اذا ذكر القلبُ رهطَ النبي و سبْيَ النساۤءِ و هَتْكَ السِّتَر
و ذبح الصبيّ و قتلَ الوصي و قتلَ شبٖيرٍ و سَمَّ الشَّبَر
تَرقْرقَ في العين ماۤءُ الفؤاد و يجري علي الخدِّ منه الدُّرَر
فيا قلبِ صبراً علي حُزنِهمْ فعِندَ البلايا تكون العِبَر
فاذا عرفتَ ما جري عليهم من البلايا بغير ذَنْبٍ وقعَ منهم و انّما جري عليهم ما جري بما جري به القلم و لو سَئَلوا اللّه عز و جل رفعه و ارادوا دفعه رفعه اللّه تعالي و دفعه عنهم و لكنهم قابلوا محتوم القضاۤء بمحكم الرضا و قصد اعداۤءهم لعنهم اللّه بذلك اهانتهم و اذلالهم و اطفاۤء نورهم و يأبي اللّه الّا اَنْ يتم نُورَهُ و لو كرِهَ الكافرون فكان ما فعلوا بهم من اعظم مناقبهم و رفع شأنهم حتّي كانت جميع العوالم تسبّح اللّه بنشرِ الثناۤء عليهم في بلاياهم و مصاۤئبهم و لقد قلتُ في قصيدة رثيتُ بها الحسين عليه السلام :
[ص 135]اَمَّا ثناۤؤُك في بلاۤئِك فهو لايُحصيه كاتبْ
و اري جميعَ الخلق كُلّاً بالذي اُوتِي مُخاطِبْ
يبدُو بنَعْيِكَ حينَ يَبْدُو و هُو حالٌ غيرُ كاذِبْ
فَلِذَاك قٖيلَ لكَ المحامدُ و المَمَادِحُ في المصاۤئبْ
فمن يحصي جميل بلاۤئهم لانه في الحقيقة تسبيح اللّه و تمجيده و الثناۤء عليه .
و اُحبّ ان اذكر لك ما كتبتُه لقرّة العين و الاخ الصفي في الدارين الٰاخوند الملا حسين الواعظ الكرماني بلّغه اللّه الاماني حين سألني عن مسائل و منها قوله ايّده اللّه و في بعض الاخبار يومي ان المنافقين و الشياطين لعنهم اللّه لميبكوا علي الحسين عليه السلام و امّا الكافرون فقد بكوا عليه كما ورد ان النار و اهل النار بكوا علي الحسين عليه السلام فكيف يكون كذلك الخ ، كتبتُ في جوابه :
اقول الذي يدلّ عليه العقل و النقل ان جميع ما في الوجود المقيّد من كل ذي هيئةٍ و صورة مما في السموات و الارضين و سكّان العناصر و البحار بكوا علي الحسين عليه السلام الّا ان بكاۤءَهم علي نوعَيْن : احدهما بمقتضي امكان ذي الهيئة و الصورة و بهذا النوع بكي علي الحسين عليه السلام كل شئ حتي المنافقين و الشياطين و اهل عليّين و اهل سجّين و هذا بكاۤء معنوي و هو علي اصناف منه ان كلّ واحدٍ منهم يجد في نفسه ضعفاً عن شئ من الاشياۤء و منه ان كلّ واحدٍ منهم يجد في نفسه رقّةً لشئ من الاشياۤء و منه ان كلّ واحدٍ منهم يجدُ في نفسِهٖ خضوعاً لشئ من الاشياۤء و منه ان كلّ واحدٍ منهم يجدُ في نفسِهٖ مَيلاً لشئ من الاشياۤء و منه ان كلّ شئ منهم يجد في نفسِهٖ حاجة لشئ من الاشياۤء و منه انّ كلّ شئ منهم يجد في نفسه خوفاً من شئ من الاشياۤء و منه ان كلّ شئ منهم يَجدُ في نفسه رجاۤء لشئ من الاشياۤء و منه ان كلّ شئ منهم يَجدُ في نفسه غمّاً لعدم ادراك شئ من الاشياۤء او لفوت [ص 136] شئ من الاشياۤء و منه ان كل شئ منهم يجد في نفسه همّاً عنده لامرٍ مستقبلٍ محبوبٍ يخاف عدم ادراكه او بطؤ ادراكه او محذور يخاف وقوعه و ما اشبه هذه و كلُّ هذه و ما اشبهها بُكاۤءٌ او تَباكٍ لجمود عينِ طبيعته و يجري علي كل مَن اشرنا اليه من كل ذي هيئةٍ و صورة من الخلق و مرادي بذي الهيئة و الصورة ذو الانّيّة حالَ وجدانِه اِنّيّتَهُ و الي هذا المعني اشرت بقولي في قصيدتي المقصورة في مرثية ابيعبداللّهِ الحسين عليه السلام قلتُ :
ما في الوجودِ معجَمٌ لميَكن الّا اعتَرتْهُ حَيرةٌ في اسْتِوا
كلّ انكسارٍ و خضوعٍ بهٖ و كلّ صوتٍ فهو نوحُ الهَوا
اَماتري النّخلةَ في قُبّةٍ ذاتِ انفِطارٍ و انفِراجٍ فَشا
ما سَعْفَةٌ فيها انتهتْ اُخْبِرتْ الّا لها حزنُ امامي شوي
اَماترَي الاَثلَ و اَهدابَهُ عند الرياح ذا حنينٍ عَلا
اَماسمعتَ النَّحْلَ ذا رِنَّةٍ فٖي طيرَانهٖ شديدَ البكا
و السيفُ يفري نحرَهُ باكياً و الرمحُ ينعَي قاۤئماً و انْثِنا
تبكيه جُرْدٌ جارياتٌ علي جُثمانِه و انْ تَدُقُّ القَرَا
واللّهِ مارأيتُ شيئاً بدَا في الكونِ الّا بِبُكاۤءٍ تَلا
فتأمّل هذه الابيات تعرف ما اشرنا لك اليه و ثانيهما بالبكاۤء المعروف و جريان الدموع و يكونُ ذلك من محبّيه عليه السلام و من مبغضيه حالةَ عدم التفاتِهم الي جهة بغضِه و عداوته فانهم في حالة التفاتهم الي عداوته و بغضِهٖ و ما يردُ منهم منَ الحنقِ و الغيظِ عليه و علي اتباعه و محبّيه لايبكون عليه لشدة بُعد قلوبهم حينئذٍ عن الرحمة و قسوتِها عن قبول الخبر و هو تأويل قوله تعالي ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشدّ قسوة و ان من الحجارة لَما يتفجّر منه الانهار و ان منها لما يشقّق فيخرج منه الماۤء و ان منها [ص 137] لَما يهبِط من خشية اللّه و البكاۤء علي الحسين عليه السلام من خشية اللّهِ و امّا في حال غفلتِهم عن شقاقهم البعيد من رحمة اللّهِ اذا ذكروا ما جري عليه و علي اهل بيته و انصاره بكوا كما جري من كثيرٍ منهم مثل خَولَي الاصبحي لعنه اللّه هو يسلب زينب عليها السلام و الاطفال و يأخذ النطع سحباً من تحت سيّد العابدٖين صلوات اللّه عليه و هو يبكي و لمّا سألته قال لعنه اللّه ابكي لما جري عليكم اهل البيت و هو من المنافقين . و الحاصل كل شئٍ يبكي علي الحسين صلوات اللّه عليه تبكيه الرياح بهفيفها و النار بتَلهُّبِها و الماۤء بجريانه و امواجه و جموده و الشمس و القمر و النجوم بتغيّراتها من حُمرة و صفرةٍ و كسوف و خسوف و الجبال بارتفاعها و انهدادِها و الجُدران بانفطارها و انهِدَامها و النبات بتغيّره و اصفراره و يُبْسِهٖ و الٰافاق بتكدّرِها و اغبرارِها و حمرتها و صفرتها آه ثم آه ثمّ آه ماادري ما اقول و تبكيه التجارة بخسارتها و كسادِها و العيون بتكدّرها و المعادن بفسادِها و الاسعار بغلاۤئها و الاشجار بموتها و بقِلّةِ ثمرها و بسقوط ورقها و يُبسِ اغصانها و اصفرارِ وَرَقِها اماسمعتَ بكاۤءَ الاواني حين تنكسر من الچيني و الخزف و من المعادن تبكيه بانكسارها "٢-" و بصوته "-٢" حين الكسرِ اَماسمعتَ هَدٖيرَ الاطيارِ في الاوكار و هَفيف الاشجار و امواج البحار و بُكاۤءَ الاطفال الصغار اَماسمعتَ بُكاۤء الاسفار بعدم اَمْنِيّةِ القفار اَماسمعتَ الليل يبكيه بظلمته و النّهار بالاِسْفار اَمارأيتَ تفتُّتَ الاحْجارِ و غورَ البحارِ و قِلّةَ الامطار و غلاۤء الاسعار و فسادَ الافكار و اختِلافَ الانظار و قِصَر الاعمار آه ثم آه ثم آه اُجْمِلُ لك الامر بما اجمله العزيز الجبّار في كتابه قال في هذا الشأن مصرِّحاً بالبيان لمن كان لقلبه عينان و ان من شئٍ الّا يسبّح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم فقال عليه السلام في بيان ان المراد [ص 138] بهذه الٰاية ما ذكرنا في الزيارة الجامعة الصغيرة المذكورة في آخر المصباح للشيخ رحمه اللّه قال عليه السلام يسبّح اللّهَ باسماۤئه جميع خلقِهٖ يعني انَّ كلَّ شئ يسبّح اللّهَ بالبكاۤءِ علي سيّدِ الشهداۤء عليه افضل الصلوة و السلام و الثّناۤء و بنشر فضاۤئله و مَمادحِهٖ في مصاۤئبه انتهي كلامي هُنَاك ثم قلتُ بعد الابيات المتقدّمة و الحاصل هذا مجمل الجواب و البيان انّ كل شئ يبكي عليه الّا حال التفاته الي عداوته و بغضه فانّه في تلك الحال مطرود من رحمة اللّهِ التي وسعت كلّ شئ لانه حين العداوة لا وُجودَ لاصل عداوته لعنه اللّه له عليه السلام فلاجل ذلك قلنا هو حينئذٍ في ظلمةٍ موهومةٍ لاتشمُلُها رحمة اللّهِ التي وسعت كل شئ صلي اللّه عليك يا اباعبداللّهِ بعَددِ ما في علم اللّهِ ه .
