قوله عليه السلام : و الجاهُ العظيم الجاه هو الوجه و هو القدر و المنزلة و الوجه الجهة و مستقبل كلّ شئ يقول لكم القدر العظيم و المنزلة يعني عند اللّه تعالي بمعني انه لايردّ ساۤئلاً سأله بهم لأن قدرهم عنده تعالي اعظمُ من كلّ شئ فحيث كان اكرم و ارحم منهم و اجود قبِلهم في كلّ شئ لأنّهم قبلُوه في كلّ شئ و هو تعالي اولي من كلِّ شئٍ بكلِّ خيرٍ و ذلك لما خلقهم و دعاهم الي ما اراد اجابوه كما اراد و هو اولي بذلك الجميل من خلقه اجابهم و اجابَ بهم في كلّ مراد و في مجالس المفيد بسنده الي جابر عن ابيجعفر عن ابيه عن جده عليهم السلام قال قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله اذا كان يوم القيمة و سكن اهل الجنّة الجنّة و اهل النار النار مكثَ عبدٌ في النار سبعين خريفاً [ص 184] و الخريف سبعون سنة ثم انه يَسئَلُ اللّهَ عز و جل و يناديه فيقول يا ربّ اسألك بحقّ محمد و اهل بيته الّا رحمتني فيوحي اللّه جل جلاله الي جبريل عليه السلام اهبط الي عبدي فاخرِجْهُ فيقول جبريل و كيف لي بالهبوط في النار فيقول اللّه تبارك و تعالي اني قد امرتُها اَن تكون عليك برداً و سلاماً قال فيقول يا ربّ فما علمي بموضعه فيقول انّه في جُبِّ سجّين فيهبط جبريل عليه السلام الي النار فيجده معقولاً علي وجهه فيخرجه فيقف بين يدي اللّه عز و جل فيقول اللّهُ تعالي يا عبدي كم لبثتَ في النار تناشدني فيقول يا ربّ مااحصيه فيقول اللّهُ عز و جلّ له اما و عزّتي و جلالي لولا مَن سألتني بحقّهم عندي لاطلتُ هوانَك في النار و لكنه حتمٌ علي نفسي اَلّايسألَنٖي عبدٌ بحق محمد و اهل بيته الّا غفرتُ له ما كان بيني و بينه و قد غفرتُ لكَ اليوم ثم يؤمَرُ به الي الجنّة و في مناقب ابنشاذان مرفوعاً الي سماعة قال قال لي ابوالحسن عليه السلام اذا كان لك يا سماعة عند اللّهِ حاجة فقل اللهم انّي اسألك بحق محمدٍ و عليٍّ فانّ لهُمَا عندك شأناً من الشّأنِ و قدراً من القدر فبحقّ ذلك الشأن و بحق ذلك القدر اَنْ تصلّي علي محمد و آلمحمّد و اَنْ تفعل بي كذا و كذا فانّه اذا كان يوم القيمة لميبق ملك مقرّب و لا نبي مرسل و لا مؤمنٌ امتحن اللّٰهُ قلْبَهُ للايمان الّا و هو محتاج اليهما ذلك اليوم ه ، و انّما استجاب الدعاۤء بحقّهم عليه و جاههم عنده لانه سبحانه كما ذكرنا مراراً متعدِّدةً فيما سبق انّما خلقهم له و ليس له تعالي شأن بغيرهم بالذات و انّما خلق جميع من سواهم من حيوان و نباتٍ و معدنٍ و جمادٍ و مِن جوهرٍ و عَرضٍ من جميع خلقه من الاسباب و المسبّبات من عين و معنيً صفةٍ و موصوف لهم عليهم السلام و هو قول علي عليه السلام نحن صناۤئع اللّهِ و الخلق بعْدُ صناۤئع لنا ه ، يعني نحن الذين اصطنعَنا اللّه سبحانه لنفسه و صنع جميعَ الخلقِ لَنَا فجاههم عليهم السلام عنده اقرب [ص 185] و اعظم من سؤالِ ساۤئِلٍ من ساۤئِر خلقه فان مطلب السّاۤئل بحقّهم لايخلو امّا ان يكون منافياً لجاههم و حقّهم او مخالفاً له و امّا ان يكون موافقاً لحقهم و جاههم بان يكون من لواحق حقّهم او توابعه فان كان مطلبه منافياً لحقهم كما لو سَئَلَ اللّٰهَ ان يجعله مثلهم او افضل منهم لميصحّ من الساۤئل وقوع التوسل بحقّهم لان معني التوسل بجاههم و حقّهم ان يجعله شافعاً له عند اللّه تعالي في مطلبِهِ و الساۤئل من غيرهم لايصل الي مقام جاههم بحالٍ من الاحوال فكيف يسئل هذا المقام فانّه اذا سأله لميبق ما يستشفع به الي اللّه تعالي مع انّه لميصل في اصل وجوده الي مطلبه فبين اصل وجوده و بين مطلبه هذا مراتب لاتحصي فهو طالب للوصول بلا سببٍ فقد خرّ من السماۤء فتخطفه الطير او تهوي به الريح في مكانٍ سحيق و من دون هذا و ان شاركه في ظاهر العلّة ما لو سأل اللّه تعالي مقام النبيين و المرسلين ما لميكن منهم ففي الاول لايجوز لاحدٍ من الخلق لا نبي مرسل و لا ملك مقرّب و لا مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان و انّما ابتلي بعض النبيين عليهم السلام بالبلاۤء من اللّه تعالي لانه توقّف في ولايتهم اي في كمال الطاعة و الانقياد لهم بان وجد في نفسه وقفة و لو للتروّي و التأمّل مثل ايّوب عليه السلام عند الانبعاث للنطق شكّ و بكي فقال خطب جليل و امر جسيم قال اللّه عز و جل يا ايّوب اتشُكُّ في صورةٍ اقمتُه انا اني ابتليتُ آدم بالبلاۤء فوهبته له و صفحتُ عنه بالتسليم عليه بامرة المؤمنين و انت تقول خطب جليل و امر جسيم فوعزّتي لاذيقنّك من عذابي او تتوبَ اليَّ بالطاعة لاميرالمؤمنين قال عليه السلام ثم ادركته السعادة بي يعني انه تاب و اذعن بالطاعة لاميرالمؤمنين عليه السلام كذا في كنز الفواۤئد للكراجكي و تقدّم الحديث بتمامه و مثل يونس عليه السلام حين دعي الي الايمان او الاقرار باميرالمؤمنين عليه السلام فقال كيف اؤمن او قال اقرّ بمن [ص 186] لمارَهُ و جري عليه ما سمعتَ و قد تقدّم ذكر هذا و دفع الاشكال في وقوع مثل هذا من اهل العصمة عليهم السلام و جوابه و مثل هذا حال المؤمنين بالنسبة الي الانبياۤء عليهم السلام و ان كان مطلب الساۤئل مخالفاً لحقهم عليهم السلام كما لو سأل اللّه تعالي بهم ما حرّم اللّه عليه فانّه اي سؤاله ذلك لميكن في سبيلهم و انما كان في سبيل اعداۤئهم فهو في دعاۤئه يسئل اللّه ان ينقّص حقهم عنده تعالي و السؤال فيما رضي اللّه تعالي بحقهم سؤال للّه تعالي ان يزيد في حَقّهم و قدرهم عنده تعالي فهو في سؤاله المحرّم غير ساۤئل بحقّهم بل هو في سبيل