و قوله عليه السلام : و اجلّ خطركم قد تقدم بيان هذا في بيان قوله عليه السلام الّا عرّفهم جلالة امركم و عظم خطركم و كِبَرَ شأنكم بما يناسب هذا الترتيب فذكر هناك العظم للخطر و الكبر للشأن و الجلالة للامر و هنا ذكر العظم للشأن و الجلالة للخطر و يفهم من الموضعين اتّحاد العظم و الجلالة و الكبر و اتحاد الشأن و الامر و الخطَر و المعني في اللغة في الموضِعَيْن متّحد او متقارب و الاتّحاد الظاهر من الموضعين [ص 84] امّا بِاعْتبارِ ما تَعْرِفُه اَهْلُ اللُّغَةِ اَوْ بِاعتبارِ استعمال واحدٍ في شئ حقيقةً و في غيره مَجَازاً و لايُستنكَر لتقارُبها ففي اللّغة الشأن الامر و الحال و فيها الامر بفتح الهمزة و سكون الميم بمعني الشأن و الحال و فيها الخطر القدر و العظمة و المنزلة و فيها اكبر اي اعظم قال تعالي اكابر مجرميها يعني عظماۤء فلمّا رأينه اكبرنه اي استعظمنه و فيها الجلال العظمة و الحال انّ المعني بحسب اللغة متقارب و في النهاية و من اسماۤء اللّه تعالي ذو الجلال و الاكرام الجليل و هو الموصوف بنعوت الجلال و الحاوي جميعها هو الجليل المطلق و هو راجع الي كمال الصفات كما ان الكبير راجع الي كمال الذات و الصفات و العظيم راجع الي كمال الذات انتهي ، و امّا اهل العرفان و اهل التصوّف ففرقوا بين الجلال و العظمة و الكبرياۤء فجعل بعضهم الجلال صفة الذات و الجمال صفة الجلال و بعضهم عكس و مرادهم انّ العظمة و الجمال صفة للجلال لان الجلال التقدس و العزّة و العلوّ و العظمة صفته و من عكس جعل الجلال صفةً للعظمة فجعل التقدّس و العزة و العلوّ الصفة و بعضهم جعل الجلال من صفات القهر و الجبروت و المفهوم من ظاهر الاخبار و الادعية مساواة العظمة للجلالِ مثل قوله عليه السلام في دعاۤء يوم الاحد من مصباح المتهجد لَطُفتَ في عظمتِك دون العظماۤءِ فقوله لطُفتَ في عظمتك مشعِر بأن العظمة ضدّ اللُّطْفِ و قال عليه السلام بعد ذلك يا لطيف اللطفاۤء في اجلّ الجلالة فجعل الجلالة ضدّ اللّطف و ظاهر هذا اتّحاد العظمة و الجلالِ و انّما قلنا انه ظاهر لانه يمكن مطابقته لما في النهاية بان نقول اللطف يكون في الصّفاتِ و يكون في الذات فيكون قوله عليه السلام لطُفتَ في عظمتك يُرَادُ منه اللّطف في الذَّاتِ و قوله عليه السلام يا لطيفَ اللطفاۤء في اجلّ الجلالة يراد منه اللطف في الصفاتِ و وصفُ الكبرياۤء بالعظمة و العظمة بالكبرياۤء في قوله و الكبرياۤء العظيم الذي لايوصف و العظمةُ [ص 85] الكبيرة يشعر بالمغايرةِ و كذا الاضافة في قوله في جلالِ عظمتِك وَ كبرياۤئِكَ و المغايرة تُؤيِّدُ الفَرْقَ .
بقي الكلام في هذا الفرق الذي ذكره ابنالاثير و غيره هل هو الفرق المذكور في الاخبار و الادعية ام الفرق غير ما ذكره اهل اللغة و الذي فهمتُ بعد ثبوت ان جميع الصّفات كلّها راجعةٌ الي الافعال و معاني الافعال لانّ الذات صفاتها عينها فلا تعدّد و لا مغايرة و لهذا يكون معناها واحداً فهو تعالي يسمع بما يبصر به و يبصر بما يعلم به فحياته عين قدرته و سمعه و بصره و هكذا لان المراد بمعني هذه الالفاظ هو الذّات فلا تغاير فيها باعتبار و لا حيث لا في نفس الامر و لا في الفرض انّ الكبرياۤء ابعد من العظمة و الجلال بالنسبة الي المبدء لانها صفة ظاهرها عالم الْمُلْكِ مِنْ ذَواتِهٖ و صِفاته و لهذا ورد وصفُها بالعرض كما في الدعاۤء عريض الكبرياۤء و العرض من صفات الاَجْسَام و مَبَادي الاَجْسَام و لايقال عريض العَظَمة او الجلال و امّا الجلال فَاِنْ اُرٖيدَ منه مَعْنَي العزِّة كانَ رَاجعاً الي كمال الذّات و كان اخصّ من العظمة لانّ العظمة راجعة الي صفات الاضافة و العزة راجعة الي صفات القدس و ان اريد منه معني العظم ضدّ القلّة و الحقارة و الصّغر كان رَاجِعاً الي كمال الصفات كما في النّهاية و اِنْ امكنَ رجوعه الي كمال الذات بتكلّفِ معني العَظَمة و امّا العَظمةُ فراجعةٌ الي كمال الذّات و كمال الصفات فورد ما معناه كان عظيماً قبْلَ عَظَمتِهٖ و هذه العظمة المسبوقة يُرَادُ منها ما يرجع الي الصفات الفعليّة لانه سبحانه كما قال اميرالمؤمنين صلوات اللّهِ عليه لميسبق له حال حالاً فيكون اوّلاً قبل ان يكون آخراً و يكون ظاهراً قبل ان يكون باطناً ه ، فقوله عليه السلام و اجلَّ خطرَكم معناه متفرّع علي ما يراد من الجَلالة فان شئتَ قلت معناه ما اعظم قدركم او ما اكبر قدركم او ما اعزّ قدركم .
[ص 86] و قوله عليه السلام : و اوفي عهدكم اي ما اوفي عهدكم الّذٖي عاهدتم عليه اللّه حين خلقكم له بقوله تعالي الستُ بربّكم اي الماخلقكم لي لا لغيري و لا لِانفسكم او الستُ خلقتكم لي وحدي اوْ اخلقُكم لي قالوا بلَي بوجوداتهم و عقولهم و ارواحهم و نفوسهم و طباۤئعهم و اشباحهم و اجسامهم و اجسادهم و جواهرهم و اعراضهم و اعمالهم و اقوالهم و احوالهم اي عاهَدْناك بِكلِّ جهَاتِنا عَلَي اجابَتِكَ الَي ما اَرَدْتَ منّا فاِنّا لَكَ و انّا اليكَ راجعون فكانوا له كما ارادَ مِنْهم فصحّ علي الحقيقة ما اوفي عهدكم لانّ كل واحدٍ من مشاعرهم و كل واحدٍ من ظاهرهم و باطنهم من غيبهم و من شهادتهم من الحواس الخمس و اعضاۤئهم من اجسامهم و من احوالهم عاهد اللّهَ سبحانه علي ما اراد منه و خلقه لاجله وَفَي للّهِ تعالي علي اكمل وَجْهٍ يراد منه فلذلك قال عليه السلام علي الحقيقة فما اوفي عهدكم هذا فيما عاهدوا اللّه عليه و مثله فيما عاهدوا عليه رعيّتهم لمن وفي لهم بالولاية لانهم اذا وعدوا علي اللّهِ تعالي انْجَزَ لهم و لايردّهم و لايكون ذلك لغيرهم من الخلق فمن اوفَي بعهده منهم بعدَ اللّهِ سبحانه و هذا ظاهرٌ و في بعض نسخ الزيارة و اصدق وعدكم و علي هذه النسخة يكون قوله عليه السلام فما اوفي عهدكم خاۤصّاً بالعهد الظاهر و في الباطن كالاجابة في قوله تعالي قالوا بلي و كذا في ايّاك نعبد و ايّاك نستعين و امثاله لانّ اجابة دعاۤءِ اللّه سبحانه عهد لا وَعْدٌ لانه تعالي يطلب حقه علي جهة الحتم و يؤكّد الدعوة بالميثاق الغليظ فلذا قلنا انه عهد باطن لانه لميكن فيه لفظ العهدِ و يكون ما تبرّع به المكلف او نُدِبَ اليه و لميوجبه عليه كساۤئر النوافل هو الوعد نعم لو تبرّعَ به و الزم نفسه به فانّه من العهد كما قال تعالي و رهبانيّة ابتدعوها ماكتبناها عليهم الا ابتغاۤء رضوان اللّه فمارعوها حق رعايَتِها الٰاية ، و [ص 87] الوعد علي المشهور الصحيح ليس بواجب و ما ورد فيه ممّا ظاهره الوجوب لوجود لفظ الوجوب فيه فمحمول علي معناه اللغوي اي الثبوت او الوجوب المعتبر في الكمال بمعني عدم تحقّق كمال الايمان بدونه كما مدح اللّه تعالي به اسمعيل بن حزقيل في قوله تعالي انه كان صادق الوَعْدِ ، و امّا علي عدم اعتبار هذه النسخة فيكون قولُه فما اَوْفَي عَهْدَكُمْ شاملاً للعهد و للوَعْدِ وَ اِنْ اُرٖيدَ بالعهد الخاۤصِّ الوجوب و الوعد عدمُ الوُجوب لِعدم المنافاةِ بَيْنَ ارادةِ معنيين مختلفَيْنِ بلفظٍ واحدٍ علي الاصح لانّ هذه الارادة متضمّنة لارادتين لكلٍّ ارادةٌ يُعْلَمْ ذلك بقرينة وضع اللّفظ للمعنَيَيْن او صلوحه لهما بالحقيقة و المجاز فاذا ورد هذا اللّفظ الذي هذه حالُه و لميدلّ دليل علي ارادةِ احدهما فيتعيّن او نفيه فيتعيّن الٰاخر دَلَّ علي ارادتهما معاً فان كانا حقيقيّين و تنافيا ففي وقتِ الحاجة يجب علي الٰامِر اَنْ يعيّن احدهما و في غير وقت الحاجة لا محذور فيه و الفاۤئدة فيه تهيّؤ المكلّف للامتثال بما يُعَيَّن عليه عند الحاجة و لا بدّ اَن يعيّن الحكيم علي المكلّف و لو فرض وقت الحاجة و عدم التعيين فلا مَناص عن القول بالتخيير اذا لميحتمل عدم التكليف لانّ الناس في سعةٍ ما لميعلموا و التخيير من وجوه العلم و احتمال عدم التّكليف مع وُرود ما يدلّ علي التكليف ليس الّا بدليل صارفٍ و يقع بينهما التّرجيح حينئذٍ و ان كان حقيقةً و مجازاً و لميكن صارف عن الحقيقة تعيّن الحقيقة و ان حصل التّكافؤ للقراۤئن و الامارات فلا مانع من ارادتهما مثل قوله تعالي و لاتنكحوا ما نكح آباۤؤكم علي جعل النكاح حقيقةً في الوطي مجازاً في النكاح او بالعكس و امّا علي القول بانه حقيقة فيهما معاً فمن الاوّل و الحاصل انّ الوَعْد ملحوظٌ فيما نحن فيه لانهم صلي اللّه عليهم اولي بصدق الوعد من جميع مَن سواهم فان صحّت النسخة و الّا فهو مرادٌ من العَهْدِ و لاينافيه [ص 88] انّ الوعد يخبر عنه بالصدق و العهد بالوفي لان الوفي و الصدق يصدق احدهما علي الٰاخر في المعني و هذا ظاهرٌ .