فاذا فهمتَ ما ذكرنا عرفتَ مصابهم و عظيم رزؤهِمْ و ظهر لك ممّا ذكرنا من اَنّ بُكاۤء الاشياۤء عليهم هو تسبيح اللّهِ تعالي كما سمعتَ فكيف يوصف او يحصي جميل بلاۤئكم مِن جهاتٍ شتّي منها انّ اللّهَ و له الحمد انّما ابتلاهم لرفع دَرَجاتهم لا لتقصيرٍ وقع منهم وَ انّما نظر لهم احسن ما عنده فهذا جميل لايحصَي و منها انهم قابلوا الابتلاۤء بكمالِ الرِّضَي لعلمِهِم بانّه اَحْسَنُ لهم حينئذٍ من العافية و ذلك جميل لايُحْصَي و منها انّ اثر بلاۤئهم ينبسِطُ علي جميع مَن يستمدّ منهم فيبعثهم علي تسبيح اللّهِ و تقديسه علي جهة الانقياد كما سمعتَ فيما ذكرنا من بُكاۤء الخَلْق علي مُصابهم و بلاۤئهم و ذلك جميل لايحصي و منها انّهم انّما ابتُلوا بما ابتُلُوا به من جهةِ ماتحمَّلُوا من تَقْصٖيرات اَتْباعِهمْ من شيعتِهم و محبّيهم لينجوا مِنَ النّار فصار فعلهم سبباً لنجاة اتباعهم و لِبَعْثِ الخلق علي تقديسِ اللّهِ و لرضاهم عليهم السلام بالبلاۤء فينالوا اَعْلَي درجاتٍ عِنْدَ اللّهِ تعالي ممّا اَعدَّها للصّابرين و الرَّاضٖين و المُتَحمِّلٖينَ عن المُغْرَمٖين و المكروبين فهذه الامور و امثالها موجبات لجميلٍ لايُحْصَي كلّ وَاحدٍ [ص 139] منهم جميلٌ لايتناهَي فكيف يحصي جميلُ بَلاۤئِهمْ .
قال عليه السلام : و بكم اخرجنا اللّٰهُ من الذلّ و فرّج عنا غمرات الكروب و انقذنا من شفا جرف الهلكات و من النّار .
قال الشارح المجلسي رحمه اللّه و الحال انّ من جُملتها ان اللّه اعزّنا بالاسلام بهدايتكم و اخرجنا من ذلّ الكفر و العذاب في الدنيا و الٰاخرة و فرّج عنا غمرات الكروب اي الغموم و الشداۤئد الكثيرة من الكفر و الظلم و الجهل و غيرها و انقذَنا اي خلّصنا من شفا جرف الهلكاتِ اي حين كنا مشرِفين علي الهلاكِ من الكفر و الضلال و الفسق فهدانا بكم و خلّصَنا من تَبِعاتِها و من النار باصول الدين و فروعها انتهي .
اقول هذا الكلام مرتبط علي ما قبله لانه حال من احواله و انّما فصلتُ بينهما تخفيفاً و الشارح رحمه اللّه وصل بينهما لابتِناۤء الٰاخر علي الاوّل و هو اولي لقصر كلامه و انا لاجل طول الكلام كرهتُ وصله بالاول لبعده عن هذا المحل و تداركته ببيان ابتناۤئه علي الاول لانه حال من احواله و المعني انه عليه السلام قال كيف اصف حسنَ ثَناۤئكم الذي من بعضه النعم التي وصلت الينا من هدايتكم لنا التي بها اخرجنا اللّه سبحانه من هذه الامور المذكورة و احصي جميل بلاۤئكم الذي لميجر عليكم الّا بذنوبنا و تقصيراتِنا حين اشتريتمونا من موبقات اعمالِنا بما جري عليكم من المحن و البلايا مع ما قصّرنا في واجبات حقوقكم فمن حسن ثناۤئكم هدايتكم لنا بافاضة اشِعّة انواركم علي قلوبنا و بما انعمتم به علينا من فاضل طينتكم بتعليْمكم لنا معالم دينِنا و توجُّهِكم لتسديدِنا بدعاۤئكم لاصلاحِنا و توفيقِنا لما يحبّ اللّه و اظهارِكم لنا من علومكم اسرار التعلم و التمرين للمعارف الحقّة و العلوم اليقينية و الاعمال الصالحة ممّا كتمتموه عن منكريكم و زويتموه [ص 140] عن معاديكم بمَنْعِهِمْ اِطاقةَ القبول منكم و موالاةِ اعداۤئكم و معاداةِ اولياۤئكم و لولا تفضّلكم علينا لمنعترف بما انكروا و لمنَنَلْ ما لميدركوا و لمنقبل ما تركوا و من جميل بلاۤئكم فَكُّ رقابنا ممّا نستوجبه بسبب قصورنا و تقصيرنا عن تمام تلقّي ما القيتم الينا ممّا به تمام دينِنا بما تحمّلتم من المحن و البلايا حتّي اشتريتمونا من حكم لزوم كلمة الحق من القدر المحتوم انّ مَن يعمل مثقال ذرّةٍ خيراً يره و من يعمل مثقال ذرةٍ شرّاً يَرهُ فمن حسن ثناۤئكم و فضلكم و من جميل بلاۤئكم و عفوِكم و احسانكم ما اخرجنا اللّه به من ذلّ الكفر و شقاۤء عداوتكم و هلاكِ بغْضِكم و من عذاب الدنيا من موجباتِ الحدود و القصاص باتّباعكم و ضربِ الجزية و شقاوة الردّة و عمي الضلالة و من درك الشقاۤء عند الموت و سوۤء المُنقلبِ و مناقشة المسئلة في القبور و عذاب البرزخ و اهوال يوم القيمة و النار و بذلك من نعمكم و تفضّلكم فرّج عنّا غمرات الكروب من الهموم و الغموم و الشداۤئد في الدنيا ببركتكم و بدعاۤئكم و عند الموت و المسئلة و عذاب الدنيا و الٰاخرة و بذلك من تفضّلكم و عفوكم انقذنا من مقتضيات نفوسنا و دواعي طباۤئِعنا التي لولا جميلكم و عفوكم لوقعنا في هُوّة هلاك الدنيا و الٰاخرة لانا كنّا بدواعي طباۤئعنا و مقتضيات جهالاتِنا و هوي انفسنا مشرفين علي هلاك الدنيا و الٰاخرة فخلّصنا اللّه تعالي من مكاره الدنيا و الٰاخرة بكم و الشفا الاشراف علي الشئ و الجرف مثل عُسْرٍ و عُسُر ما تجرّفتْه السيول و اكلته من الارض و منه قوله تعالي علي شفا جرفٍ هارٍ ، و في اعلام الدين للديلمي من كتاب الحسين بن سعيد عن الصادق عليه السلام عن اٰباۤئه عليهم السلام عن رسول اللّه صلي اللّهُ عليه و آله انه قال لاميرالمؤمنين عليه السلام بَشِّر شٖيعتكَ و محبّيك بخصالٍ عشرٍ اوّلها طيب مولدِهم و ثانيها حسن ايمانِهم و ثالثها حبُّ اللّهِ لهم و الرابعة الفسحة في قبورهم و الخامسة نورهم [ص 141] يسعَي بين ايديهم و السادسة نَزْعُ الفقر بين اعينهم و غني قلوبهم و السابعة اللعنة من اللّه لاعداۤئهم و الثامنة الامنُ من البرص و الجُذام و التاسعة انحطاط الذنوب و السّيئاۤت عنهم و العاشرة هم معي في الجنّة و انا معهم فطوبٰي لهم و حسن مأٰب ه ، و هذا انما هو من عطاۤئهم و ذلك قول الصادق عليه السلام بنا عُرِف اللّه و بنا عُبِد اللّه نحن الادلّاۤء علي اللّه و لولانا ماعُبِد اللّه ه ، و قوله عليه السلام يا مفضّل ان اللّهَ خلقنا من نوره و خلق شيعتنا منّا و ساۤئر الخلق في النار بنا يطاع اللّه و بنا يُعْصي يا مفضّل