و امّا التفويض فيطلق علي معانٍ بعضُها منفي عنهم عليهم السلام و بعضها مثبَتٌ و الاوّل التفويض في الخلق و الرزقِ و الربوبيّة و الاِماتة و الاحياۤء فانّ قوماً قالوا انّ اللّه خلقهم و فوّضَ اليهم امرَ الخلق فهم يخلقون و يرزقون و يميتون و يحيُون و هذا الكلام يحتمل وجهين احدهما ان يقال انهم يفعلون جميع ذلكَ بقدرتهم و ارادتهم و هم الفاعلون حقيقة و هذا كفر صريح دلّت علي استحالته الادلّة العقليّة و النقليّة و لايستريبُ عاقل في كفرِ مَن قال به و ثانيهما ان اللّه تعالي يفعل ذلك مقارناً لارادتهم كشق القمر و احياۤء الموتَي و قلب العصي حيّةً و غير ذلك من المعجزاتِ فانّ جميع ذلك انما يحصل بقدرته تعالي مقارناً لارادتهم لظهور صدقهم فلايأبي العقل من ان يكون اللّه تعالي خلقهم و اكملهم [ص 61] و الهمهم ما يصلح في نظام العالم ثم خلق كلّ شَئٍ مقارِناً لارادتهم و مشيّتهم هذا و انْ كان العقل لايعارضه كفاحاً لكن الاخبار السالفة تمنع من القول به فيما عدا المعجزات ظاهراً بل صراحاً مع ان القول به قولٌ بما لايعلم اذ لميرد ذلك في الاخبار المعتبرة فيما نعلم و ما ورد من الاخبار الدالّة علي ذٰلك كخطبة البيان و امثالها فلميوجد الّا في كتب الغلاة و اشباههم مع انه يحتمل ان يكون المراد كونهم عِلَلاً غاۤئيّة لايجاد جميع المكوّناتِ و انه تعالي جعلهم مُطاعٖين في الارض و السموات و يُطيعهم باذن اللّهِ تعالي كلّ شئ حتي الجمادات و انهم اذا شاۤؤا امراً لايَردّ اللّهُ مشيتهم و لٰكنّهم لايشاۤؤن الّا ان يشاۤء اللّه و امّا ان الاخبار في نزول الملاۤئكة و الروح بكلّ امرٍ اليهم و انه لاينزل ملك الي السّماۤء لامرٍ الّا بدأَ بهم فليس ذلك لمدخليّتهم في ذلك و لا للاستشارة بهم بل له الخلق و الامر تعالي شأنه و ليس ذلك الّا لتشريفهم و اكرامهم و اظهار رفعة مقامهم .
الثاني التفويض في امر الدين و هذا ايضاً يحتمل وجهين احدهما ان يكون اللّه تعالي فوّض الي النبي (ص) و الائمة (ع) عموماً ان يُحِلّوا ما شاۤؤا و يحرّموا ما شاۤؤا من غير وحي و الهام او يغيّروا ما اوحي اليهم بٰاراۤئهم و هذا باطل لايقول به عاقل فانّ النبي صلي اللّه عليه و آله كان ينتظر الوحي ايّاماً كثيرة لجواب ساۤئل و لايجيب من عنده و قد قال تعالي و ماينطق عن الهوي ان هو الّا وحي يُوحٰي ، و ثانيهما انه تعالي لما اكمل نبيّه (ص) بحيثُ لميكن يختار من الامور شيئاً الّا ما يوافق الحق و الصواب و لايحلّ بباله مايخالف مشيّته تعالي في كل بابٍ فوّض اليه تعيين بعض الامور كالزيادة في الصلوة و تعيين النوافل في الصلوة و الصوم و طعمة الجد و غير ذلك مما مضي و سيأتي اظهاراً لشرفه و كرامته عنده و لميكن اصل التعيين الا بالوحي و لميكن الاختيار الّا بالالهام [ص 62] ثم كان يؤكد ما اختاره (ص) بالوحي و لا فساد في ذلك عقلاً و قد دلّت النصوص المستفيضة عليه فيما تقدم في هذا الباب و في ابواب فضاۤئل نبينا (ص) و لعلّه رحمه اللّه ايضاً انّما نفي المعني الاوّل حيث قال في الفقيه و قد فوّض اللّه عز و جل الي نبيّه (ص) امر دينه و لميفوّض اليه تعدّي حدوده و ايضاً هو (ره) قد روي كثيراً من اخبار التفويض في كتبه و لميتعرّض لتأويلها .
الثالث تفويض امور الخلق من سياستهم و تأديبهم و تكميلهم و تعليمهم و امر الخلق باطاعتهم فيما احبّوا و كرهوا و فيما علموا جهة المصلحة فيه ( و ما لميعلموا ظ ) و هذا حقّ لقوله تعالي و ما آتيٰكم الرسول فخذوه و ما نهيٰكم عنه فانتهوا و غير ذلك من الٰايات و الاخبار و عليه يحمل قولهم نحن المحلِّلون حلاله و المحرّمون حرامه اي بيانهما علينا و يجب علي الناسِ الرجوع فيها الينا و بهذا الوجه وَرد خبر ابياسحق و الميثمي .
الرابع تفويض بيان العلوم و الاحكام بما ارادُوا و رأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقولهم او بسبب التقية فيفتون بعض الناس بالواقع من الاحكام و بعضهم بالتقية و يبيّنون تفسير الٰايات و تأويلها و بيان المعارف بحسب ما يحتمل عقل كلّ عاقل و لهم ان يبيّنوا و لهم ان يسكتوا كما ورد في اخبار كثيرة عليكم المسئلة و ليس علينا الجواب كل ذلك بحسب ما يُريهم اللّه من مصالح الوقت كما وردَ في خبر ابناشيم و غيره و هو احد معاني خبر محمد بن سنان في تأويل قوله تعالي لتحكم بين النّاس بما اريٰك اللّه و لعلّ تخصيصه بالنبي (ص) و الائمة (ع) لعدم تيسّر هذه التوسعة لساۤئر الانبياۤء و الاوصياۤء (ع) بل كانوا مكلّفين بعدم التقية في بعض الموارد و ان اصابهم الضرر و التفويض بهذا المعني ايضاً حق ثابت بالاخبار المستفيضة .
الخامس الاختيار في ان يحكموا بظاهر الشريعة او بِعلمِهم و بما يلهمهم [ص 63] من الواقع و مخ الحقّ في كل واقعةٍ و هذا اظهر محامل خبر ابنسنان و عليه ايضاً دلّت الاخبار .
