و امّا الجسمان فالاوّل هو ما تخرج به الروح و هو مع الروح و يفارق الجسدَ الباقي و الموت يحول بينهما و هو مع الروح في جنّة الدنيا عند المغرب و تأتي فيه الي وادي السلام و تزور فيه بيته و محلّ حفرته و روح المنافق مع ذلك الجسم في نار الدنيا عند مطلع الشمس و عند غروبها تأوي فيه الي برهوت و تسري فيه في وادي الكبريت في المركّبات المسخوطات الملعونات و ذلك حال الفريقَيْن الي نفخة الصعقِ ثم تبطل الارواح فيما بين النفختين و تبطل كل حركة من الافلاك و من كلّ ذي روح و نفس حيوانيّة او نباتيّة [ص 30] و ذلك مدة اربعمائة سنةٍ ثم يبعثون في الاجسام الثانية و ذلك لان تلك الاجسام تصفّي و تذهب كثافَتُها و هي الاجسام الاولي كما قلنا في الاجساد حرفاً بحرفٍ و يحشرون في الاجسام الثانية و هي هذه الّتي في الدنيا بعينها لا غيرها و الّا لذهب معها ثوابهم و عقابهم و لكن هذا الجسم الذي في الدنيا هو بعينه هذا المرئيّ لطيف و كثيف فامّا الكثيف فيُصَفّي و تفني كثافته التي سمّيناها الجسد الاول العنصري و يبقي لطيفه في قبره و هو الجسد الثاني الباقي و امّا اللطيف فيظهر به في البرزخ و هو مركب الروح و هيكلها الي نفخةِ الصور فيُصَفّي و تذهب كثافته الّتي سمّيناها جسماً اوّلِيّاً و يبقي لطيفه في الصور في ثلاثة مخازن و تذهب الكثافة بالتصفية من ثلاثة مخازن و هذه الستّة المخازن في ثقبة تلك الروح فتأتي الروح بما في المخازن الثلاثة العليا اذا نفخ اسرافيل نفخة النشور و تنزل الي القبر و تلج بما معها في ذلك الجسد اللطيف فيحشرون و اعلم بانّك لو وزنتَ هذا الجسدَ في الدنيا و صُفِّيَ بعد الوزن حتّي ذهب منه الجسد العنصري و بقي الجسد الباقي الذي من هورقليا ثم وزنْتَهُ وجدتَهُ لم‌ينقص عن الوزن الاوّل قدر حبّة خردل لان الكثافة التي هي الجسد العنصري عرض و الاعراض لاتزيد في الوزن دخولاً و لاتنقص خروجاً فلاتتوهّم انّ المحشور و المثاب و المعاقب شئ غير ما هو موجود في الدنيا و ان غُيِّر و صفّي بل هو واللّهِ هذا بعينه و هو غيره بالتصفية و الكسر و الصوغ كما قال الصادق عليه السلام في قوله تعالي كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ، في الاحتجاج للطبرسي و عن حفص بن غياث قال شهدتُ المسجد الحرام و ابن ابي‌العوجاۤء يسأل اباعبداللّه عليه السلام عن هذه الٰاية فقال ما ذنب الغير قال ويحك هي هي و هي غيرها قال فمثِّل لي في ذلك شيئاً من امر الدنيا قال نعم ارأيتَ لو ان رجلاً اَخَذَ لَبِنَةً فكسرها [ص 31] ثم ردّهَا في ملْبنِها فهي هي و هي غيرها و في تفسير علي بن ابراهيم قيل لابي‌عبداللّه عليه السلام كيف تبدّل جلودهم غيرها قال ارأيتَ لو اخذتَ لِبنةً فكسرتها و صيّرتها تراباً ثم ضربتها في القالب اهي كانت انّما هي ذلك و حدثَ تغيّر