سبقَتْ عزيمة من اللّه انه لايتقبّل من احدٍ الّا بنا و لايعذّب احداً الّا بنا فنحن باب اللّه و حجّته و امناۤؤه في خلقه و خزّانه في سماۤئه و ارضه حلَّلْنَا عن اللّهِ و حرَّمْنا عن اللّهِ لانحتجبُ عن اللّه اذا شئنا و هو قوله تعالي و ماتشاۤؤن الّا ان يشاۤء اللّه و هو قوله صلي اللّه عليه و آله انّ اللّهَ جعلَ قلبَ وليّه وَكْراً لارادته فاذا شاۤء اللّه شِئنا ● ه ، و عن الباقر عليه السلام الي ان قال و نحن الذين بنا تنزل الرحمة و بنا تسقون الغيث و نحنُ الذين بنا يُصرف عنكم العذاب فمن عرفنا و نصرنا و عرف حقّنا و اخذ بامرنا فهو منّا و الينا ه ، و في تفسير علي بن ابراهيم بسنده الي ابيالحسن الرضا عليه السلام الي ان قال (ع) نحن نور لمن تبعنا و هدي لمن اهتدي بنا و من لميكن منا فليس من الاسلام في شئ بنا فتح اللّه الدين و بنا يختمه و بنا اطعمكم اللّه عشب الارض و بنا انزل اللّه قطر السماۤء و بنا اٰمَنكم اللّه من الغرق في بحركم و من الخسف في برّكم و بنا نفعكم اللّه في حياتكم و في قبوركم و في محشركم و عند الصراط و عند الميزان و في دخولكم الجنان الحديث ، و بالجملة ما دلّ من آثارهم علي انّ كلّ ادراك لخير مطلوب و كلّ فوزٍ بامر مرغوب و كلّ تحصيلٍ لشئ محبوب و كلّ نجاةٍ من امر محذور و كلّ سلامةٍ من جهل و غرور و من مكروه و شرور و خلاص من سوۤء عواقب الامور [ص 142] كلّ ذلك انّما يحصل منهم عليهم السلام لايكاد يحصي و لايستقصي اللهمّ بحقّهم عليك نَجِّنَا بهم من كل مكروه و محذور و من سوۤء عواقب الامور في الدنيا و الٰاخرة يا وليّ الدنيا و الٰاخرة انّك علي كل شئٍ قدير .
قال عليه السلام : بابي انتم و امّي و نفسي بموالاتكم علّمنا اللّٰهُ معالم دينِنا و اصلح ما كان فسد من دنيانا .
قال الشارح المجلسي رحمه اللّه علّمنا اللّه معالم ديننا اي الكتاب و السنّة التي يُعلم منهما ديننا او بالعقل و النقل و اذا زار غير العالم فيقصد انه تعالي علّم هذا النوع او الشيعة او يعمّ العلم بحيث يشمل التّقليد او يعمّ التعليم بما يشمل و اصلح ما كان فسد مِن دنيانا بعلم التّجارات و غيرها اوْ بادعيتنا ببركتهم او ببركة ادعيتهم لنا انتهي .
اقول المراد بالموالاة المتابعة لهم في الاقوال و الاعمال و المحبة و امتثال الاوامر و النواهي و التسليم لهم و الردّ اليهم و المعالم جمع مَعلم كمقعد بمعني ما يستدل به فمَعلم الشئ مظنّته و ما يستدل به يقول بموالاتكم اي بمحبّتكم و اتّباعكم في الدين و امتثال اوامركم و نواهيكم و الاخذ عنكم في الاقوال و الاعمال و الاخلاق و التسليم لكم و الردّ اليكم و البراۤءة من اعداۤئكم في كلّ شئ مما ذكر علّمنا اللّه مَعالم دٖيننا اي نوّر قلوبنا لقبول الحق منكم و عرّفنا بكم نفسه و ما اراد منّا من معرفته بسبيل معرفتكم و عرّفنا بكم و بِبَيانِكم آياته التي ضربَها لعباده ليستدلوا بها في الٰافاق و في انفسهم و جعلنا بكم عارفين بنبيّه صلي اللّه عليه و آله و بكم صلي اللّه عليكم و علّمنا شراۤئع الدّين الذي ارتضاه بما انزلَ عليكم من الكتاب و الحكمة و بما نشرتم لنا من علومكم و اجملتم في اصولكم و فصّلتم في احكامكم فمن استنبطَ منّا احكامكم فبكم [ص 143] اسْتنبَطَ و بنوركم نظر و بدليلكم استدَل و مَن تلقّي منّا عن المستنبط فعن امركم تَلقَّي و بهدايتكم تحرّي فقد علّمنا اللّه سبحانه و له الحمد معالم ديننا بموالاتكم من معرفة آياته بما انار بكم من عقولنا و من احكام دينه بما انزل عليكم من كتابه و انطقكم لنا بما اراده مِنّا حتّي اكملَ بكم الدين و انارَ بكم صُدُورَ المؤمنين و بما اشرق من انواركم علي قلوبنا من اليقين و هدي بكم الصراط المستقيم و بِموالاتكم اصلح ما كان فسدَ من دنيانا حتي كان طلبُنَا للدنيا و للمعيشة فيها مرضيّاً عند اللّهِ مقرِّباً الي رضاه لما ابحتم لنا من اموالكم و علّمتمونا طريق الاكتساب من حيث يرضي رب الاَرْباب فاتّبعنا طريق معاملتكم من حيث المجموع و تركنا ما كان عندكم من الممنوع حتّي سمّيتم اتباعكم و شيعتكم لاجل ذلك اهل القنوع فكان ما ربحنا من تجارة و زراعةٍ و غير ذلك شكراً منكم لمحبّتِنا لكم فانزل اللّه لكم و لاجلكم فينا هل جزاۤء الاحسان الّا الاحسان و كان ما فاتنا من تجارة و زراعة و غير ذلك كفّارةً لما قصّرنا فيه من حقّكم و واجب امتثال امركم فقد اصلح ربّنا و له الحمد بموالاتكم و محبّتِكم ما كان فسدَ مِن دُنيانا و لقد روي ابنشاذان في مناقبه بسنده الي ابنعمر قال قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله من اراد التوكّل علي اللّه فليحبّ اهل بيتي و مَن اراد ان ينجو من عذاب القبر فليحبّ اهل بيتي و مَن اراد الحكمة فليحب اهل بيتي و مَن اراد دخول الجنّة بغير حساب فليحبّ اهل بيتي فواللّهِ مااحبّهم احَدٌ الّا ربح في الدنيا و الٰاخرة ه ، و الربح في الٰاخرة معلوم و امّا الربح في الدنيا فهو ما اصابَ من خير فشكراً لنعمة محبّته لهم و ما اصابه من شرّ فكفّارة لذنوبه اللهم يا مقلّب القلوب و الابصار صل علي محمد و آله و ثبّت قلبي علي دينك و دين نبيّك صلي اللّه عليه و آله و لاتزغ قلبي بعد اذ هديتني و هب لي من لدنك رحمة انّك انت الوهّاب ، و دينه سبحانه [ص 144] و دين نبيه صلي اللّه عليه و آله هو حبّهم عليه و عليهم السلام ففي تفسير العياشي عن بُرَيد بن معوية العجلي قال كنت عند ابيجعفر عليه السلام اذ دخل عليه قادم من خراسان ماشياً فاخرج رجليه و قد تَفلّقَتَا و قال اَما واللّهِ ماجاۤءَ بي من حيث جئتُ الّا حبّكم اهل البيت فقال ابوجعفر عليه السلام واللّهِ لو احبّنا حجر حشره معنا و هل الدين الّا الحبّ ان اللّه يقول قل ان