السادس التفويض في العطاۤء فان اللّه تعالي خلق لهم الارض و ما فيها و جعل لهم الانفال و الخمس و الصفايا و غيرها فلهم ان يعطوا من شاۤؤا و يمنعوا من شاۤؤا كما مرّ في خبر الثمالي و سيأتي في مواضعه فاذا احطتَ خُبرا بما ذكرنا من معاني التفويض سهل عليك فهم الاخبار الواردة فيه و قد عرفتَ ضعف قول مَن نفي التفويض مطلقاً و لمّا لميحط بمعانيه و اللّه يهدي من يشاۤء الي صراطٍ مستقيم انتهي كلامه ، و امّا ما كتبتُ عليه فقد كتبتُ عليه كلاماً قليلاً علي قدر هامشة الكتاب مجملاً يجمع لك ان فهمته طرق الحق في اقوال الفريقين من الغلاة و المفوّضة لان كثيراً ممّن يقال فيه بالغلوّ و هو في الواقع مقصّر في شأنهم عليهم السلام و امّا التفويض فالاخبار فيه كثيرة جداً بين نفي و اثباتٍ و انت اذا عرفتَ الامر الواقع من فعل الخالق و من الخلاۤئق عرفتَ التخلّص بطورٍ غير ما ذكره رحمه اللّه لانه نقل الاقوال و قدّر فيها بميزانه و كلّ احدٍ كذلك لان العيار الذي تزِن به العلماۤء واحد لايتعدّد و انّما يتعدّد بحسب افهامهم و لو خلص الحق لميخف علي ذي حِجيً فكتبتُ هكذا : الحقّ الاَولي بالقبول هو ان جميع الاشياۤء لايستغني عن مدد اللّه تعالي في وجودها و بقاۤئها و في جميع احوالها فاعلةً او مفعولةً ذاتاً او صفةً جوهراً او عرضاً فلايكون شئ الّا باللّهِ و لايحدِثُ شئ شيئاً الّا باللّه و مع هذا كله فالعباد مستقِلّون بافعالهم لميفعلوها مع اللّهِ و لايستغنون في شئ من افعالهم عنه تعالي فلميفعلوا شيئاً بدون اللّه تعالي لا فرق في شئ من هذا كلّه بين محمد و آله صلي اللّه عليه و اٰله و لا بين غيرهم افهمتَ هذا ام لا فان فهمتَ جميع هذه الاشياۤء فقد كنتَ علي الحق فلاتكون غالياً اذ لاتري لاحدٍ فعلاً بدون اللّه و لا مشركاً اذ لاتري انهم [ص 64] فاعلون مع اللّهِ و لا كافراً كذلك اذ لاتري انهم فاعلون بدون اللّه و لا مفوّضاً اذ لاتري انهم بنعم اللّه فاعلون علي الاستقلال كما يفعل الوكيل عن موكّله و ان لمتفهم ما ذكرتُ لَك فان سكتَّ فربما تنجو و الّا فلا بدّ ان تقول باحد هذه الامور المهلكة اذا فارقتَ ما حدّدتُ لَك ، انتهي ما كتبتُ مختصِراً مقتصِراً لضيق الهامشة و اعلم ان جميع الامور من هذه و امثالها لاتستقيم منها شئ علي شئ من الحق الّا اذا كان مبنيّاً علي هذه الحدود الّتي حدّدتُ لك بقي فيما ذكر رحمه اللّه اشياۤء ربّما لاتبني علي هذه الحدود في ظاهر القول و هي قوله في الغلوّ انّ منه القول بانهم عليهم السلام كانوا انبياۤء ، و هذا حق من جهة التسمية و دعوي الوحي اليهم علي جهة التأسيس بغير واسطةٍ من البشر و من كون محمد صلي اللّه عليه و آله غير خاتم النبوّة و في كل ذلك ارتفاع لايخفي . و امّا القول بتناسخ ارواح بعضهم فهذا معني ليس فيه ارتفاع ليكون من الغلو الّا علي ارادة قدم نفوسهم و ذلك شئ آخر نعم القول بالتناسخ في نفسه و ان كان باطلاً لايوجب الكفر لكونه غلوّاً و لايكون باطلاً لذلك و انّما كان باطلاً موجباً للكفر لانّ من قال به يريد به قدم النفوس و انتقالها من جسم الي جسم و انه لا جنّة و لا نار و لا معاد فمن هذا كان باطلاً و القول به كفراً . و امّا القول بان معرفتهم تغني عن جميع الطاعات فكذلك ليس من الغلوّ بقولٍ مطلقٍ فانّ مِمَّن قال بذلك يريد به انّ الدّين الذي اراده اللّه من خلقه هو معرفة الرجال و الاعمال انّما هي اسماۤء الرجال و لهذا يقول به في اعداۤئهم و يري ان الفحشاۤء فلان عدوّهم فاذا عرفه اتي بما امره اللّه و ان زَنَي و يقول انّ معني صلّوا اي توالوا الامام عليه السلام لا ذات الاركان فاذا توالي كفاه ذلك و ان لميصل و ان معني لاتزنوا اي لاتتوالوا فلاناً فاذا تبرّأ منه كفاه و ان زني فهؤلاۤء ليسوا من الغلاة و ان حكم عليهم بالكفر من جهة انكارهم [ص 65] لضروريات الدين نعم لو انّ شخصاً رأي بان معرفة الامام عليه السلام تغني عن العمل لانه عليه السلام هو المعبود و معني عبادته معرفته كان غالياً . و امّا قوله في الردّ علي المقصّرين فيهم عليهم السلام حتّي قال بعضهم من الغلوّ نفي السهو عنهم او القول بانهم يعلمون ما كان و ما يكون الخ ، فليس بصحيح علي عمومه امّا في نفي السهو عنهم فان اُريد انّهم لايسهون بتأييد اللّه و تسديده و عصمته لهم فهو حسن و ان اريد به ان ذلك من انفسهم فهو باطل و كذلك في العلم و ما ورد من الاخبار التي يشير اليها فالمراد منها هذا فان المخلوق لايستغني عن الخالق سبحانه طرفة عين في كلّ شئ فمن لميلاحظ هذا المعني فيهم في جميع احوالهم فهو غالٍ ملعون .
و امّا قوله في التفويض و ثانيهما ان اللّه تعالي يفعل ذلكَ مقارِناً لارادتهم كشق القمر الخ ، فهذا و ان كان في معني التفويض في الجملة يمكن قبوله علي وجهٍ لكنه كلام ليس بصحيح لان قوله يفْعل ذلك مقارناً لا معني له في التفويض و لا في نفس الامر امّا في التفويض فيراد منه انه تعالي فوّضَ اليهم شيئاً اي اوصل و انهي و امّا انه يفعل مقارناً فايّ معني للتفويض في هذا و امّا نفس الامر فلا معني للمقارنة بافعاله تعالي فانه تعالي اذا جعل شيئاً سبباً لشئ ليس المراد انه يفعل ذلك الشئ مقارناً لذلك السبب لان المقارن لا سببيّةَ لَهُ بوجهٍ ما و انّما المراد انّه تعالي يفعل ذلك الشئ بذلك السبب كأَنْ يكون سبباً ماۤدّيّاً او سبباً صوريّاً كالمشخصات السّتّة و ما يلزمها و يلحق بهَا و قوله و ان كان العقل لايعارضه كفاحاً الخ ، فان الاخبار السابقة انما تمنع منه اذا اريد منه علي النحو الذي ذكر و لو اريدَ به ما اشرنا اليه سابقاً كانت الاخبار السابقة و اللاحقة داۤلّة عليه و داعية اليه و ذلك لان اللّه سبحانه خلقهم علي هيئة مشيّته و صورة ارادته و اودعهم اسمه الاكبر الذي هو سرّ سلطنتِه في [ص 66] بريّته و اخذ علي جميع الاشياۤء الميثاق بطاعتهم التي هي شرط تكوّنها كما اشار اليه الحسين عليه السلام في الحديث المذكور في ترجمة عبداللّه بن شدّاد حين عاده و هو مريض فهربت الحمّي من