان القول بدعوي الموالاة و المحبّة الَّتي لاتحصل الّا بالعمل و اقلّه البعض كما قال تعالي فمن يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا كفرانَ لسعيه و انّا له كاتبون و اكمله القيام بالكلّ عند اللّهِ اعراضاً و كان الاعراضُ تكذيباً و كان التكذيبُ استهزاۤءً و هذه امور لازمةٌ من قوله تعالي و ماتأتيهم من آيةٍ من آيات ربهم الّا كانُوا عنها معرضين فقد كذّبوا بالحقّ لمّا جاۤءهم فسوف يأتيهم انباۤء ما كانوا به يستهزؤن و الٰاية التي اتَتْهُ ما علّمه اللّهُ مِن انَّ مَن ادّعي ولايتهم و خالفهم فقد اعرض عما يعلم كما في الحديث القدسي ما معناه قال اللّه يا موسي كذبَ مَن زعم انه يحبّني و اذا جاۤء الليل نام عنّي و هل رأيتَ مُحِبّاً ينام عن حبيبه ه ، و اذا اعرض فقد كذّبَ و لذا قال تعالي كذب مَن زَعم انه يحبّني الخ و اذا كذّبَ فقد استهزأ كما في الٰايتَيْن المتقدّمتَيْن فلمّا وجد ذلك من نفسِهٖ و هو يعلم ان ما قاله في الثناۤء عليهم عليهم السلام اذا كان مع الموافاة افضل العبادات للّهِ و اكمل ما يذكر به اللّه و يسبّح و يهلّل و بدون الموافاة قد يكون كما في الٰايتين فلمّا استشعر ذلك نزّه اللّه تعالي عمّا ادّعاه من الطاعة و انه ربّما كان عاصياً بترك الموافاة فقال سبحان ربّنا ان كان وعدُ ربّنا لمفعولاً و ربّما رجا من اللّه تعالي القبول لهذا العمل القليل كان لهم عليهم السلام لأنّ ولايتهم تتمِّم ما نقص من الاعمال كما دلّت عليه اخبارهم فقال انّه كان وعدُ ربّنا لمفعولاً لايخلفُهُ لأنّ الوعد يستعمل في القول بفعل الثواب و الوعيد في القول بفعل العقاب و قد يستعمل القول بفعل العقاب في الوعد اذا كان اتمامه فيه مصلحة اخري [ص 231] كما قال تعالي و يستعجلونك بالعذاب و لنيخلف اللّه وعده و كان وعده قد وقع موقع وعيده الّا انّه لمّا كان فيه نصرة نبيّه صلّي اللّه عليه و آله اتي بما يليق بنبيّه صلي اللّه عليه و آله لأنّه فعل ذلك ترجيحاً لجهته فكأن الكلام و يستعجلونك بالعذاب تكذيباً لك و لنبوّتك و لسوف اصدِّقُك و اُنْزِلُ بهم ما استعجلوا به فكأنّ المقام وعيد من جهةٍ و وعد من جهةٍ فرجح جانب نبيّه صلي اللّه عليه و آله فقال ان كان وعد ربّنا لمفعولاً بلحاظِ ارادة الوعدِ من هذا الوعد لان اللّه تعالي وعدَ القبول لاقلّ الاعمال مع ولايتهم لانها تتمّم ما نقص و تقوم مقام ما فقد لاشتمالها علي محبّتهم و لو خاۤصّة بالقلب بدون عمل الاركان بلحاظ ارادة الوعيد من هذا الوعد لانّ مَنْ قال بلسانه و لميعمل باركانه فقد نقّص حقّهم كما قال عليه السلام انّ ولايتنا لاتنال الّا بالورع فذكر ذنوبه و تقصيراته امّا بسبب هذه الدّعاوَي التي لميشفعها بالموافاة او مطلقاً و هذا اللحاظ بقرينة قوله يا وليّ اللّهِ انّ بيني و بين اللّه ذنوباً الخ ، و هذه القرينة مرجّحةٌ لِلّحاظ الثاني و يرجّح الاوّل و هو ارادة الوعد من هذا الوعد انه صدّره بان المخفّفة من الثقيلة و هي للتأكيد و دخول لام التأكيد في خبرها و ان كان اتي بها للفرق لكنّها مع ذلك تفيد التأكيد لانها اذا خفّفت و اُتٖي لها باللام للفرق بينها و بين الشرطيّة لميؤت للفرق الّا بلامها التي تدخل و ان كانت مشدّدة للتأكيد و انّه اَتي بلفظ الوعد و استعماله في الوَعيد بعيد و علي فرض الوجه الثاني فانّما لوحظ به مصلحة الٰاخر و الٰاخر هنا الائمّة عليهم السلام فانهم لايحبّون المعصية و التقصير من شيعتهم و محبّيهم و اذا وقع من محبّهم تحمّلوا