قال عليه السلام : كلامُكم نور و امركم رشد و وصيّتكم التقوي و فعلكم الخير و عادتكم الاحسان و سجيّتكم الكرم .
قال الشارح المجلسي كلامُكم نورٌ علم و هداية من اللّه تعالي و الرشد الهداية و الخير و السّجيّة الطبيعة انتهي .
اقول من كون كلامهم عليهم السلام نوراً انه هداية لمَنْ طلب الهداية و دليلٌ لمن اراد الاستدلال لان النور هو الدليل و البرهان الذي به تثبت حقيقة الشّئ كما قيل انّ القرءان نورٌ لانه الدليل علي كلّ ثابت و البرهان علي حقّيةِ كُلِّ حقٍّ وَ بطلانِ كلّ باطلٍ و ذلِك لاَنّهم صلّي اللّهُ عليهم لايتكلّمون اِلَّا عن القرْءانِ لان اللّه عز و جل قال في كتابه في شأنِ جدِّهم نبيّه صلي اللّه عليه و آله و ماينطق عن الهوي ان هُو الّا وحيٌ يوحي فاخبر انه صلي اللّه عليه و آله ماينطق عن هوي نفسه و انما ينْطق بالوحي او عن الوحي و هم صلّي اللّه عليهم يحذون حذوه فلاينطقون الّا عن اللّه و رسوله صلي اللّه عليه و آله فكلامهم نورٌ اَيْ حقّ لايأتيه الباطل من بين يديه اي فيما اَخْبَرُوا به عمّا مضي و لا مِنْ خلفِهٖ فيما يُخْبرون به عمّا يأتي و كلامهم نور اي هداية و برهانٌ به يتحقّق المتحقِّق و يزهق الباطل و كلامهم نور تَسْتنٖيرُ به قلوبُ المسلّمين لهم القَابلين عنهم و النّور هو الظاهر في نفسِه المُظْهِر لغيره و كلامهم عليهم السلام هكذا ظاهر في نفسه اي بيّنُ التّحقّق و الحقيّة لعدم اختلافه من حيث معناه الَّذي يريدونه منه و عدم منافاة بعضِهٖ لبعضٍ مع اختلاف ظاهره لاجل مَصالح رعيّتهم فمن اخذ بكلّ كلامِهمْ و فهِمَ مرامَهُم بالتسليم لهم و الردّ اليهم بحيث يجعل فهمَهُ تابعاً لمرادهم [ص 89] من كلامهم وجدَهُ كلّه نوراً اي حقّاً و صواباً و اصابة للحقّ و الهداية و الرشاد و ما هو الّا كالقرءان لانه مثاله و منه اخذ مبنيّ علي معانيه و الفاظه و اشاراته و تلويحاته و جميع مأٰخذه و انحاۤئه و في حديث اميرالمؤمنين عليه السلام في تقسيم ما في ايدي الناس من الحديث قال عليه السلام و ان امر النبي صلي اللّه عليه و آله مثل القرءان ناسخ و منسوخ و عامّ و خاصّ و محكم و متشابه و قد كان يكون من رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله الكلام له وجهان كلام عام و كلام خاۤصّ مثل القرءان و قال اللّه عز و جل في كتابه ما آتيٰكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا فيشتبه علي من لميعرف و لميدرِ ما عني اللّه به و رسوله (ص) الحديث ، و الي ما ذكرنا الاشارة بقوله تعالي و يُحِقّ الحقَّ بكلماتِهٖ يعني اَنَّ كلماته تظهر الحَقَّ و تُبَيِّنُه لانّها نورٌ و النور هو الظاهر في نفسه المظهر لغيره فعلي الظّاهر الكلمات هي القرءان و ما انزل تعالي من الوحي علي رسله و اولياۤئه و لا شكّ انّ كلام محمد و اهل بيته صلّي اللّه عليه و آله منها اي من بعضها اَوْ اُخِذ منها و علي الباطن الكلمات هي محمد و آله صلي اللّه عليه و آله و علي هذا فالمظهر للحقّ اي الذي اظهر اللّه به الحق و احَقّهُ به هو وجودهم و ذواتهم و اعمالهم و اقوالهم و احوالهم و هذه الخمسة كلّها كلمات اللّهِ اما الاوّل و الثاني فهما كلام اللّه و يجوز ان يقال هما كلامهم باعتبار القابليّة كما مر سابقاً مراراً من ان المفعول هو فاعل فعل الفاعل كما اذا قلتُ لكَ اضرب فان اضرب فعل امرٍ و هو فعلي و امري و انت فاعله لانّك المأمور بالضرب ففاعل اضرب ضمير يعود اليك تقديره انت و لايعود اليّ فلايقال تقديره اَنَا و كذلك ما نحنُ فيه فانّ امرَهُ تعالي في ايجادك كن و فاعله ضميرك اي انت فهو سبحانه المكوِّن فمنهُ التكوين و ليس جزءاً من المفعول و منك التكوّن و هو جزؤك [ص 90] المعبّر عنه بالماهيّة و القابليّة لانّك مركب من شَيْئين من الوجود اي المقبول و هو اثر فعله تعالي لا فعله و من الماهيّة و هي القابل و هو فعلك فانت فاعلُ فعل فاعلِك و صانِعِك بمعني القابل الذي هو جزؤك و بذلك خلقهم و به اخْتلفوا و قد سبقت كلمته الحسني لمن استجاب له الاستجابةَ الحُسْنَي و امّا الثلاثة الاُخَر فهي كلامُ اللّهِ تعالي بهم عليهم السلام و كلامُهم باللّه سبحانه و كلّها نور بكلّ معني يرادُ منه و قد يستعمل بمعني القول الذي هو الفِعل و ذلك كما في قوله تعالي و وقع القول عليهم بما ظلموا اي العذاب و هو ممّا اشرنا اليه من الخمسة التي هي كلماتهم باعتبار فعلي هذا فكونه نوراً مطلقاً انّما هو علي ما قرّرنا مراراً من اَنّ فعل الثواب و النعيم بالفضل و العدلِ نورٌ لانّه حقّ و صوابٌ و رشدٌ وَ هِدَايةٌ و لِأَنَّهُ مُظْهِرٌ لما اقتضَتِ الحكمةُ الالهيّة اظهاره من الممكنات لكونه سبباً للتّكوين علي نحو الحكمة و مِنْ اَنَّ فعل العقاب و التّأليم بالعَدْلِ نورٌ لانَّه حقّ و صَوَابٌ لكونه جارياً علي مقتضي قوابل الاَشْياۤءِ و دَوَاعٖيها علي نحو قوله تعالي فمن يردِ اللّهُ اَن يهديَهُ يشرح صدرَهُ للاسلام و مَن يرد اَن يُضِلَّه يجعل صدرَهُ ضيّقاً حرجاً كأَنّما يصّعّد في السَّماۤء كذلك يجعل اللّه الرجسَ علي الّذٖينَ لايُؤْمنُونَ و هذا صراطُ ربّك مستقيماً يعني في شرحِه صدر مَن يريد هدايتَهُ للاسلام وَ جَعْلِ صدرِ مَن يريدُ اَنْ يُضِلَّهُ ضيّقاً حرجاً فانّ صراطه في فعلِه تعالي شرح الصدر للهداية و جعله ضَيّقاً حرجاً للضّلالة مستقيم اَيْ جارٍ علي اكمل وجهٍ يقتضيه العدل و الحق لا اعوجاج فيه بوجهٍ ما لانّه اعطي علي حسب السؤال و صنع علي مقتضي القبول منه تعالي فكلامهم صلي اللّه عليهم نورٌ اذا اريد منه الفعل علي هذا النحو و لايعني بالنور الّا هذا و نَحوُه .
[ص 91] و قوله عليه السلام : و امركم رُشْدٌ يراد منه انهم لايأمرون الّا بما فيه الهداية و الصلاح للمأمور في الدّنيا وَ الْآخرة و انّهم سلام اللّه عليهم يلاحظون فيه الترجيح لَوْ تعارضَ صلاح الدنيا و صلاح الدين كما هو شأن الطبيب الماهر العليم بالمعالجة و هذا شئ معلوم عند جميع المسلمين ظاهراً بل كان ذلك في هويّات جميع الخلاۤئق و طباۤئعهم تدركه افكارهم و تصوراتهم و ان جهل الاكثرون في التصديق و ذلك بانّ في الوجود الخارجي او الذهني علي اختلاف الانظار من الخلاۤئق مَنْ يكون هذا شأنه بمعني انّه لايأمر الّا بما فيه الصلاح او الاصلح لوْ تَعارَضَ الصلاحانِ و ان ذلك يكون منه عن علمٍ و بصيرة بالاصلح و عن قصدِ نصحٍ و عدم غشٍّ للرَّعيَّة و عدم مجازفةٍ في المعالجة بل علي نحو قوله تعالي و زنوا بالقسطاس المستقيم ، و لاتَبْخَسُوا النّاسَ اَشْياۤءَهُمْ و ذلك التّرجيح في الاصلح كثير فيما ورد عنهم عليهم السلام كمن استخار عند النبي صلي اللّه عليه و آله في السفر الي الشام للتجارة فاخبره بانّها نهي فخالف و مضي و اصاب مالاً كثيراً فلمّا رَجَع اخبر النّبيّ صَلّي اللّه عليه و آله فقال (ص) له لعلّك قد فاتَكَ واجبٌ فاخبر انّه فاتته صلوة العشاۤء فقال صلّي اللّه عليه و آله له ما معناه ما فاتك من خير الصلوة اعظم مما اصبتَ من المال و كما نهي الحجة عليه السلام عجّل اللّه فرجه علي بن محمد علّان عن الحج فخالف و مضي الي الحج فقُتِل و غير ذلك فان الاوّل رجّح فيه الدين و الثاني رجّح فيه النفس علي الدين و قد يكون بالعكس كما قال تعالي و الفتنَةُ اشدّ من القتل و لَيْس هذا مختصّاً بشئ دونَ شَئ بل جميع اَوامِرِهمْ و نواهيهم لانّها لمتكن من هوي اَنْفُسِهم و انّما تكون بمشيّة اللّهِ و ارادته و امره لانهم محاۤلّ مشيّة اللّهِ و اَلْسِنَةُ ارادته و حملةُ اَمْرِهٖ و نَهْيِه و التكاليف الالهيّة الّتي هي علّةُ [ص 92] ايجادات الموجودات كلّها معتبر فيها ما هو الاصلح علي نحو ما اَشرْنَا اليه و بذلك صَنَعَهُمْ و لذلِك خَلَقَهُمْ و به امرهم و الَيْه دَعاهم و هم عليهم السلام خزنةُ حُكمِه و اَمْرِهٖ و نَهْيه و هم لايسبقونَهُ بالقول و هم بامره يعملون .
و قوله عليه السلام : و وصيّتكم التّقوي يراد منه انّهم لايوصُونَ الّا بتقوي اللّه كما يفيده تقديم الوصيّة و المراد بالتّقوي تقوي اللّه فيما يتعلّق بمعرفته و صفاته و افعاله و عبادَته فدعوا الي توحيد اللّهِ سبحانه فقالوا انّه تعالي خلقَ كلَّ شَئٍ لَا مِنْ شئٍ يكونُ معَهُ لانّه سبحانه انّما هو الٰه واحد ليس معه شئ فكلّ شئٍ ممكن او موجود في نفس الامر اي في الخارج او الذهن او بالفرض و التقدير فهو مخلوق له تعالي لان كلّ ما يُسَمّي او يشار اليه او يتصوّر او يفرض وجوده او امكانه او يحتمل فهو شئ قد صنعه تعالي في مكانِ حدوده و وقتِ وُجودِهٖ مَاعدا وجهه الكريم و انّما استثنينا بناۤءً علي الظاهر المتعارف من انّه تعالي يسمي باسماۤئه و يفرض وجوده و يمكن بالامكان العام و في الحقيقة انّما الموجود آياته و مظاهره و المسمّي بالاسماۤء مقاماتُه و آياته و اسماۤؤه لان ذاته المقدّسة لاتقع عليها الاسماۤء و لا شئ من جهات التعاريف اذ كل ما سواه خلقه و لذا قال ابوجعفرٍ عليه السلام كما في الكافي قال (ع) ان اللّه خلو من خلقه و خلقه خلو منه و كلّ ما وقع عليه اسم شئ فهو مخلوق ماخلا اللّه و في آخر قال عليه السلام و كل ما وقع عليه اسم شئ ماخلا اللّه فهو مخلوق و اللّه خالقُ كلِّ شئٍ و في حديث ابيعبداللّه عليه السلام زيادة تبارك الذي ليس كمثله شئ و هو السميع البصير فقوله عليه السلام ماخلا اللّهَ جارٍ علي المُتَعارف مِنْ انّه تعالي يسمّي باسماۤئه و يوصف بما وصف به نفسَهُ لخلقه و يُعْرَفُ بذلك و يُعْبَدُ بذلك و بذلك امرَ خلقَهُ و طلب منهم ذلك اذ لايمكن لهم ما وراۤءه [ص 93] و كلُّ هذه اشياۤءُ محدثةٌ لانّها بالضرورة غيره و كل شئٍ غيرِهٖ فهو مخلوقٌ له تعالي و معلوم انّ المخلوق لايقع علي الخالق لانّه لايقع عليه الّا ما يصل الي الازل و لايصل المصنوعُ الي الازل و لاينزل الازل في الحدوث لانّ الازل هو ذاته الحقّ سبحانه و لكن يعرف بها المعرفةَ الرسميّة و قد رضي من عباده بذلك لانهم لايقدرون علي غيرها و انّما يعرف بها معرفةَ استدلالٍ عليه لا معرفةً تكشِفُ لَهُ كما اذا وجدت الاثر دَلَّكَ علي وجود المؤثّر و اذا وَجدْتَ الصّفةَ دَلَّتْك علي وجود الموصوف و بهذا النحو يعرف بما وصف به نفسه تعالي لخلقه بالاشياۤء الحادثة مع انّها في الحقيقة لاتقع عليه و هو قول الرضا عليه السلام حين قال له عمران الصابي يا سيدي الاتخبرني عن اللّه تعالي هل يوحّد بحقيقةٍ او يوحّد بوصفٍ قال الرضا عليه السلام ان اللّه المبدئ الواحد الكاۤئن الاوّل لميزل واحداً لا شئ معه فرداً لا ثاني معه لا معلوماً و لا مجهولاً و لا محكماً و لا متشابهاً و لا مذكوراً و لا منسيّاً و لا شئ يقع عليه اسم شئ من الاشياۤء غيره و لا من وقتٍ كان و لا الي وقت يكونُ و لا بشئٍ قام و لا الي شئ يقوم و لا الي شئ استند و لا في شئ استكن و ذلك كلّه قبل الخَلق اذ لا شئ غيره و ما اوقعت عليه من الكل فهي صفاتٌ محدثة و ترجمة يفهم بها مَن فهم ه ، فاخبر عليه السلام بانه لايقع عليه شئ لانها صفات محدثة و ترجمة يعني انّ ما اراده سبحانه منّا ترجَمهُ لنا في ايجاده و وصفه نفسه لنا بما نعرف ممّا هو من نحونا و نوعِنا من صفاتِ الخلق و بها نفهم ما يريده منا و هو متعالٍ عن كلّ شئٍ الّا انّها تدلّنا عليه كما قلنا و هو قول الرضا عليه السلام و لو كان صفاته جل ثناۤؤه لاتدلّ عليه و