عبداللّه فقال قد رضيتُ بما اوتيتم به حقاً و الحمّي لتهرب منكم فقال عليه السلام له واللّهِ ماخلق اللّه شيئاً الّا و قد امرهُ بالطاعة لنا يا كبّاسة فاذا نحن نسمع الصوتَ و لانري الشخص يقول لبّيك قال اليس اَمركِ اميرالمؤمنين عليه السلام اَلّاتقربي الّا عدوّاً او مذنِباً لكي يكون كفارة لذنوبه الحديث ، و قد تقدّم فقول الحمّي له عليه السلام لبّيك حين ناديها و قوله عليه السلام لها الميأمركِ اميرالمؤمنين عليه السلام بيان لقوله عليه السلام واللّهِ ماخلق اللّه شيئاً الّا و قد امره بالطاعة لنا و ذلك ظاهر في ان جميع الاشياۤء تمتَثِل امرهم و قوله (ره) في تعليله انه لميرد ذلك في الاخبار المعتبرة ، ليس بشئ لانّ الاخبار المعتبرة فيه لاتكاد تحصي مثل امر الهادي عليه السلام لصورة السبع التي في مسند المتوكل فقام سبعاً فاكل الساحر الهندي و امر الرضا عليه السلام لصورتي السبع اللتين في مسند المأمون فقاما سَبُعَيْن فاكلا خادم المأمون حين سبّ الرضا عليه السلام و امثال هذا في الاخبار المعتبرة كثير جدّاً و في القرءان المجيد و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و كيف ينكر هذا و امثاله و يقبل ما هو اعظم في حقّ الملاۤئكة الذين هم من سَاۤئر خدّامهم و بنحو ما تجوّزه في الملاۤئكة الذين فيهم موكّل بالسحاب و تصريف الرياح و تقدير الموت و الحيوة و الرّزق و الخلق و غير ذلك تجوّزه فيهم بالطريق الاولي اذ لايجوز شئ من ذلك لاحد من الملاۤئكة مع كثرة وروده في حقهم و صحته و ثبوته عند جميع المسلمين الّا بشرط ان يكون علي وجه لايلزم منه الغلوّ و لا التفويض كما انا لانجوّز شيئاً في حقّهم حيث يرد عنهم الّا علي وجهٍ لايلزم منه الغلوّ و لا التفويض [ص 67] ثمّ انّي اراك تقبل كل ما وردَ من هذا النحو في شأن الملاۤئكة غافلاً عن اشتراطِ هذا الشرط و تتوقّف في قبول شئ مما ورد في شأنهم عليهم السلام مع اشتراط هذا الشرط هذا مع انّك تظهر انّهم افضل من الملاۤئكة و ان الملاۤئكة خدامهم و خدّام شيعتهم تلك اذاً قسمة ضٖيزَي و قوله فيما عدا المعجزات لا معني له لان ما عدا المعجزات هو ما يعمله عاۤمّة الناس و انّما يتوقّف مَن يتوقّف فيما تعجز عنه البشر و هو المعجز و امّا غير المعجزات فهو ما تعمله العاۤمّة من الاكل و الشرب و النكاح و الكتابة و امثال ذلك مما يعمله ابْناۤء النوع من غير الخارق للعادة فلعلّ توقُّفك انّما هو في تمكّنهم من الاكل و الشرب و عدمه لئلّايلزمَك اذا نسبتَ اليهم فعل الاكل و الشرب القول بالغلوّ او التفويض ماادري كيف هذا الكلام و ما اعجبَهُ و امّا احتماله ارادة كونهم عللاً غاۤئيّة للايجاد الخ ، فيمكن تصحيحه علي طورٍ آخر غير ما ذكره و كذا قبول طلبتهم و ارادتهم و ما ذكره من الوجه الثاني من المعني الثاني فصحّته علي طورٍ فوق ما ذكره فاذا اردت حقيقة ذلك فاطلبه فيما سبق من كلامنا في هذا الشرح و كذلك باقي ما ذكر من المعاني لان فهمه لهذه الاشياۤء بعقل النقل عن القاۤئلين بذلك لا بعقل النقل عنهم عليهم السلام و اعلم اني ذكرتُ هذه الكلمات في غير محلها لان محلها ما سبق في قوله عليه السلام و مفوّض في ذلك كله اليكم الّا اني هناك اقتصرتُ و هُنا حصل موجب في وقت الكتابة فاستطردت هذه النبذة و لا حول و لا قوة الّا باللّه .
و قوله عليه السلام : و قبوركم في القبور المعني فيه كالمعني المراد مما قبله و المراد من القبور هذه الاجداث الظّاهرة و الرموس الطاهرة التي دفنوا فيها و يحتمل ان يراد بها الطّباۤئع التي استجنّت فيها العقول و الارواح و النفوس متمازجةً غير متمايزة [ص 68] ظاهراً و ذلك قبل التفصيل الثاني لان هذه الامور الثلاثة كانت في الهيولي الاولي الجوهرِيّة بالقوّة متمايزة و بالفعل متمازجة و قبلها كانت متمايزة بالفعل لمتسبق هذه الحال لها حال كانت فيه متمازجة لا بالفعل و لا بالقوة لانها في توحّدها الاوّل لا تكثّر فيها تكثّر تعدّدٍ و انّما خصصنا بالنفي تكثر التعدّد لا مطلقاً اذ لمتخلق بسيطةً كما قال الرضا عليه السلام و لميخلق شيئاً فرداً قاۤئماً بنفسِه دون غيره للذي اَرادَ من الدلالة علي نفسِهٖ و اثبات وجوده ه ، بل انّما برز كلّ شئ في الوجود متكثّراً تكثّر تركيبٍ اذ لا بدّ لكلّ موجودٍ من ان يكون له اعتبارانِ اعتبار من ربّه و هو وجوده و اعتبار من نفسه و هو مائيّتُه و هذا اشدّ الاشياۤء المكوّنة بَساطةً فهو واحدٌ في الكون الجوهري ثمّ تنزّل الي الكون الهواۤئي ثم تنزّل الي الكون الماۤئي فكان في الكون الاوّل عقله وحده و في الكون الثاني روحه فحصل اثنان متمايزان و في الكون الثالث نفسه فحصلتْ ثلاثة متمايزة بالفعل لمتسبق بتمازج قطّ لا بالفعل و لا بالقوة فلمّا نزلت الي هذه المنزلة كانت فيها متمازجة بالقوّة و متمايزة بالفعل فلما نزلت الي الطبيعة المسمّاة بالقبر المعنوي كانت الثلاثة فيها متمازجة بالفعل متمايزة بالقوة فالثلاثة في الدنيا كالثلاثة قبل الطبيعة و هي في القبور بعد الدنيا كهي في الطبيعة هذا بقول مطلق في الجملة و الّا ففي الحقيقة انّما يكون هذا التشبيه و يجري فيمن لميمحض الايمان محضاً و الكفر محضاً و اما من محض الايمان محضاً و الكفر محضاً فامتزاج الثلاثة انّما يكون في الرّحلتين رحلة الخروج من الدنيا الي القبور و رحلة الخروج من القبور الي المحشر مثل دخولك في النوم الي ان تنام فيعود التمايز و خروجك من النوم الي اليقظة فيعود التمايز و كذلك في الرحلتين الاوّلتين رحلة الدخول في الطبيعة و رحلة الخروج منها فالطبيعة هي القبر الاوّل قبل الدّنيا و هو المشار اليه بقوله تعالي [ص 69] كيف تكفرون باللّه و كنتم امواتاً فاحيٰكم ثم يميتكم ثم يحييكم يعني و كنتم امواتاً قبل هذه الدنيا و ذلك بعد ان كلّفهم في عالم الذّرّ فقال لهم الستُ بربّكم قالوا بلي فاجاب من اجاب و انكر من انكر و سكتَ من سكتَ ثم كسرهم في الطبيعة فكانوا طيناً و تراباً ثم احياكم اي بعثكم من قبور طباۤئعكم كما قال تعالي اومن كانَ ميتاً فاحييناه و جعلنا له نوراً يمشي به في النّاسِ نزلت في شأن مَن كانوا اَمْوَاتاً بالكفرِ وَ النفاق و قولنا اَنَّ المعني في هٰذَا كالمعني يشمل كلّما ذكرنَا هنا فيكون المعني افدي قبوركم ما بين القبور و علي الظَّرْفيّة يكون المراد ان قبورهم الطَّبيعيّة في ساۤئر القبور الطبيعيّة لغيرهم بالقيوميّة اما الطّبيعية الطيّبة فبباطن طباۤئعهم و امّا الخبيثة فبظاهرهَا من قبلها و لهذا اخبر تعالي عن موت طباۤئع مَنْ سواهم الّا مَن جعل له نوراً من طباۤئعهم عليهم السلام احياه به و جعله يمشي به في الناس ففي الكافي بسنده الي بُرَيْد قال سمعتُ اباجعفر عليه السلام يقول في هذه الٰاية ميتاً لايعرف شيئاً و نوراً يمشي به في الناسِ اماماً يأتمّ به كمن مثله في الظلمات لايعرف الامام و في تفسير العياشي مثله و فيه عن بريد العجلي قال سألتُ اباجعفر عليه السلام عن هذه الٰاية قال الميت الذي لايعرف هذا الشأن يعني هذا الامر و جعلنا له نوراً اماماً يأتمّ به علي بن ابيطالب كمن مثله في الظلمات قال بيده هكذا هذا الخلق الذين لايعرفون شيئاً و في مناقب ابنشهراشوب قال الصادق عليه السلام كان ميتاً عنّا فاحييناه بنا و في تفسير علي ابن ابراهيم قال جاهلاً عن الحق و الولاية فهديناه اليها و جعلنا له نوراً يمشي به في الناس قال النور الولاية و في الكافي عن ابيعبداللّه عليه السلام قال في حديث طويل و قال اللّه عز و جل يخرج الميت من الحي و يخرج الحي من الميت فالحيّ المؤمن الذي يُخرج طينته من طينة الكافِر و الميت الذي يخرج من الحيّ الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن فالحيّ المؤمن و الميت الكافر [ص 70] و ذلك قوله عز و جل اومن كان ميتاً فاحييناه فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر و كانت حياته حين فرق اللّه عز و جل بكلمته كذلك يخرج اللّهُ عز و جل المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها الي النور و يخرج الكافر من النور الي الظلمة بعد دخوله في النور و ذلك قوله تعالي لينذر من كان حيّاً و يحق القول علي الكافرين و قوله تعالي احييناه و جعلنا لاينافي ما اشرنا اليه من القيّوميّة المرادة من الظرفيّة لِاَنّ قيوميّة الخلقِ انّما هي شئٌ و قيّوميّةٌ بامر اللّه و فعله و قوله عليه السلام حين فرّق اللّهُ بينهما بكلمته المراد بالكلمة فيه هي الفعل و هي المشيّة و الارادة المعبر عنهما بِكُنْ بلْ علي قوله حين فرّق الي آخره تكون تلك القيوميّة قيوميّة فعله امّا لانّ القيوميّة حقيقة انّما هي قيوميّة فعله عز و جل او لأنّ طبايعهم عليهم السلام ايضاً فعله لأنا قد بيّنّا فيما سبق ان فعله لما شاۤء ليس بذاته و انما هو بفعله او بمفعوله و انّ مفعوله فعله لمفعولات ذلك المفعول و هو المشار اليه بقوله عليه السلام و القي في هويّتها مثالَهُ فاظهر عنها افعالَهُ ه ، اذ لو لمتكن افعال مفعوله مفعولاتٍ له تعالي بفعله الذي هو مفعوله لكانت مفعولاتٍ لمفعوله بدونه تعالي فيلزم التفويض المستلزم لأثباتِ الشريك له في ملكه تعالي عمّا يشركون كما انّه لو كانت مفعولاتٍ له بدون مفعوله لزم الجبر سبحان اللّه عمّا يَصِفُونَ و ليس قولنا انها مفعولاتٌ له تعالي بمفعوله انا نريد انّها حدَثَتْ بهٖ تعالي مع مفعوله بل هُوَ عزّ و جلّ واحد في فعله لايشرك احداً و المفعول مستقِلّ بفعله وحده و لايفعل الّا ما شاۤء اللّهُ و المراد ان اللّه سبحانه يحدثُ مادة الفعل بالعبد و العبد يحدثُ صُورة الفعل باللّهِ و اللّه سبحانه يخلق العمل من تلك المادة و تلك الصورة و ذلك العمل المخلوق من تلك المادة و تلك الصورة هو الثّواب و العقاب و لذلك اختصّ ذلك [ص 71] الثواب او العقاب بذلك العبد دون غيره انّ في ذلك لعبرةً لاولي الالباب كلّ هذا و امثاله ممّا تقدم مبْني علي الصنع بالاسباب لاجل التعريف و البيان و ترجيحاً لجانب اللطف بالعباد و الّا فانه عز و جل سبب مَن لا سبب لَهُ و سبب كلِّ ذي سَبَبٍ و مسبّبُ الاسباب من غير سبب ما شاۤء اللّه كان و ما لميشأ لميكن حسبنا اللّه و نعم الوكيل .
قال عليه السلام : فما احلي اسماۤءكم و اكرم انفسكم و اعظم شأنكم و اجَلّ خَطَركم و اوفي عهدَكم .
قال في القاموس الحُلو بالضم ضدّ المرّ حلي كرضي و دَعا و سرق حلاوةً و حلواً و حُلواناً بالضمّ و احلولَي و حلِي الشئ كرضِيَ و استحلاه و تحلّاه و احلولي بمعنيً و قولٌ حَلِيٌّ كغنيٍّ يحلولَي في الفم و حلي بعيني و قلبي كرضِيَ و دعا حلاوةً و حَلْواً و حُلواناً او حلي في الفم و حلي بالعين انتهي ، و في غيره ما يقرب من معناه فالحلاوة هي ما يلايم في كلّ شئ بحسبه و ما يلذّ له و تستعمل للحسّيّة و المعنويّة فالحسّيّة تدرك باللسان للقوّة الذاۤئقةِ و بالانف للقوّة الشّاۤمّة و بالعين للقوّة الباصرة و بالاذن للقوّة السامعة و بالبشرة للقوّة اللامسة فالملايم لها حلاوة و المنافر لها ضدها ، و المعنويّة قسمان باطنة و معنوية فالباطنة خمس الحس المشترك و فعله ادراك الخيالات الظاهرة و المراد انه قوة مركّبة من بين الحِسَّيْن الظاهر و الباطن و هو معني كونه مشتركاً فتدرك به كونَ الشئ الواحد اذا ادَرْتَهُ كرةً و هذا الشَخص المسمّي بالحس المشترك له عينان العين اليمني من الحواس الباطنة و العين اليُسْري من الحواس الظاهرة لان اليمني تنظر بالماۤء الذي وضع الخيال كرسيّه عليه مثلاً اذا نظرتَ الي شئ ادرتَهُ انطبعت [ص 72] صورة ذلك الشئ نفسه في عين هذا الشخص اليسري و انطبعَتْ دَوْرَتُهُ في عينه اليمني فرأيتَ دائرة لميجدها هذا الشخص الّا في ذلك الماۤء الذي وضع الخيال كرسيَّهُ فيه فيستحلي ما لايَمهُ و الثاني الخيال قيل انه واضع كرسيّه علي الماۤء و طبعه ماۤئل الي الرطوبة و هو كثير النسيان لكنه سريع الانفعال بما يرد عليه و الثالث الوهم قد وضع كرسيّه علي النار و طبعه ماۤئل الي اليبوسة قيل انه بعيد الفهم الّا انه اذا فهم لاينسي كذا قيل و هذا الشخص مثل منه من ظاهره