قال عليه السلام : و بموالاتكم تقبل الطاعة المفترضة و لكم المودّة الواجبة .

قال السيد نعمت‌اللّه الجزاۤئري رحمه اللّه في شرح التهذيب و لكم المودّة الواجبة اشارة الي قوله عز و جل قل لااسألكم عليه اجراً الّا المودّة في القربٰي و ذلك انهم قالوا يا رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله خذ منّا علي تبليغ الاحكام ما تريد من الاجرة لأنّك سلطان تحتاج الي الاموال للجنود و العساكر و سَدِّ خلّةِ المحتاجين فنزلت الٰاية و قد وَفَي بها مَن اضرم النارَ في بيت فاطمة عليها السلام و اسقطها المُحَسِّن و اخرج عليّاً عليه السلام ملبِّباً لَهُ الي المسجد حتّي يبايع الاوّل انتهي .

و قال الشارح المجلسي تغمده اللّه برحمته و رضوانه و بموالاتكم تقبل الطاعة المفترضة كما تقدّم انّها من اصول الدين كما في الاخبار المتواترة و لاتقبل الفروع بدون الاُصول و لكم المودّة الواجبة فانها اجر رسالة نبِيّنا صلي اللّه عليه و آله كما قال تعالي قل لااسألكم عليه اجراً الّا المودّة في القُرْبَي و قوله تعالي انّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدّاً ، و روي في الاخبار الكثيرة انّها نزلت [ص 160] فيهم و الاخبار بوجوب المودة متواترة و اقلّ مراتبها ان يكونوا احبَّ الينا من انْفُسِنا و اقصاها العِشْق انتهي .

اقول في كلامه بعض المناقشة و لا بأس بالاشارة الي ذلك علي جهة الاختصار و الاقتصار لئلّايغفل العارف الناظر في كلامه فيعتقده علي جهة الاجمال او التفصيل اعتماداً علي الشارح قدّس اللّه روحه لانه من العلماۤء الحكماۤء العارفين و لايُكْثر التّأمل في كلامِهٖ منها قوله (ره) انّها من اصول الدين اي الموالاة فان اراد بالدين الاسلام و لم‌يكن ذلك منه علي جهة الاقتباس فالمشهور ان الامامة و الولاية ليست من اصول الاسلام كما دلّت عليه اكثر الرّوايات منها ما رواه في الكافي كما رواه هشام صاحب الثريد قال كنتُ انا و محمد بن مسلم و ابوالخطّاب مجتمعين فقال لنا ابوالخطّاب ما تقولون فيمن لايعرف هذا الامر فقلتُ من لايعرف هذا الامر فهو كافر فقال ابوالخطّاب ليس بكافر حتي تقوم الحجة عليه فاذا قامت الحجة عليه فلم‌يعرف فهو كافر فقال له محمد بن مسلم سبحان اللّه ما له اذا لم‌يعرف و لم‌يجحد فيكفر ليس بكافرٍ اذا لم‌يجحد قال فلمّا حججتُ دخلتُ علي ابي‌عبداللّه عليه السلام فاخبرته بذلك فقال انّك قد حضرتَ و غابا و لكن موعدكم الليلة جمرة الوسطي بمني فلمّا كانت الليلة اجتمعنا عنده و ابوالخطّاب و محمد بن مسلم فتناوَل وسادة فوضعها في صدره ثم قال لنا ما تقولون في خدمكم و نساۤئكم و اهليكم اليس يشهدون اَلّا اله الّا اللّه قلتُ بلي قال اليس يشهدون انّ محمّداً رسول اللّهِ صلّي اللّه عليه و آله قلتُ بلي قال اليس يصلّون و يصومون و يحجّون قلتُ بلي قال فيعرفون ما انتم عليه قلتُ لا قال فما هم عندكم قلتُ من لم‌يعرف هذا الامر فهو كافر قال سبحان اللّه امارأيتَ اهل الطّرق و اهل المياه قلتُ بلي قال اليس يصلّون و يصومون و يحجّون اليس يشهدون اَلّا اله الّا اللّه و انّ محمداً رسول اللّه [ص 161] قلتُ بلي قال فيعرفون ما انتم عليه قلتُ لا قال فما هم عندكم قلتُ مَن لم‌يعرف هذا الامر فهو كافر قال سبحان اللّه اَمارأيت الكعبة و الطواف و اهل اليمن و تعلّقهم باستار الكعبة قلتُ بلي قال اليس يشهدون الّا اله الّا اللّه و انّ محمّداً رسول اللّهِ و يصلّون و يصومون و يحجون قلتُ بلي قال فيعرفون ما انتم عليه قلتُ لا قال فما تقولون فيهم قلتُ مَن لم‌يعرف فهو كافر قال سبحان اللّه هذا قول الخوارج ثم قال ان شئتم اخبرتُكم فقلتُ انا لا فقال اما انّه شرّ عليكم ان تقولوا بشئ ما لم‌تسمعوه منّا قال فظننتُ انه يُديرنا علي قول محمد بن مسلمٍ ه‍ ، و اصرح منه ما رواه في روضة الكافي بسنده الي زرارة عن ابي‌جعفر عليه السلام ان الناس صنعوا ما صنعوا اذ بايعوا ابابكر لم‌يمنع اميرالمؤمنين عليه السلام من ان يدعو الي نفسه الّا نظراً للناس و تخوّفاً عليهم ان يرتدّوا عن الاسلام فيعبدوا الاوثان و لايشهدوا الّا اله الا اللّه و ان محمّداً رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و كان الاحبَّ اليه ان يُقِرَّهم علي ما صنعوا من ان يرتدُّوا عن الاسلام و انما هلك الذين ركبوا ما ركبوا فامّا مَن لم‌يصنع ذلك و دخل فيما دخل فيه الناس علي غير علم و لا عداوة لاميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه فانّ ذلك لايكفِّره و لايخرجه من الاسلام فلذلك كتم علي عليه السلام امرَه و بايعَ مكرَهاً حيثُ لم‌يجد اعواناً ه‍ ، و قولي اصرح منه لاشتماله علي التعليل و كذلك ما رواه علي بن ابراهيم في تفسيره في قوله تعالي ذلكم بما كنتم تفرحون في الارض بغير الحق و بما كنتم تمرحون بسنده الصحيح عن ابي‌جعفر عليه السلام قال قلتُ له ما حال الموحدين المقرّين بنبوّة رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله من المسلمين المذنبين الذين يموتون و ليس لهم امام و لايعرفون ولايتكم فقال اما هؤلاۤء فانهم في حفرهم لايخرجون منها فمن كان له عمل صالح و لم‌تظهر منه عداوة فانه يخدّ له خدّاً الي الجنّة التي خلقها اللّه بالمغرب [ص 162] فيدخل عليه الروح في حفرته الي يوم القيمة حتي يلقي اللّه فيحاسبه بحسناته و سيّئاته فاِمّا الي الجنّة و اِمّا الي النار فهؤلاۤء من الموقوفين لامر اللّه قال و كذلك يفعل بالمستضعفين و البُله و الاطفال و اولاد المسلمين الذين لم‌يبلغوا الحلم و اما النصّاب من اهل القبلة فانّهم يخدّ لهم خدّاً الي النّار الّتي خلقها اللّه بالمشرق و يدخل عليهم منها الشرر و الدّخان و فورة الحميم الي يوم القيمة ثم بعد ذلك مسيرهم الي الجحيم و في النار يسجرون ثم قيل لهم اينما كنتم تشركون من دون اللّه اي اين امامكم الذي اتخذتموه دون الامام الّذي جعله اللّه للناس اماماً الحديث ، و امثال هذه كثيرة ممّا يدلّ علي انّهم مسلمون ما لم‌ينكروا الولاية عن معرفة كما قال تعالي و من يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن لهُ الهدي و قال و ماكان اللّه ليضلّ قوماً بعد اذ هديهم حتي يبيّن لهم ما يتّقون ، و قيل انها من اصول الاسلام و استدلّ القاۤئل به باحاديث كثيرة كلّها قابلة للتأويل مثل قوله صلي اللّه عليه و آله من مات و لم‌يعرف امام زمانه مات مٖيتةً جاهليّة و هو محمول علي مَن انكر امام زمانه بعد البيان و لا شك في كفره لأن نفي المعرفة كثيراً ما يستعمل للانكار كما في قوله تعالي يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها فان المعرفة ضدُّها العام الانكار و اكثر استعمالها في ذلك و قد تستعمل في كلامهم بمعني العلم فيكون ضدّها الجهل و كذلك قوله تعالي ام لم‌يعرفوا رسولهم فهم له منكرون فبيّن ان نفي المعرفة هو الانكار و لسنا بصدد تحقيق هذه المسئلة و انّما ذكرنا ذلك للتنبيه علي عبارة الشارح لينظر فيها مَن له النظر و ان كان المراد من قوله (ره) علي جهة الاقتباس من قوله تعالي ان الدين عند اللّه الاسلام فالمراد بالاسلام هنا هو الايمان الكامل و لا ريبَ في اعتبار الموالاة فيه و ان اراد بالدين مطلقاً بُنِي الكلام علي التعيين و منها قوله رحمه اللّه و اقلّ مراتبها ان يكونُوا احبّ الينا من انفسِنا و فيه [ص 163] ان هذه المرتبة ليست اقلّ المحبّة بل هذه من مراتبها العالية فانّ المحبّة تصدق علي العُصَاةِ من اهل الكباۤئر الذين يتركون امر امامِهم عليه السلام لشهوة انفسهم و لايتحقّق هذا مع جعلهم احبّ اليهم من انفسهم و ان قال احدهم بلسانه لأنّ صدق كونهم احبّ اليه من نفسه لايتحقّق مع معصيتهم في شئ مما امروا به او نهوا عنه بل تصدق الاقليّة علي اعتقاد كونهم ائمةً من اللّه تعالي و حججه علي عباده و الميل اليهم بقلبه و البراۤءة من اعداۤئهم بمعني ما ذكرنا من كونهم ائمة ضلالة لايجوز الميل اليهم في حال نعم اذا اراد قول المحب بلسانه و انهم خير منه في نفسه عند اللّه و في الواقع من نفسه فلا بأس و منها قوله رحمه اللّه و اقصاها العشق فان هذا الاقصي اقصيً صوفي اذ لا معني للعشق الّا الجنون الشيطاني لا الجنون الالهي كما زعموا فان اللّه تعالي لاينسب اليه الجنون و انما ينسب اليه العقل و هو هنا الحبّ و كمال الطاعة زُيّنَ لهم سوۤء اعمالهم فان قالوا انه شدّة الميل الي المحبوب في المحبة قلنا لهم هل يُعرّف قوة ميل في الحبّ من مخلوقٍ لشئ اقوي من ميل محمد و آله صلي اللّه عليه و آله في المحبّة للّه عز و جل مع انه لم‌يرد عنهم استعمال عشقهم للّه تعالي في شئ من اخبارهم لا حقيقةً و لا مجازاً الّا من طرق المخالفين الذين اسّسوا ذلك مع انّهم لايستعملونه هم و لا غيرهم الّا بلحاظ النكاح و لهذا ما يقال اعشق المال و الدنيا و لااعشق الجوهرة و انّما يقال احبّ و الحاصل هذه عبارة صوفيّة يتعالي قدس الله سبحانه عن اطلاقها له و يكرم مقام محمد و اهل بيته عليه و عليهم السلام عن استعمالها لهم او منهم و الصّوفية هم الذين قالوا فيهم الائمة عليهم السلام بانهم اعداۤؤهم كما رواه الملا الاردبيلي في حديقة الشيعة بسنده عن الرضا عليه السلام مَن ذكر عنده الصوفيّة و لم‌ينكر عليهم بلسانه او بقلبه فليس منّا و مَن انكرهم فكأنما جاهد [ص 164] الكفار بين يدي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و فيه بسنده قال قال رجل للصادق عليه السلام قد خرج في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفيّة فما تقول فيهم فقال عليه السلام انهم اعداۤؤنا فمن مال اليهم فهو منهم و يحشر معهم و سيكون اقوام يدّعون حبّنا و يميلون اليهم و يتشبّهون بهم و يلقّبون انفسهم بلقبِهمْ و يأوِّلُون اقوالهم الا فمن مال اليهم فليس منا و انّا منه بُرَاۤءُ و من انكرهم و ردّ عليهم كان كمن جاهَد الكفّار مع رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و الروايات في ذمّهم و البراۤءة منهم و من اقوالهم و اعتقاداتهم و اعمالهم كثيرة في الكتاب المذكور و غيره و لا شكّ انّ استعمال العشق انما هو منهم حتي انه لمّا سئل الصادق عليه السلام عن ذلك قال قلوب خلَتْ من ذكر اللّه فاذاقها اللّه حبّ غيره فقال عليه السلام خلت من ذكر اللّه فدلّ بان مدّعي العشق للّه تعالي انّما يذكر غيره و هو واللّهِ كما قال عليه السلام و قال عليه السلام حبّ غيره و لم‌يقل عشق غيره لأنّه (ع) مااحبّ اجراۤءه علي لسانه اِمّا مطلقاً لأنه المقتدَي في اعماله و اقواله او لأنّه في صدد ما نسبوه الي اللّه تعالي فكره انْ يقول عشق غيره فيتوصّلون بهذا القول الي ان يقولوا و ان كان العاشق انّما عشق اللّهَ تعالي اللّه عما يقولون علوّاً كبيراً و لئلّايتوهّم من يميل اليهم ان الامام عليه السلام لمّا لم‌يتحقّق عنده صدق العاشق للّه تعالي في عشقه لعدم معرفته به تعالي قال ان قلبه خلا من ذكر اللّه اي ماصدق في عشقه لعدم معرفته و لذا قال اذاقها اللّه عشق غيره فلم‌يذكر عليه السلام لفظ العشق في الموضعين بل قال اذاقها اللّه حبّ غيره يعني انه لو صدق المحب للّه تعالي في حبّه لمعرفته به كان حينئذٍ ذاكراً لِلّهِ تعالي فاخلي قلبه عن حبّ غيره فافهم فالصواب ان يقال ادني المودّة و المحبّة اَنْ يميل قلبه اليهم و الي مواليهم و ينصرف عن اعداۤئهم و اولياۤء اعداۤئهم و اعلاها ان يشغل قلبه بذكرهم [ص 165] و بالصلوة عليهم و التسليم لهم في كلّ شئ و التفويض اليهم في كل ما يرد عليه ظاهراً و باطناً و الردّ اليهم و الاخذ عنهم و الاتّباع لهم و الاقتداۤء بهم في كلّ شئ من الاعتقاد و المعرفة و الاعمال و الاقوال و الاحوال كما قال الصادق صلوات اللّه عليه و علي آباۤئه و ابناۤئه الطاهرين و لعنة اللّه علي اعداۤئهم من الصوفيّة و المنافقين و المشركين و من الخوارج و الغلاة و الكفّار من الخلق اجمعين ما