كنتم تحبّونَ اللّه فاتّبعوني يُحْبِبْكم اللّه و قال يحبّون مَن هاجَر اليهم و هل الدّين الّا الحبّ ه ، قال في العوالم بيان لعلّ الاستشهاد بالٰاية امّا لان حبَّهم من حبّ اللّهِ او بيان ان الحبّ لايتم الّا بالمتابعة ه ، اقول الظاهر ان هذا من كلام صاحب البحار و اقول امّا الوجه الاول فيمكن تصحيحه بان يقال كما ان كل شئ من اللّه كذلك حبّهم من حبّ اللّه و هذا معني ظاهري و امّا الحقيقي فحبّهم حبُّ اللّهِ بلا تعدّد اصلاً كما دلّت عليه النقل مَن احبّهم فقد احب اللّه و من ابغضهم فقد ابغض اللّه و مَن اطاعهم فقد اطاع اللّه و هو صريح في الاتّحاد لما دَلّ عليه النقل عنهم كما في الكافي و التوحيد في تفسير قوله تعالي فلمّا آسفونا انتقمنا منهم عن الصادق عليه السلام انه قال في هذه الٰاية ان اللّه تبارك و تعالي لايأسف كأَسَفِنا و لكنه خلق اولياۤء لنفسه يأسفون و يرضون و هم مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضا نفسِهٖ و سخطهم سخط نفسه و ذلك لانه جعلهم الدعاة اليه و الادلّاۤء عليه فلذلك صاروا كذلك و ليس ان ذلك يصل الي اللّه كما يصل الي خلقه و لكن هذا معني ما قال الحديث ، و معني قوله عليه السلام و ليس ان ذلك يصل الي اللّه الخ ، انّ الاشياۤء الحادثة و هي جميع ما سواه و من جملتها الاسف و الندم و الغضب و الحب و البغض و غير ذلك كالطاعة و المعصية و العمل و ما اشبه ذلك لايصل الي القديم تعالي فان الازل هو سبحانه لايصل اليه غيره و لاينزل [ص 145] منه شئ الي غيره لكمال غناه و كل ما سواه فهو في رتبة الفعل و المفعول فحبّ اللّه لايقع عليه و لايصل اليه سواۤء اعتبرتَهُ مضافاً الي الفاعل ام الي المفعول فان اعتبرت الاضافة الي الفاعل كان حبّه سبحانه لعبده ايصال ثوابه و رحمته و مدده و تفضّله و ما اشبه ذلك الي العبد المحبوب و كلّ ذلك من آثار فعله المحدَثِ فالواصل من فعله من تقريبه عبده و اثابته و رفع شأنه و غير ذلك انما هو اثر ذلك الفعل و اين التراب و رب الارباب و ان اعتبرتَ الاضافة الي المفعول فانّما ينسب الحبّ الي مظاهره و مقاماته التي لا تعطيل لها في كل مكانٍ و هي التي يعرفه بها مَن عرفه و هم عليهم السلام اركان تلك المقامات و قد تقدّم قبل هذا ابحاث كثيرة في بيان هذا الشأن فحبّهم عين حبّ اللّه لانه تعالي جعلهم محلّاً و مرجعاً لكل ما ينسب اليه مطلقاً فافهم .
و امّا الوجه الثاني و هو قوله او بيان ان الحب لايتم الّا بالمتابعة و ظاهر هذا حسن لكن فيه ان الظاهر منه ارادة المتابعة التّامّة و ظاهر الاحاديث المتكثرة تحقّق الحبّ بادني متابعة اذا خلص القلب عن شاۤئبة حبّ من سواهم نعم ان اراد بالتمام الكمال فهو كذلك حقيقةً ففي الخصال بسنده الي ابيسعيد الخدري قال قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله مَن رزقه اللّه حب الائمة من اهل بيتي فقد اصاب خير الدنيا و الٰاخرة فلايشكّنّ احد انّه في الجنّة فان في حبّ اهلِ بيتي عشرين خصْلةً عشر منها في الدنيا و عشر في الٰاخرة امّا في الدنيا فالزهد و الحرص علي العمل و الورع في الدين و الرغبة في العبادة و التوبة قبل الموت و النشاط في قيام الليل و اليأس مما في ايدي الناس و الحفظ لامر اللّه و نهيه عز و جل و التاسعة بغض الدنيا و العاشرة السخاۤء و امّا في الٰاخرة فلاينشر له ديوان و لاينصب [ص 146] له ميزان و يعطي كتابه بيمينه و يكتب له براۤءة من النار و يبيض وجهه و يكسي من حلل الجنة و يشفع في مائة من اهل بيته و ينظر اللّه عز و جل اليه بالرحمة و يتوّج من تيجان الجنة و العاشرة يدخل الجنة بغير حساب فطوبٰي لمحبّي اهل بيتي ه ، فان قوله صلي اللّه عليه و آله فان في حب اهل بيتي ظاهره انّ هذه العشرين الخصلة لازمة لحبّ اهل بيتي الّا ان الاخبار الكثيرة صريحة في تحقّق الحب مع الكباۤئر كشرب الخمر كما في قصّة اسمعيل الحميري و غيره و حديث الصادق عليه السلام لمّا سُئل عن محب علي (ع) و انه يدخل الجنّة قال له الساۤئل و ان زني و ان سرق و كان في المجلس عبدالملك بن الفضل البقباق فسكت عليه السلام فلمّا رأي غفلةً من عبدالملك قال للساۤئل اخفاءً بحيث لايسمع عبدالملك و ان زني و ان سرق و غير ذلك من الاحاديث التي لاتحصي و مقتضي الجمع بينها حمل هذه العشرين خصلةً علي الحب الكامل و يحتمل انه صلي اللّه عليه و آله اراد انّ حبّهم داع الي هذه الخصال او سبباً ( سبب ظ ) للتوفيق لها او موجباً ( موجب ظ ) لثوابها و ان لمتوجد من المحب و ليس بعزيز علي اللّه سبحانه ان يوجب لمحب علي عليه السلام درجة تلك الخصال و ان لمتكن فيه كما دلّت عليه رواياتهم اَوْ انّ المراد بالخصال العشر معانيها الباطنة غير الظاهرة كما دلّت عليه احاديثهم ايضاً و انما يذكر ظاهرَها ليكون ادْعي للطاعات و معانيها الباطنة ان المراد بالزهد الّايكون بما عنده اوثق به مما عند اللّه كما قال الصادق عليه السلام في تفسير الزهد او المراد بالزهد في الدنيا ترك ولاية الاول كما قال الصادق عليه السلام في قوله تعالي بل تؤثرون الحيوة الدنيا هي ولاية الاول و الٰاخرة خير و ابقي هي ولاية علي بن ابيطالب عليه السلام و باقي الخصال العشر علي ما يقرب من هذا المعني و انا اُلَوِّحُ لَكَ في بيانِ هٰذا و غيره ان الدنيا المذمومة في الباطن [ص 147] حيثما تطلق يراد بها تلك السلطنة الاولي و الٰاخرة يُرَادُ بهَا الولاية الثانية و السَّيِّئة يُرٰاد بها حُبّ الاولي و الحسنة حبّ الثانية وَ كذلك النّار و الجنَّة و الموالاة حقيقةً هي المحبّة من جهة الاصالة و المتابعة و امتثال الامر و النهي و التسليم و الانقياد و الرّدّ متشعّبةٌ عليها و متفرّعة منها فافهم .