فيما يسطو به علي اعداۤئه و امّا حقيقته فانه قد وضع كرسيّه علي النهر الذي يصبّ في الحوض و طبعه بارد فيما يلقي به اولياۤءه و الرابع الفكر قيل انه وضع كرسيّه في الهواۤء و طبعه ماۤئل الي البرودة يكذب و يتّهم و يفتري فيها و يحكم علي الذي لايعرف فلايلتفتُ اليه و قيل ان لونه اشهب و طبعه يتقلّب و هو مظهر عطارد الكوكب فهو ابداً يكتبُ و الخامس الحفظ قيل هو شخص قد وضع كرسيّه علي الارض و طبعه ماۤئل الي الاعتدال و هو يحفظ افعال البوّابين كلّها قيل و هو الشخص الذاكر الذي قد وضع كرسيّه علي الماۤء و طبعه ماۤئل علي ( الي ظ ) الحرارة و الظاهر انّ وجه اختلاف الطبعين و محلّ الكرسي انّما هو بالنظر الي حالتي هذا الشخص فانه انما سمي ذاكراً لانّه لايكون حافظاً مع النسيان و اذا لوحظ كونه ذاكراً انّما يلاحظ في حالة تَلَقّٖيه من البوابين و هذه حالة يضع فيها كرسيه علي الماۤء لان الماۤء منه القوّة الدافعة و هذه الحالة ايضاً تقتضي الحرارة لانها حالة الطلب و الاخذ من البوابين و اذا لوحظ كونه حافظاً انّما يلاحظ في حالة اطمئنانه و سكونه عن الاخذ و الطلب و هو في هذه الحالة قد وضع كرسيه علي الارض لان القوّة الماسكة منها و طبعه حينئذٍ الاعتدال يعني عدم حرارة الطلب و التلّقي فهذه الخمسة حلاوتها ما يلايمها بنسبته [ص 73] و المعنويّة عندنا ما يجدها العقل و يدركها بغير واسطة من الروح و النفس و غيرهما و امّا ما تدركه الروح فله اعتباران من حيث عدم تمام الصورة يقال له معنوي اذا ادركته بغير واسطة و من حيث انّ ما فيها انّما هو المُضَغ المعنويّة و هي مخلّقة و غير مخلّقة يقال له باطني فيلحق بالاعتبار الاوّل بالعقل و بالاعتبار الثاني بالنفس ثم انه قد تقدّم انّ الاسم يطلق علي اللفظي و غيره و هو النقشي و التصوّري و العددي و المعنوي الذي هو الصفة كالنور للشمس فاللسان يدرك الاسم المعنوي و يجد حلاوته بالقوّة الذاۤئقة و قد تقدّم الاشارة الي ذلك عند قوله عليه السلام و اسماۤؤكم في الاسماۤء مما دلّت عليه الاحاديثُ المتكثّرةُ و قد ذكرنا فيما مضي بعضاً منها في البطّيخ و غيره من طرق العاۤمّة و الخاۤصّة بانهم عليهم السلام عرضت ولايتهم علي كلّ شَئٍ فما قبلها استحلي و ما لميقبلها مرّ و خبث مع قول علي عليه السلام كما مر لسلمٰن انا الذي كُتب اسمي علي العرش فاستقرّ و علي السموات فقامت و علي الارض فرست و علي الريح فذرت ( فدارت خ ) و علي البرق فلمع و علي الودق فهمع و علي النور فسطع و علي السحاب فدمع و علي الرعد فخشع و علي الليل فدجَي و اظلم و علي النهار فانار و تبسّم ه ، و الاسم هو الصفة كما تقدم عن الرضا عليه السلام لما سئل ما الاسم فقال صفة موصوف فان قلتَ انّ هذه الاخبار من موضوعات الغلاة و لو سُلِّمت كان معناها غير هذا لانّ ما تقول غير معقول قلتُ الاحاديث الدالّة علي هذه المعاني روتها اعداۤؤهم الذين يبالغون في اطفاۤء نورهم و محو فضاۤئلهم و انت يا محبّهم الذي عرّضكَ اللّه لخيرهم و خلقك لتكون مظهراً لفضاۤئلهم حاولتَ في اطفاۤء انوارهم و محو فضاۤئلهم بطَوْرٍ لمتصل اليه اَعْداۤؤهم فلعلّك لستَ الصديقَ الذي قال فيه الشاعر :
[ص 74]احذر عدوَّكَ مرّةً و احذر صديقَكَ الفَ مرّة فلربّما انقلَبَ الصديق فكان اعلَم بالمضرّة
و ايضاً سلّمنا انّ فيها احاديثَ مكذوبة لكن لانسلّم انها كلّها مكذوبة بل اكثر ما فيها متواتر المعني و الحكمة ضالَّةُ المؤمن حيثما وجدها اخذها ثم فأيّ ضررٍ تخافه و اي محذورٍ تخشاه في ذلك فان كنت تقول اخاف الكفر و الغلو فتدبّر ما بيّنتُ لكَ في مواضعَ كثيرةٍ من هذا الشرح يظهر لك علي جهة القطع و الضرورة انّك مع هذا القول من المقصّرين لا من الغالين فان قلتَ من اين لك هذه التوجيهات الغريبَة و التأويلات البعيدة قلتُ لك ليسَتْ بعيدة و انّما استبعدتها لعدم انسِك بها انهم يرونه بعيداً و نراه قريباً علي انّك تدبّر كلامي و لاتستعجل فان اللّه سبحانه يقول بل كذّبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمّايأتهم تأويله و الشاعر يقول :
فهب انّي اقول الصبح ليلٌ ايعمَي الناظرون عن الضياۤءِ
و انا انّما قلتُ عن الدليل القطعي الضروري و دليلي علي هذه الدعوي انّك تأمّل كلامي من غير معارضة حتّي تفهمه فاذا فهمته كما اردتُ فيما اوردتُ و لميحصل لك القطع البديهي فاعلم اني مفترٍ كذاب و الميعاد يوم الحساب ان افتريته فعليّ اجرامي و انا بريۤء ممّا تجرمون و الانف يشمّه و لقد روي ما معناه انّ فاطمة عليها السلام لمّا وضعتها خديجة رضي اللّه عنها بل عليها سلام اللّه لانها وعاۤء السلام و نورِ دار السلام لمّا وضعتها فاحَ الطيب حتّي ملأ جميع الارض و الٰافاق كلّها كما ان الشمس اذا طلعت اشرق اسمها علي جميع الٰافاق كذلك الحوريّة القدسية صلي اللّه عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها لما طلعت في هذه الدار فاح الطيب الذي هو اسْمُهَا علي ما قرّرنا لكَ و العين تدرك بالقوّة الباصرةِ الاسم المعنوي و الاسم النَّقشي اما ادراك العين لحلاوة الاسم المعنوي [ص 75] فظاهر لانّ الاَلوان الجميلة و الرياش من اللباس و الهيئات الحسنة و الصُّور الجَميلة المستحسنة في ساۤئر الحيوانات و ساۤئر النباتات و ساۤئر المعادن و الجمادات من جميع الصّفات من الالوان و المقادير الهندسيّة و الاشكال و الصقالة و الشّفافيّة و الصلابة فيما يستحسن فيه و اللّٖين كذلك و الخفّة فيما تستحسن فيه و الثقل كذلك و الحاصل جميع الصفات و اضدادها فيما يستحسن فيه و تدرك الاذن بالقوّة السَّامعة ما كان صوتاً او ظلّ صوتٍ كالصدا و كذلك البشرة تدرك بالقوّة اللامسة ما كان كيفيّة من حرارة و برودة و رطوبة و يبوسة و مَا كان صلابة و ليناً و ما كان هندسة و الحاصل ما اشير اليه من كونه مدركاً عند ذكر العين منه مدرك للباصرة و اللّامسة و منه مدرك للباصرة و منه مدرك للّامسة و كلّ ذلك اسماۤؤهم و اسْمَاۤء اسماۤئهم فما كان مستحسناً بنسبة ملايمة المدرك