معناه فاذا انجلي ضياۤء المعرفة في الفؤاد احبّ و اذا احبّ لم‌يؤثر ما سوي اللّه عليه و يشفع ذلك بالبراۤءة من اعداۤئهم في كلّ شئ كما انّه يواليهم و يقتدي بهم في كل شئٍ فهذا اعلي المودة حتّي انه لو نظر نظرةً حراماً فقد نقّص من مودّتهم عليهم السلام و نقّص من البراۤءة من اعداۤئهم و كيف كملت مودّته لهم و قد مالَ عنهم بان نظر حراماً بخلاف ما اَحبُّوا و مال الي اعداۤئِهم باَنْ نظر الي حرامٍ كما اَحبُّوا بل اقل من ذلك كما روي عن عيسي بن مريم علي محمد و آله و عليه السلام ما معناه انّه حذّر الحواريّين عن الزنا فقالوا انّا لانهمّ به فقال عليه السلام مااريد انكم لاتهمّون به و لٰكن اُريدُ ان لاتجروه علي خواطركم فانّ البيوت الّتي يوقد تحتها النّار تسودّ سقوفها و ان لم‌تصل اليها النّار ه‍ ، و لا ريبَ ان ذكر المعصية نقص في حقّهم و في حقّ مودتهم اِذَا ذكرَها علي سبيل فرض الفعل لها و لو وسوسةً و لاينافي هذا ما ورد من انه رفع عن هذه الامّة فان المراد رفع المؤاخذة عليه لا رفع اصل تأثيره بالكليّة لانه انّما صدر عن نقصٍ و عن غفلةٍ عن ذكر اللّه و لا ما ورد عنه صلي اللّه عليه و آله في جوابه لمن وسوسَ و قال نافقْتُ قال له ذلك محض الايمان لأن المراد بمحض الايمان هو خوفه وَ اضطرابه مما وقع منه فانّه لو لم‌يكن ماحضاً للايمان لَمال الي ما ناجَاهُ به الشيطان لا انّه كما لو لم‌يكن منه و انّما لم‌يضرّه الوسوسة [ص 166] و ذكر المعصية لانه تأذَّي بذلك فكان ذلك التأذِّي كفّارة له و لولا ذلك لحدَث منه الريب باعتياد النفس عليه و يحدث من الريب الشّك و من الشّك الكفر كما قال صلي اللّه عليه و آله لاترتابوا فتشكّوا و لاتشكّوا فتكفروا ه‍ ، و من الدليل النقلي علي ما قلنا من انّ اعلا المودّة القيام بكمال الخدمة و الطاعة في كل شئ ما في قرب الاسناد عن الصادق عليه السلام عن آباۤئه عليهم السلام في قوله تعالي قل لااسئلكم عليه اجراً الّا المودّة في القربي لمّا نزلت هذه الٰاية علي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قام رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله فقال ايّها النّاسُ انّ اللّه قد فرض عليكم فرضاً فهل انتم مُؤَدُّوه قال فلم‌يجبه احد منهم فانصرف فلمّا كان من الغدِ قام فقال مثل ذلكَ ثم قام فيهم فقال مثل ذلكَ في اليوم الثالث فلم‌يتكلّم احد فقال ايّها النّاس انه ليس من ذهب و لا فضّةٍ و لا مطعم و لا مَشربٍ قالوا فالقه اذاً قال انّ اللّه تعالي اَنْزَلَ اليَّ قُل لااَسْئلكم عليه اجراً الّا المودّة في القُرْبَي فقالوا امّا هذه فنعم قال الصادقُ عليه السلام فواللّهِ ماوفي بها الّا سبعة نفر سلمن و ابوذرٍّ و عمّار و المقداد بن الاسود الكِنْدي و جابر بن عبداللّه الاَنْصارِي و مولي لرسول اللّه صلي اللّه عليه و آلِهٖ يقال له البتّ و زيد بن ارقم و في المجمع عن ابن‌عبّاس قال لَمّا نزلت هذه الٰاية قل لااسئلكم الٰاية قالوا يا رسول اللّه (ص) من هؤلٰاۤءِ الّذٖين امرَنا اللّه بمودَّتهم قال علي و فاطمة وَ وُلدهما و عن عليّ عليه السلام فينا في ال‌حٰم آية لايحفظ مودّتنا الّا كلّ مؤمنٍ ثمّ قرأ هذه الٰاية و عن النبي صلي اللّه عليه و آله انّ اللّه خلق الانبياۤء من اشجارٍ شتّي و خُلِقتُ انا و عليّ من شجرة واحدة فانا اصلها و علي فرعها و فاطمة لقاحُهَا و الحسن و الحسين ثمارها و اشياعُنَا اوراقها فمن تعلّقَ بغُصْنٍ من اغصانها نجا و مَنْ زاغ هوي و لو انّ عَبْداً عبدَ اللّهَ بين الصفا و المروة الفَ عامٍ ثم الفَ عامٍ ثم الفَ عامٍ [ص 167] حتّي يصير كالشّنِّ البالي ثم لم‌يدرِك محبّتنا كبّه اللّه علي منخرَيه في النار ثم تلا قل لااسألكم الٰاية و في الخصال عن علي عليه السلام قال قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله من لم‌يحبَّ عترتي فهو لأحدَي ثلاثٍ امّا منافق و امّا لزنيةٍ و امّا حَملَتْ بهٖ امُّه في غير طهرٍ ه‍ .

و امّا اَنّ بموالاتهم تُقْبَلُ الطاعة المفترضة فهو مما لا رَيْبَ فيه و قد قطع به العقل الصحيح و النقل الصريح امّا العقل فقد تقدم في كثير من ابحاث هذا الشرح انّهم علل الاشياۤء وَ اَسْبَاب وجودِها لا فرق في شئ منها بين الذوات و الصفات و لا بين الاقوال و الاعمال و الاحوال و انّ كُلَّ شئٍ منها اَلْسِنَةُ الثناۤء عليهم بذكر صفات ولايتهم و آثارها فانّ تلك هي الاسماۤء الحسني الّتي امرَ اللّهُ اَنْ يُدْعي بها في التَّأوِيل و في الباطن هم عليهم السلام تلك الاسماۤء الحُسْنَي و في الظاهر الاسماۤء الحسني هي التّسعة و التِّسْعون اسماً المعروفة و معانيها الدالّة عليها هي معانيه تعالي اي معاني افعاله و الكلّ حَمَلَةُ الثناۤء و التّعزير و التّوقير فبما اشرنا اليه يظهر لمن فهم المقصود انّ الاعمال صفات الولاية و آثارُها فاذا جرت علي مطابقتها و جهة امتثال مقتضاها قُبِلَتْ لمطابقتها للولاية و موافقتها لها لأن الصفة اذا طابقت الموصوف قُبِلَتْ يعني قبلت للوصفيّة بخلاف ما لو خالفَتْ فانّها لاتقبل لأنّ الصّفة لاتقبل لنفسها و انّما تقبل للوصفيّة و اذا خالفت الموصوف لاتصلح للوصفيّة فلاتُقْبَل الاعمال الّا بولايتهم لأن الاعمال ان كانت صالحة واقعةً بشروطها اي شروط الصحة و القبول و هو كونها موافقةً لأمرهم محدودةً بِتَحدٖيدِهمْ مأخوذةً عنهم مُتَلَقّاة عنهم مشفوعة بموالاتهم و موالاة اولياۤئهم و بمعاداة اعداۤئهم و اتباعهم و البراۤءة منهم فان كانت صحيحة تاۤمة الشروط كما قرّروا عليهم السلام قُبِلَتْ لأنّها حينئذٍ صفة ولايتهم و ان لم‌توافق مقتضي ولايتهم كما ذكرنا هنا و فيما تقدّم رُدَّتْ [ص 168] لعدم صلاحيتها للوصفيّة لولايتهم و عَدم صلاحيّتها لنفسها للقبول لأنّها صفة فاذا لم‌تصلح صفةً للحقِّ كانَتْ صفةً لِلْبَاطِل اذ لا واسطة بينهما و الباطل ولاية اعداۤئهم فتردّ هذه الاعمال الباطلة بردِّ مَوصُوفِها .