اعداۤئهم فقد اخطأ الطريق الي اللّه تعالي فاُبْعِدَ من الاجابة لانه في الحقيقة انّما يدعو الشيطان و ما دعاۤء الكافرين الّا في ضلال و ان كان مطلبه موافقاً لحقهم عليهم السلام كما لو سأل اللّه تعالي تعجيل فرجهم و اهلاك اعداۤئهم فان ذلك لاحق بحقهم او سأل اللّه تعالي ما امره به او ما ندبه اليه اوْ اباحَهُ فانّ ذلك تابع لحقّهم و الفرق بين الاول و الثاني انّ الاوّل من مكمّلات حقهم عنده تعالي و الثاني من متمّمات حق شيعتهم و محبيهم او مكمّلاته فمن سأل اللّه تعالي بحقّهم و بجاههم ما كان موافقاً لجاههم فانّ اللّه تعالي لايردّه لحصول الرابطة و هو وصل ما امر اللّهُ به ان يوصل فان عرف اللّه تعالي كانت الاجابة علي اثر الدعاۤء و الّا فامّا ان يكون كفارة لبعض ذنوبه او تؤخّر الاجابة الي حين المصلحة في الدنيا او في البرزخ او في القيمة و لايرد اللّه تعالي داعياً بحقّهم و بجاههم ان كان صادقاً و تفصيل هذا المقام يطول به الكلام و الحاصل انّ لهم جاهاً عظيماً عند اللّه عز و جل و هو في الباطن ان اللّه تعالي جعلهم وجهه الذي يتوجّه اليه الاولياۤء لانّهم عليهم السلام الدليل اليه لا غيرهم و هو معني ما اردنا بقولنا قبل و الجاه هو الوجه ثم قلنا و الوجه الجهة و مستقبل كل شئ و آيته الّتي ارانا اللّه ايّاها في الٰافاق [ص 187] في قوله تعالي سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق الٰاية ، و المثل المضروب لذلك و للّه المثل الاعلي مثل السراج فانّ المرئي منه هو الشعلة الظاهرة و اصلها الدخان الذي كلّسَتْه النار من الدهن فانفعل ذلك الدخان بمسّ النار اي بفعلها من الحرارة و اليبوسة العرضيّين و امّا النار الحقيقيّة التي هي الحرارة و اليبوسة الجوهريّتان فهي غيبٌ لمتظهر بذاتها و انما ظهرت باثرِ فعلها و هو الشعلة المرئيّة فانّها بحرارتِها و يبوستها العرضيتين اللتين هما عبارةٌ عن فعلها حرقت الدهن و جَفّفتْه حتي كان دخاناً فاستضاۤء عن فعل النار و قد ذكر هذا المعني الشيخ ابوعلي في الاشارات حيث قال اعلم ان استضاۤءت النار الساۤئرة لما وراۤءها انّما تكون اذا عُلِفت شيئاً ارضيّاً ينفعل بالضَّوْء عنها الي ان قال فاذا طفيت انفصلتِ النار هواۤءً و الكثافة دخاناً انتهي ، فالشعلة هي المرئيّة و هي الدخان المستحيل من الدهن انفعل بالضوء عن مسّ النار و هو الوجه و الجهة للنار و ليس لها وجه غيره و لميوجد شئ من الاشعّة المنبثّة في اقطار البيت الّا من الشعلةِ و بواسطتها و الفاعل هو النار المحتجبة بالشعلةِ عن جميع الاشعّة واقفون بباب الباب و هو الشعلة سائلون بفقرهم من جناب النار و هو الشعلة فكل شئ من الاشعة متوجّه في جميع وجوداته و مطالبه الي الشعلة لا لها بل للنار الفاعلة للشعلة بفعلها و للاشعّة بواسطة الشعلة فالشعلة آيتهم و مَثَلُهم عليهم السلام و الاشعّة المنبسطة علي ساۤئر جُدُرِ البيت و سقفِهٖ شيعتهم و محبّوهم و جميع اتباع محبّيهم من الحَيوانات و النباتات و الجمادات و عكوسات الاَشِعّة اعداۤؤهم و اتباع اعداۤئهم من الحَيوانات و النباتات و الجمادات و جميع الاَشِعّة متوقّفة علي الشعلة و متقوّمة بها و منتهية اليها و مستمدة لوجودِها و بقاۤئه منها و بواسطتها و كذلك العكوسات بواسطة الاشعّةِ و الشّعلة هي وجه النار الغاۤئبة عن دَرَكِ [ص 188] الاحساسِ و هي اي الشعلة آيتهم و مثالُهمْ و النّار الغاۤئبة آيةُ الحقِ تعالي اٰيةُ استدلالٍ عليه لا آية تكْشِفُ له فتدبر هذا المثل الذي ضربه سبحانه آية للحقِ في الٰافاق فهل يمكن اَنْ تُمِدَّ النارُ شيئاً بغير واسطة الشعلة او يصل شئ من الاشعة الي النار بعملٍ او في استمدادٍ بدون الشعلةِ و كذلك جميع العكوسات لايمكن ان تستمدّ من الشعلة بدون واسطة الاشِعّة كذلك جميع الخلق لايمكن ان يصل احد من الخلق الي اللّهِ تعالي في استمدادٍ او وجودٍ او بعمل بغير واسطتهم صلي اللّه عليهم و لايَصِلُ من اللّٰهِ تعالي فيضٌ و لا اِمْدادٌ الي احدٍ من الخَلْقِ بغير واسطتهم فهم وجه اللّهِ الذي يتوجّه اليه الاولياۤء فاَيْنما تولّوا فثمَّ وجه اللّهِ كلّ شئ هالكٌ الّا وجهه كلّ من عليها فانٍ و يبقي وجهُ ربّك ذُو الجلال و الاكرام فمَنْ سألَ اللّه تعالي شيئاً يرضي به فكالشعاع في استمداده بواسطة الشعلة و هو مقبول ثابت و من سأل اللّه تعالي شيئاً لايرضي به فكالعكوسات في استمدادها بغير واسطة الاشعّة و هو مردود منفي و لو كان مقبولاً ثابتاً لكانتِ العكوسات اشعّة لا عكوساتٍ فافهم . و بالجملة فكل شئ انّما يتلقّي من اللّه تعالي بواسطتهم فيعطي لاجل عظمِ جاههم عنده لا فرق في ذلك بين الشريف و الوضيع و العالي و الرفيع و لهذا كان جميع الانبياۤء و المرسلين الّذين هم اقرب الخلق بعد النبي و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله الي اللّه تعالي و احبّهم اليه و اوجههم عنده لاينالون مطالبهم من اللّهِ تعالي الّا بحقهم و جاههم عليهم السلام ففي جامع الاخبار و امالي الصدوق بسندِهما الي معمّر بن راشد قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلام يقول اتي يهودي الي النبي صلي اللّه عليه و آله فقام بين يديه يحدّ النظر اليه فقال يا يهودي ما حاجتك قال انت افضل ام موسي بن عمران عليه السلام النبي الذي كلّمه اللّه و انزل عليه التورية و العصي و فَلَقَ له البحر [ص 189] و اظلّه بالغمام فقال له النبي صلي اللّه عليه و آله انه يكره للعبد ان يزكّي نفسَهُ و