اَدْرك حلاوته و كذلك الحواۤسّ الباطنة فانَّها لاتُدرِك في محاۤلّها الّا الاسماۤء المنتزعة من الجواهرِ وَ الاَعْراض و هي اسماۤؤهم و اسماۤء اَسْماۤئهم علي نحو ما ذكرنا في الحواۤسّ الظاهرة فاسماۤؤهم اللّفظيّة يدرك حلاوتها اللسان لسلامتها من الغرابة و التعقيد و التنافر و ما اشبهها المتعلّقة بمواۤدّ الاسماۤء و هيئاتها فلايكون اسلس منها عند النطق بها و الاذن كذلك في اصواتها في مواۤدّها و هيئاتها فاللفظية للأذن و الرقمية للعين و الصورية للخيال و المعنوية للعقل و العددية و المعنوية فكرية او عقلية روح الرقميّة و اللفظية فالعدديّة قوي اللفظية و كميّة تنزل المعنويّة فاذا تنزّلت في الاستنطاق ظهرت باسماۤئها كما قيل ان بيّنات اسم محمد صلي اللّه عليه و آله زبر اسلام فلمّا تنزّلت اعداد بيّناته ظهرت باسمها و هو اسلام الذي هو صفة النبوة و اثرها لانّ البيّنات صفة الزُّبر و اسمه فبيّنات اسم محمد صلي اللّه عليه و آله : ي م ا ي م ا ل ، و عددها مائة و اثنان و ثلاثون و هو عدد زُبر اسلام لانّه واحد و ستون و ثلاثون [ص 76] و واحد و اربعون و هي مائة و اثنان و ثلاثون و بيّنات اسم عليّ عليه السلام زُبر ايمان لان بيّنات اسمه : ي ن ا م ا ، و ذلك مائة و اثنان و انّما كان نفس بيّنات اسم عليّ عليه السلام ايمان من غير جمع و لا استنطاق بخلاف بينات اسم محمد صلي اللّه عليه و آله فيحتاج في ظهور اسلام منها الي جمع اليائين الي م ليكون سيناً لظهور الايمان من صفته عليه السلام لاختصاصه و عدم اشتراكه بغير المؤمنين بل هو علامة المؤمنين و محَكّ الايمان و النّفاق لانه الميزان الحقّ حتي انه روي انّ عايشة قالت :
اذا ما التّبرُ حُكَّ علي مَحَكِّ تبيّنَ غِشُّه من غير شَكِّ
و فينا التّبْرُ و الذهبُ المُصَفَّي عَلِيٌّ بينَنا شِبْهُ المحَكِّ
و هو اليمين التي قبض سبحانه بها قبضةً فقال للجنّة و لااُبَالي و لميشترط لنفسِهٖ في ذلك البداۤء و امّا محمّد صلي اللّه عليه و آله و ان كان اصل الخير و الهدي و انّما عَلَا عليٌّ عليه السلام بعُلوِّ محمد صلي اللّه عليه و آله و تشرف بشرفه فانه كان في الظاهر مشترك الاتّباع فلمتكن نفس بيّنات اِسمهٖ اسلام الّا بالجمع لان من اتباعه مَن ليس من الاسلام في شئ فاذا جمع اي ضمّ كلّ شئ الي اصله خلص به الاسلام الذي يجري عليه ظاهر الشريعة و لاجل هذا الاشتراك قالَ صلي اللّه عليه و آله ما اختلفوا في اللّهِ و لا فِيَّ و انّما اختلَفُوا فيك يا عليّ فاذا جرت اعداد اسماۤئهم كما سمعت علي الخيال وجد لذّة الاستقامة في الاستنطاق لموافقته الطبع من غير تكلّف فلاجل ما يجد من حلاوة اسماۤئهم ينشرح الصدر بحلاوة المعرفة و طعم الايمان و ان كان قد اختلفوا في حلاوة الايمان هل هي معقولة ام محسوسة في قوله عليه السلام حرام علي قلوبكم ان تجد حلاوة الايمان حتي تذهب في الدنيا و ظاهر الحديث في قوله علي قلوبكم انها معقولة و الحقّ انها في العقول في ما يتعلّق بالجنان معقولة [ص 77] و فيما يتعلق باللسان و الاركان محسوسة و ليس الشرح الّا بالهدي كما قال تعالي فمن يرد اللّه ان يهديَهُ يشرح صدره للاسلام و هو تأويل قوله تعالي اللّه نزّل احسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم الي ذكر اللّهِ ذلك هدي اللّه يهدي به من يشاۤء و قال تعالي فبشّر عبادي الذين يستمعون القول فيتّبعون احسنه اولۤئك الذين هداهم اللّه و اولۤئك هم اولوا الالباب و احسن القول هو الامام كما في قوله تعالي و لقد وصّلنا لهم القول لعلّهم يتذكرون ، في الكافي في هذه الٰاية عن الكاظم عليه السلام امام الي امامٍ و في تفسير علي بن ابراهيم عن الصادق عليه السلام امام بعد امامٍ و امّا المعنوية فما تدرك به عقول شيعتهم من البصاۤئر فممّا كتب عليها من اسماۤئهم كما كتب اسم الشمس علي الارض فاشرقت بذلك الاسم اي بنورها و كذلكَ ما تدركه ارواحهم و نفوسهم و ساۤئر مشاعر الانسان و حواۤسُّهُ فكلّه امّا اسماۤؤهم اوْ اسماۤءُ اسماۤئهم و ليس في شئ ممّا ادركه من اسماۤئهم اوْ اسماۤءِ اسماۤئهم منافرة له بل كلها ملايمة محبوبة و هي الحلاوة المرادة و قد توجد الملايمة في شئ غير ما ينسب لهم الّا انه بحالٍ دون حالٍ كما في بعض ما علي الارض الذي جعله اللّه زينةً لها ليبتَلي به عباده ايّهم احسن عملاً فان امثال ذلك قد يستحسن في حال النّظر الي زينة الدّنيا و لو نظر الي زوالها و فناۤئها لميستحسن فحلاوته لايتعجّب منها و امّا ما ينسب اليهم صلي اللّه عليهم فهو مستحسن في كلّ حال فلذا صحّ علي الحقيقة ان يتعجّب من كمال ملايمته و لزومها فيقال ما احسن ذلك و ما احلاه فلذا قال عليه السلام فما احلي اسماۤءكم و مرادنا باسماۤءِ اسماۤئهم ما كان اسماً لافعالهم الحقيقيّة و افعال شيعتهم التي اخذوها عنهم و تابعوهم بها فانها و ان كانت اسْماۤء شيعتهم الّا انّها اسماۤء اسماۤئهم لأنّ مسمّياتها امّا شيعَتهم او افعالهم و كلُّ ذلكَ اسماۤؤهم [ص 78] فاذا صح ان يراد بالاسماۤء ما هو اعم من اللفظيّة كما دلّت عليه الروايات و غيرها و عرفتَ المراد من الحلاوة العموم فهي في كلّ مدركٍ بنسبته و عرفتَ انّ المدركات انّما تدرك بنسبة رتبته من الشعور و حلاوته بنسبة ملايمته لما ادرك فهي باعتبار قوّة الملايمة و ضعفها مشكِّكةٌ و عرفتَ انّ الملايمة من اسماۤئهم عليهم السلام اعظم من غيرها من ساۤئر الاسماۤء امّا اسماۤء الخلق فظاهر و امّا اسماۤء الخالق عز و جل فاعظمها ذواتهم و اسماۤؤهم عليهم السلام المعنويّة لانّ اسماۤءه ( ئهم خ ) المعنويّة هي ذواتهم و صفاتهم و اسماۤؤهم المعنويّة و اسماۤءهُ تعالي اللّفظيّة مسمياتها ذواتهم و اسماۤؤهم المعنوية اذ ليس له تعالي اسماۤء الّا اسماۤء افعاله و هم معاني افعاله فاذا تبيّن لك هذه الامور عرفت ما اَردْنا من معني قوله عليه السلام فما احلي اسماۤءَكم و ربّما وجدتَ حلاوة اَسْماۤئِهم في بعض مشاعِرك و مَدارِكِك اَوْ كلّها و اللّه يرزق من يشاۤء بغير حِسَابٍ .