آخر و الاصل واحد ه‍ ، فبيّن عليه السلام انّ هذه الجلود المبدّلة غير جلودهم و هي جلودهم فالمغايرة مغايرة صفة فكذلك ما نحن فيه فانّ الجسدَ الذي في الدنيا المرئي بعينه هو المحشور بعد التصفية كما ذكرناه مكرّراً فاذا فهمتَ ما ذكرنا فاعلم ان المراد بالاجساد المذكورة الاجساد الباقية لا الاجساد العنصريّة التي هي نفس الكثافة لانّ هذه ليست شيئاً معتبراً في حقيقة الاجساد الّا كاعتبار العصف في الحب و قوله تعالي و من آياته ان خلقكم من تراب ثم اذا انتم بشر تنتشرون يراد به انه تعالي خلق الانسان من نطفة امشاج اي من نطفة ابيه و نطفة امّه و تلك النطفة خلقها تعالي منْ صفوة الغذاۤء و خلق تعالي الغذاۤء من صفوة التراب فكان هذا التراب الظاهر المعروف هو محلّ قوي العناصر و مطرح اشِعّة الكواكب الحاملة لقُوَي طباۤئعها الحاملة لاشعّة نفوسها فالوجود الفاۤئض بفعل اللّه تعالي من كتم غيب الامكان كامن في جواهر الوجود و هي مجتمع ذلك الوجود الفاۤئض بقوابله و انفعالاته و هذه الجواهر كامنة في رقاۤئق تنزّلاته المعبّر عنها بورق الٰاس الاَخْضر و هي كامنة في الصور النفسيّة المعبّر عنها بالذرّ و عالم الاظلّةِ و هذه كامنة في الطباۤئع و الهيولي المتقوّمة في ظهورها بالاشباح و هذه كامنة في طباۤئع الكواكب و نفوسها و تؤدّي الكواكب ما استُودِعَتْ بمن جعله اللّه سبحانه قاۤئماً عليها و مدبّراً لها و وكيلاً علي نفوسها و افعالها و حركاتها و جميع ما يراد منها بخلقها من الملاۤئكةِ المدبّرة امرها في احكام العِلِّيّة و امرَ مطارِحِ اَشِعَّتِها و اَحْكام سَبَبِيَّتِها و امرَ مسبَّباتِ مواليدِها [ص 32] الي مطارحها من التُّرَابِ و المعادن و النبات و الحيوانات ثم من الاغذية وَ النُّطَف الَي اَنْ تتكوَّنَ الاجساد من العناصر و هي اكمام الاجساد الباقية و هي مراكب الاجسام الحاملة للارواح فاذا قيل الاجساد يراد منها الباقية لا الفانية العرضيّة التي صحبت آدم عليه السلام عند نزوله من الجنّة و لزمت ذرّيته لمحل الخطايا و التقصيرات و امّا الائمة عليهم السلام فمالحقهم ذلك الّا مجازاً لاجل اهل التقصيرات و لو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً و بهذا يظهر لك جواب ما قيل انه قد ثبت عن الصادق عليه السلام ما معناه ماذهب مال في برٍّ او بحرٍ الّا و للّهِ فيه حق و لَا صٖيدَ صَيْد في برٍّ او بحرٍ الّا بتركِ الذكر ذلك اليوم فكيف هذا و قد قُتِل الائمّة عليهم السلام و نُهِبَتْ اموالهم و الجواب ما اشرنا اليه انّ ما لحقهم من ذلك فليس علي الحقيقة و انما هو علي المجاز حيث انضمّ اليهم و احتُسِب عليهم من ضعفاۤء شيعتهم و محبّيهم اهل المعاصي و الذنوب و التزموا عليهم السلام بتقصيرات محبّيهم فلحقهم ما سمعتَ و يحتمل ان يراد بالاجساد