اسماۤؤه لاتدعو اليه و المعلمة من الخلق لاتدركه بمعناه كانت العبادة من الخلق لاسماۤئه و صفاته دون معناه فلولا انّ ذلك كذلك لكان المعبود الموحّد غير اللّه لانّ [ص 94] صفاته و اَسْماۤءَهُ غيره ه ، و ايضاً دعوا عليهم السلام الي توحيده بصفته بما وصف به نفسه من انّه ليس كمثله شئ فلايقترِنُ بشئ و لايقترن به شئ لانّ الاقتران صفة خلقه فلو صحّ عليه لشابَه الاشياۤء في اقترانِ بعضها ببعضٍ وَ لايخْرجُ مِنْ شَئٍ و لايخرج منه شئٌ بِاَيّ نَوْعٍ فُرِضَ لاَنّ ذلِكَ وِلادةٌ و هو تعالي لميلد و لميُوْلد فمَن قال بانّ الخلقَ مِنه بالسِّنْخ او الظلّ فقد شبّهه بخلقه و مَنْ قال بانّ الخلق تنتَهٖي اليه فقد اَثْبتَ له الاقتران بغيره لانه يكون نهايةً لغيره و هو اقتران يمتنع من الازل و كذلك قول مَنْ قال بانّ بينه و بين شئ من الحوادث ربْطاً بوجهٍ ما و كذا دعوا عليهم السلام الي توحيده في فعله تعالي يعني انّه متفرّد بالايجاد فكلّ شئ صنعه او يصنعه قال تعالي اروني ماذا خَلقُوا منَ الارض ام لهم شركٌ في السموات و قال تعالي ام جعلوا للّهِ شركاۤء خلَقُوا كخلقه فتشابَه الخلق عليهم قلِ اللّهُ خالقُ كلّ شئ و هو الواحد القهّار فكلّ مُحْدَثٍ فمادّتُهُ من فعله و امّا صورتُهُ فَاِمَّا من فعله او بفِعْله كالمعاصي فانّها و اِنْ كانَتْ من فعلِ العبادِ علي جهة الانفراد من غير مشاركةٍ معه تعالي الّا انّها بفعل اللّه كتحريكِ الشاخِص لظلّه فانّه و ان كان منه و التحريك منه الّا انّه بالنور اذ بدون النور لايمكن له تحريكٌ لعدم وجود ظلٍّ يحرّكه فكلّ شئٍ من اللّهِ او باللّهِ فما كان منه فالامر فيه ظاهر و ما كان به فماۤدّته و قُوَي فاعِله من اٰلاتهٖ و من اراداته و افكارِهٖ و تصوّراته و جميع مداركِهٖ من اللّهِ و مَا اختصّ بهٖ من الفعلِ فباللّهِ فمن ادّعَي انَّ اَحداً غيره تعالي يخترع شيئاً من المواۤدِّ فهو مشرِكٌ و مَنِ ادّعَي اَنَّ غيرَهُ يختَرِعُ شيئاً من الصُّوَرِ بدونِ اللّهِ تعالي اي لا من اللّهِ و لَا باللّهِ فهو مُفَوِّضٌ و المفوّضُ مشرك و كذا دَعوا عليهم السلام الي توحيدهٖ في عبادته كما قال تعالي فمن كان يرجو لقاۤءَ ربّه فليعمل عملاً صالحاً و لايُشرِكْ بعبادَةِ ربّه اَحداً و هذا التوحيد اذا اُرٖيدَ به الحقيقي يُعْتَبر فيه توحيده تعالي في [ص 95] كلِّ ما يصدق عليه انّه عبادةٌ او عبوديّةٌ فيوحّده في جميع العبادات الاصطلاحيّة المعروفة و في الخلق بجميع جهاته و في الرزق كذلك و في الحيوة كذلك و في الممات كذلك فيوحّده في التوكّل و في الاعتماد و في الحفظ و في رعايةِ كلّ شئ علي نحو ما مرّ من انّ المُراعَي اِمّا منه اَوْ به و هنا تنبيه علي حقيقةٍ من حقاۤئق التوحيد و هو انَّ قولنا هذا الشئ منه نريد به انه من فعله اي اثر من فعله اي من المحلّ الممكن الامكان الراجح لفعله فحقيقته مخترعة بتبعيّة اختراع فعله تعالي يعني انها محل فعله و متعلّقه فهي متقوِّمة بالفعل تقوّم تحقّق و الفعل متقوّم بها تَقَوُّمَ ظهور و الشئ المكوّن من تلك الحقيقة متقوّم بالفعل تقوّم صدورٍ ابداً فلا حقيقة له الّا بفعله تعالي و لا وجود له الّا من فعله تعالي اي من اثر فعله و قولنا هذا الشئ بِهٖ نريد به انّ حقيقته من نفس ما منه تعالي مِنْ حيثُ نفسِهٖ و وجودُه من اَثرِ شُعَاع فعله تعالي فما به تعالي مبني علي ما منه تعالي و الشئ بحقيقة الشيئيّة واحدٌ لا شريك له تعالي و ما سواه شئ بفعله تعالي و امّا فعله تعالي فشئ بفعل اللّهِ الذي هو ذلك الفعل اي بنفسه من حيث هو فعل اللّه تعالي فهذا مختصر ما اوصوا عليهم السلام به من تقوي اللّهِ تعالي فيما يتعلّق بتوحيده في ذاته و توحيده في صفاته و توحيده في افعاله و توحيده في عبادته باَن يجتنبَ مخالفة شئ من ذلك في قليلٍ او كثيرٍ و ما اشرنا الَيْه علي جهة الاجمال و وصيّتهم صلي اللّه عليهم مجملاً و مفصّلاً و كذا بتقوي اللّهِ فيما تتعلّق به اوامره و نواهيه ممّا هو من جهة النفس و ممّا هو من جهة الخلق و ذلك كما هو مفصّل في احاديثهم و افعالهم و اعمالهم و اقوالهم و احوالهم ممّا اشتملت عليه شريعة جدِّهم محمد بن عبداللّه صلي اللّه عليه و آله فانَّ اللّه سبحانه قد امر بذلك و سمّي الأخذ به و ترك مخالفته تقوي فقال تعالي و ما آتيكم الرسول فخذُوه و ما نهيكم عنه فانتهوا و اتّقوا اللّه [ص 96] و انما ذكرتُ الاشارة الي ما يتعلّق بالتوحيد لغموضه و كثرة المذاهب فيه المخالفة لوصيّتهم عليهم السلام و قلّة العبارة و امّا ما يتعلّق بالاوامر و النواهي من التقوي مما اشتملت عليه الشريعة الغراۤء من المفروض و المندوب و الجاۤئز و المرجوح و الممنوع منه فيلزم من ذكر بعضه التطويل الطويل الذي ليس هذا محلّه مع ظهوره و قلّة الاختلاف فيه و تصدّي الاصحاب رضوان اللّه عليهم لذكره و تفصيل ابوابه و يجمع ذلك كله انهم عليهم السلام اوصوا ان تتّقي اللّه تعالي بفعلِ جميع اوامره و ترك جميع نواهيه و بالميل الي ما احبّ و عمّا كَرِهَ و ان اخذتَ بما جوّز فبقصد الاخذِ برخصته و كذا اِنْ تركْتَ فبهذه و امثالها كانت وصيّتهم و لميأمروا بشئ قليلٍ او كثيرٍ من اضداد هذه بل نهوا عنه بقلوبهم و اَلْسنتهم و ايديهم و افعالهم و اعمالهم و احوالهم و ما وقع من خلاف تقوي اللّه تعالي من هذا الخلق المتعوس فانّما وقع ردّاً عليهم صلوات اللّه عليهم وَ خلافاً لامرِهم و علي اللّه سبحانه اعلاۤء دينه و اظهار كلمته بهم بان يمكّنهم في ارضه و يستخلفهم في ساۤئر عالمه و اللّه منجز وعده و متمّ نوره و لو كره المشركون اللهم عجّل فرجهم و سهّل مخرجهم و اسلك بنا مَحجّتهم و منهاجهم يا كريم .