لكنّي اقول انّ آدم عليه السلام لمّا اصاب الخطيۤئة كانت توبته ان قال اللهم انّي اسألك بحقّ محمد و آلمحمّد لمّا غفرت لي فغفرها اللّه له و انّ نوحاً عليه السلام لمّا ركب في السّفينة و خاف الغرق قال اللهم انّي اسألك بحقّ محمد و آلمحمد لمّا انجيتَني من الغرق فنجاه اللّه منه و ان ابراهيم عليه السلام لما القي في النار قال اللهم انّي اسألك بحقّ محمد و آلمحمد لمّا انجيتني منها فجعلها اللّهُ عليه برداً و سلاماً و انّ موسي لمّا القي عصاه و اوجس في نفسه خيفةً قال اللهم اني اسألك بحقّ محمّد و آلمحمد لمّا امنتني فقال اللّه جل جلالُه لاتخف انّكَ انت الاعلي يا يهودي انّ موسي لو ادركني ثم لميؤمن بي و بنبوّتي مانفعه ايمانه شيئاً و لانفعَتْه النبوّة يا يهودي و من ذرّيّتي المهدي اذا خرج نزل عيسي بن مريم لنصرته فقدّمه و صلّي خلفه ه ، و في الاختصاص بسنده الي المفضّل بن عمر قال قال لي ابوعبداللّه عليه السلام ان اللّه تبارك و تعالي توحَّد بملكه فعرّف عباده نفسَهُ ثم فوّض اليهم امره و اباح لهم جنّتَهُ فمن ارادَ اَنْ يطهّر اللّٰهُ قلبه من الجن و الانس عرّفه ولايتنا و مَن اراد ان يطمسَ علي قلبه امسكَ عنه معرفتنا ثم قال يا مفضّل واللّهِ مااستوجبَ آدم ان يخلقه اللّه بيده و ينفخ فيه من رُوحِهٖ الّا بولاية عليٍّ صلواتُ اللّهِ و سلامه عليه و ماكلّم اللّٰهُ موسي تكليماً الّا بولاية عليّ عليه السلام و لااقام عيسي بن مريم آيةً للعالمين الّا بالخضوع لعليٍّ عليه السلام ثم قال اُجمِل الامرَ مااستأهَلَ خلقٌ من اللّه النظر فيه الّا بالعبوديّة لَنا ه ، اقولُ و اَنْتَ ان اطّلعتَ علي ما اشرنا اليه فحسن و الّا فعليك بالدليلَين الصحيحَيْن الدليل العقلي و هو ما ذكرنا من البيان و المثل الحقّ الذي ضربه اللّٰهُ لِذٰلكَ و الدليل النقلي و هو ما ذكرتُ لك منَ الاخبار و غير ما ذكرتُ وَ لَاسيّما هذا الحديث الاخير مما ذكرت فانه [ص 190] عليه السلام قال اُجْمِلُ لكَ الامرَ ثم بَيَّنَ عموم هذا لجميع الخلق و هو الصادق عليه السلام في قوله علي اللّه تعالي .
قوله عليه السلام : و الشأن الكبير اقول قد تقدّم بيان الشأن و بيان الكبير و انّما ذكرهما هُنا لِانّه عليه السلام في صددِ مَا تَحقّقَ لهم بالنظر الي كَوْنهٖ عند اللّٰهِ علي جهة الاِدِّخَار للمُجازاةِ لهم عَلَي صدقهم مَعه تعالي في جميع المَواطن عَلي وفقِ ما عاهدوه عليه ممّا ارادَ منهم و عَاهدهم عليه فاعدّ لهم هذه المراتب و المنازل و المقامات بقبولهم و طاعتهم و بحقيقة ما هم اهله حيثُ يقول تعالي اللّٰهُ اَعْلَم حيثُ يجعل رسالتَهُ ، و كان مَدركنا لهذه الاشياۤء وَ وَصْفُنَا لها بمعونةِ ما بَيَّنُوا لنا انّما هو بحسب حقاۤئق ذَواتِنا و ما يمكن فيها لا بحسب تلك الاشياۤء علي ما هي عليه و انّما هو كما ظهرَتْ لنا بما يمكنُنَا و ذلك علي حدِّ ما قال البُوصيري في وصفِ صفاتِ النبي صلّي اللّٰهُ عليه و آله في قصيدته الهمزيّة حيث يقول :
انّما مَثّلُوا صفاتِك للناس كما مَثّلَ النجومَ الماۤءُ
و ما احسن ما قال في هذا المجال .
و قوله عليه السلام : و الشَّفاعة المقبولة الشّفاعة مصدر شفَع كمنَع و ربّما كان استعمالها علي جهة النقل فهي اسم لسؤال التجاوز و الصفح عن الذنوب و الجراۤئم و قيل كما يشفع صاحب الشفاعة لاهل الذنوب في التجاوز عنها كذلك يشفع للمطيعين ليزيد في درجتهم في الجنّة و المستفاد من الادلّة العقلية و النّقلية صحة هذا القول و هو قول المعتزلة و لاينافيه قوله صَلّي اللّه عليه و آله اُعِدّتْ شَفاعتي لاَهْلِ الكَبٰاۤئر من اُمَّتٖي لاَنَّ قوله (ص) ذٰلِك لبَيٰانِ قبول شفاعتِهِ عِنْدَ اللّهِ تعالي حتي في الكباۤئر لانّ اللّه تعالي قال اشفَع تُشَفَّعْ وَ اسئَلْ تُعْطَ فاذا كانت مقبولة في الكباۤئر [ص 191] ففي رفع الدرجات تقبل بطريقٍ اولي لانّه صلي اللّه عليه و آله كثيراً ما يقول لعليّ عليه السلام ما معناه ان شيعتك معنا في الجنّة و لا رَيْب انّ شيعتهم لايصلون الي مجاورتهم في الجنّة باعمالهم اذ لايجاورونهم في الاعمال و لايزاحمونهم فيها فلايجاورونهم في الجنة من جهة المجازاة و انّما يجاورونهم من جهة الفضل و هو بالشفاعة لانها متمّمة لنقص القابليّة لا انّها تمام القابلية و الّا لصلحت لاعداۤئهم مع ان اللّه تعالي نفي ذلك الّا مع القابلية فاشار الي ذلك بقوله الحق و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون فاذا كان المشفوع له صالحاً للشفاعة بمعني انه ممّن ارتضي اللّه دينه و هو المؤمن فانه صالح لسكني دار رضي اللّهِ تعالي و هي الجنّة الّا انه ربّما حصل له من تقصيراته عواۤئق عنها فقعد به نقصان اعماله "٢-" التي هي حدود قابليته لرضي اللّه فَتُتَمِّمُهَا شفاعةُ الشافع او قعد به نقصانها "-٢" عن الكمال فلميصل الي اعالي الدرجات فتأخذ بيده شفاعة الشافع حتّي تُبَلِّغه بتكميل اعماله اعالي الدرجات و في الكافي عن الباقر عليه السلام و ان الشفاعة لمقبولة و ماتُقْبل في ناصبٍ و ان المؤمن ليشفع في جاره "٢-" و ما له "-٢" حسنةٌ فيقول يا ربّ جاري كان يكفّ عنّي الاَذي فيشفع فيه فيقول اللّه تعالي انا ربّك و انا احقّ مَنْ كافَي عنك فيدخله اللّه تعالي الجنّة و ما له من حسنةٍ و انّ ادني المؤمنين شفاعةً ليشفع لِثلٰثٖين انساناً فعند ذلك يقول اهل النار فما لنا من شافعين و لا صديق حميم ه ، فبيّن عليه السلام مراد اللّهِ في كتابه في قوله تعالي و لايشفعون