و امّا النّقل فهو كثير جدّاً و قد تقدّم ما يدل علي هذا و منه ما في امالي الطوسي بسنده الي علي بن الحسين عليه السلام قال قال رسول اللّهِ صلي اللّه عليه و آله ما بالُ اقوامٍ اذا ذُكر عندهم آل ابراهيم عليهم السلام فَرحُوا و استبشروا و اذا ذكر عندهم آل‌محمد صلي اللّه عليه و آله اشمأزّت قلوبهم و الّذي نفس محمد بيده لو اَنّ عبداً جاۤء يوم القيمة بعمل سبعين نبِيّاً ماقبِل اللّه ذلك منه حتي يلقاه بولايَتي و ولاية اهل بيتي و فيه بسندِه الي ابي‌حمزة الثمالي قال قال لنا علي بن الحسين زين‌العابدين عليهما السلام ايّ البقاع افضل فقلنا اللّهُ و رسولُه و ابن رسوله اعلم فقال انّ افضل البقاع ما بين الركن و المقام و لو انّ رجُلاً عُمِّر ما عُمِّر نوح في قومه الف سنة الّا خمسين عاماً يصوم النهار و يقوم الليل في ذلك الموضع ثم لقي اللّه بغير ولايتنا لم‌ينفعه ذلك شيئاً و فيه بسنده الي ابي‌جعفر الباقر (ع) عن آباۤئه عن علي عليهم السلام عن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله عن جبريل عن اللّه عز و جلّ قال و عزّتي و جلالي لَاُعَذِّبنَّ كلّ رعيّةٍ في الاسلام دانَتْ بولاية امامٍ جاۤئر ليس من اللّه عز و جل و ان كانت الرعيّة في اعمالِها بَرَّةً تقيّة و لاَعفُوَنَّ عن كل رعيّةٍ دانَتْ بولاية امامٍ عادلٍ من اللّه تعالي و ان كانت الرعيّة في اعمالها ظالمةً مسِيۤئةً قال عبداللّه بن ابي‌يعفور سألتُ اباعبدِاللّهِ الصادقَ عليه السلام ما العلّةُ اَلَّا دٖينَ لهؤلاۤء و ما عتب لهؤلاۤء قال لأنّ سيئات الامام الجاۤئر تغمِر حسنات اولياۤئه و حسنات الامام العادل تغمر سيّئات اولياۤئِهٖ ه‍ ، و امثال هذه الاخبار بهذا المعني كثيرة جدّاً قد بلغت حدّ التواتر معنيً و امّا الحرفُ الثاني فكما مرّ و لو احتمل ان تكون [ص 169] المودة بمعني المحبة من اللّه تعالي اي اوجب اللّه لكم المودة علي جميع خلقه و جعلها لكم في قلوب عباده كما قال تعالي انّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدّاً مِنْ جهة ما جعلهم عليهم السلام عليه من الصفات الحميدة الموجبة لمحبّة الخلق كما تقدّم بمعني انه لايكره احدٌ من خلقه شيئاً من صفاتهم و احوالهم و اعمالهم و اقوالهم و اعتقاداتهم و صورهم و دينهم و سيرتهم و سجيّتهم و غير ذلك فكل احدٍ يودّهم و يميل اليهم حتي اعداۤؤهم و انّما دعاهم الي العداوة شدّة الحَسَدِ لهم و هذا المعني غير ما تقدّم من كون المودّة اوجبها اجراً للرسالة لم‌يكن بعيداً بل هو قريبٌ مرادٌ بل يرجع سبب اجر الرسالة الي هذا لأن الفاۤئدة في اجر الرسالة ليجمعهم علي ما به صلاحهم و هدايتهم اذ لاينتفعون بالرسالة الّا مع اتّباع قرابته و يكون المعني اسألكم علي تبليغ رسَالةِ ربّي اليكم و نصحي لكم و اخراجكم من الذلّ و تفريج الكروب عنكم و انقاذِكم من شفا جرف الهلكات و من النار اجراً و هو قبول ما اتيتكم به من ربي ممّا فيه صلاحكم و نجاتكم و لايكون ذلك منكم الّا بمودّة اهل بيتي ليهدوكم الي مصالح دنياكم و آخرتكم و يعينوكم علي القبول بنورهم في قلوبكم و بتعليمهم ايّاكم و دعاۤئهم لكم و استغفارِهم لكم و تحمُّلِهم عنكم موبقات سيّئاتكم و يحتمل اَنْ يُرٰاد بالمودّة الواجبة مودّة اللّه لكم اي محبّته لكم لأنكم احبّاۤءَه فاوجب علي نفسِهٖ تعالي محبّتكم بمعني الوجوب في الحكمة او بمعني الثبوت فاذا اوجب علي نفسِهٖ في الحكمة مودّتكم القيها في خير البيوت و حرزها في احصنِ المُدنِ و هي قلوب شيعتهم فمحبّة اللّه تعالي لهم يوجدُها لَهُمْ لأن هذه المحبّة و المودّة حادثةٌ بحدوثهم و لايتحقّق الحادثُ الّا في الحوادث فاودعها القلوبَ الطاهرة و هي قلوب محبيهم و شيعتهم و هو جعل اللّه القلوب و الافئدة تهوي اليهم قال تعالي [ص 170] و جعل افئدةً من النّاس تهوي اليهم و هذا المعني ينطبق عليه سياق الكلام و ربطِهٖ بما بعده ممّا عطف عليه و هو قوله و الدرجات الرفيعة و المقام المحمود فان هذه عند اللّه و منه لكم و سياق قوله و لكم المودةُ الواجبة و لكم الدّرجات الرفيعة و لكم المقام المحمود فانّ هذه منه تعالي لكم لا انّ المودّة منّا و الدَّرَجات من اللّهِ فيكون لهم عليهم السلام مودّتانِ مودّة هي اجر الرسالة و مودّة ارادَها اللّهُ تعالي لهم عليهم السلام من خلقه في مقابلة نعمة الايجاد اي شكراً لها و هي صورة القبول لنعمه المبتدءةِ فان ذلك من اعظم موجب الاستحقاق من فضله تعالي ، فان قلتَ ما معني مودّتين بل قل هي واحدة فمرّة تقول مودّة اللّه التي ارادَها من عباده في مقابلة نعمة الايجاد جعلها لهم عليهم السلام في مقابلة نعمة الرسالة قلتُ فاذاً هي اثنتان باعتبار تثنية السّبب الّا انهما لمّا كانتا متلازمتين كلّ واحدة مبنيّة علي الاخري و كل واحدة لو انفردت كانت علة تاۤمّة في الاستحقاق بحيث يلزم من ذلك الاستغناۤء عن احدهما كانتا بالتلازم و بانّهما معاً انّما اريدَا لاجلهم صلي اللّه عليهم اجمعين و اتّحدا باعتبار اتّحادِ المتعلَّق و باتّحاد العلّة الغائيّة عليهم السلام و قولي باعتبار تثنية السبب اريد به ان سببَ المحتملة هو التكليف بالتكوّن التكويني و الثاني اي سببَ الاَوّلةِ هو التكليف بالتكوُّن التشريعي فافهم راشداً ان شاۤء اللّه تعالي .

قال عليه السلام : و الدرجات الرفيعة و المقام المحمود و المقام ( و المكان . خ‌ل ) المعلوم عند اللّه عز و جل و الجاه العظيم و الشأن الكبير و الشفاعة المقبولة .

قال الشارح المجلسي رحمه اللّه و المقام المحمود و هو الشفاعة او الوسيلة و المقام المعلوم و هو الرتبة العظيمة او الوسيلة كما تقدمت انتهي .