قال عليه السلام : و بموالاتكم تمّت الكلمة و عظمت النعمة و ائتلفت الفرقة .
قال الشارح المجلسي رحمه اللّه و بموالاتكم تمّت الكلمة اي كلمة التوحيد كما قال اللّه تعالي لا اله الّا اللّه حصني مَن دخل حصني اَمِنَ عذابي فلمّا نقل ابوالحسن علي بن موسي الرضا عليه السلام الخبر قال و لٰكن بشروطها و انا من شروطِها او كلمة الاسلام الاسلام اعني الكلِمتَيْن او الاسلام و الايمان تجوّزاً و عظمت النعمة كما قال تعالي اليوم اكملتُ لكم دينكم و اتممتُ عليكم نعمتي و رضيتُ لكم الاسلام ديناً ، و ائتلفت الفرقة فان المؤمنين كنفسٍ واحدةٍ سيّما الصلحاۤء منهم انتهي .
و قال السيد نعمتاللّه الجزاۤئري (ره) في شرح التهذيب تمت الكلمة اي كلمة التوحيد و الايمان لان اعظم اركانه الولاية و قال الرضا عليه السلام في حديثه لعلماۤء نيشابور و كانوا من اهل الخلاف فالتمسوا منه عند خروجه منها ان يحدّثهم حديثاً واحداً فقال اكتبوا حدّثني ابي موسي بن جعفر عن جدي الصادق عليه السلام عن ابيه باقر العلوم عن ابيه سيدالساجدين عن ابيه شهيد كربلاۤء عن ابيه اميرالمؤمنين علي بن ابيطالبٍ عن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله عن جبريل عن ميكاۤئيل عن اسرافيل عن اللوح عن القلم عن اللّه عز و جل انه قال لا اله الّا اللّه حصني مَن دخله اَمِنَ مِن عذابي فقالوا حسبنا يا ابن رسول اللّه فلمّا رجعوا قال لهم لكن بشروطها و انا من شروطها و قد نقل ان بعض السلاطين امر بكتابة هذا [ص 148] السند بماۤء الذهب و انه كان يعالج به المصروعين كان يكتب في اناۤء و يمزج بما يشربه المصروع و العليل فيبرئ و الي الٰان هذا حاله و ائتلفت الفرقة فان العرب قبل الاسلام كانوا متفرقين في الاهواۤء و كان من عاداتهم الغارات و نهب اموال بعضهم بعضاً و القتل بينهم فلمّا جاۤء الاسلام جمعهم علي الدين و هدَرَ كلّ دمٍ قبل الاسلام فصاروا ببركته اخواناً بعد ان كانوا اعداۤءً انتهي .
اقول قوله عليه السلام بموالاتكم تمّت يُراد منه انّ الكلمة سواۤء يراد بها كلمة التوحيد التي يراد منها لا اله الّا اللّه ام كلمة الاسلام التي هي لا اله الّا اللّه محمد رسول اللّه ام مع عليّ ولي اللّه من دون بصيرة ام بدون العمل ام كلمة الايمان التي هي لا اله الّا اللّه محمد رسول اللّه (ص) ام مع علي ولي اللّه مع البصيرة ام مع العَملِ ام الدين مطلقاً انّما تتم بموالاتكم اي محبّتِكم و اتّباعكم في الاعتقادات و الاعمال و الاَقْوال و امتثال اَوَامِركم و نواهيكم و الاقتداۤء و الائتمام بكم و الاخذ عنكم و التفويض اليكم و التسليم لكم و الردّ اليكم و الاتّكال علي ولايتكم و الاعتقاد بان الاعمال لاتنفع و لاتقبل الّا بولايتكم و محبَّتِكم و التّمام المذكور يجوز ان يراد به الاشتراط كما قال الرضا عليه السلام بشروطها و انا من شروطها علي ارادة الاشتراط الاصطلاحي او الاعم فَيُراد به الجزئيّة كما ورد عنهم عليهم السلام انهم اركان الدّين و اركان التّوحيد و اركان الاسلام و غير ذلكَ و يجوز ان يُراد به الكمال فتتحقّق بدونها كما يُظَنّ و يتوهّم في الامم السّابِقة و علي الاشتراط المشار اليه هل هي شرط ماديّ ام شرطٌ صوري ام فيهما معاً و كذا علي الجزئيّة و علي ارادة الكمال كذلك و الّذي تشهد له آثارُهُم و تقبله العقول المستنيرة بنورهم انّ الاحتمالات التسعة كلّها صحيحة و كلّها قد مرّ ذكرُها في هذا [ص 149] الشرح فمن تَرصَّدها وجدَها فانّ القول الّذي تحقّقَتْ به الكلمة انّما اظهره اللّه فيهم و اجريٰهُ عليهم و اوصل ظلّ ذلك الي مَنْ شاۤءَ بهم و ما دلّ عليه من المعاني فمن انوارهم خلقَها تعالي و بقبولهم اقامها و بفاضل تأديتهم اوصلها الي مَن استحقّها و ما اوجده سبحانه بعمل قابلها من نورها فبدعاۤئهم و اعانتهم باستغفارهم و تحمّلهم تقصيرات قابليها المانعة من قبولها و بهم كتب في قلوب قابليها "٢" الايمان بها و ايّدهم "-٢" بوجهٍ من الروح التي هي منه اي من فعله و مشيته التي جعلها عندهم صَلّي اللّهُ عليهم و ايضاً بموالاتكم عظمت النعمة اي نعمة الدين الّتي هي سعادة الدنيا و الٰاخرة اذ بقبولها في الاظلة طابت مواليدهم في هذه الدّنيا يعني مواليد شيعتهم بما طهّرهم به من موجبات الكفر و النفاق في مطاعم آباۤئهم و امّهاتهم من تناول ما حرّم اللّه سبحانه و مناكحهم و ملابسهم و ذلك انه اذا علم اللّه سبحانه ان الشخص من شيعتهم امر عز و جل ملاۤئكة يذودون ابوَيْه عن تناول ما نهي عنه من كل شئ يكون سبباً في خبث الطينة حتي يتولّد ذلك المولود مما يحبّ سبحانه فيكون بطيب مولده يقبل ولايتهم و محبّتهم و يهوي فؤادهُ اليهم فيميل بطينته الي الاقتداۤء بهم و التسليم لهم و الردّ اليهم و الاخذ عنهم و يدين اللّه بطاعتهم و التّفويض اليهم في كلّ ما يراد منه مما يتعلّق بامر الدنيا و الدّين و حبهم علامة طيب الولادة و في المحاسن بسنده الي الصادق عليه السلام عن آباۤئه عليهم السلام عن علي صلوات اللّه عليه قال قال النبيّ صلي اللّهُ عليه و آلِهٖ يا اباذرّ مَن احبّنا اهل البيت فليحمدِ اللّه علي اوّل النعم قال يا رسول اللّه و ما اوّل النعم قال طيب الولادة انّه لايحبُّنا اهل البيْت الّا مَن طاب مولده و روي ابنادريس عن السّكوني قال قال ابوعبداللّه عليه السلام لايحبُّنا من العرب و العجم و غيرهم من الناس الّا اهل البُيُوتاتِ و الشرف و المعادن و الحسب الصحيح [ص 150] و لايبغضنا من هؤلاۤء و هؤلاۤء الّا كلّ دنسٍ مُلْصقاً ه ، فلمّا طابت ولادتهم بما يَسّر لهم سبحانه و تعالي من مقتضيات طيب الولادة لان علمه تعالي اولي بحقيقة التصديق احبّوهم بجعل اللّه كما في قوله تعالي و جعل افئدة من الناس تهوي اليهم و الناس هنا شيعتهم و جري هذا الجعل علي قبول تلك المقتضيات و اقتضت تلك الطينة الّتي اقتضت حبّهم تَصْديقهم و القبول منهم و الايتمام بهم و التّسليم لهم و الرّدّ اليهم و الانقياد لهم و الاعتراف بواجب حقّهم و طاعتهم بقلوبهم و السِنتهم و جوارحهم و العقد علي ولايتهم و موالاة وليّهم