الّا لمن ارتضي بقوله (ع) و ماتُقْبَل في ناصبٍ لانّها قبيحة في حقِّهٖ في الحكمة لان مقتضي طينتِه من عمله و عملِهٖ من طينتِهٖ خلاف مقتضي الشفاعة كما قدمنا الكلام في معناه في قوله عليه السلام و الجاه العظيم و لو جاز له لسقطت فائدة التكليف بالاعمال لان الشفاعة لاتضيق عن القبول فيمن لا عمل له و يتساوَي في ذلك جميع [ص 192] الخلق و لو كان ذلك جاۤئزاً لجري فعل اللّهِ علي غير المقتضي و لو كان كذلك لكان الخلق كله نفساً واحدة لان التعدّد انّما حصل بتعدّد القوابل للفعل و لو انتفت فاۤئدة تعدّد القابليات و المشخصات اتّحد تعلّق الفعل و لو اتّحد تعلّق الفعل انتفت فاۤئدة الايجاد الكَوْني و ان امكن الامكاني و يبطل النظام و تعالي اللّه عن الرضي بقبول الشفاعة للناصب علوّاً كبيراً و ما ذكر عليه السلام من ذكر الشفاعة للمؤمن لاينافي ما نحن بصدده من انّ لهم عليهم السلام الشفاعة المقبولة لانّ الشفاعة لهم و هم يشفعون لشيعتهم و شيعتهم يشفعون لمحبّيهم و اصدقاۤئهم و جيرانهم و هو عليه السلام ذكر شفاعة المؤمنين اذا شفعوا لهم في ان يشفعوا و في تفسير علي بن ابراهيم في قوله تعالي فما لنا من شافعين و لا صديقٍ حميم عنهما عليهما السلام واللّهِ لنشفعنَّ في المذنبين من شيعتِنا حتي يقول اعداۤؤنا اذا رأوا ذلك فما لنا من شافعين و لا صديق حميم و في المحاسن عن الصادق عليه السلام الشافعون الائمة عليهم السلام و الصَّدٖيق من المؤمنين ه ، لانّهم يشفعون لشيعتهم ان اشفعوا فيمن تحبّون فاذا شفعوا فيهم و شفّعوهم كسِيَ المؤمن حلّة الشفاعة بفضل شفاعتهم صلي اللّه عليهم حتي انّه اذا احبَّ جري القبول له من اللّه عز و جل كما احبّ و لقد روي في المجمع عن النبي صلي اللّه عليه و آله ان الرجل يقول في الجنّة ما فعل صديقي فلان و صديقُه في الجحٖيم فيقول اللّه تعالي اخرجوا له صديقه في الجنة فيقول مَن بقي في النار فما لنا من شافعين و لا صديق حميم ه ، و الشفاعة المقبولة يراد منها التصرّف المطلق في امر الحساب و الجنّة و النار يفعلون بولاية اللّه سبحانه و توليته اياهم الولاية العاۤمّة ما يشاۤؤن من غير مراجعة في كلّ جزئيٍّ جزئي لان اللّه سبحانه خلقهم علي اكمل مزاج يحتمله الامكان فاقتضت حكمته الحق اَن يُشهدهم خلقَ كلّ شئ و ينهي اليهم علم كلِّ شئ [ص 193] و يجعلهم اولياۤء علي كلّ شئ ولايةً مطلقة غير مقيّدةٍ و عاۤمّةً غير خاۤصّةٍ و من ذلك ان جعل سبحانه اياب خلقه اليهم و حسابهم عليهم لما بيّنّا مراراً متعددة انه تعالي خلق كلّ شئ لهم كما تواترت به اخبارهم معنيً تواتُراً ملأ آذان الموالي و المعادي حتي لايجهله احدٌ و ان كان من الناس مَن يردّ ذلك عداوةً و حسداً و منهم من يردّه جهلاً منه لعدم احتمالِهٖ لَهُ لانّ عقله لميتأدّب بٰادابهم و لميتخلّق باخلاقهم فلميحتمل كلامهم الصعب المستصعب لا لانّه لميسمع به بل كلّ مَن تتبّع آثار الفريقَيْن وجد هذا المعني في الاحاديث من الطرفين قد ملأ الخافقين فلمّا خلقهم لهم و جعلهم اولياۤء امور الخلق كلهم و اولي بهم من انفسهم فوّض امور الخلق اليهم و ليس معني هذا التفويض رفع يده و استقلالهم بالخلق لان هذا شرك باللّه تعالي اللّه عن ذلك علواً كبيراً و لكن معناه ما ذكرناه سابقاً في مواضع متعدّدة من ان معناه ان اللّه سبحانه خلقهم له فلميجعل لهم مشيّة غير مشيّته و لا ارادة غير ارادته لانه تعالي جعلهم محاۤلّ مشيّته و اَلْسِنَةَ ارادته كما قال تعالي في حقهم و ماتشاۤؤن يا المحمد الّا ان يشاۤء اللّٰهُ و كما قال في حق نبيّه صلي اللّه عليه و آله و مارميتَ اذ رميتَ و لكن اللّه رمي و قال في حقهم لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون مع انهم عليهم السلام خلق له فهم ابداً قائمون به قيامَ صدورٍ لا غني لهم عنه طرفة عينٍ ابداً فلاينطقون الّا بما نطق فيهم من مشيّته و لا التفاتَ لهم الي شئ من اِنّيّاتهم ليقع منهم غير ما اراد سبحانه فقولهم قول اللّه و فعلهم فعل اللّه و ارادتهم ارادة اللّه سبحانه و من نظر في احاديثهم و ادعيتهم و كثير منها مجمع عليه بين الفرقة المحقّة وجد ما ذكرناهُ و اعظم ممّا اشرنا اليه و منه ما تقدم في حديث الوسيلة و غيره و منه ما رواه المفضّل بن عمر قال قلتُ لابيعبداللّه عليه السلام اذا كان علي صلوات اللّه و سلامه عليه يُدخل الجنّة [ص 194] محبّه و النار عدوَّه فاين مالك و رضوان اذاً فقال يا مفضّل اليس الخلاۤئق كلهم بامر محمد (ص) قلتُ بلَي قال فعليّ يوم القيمة قسيم الجنّة و النار بامر محمد (ص) و مالك و رضوان امرهما اليه خذها يا مفضّل فانها من مكنون العلم و مخزونه و منه ما في رجال الكشّي بسنده الي الحسن بن علي ابن فضّال يقول عجلان ابوصالح ثقة قال قال له ابوعبداللّه عليه السلام يا عجلان كأني انظر اليك الي جنبي و الناس يعرضون عَلَيَّ و في مناقب ابنشاذان رفعه الي جابر عن ابيعبداللّه عليه السلام انه قال اذا كان يوم القيمة و جمع اللّه الاولين و الٰاخرين لفصل الخطاب دعا رسول اللّهِ صلي اللّه عليه و آله اميرالمؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه فيكسي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله حلّة خضراۤء يضيۤءُ لها (ظ) ما بين المشرق و المغرب و يُكسَي علي عليه السلام مثلها و يُكسَي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله حلّة ورديّةً يضيۤء لها ما بين المشرق و المغرب و يُكسَي علي عليه السلام