[ص 171] اقول قوله و الدرجات الرفيعة المراد بها مراتب القرب من اللّه سبحانه و اعلي مراتب القرب التي لم‌يصل اليها الّا محمد صلي اللّه عليه و آله و اهل بيته بتوسُّطِهٖ مقام اَوْ اَدْنَي الاعلي لأن مقام اَوْ ادني له مراتب متعددة بعدد العارفين لأَنفسهم فكل مَن عرف نفسه كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام لكميل كشفُ سُبُحاتِ الجلال من غير اشارة فقد وصل الي مقام اوْ اَدني بنسبة رتبته لأن المراد من مقام اوْ اَدني هو ما فوق مقام قاب قوسَيْنِ و هو اجتماع السّٰالك بمقام عقله و هو اوّلُ وجودِهِ المقيّد و فوقه مقام اَوْ اَدْنَي و هو مقام الوجود المطلق و المراد به حال ظهوره اي ظهور وُجوده من الفعل كحال ظهور ضرباً الّذي هو مصْدرٌ مِنْ ضَرَبَ الّذي هُوَ فِعْلٌ ماضٍ يَعْني حالَ اشتِقَاقِهٖ منه فانّه لم‌يكن شيئاً قبل الاشتقاق و انّما اخترعه الفاعل من هيئة فعله و الواصل الي هذا المقام مقام اوْ اَدني هو حينئذٍ محلّ الفعل المختص به و هذا الفعل المختصّ بذلك الشخص رأس من رؤس الفعل الكلّي الذي هو المشيّة و هو مقام اوْ ادني بالنسبة الي محمد صلي اللّه عليه و آله و الي اهل بيته عليهم السلام و هذا مقام نحن فيها هو و هو نحن و هو هو و نحن نحن كما قال الصادق عليه السلام و هذا هو مقام مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الّا انّهم عبادُك و خلقُكَ و في هذا المقام هم الفَاعِلُونَ و دونها مَقام المعاني و هم عليهم السلام في هذا المقام بامرِهٖ يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و دونها مقام الابواب و هم في هذا المقام هم بامره يُؤَدُّونَ الي مَنْ سِوَاهم و دونها مقام الامام المفترض الطاعة و حجة اللّه في ارضه و سماۤئه و المقامات في الدرجات متعدّدة و لهم في كلّ رتبةٍ اعلي درجةٍ منها حتي ينتهي بهم التقريب من اللّه سبحانه الي مقام اَوْ اَدْني و رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله امامهم في كلّ درجة لكنّهم لايتأخّرون عنه فثبت لهم [ص 172] ما يثبت له ماخلا النبوّة و الاَسْبَقيّة لأنهم به صلي اللّه عليه و عليهم وصلوا الي رتبته و هو قول علي عليه السلام في خطبته يوم الجمعة و الغدير في هذا المعني عَلَّاهم بتَعْلِيتِه و سَما بهم الي رتبته و قد تقدم تمام كلامه عليه السلام و في بصاۤئر الدرجات الي ابي‌جعفر عليه السلام قال فضلُ اميرالمؤمنين عليه السلام ما جاۤء به اُخِذ به و ما نهي عنه انتُهي عنه و جري له من الطاعة بعد رسول اللّهِ (ص) مثل الذي جري لرسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و الفضل لمحمد صلي اللّه عليه و آله المتقدّم بين يدَيه كالمتقدّم بين يدي اللّه و رسوله (ص) و المتفضّل عليه كالمتفضّل علي اللّه و علي رسوله (ص) و الراۤدّ عليه في صغيرة او كبيرة علي حدّ الشركِ باللّهِ فانّ رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله باب اللّه الذي لايُؤتَي الّا منه و سبيله الذي من سلكه وصل الي اللّهِ و كذلك كان اميرالمؤمنين عليه السلام من بعده و جري في الائمة واحداً بعد واحدٍ جعلهم اللّه اركان الارض ان تميدَ باهلها و عَُمَُدَ الاسلام و رابطَهُ علي سبيل هداه و لايهتدي هادٍ الّا بهداهم و لايضلّ خارجٌ من هُديً الّا بتقصيرٍ عن حَقِّهِمْ و اُمناۤءَ اللّهِ علي ما اهبَطَ من علمٍ او عُذرٍ او نُذرٍ و الحجةَ البالغَةَ علي من في الارض يجري لٰاخرِهم من اللّهِ مثل الذي جري لاوّلهم و لايصل احدٌ الي شئ من ذلك الّا بعون اللّهِ ه‍ ، و امّا انّهم ملحقون برسول اللّه صلي اللّه عليه و آله فممّا لا اشكال فيه و قد تكثّرت به الاخبار و مما يدل علي ذلك ما رواه في بصاۤئر الدرجات بسنده الي ابي‌عبداللّه عليه السلام قال الذين آمنوا و اتّبعَتْهُمْ ذرّيّتهم بايمان الحقنا بهم ذرّيّتهم و ماالتناهم من عملهم من شئ قال الذين آمنوا النبي و اميرالمؤمنين و الذريّة الائمة عليه و عليهم السلام الاوصياۤء (ع) الحقنا بهم و لم‌تنقص ذرّيّتهم من الجهة التي جاۤء بها محمد صلي اللّه عليه و آله في علي عليه السلام و حجّتهم واحدة و طاعتهم واحدة ه‍ ، يعني انّ محمّداً صلّي [ص 173] اللّه عليه و آله اتي بالحجّة المقيمة لوجوب طاعته من اللّه تعالي في علي و اهل بيته عليه و عليهم السلام و لم‌تنقص حجتّه صلي اللّه عليه و آله بما شرّكَ اللّهُ سبحانه فيها عليّاً و اهل بيته عليهم السلام و لم‌تقصر حجّتهم و ان كانَتْ مقتبسةً من حجّته صلّي اللّهُ عليه و آله عن رتبة حجّته (ص) لأنّ ما اُوتُوا مما اُوتي كنورهم من نوره صلّي اللّه عليه و آله و قد اخبر علي عليه السلام عن نسبة ذلك فقال انا من محمّد (ص) كالضّوء من الضّوء فالضّوءُ كالسِّرَاج اذا اُشْعِلَ من السِّرَاج فانّه و ان كان متأخّراً في الوجود عنه و مقتبِساً منْهُ الّا اَنَّهُ بَعْدَ الاشتعالِ مُسَاوٍ لهُ وَ كذٰلِك الائمّة من وُلدِه عليهم السلام فهم بعد اَن خُلِقوا من نورهٖ صلي اللّه عليه و آله كانوا في ذواتهم مثله و له الفضل عليهم بتوسُّطِه بينهم و بين اللّه تعالي في كلّ شئٍ و كذٰلِك ما وصل اليهم من المدد ممّا وَصَل اليه و ان كان صلي اللّه عليه و آله له الفضل عليهم لسبقه في الوجود و توسّطه بينهم و بين اللّه في كلّ شئٍ و بهذينِ كَان اعلم منهم حيث لم‌يصلوا اليهما و من دونه اميرالمؤمنين عليه السلام فانه افضل منهم بعد رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله لسبقه و توسّطه كذلك و لهذا لُقِّب باميرالمؤمنين عليه السلام لأنه يميرهم العلم و هم المؤمنون و يدخل في عموم لفظ المؤمنين جميع شيعتهم من النبيين و المرسلين و سَاۤئر الاولياۤء و المؤمنين و لكن دخولهم بالتبعيّة كلّ بنسبة رتبته و الي هذا اشار تعالي بقوله و اذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم داۤبّة من الارض تكلمهم انّ الناس كانوا بٰاياتنا لايوقنون الّا انه عليه السلام و ان كان القاۤئم بذلك عن اللّه و رسوله الّا انّه بالنسبة الي الائمة من ولده بلا واسطة و الي الانبياۤء و المرسلين بواسطة الائمة عليهم السلام و الي المؤمنين بواسطة الانبياۤء و المرسلين بعد الائمة عليهم السلام و في بصاۤئر الدرجات بسنده الي الحٰرثِ النصري عن ابي‌عبداللّهِ عليه السلام قال [ص 174] سمعته يقول رسول اللّهِ صلي اللّه عليه و آله و نحن في الامر و النهي و الحلال و الحرام نجري مجرَي واحدٍ ( مجريً واحداً خ ) فاما رسول اللّه و علي صلي اللّه عليهما و آلهما فلَهُمَا فَضْلُهُمٰا و فيه بسنده الي ايوب بن الحر عن ابي‌عبداللّه عليه السلام او عمّن رواه عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قلنا الائمة بعضهم اعلم من بعض قال نعم و علمهم بالحلال و الحرام و تفسير القرءان واحِدٌ ه‍ ، و بالجملة بَقوا صلي اللّه عليهم يتنقّلون من الدرجات العاليات الف دهرٍ لم‌يكن في الوجود غيرهم الاربعة‌عشر صلي اللّه عليهم الي ان وصلوا في نزول الظهورِ في هذه المدة الي آخر درجةٍ فخلق اللّه سبحانه و له الحمد من عرق انوارهم مائة و اربعةً و عشرين الفَ قطرةٍ فخلق اللّهُ من كل قطرة روح نبي و مرسلٍ و بقوا في الانبياۤء و المرسلين الفَ دهرٍ الي ان تَمَّ ما اُمِروا بتأديته اليهم ثم خلق اللّه سبحانه و له الحمد من اشعّة انوار النبيين عليهم السلام ارواح المؤمنين من شيعتهم فادّوا الي المؤمنين ما امروا بتأديته اليهم بواسطة الانبياۤء و بغير واسطتهم و لهم في كلّ رتبةٍ و مقام منذ كوّنهم اللّه تعالي الي ان ظهروا في هذه الدنيا درجات في اعمالهم في التأدية و الاعانة و التقدير و المنع و العطاۤء و القبض و البسط و الشفاعة و الفضل و العفو و الرحمة و النقمة و التسامح و الاقتصاص و غير ذلك مما طوي اللّه سبحانه بسْطَ منشورهٖ بقوله تعالي لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون الٰايات ، درجات عاليات في كلّ مقامٍ بما يليقُ به لايصل اليها احدٌ من خلق اللّهِ بحيث كانَ كلّ شئ فقد جعله اللّهُ تعالي في قبضتهم و امرهُ بطاعتهم علي جهة الاطلاق و عدم التخصيص و التقييد لايستثني منه الّا ما ذكره تعالي في قوله و هم بامره يعملون و في قوله و ماتشاۤؤن الّا ان يشاۤء اللّه فبيّن ما اشرنا اليه الحجة عليه السلام في قوله في دعاۤء شهر رجب لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقك الي قوله اعضاد و [ص 175] اشهاد و مُناةٌ و اذوادٌ و حفظَةٌ و رُوَّاد فَبِهمْ ملأتَ سماۤءَك و ارضك حتّي ظهر الّا اله الّا انت الدعاۤء ، و اراد عليه السلام بقوله سماۤءك و ارضَك معني غيبِ عالمك و شهادته ليدخل فيه كل شئ و يكفيك قوله تعالي ماوَسِعَني ارضي و لا سَماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن ه‍ ، صلي اللّه عليه و آله الطاهرين .