و البراۤءة من اعداۤئهم و اولياۤء اعداۤئهم في الدنيا و الٰاخرة بحيث صبروا في تحمّل ذلك علي شدّة الفقر و ضيق الدهر و كثرة الاعداۤء و شدايد لاتحصي و لايزيدهم ما يصيبهم من تلك البلايا الّا ثباتاً في حبّهم و اطمئناناً بولايتهم و استقامةً علي دينهم و كلّ هذه الخيرات انّما نالوها بموالاتهم صلي اللّه عليهم فلهذا قال عليه السلام و عظمت النعمةُ يعني علينا بموالاتكم و النعمة الاسلام الّذي ما عليه الّا هم و شيعتهم لان اساسَ الاسلام حبّهم ففي امالي الطوسي بسنده الي جابر عن ابيجعفر عن آباۤئه عليهم السلام قال لمّا قضي رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله مناسكه من حجة الوداع ركب راحلته و انشأ يقول لايدخل الجنّة الّا من كان مسلماً فقام اليه ابوذر الغفاري رحمه اللّهُ تباركَ و تعالي فقال يا رسول اللّه و ما الاسلام فقال عليه السلام الاسلام عُريان و لباسه التقوي و زينته الحياۤء و مِلاكُه الورع و كماله الدين و ثمرتُه العمل و لكل شَئ اساسٌ و اساس الاسلام حبُّنا اهل البيت و في المحاسن بسنده الي ابيعبداللّه عليه السلام قال لكل شئ اساس و اساس الاسلام حبُّنا ه ، و النّعمة هي العقبة الّتي اقتحمها بحبّهم و ولايتهم و البراۤءة من اعداۤئهم و في اعلام الدين للديلمي مما نقله من كتاب فرج الكرب عن ابيعبداللّه [ص 151] عليه السلام في قوله تعالي فلااقتحم العقبة فقال مَن انتحل ولايتنا فقد جَاز العَقبة فنحن تلك العقبة التي من اقتحمها نجا ثم قال مهلاً افيدك حرفاً هو خير لك من الدنيا و ما فيها قوله فَكُّ رقبةٍ ان اللّه تعالي فَكَّ رقابكم من النار بولايتِنا اهل البيت و انتم صفوة اللّه و لو انّ الرجل منكم يأتي بذنوبٍ مثل رملِ عالج لشفَعْنا فيه عند اللّه تعالي فلكم البشري في الحيوة الدنيا و في الٰاخرة لا تبديل لكلمات اللّهِ ذلكَ هو الفوز العظيم ه ، و النعمة هم عليهم السلام التي انعم اللّه سبحانه علي محبّيهم بل علي جميع الخلق فكفر بها كلّ الخلق الّا شيعتهم و محبيهم من الانس و الجن و الملاۤئكة و الحيوانات و النبات و المعادن و الجمادات و في قوله تعالي المتر الي الذين بدّلوا نعمة اللّهِ كفراً ، في تفسير علي بن ابراهيم عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال ما بال اقوام غيّروا سنة رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و عدلوا عن وصيّه لايتخوفون ان ينزل بهم العذاب ثم تلا هذه الٰاية ثم قال نحن النعمة التي انعم اللّه بها علي عباده و بنا يفوز مَن فاز يوم القيمة ه ، و في القُمّي في قوله تعالي فبأَي آلاۤءِ ربّكما تكذبان قال ابوعبداللّه عليه السلام في هذه الٰاية حين سئل عنه قال اللّه تعالي فبأَي النعمتَيْنِ تكفران بمحمد ام بعلي و في الكافي مرفوعاً عنه (ع) فيها أبالنبيّ (ص) ام بالوصيّ و فيه تلا ابوعبداللّه عليه السلام هذه الٰاية و اذكروا آلاۤء اللّه قال اتدري ما آلاۤء اللّه قلتُ لا قال هي اعظم نِعَم اللّه علي خلقه و هي ولايتنا ه ، اقول النعم الّتي اظهر اللّه سبحانه للامم الماضية و اجري عليهم آثارُهَا من الامطار و الاشجار و الثمار و الملابس و الصحة و الأمن و السمع و البصر و ساۤئر القوي الظاهرة و الباطنة مما يتعلق باحوال الدنيا و الٰاخرة و ما عرّفهم به من نفسه و ما اراد منهم بامره و نهيه مما فيه صلاحهم في الدارين و تبليغ [ص 152] السعادة و المراتب العالية في النّشأتين خصوصاً النّشأة الٰاخرة قد عرّفهم انبياۤءهم عليهم السلام عن اللّه تعالي ذلك و انّها آثار نعم اللّهِ و آثار رحمته و ان تلك النعمة العامّة و الرحمة الواسعة هي محمد و آله صلي اللّه عليه و عليهم اجمعين و ولايتهم و ان من اقام ولايتهم من طاعة اللّه سبحانه من تنزيهه و وصفه بما وصف نفسه و مِن الايمان به تعالي و كتبه و رسله و اليوم الٰاخر بان الايمان به امتثال اوامره و نواهيه و الايمان بكتبه تحمّل القيام بما فيها و الايمان برسله معرفة حقّهم و القيام بطاعتهم فيما امروا به و دعوا اليه و الايمان باليوم الٰاخر بالاستعداد له بالاعمال الصالحات علي ما امر اللّه تعالي و ذكّروهم اواۤئل النعم و اَواخِرها و لميعرّفوا احداً من رعاياهم اسباب ذلك الّا عَلي جهة الاِجْمال كما قيل ان الالواح التي نزلت فيها التورية علي موسي علي محمد و آله و عليه السلام تسعة الواح اخرج منها سبعة و اخفي لَوْحَيْن لميُطْلِعْ عليْهِمَا الّا اخاه هرون عليهما السلام لانّهما فيهما بيان الحقاۤئق و شرح العلل و الاسباب التي لايحتملُها اكثر الخلاۤئق و انما عرّفوهم من المراد من النعم ما يحتملون من آثارِها فقالوا لهم فاذكروا آلاۤء اللّه و لمّا كانت هذه الامة اصفي الامم و اعدلها امزجةً بيّنوا اهل العصمة عليهم السلام ان المراد منها نحنُ و ولايتنا و قوله عليه السلام اعظمُ نعم اللّهِ لايريد منه انّ هم و ولايتهم بعض نعم اللّه فيكون للّه نعم ليست ايّاهم و لا منهم و لا عنهم بل المراد انّهم و ولايتهم اعظم نعم اللّهِ عند اكثر من عرفهم فانّ اكثر من عرفهم انّما يعرفون انّ النعم غيرهم و غير ولايتهم و ان كانوا هم و ولايتهم باعتبارٍ اٰخر اعظمها و قد اشاروا للخصيصين من شيعتهم انّه ليس للّه علي خلقه نعمٌ غيرهم و غير ما منهم و عنهم و ما كُتِب في اللّوحين لموسي و هرون عليهما السلام انما هو بيان هذا و مثله . [ص 153] و امّا ما ذكر في آية فباي آلاۤء ربّكما تكذّبان فهو خطاب للاعرابيّين الانسيّ و الجنيّ بان المراد من الٰالاۤء هم و ولايتهم عليهم السلام و هما يعرفان المراد من الٰالاۤء معرفةَ التكليف و التمييز الموجب لقيام بما خُلِقا عليه من التمكين الّذي به هداية النَّجْدين و ذلك جهة اليمين منهما فلميعملا بمقتضي ما خُلِقَا عليه و لا ما ذكِّرا به من جهة الخلقة و الفطرة و عملا بمقتضي هويهما و ذلك جهة الشمال منهما حتي تغيّر خلق اللّهِ الاوّل ثمّ خلقهما اللّه سبحانه بفعلهما الخِلقة الثانية فاشار عز و جل الي الحالين فقال في كتابه لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم يعني بالفطرة و التمكين و هداية النجدين ثم رددناهُ اَسْفلَ سَافِلين يعني بفعلهما الذي غيّرا به خلق اللّه حتّي بَتَّكَا آذان الانعام فكانا يعرفان بالخلق الاول مَنِ الٰالاۤءُ وَ بالخلق الثاني يكذّبان و هذه المعرفة معرفة تفصيليّة و تكذيبهما تكذيبٌ تفصيلي لميصل الي هذين الحالين احد غيرهما من المكذبين من جميع الخلاۤئق من الاولين و الٰاخرين فكل جاحدٍ و ظالم و فاسق و ملحد و كافرٍ و مشركٍ و مجرم و غاوٍ و قاسط و منكرٍ و مستهزئ و سَاخِرٍ و متكبّر و مستنكف و حاسد و ضاۤلّ و ناكثٍ و عادلٍ و مارق و رجيم و غير ذلك فهو من اشياعهما و اتباعهما من الاوّلين و الٰاخرين منهما اخذ و لهما قلّد و ايّاهما عَبد و دعَا و لهذا حملا اثقالَهُما و اثقالاً مع اثقالِهِما فكان عليهما من العذاب ضعف عذاب جميع اهل النار و لانهما في صندوقين في جوف التنّين الاسود في الفلق و هي الطبقة الثالثة السفلي من جهنم التي هي اسفل النيران و اشدّها و في المعاني عن الصادق عليه السلام انه سئل عن الفلق فقال صدعٌ في النار فيه سبعونالف دار في كل دارٍ سبعونالف بيت في كل بيت سبعونالف اسود في جوف كل اسود سبعونالف جرّة سمٍّ لا بد لاهل النار ان يمرّوا عليها ه . [ص 154] اقول لا بد ان يمروا عليها و هو قوله تعالي و ان منكم الّا واردها كان علي ربّك حتماً مقضيّاً و هي قد عرضت عليها الخلاۤئق في التكليف و تعرض يوم القيمة فمن دخلها بالطاعة في الذر لميعرض عليها في القيمة بل ينجّيه اللّه تعالي منها ببركة محمد و آله صلي اللّه عليه و آله و ولايتهم و طاعتهم في الذر الاول و من لميدخلها في الذر الاول يعرض عليها في القيمة و تأخذه و هو حصّتها من المقاسمة حين قاسمها اميرالمؤمنين عليه السلام و امّا الخصيصون من شيعتهم فقد عرّفوهم ذلك بايمانهم بذلك و تصديقهم كانوا كاملين في ايمانهم لان اللّه عز و جل امتحن قلوبهم للتقوي لصدقهم في حبهم لنبيّه و آله صلي اللّه عليه و آله و ولايتهم لهم فاحتملوا معرفة ذلك و تحمّلوا مقتضاه من الاعمال و هم في الحقيقة هم الذين بموالاتهم عظمت عليهم النعمة ظاهراً و باطناً و قيمة كل امرءٍ منهم ما يُحْسنه .
و قوله عليه السلام : و ائتلفت الفرقة انّ من المراد به اي بعض ما يراد منه انّ الفرقة التي كانت في محبيهم لاختلافهم في الافهام و الانظار و في المطالب و في العلوم و في الاغراض و في مطالب الدنيا بل مطالب الٰاخرة فان منهم مَن مَيْله الي الصلوة اكثر منه الي الزكوة او الي الصيام و بالعكس و لذا اختلفت الروايات الواردة في الحثّ علي الاعمال بتَفْضٖيل عملٍ لٰاخر علي العمل الٰاخر و بالعكس لشخص غيره ائتلفَتْ بينهم بسياسة اولياۤئهم عليهم السلام حتّي انّهم يأتيهم المتّقي من شيعتهم يعتب علي المتهتّك منهم فيقول له ساۤئسُه و راعيه و امامه صلوات اللّه عليه ان لميقبل منهم حتّي يكونوا مثلكم لايقبل منكم حتي تكونوا مثلنا و في كنز الكراجكي لمحمد بن علي بن عثمن الكراجكي بسنده الي زيد بن يونس الشحّام قال قلت لابيالحسن موسي عليه السلام الرجل من مواليكم [ص 155] عاصٍ يشرب الخمر و يرتكب الموبق من الذّنب نتبرّأُ منه قال تبرّؤا من فعله و لاتتبرّؤا من خيره و ابغِضُوا عمله فقلتُ يسع لنا ان نقول فاسق فاجر فقال لا الفاسق الفاجر الكافر الجاحد لنا و لأولياۤئنا ابي اللّهُ ان يكون وليُّنا فاسقاً فاجراً و ان عمِل ما عمل و لٰكنّكم قولوا فاسق العمل فاجر العمل مؤمن النفس خبيث الفعل طيّب الروح و البدن لا واللّهِ لايخرجُ وليّنا من الدنيا الّا و اللّهُ و رسوله و نحنُ عنه راضون يحشره اللّه علي ما فيه من الذنوب مبيضّاً وجهه مستورة عورته آمنةً روعَتُه لا خوف عليه و لا حزن و ذلك انه لايخرج من الدنيا حتي يصفّي من الذنوب امّا بمصيبة في مالٍ او نفسٍ او ولدٍ او مرضٍ و ادني ما يصنع بوليّنا ان يُريَه اللّه رؤياً مهولةً فيصبح حزيناً لما رءاه فيكون ذلك كفارةً له او خوفاً يرد عليه من اهل دولة الباطل او يشدّد عليه عند الموت فيلقي اللّه عز و جل طاهراً من الذنوب آمنةً روعته بمحمد و اميرالمؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليهما و آلهما ثم يكون اَمامَهُ احد الامرين رحمة اللّه الواسعة التي هي اوسع من اهل الارض جميعاً او شفاعة محمد و اميرالمؤمنين عليهما السلام فعندها لقيهُ رحمة اللّه الواسعة التي كان احقّ بها و اهلها و له احسانها و فضلُها ه ، و امثال هذا الخبر في قبول المحبّين لهم علي ما هم عليه من المعاصي كثيرةٌ لاتكاد تحصر ممّا يدلّ علي ائتِلافهم علي جامِع المحبّة مع اختلافهم في الطَّاعات و المعاصٖي و تناكرِهم لما بينهم من الذنوب الموجبة للفرقة التي لا ائتِلاف لها الّا انّ الائمّة عليهم السلام ارشدوا مواليهم علي جامعٍ يجمعهم فقالوا انّ هذا الاختلاف الذي ترونه بينكم النّاشي عن تقصيرات بعضِكم فانّما هو من جهة الافعال العارضة ليس من جهة الذات و الّا فالذات واحدة فلا تناكر بينكم الّا من جهة الاعمال و هي عارضة و ان الذي اقترف ذلك من محبّينا يبتليه اللّه بمكارِهَ تكون كفّارة لتلك الذنوب حتّي يلقي اللّه تعالي و اللّهُ [ص 156] و رسوله و نحن عنه راضُون فلاتُنْكِروا ذواتهم و نفوسهم و ان انكرتم افعالهم القبيحة فانّهم من جهة نفوسهم طاهرون زاكون فاذا سمِع المحبّ من امامه و مقتداه عليه السلام مثل هذا الكلام صفي قلبه علي محبّهم و ان كان عاصياً لانّه ينظر اليه من حيث وصف الامام عليه السلام لا من حيث افعاله القبيحة فتذهب عنه النفرة الّتي كان يجِدُها فتأتَلِفُ الفِرقة الّتي كانت مباينةً بينهم و ذلك العاصي انّما استحقّ هذا التعريف من صاحب الاعراف صلوات اللّه عليه لانه محبٌّ لهم و موالٍ لهم و لاولياۤئهم و مبغض لاعداۤئهم و لمن اتّبعهم و انّما هان كلّ ذنبٍ علي محبّهم لانّ حبّهم هو الدين كما تقدّم ذكره فكان هذا المحبّ قد اتي بعملٍ لايضرّ معه ذنبٌ و هو قوله صلي اللّه عليه و آله حبُّ عليّ حسنة لاتَضُرُّ معها سيّئة و بُغْض عليّ سيّئة لاتنفع معها حسنة و مثله قوله تعالي