مثلها ثم يدعي بنا فيدفع الينا حساب الناس فنحنُ واللّهِ نُدخِلُ اهل الجنةِ الجنّةَ و ندخلُ اهلَ النارِ النار ثم يُدعَي بالنبيين عليهم السلام فيقامون صفّين عند عرش اللّه عز و جل حتّي نفرغَ من حساب الناس فاذا ادخلَ اهلُ الجنّةِ الجنّةَ و اهلُ النارِ النارَ بعثَ اللّه تبارك و تعالي عليّاً فانزلهم منازلهم في الجنّة و زوّجهم فعليٌّ واللّهِ الذي يزوّج اهلَ الجنّة و ما ذلك الي احدٍ غيره كرامةً من اللّه عز ذكره له و فضلاً فضّله به و مَنَّ به عليه و هو واللّهِ يدخل اهل النارِ النار و هو الذي يغلق علي اهل الجنّة اذا دخلوا فيها ابوابها لان ابوابَ الجنّة اليه و ابواب النار اليه و عن ابنعباس عن النبي صلي اللّه عليه و آله انه قال يا علي انت صاحب الجنان و قاسم النيران اَلا و انّ مالكاً و رضوانَ يأتياني غداً عن امر الرحمن فيقولان لي يا محمد هذه هبةٌ من اللّه اليك فسلّمها الي عليّ بن ابيطالب فادفعُها اليك [ص 195] فمفاتيح الجنّة و النار يومئذٍ بيدك تفعل بها ما تشاۤء ه ، و في مناقب ابنشهراشوب قال قال اميرالمؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه فِيّ نزلت هذه الٰاية انّ الينا ايابهم ثم انّ علينا حسابهم ، و في كنز الكراجكي باسناده الي محمد بن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده عليهما السلام في قوله عز و جل انّ الينا ايابهم ثم انّ علينا حسابهم قال اذا كان يوم القيمة وكّلنا اللّه بحساب شيعتِنا فما كان للّه سألناه ان يهبه لنا فهو لهم و ما كان لمخالفيهم فهو لهم و ما كان لنا فهو لهم ثم قال هم معنا حيث كنا ه ، و فيه في رواية عبداللّه ابن سنان عن الصادق عليه السلام كمعني ما قبله و فيه و ما كان للٰادميّين سألنا اللّهَ ان يعوّضهم بدلَهُ فهو لهم . و بالجملة الاخبار في هذا المعني من الشفاعة العاۤمّة لاتكاد تحصي و هذا لا اشكال فيه لانّ اللّه سبحانه المالك لخلقه جعل امر خلقه اليهم في الدنيا وَ الٰاخرة تكرمةً لهم و نظراً لمصلحة خلقِهٖ لانه تعالي لمّا كان متكرّماً عن معاناة امور الخلاۤئق و كان عز و جل بحالٍ من الجلال و العظمة و القهّارية لاتستطيع الخلاۤئق ظهوره لها لانه لو كشف حجاباً من الحجب النور التي ضربها بين ظهوره و فعله و بين خلقه و هي سبعونالف حجاب لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه و لهذا لمّا سأله موسي عليه السلام ما سأله قال له انظر الي الجبل فان استقرّ مكانه فسوف تراني فامر رجلاً من الكروبين من شيعة علي عليه السلام من الخلق الاول الذين لو قسم نور واحدٍ منهم علي اهل الارض لكفاهم فامر ذلك الرجل منهم و كان نوره من نور الستر بقدر الدّرهم او بقدر سَمِّ الأبرة فتقطّع الجبل فكانت قطعة منه هباۤء و هو هذا الهباۤء الموجود الذي هو مع الكرة البخارية و هو الذي بين الارض و السماۤء من الارض مرتفعاً الي نحو سبعةعشر فرسخاً و ثلث فرسخ كما ذكره بعض علماۤء [ص 196] الهيئة ما كان منه غليظاً كان مما يلي الارض و كلّما ارتفع كان الْطفَ و به بقاۤء حيوة الحيوان البريّة لانّه معين للماسكة و قطعة منه ساخت في البحر فكانت في الماۤء كما كانت الاولي في الهواۤء و بها بقاۤء حيوة حيتان البحر و قطعة ساخت في الارض فهي تهوي حتي تقوم الساعة و بها بقاۤء حيوة الجاۤنّ العاتين و الشياطين المتمردين اوْ انّ القطعة الثالثة كانت ربوةً باقية علي وجه الارض و نور هذا الرجل عليه السلام الذي هو من شيعة علي عليه السلام اذا نسب نور الشمس الي نوره كان نسبة الواحد الي ثلاثمائةالفٍ و ثلاثة و اربعين الفاً و نسبة نور هذا الرجل عليه السلام الي نور امامه و وليه اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب صلوات اللّه و سلامه عليه كنسبة نورِ شعاعٍ خرج من سمّ الابرة الي نور الشمس و انوار ساۤئر الائمة الاحدعشر و فاطمة عليهم السلام كنور عليٍّ عليه السلام لان انوارهم من نوره كالضوء من الضّوء فاذا كان هذا نور رجلٍ من شيعة علي عليه السلام و نور عليّ عليه السلام محلّ مشيّته تعالي فكيف يُطيق احدٌ من الخلق ظهور فعله له بغير حجاب فلمّا علم سبحانه ان ظهور فعله بغير حجاب لايقوم له شئ من خلقه لطفَ بهم و رحمهم فاظهر لهم من رحمته حجُباً اتخذهم اعضاداً لخلقه لانّهم اقوياۤء جعلهم قادرين علي التلقّي من فعله لانهم محالّ مشيّته و قادرين علي الاداۤء الي الخلق لمناسبتهم لهم و يقدر الخلق علي التلقّي منهم لمشاركتهم لهم في البشريّة و احكامها و كان الخلق متساوون في النسبة الي هذه الامور فلهذه الامور قلنا انّ امور الخلق راجعة اليهم في اوّل خلقهم و في الدنيا و الٰاخرة في كل شئ .
و من الادّلة النقلية علي ان الخلق لاتستطيع التلقّي منه فاقام لهم محمّداً و اهل بيته صلّي اللّه عليه و اهل بيته لانّ الخلق لايقومون لشئٍ من ظهوراته قول اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته يوم الغدير و الجمعة الي ان قال و اشهد انّ [ص 197] محمّداً عبده و رسوله استخلصه في القِدم علي ساۤئر الامم علي علمٍ منه انفرد عن التشاكُلِ و التّماثل من ابناۤء ( النبيين خل ) الجنس و انتجبَهُ آمراً و ناهياً عنه اقامه في ساۤئر عالَمِهٖ في الاداۤء مقامَهُ اِذْ كان لاتدركه الاَبْصار و هو يدرِك الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتُمَثِّله غوامِضُ الظنون في الاسرار لا اله الّا هو الملك الجبّار قرنَ الاعتراف بنبوّته بالاعتراف بلاهوتِيّتِهٖ .