و قوله عليه السلام : و فعلكم الخير يراد منه انّهم لايفعلون الّا الخير لحصر المبتدا في الخبر و المراد من الفعل ما هو اعم من عمل الجوارح كما هو مقتضي العصمة و التسديد و التوفيق اما مشاعرهم الباطنة فهي مستغرقة في العبودية فعلاً و في العبادة بَعْثاً يعني انّهم ببَواطنهم من الافئدة و القلوب و الارواح و النفوس و الطباۤئع مستغرقون في الرضي بما يرد عليهم من محبوب النفوس و مكروهها بل هم بها طالبون لما يرد عليهم منه سبحانه كما قال اميرالمؤمنين صلي اللّه عليه و آله [ص 97] الطيّبين اَمٰا آنَ لِاَشْقيٰها ان يخضب هذه من هذا و اشار الي لحيته و رأسه فذلك و امثاله هو الصدق في العبوديّة و هي الرضا بما يفعل و هم بها باعثون لجوارحهم و السنتهم علي العمل بما يرد و القيام بوظاۤئفه كما اُمِروا علي اكمل وجهٍ اراد سبحانه منهم و هذا و امثاله هو الصدق في العبادة و هي الفعل لما يرضي و اما جوارحهم و ظواهرهم فهم بها ابداً مشتغلُون بخدمة ربّهم لاتأخذهم سهو الغفلات لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبّحون اللّيل و النّهار لايفترون كما روي عن الصادق عليه السلام في هذه الٰاية و له من في السموات و الارض و مَن عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبّحون الليل و النهار لايفترون الي قوله مشفقون قال يا مفضّل الستم تعلمون انّ من في السموات هم الملاۤئكة و من في الارض هم الجن و البشر و كلّ ذي حركةٍ فمن الذين قالَ و من عنده قد خرجوا من جملة الملاۤئكة و الجن و البشر و كلّ ذي حركة فنحن الذي كنّا عنده و لا كونَ قبلَنا الحديث ، فلايوجد لهم لحظة في غير فعل الخير لانّ اللّه سبحانه ديموم ديّوم قيّوم فلا فترة تعتريه و لاتأخذه سنة و لا نوم و في كلّ ذلك داۤئم الفيض و هو قوله تعالي و ماكنّا عن الخلق غافلين و في كل آنٍ من فعله قابل لفيضه داۤئم في خدمته و هم القابلون للفيض الداۤئم بدوام التسبيح و التقديس الداۤئمون بكمال الخدمة و كل مَن سواهم لايقومون بخدمة قبول كلّ الفيض كما قال تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسِعني قلبُ عبدي المؤمن و لايصحّ ان يفضل منهم وقت او مكان لفعل الشرّ و انّما فضل ذلك منّا لانّا لمنسع الفيض فنعصي حال عدم القبول و المراد من الخير ما هو اعم من الخير الذي هو احد جنود العقل الخمسة و السبعين كما هو مذكور في احاديث جنود العقل بل المراد به ما يشمل العقل و جنوده فان جميع تلك من فعلهم فان اللّه سبحانه قد [ص 98] جمعها فيهم و بهم قسمَ فواضِلها علي ساۤئر خلقه و هم بامره يعملون فالعقل الكلّي الذي هو عقل الكلّ و هو آدم الرّابع علي جهة الاجمال هو عقلهم و قد اَكْمَلَهُ فيهم و بهم قسم فاضِله علي ساۤئر اولياۤئه من اَنْبياۤئه و رسله علي حسب قوابلهم من فاضله الّذي هو اشِعّته و تلك الاشعّة هي اولاده فان اللّه سبحانه قد خلقَ الفالفِ عالم و الْفالفِ آدمَ و نحن الٰان في آخرِ العَوالم و آخر الٰادميين فعلي جهة الاجمال عقول المرسلين و الانبياۤء عليهم السلام اولاد آدم الرابع الذي هو عقل محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله و عقول المؤمنين اولادُ هؤلاۤء الاولادِ فلذا قال صلي اللّه عليه و آله انا و علي ابَوا هذه الامة و الاصل في هذه الابوّة هذا و ذلك لانّ كلّ مولود فله ستّة آبٰاۤءٍ ابَوانِ لعقله و هما محمد و عليّ صلّي اللّه عليهما و آله محمد (ص) اب العقل اي مادّته فانّ مادّته من صفة نوره صلي اللّه عليه و آله وَ عليّ عليه السلام الاب الثاني فاِنّ صورة العقل من صفة نوره عليه السلام و الصورة هي الاب الثاني اي الام و له ابوان لنفسه الامارة بالسّوۤء و هما الاَعْرابيّانِ ابوالدواهي اب النفس الامارة بالسوۤء و ابوالشرور الاب الثاني و هو امُّها و له ابوان لجسده فاشار تعالي الي ابوي العقل بقوله و وصّينا الانسان بوالديه حسناً و الي ابوي الامارة بالسوۤء بقوله و ان جاهداك علي ان تشرِك بي ما ليس لك به علم فلاتُطِعْهما و الي ابوي الجسد بقوله و صاحبهما في الدنيا معروفاً فقولنا و بهم قسمَ فَاضلَهُ لانّ هذا الفاضل اولاد عقلهم كما ذكرنا فيصدق توليدهم و القِسْمةُ بهم علي فعلهم و يصدق علي العقل و جنوده الخير الذي هو فعلهم لانّ العقل الكلّي قد يصدق عليه انه فعلهم امّا علي اعتبار قابليّتهم له عند ايجاد اللّه سبحانه له فيهم اوْ لأنّه تربيتهم و زرعهم كما اشار اليه العسكري صلوات اللّه عليه في نسبتهم بقوله عليه السلام و الكليم اُلْبِسَ حلّة الاصطفاۤء لمّا عَهِدْنا منه الوفاۤءَ و روح القدس [ص 99] في جنان الصاقورة ذاقَ من حداۤئِقنا الباكورة ، و روح القدس هذا هو العقل المشار اليه فاخبر انّه اوّل مَنْ ذاقَ ثمرة الوجود من حداۤئِقنا و انّ ذلك الذوقَ بهم لا غير بقرينة قوله في الكليم عليه السلام لمّا عهدنا منه الوفاۤء فافهم و كون العقل خيراً فمِمّا لا ريبَ فيه لانه نور لا ظلمة فيه الّا قدر ما يقيمه من مسمّي الضّدّيّة و لأجل صفاۤئه و خلوصه لربّه لميكن له جهة مخالفةٌ فكانت الجنان ثماني و كانت النيران سبعاً لأنّ الوجه في ذلك ما قلنا و ذلك لأنّ الحواس الخمس في العالم الصغير و النفس و الجسم اذا استعملت كل واحدة منها في الخير كانت باباً من اَبْوَابِ الجنان و آيةً لنظيرها في العالم الكبير و جنّاته سبع جناتٍ و ان استعملت كل واحدة منها في الشرّ كانَتْ باباً من اَبْوَاب النّيران و آيةً لنظيرها في العالم الكبير و نيرانه سبع فكل واحد من هذه السبعة يصلح للخير فيكون باباً من الجنان و يصلح للشرِّ فيكون باباً من النيران و امّا العقل في العالم الصغير فيصلح ان يستعمل في الخير فيكون باباً اعلي من ابواب الجنان و آيةً لنظيره في العالم الكبير و هو جنّة عدنٍ و هي الثامنةُ الْعُلْيَا و لايصلح ان يستعمل في الشرِّ لأنه خير و نور و لهذا لميكن باباً في النيران فكانت الجنان ثماني و النيران سبعاً و لهذه العلّة قال الصّادق عليه السلام حين سُئِل عن العقل العقلُ ما عُبِدَ به الرحمن و اكْتُسِبَ به الجنان و لمّا سُئِل عمّا في معوية قال تلك النكراۤء تلك الشيطنةُ و هي شبيهةٌ بالعَقْل و ليْسَتْ بعقل ، يعني انّها ادراك يشابهُ ادراك العقل و لكن العَقْل لايمكن استعمالُه في الشَّرِّ لأن الشرّ ظلمة و هو من جنود الجَهل الذي هو ظلمة لا نورَ فيه الّا قدر ما يقيمه من النّور الذي هو ضدّه بحيث لايكون لما فيه من النور تأثير لاضمِحلٰالِهٖ كما انّ ما في العقل من الظلمة لايكون له تأثير لِاضْمِحلٰالِهٖ و اذا كان العقل خيراً كما سمعتَ لمتكن له جنود الّا من نوعه فكلّ جنوده خيرٌ [ص 100] و لايجوز ان يكون في جنوده شئ من الشرّ لان وجود ذلك في جنوده انما يكون لو كان في العقل شاۤئبة من الشرّ لها تَأثير و تعيّن لينسب ذلك الذي من الشر اليها فاذا كان خيراً محضاً علي نحو ما ذكرنا كانت جنوده كذلك و هم عليهم السلام لايفعلون بانفسهم الّا الخير و كذلك فعلهم بما منهم و بما ينسب اليهم من حيث هو منسوب اليهم نعم قد يفعلون بغيرهم اي بدواعي غيرهم ما هو شرّ و هو قوله تعالي و ظاهره من قبله العذاب و قد يفعلون بمن ينسب اليهم لا من حيث ينسبون اليهم ذلك ايضاً فان من ينسبون اليهم كشيعتهم قد يفعلون المعاصي الموجبة للعذاب و لكنهم انّما فعلوا ذلك من حَيْثُ مَيْلهم الي طريقة اعداۤئهم فيأكل المؤمن العاصي بمعصيته من شجرة الزّقوم من بعض اوراقها و هو من هذه الحيثيّة ليس مشايعاً لهم و انّما هو ماۤئل الي اعداۤئهم و هم عليهم السلام من وراۤء المقصّرين من اشياعهم بالتلافي من الاستغفار و الذود عن المعاصي و الدعاۤء لهم حتي يأكل ذلك العاصي من طلع شجرة الزقوم اعوذ باللّه من سخط اللّه فيخرج من حزبهم و يلحق باعداۤئهم استجير باللّه من غضب اللّه و من غضبهم و انّما قلنا قد يفعلون بغيرهم اي بدواعي غيرهم ما هو شرّ لأن ذلك الفعل القاۤؤهم للْعَاصي و تخليتهم له يعني انّ اللّه سبحانه انّما يعصي مَنْ عَصَاهُ اذا لميقبل منه تعالي اذا خَلّاهُ مِنْ يدِهٖ و هم عليهم السلام يده ففعل تعالي به مَا فَعلَ هو بنفسِهٖ و هم مَحاۤلُّ فعله صلّي اللّهُ عَلَيْهم اجمعين و قولنا يفعلون بغيرهم ما هو شرّ مثل قوله تعالي في الحديث القدسي و انا اللّه لا اله الّا انا خلقتُ الخير فطوبَي لمن اجريتُه علي يدَيْه و انا اللّهُ لا الٰه الّا انا خلقتُ الشرّ فويلٌ لمَنْ اَجْريتُه علي يدَيْه ، و ذلك لان اللّه تعالي يفعل الاشياۤء بقابليّاتها كما قال تعالي و قالوا قلوبُنا غلفٌ بل طبعَ اللّه عليها بكفرهم و هم خزاۤئن حكمه علي عباده فيحكمونَ باذنِ اللّهِ علي فاعل الشرّ بفعل الشرّ و انّما ردَّدْتُ [ص 101] هذا المعني لسُوۤء ظني بفهم اكثر الناس و لكن اكثر الناس لايعلمون و لكن اكثرهم يجهلون و لكن اكثرهم لايعقِلون .