الاعمّ فارادة الفاني لكونه حامِلاً للباقي و الحاصل الامر الجامع لهذه الفقرات شئ واحدٌ و هو انّ اجسادهم عليهم السلام في اجساد ما سواهم كالسّراج في اشعّته و عكوسات الاشعّة من الاظلّةِ اللازمة لها التي هي امثلة اجساد اعداۤئهم و ارواحهم في ارواح من سواهم و نفوسهم في نفوس مَن سواهم بنسبةٍ واحدةٍ هذا علي ظاهر الحال و الّا فالامر اعظم من هذا لما ذكرنا مراراً فيما تقدّم مما روي عنهم صلي اللّه عليهم انّ قلوب شيعتهم خلقت من فاضل اجسامهم يعني ان قلوب شيعتهم خُلِقَتْ من اشعّةِ اجسامهم و مَن عرف هذا و تبيّن له اِن وُفِّق له انّ قلوب شيعتهم المدركة للكلّيّات نسبتُها فٖي نوريّتِها الي نوريّة اَجْسامِهم صلي اللّه عليهم كنسبَةِ الواحد الي السَّبْعٖين و هذه نسبة الشّعاع الي المُنير فاذا غمض عليك هذا فاعتبر بما [ص 33] روي عن سيّدالشهداۤء عليه السلام لعن اللّهُ قاتِلَهُ و ظالمَهُ ان رأسه الشريف يقرأ القرءان و هو علي رأس السِّنَانِ حتي سُمِع يقول ام حسِبتَ انّ اَصْحَاب الكهفِ و الرقيم كانُوا من آياتِنا عجباً فاسألُكَ باللّهِ هل تعرف من نَفْسِك انّك اعلم بكتابِ اللّهِ و بمعناه و ظاهره و باطنه و تأويله من رأسِ الحسين عليه السلام و هو جزءُ جِسمِهٖ ام لا فان قلتَ اجد في نفسي ذلكَ فلسْتَ من شيعتِهم و مُحِبّٖيهم و العياذ باللّهِ و ان قلتَ لااجد ذٰلِكَ فذٰلِك ما قلتُ لكَ الّا اَنّ المخاطبات و ما يجري مجراها من الادعية و الزيارات تجري علي المتعارف فلذا قلنا اَنَّ اجسادهم عليهم السلام في اجسادِ مَن سواهم كالسراج في اَشِعّته و الامر الواقع ان اجسادهم في اجساد مَن سِواهم كجرم الشمس في شعاع القمر يعني مثل ما هو اربعةٰ‌الاف و تسعمائة في واحدٍ من افراد ذلك العدد ثم انّ المعني هنا مثل ما تقدّم في نظاۤئره في الفداۤء يعني بابي انتم و امي و نفسي و اهلي و مالي افدي اجسادكم في الْاَجساد اي ما بين الْاَجساد اعني بما هو عزيز عليَّ و حبيبٌ لديّ و ابذله وقايةً لاجسادكم من كل محذورٍ و مكروه علي كل حالٍ يوافقُ مرادَكم فعلي هذا المعني مَن قال ذلك من شيعتهم و زاۤئريهم غير عاملٍ بما امروا به كذّبوه في ما يدّعيه الّا ان يتجاوَزُوا و يتركوا حقّهم فانّ ذلك اليهم لانّ الاعمال الصالحة بالنيّة المخلصة علي نهج ولايتهم و ولاية اولياۤئهم و البراۤءة من اعداۤئهم و ممّن رضي بفعالهم و اقوالهم الي يوم القيمة هي جُلّ نُصرتهم و المجاهدة بين ايديهم لاعداۤئهم الظاهرة و الباطنة بل كل نصرتهم و وقايتهم عَنْ كُلِّ ما يكرهُونَه نعم لو قال ذلك بنيّة التوبة او متلبساً بالنّدَم او بالخضوع و الحياۤء معترِفاً في نفسه بالتقصير قبلوا منه هديه فيتصدّق بثلثه علي شيعتهم المستحقّين فان تمكّن ان يجعل هذا الثّلث الذي تصدّق به من هديه مواخاة