و من الدليلِ علي انّه تعالي خلقهم علي اَعْدلِ مزاجٍ لاجل ما اختصّهم به ممّا حمّلهم من القيام مقامه في ساۤئر عالمه قوله عليه السلام بعد ذلك الكلام المتقدّم و اختصّه من تكرمتِهٖ بما لميلحقه فيه احدٌ من بَريّتِهٖ فهو اهْلُ ذلك بخاۤصّته و خلّتِهٖ اذْ لايختَصُّ مَنْ يَشُوبُه التغيير و لايُخالِلُ مَنْ يلحقه التّظنٖينُ و امرَ بالصلوة عليه مزيداً في تكرمَتِهٖ و طريقاً للدّاعي الي اجابتِهٖ فصَلّي اللّٰهُ عليه و آله و كرّم و شرّفَ و عظّم مزيداً لايلحقه التفنيد و لاينقطع علي التأبيد و انّ اللّه تعالي اختصّ لنفسه من بعد نبيّه صلي اللّه عليه و آله من بريّتِهٖ خاۤصّةً علّاهم بتعليتِهٖ و سما بهم الي رتبته و جعلهم الدعاة بالحق اليه و الادلّاۤء بالارشادِ عليه لِقَرْنٍ قَرْنٍ و زمَنٍ زمَنٍ انْشأَهم في القِدَم قبل كلّ شئٍ مذروۤءٍ و مبروۤءٍ انواراً انطَقَها بتحميدِه و الهمَها شكرَه و تمجيده و جعلها الحجج علي كلّ معترفٍ له بِملكَةِ الربوبيّة و سلطان العبوديّة و استنطق بها الخرساتِ بانواع اللغات بُخوعاً له بانه فاطر الارضين و السموات و اشهَدَهم خلقَه و في نسخةٍ خَلْقَ خَلْقِهٖ و هو الذي تدلّ عليه اخبارهم و كتاب اللّه تعالي قال عليه السلام و ولّاهم ما شاۤء من امرِه و جعلهم تراجمَ ( تراجمةَ خل ) وحيِه و الْسُنَ ارادَتِهٖ عبيداً لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيتهٖ مشفِقُون يحكمون باحكامه و يستنّونَ بسُنّتِهٖ و يعتمدون حدوده و يؤدّون فرضه الخ ، فبيّن عليه السلام انه تعالي انّما اقام محمداً صلي اللّه عليه في ساۤئر عالمِهٖ [ص 198] في الاداۤء مَقامَهُ اي في اداۤء جميع ما اراد ايصاله الي خلقه من خلقٍ و رزقٍ و حيوةٍ و مماتٍ مما يتعلّق بعقولهم و نفوسهم و اجسامهم في الدنيا و الٰاخرة لاتّحاد العلّة الموجبة لذلك و هي قوله عليه السلام اذ كان لاتدركه الابصار الخ ما ذكره من العلل و بيّن عليه السلام انّهم يجري لهم من اللّه تعالي ما يجري لرسوله صلي اللّه عليه و آله و انّ اختصّ لنفسه من بعد نبيّه (ص) الخ ، و بيّن انّه سيّدهم و به تشرّفوا و لاجله الحقهم اللّه به بقوله (ع) من بريّتِه خاۤصّة علّاهم بتعليتِهٖ و سما بهم الي رتبته الخ ، و بيّن عليه السلام انّهم ينطقون بما يُلهِمُهم بقوله (ع) انواراً انطقها الخ ، و انّهم الحجج علي جميع خلقه بقوله و جعلها الحجج علي كل معترف له الخ ، و بيّن (ع) انّ اللّه تعالي انّما جعل مَن سواهم من الانس و الجنّ و الملاۤئكة و الحيوانات و النبات و المعادن و الجمادات معترفين بربوبيّته مقرّين له بالعبوديّة في قوله تعالي و ان من شئ الّا يسبّح بحمده و حمدُهُ تعالي هو ما اظهر لخلقه و فيهم من انوار محمدٍ و اهل بيته صلّي اللّه عليه و آله و فيوضات جودهم و تعليمهم تسبيح اللّه و تحميده و تمجيده و كيفيّة عبادته و دينه الذي يرضاه من خلقه من كلّ شئ بحسبه فان كلّ ذلك فروعهم و اسماۤؤهم و اسماۤء اللّه تعالي لساۤئر خلقه التي يدعونه بها كما امر بقوله عليه السلام و استنطق بها الخَرِسات بانواع اللغات بُخوعاً له بانّه فاطر الارضين و السموات فكلّ شئ يدعو اللّه تعالي بها و هي اسماۤؤهم و علومهم و فروعهم و تعليماتهم و عباداتهم بالخلق و عبادات الخلق بهم و بيّن عليه السلام ان اللّه تعالي اشهدَهم خلقَ انفسهم و خلق السموات و الارض و خَلْقَ كل شئ من خلقه و اطلعهم علي علم جميع ذلك لما اراد منهم من القيام في الاداۤء الي ساۤئر عالمه مقامه و انّه تعالي حيث اقتضت الحكمة كما اشرنا اليه من اتّخاذهم اعضاداً لخلقه فيما اراد من الخلق لعلمه تعالي بانّهم لايقدرون [ص 199] علي شئ بغير واسطتهم عليهم السلام و بواسطتهم كلّ مَن اقتدي بهم و جعلهم ائمّته الي اللّه تعالي يقدر علي ما اراد اللّه تعالي منه و هو عليه السلام يشير بهذا البيان انّه مراد اللّه تعالي حيث نفاه عن اعداۤئهم لانّهم مضلّون لانفسهم و لمن اقتدَي بهم فاثبتَهُ تعالي لهم عليهم السلام بالمفهوم لانّهم الهادون لانفسهم و لمن اقتدي بهم و سلّم لهم ليكون عند من اراد اللّه تعالي هدايته معلوماً و ليسلمَ بتعميته عن تغيير الاعداۤء و الخصوم و ذلك في قوله تعالي مااشهدتُهم خلقَ السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنتُ متّخذَ المضلّين عضداً فالمفهوم انهم صلّي اللّه عليهم اشهدهم خلق السموات و الارض اي و ما فيهن و ما بينهنّ و ما فوقهنّ و ما تحتهن و اشهدهم خلق انفسهم فعرفوا اللّه حيث عرفوا انفسهم بتعريف اللّه تعالي تعريف الحضور و العيان و اتّخذهم اعضاداً لخلقه كما بيّنّا سابقاً في كون علل الايجاد الاربع انّما تمّت و تقوّمت بهم او منهم او عنهم فراجع لانهم الهادون لانفسهم و لمن اقتدي بهم و سلّم لهم و ردّ اليهم و والاهم و والي وليّهم و اطاعهم و تبرّأ من اعداۤئهم و اولياۤءِ اعداۤئهم و عصاهم فقال عليه السلام في بيان هذا كله و اشهدهم خلقه علي ارادة انه تعالي اشهدهم ايجادَ جميع ما احدث او الخلق بمعني المخلوق و المراد كالاول و علي النسخة الثانية و هي و اشهدهم خلقَ خلقِهٖ المعني ظاهر قال و ولّاهم ما شاۤء من امره اشارة الي انه تعالي انهي اليهم علمَ خلقِهٖ قال (ع) و جعلهم تراجم وحيه و الْسُنَ ارادته اشارة الي انهم عليهم السلام لاينطقون عن الهوي بل كما قال اللّه تعالي في شأنهم و ماتشاۤؤنَ الّا ان يشاۤء اللّه ، و بيّن عليه السلام انّهم لايعملون و لاينطقونَ بعمل و لا حال و لا قول الّا بامره و وحيه و انهم ليس لهم شئ من ذلك في جميع احوالهم فانّهم لو فعلوا شيئاً كثيراً او قليلاً غير ما امرهم به لكانوا قد سبقوه بالقول و قد [ص 200] اخبر تعالي بانهم لايسبقونه بالقول فبيّن عليه السلام ذلك بما بيّنه سبحانه له عليه السلام و لهم صلّي اللّه عليه و عليهم و لعباده من ذلك فقال عليه السلام عبيداً لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون الخ ، ثم بيّن عليه السلام انّ هذه الامور ممّا بيّنها اللّه لعباده انّما بيّنها لهم بعد ان اسبغ عليهم نعمه ظاهرة و هم الحجج عليهم و باطنة و هي العقول التي اثبتها فيهم ليهلك من هلك عن بيّنةٍ و يحيي مَن حيّ عن بيّنة فقال عليه السلام و لميدع الخلق في بهماۤء صمّاۤء و لا في عمياۤءَ بَكماۤءَ بل جعل لهم عقولاً مازجَتْ شواهدَهم و تفرّقت في هياكلهم و حقّقها في نفوسهم و استعبدَ لها حواۤسّهم فقرّر بها علي اسماعٍ و نواظر و افكارٍ و خواطر الزمهم بها حجّته و اراهم بها مَحجّتَه و انطقهم عما تشهَدُ به بالسُنٍ ذرِبةٍ بما اقام فيها من قدرته و حكمته و بيّن عندهم بها ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيٰي مَن حيَّ عن بَيّنَةٍ و انّ اللّه لسميع بصير و شاهد خبير انتهي كلامه صلي اللّه عليه و علي ذرّيّته المعصومين .