في الحديث القدسي المذكور في حديث عبداللّه بن مسعود من مناقب ابيالحسن محمد بن احمد بن علي بن الحسين بن شاذان و قيل ان الكتاب المذكور لجده علي و فيه عن عبداللّه بن مسعود قال قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله لمّا ان خلق اللّه آدم و نفخ فيه من روحه عطس آدم فقال الحمد للّه فاوحي اللّه تعالي اليه حمدتني و عزّتي و جلالي لولا عبدانِ اريد اَن اخلقهما في دار الدنيا ماخلقتُك يا آدمُ قال الهي فيكونان مني قال نعم يا آدم ارفع رأسك و انظر فرفع رأسه فاذا مكتوب علي العرش لا اله الّا اللّه محمد نبي الرحمة و عليّ مقيم الحجة مَن عرف حقّ عليّ زكي و طاب و من انكر حقّه لُعِن و خاب اقسمتُ بعزّتي اَن ادخل الجنّة مَن اطاعه و ان عصاني و اقسمتُ بعزّتي اَن اُدخِلَ النّار مَن عصاه و ان اطاعني ه ، و مثله قوله تعالي في القرءان من جاۤء بالحسنة فله خير منها و هم من فزع يومئذٍ آمِنون و من جاۤء بالسيّئة فكبّت وجوههم في النار هل يجزون الّا ما كانوا يعملون ، و في تفسير القمي [ص 157] قال الحسنة واللّهِ ولاية اميرالمؤمنين و السيئة واللّهِ اتّباع اعداۤئه و في الكافي عن الصادق عليه السلام عن ابيه عن اميرالمؤمنين عليه السلام في هذه الٰاية قال الحسنة معرفة الولاية و حبّنا اهل البيتِ (ع) و السيّئة انكار الولاية و بغضُنا اهلَ البيت ثم قرأ عليه السلام الٰاية ، و في روضة الواعظين عن الباقر عليه السلام في هذه الٰاية قال الحسنة ولاية علي عليه السلام و حبّه و السيّئة عداوته و بغضُه و لايرفع معهما عمل ه ، و في اصل سلام ابن عمرة عن ابيالجارود عن ابيعبداللّه الحذّاۤء قال قال لي اميرالمؤمنين عليه السلام يا اباعبداللّهِ الااخبرك بالحسنة التي مَن جاۤء بها امِنَ من فزع يوم القيمة و بالسيّئة التي من جاۤء بها كُبَّ علي وجهه في جهنم فقلتُ بلي يا اميرالمؤمنين قال الحسنة حبُّنا و السيّئة بغْضُنا اهل البيت ه ، و هذه الاخبار و ما شابهها تشعر بانّ حبّهم عليهم السلام حسنة لاتضرّ معها سيّئة و قد صرّح حديثُ عبداللّه بن مسعود بانّ اللّه تعالي اقسم بعزّته انه يدخل الجنّة مَنْ اطاع عليّاً و اِنْ عصاه و انّه يدخل النار مَن عصي علياً و ان اطاعه و في روايةٍ مَنْ اَحَبَّ عَليّاً و ان عصاني و اني ادخل النار مَن ابغضَ علِيّاً و اِنْ اَطاعَني و قد تقدّم هذا و فيه بيان ما يرد من الاشكال و الجواب عنه و الاشارة اليه انّ حبّ عليّ اصل الجنّة و علّتُها و بغضه اصل النار و علّتُها و لهذا كان عليٌّ قسيم الجنّة لانها خلقت من حبّه و قسيم النار لانها خلقت من بغضه فاذا ثبت هذان الاصلان كان كل ما سواهما من الطاعة و المعصية فروع عليهما و قد علم بالدَّليل الوجداني و العقلي و النّقلي انّ الاصل اذا تحقّق و ثبت لاينفيه فساد الفرع و ان كان يلحقه بذهاب الفرع ضعف و اختلال و كذا علي روايةِ عبداللّه بن مسعود فانَّ طاعة عليّ انما تتحقّق بطاعة اللّه سبحانه في الظاهر و الباطن لانّ اللّه تعالي انّما دعا الي طاعة محمد [ص 158] و علي و آلهما صَلَّي اللّهُ عليهما و آلِهمٰا لِانّه تعالي انّما اَرادَ اَنْ يُطَاعَ لِيُطَاعُوا فهم العلّة الغائيّة في كُلِّ ما يتعلّق بالامكانِ و انّما امر بطاعته لتتحقّق الطاعة لهم لانّ الطاعة انّما تكون طاعةً في نفسها اذا كانت له تعالي فلو وقعت لغيره لا لَهُ كانت معصية و شِرْكاً فامرَ بطاعته لتتحقّق الطّاعة لهم ثم انّ طاعته التي ارادَها من عبادهٖ شكراً لنعمة الايجادِ و اِفاضةِ النّعم التي لاتحصي انّما ارادَها لهم بمعني انه اراد تعالي اَن يُطاعَ بواسطة طاعتهم فامر اَنْ يُطَاعَ بالطَّاعةِ لهم و العلّةُ في ذلك انّه تعالي غني مطلق عن كلّ شئ فاحبَّ اَنْ يتفضّل و يتكرّم و المحبة و الفضل و الكرم امورٌ محدثة منسوبة الي فعله و ما ينسَبُ منها الي ذاتِهٖ فهو ذاته بلا مغايرة و لا سبيل الي ذلك بشئ من احوال الحوادث من معرفةٍ و احاطةٍ و طلبٍ و نسبةٍ و عِلِّيَّةٍ و معلوليّة و غير ذلك فلا كلامَ فيما ينسَبُ الي الذات تعالي بحالٍ من الاحوال و امّا ما وجدتَ و سمِعْتَ و فهمتَ و عَقَلْتَ و توهمّتَ و تصوّرْتَ و عنَيْتَ و وصفتَ و مثَّلْتَ فامور حادثة بفعله و كلّ من ذلك لا بدّ في ايجاده من عِلَلٍ اربع احدها العِلّة الغاۤئيّة و هم صلّي اللّهُ عَلَيْهم تلك العلة الغاۤئيّة و من تلك الاُمُورِ الطاعَةُ الّتي ارادَها مِنْ خلقِهٖ فانّما اَرادَها لهم هذا فيما لهم بالاصالة و بواسطةِ رَعَايَاهم و اَمَّا ما كانَ للرَّعايَا فلميرضَه و لميقبله و لميُجِزْهُ اِلَّا بواسِطَتِهمْ لِانّه تعالي لميَخْلُقْ كُلَّ ما سِوَاهُمْ عليهم السلام الّا بِوَاسِطَتِهِمْ و لِاجْلِهم و لِيَنْتَفِعُوا بِهمْ كما قَالَ سُبْحَانَهُ و مِنْ اَصْوَافِها و اَوْبارِها و اَشْعَارِهَا اَثاثاً و مَتاعاً اِلي حينٍ فاذا عرفتَ ما اشرنا اليه عرفتَ انّ طاعتهم هي طاعة اللّهِ تعالي الاَصْليّة لانَّ اللّهَ عزّ و جلّ لميرد من خلقِهٖ طاعةً الّا مُتَفرِّعةً علي طاعته الاصليّة فانّه تعالي امر الخلق بطاعتهم اَوّلاً ثم امر الخلق باَنْ يعرفوه بهم و يوحّدوه بهم و يؤمنوا به و بملاۤئكته و كتبه و رسله و اليوم الٰاخر بهم و بطاعَتِهم و يَمْتَثِلُوا [ص 159] اوامره و نواهيه بهم و يعبدوه بهم و يتقرّبوا الَيْه بهم و لميَجْعَلْ طَرٖيقاً الي رضاهُ و محبّتهٖ غيرهم لان الخلق اذا اطاعوهم فقد اطاعوا اللّهَ لان اللّه تعالي امرهم بطاعَتهم و اِنْ عَصَوُا اللّهَ لِانّهم اذا اطاعوهم و عصَوُا اللّهَ فقد اَطَاعُوا اللّهَ في اَعْظمِ مَطالبِهٖ منهم و اَكْبرِهَا و اشرفها و اَحبِّها و اذا عصَوهُ فيما سِوي ذلِك فاِنّما عَصَوْهُ فيما هُوَ فرْعٌ و مُكَمِّلٌ فيما اَطاعُوهُ فيه و كَذٰلك حكم معصيتهٖ مع طاعَةِ اللّه حَرْفاً بحَرْفٍ فافهم فلمّا جمعتهم محبّتهم عليهم السلام التي هي الاصل لمتؤثّر في هذا الائتِلاف فِرْقَتُهُمْ بسبب تناكر الذنوب لضعف الموجب حينئذٍ للفرقة و هُونِ دواعيها و كلّ ذلك بموالاتهم و محبتهم عليهم السلام .