و قوله عليه السلام : و عادَتكم الاِحْسَان اقول قد تقدّم فيما ذكرنا سابقاً و فيما ذكرناه في كثيرٍ من رساۤئلنا انّ المخلوق لايكون الّا مركباً كما قال تعالي و من كلّ شئ خلقنا زوجين و كما قال الرضا عليه السلام و لميخلق شيئاً فرداً قاۤئماً بنَفْسِهٖ دون غيره للّذي اراد من الدلالة علي نفسِهٖ و اثباتِ وُجُودِهٖ ه ، فكل محدَثٍ مركبٌ مِن ماۤدةٍ و صورة و ان شئتَ قلتَ من وجودٍ وَ ماهيّةٍ و المعني واحد و الوجود نورٌ اَحْدثه اللّهُ بفعله فهو اثر فعلِهٖ و نور منه يجري مجراه لأنّه ابداً في طاعةِ ربِّهٖ لايَجِدُ نَفْسَهُ و لهذا اطلق عليه نورُ اللّهِ في قوله عليه السلام اتّقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللّه فقال الصادق عليه السلام يعني من نوره الذي خلق منه و العقل وجهٌ منه و اللّه سبحانه المحسن و قد اظهر احسانه و جميله اللذين هما صفة فعله بفعله فيما عاملَ به بريّتَهُ من ذلك الجميل و الاحسان و اجري بذلك عادته و انّما يجري علي العصاة احكام الغضب لأنّهم لميقبلوا جميله و احسانه فعاملهم بفعلهم و هو ردّ جميله و احسانه فكان ردّ الجميل قبيحاً و ردّ الاحسان اساۤءةً قال تعالي و ماظلمناهم و لكن كانوا هم الظالمين و للّهِ درّ من قال :
اَري الاحسان عند الحرّ ديناً و عند النذلِ منقصةً و ذمّاً
كقطر الماۤءِ في الاصدافِ دُرّ و في بطن الاَفاعي صار سَمَّاً
فلمّا اجري سبحانه عادته بفعله و مشيّته و ارادته علي الاحسان كانوا صلي اللّه عليهم عادتهم الاحسان لأنّهم لايفعلون الّا بامره و هم محاۤلّ مشيّته و اَلسنة ارادَتِهٖ و حملة امره و هم باَمره يعملون فلما كانوا كذلك لمتكن الاساۤءة عادتهم لأنّ الاساۤءة مبدأوها الماهية و هم عليهم السلام لاينظرون الي انفسهم [ص 102] قطّ و لا الي ما سوي اللّهِ و الماهيّة ظلمة احدثها اللّه سبحانه بفضل فعله الذي احدث به الوجود لفاۤئدة تقوّم الوجود الّا انّهم عليهم السلام ليس فيهم من الماهية الّا قدر ما يمسك وجودهم فماهيتهم فانية الاعتبار مضمحلّة الوجدان و التعيّن فلا اعتبار لها فلايقع منهم شئ من مقتضي الماهيّةِ فلاتكون لهم الّا عادة الاحسان و ما رُوي في الدعاۤء الهي عادتك التفضل و الاحسان و عادتُنا الاساۤءة و العصيان و لاتغيّر عادتك بتغيير عادتِنا بجاه محمد و آله الطاهرين يُشعر بانّ ما سوي اللّه عادته الاساۤءة و العصيان لانه مِنْ حيث نظره الي نفسِهٖ كان سالكاً طريق ماهيّته الّتي هي ظلمة لاتقتضي من شأنها الّا الاِسَاۤءة و العصيان و هذا ظاهر و لكن فيه اشكال في قوله بتغيير عادتِنا اذِ المعني انّا غيّرنا عادتنا من الفضل و الاحسان الي الاساۤءة و العصيان من وجهين احدهما قوله عادتنا الاساۤءة و العصيان و ثانيهما انّ المناسب للكلام السابق انّا غيّرنا عادتنا وَ هي الاساۤءة و العصيان الي الفضل و الاحسان و هذا ينافي قوله لاتغيّر عادتك لأن المعني انّ الداعي الي تغيير عادتك انما هو تغيير عادتنا الي الاساۤءة و العصيان و امّا اذا غيّرناها الي الفضل و الاحسان فليس بموجبٍ لتغيير عادته بل موجب لاستمرار عادته سبحانه و تعالي و حلّه انّ للمخلوق عادةً من حيثُ فعل خالقه و هي الفضل و الاحسان و هي جهة وجودِهٖ لأنه اثرُ فعلِ خالقِه المتفضّل المحسن سبحانه و تعالي و عادةً من حيث نفسه و هي الاساۤءة و العصيان لأن هذا هو مقتضي الماهيّة و حيثيّته من جهة فعل ربّه وجوديّة و لها اولويّة الاعتبار فلهذا صحّ قوله بتغيّر عادَتِنا لأنّها وجوديّة و الاعتبار بالوجودي اَوْلي من العَدمي و حيثيّتُه منْ جهة نفسه عدميّة و لها اولويّة الالتفات الي النفس و ان كانَتْ عَدميّة فلهذا صحّ قوله و عادتنا الاساۤءة و العصيان لأنهم بنظرهم الي انّيّتهم غالباً كانت عادةً لهم غالبةً [ص 103] و ان كان من حيث الوجود وَ انّه ينبغي و انّ اللّه تعالي انّما خلقهم لهذا اوّلاً و بالذاتِ و انما خلق ماهيتهم و انيّتهم لاستقامة ما خلقهم لاجله فالماهية و الانّيّة انما خلقهما تعالي ثانياً و بالعرض الّا انّهم تعوّدوا بعادة الوجود اوّلاً ثمّ بعد ذلك تغيّروا و تعوّدوا بعادة انّيّتهم فلذا قالوا باعتبار الاولي بتغيّر عادتِنا و باعتبار الثانية قالوا عادتنا الاساۤءة و العصيان و امّا محمّد و اَهْل بيته الطاهرون صلي اللّه عليه و عليهم اجمعين فانّهم لميتغيّروا عن العادة الاولي لانّ ماهيّاتهم و انّيّاتهم لعدم التفاتهم اليهما في حالٍ ضَعُفتا و كادتا تفنيان في نور وجودهما فلَمْيتعيّنا ليكونا داعِيَيْنِ الي مايناسبهما من الاعمال فلمتتغير عادتهم الاولي فلذا قال عليه السلام و عادتكم الاحسان .