و قوله عليه السلام : و اكرم انفسَكم المتعجّب منه كرمُ نفوسهم بمعني سخاۤئها الشامل لجميع الموجودات من جميع الخلاۤئق بل جميع الممكنات امّا المكوّنات فلما تقدّمَ مما اشرنا اليه من ان جميع الكاۤئنات انّما تكوّنت باربع عللٍ الاُولي الفاعلية و هي انّما تقوّمت بهم لانهم محاۤلّ مشيّة اللّه و اَلْسِنةُ ارَادتِهٖ و امّا الثانية فالعلّة الماديّة و كلّ مكوّنٍ انّما خُلِق من فاضلِ انوارهم لان فاضل انوارِهم اي شعاعها هو الوجود المقيّد الذي خلق منه مادة كلِّ مكوّنٍ و هذا معني قول الحجة عليه السلام في دعاۤء شهر رجب اعضاد يعني انّ اللّه تعالي اتّخذهم اعضاداً لخلقه اشار عليه السلام بذلك الي مفهوم قوله تعالي و ماكنتُ متّخِذَ المضلّٖين عضداً يعني انّي انّما اتّخذتُ الهادين عضداً صلي اللّه عليهم و هو عضد الخلق [ص 79] كما اتّخذَ النجّار الخشب عضُداً لعمل السرير فافهم و قد تقدّم هذا المعني مكرراً فراجع و الثالثة العلّة الصوريّة لانّ اللّه سبحانه خلق صُوَر المكوّنات من اشباحِ صورهم يعني صور امثالهم و مقاماتهم في اعمالهم و اقوالهم عن باطنهم الذي فيه الرحمة و اتباعهم صُبِغوا في هذه الهياكل الشريفة الّتي هي صبغ الرحمة الّذي اليه اشار جعفر بن محمد عليهما السلام في قوله انّ اللّه خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فهذا النور هو المادة الذي هو الفاضل المذكور سابقاً و الصبغ هو هذه الهياكل و امّا اعداۤؤهم فصورُهم من صور امثالهم و مقاماتهم في اعمالهم و اقوالهم عن ظاهرهم الّذي من قبله العذاب و معني هذا انّ مَن اجاب دعوة اللّه في الذرّ الي طاعتهم خلقه من حدود اعمالهم لايجاده و تلقينهم له كلمة القبول و انَّ مَن لميجب دعوة اللّه سبحانه في الذرّ الي طاعتهم خلقه من حدود ذَوْدِهم له و تركهم له و منعهم المعونة فقبِل بداعي انّيَّةِ نفسِهٖ و هو الانكار و هو ظاهرهم الذي من قبله العذاب و اَزٖيدُكَ بياناً في هذين انّك تلقَي مَن احبّك و اطاعك بباطن رحمةٍ مِنْك و عطفٍ عليه و لطفٍ به فيظهر له من باطنك الرحمة و اللطف البشري فاذاً انت قد ظهرتَ له في احسن صورةٍ و اجمل صفة و تلقي مَن ابغضَك و عصاكَ بغضبٍ وَ اِعْراضٍ عنه و وجهٍ عَبُوسٍ فحالتُك الّتي لقيتَهُ بها مثالُكَ و مقامُكَ اي ظهورك بالغضب و هو ظاهر من قبلك لان الرحمة سبقت الغضب في الوجود فهي باطن و ذاتي و الغضب انما عرض للمنافي فهو ظاهر و لهذا تنسب الرحمة الي الذات و ينسب الغضب الي الفعل فيقال انّ اللّه هو الغفور الرحيم و لايقال الغَضُوب قال تعالي ان ربَّك سريعُ العِقَاب و انّه لغفُورٌ رحيم و الرابعة العلّةُ الغاۤئيَّةُ و لوْلاهُمْ لميخلق اللّه شيئاً مِن خلقِهٖ و انّما خلقهم لاجلهم فكلّ مَن سواهم من الخلق لهم فانظر الي خيرهم الوَاصِل الي كلّ واحدٍ من الخلق في اصلِ تكوّنه [ص 80] و امّا الممكناتُ فكل واحدٍ منها لاۤئذ بما هو فيه من الفقْر بجنابِ الغَنِي الحميد سبحانه و تعالي و هم عليهم السلام ذلك الجناب المنيع و الشّأن الرفيع كما في دعاۤئه عليه السلام الهي وقف الساۤئلون ببابك و لاذ الفقراۤءُ بجنابكَ و هذا كلّه في الوجود الّذي هو ظاهر الشَئ و اَمّا مَا يَتَعلّق بالاعتقادات و الاعمال الصّالحة التي لاجلها جاۤء التكليف و هم اَصْله و هُوَ فرعهم و ذلك لانّهم هم المعلّمون للخلاۤئق معرفة الخالق و كيفيّة طاعته و عبادته و تسبيح الملاۤئكة و تهليلهم و تمجيدِهم للّه سبحانه و ساۤئر الخلق قال عليّ عليه السلام نحنُ الاعراف الّذين لايعرف اللّه الّا بسَبيلِ معرفتِنا و قد ذكر اللّه سبحانه ذلك في كتابه فقال تعالي و اذ تقول للّذي انعَم اللّه عليه و انعمت عليه فاخبر تعالي بانّ نبيّه صلي اللّه عليه و آله منعِمٌ و ذو فضلٍ في قوله تعالي الّا اَن اغناهم اللّه و رسوله من فضله و يجري لهم ما يجري لرسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و قد تواردَتْ اخبارهم عليهم السلام بخيرهم الفاۤئض علي ساۤئر الخلق و المؤمنون يعرفون ذلك هذا علي معني الكرم بمعني السخاۤء و علي معني الرّضا و الحسن كما في قوله تعالي انه لقرءان كريم اي حسن مرضي يكون المعني التّعجب من حسن انفسكم في ذاتها و في طباعها فانّ كلّ مَن عرف من ذلك استحسنه و ارتضاه من اولياۤئهم و من اعداۤئهم وَ انما يعادونهم حسداً لهم علي ما يشاهِدونَهُ و علي معني النفع يدخل في الاول لانّ المعني فيه ما اعمّ نفع انفسكم و اشدّه و علي معني التفضيل كما في قوله تعالي ارأيتك هذا الذي كرّمتَ عَلَيَّ اي فضّلتَ علَيَّ يكون المعني ما اشدّ تفضيله سبحانه ايّاكم علي مَنْ سِوَاكم حتّي اغناكم بما آتيٰكم عن جميع خلقه و جعل جميع خلقه محتاجين اليكم في كلّ شئ و كذلك علي معني التفضيل بحسن الصورة و اعتدال المزاج و اعتدال القامة و التمييز بالعقل و الافهام بالنطق و الاشارة [ص 81] و الخطّ و الهداية الي اَسْباب المعاش و المعاد و التَّسلُّط علي ما في الارض و التمكن من الاعمال و الصناعات و انسياق الاسباب و المسبّبات الي ما يعود اليه عملهم بالمنافع الي غير ذلك كما في قولِه تعالي و لقد كرّمنا بني آدمَ فانه يكون