و من الدليل علي انّه لو كشف حجاباً من الحجب الخ ما رواه ابن ابيجمهور الاحساۤئي في كتابه المسمي بالمَجْلَي و رواه غيره ايضاً عن النبي صلي اللّه عليه و آله علي اختلاف في الفاظ الروايات و المعني قال (ص) ان للّه سبعين الف حجاب و في رواية سبعمائة و في اخري سبعين قال (ص) من نورٍ و ظلمةٍ لو كشف حجاب منها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه ه ، اقول و المعني الذي دلّت عليه هذه الروايات صحيح تشهد له العقول السليمة التي اراها اللّه سبحانه آياته في الٰافاق و في انفسها و بيانه يطول فيه الكلام و قد اشرنا اليه فيما تقدّم و دليل قولنا في قصّة موسي عليه السلام فامر رجلاً من الكروبيين ما رواه ابنادريس في مستطرفات السراۤئر عن بصاۤئر الدرجات قال سئل الصادق عليه السلام عن الكروبيّين فقال [ص 201] قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم اللّه خلف العرش لو قسم نور واحدٍ منهم علي اهل الارض لكفاهم و لمّا سَئَلَ موسي ربّه ما سأل امرَ رجلاً من الكروبيين فتجلّي للجبل فجعله دكّاً ه ، و روي ان النور الذي تجلّي لموسي عليه السلام من نور العظمة بمقدار الدرهم و روي بقدر سمّ الابرة و مأخذ بيان نسبة عدد نوره الي نور الشمس من صحيحة علي ابن عاصم المروي فيما يدّعون هؤلاۤء من رؤية الحق تعالي يوم القيمة و الدليل علي انّهم عليهم السلام الحجب ما رواه الشيخ (ره) في آخر المصباح في زيارتهم عليهم السلام في رجب قال (ع) الحمد للّه الذي اشهدنا مشهدَ اولياۤئه في رجب و اوجبَ علينا من حقّهم ما قد وجب و صلي اللّه علي محمدٍ المنتجب و علي اوصياۤئه الحُجُبِ الدعاۤء ، و علي انّه تعالي اتخذهم اعضاداً يعني لخلقه ما في دعاۤء رجب للحجة عليه السلام قال (ع) بدؤُها منك و عودُها اليك اعضاد و اشهاد و مناة و اذواد و حفظة و رُوّاد و قد تقدم في مواضع متعدّدة و علي انّهم اقوِياۤءُ جعلهم قادرين علي التلقّي من فعله ما ذكره عليه السلام في خطبته المذكورة قبل هذا و قوله تعالي و وسعني قلب عبدي المؤمن و قوله و سراجاً منيراً ، و انّك لعلي خلق عظيم ، اللّه اعلم حيث يجعل رسالته و الاحاديث في ذلك لاتحصي ، فاذا عرفتَ ما اشرنا اليه و لوّحنا و ما بيّنّا فيما تقدّم و صرّحنا عرفتَ ان جميع ما خلق اللّه من جميع خلقه ترجع امورهم اليهم عليهم السلام باذن اللّه تعالي اوّلاً و آخراً و ظاهراً و باطناً في العالم الاول و في الدنيا و في البرزخ و في الٰاخرة و الي اللّه ترجع الامور و هي باللّه تعالي و بقدره و بقضاۤئه الجاريَيْنِ علي وجه الحكمة و وضع الاشياۤء في اكملِ مَواضعِها ترجع الامور اليهم لانّه تعالي لعظيم لطفه و رحمته بعباده اجري ذلك و هو الحكيم الخبير و اليه يرجع الامر كله و هو علي كل شئٍ قدير .
[ص 202] قال عليه السلام : ربّنا آمنّا بما انزلتَ و اتّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ربَّنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة انّك انت الوهّاب .
قال الشارح المجلسي (ره) ربّنا لاتُزِغ اي لاتُمِلْ قلوبَنا الي الباطل بعد معرفة الحق من لدنك رحمة كاملةً و هي الهداية الخاۤصة و الكمالات ه .
و قال السيّد نعمتاللّه في شرح التهذيب ربّنا آمنّا بما انزلتَ الٰاية ، كلام النجاشي و اصحابه الذين اسلموا معه من الحَبشةِ بما انزلتَ اي بالقرءان و انه كلام اللّه حق لا ريب فيه فاكتبنا اي فاجعلنا بمنزلة ما قد كُتِبَ و دُوِّنَ و قيل فاكتبنا في امّ الكتابِ و هو اللوح المحفوظ مع الشاهدين اي مع محمد و امّته الّذين يشهدون بالحق عن ابنعبّاسٍ و قيل مع الذين يشهدون بالايمانِ و قيل مع الذين يشهدون بتصديق نبيّك ربّنا لاتزغ قلوبنا الخ حكاية عن قول الراسخين في الٰاية السابقة و هي قوله و الراسخون في العلم يقولون آمنّا به و ذكر ارباب التفسير في تأويله وجوهاً : الاوّل ان معناه لاتمنعنا اَلْطافَك فتميل قلوبنا عن الايمان بعد الاهتداۤء اليه و هذا دعاۤء للتثبُّتِ علي الهداية و الامداد بالالطاف فكأنهم قالوا لاتخلّ بيننا و بين نفوسِنا بمَنْعِك التوفيقَ و الالطافَ فنَزيغَ نضلّ و انّما يمنع ذلك بسبب ما يكتسِبُهُ العبد من المعصية و يفرّط فيه من التوبة كما قال سبحانه فلمّا زاغوا ازاغ اللّه قلوبهم ، الثاني انّ معناه لاتُكَلِّفْنا من الشداۤئِد ما يصعبُ علينا فعله و تركُه فتزيغ قلوبنا بعد الهداية و نظيره فلمّا كتبَ عليهم القتال تولّوا ، الثالث انّ المراد لاتزغ قلوبنا عن ثوابك و رحمتِك و هو ما ذكره اللّه تعالي من الشرح وَ السّعة بقوله يشرح صدره للاسلام و ضدّ هذا الشرح هو الحرج و الضيق اللّذانِ يَقعانِ بالكفّار عقوبةً و من ذلِك التّطهير الذي يفعله في قلوب المؤمنين و يمنعه الكافرين [ص 203] كما قال اولۤئك الذين لميرد اللّه ان يُطهِّر قلوبهم ، و من ذلك كتابته الايمان في قلوب المؤمنين كما قال اولۤئك كتبَ في قلوبهم الايمان و ضدّ هذه الكتابة هي سمات الكفر في قلوب الكافرينَ فكأنهم سألوا اللّهَ الّاتزيغ قلوبهم عن هذا الثواب الي ضدّه من العقاب ، الرابع انها محمولة علي الدعاۤء بان لايزيغَ القلوبَ عن اليقين و الايمان و لايقتضي ذلك انه تعالي سُئِل عمّا لولا المسئلةُ لجاز اَن يفعَلَهُ لانه غير ممتنعٍ ان يدعوه علي سبيل الانقطاع اليه و الافتقار الي ما عنده بان يفعلَ ما يعلم انّه يفعله و بان لايفعل ما يعلم انه واجب ان لايفعله اذا تعلّقَ ذلِك ضربٌ من المصلحة كما قَال سبحانه ربّ احكم بالحقّ و قال رَبِّ احْكُمْ بالحقّ و قال ربّنا و آتِنَا ما وَعدتَنا علي رُسلِك و قال حاكِياً عن ابراهيم و لَاتُخْزِني يومَ يبعثون من لدنك رحمة اي من عندِك لُطْفاً نتوصّل به الي الثّباتِ علي الايمان اِنّكَ انتَ الْمُعْطي للنّعْمَةِ انتهي .