قوله عليه السلام : و المقام المحمود مجمله ما ذكره الشارح المجلسي رحمه اللّه و هو قوله الشفاعة او الوسيلة و قال في القاموس الوسيلة و الواسلة المنزلة عند الملك و الدرجة و القُربة و في النهاية في حديث الاذان اللهم آتِ محمداً الوسيلة هي في الاصل ما يتوصّلُ به الي الشئ و يتقرّب به و جمعها وساۤئل يقال وَسل اليه وسيلةً و توسّل و المراد به في الحديث القرب من اللّهِ تعالي و قيل هي الشفاعة يوم القيمة و قيل هي منزلة من منازل الجنّة كذا جاۤء في الحديث في صفته عليه السلام ه‍ . و في مجمع البحرين قوله تعالي و ابتغوا اليه الوسيلة اي القربة الي اللّه عز و جل و في الدعاۤء و اَعطِ محمداً صلي اللّه عليه و آله الوسيلة روي انها اعلي درجة في الجنّة لها الف مرقاة ما بين المرقاة الي المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عامٍ و هي ما بين مرقاةِ جوهرٍ الي مرقاةِ ياقوتٍ الي مرقاةِ ذهب الي مرقاةِ فضّةٍ فيؤتي بها يوم القيمة حتي تنصب مع درجة النبيين كالقمر بين الكواكب فلايبقي يومئذٍ نبي و لا صديق و لا شهيد الّا قال طوبي لمن كانت هذه الدرجة درجته و في حديث النبي صلي اللّه عليه و آله سلوا اللّهَ لي الوسيلةَ ، طلبَ صلّي اللّه عليه و آله من امّته الدعاۤء له هضماً لنفسِه اَوْ لتنتفع به امّته و تثاب عليه و مع هذا فانه يزيده رفعة بدعاۤء امّته كما يزيدهم بصلاتهم عليه و وَسَلتُ الي اللّه تعالي بالعمل من باب وعَد رغبتُ اليه و تقرّبتُ و منه اشتقاق الوسيلة و هي ما يتقرّب به الي الشئ و الواسل الراغب الي اللّه تعالي انتهي .

[ص 176] اقول الحديث الذي اشار اليه صاحب مجمع البحرين هو ما رواه الصدوق رحمه اللّه في معاني الاخبار و تمامه بعد قوله طوبي لمن كانت هذه الدرجة درجته فيأتي النداۤء من عند اللّه تعالي يسمع النبيين و جميع الخلق هذه درجة محمد صلي اللّه عليه و آله فاُقبِلُ انا يومئذٍ مؤتزراً بريطةٍ من نور عليّ تاج الملك و اكليل الكرامة و علي بن ابي‌طالب اَمامي و بيده لواۤئي و هو لواۤء الحمد يكون مكتوب عليه لا اله الّا اللّه المفلحون هم الفاۤئزون باللّه فاذا مررنا بالنبيين قالوا هذان ملكان مقرّبانِ لم‌نعرفهما فاذا مررنا بالملاۤئكة قالوا نبيَّينِ مرسلَينِ حتّي اَعلُوَ الدرجة و عليّ يتبعني حتي اذا صِرتُ في اعلا درجة منها و عليٌّ اسفل منّي بدرجةٍ فلايبقي يومَئذ نبي و لا صدّيق و لا شهيد الّا قال طوبي لهذين العبدين ما اكرمهما علي اللّه تعالي فيأتي النداۤء من قبَلِ اللّه تعالي يُسمِع النبيين و الصدّيقين و الشهداۤء و المؤمنين هذا حبيبي محمد صلّي اللّه عليه و آله و هذا وليي عليّ عليه السلام طوبي لمن احبّه و ويل لمن ابغضَه و كذبَ عليه فلايبقي يومئذ احدٌ احبّك يا عليُّ الّا استروَح الي هذا الكلام و ابياۤضّ وجهُه و فرح قلبُه و لايبقي احدٌ ممّن عاداك او نصبَ لك حرباً او جحد لك حقّاً الّا اسواۤدّ وجهه و اضطربت قدماه فبينا انا كذلك اذا ملكانِ قد اقبلَا اليّ امّا احدهما فرضوان خازن الجنّة و امّا الٰاخر فمالك خازن النار فيدنو رضوان فيقول السلام عليك يا احمد فاقول السلام عليك ايّها الملك من انت فما احسن وجهَك و اطيَب ريحَك فيقول انا رضوان خازن الجنّة و هذه مفاتيح الجنّة بعثَ بها اليكَ ربّ العزّة فخذها اليك يا احمد فاقول قد قبلتُ ذلك من ربّي و له الحمد علي ما فضّلَني به رَبٖي ادفعها الي اخي علي بن ابي‌طالب ثم يرجع رضوان فيدنو مالك فيقول السلام عليك يا احمد فاقول عليكَ السلام ايّها الملك فما اقبح وجهك و انكر رؤيتك [ص 177] فيقول انا مالكٌ خازن النار و هذه مقاليد النار بعث بها اليك رب العزّة فخذها يا احمد فاقول قد قبلتُ ذلك من ربّي فله الحمدُ علي ما فضّلني به ادفعها الي اخي علي بن ابي‌طالب ثم يرجع مالك فيقبل عليٌّ (ع) و معه مفاتيح الجنّة و مقاليد النارِ حتي يقف علي عجزة جهنّم و قد تطايرَ شَرَرُها و علا زفيرها و اشتدّ حرّها و عليٌّ آخِذٌ بزمامِها فتقول له جهنّم جُزني يا علي فقد اطْفأَ نورُك لهَبي فيقول لها عليٌّ (ع) قَرِّي يا جهنّم خُذي هذا و اتركي هذا خذي هذا عدوِّي و اتركي هذا وليّي فَلَجَهنّمُ يومئذٍ اشدّ مطاوعةً لعليٍّ من غلام احدكم لصاحبه فان شاۤء يذهبها يمنةً وَ ان شاۤء يُذْهِبُها يسرةً وَ لَجَهَنّمُ يومئذٍ اشدّ مطاوَعةً لعليٍّ (ع) فيما يأمرُها به من جميع الخلاۤئق انتهي الحديث الشريف كما في المعاني . اقول المقام المحمود المقام المحمود او المحمود مَن قام فيه لأنّ كلّ من رأٰه حَمِدهُ و اثني عليه و له اعتبارانِ اعتبارٌ من جهة الفَضٖيلة و اعتبارٌ من جهة الفاضلة فامّا الاول فلكونه اعلي مراتب القربة الي اللّه تعالي فيحمده كلّ اَحدٍ و يحمد من قام فيه اذ ليس مقام اقرب منه ليستحِقّ الثناۤء دونه او يساويه فيه و امّا الثاني فلأَنّه لمّا كان اعلي مراتب القرب الي اللّهِ تعالي لزم ان يكون كل مَن دونه يحتاج اليه في كل شئ لعُلوِّهٖ علي كلِّ مقامٍ و احاطته بكل مَن دونه علي جهة العلّيّة و القيوميّة فعلي الاول يراد منه القرب المطلق الّذي هو مقام اوْ ادني و علي الثاني يراد منه مقام البابيّة المطلقة كالتوسط بين الخلق و بين اللّه سبحانه و التّلقّي من الجناب الاعلَي عَزَّ و جلّ للتّأدية و التّأدية الَي مَن دُونه و الشّفاعة للمقصّرين مِنْ اَتْباع صاحبِ المَقام و لهذا فسّر المقام المحمود بالشّفاعة اوِ الوسيلة لما قلنا و فسِّرت الوسيلة بالقرب او الشفاعة او منزلة في الجنّةِ مخصوصة كما ذكر في حديثِ المعاني المتقدّم و هو مقام الحكم [ص 178] بالحَقِّ و العدل بالقسط و القسمة بالسويّة بحسب المقتضي كما في الحديث المتقدّم و المقام المحمود تلّ من مسكٍ اذفر بِحِيَالِ العرش كما في تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام فمعني انّه القرب من اللّهِ تعالي او الشَّفاعة