المعني انّكم في هذه الاشياۤء التي كرِّم بها بنوٰادم علي ما سواهم في اقصي مراتب امكانها في اصل وجودِها و مع انضمام ما نٖيطت به تبلغ كمالاً علي وجهٍ غير متناهٍ في امكانِها فلذا حسن التعجّب علي الحقيقة مع مشاركة بني النوع فيها ظاهراً ليتمكن بالمقايسةِ من مقتضي التعجّب و قولي ظاهراً قيد للمشاركة و للنّوع لان الحقيقة انّ ما كان لهم عليهم السلام من هذه الامور لميشركهم فيه اَحدٌ اذ لميصل احدٌ من الخلق الي رتبتهم ليشاركهم و كذلك النوع فانّهم انّما يدخُلون في النوع ظاهراً و الّا ففي الحقيقة هم خلق آخر فوق بني آدم و انما بنوٰادم بمنزلة الاسماۤء مثل لفظ زيدٍ و معناه اذ لايقال في الحقيقة ان اللفظ من نوع زيد الذي هو الحيوان الناطق و انّما دخلوا في النوع ظاهراً كما دخل روح القدس الذي هو من امر اللّهِ في نوع الملاۤئكة مع انه ليس من نوعهم و لهذا قال عليه السلام انه خلق اعظم من الملاۤئكة و لهذا لمّا اَمرَ اللّه تعالي الملاۤئكة بالسجود لٰادم فقال لهم اسجدوا لٰادم فلمّا سجدوا اخبر عن ذلك فقال فسجد الملاۤئكة كلهم اجمعون الّا ابليس فلميستثنِ الّا ابليس مع انّ روح القدس و روح من امر اللّه و الروح الّذي علي ملاۤئكة الحجب الاثنان لميسجدوا فلمّا عاتب ابليس بعدم السجود قال له استكبرتَ ام كنتَ من العالين و هم هؤلاۤء الاربعة و لو كانوا من الملاۤئكة لسجدوا هذا و كثيراً ما يطلق علي احدهم الملك فقال اميرالمؤمنين عليه السلام لمّا سئل عن العقل الذي هو روح من امر اللّه قال ملك له رؤس بعدد الخلاۤئق الحديث ، فدخولهم (ع) في نوع بني آدم كدخول هؤلاۤء العالين في نوع الملاۤئكة [ص 82] فلا مشاركةَ في هذه الامور الّتي فضّل اللّه بها من شاۤء بمعني انهم عليهم السلام خلقهم اللّه سبحانه قبل الخلق بالف دهر علي هذه الصفات المحمودة فلمّا اراد ان يخلق ساۤئر خلقه اخذ من فاضل شعاعهم مواۤدّ الخلق و صورهم و اخذ من فاضل شعاع هذه الامور المذكورة و هو اسماۤؤها فخلق عليها ساۤئر بني آدم اعني هذا النوع كما انّ حقيقة هذا النوع مواۤدّهم و صورهم خلقها من اسماۤء مواۤدّهم عليهم السلام و صُوَرِهمْ و انّما شركنا في ما فيهم من هذه الصفات غيرهم لاجل ظاهر التّسمية فلك ان تقول ان ما في بني آدم من هذه الصفات مجازات تلك الحقاۤئق كما ان حقيقة بني آدم مجازات حقاۤئقهم عليهم السلام و هم مجازات الحق عز و جل اماتري قوله تعالي في حق علي عليه السلام و ان هذا صراطي مستقيماً ، و انّهم ليصدونهم عن السبيل و الائمة عليهم السلام كذلك و لك ان تقول انّ ما فيهم حقيقة و ما في بني آدم حقيقةٌ بعد حقيقةٍ و علي هذا التوجيه يكون التعجّب ممّا لايدرك كنهه و لا صفته الّا من جهة ادراك الاسماۤء و علي معني الايمان كما روي خير الناس مؤمنٌ بين كَرٖيمين اي بين ابوَيْن مؤمنين لانّه يكتسب مع ايمانه من ايمانهما فالتعجّب كذلك كما قال تعالي في حق جدّهم صلي اللّه عليه و آله فٰامنوا باللّه و رسوله النبي الامي الذي يؤمن باللّهِ و كلماته الاۤية ، فانهم قد حذوا حذوَهُ و جري لهم ما جري لرسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و علي معني مكارم الاخلاق كما روي انه صلي اللّه عليه و آله خص بها و هي عشرة و هي من شعب الايمان اليقين و القناعة و الصبر و الشكر و الحلم و حسن الخلق و السخاۤء و الغيرة و الشجاعة و المروّة و التّعجب حينئذٍ في كمالها لهم و اجتماعها فيهم و علي معني التقوي كما قال تعالي ان اكرمكم عند اللّه اتقيٰكم اي اشدّكم تقوي للّهِ او اشدّكم عملاً بالتّقيّة فظاهر و كذا اذا اخذ من القُدْس فما اكرم انفُسهم و اطهَرَها .
[ص 83] و قوله عليه السلام : و اعظم شأنكم و اَجلَّ خطركم يراد به ما اعظم امرَكم او حالكم اي ما اعظم ما تكونون فيه من شأن لانّ اللّه سبحانه خلقهم له لا لانفسهم و لا لشئ غيره تعالي فهم محاۤلّ مشيّته و الْسِنةُ ارادته ففعلهم فعله تعالي و قولهم قوله تعالي فكيف توصف عظمةُ شأنهم و هم ابداً في حالٍ للّهِ فيهم و في خلقه و لهم في هذين الحالَيْن حال خاۤصةٌ امّا في المقامات اَوْ في المعاني او في الابواب في كلِّ رُتْبَةٍ بنسبةِ ما يخصها و تلْكَ الحال الخاۤصّة يقال عليها المقامات امّا داۤئماً كالاولي التي هي المقامات او في حال الاتصاف و الظهور كما في الثانية اعني رتبة المعاني و الثالثة اعني رتبة الابواب و في هذه الحال الخاصة قال الصادق عليه السلام لنا مع اللّه حالات نحن فيها هو و هو نحن و هو هو و نحن نحن و في بعض نسخ الرواية الّا انه هو و نحن نحن ه ، و هذا شأنهم في المقاماتِ فلا شئ اعظم من شأنهم في مراتبِ جميع المخلوقات و هذا اذا اُريدَ بالامر هذا الحالُ وَ اِنْ اُرٖيد به الولاية التي هي ملزوم هذا الشأن المذكورة فاشدّ عظماً لانّها هي ولاية اللّهِ التي ذكرها في كتابه فقال تعالي هنالكَ الولاية للّهِ الحقّ هو خير ثواباً فالولاية الحق هي ذاته المقدّسة فولاية اللّه بذاته هي ذاته بلا مغايرة لا في نفس الامر و لا في الفرض و الاعتبار و ولايةُ اللّهِ بفعله و مشيّته هم محلّها لانّها هي مشيته و ولاية اللّه بهم هي ولايتهم و ما اشدّ عِظَمَها .