و قوله عليه السلام : و سجيّتكم الكرم يُراد من السَّجية الغريزة و الطّبيعة التي جُبِل عليْها الاِنْسان و وَرَد في وصف النبي صلي اللّه عليه و آله خُلقُهُ سَجيّةٌ اي طبيعة من غير تَكلُّفٍ و هذا منه و اعلم انّ الطبيعة قد تكون من الحقيقة الاوليّة الّتي هي الامكان و قد تكون من الماۤدّة و قد تكون مِن الصُّورة و قد تكونُ من مجموعهما و الصورة قد تكون من القابليّة الكونيّة التكوينيّة و قد تكون من القابلية الكونيّة الشّرعيّة لأن قوابل الاشياۤء للوجود انّما هي اعمال المصنوعين الّا انّ منها ظاهرةً كالاولي و منها باطنةً كالثانية و ما يكون من المجموع قد يكون مركباً من الماۤدّة و الاولي و قد يكون منها و من الثانية و قد يكون كلٌّ منها من الجبروت او من الملكوت او من الملك او ممّا بينها اي بين الجبروت و الملكوت او بين الملكوت و الملك يعني من احد البرزخين بين الذّرَّيْنِ و الطبيعة للشخص تكون من واحد من هذه اي الحقيقة الاولية و من هذه الاحد و العشرين او من اكثر و قد تكون له من كلّها و لاتكون من جميعها [ص 104] في الخيرات و الفضاۤئل الّا في خير الخلق و لاتكون من جميعها في الشرور و الرذاۤئِل الّا في شرّ الخلق فهم صلي اللّه عليهم سجيّتهم الكرم و الحلم و الرفق و الرحمة و ساۤئر الفضاۤئل علي اكمل وجهٍ يمكن لأنّ جميع المراتب اذا صلحت كانت المرتبة الواحدة منها اصلح فيها منها في غيرها اي في غير اجتماعها لأن كل واحدة مع الاجتماع تعين ما قبلها بنصف قوّتِها و يعين ما بعدها بنصفِ قوّتها بخلاف انفرادها او مع اجتماع بعضها فانّ القوي لاتتضاعف كما تتضاعف مع اجتماع الكلّ و قد يراد بالطبيعةِ الطّبيعةُ الاصطلاحيّة و هي الرابعة العشرة التي يشار اليها في اركان العرش بالنور الاحمر الذي احمرّت منه الحمرة و هذه يكون فيها الكسر الاول بعد الصوغ الاوّل الذي هو الخلق الثاني و منشأ السعادة و الشّقاوة و في هذه الطبيعة استقرار الطّباۤئع الذاتية و الاكتسابيّة و في هذه قال تعالي للمجيبين للجنة و لاابالي و قال للمنكرين للنّار و لااُبَالي لما قلنا من استقرار الطباۤئع هُنا لأنّ الطباۤئع المفارقات بالذات استقرّت بالاجابة المقترنة بالافعال بالطباۤئع المادّيات بواسطة او بغير واسطة الّا ان الظاهر ان المراد هنا بالطبيعة ما يعمّ هذه و غيرها و لمّا كانوا عليهم السلام محاۤلّ مشيّة اللّه سبحانه و اَلْسِنةَ ارادته و ابواب اوامره و نواهيه و خزاۤئن كرمه و جوده و مفاتح خزاۤئنه لزم ان تكون سجيّتُهم الكرم لأنّهم في جميع افاعيله جعلهم الوساۤئل و الوساۤئط بينه و بين خلقه فكل الوجود خير و كل خير فهو منهم بامر اللّه تعالي يعني انّ اللّه سبحانه خلق كلّ ما في الوجود بهم لأن جميع ما في الوجود امّا خير و اللّه خلقه من فاضل انوارهم و اما شرٌّ و اللّه خلقه بمقتضي قابليّته و قابليّته نشأت من انكار صاحب الشرّ لولايتهم لمّا عرضت عليه فهم اصل الكرم و فرعه و مبدؤه سبحان من خلقهم علي قبول كلّ خير منه و جعلهم كذا فضلاً منه و منّاً عليهم و لقد قلتُ في قصيدة [ص 105] نظمتها في مرثية سيدالشهداۤء ابيعبداللّه الحسين عليه السلام في ذكر بعض الثناۤء عليهم صلي اللّه عليهم قلتُ :
جادوا و سادوا و شادوا المجدَ ثُمَّ همُ لطالبي كلِ معروفٍ مَغاييلُ
معارفٌ في البرايا عارفونَ بهمْ هادونَ و الغير جُهّالٌ مَجاهيلُ
فشأنُهمْ نُسُكٌ و الفَتْكُ فِعلُهُمُ و ذاك لِلّهِ تعزيزٌ و تَذْلٖيلُ
سُحبُ الحَيا هاطلاتٌ مِن عَطاۤئِهِم اليهِمُ مدَّتِ الأيدي المَحاصٖيلُ
فراحتا الدهرِ مِن فَضْفَاضِ جُودِهِم مَمْلُوءَتان و ما للفيض تَعْطٖيلُ
اقول و الشاهدُ في البيت الاخير فانّ رَاحَتيِ الدّهر راحة اليد اليمني هي مجموع ما في عالم الغيب من الممكنات و راحة اليد اليسري هي مجموع ما في عالم الشهادة مملوءتان من فيض كرمهم وَ جُودهم و الفضفاض الكثير الذي بعضه علي بعض و الواسع فان جميع مَن في هذين العالَمين قد غمرهم كرمهم و اليه الاشارة بقوله تعالي و ان تعدّوا نعمةَ اللّهِ لاتحصُوها و المراد من قولي و ما للفيض تعطيل انّ نعم اللّه و عطاياه سبحانه لاتتناهي لا في الدنيا و لا في الٰاخرة فلا غاية لنعيم الٰاخرة و كل ذلك من اثر فعل اللّه عز و جل و هم محاۤلّ فعله و ارادته و علي ايديهم اجري نعمه لمن يشاۤء لا سواهم لانّهم ابواب فعله و فضله و كرمه و بهم اظهر كرمه و بهم اوصل سيوب فضله و شٰابيب كرمه الي من يشاۤء و هذا حكم الدنيا و الٰاخرة فان خيرات الجنان لا غاية لها و لا نهاية لا في الاتّصال و الاستمرار و لا في الزيادة و التضاعف و لا في تجدّد النعيم مما لا عين رأت و لا اُذنَ سمعت و لاخطر علي قلب بشر و ممّا لاتعلم نفس ما اخفي لهم من قرّة اعين فان كل ذلك و ما اشبهه من كرم اللّه الذي اجراه عليهم و نسبَهُ اليهم و وصفهم به كما اجري الرأفة و الرحمة علي نبيّه صلي اللّه عليه و آله و نسبهما اليه [ص 106] و وصفه بهما فقال تعالي حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم فاذا فهمت ما ذكرنا ظهر لك حقيقة ان سجيّتهم الكرم علي كلّ من في ملك اللّهِ و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاۤء و اللّه ذو الفضلِ العظيم .
قال عليه السلام : و شأنكم الحقّ و الصّدق و الرّفق و قولكم حكم و حتم و رأيُكم علم و حزم .
الشأن الامر و الحال و المراد في ظاهر العبارة هنا الحال يعني ان مقتضي ذاتكم و طبيعتكم و خلقكم بضم الخاۤء و اللام و يجوز بفتح الخاۤء و سكون اللام اي بُنيتكم و نشؤ مواۤدّكم و تخطيط صُوركم و تركيبكم الحق و هو الثابت يعني مطابقة ما في نفس الامر من كل شئ لشأنهم لانّ كلّ ما في الكون من سواهم فهو ممادحهم و مناقبهم و ثناۤؤهم لانّ الٰاثار و الصفات اذا كانت حقّاً فهي ممادح الموصوف و المؤثر و الصدق و هو مطابقةُ شأنهم عليهم السلام لما في نفس الامر من افعاله تعالي و صفاته العليا و اسماۤئه الحسني فانَّهُ عزَّ و جلَّ لمّا خلقهم له و اصطنعهم لنفسه لميكونوا في حالٍ ما من احوالهم غيباً و شهادةً لانفسهم و لا لاحدٍ سواه سبحانه فكانوا اَلسِنةَ صدقٍ نطقوا بوجوداتهم و بماۤئياتهم و بعقولهم و ارواحهم و نفوسهم و طباۤيعهم و مواۤدهم و اشباحهم و اجسامهم و اجسادهم و اعمالهم و اقوالهم و حركاتهم و سَكناتهم بذكره و الثناۤء عليه بما هو اهله فكانوا بكلّهم ذكر اللّه تعالي و الثناۤء عليه فنطقوا بهذه الالسنة بما طابق ما اراد منهم و خلقهم له و مَنْ كان في حال لغيره تعالي فقد كذب اذ لميطابق ما في نفس الامر لانّ غير اللّه تعالي ان اعتُبِرَ انَّه شئ فانما هو شئ بفعل اللّهِ تعالي شيئيّة صُدورٍ فشأنهم الحق علي اعتبار مطابقة الواقع لهم و شأنهم الصّدق علي اعتبار مطابقتهم للواقع او فشأنهم الحق [ص 107] باعتبار انّهم باللّه و شأنهم الصدق باعتبار انّهم لِلّهِ او فشأنهم الحق باعتبار اَنَّهُمْ متلقّون و شأنهم الصدق باعتبار انّهم مؤدُّون او فشأنهم الحق باعتبار اَنَّهُمْ مقاماتُه و علاماتُهُ و شأنهم الصدق باعتبارِ انّهم كلماتُه و آياته او فشأنهم الحق باعتبار ذواتهم و حقاۤئقهم و شأنهم الصدق باعتبار اقوالهم و احوالهم او فشأنهم الحق باعتبار ولايتهم و شأنهم الصدق باعتبار عبوديّتهم و هذا الفرض جامع لما ذكر و لما لميذكر و لما لميخطر علي قلب بشرٍ سواهم و ماابتلي احد من الانبياۤء و المرسلين عليهم السلام و مَن دونهم من الصالحين الَّا باحتمال التَّخْصٖيص في حقيّة عموم ولايتهم و صدق شمول عُبُوديّتهم و ان عمّمت المراد من الشأن بما يشمل الامر فان اردتَ به امركم الكلّي العام كنتَ مُرٖيداً به ولايتهم الكلّيّة و عليه فالحق و الصّدق و الرفق و كُلُّ صفةٍ ربّانيةٍ و خُلُقٍ الٰهيٍّ آثارها و مظاهر تأثيراتها و شؤنها