تبعاته و استغفروا له و شفعوا فيه بحيث لايشمت بهم اعداۤؤهم و في تفسير العياشي عن كرّام قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلام يقول اذا كان يوم القيامة اقبل سبعُ قبابٍ من نور يواقيت اخضر و ابيض في كلّ [ص 232] قبّة امامُ دهرِه و قد حفّ به اهل دهره برّها و فاجرها حتّي تغٖيبَ عن باب الجنّة فيطَّلِع اولها قبّةً اطّلاعةً فيمرّ اهل ولايته من عدوّه ثم يقبل علي عدوّه فيقول انتم الّذينَ اقسمتم لايَنالهم اللّه برحمةٍ ادخلوا الجنّة لا خوف عليكم اليوم لاصحابه فتسودّ وجوه الظالمين فيصير اصحابه الي الجنّة و هم يقولون ربَّنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين فاذا نظر اهل القبّة الثانية الي قلّة من يدخل الجنّة "٢" و كثرة من يدخل النار خافوا اَلّايدخلوها "-٢" و ذلك قوله لميدخلوها و هم يطمعون و اذا صرفت ابصارهم تلقاۤء اصحاب النار قالوا تَعَوُّذاً باللّه ربَّنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين ، و في الجوامع عن الصادق عليه السلام الاعراف كثبان بين الجنّة و النار يوقف عليها كلّ نبي و كلّ خليفة نبيٍّ مع المذنبين من اهل زمانه كما يقف صاحب الجيش مع الضّعفاۤء من جنده و قد سبق المحسنون الي الجنّة فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه انظروا الي اخوانكم المحسنين قد سَبقوا الي الجنّة فيُسلّم عليهم المذنبون و ذلك قوله سلام عليكم لميدخلوها و هم يطمعون ان يدخلهم اللّهُ ايّاها بشفاعة النبي و الامام و ينظر هؤلاۤء الي النار فيقولون ربّنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين و ينادي اصحاب الاعراف و هم الانبياۤءُ و الخلفاۤءُ رِجالاً من اهل النار و رُؤَساۤء الكفّار يقولون لهم مقرّعين مااغني عنكم جمعُكم و استكبارهم ( و استكباركم ظ ) اهؤلاۤء الذين اقسمتم لاينالهم اللّه برحمة اشارة الي اهل الجنة الذين كان الرؤساۤء يستضعفونهم و يحتقرونهم بفقرهم و يَسْتَطٖيلون عليهم بدنياهم و يُقسمون ان اللّه لايدخلهم الجنّة ادخلوا الجنّة يقول اصحابُ الاعراف لهؤلاۤء المستضعفين عن امرٍ من اللّه عز و جل لهم بذلِك ادخلوا الجنّة لا خوف عليكم و لا انتم تحزنُونَ اي لا خاۤئفين و لا محزونين و مثله ما في تفسير علي بن ابراهيم علي اختلافٍ في بعض الكلمات لفظاً و امثال هذه كثير و في دعاۤء الحجة عليه السلام قال رضيالدين ابن طاووس [ص 233] قدّس اللّه سرّه سمعتُ القاۤئم عليه السلام بسرّمنرأي يدعو من وراۤء الحاۤئط و انا اسمعه و لا اراه و هو يقول اللهم انّ شيعتنا خلقوا منّا من فاضل طينتِنا و عُجِنُوا بماۤء ولايتِنَا اللهم فاغفر لهم من الذنوبِ ما فعلوهُ اِتّكالاً علي حُبِّنا و وَلِّنا يوم القيمةِ امورهم و لاتؤاخذهم بما اقترفوه من السّيّئات اكراماً لَنا و لاتُقَاصصهم يوم القيمة مُقَابلَ اعداۤئِنا و انْ خفَّتْ موازينهم فثَقِّلْها بفاضل حَسَناتنا ه ، و كلّ هذه وَ مَا اشبَهَها مُؤَيّد للاوّل فعلي الثاني يكون قوله فيما بعده يا وليَّ اللّه استشفاعاً في التقصيرات الخاۤصّة و هي ما تضمّنها قوله في ساۤئر هذه الزيارة مثل قوله مطيعٌ لكم آخذ بقولكم فانه لايصدق الطاعة و الأخذ بالقول مع المخالفة و علي الاول استشفاع في الاعمّ و في الثباتِ علي ما هُدِيَ له من المحبّة و الولاية و المتابعة و لو في الاغلب او بالقلب و التسليم لهم كذلك و الموالاة لهم و لوليّهم و البراۤءة من اعداۤئهم و من اشياعهم و اتباعهم و لو بالقلب .