لهم فذلك المطلوب وَ الغاية و الّا فتَعارُفٌ [ص 34] و هو اقلّ المجزي و ثلث من ذلك الهدي يهديه اليهم صلّي اللّه عليهم و هو التسليم لهم و الردّ اليهم و التفويض اليهم كما تضمّنَتْه الزيارة التي رواها الشيخ رحمه اللّه في المصباح في شهر رجب التي اوّلها الحمد للّهِ الذي اشهدنا مشهد اولياۤئه في رجب الي ان قال فيها انا ساۤئلكم و آمِلُكم فيما اليكم التفويض و عليكم التعويض فبِكُمْ يُجْبَرُ المهيض و يُشْفَي المريض و عندكم ما تزداد الاَرْحام و ما يغيض اني بسرّكم مؤمن و لقولكم مُسَلِّمٌ الخ ، و من ذلك الاعتماد و الاتّكال كما في الدعاۤء المنقول عن السيد رضي‌الدين علي بن موسي بن طاووس قدّس اللّه سرّه عن الحجة عليه السلام اللهم ان شيعتنا خُلِقوا منّا من فاضل طينتِنا و عُجِنُوا بماۤء ولايتِنا اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فَعلوه اِتّكالاً علي حُبِّنَا و ولِّنا يوم القيمة امورهم و لاتؤاخذهم بما اقترفوه من السيّئاتِ اكراماً لَنا و لاتُقَاصِصْهُم يوم القيمة مُقَابل اعداۤئِنا و ان خفّت موازينهم فثقِّلْها بفاضِل حسناتِنا انتهي ، فافهم الاشارة و اتّخذها بشارةً و اعلم مع ما سمعتَ انّه قَدْ جاۤءَتِ الاخبار الصحيحةُ عنهم عليهم السلام انّ اللّه سبحانه لايتجاوز ظلم ظالم و جاۤء ايضاً انه لاينجي الّا العمل الصالح مع عفو اللّه و غير ذلك فتخلّص من التنافي من غير انكار فان الانكار هو الكفر و عليك فيما اشكل عليك الردّ اليهم فان الردّ اليهم نصفه من الاعتماد و الاتّكال و النصف الٰاخر من ثلث الهدي الباقي و هو الذي تأكل منه و لكن لاتأكل منه الّا ان تذكر اسم اللّه عليه اللّهم صلِّ عَلي محمد و آل‌محمد كما صلّيت علي ابراهيم و آل ابراهيم انك حميد مجيد فباَحبِّ الاَشْيَاۤء اليّ و اعزِّها لَديّ افدي اجسادكم من بين الاجساد و اخُصُّها لشَرفِهَا و علّيّتها و بقاۤئها و تأصّلها و تقدّسها و طهرها اذ كلّ ما سواها من جميع الاجساد بل و النفوس ناقص منحطّ الرّتبة في كل مقامٍ هذا كله علي ظاهر الحال و لو سلكتَ طرٖيقَ التَّأويل و ظاهر الظاهر جاز لك اَنْ [ص 35] تُرٖيدَ بالاجسادِ المَفْدِيّةِ مَا لَهُمْ من اَجْسَادِ غيرهم فانّ حقاۤئق اجساد ما سواهم لهم و هم اولي بها من غيرهم فانّهم يلبسون ما شاۤؤا و يخلعون ما شاۤؤُا فَهُمْ اولي بجسَدِ زيدٍ منْه لان ذلك الجسد من شعاعهم اعطوه زيداً عاريةً فَهُمْ اوْلَي به من زيدٍ لانَّ الماۤدّة لهم و منهم و قد تقدمت الاشارة الي هذا مِراراً فراجع و انّما جاز هذا بمعني انهم اختصّوا ببعضٍ منها دون بعض مع انّ كلّها لهم لانهم انّما يلبسون احسنها لبُعْدِه عن التغيير او لقلّة التغيير فيه لاستقامة طبيعة مَن البسوه ايّاه اوْ لصلاحه و عمله المُوَافق لسنّتهم فَقَلَّ تغييرُه فكانَتْ صورته اقربَ الي حاله حَالَ بُروزِه عنهم عليهم السلام فلذا حَسُنَ ان يفدي لشرفه و ارادتُه مع انه خلاف الظّاهر لتنزيه اجسادهم الاصليّة عن الذكرِ او لعدم الاطّلاع عليها من ساۤئر الخلق فارادة امثالها اولي و مثال ذلك في الاستشهاد بكلام قيس بن الملوّح مجنون ليلي حسَنٌ قال :