او الوسيلة او منزلة من منازِلِ الجنّة اَنّ المقام المحمود مكان لما فُسِّرَ بهٖ من هذه الامور فانّ اعلا مراتبها ما وقع في المقام المحمود و في روضة الواعظين للمفيد (ره) كذا في تفسير الاميرزا محمد القمي و في البحار انه للشيخ محمد بن علي بن احمد الفارسي (ره) و كلام الاميرزا محمد يحتمل انه كتاب آخر غير المشهور للمفيد (ره) و يحتمل انه من سهو القلم و الّا فروضة الواعظين الموجودة للفارسي قال قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله اذا قمتُ المقام المحمود لشفعتُ في اصحاب الكباۤئر من امّتي فيشفعني اللّهُ فيهم و لاتشفّعتُ في مَن آذي ذريّتي و فيه ايضاً قال اللّه تعالي عسي ان يبعثَك ربّك مقاماً محموداً قال رسول اللّه (ص) المقام الذي اشفع فيه لأمّتي و سمّي ذلك المكان بالمقام المحمود لما قلنا اوّلاً من انه محمود و القاۤئم فيه محمود و لان القاۤئم فيه يحمد اهل الطاعة و يثني عليهم كما في التوحيد عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديثٍ يقول فيه عليه السلام و قد ذكر اهل المحشر ثم يجتمعون في موطنٍ آخر يكون فيه مقام محمّد صلي اللّه عليه و آله و هو المقام المحمود فيثني علي اللّه تبارك و تعالي بما لم‌يُثْنِ عليه احدٌ قبله ثم يثني علي كلّ مؤمنٍ و مؤمنةٍ يبدأ بالصدّيقين و الشهداۤء ثم بالصالحين فتحمده اهل السموات و الارض فذلكَ قوله عز و جل عسي ان يَبْعثَكَ ربُّكَ مقاماً محموداً فطوبي لمن كان في ذلكَ اليوم له حظّ و نصيب و ويل لمن لم‌يكن له في ذلكَ اليوم حظٌّ و لا نصٖيبٌ ه‍ ، و قول مجمع البحرين طلب صلّي اللّه عليه و آله من امته الدعاۤء له هضماً لنفسه الخ ، امّا التعليل الاوّل فليس بمتّجهٍ لأنّ المقام ليس مقام تصغير النفس و انما فعل ذلك [ص 179] بامرٍ من اللّه تعالي لانه صلي اللّه عليه و آله لاينطق عن الهوي و اما التعليل الثّاني فمتّجه صحيح و قوله و مع هذا فانه يزيده رفعة بدعاۤء امّته هو ايضاً صحيح لكن علي معني اَنّ الزيادة لاتلحق ذاته و انّما تلحق الملحقَ به كما انَّ الصلوة تزيد في المسجد فضلاً و تنقص في الحمّام و قد تقدّم الكلام في هذا و مَن انكر عدم انتفاعهم عليهم السلام بدعاۤء شيعتهم فقد جهل المسئلة كيف و قد قال صلي اللّه عليه و آله تناكحوا تناسلوا فاني اُباهي بكم الامم الماضية و القرون السالفة يوم القيمة و لو بالسّقط الحديث ، فاِن قلتَ ما ذكرتَ من الاخبار انّما تدلّ علي اختصاص المقام المحمود به صلّي اللّه عليه و آله و انت في بيان اثباته لهم عليهم السلام قلتُ كلّ ما وصفوا بصفةٍ من الصفات الحميدة فرسول اللّه صلي اللّه عليه و آله اِمامُهُمْ بل هو اصلهم فيها و مقتداهم فهي له و هو مأمورٌ من اللّهِ تعالي اَن يؤدّيها اليهم لأنه الواسطة بينهم و بين اللّه تعالي و من ذلك المقام المحمود فهو مقامه و اعلي مرتبة منه يختصّ بها دونهم و يليها مرتبة اميرالمؤمنين عليه السلام و الائمة عليهم السلام دون اميرالمؤمنين عليه السلام علي مراتبهم اِلّا انّه صَلّي اللّٰهُ عليه و اٰله هو المدعوّ باسمه فلذا نسب المقام المحمود اليه و هم يجرون مَجْريٰهُ في كل ما كان المقام المحمود مكاناً له من القرب و الشّفاعة و الوسيلة و المنزلة في الجنّة الّا انه صلي اللّه عليه و آله هو داعيهم و قاۤئدهم ففي الشفاعةِ يشفع باذن اللّه تعالي لهم فيشفعون باذن اللّه و اذن رسوله صلي اللّه عليه و آله لمن شاۤؤا و يُشَفِّعُون مَن شاۤؤا فيمن شاۤؤا فنالوا الشفاعة و التشفيع به كذا في الوسيلة و القرب و المنزلة فصحّ بهذا الاعتبار نسبة المقام المحمود اليهم .

قوله عليه السلام : و المقام المعلوم و في بَعض النسخ الصحيحة و المكان المعلوم و المكان و المقام بفتح الميم [ص 180] واحد لأن المقام بفتح الميم موضع القيام اذا اُريد به مكان الشفاعة كالمقام المحمود او الاعم كتولّي امر الحساب و قسمة الجنّة و النار و انزال المستحقين منازلهم من الدارَيْنِ و ان قرئ بضم الميم لم‌يتناف مع المكان ايضاً و لٰكنه يكون موافقاً للمنزلة في الجنّة لأنّه موضع الاقامة فعلي الوجه الاوّل يتّحدان هذا الوجه الاول مع الوجه الاول هناك و علي الثاني هنا و هناك يعني المنزلة في الجنّة يتّحدان ايضاً الّا ان مقتضي العطف المغايرة فحمل هذا علي المعني الاعم او يخصّ المتقدم بما يتعلق بيوم الحساب او الشفاعة و هذا بالمنزلة في الجنّة او العكس او ان يراد بمغايرة العطف الابهام بان يقال هما متغايران علي جهة الابهام ان اريد بالاول الشفاعة اريد بالثاني ما يتعلق بيوم القيٰمة غيرها او المنزلة في الجنة و ان اريد بالاول المنزلة او ما يتعلق بيوم القيمة اريد بالثاني الشفاعة او يراد بالثاني القرب "٢" من اللّه سبحانه و بالاول ما سواه "-٢" او بالعكس و في قوله المعلوم اشارة الي معهود ذهني او ذكري فعلي الاوّل يراد بالمحمود خصوص الشفاعة و بالمعلوم ما سواه مطلقاً او ما سواه يوم القيمة او بالعكس و علي الثاني يُرَادُ بالمحمود خصوص الشفاعة او مطلقاً و بالمعلوم نفس المقام يعني المكان المعلوم و الحاصل انه كما يقال ان الظاهر هو المغايرة بموجب العطف يحتمل التفسير و ان كان بعيداً و يحتمل ارادة الولاية المطلقة في الاول لأنّها السلطنة الكبري و ارادة بعض موجباتها في الثاني و في معاني الاخبار و التوحيد بسنده الي محمد بن مسلم قال سمعتُ اَبَاعبدِاللّه عليه السلام يقول ان لِلّهِ عز و جل خلقاً خلقهم من نوره و رحمته فهم عين اللّه الناظرة و اذنه السامعة و لسانه الناطق في خلقه باذنه و امناۤؤه علي ما انزل من عذرٍ او نذرٍ او حجّةٍ فبهم يمحو اللّه السيئاتِ و بهم يدفع الضيمَ و بهم [ص 181] ينزل الرحمةَ و بهم يحيي ميتاً و بهم يميتُ حيّاً و بهم يبتلي خلقه و بهم يقضي في خلقِهٖ قضِيّتَهُ قلتُ جُعِلتُ فِدَاك مَن هؤلاۤء قال الاَوْصياۤء ه‍ .