و افرادُها و صفاتها و امثالُها و هو قول الصادق عليه السلام كما في البصاۤئر انّ اَمْرنا سِرٌّ مستسرٌّ و سِرٌّ لايفيده اِلّا سرٌّ و سِرٌّ علي سرٍّ و سِرٌّ مقنَّعٌ بسرٍّ و عنه عليه السلام اِنَّ اَمْرنا هذا مَسْتُورٌ مُقَنَّعٌ بالمٖيثاقِ مَنْ هَتكه اَذلَّهُ اللّهُ و عنه عليه السلام انَّ اَمْرنا هو الحَقّ و حَقُّ الحقِّ و هو الظّاهِرُ و باطِنُ الظّاهِرِ و باطِنُ الباطِن و هو السّرّ و سرّ السِّرِّ و سرّ المُسْتَسِرِّ و سرّ مقنّع بالسرّ ه ، وَ انْ ارَدْتَ به الخاۤصّ من الامر و هُو الحكم بين الناس او الامر بالمعروف و النهي عن المنكر ان اللّه سبحانه يقول و لو ردّوه الي الرّسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، و في التوحيد عن اميرالمؤمنين عليه السلام اعرفوا اللّهَ باللّهِ و الرَّسُول بالرسالةِ و اولي الامر بالمعروف و العدل بالاحسانِ و في رواية و اولي الامر بالامر بالمَعْرُوفِ و النّهي عن المنكر ه ، و هٰذَا الامر بعض ذلك الامر الكلي لان المراد بالكلي هو ما قال تعالي هنالك [ص 108] الولاية للّه الحق هو خير ثواباً و خير عقباً و هذا الامر الجزئي هو الحكم بين الناس بحكم اللّه الذي انهاه اليهم و في تفسير قوله تعالي فان تنازعتم في شئٍ فردّوه الي اللّه و الرسول ، في تفسير القمّي قال الصادق عليه السلام فان تنازعتم في شئ فردّوه الي اللّه و الي الرسول و الي اولي الامر منكم و في نهج البلاغة في معني الخوارج لمّا انكروا تحكيم الرجال قال (ع) انّا لمنحكّم الرجال و انّما حكّمنا القرءان و هذا القرءان انما هو خطّ مسطور بين الدفّتين لاينطق بلسانٍ و لا بُدَّ له من تَرْجُمان و انّما ينطق عنه الرجال و لمّا دعانا القوم الي ان نحكِّم بيْنَنا القرءانَ لمنكن الفريقَ المتولِّيَ عن كتاب اللّهِ تعالي و قال اللّه سبحانه فان تنازعتم في شئ فردّوهُ الي اللّهِ و الرسول فَرَدُّهُ الي اللّهِ اَن نحكم بكتابه و رَدُّهُ الي الرسول ان نأخذَ بسنّته فاذا حُكِم بالصدق في كتاب اللّهِ فنحنُ احق الناسِ و ان حكم بسنّة رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله فنحنُ اولاهم به ، و غير ذلك ممّا يدلّ علي ان المراد باولي الامر اولياۤء الحكم بالحق بين الناسِ و هو بعض الاول لان الحكم ينقسم الي شرعي و الي وجودي و الاوّل الكلّي يشمل القِسمين و قد مرّ بيان "٢" هذا في مواضع متعددة و كونُ "٢" الثاني حقّاً و صدقاً كما تقدّم في الاول في المطابقة و امّا الرّفق الذي هو لين الجانب و المعالجة بما هو اسهل و اخفّ فانّما ذكر مع الحق و الصدق و ان كان لاينافي غيرهما لانه اوفق بتحسين الكلام من جهة اتّحاد آخرِها في حرف واحد و من جهة تساويها في الحروف لكون كل ثلاثة و التحسين ملحوظ في هذه الزيارة الشريفة كما هو مطلوب الساۤئل له عليه السلام مع انه معهما اليق و اوفق لانّ المراد من هذا الشأن كما ذكرنا سابقاً من المطابقة و من التّلقّي و التّأدية و غيرها و الرفق فيها اتمّ و اكمل امّا المطابقة المذكورة فهي متفرّعة علي التّلقي و التأدية لانهما اصل لجميع الوجوه المذكورة [ص 109] و غيرها و هذا الاصل مقرون بالرفق من الفاعل سواۤء كان هو اللّه سبحانه لانه عز و جل حليم ذو اناة لايعجل امّا انه حليم فلرحمته الواسعة المشتقة منه اي من الحلم يعني انه رحيم لانه حليم و هو حليم لانه رؤف و هو رؤف لانه قادر فيَتَأنّا عباده في ايجادهم ليقبلوا عنه باختيارِهم و في ما يريد منهم اقامةً للحجة عليهم و اتماماً لنعمته عليهم و رأفةً بهم لعلمه بضعفهم و ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون و لايعجل لانه تعالي لايخاف الفوتَ لانه لايكون شئ الّا بامره و اذنه و هذا شأنُه عز و جل في معاملته لخلقه ام هم صلّي اللّه عليهم لأنهم في التأدية الوجودية و التشريعيّة منه تعالي باذنه الي خلقه يجرون علي اخلاقه تعالي التي اجراها عليهم كما اخبر عن نبيّه صلي اللّه عليه و آله عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم حتي انتهي بهم الحال بسبب ما افاض عليهم من رحمته حتّي جعَلهم خزاۤئن رحمته و كرمه و فضله وَ لطْفه الي اَنْ تَحمّلُوا عن شيعتهم جميع ذنوبهم و تقصيراتهم و فدوهم بانفسهم و انّما لميتحمّلوا عن اعداۤئهم مع عموم صفحهم و عفوهم فراراً من الوقوع في القبيح و مخالفة الحكمة لان مخالفة الحكمة منافٍ للمقام الرفيع الذي بلّغهم اللّه عز و جل ايّاه لانّهم انما بلغوا هذا المقام لملازمتهم للحُسْن و الحكمة في كلّ حالٍ و لو فارقوا ما اراد منهم من ملازمة الحق و الحسن و الحكمة و المعاذ باللّه لانحطّوا عن مقامهم الي اخسّ المراتب و هو قول النبي صلي اللّه عليه و آله و لو عصيتُ لهويتُ و اشار سبحانه الي هذا لاهل الجهل بهم عليهم السلام قال تعالي بل عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون و من يقل منهم اني الٰه من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين و هو سبحانه لميرتض دين اعداۤئهم فلو عفوا [ص 110] عنهم و شفعوا لشفعوا لمن لميرتضِ و هو قول اني الٰه من دونه فافهم و انما كان العفو عنهم قبيحاً لانهم لميقبلوا العفو لِسَدِّهم ابوابَهُ باعمالهم و منعِهم اسبابَه بافعالهم و انما قلتُ لاهل الجهل بهم عليهم السلام لانّ اهل العلم بهم و المعرفة لهم يعلمون ان المراد بمن يقل منهم اني الٰه من دونه هم اعداۤؤهم علي حدّ ما ذكرنا سابقاً في رفع شبهةٍ ترد علي قوله تعالي تاللّهِ ان كنا لفي ضلال مبين اذ نسوّيكم بربّ العالمين اذا فسّرت الٰايتان بما ورد عنهم عليهم السلام في هؤلاۤء القاۤئلين انهم اعداۤؤهم يقولون في الجحيم لمن اضلّهم من ساداتهم و كبراۤئهم تاللّهِ اِن كنا يعني في الدنيا لفي ضلال مبين حيث عدلنا بكم ولي اللّه الذي امرنا بطاعته ربّ العالمين سبحانه فامرتمونا انتم بمعصيته فقبلنا امركم و تركنا امر ربّ العالمين فسوّيناكم برب العالمين و هذا الذي فعلوه عليهم السلام بشيعتهم غاية الرفق و اللطف فكان التّكليف من الفاعل للامر سبحانه و التّأدية من الفاعلين للتبليغ عليهم السلام مقرونين بالرفق و الحلم و الرأفة و سواۤء كان القابل المتلقي عن اللّه تعالي هو ايّاهم صلّي اللّه عليهم ام المكلّفين المُتلَقّين عنهم فلا بدّ من الرفق و لهذا كثيراً ما يأمر اللّه سبحانه نبيَّهُ صلي اللّه عليه و آله بالتأني و الصّبر و عدم الاستعجال فقال تعالي فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل و لاتستعجل لهم ، و ذكّر فان الذكري تنفع المؤمنين ، فاصبر لحكم ربّك و لاتكن كصاحب الحوت و غير ذلك من الٰايات و كذلك الروايات ما لايكاد يحصي و لقد قال عليه السلام في هذا المعني كلاماً جامعاً قال عليه السلام انّ هذا الدين مَتٖين فاَوغِلُوا فيه برفق فانّ المُبِتَّ لا ظَهْراً ابقي و لا ارضاً قَطَع ه ، يعني انّكم تعمّقوا في هذا الدين المتين في العلم و العمل برفقٍ علي حسب مقتضي المطلوب من علم او عمل بالمبادرة و عدم التسويف فيما يصلح بذلك اي بقدر ما يصلحه بغير زيادة [ص 111] و بالتّأنّي و عدم الاستعجال فيما تفسده المبادرة و العجلة بقدر ما يصلح به بغير زيادة مهلة يفوتُ به المطلوب في كل شئ بحسبه في استقامة الحال في الطلب ثم ضرب عليه السلام مثلاً للطالب بالمُسَافر و قال انّ المُبِتّ الذي يحثّ داۤبّته باكثر مما تقدر عليه حرصاً علي سرعة قطع المسافة لا ظهراً ابقي و لا ارضاً قطع يعني انه تموتُ داۤبّته فلميبق له ظهر يركبه و لاقطع ارضاً لموت داۤبّته و الداۤبّة في المثل هي نفسك التي تحمل اثقالك الي بلد لمتكن بالغاً له الّا بشقِ الانفس و المسافة طريقك الي ما دعيتَ اليه و الذي دعيتَ اليه لقاۤء اللّه سبحانه و الدار الٰاخرة فافهم .