اقول قوله ربّنا آمنّا بما انزلتَ يراد به ما انزل من الكتب علي انبياۤئه و رسُله من الكتب خصوصاً ما انزل علي محمد صلي اللّه عليه و آله و ذلك من قوله تعالي قولوا آمنّا باللّه و ما انزل الينا و ما انزل الي ابراهيم و اسمعيل و اسحق و يعقوب و الاسباط و ما اوتي موسي و عيسي و ما اوتي النبيّون من ربّهم لانفرّق بين احدٍ منهم و نحنُ له مسلمون و ذلك لمّا قالت اليهود كونوا هوداً و قالت النصاري كونوا نصاري حكي اللّه تعالي قولهم فقال و قالوا كونوا هوداً او نصاري تهتدوا قال لنبيّه صلي اللّه عليه و آله قل لهم بل ملّة ابراهيم حنيفاً الٰاية ، ثم امرهم فقال قولوا آمنا باللّه الٰاية اي قولوا آمنا باللّه انه اله واحد لا شريك له و لا ولد كما قالت اليهود في عزير و النصاري في عيسي (ع) و ما انزل الينا يعني القرءان و ما انزل الي ابراهيم من الصحف و اسمعيل و اسحق و يعقوب و الاسباط و هم اسباط يعقوب يعني ذراري ابناۤئه الاثنيعشر [ص 204] من الصحف و ما اوتي موسي من التورية و عيسي من الانجيل و ما اوتي النبيون من ربّهم من الكتب و الوحي و الالهام في اليقظة و المنام لانفرق بين احدٍ منهم فنقول نؤمن ببعضٍ و نكفر ببعضٍ بل نؤمن بجميعهم و بجميع ما انزل اللّه اليهم و نحن له مسلمون منقادون لما امر به و نَهي عنه و روي الكليني بسنده الي سلام بن عمرة عن ابيجعفر عليه السلام في قول اللّه عز و جل قولوا آمنّا باللّه و ما انزل الينا قال انما عني بذلك عليّاً و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام و جرت بعدهم في الائمة عليهم السلام ثم رجع القول من اللّه في الناسِ ثم قال فان آمنوا يعني الناس بمثل ما آمنتم به يعني علياً و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام فقد اهتدوا و ان تولّوا فانّما هم في شقاق و منازعة و محاربة لك يا محمد فسيكفيكهم اللّه و هو السميع العليم .
اقول و جرت في شيعتهم و اتباعهم بالتبعيّة فيكون معني انزل الينا اي الي نبينا و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله او انزل الينا منهم عليهم السلام و بواسطتهم فانّا مخاطبون بالقرءان بهم يعني انهم يخاطبونا بمرادات اللّه سبحانه منّا فيه عنهم و كان ممّا نزل عليهم في القرءان ما دلّ عليه بظاهره و بظاهر ظاهره و بظاهر ظاهر ظاهره و هكذا و بباطنه و بباطن باطنه و بباطن باطن باطنه و هكذا و بتأويله و هو كذلك اي كالظاهر في ظهوره و بُطونه و من ظاهر ظاهره في قوله تعالي و ننزّل من القرءان اي من محمد صلي اللّه عليه و آله في الباطن ما هو شفاۤء و رحمةٌ للمؤمنين بمعني قصرِ ما و مدِّها اي مَدِّ ما فعلي قصرها المنزل من محمد عليٌّ صلي اللّه عليهما و آلهما و هو شفاۤء و رحمة للمؤمنين لانه بابٌ باطنه فيه الرحمة و لذا قال هو شفاۤء اي بذاته شفاۤء و رحمة او بذات ولايته عليه السلام و علي مدِّها يعني يراد بالمنزل ماۤءٌ و هو الماۤء الذي به [ص 205] حيوة كل شئ و هو ولايته و علمه و لايزيد الظالمين الّا خساراً يعني مايزيد معني ما علي ارادة القصر و معناها علي ارادة المدّ لايزيد الظالمين اي الظالمين المحمد حقهم الّا خساراً و المراد بهذا الحقِ الحقّ العاۤمّ و هو كلّ مرادٍ للّهِ تعالي علي جهة العموم و مرادنا بارادة المدّ انا نريد منه معني ما الممدود فانه يكون حينئذٍ ماۤءاً اي ماۤء الوجود و ماۤء الرحمة و ماۤء العلم و لانريد انه يقرأ ممدوداً لانه غير جاۤئز بل هو مقصور اللفظ علي الارادتين و هو من ظاهر الظاهر فانّه يؤخذ المعني من ماۤدّة الكلمة سواۤء تغيّرت عليه الصورة ام لا و سواۤء ارتبطت الكلمة بغيرها اَمْ لا يعني انّه عليه السلام لايزيد اعداۤءه لاجل عداوته الّا خساراً و بَواراً او لاتزيد علي ارادة معني المدّ ولايته اعداۤءه لانكارهم لها الّا خساراً و هو المراد بان ظاهره من قبله العذاب لان العذاب انّما لزمهم بانكاره و انكار ولايته فكان ذلك ظاهره من قبله اي من جهته ممّا يلي النار فجهته مما يلي الجنّة حبّه و طاعته و جهته مما يلي النار بغضه و معصيته و يشير الي انّ المنزل علي عليه السلام قوله تعالي فٰامِنوا باللّه و رسوله و النور الّذي انزلنا و هو في الباطن علي عليه السلام و الي كونه منزلاً من محمد صلي اللّه عليه و آله قوله عليه السلام انا من محمد كالضوء من الضّوء و في تفسير القمي النور اميرالمؤمنين عليه السلام و في الكافي عن الكاظم عليه السلام الامامة هي النور و ذلك قوله تعالي فٰامنوا باللّه و رسوله و النور الذي انزلنا قال النور هو الامام (ع) و عن الباقر عليه السلام انه سئل عن هذه الٰاية فقال النور واللّهِ الائمّة لنورُ الامام في قلوب المؤمنين انور من الشمس المضيۤئة بالنهار و هم الذين ينوّرون قلوب المؤمنين و يحجب اللّه نورهم عمّن يشاۤء فتظلم قلوبهم و يغشاهم بها ه ، فعلي ما لوّحنا لك يكون من معاني قوله عليه السلام ربّنا آمنّا بما انزلتَ من جميع الكتب علي جميع رسلك او بما انزلت عليهم من ملاۤئكتك فيما اردتَ من [ص 206] اوامرك و نواهيك او بما انزلتَ من الهامك و وحيِك او بما انزلتَ من حججك و آياتِك او بما انزلتَ من آياتِ توحيدك او بما انزلتَ من انوار ظهوراتِك في مواقع نجوم علاماتِك و مقاماتك التي مَلأتَ بها اقطار سمواتِك و ارضِك او بخصوص ما انزلتَ الي نبيّك صلي اللّه عليه و آله من كتابك و وحيك و الهامك او من اوصياۤئه الذي شددتَ بهم اَزْرَه و قوّيْتَ بهم ظهره و اشركتَهُمْ في اَمْره او من خصوص ما يتعلّق بقضيّة يوم الغدير و المفهوم من المقام المتبادر الي الافهام ان قوله عليه السلام ربّنا آمنا بما انزلتَ يريد به العموم بداعي الخصوص يعني نقول كما قالت الحواريّون و نريد به جميع ما انزل اللّه علي رسوله محمد صلّي اللّه عليه و آله بداعي خصوص ما انزل ممّا يتعلّق بقضيّة يوم الغدير ممّا انزل في امر الولاية و تعيينِ مَن عيّنَه اللّه تعالي لها من عليّ و الائمّة من ذرّيّته و النصِّ علي نصبهم لها و اخذِ البيعة لهم عن اللّه تعالي و عن رسوله صلي اللّه عليه و آله من جميع الخلاۤئِق ممنْ حضر و مَنْ لميحضر و من ولد و ممّن لميولد من جميع الخلاۤئق الي يوم القيمة .