و قوله عليه السَّلام : عند اللّٰهِ عزّ و جلّ يُراد منه انَّ هذا المقام المعلوم اعدّه اللّٰهُ لَهُمْ عليهم السَّلام يوم القيمة اَوْ في الجَنّة اَوْ في المكانةِ و القربِ منه تعالي علي الاحتمالات الثلاث و عِنْدَهُ تعالي اي في ملكه و نَسَبهُ اليه اشْعَاراً بالاخْتصاصِ التشريفي عَلَي نحوِ الادِّخٰارِ لَهُمْ صلي اللّه عليهم و يُستفاد من اخبارهم انّ هذا المقام المشار اليه اعلي المقامات و اشرفها عنده و احبّها اليه و هو حَمُولَةُ قولِهٖ تعالي وَ وَسِعَني قلبُ عبْدي المُؤْمِن المعبّر عن هذا الوسع المذكور بقوله الرّحمٰن عَلَي العرشِ اسْتَوَي و بقولهم عليهم السلام نحنُ محاۤلُّ مَشِيّةِ اللّهِ و اَلْسِنَةُ اِرادتِهٖ و معانيه كما تقدّم في حديث جابر الجعفي عن ابي‌جعفر عليه السلام في قوله يا جابر عليك بالبيان و المعاني قال فقلتُ و ما البيان و المعاني قال فقال علي عليه السلام امّا البيان فهو ان تعرف اللّه سبحانه ليس كمثله شئ فتعبده و لاتشرك به شيئاً و امّا المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقّه اذا شِئنا شاۤء اللّه و يريد اللّه ما نريده فنحن المثاني الذي اَعْطانا اللّهُ نبيّنا و نحن وجه اللّهِ الذي يتقلّب في الارض بين اظهركم فمن عرفنا فاَمامَهُ اليقين و من جهِلَنا فاَمامَهُ سجّين و لو شئنا خرقنا الارض و صعِدنا السّماۤء و انّ الينا اياب هذا الخلق ثم انّ علينا حسابهم ه‍ ، و قوله عليه السلام و لو شئنا خرقنا الارضَ و صعِدنا السّماۤء يؤيّده ما رواه المقداد بن الاسود الكندي قال قال لي مولاي يوماً ائْتني بسيفي فاَتيتُه بهٖ فوضعه علي ركبتيه ثم ارتفع الي السماۤء و انا انظر اليه حتي غابَ عن عيني فلمّا قرُبَ الظهر نزل و سيفه يقطر دَماً فقلت يا مولاي اين كنتَ فقال انّ نفوساً في الملأ الاَعْلَي اختصمَتْ فصَعِدْتُ [ص 182] فطهّرتها فقلتُ يا مولاي و امرُ الملأِ الاعلَي اليك فقال يا ابْنَ‌الاسود انا حجّة اللّهِ علي خلقه من سمواته و ارضه و ما في السماۤء ملكٌ يخطو قدَماً عن قَدَمٍ الّا باذني وَ فِيَّ يرتابُ المبطلونَ ه‍ ، و هذا العهد الذهني او الذكري يُعنَي به الايماۤء الي المقام الذي يقومه او يقوم فيه مَنْ قلبُه عرش الرحمن الّذي استوي عليه برحمانيته و هو عين اللّه و لسانه و يده و قلبه و امره و حكمه و جميع معانيه اي معاني افعالِهٖ و كذلك هو ايضاً بيت اللّه و بابه و في الاحتجاج للطبرسي عن الاصبغ بن نباتة قال كنتُ عند اميرالمؤمنين عليه السلام فجاۤءهُ ابن‌الكوّا فقال يا اميرالمؤمنين قول اللّهِ عز و جلّ ليس البرّ اَن تأتوا البيوت من ظهورِها و لكنّ البرّ من اتّقي و اتوا البيوتَ من ابْوابِهَا فقال عليه السلام نحن البيوت التي امر اللّهُ اَنْ تُؤتَي من ابْوابِها نحنُ باب اللّهِ و بيوته الّتي يؤتي منها فمن بايَعنا و اقرّ بولايتِنا فقد اَتي البيوتَ من ابوابها و مَن خالفنا و فضّل علينا غيرنا فقد اتي البيوتَ من ظهورها انّ اللّه عزّ و جل لو شاۤء عرّف الناسَ نفسَهُ حتّي يعرفوه و يأتوه من بابه و لكن جعلنا ابوابه و صراطه و سبيلَه و بابَهُ الذي يُؤتَي منه قال فمن عدل عن ولايتنا و فضّل علينا غيرنا فقد اتي البيوت من ظهورِها و انهم عن الصراط لناكبون ه‍ ، و غيره مما يدلّ علي انّهم عليهم السلام مقاماته و معانيه و ابوابه و حججه و المقام المعلوم و المحمود لايقومه و لايقوم فيه الّا مَن كان كذلك لعلو رتبتِه و لهذا قَالَ عند اللّهِ تعظيماً له بكونه عنده تعالي و انّما قال عليه السلام عز و جلّ تنبيهاً علي انّه سبحانه يتعالي عن كلّ نسبةٍ و كلّ ما يضاف اليه من جليلٍ و حقير لأنّ هذا المقام المشار اليه و ان كان في غاية كمال الامكان في النّسب و الاضافات من ساۤئر المراتب الّا انّه لمّا نوَّهَ به و بشرفه و علوّ قدره و نسبَهُ الي العندِ الاكبر الّذي لايتناهَي في الشرف الامكاني نَبّهَ علي انّ الخلق لايسلم منه شئ عن نقصٍ و فقرٍ يبلغ به [ص 183] في رتبة التحقّق الذاتي الي العدم و اللّاشيء و اللّه سبحانه يتعالي عن كلّ شئ فكلّ عظيمٍ في جنب عظمته حقير كما قال سيد العابدين عليه السلام فلك العُلوّ الاَعْلَي فوق كلِ عالٍ و الجلال الامجدُ فوق كل جلالٍ كلّ جليلٍ عندك صغير وَ كُلُّ شريفٍ في جَنْبِ شرَفِكَ حَقٖيرٌ و اَنَّ هذه المبالغات في الشّرف و العزّة يَتَعالَي و يتقدّس سبحانه عَنْهَا و عن كلّ شئٍ حقير او جليلٍ و ما ينسب اليه بنفسه سبحانه فانما هو تشريف منه لما نسب فَضْلاً و كرماً و له الحمدُ علي كلِّ حالٍ و يمكن اَنْ يقال انّ عند منصوبٌ بالمعلوم علي انّه معمولٌ له و المعني انّ ذاك المكان او المقام معلومٌ عند اللّه تعالي اي معيّنٌ في علمه لمحمد و آله صلّي اللّه عليه و آله اَوْ اَنَّ اللّٰهَ يعلمه اي لايَعْلَمُ قدر ذلك المقام او المكان الّا اللّه اوْ مَن اطلعه عليه منْ احبّاۤئه و اولياۤئه الّا انّ الظاهر انّ المراد بالمعلوم المعلوم عند اولي العلم به علي جهة الاجمال او التفصيل او المعلوم بمعني المشار اليه و المشار اليه هو المقام المحمود اوْ ما ذكرنا سابقاً .