سَلامي علي جيرانِ ليلَي فاِنّها اَعَزُّ علي العُشّاقِ مِنْ اَنْ يُسَلَّمَا

فانّ ضياۤءَ الشمسِ نورُ جَبينِها نعم وجهُها الوَضّاحُ يُشْرِقُ حَيْثُما

و انّما قلنا انهم يلبسون احسنها اذا لم‌يحصل صارف عن الاحسن من سبب القابليّة كما كان جبرئل عليه السلام في كل وقت ظهر فيه لاحد من الانبياۤء او حين ظهر لمريم عليهم السلام فانه يظهر في اجمل صورة في ذلك الزمان كما كان يظهر لمحمد صلي اللّه عليه و آله في صورة دحية بن خليفة الكلبي لانه اجمل اهل زمانه و ذلك لما قلنا من ان اجمل صورة توجد في زمان الظهور تكون اقرب الي تلك الحقيقة الطاهرة الطيّبة لاعتدال مزاجها و ان كانت لاتبلغ اعتدال تلك الحقيقة الطيّبة فانه لو خرج محمد صلي اللّه عليه و آله او الائمة عليهم السلم السلام علي ما هو عليه من جمال صورته المطابقة لحقيقته لمارءاها احدٌ من ملك او نبيّ او غيرهما الّا و صعق لوقته و لكنّ اللّه سبحانه [ص 36] قدّر ظهورهم علي قدر احتمال مَن دونهم ممن يظهرون له كما اشرنا فيما تقدم من ان نورهم يزيد علي الشمس بالفِ‌الفِ‌الفِ مرّة و اربعةٰ‌الافِ‌الف مرّة و سبعمائة‌الف مرّة و عشرةٰ‌الافِ مرّة و انّما قلنا اذا لم‌يحصل صارف عن الاحسن من سبب القابليّة لانه لو حصل صارف كذلك لبِسوا ما اقتضته القابليّة المتغيّرة الّا انّه في ظاهرهم بان يُري ظاهرهم في ذلك و من لم‌يكن علي عينيه غطاۤء رءاهم علي ما هم عليه في هذه الحال كما تري الشمس اذا اشرقت علي المرايا المتلوّنة بالخضرة و الحمرة و الصفرة مثلاً و بالاعوجاج و الصغر ظهر نورُهَا بلون القابل و البصير لايري في نورها تغييراً لان التغيير انّما هو في القابل و من ذلك ما رواه ابن ابي‌جمهور الاحساۤئي في المجلي و رواه صاحب كتاب انيس السُّمَرَاۤءِ و سمير الجلساۤء في كتابه عن جابر بن عبداللّه الانصاري قال شهدتُ البصرة مع اميرالمؤمنين عليه السلام و القوم قَدْ جمّعوا معَ المرأةِ سبعين الفاً فمارأيتُ منهم منهزماً الّا و هو يقول هزمني عليّ و لا مجروحاً الّا يقول جرحني عَليٌّ و لا مَن يجود بنفسِه الّا و هو يقول قتَلنٖي عليٌّ و لاكنتُ في الميمنة الّا و سمعتُ صوتَ عليٍّ و لا في الميسرة الا و سمعتُ صوتَ عليٍّ و لا في القلبِ الّا و سمعتُ صوته و لقد مررتُ بطلحةَ و هو يجود بنفسه و في صدره نبلةٌ فقلتُ له مَن رماك بهذه النبلةِ فقال علي بن ابي‌طالبٍ فقلتُ يا حزب بلقيس و يا جندَ ابليس انّ عليّاً لم‌يرم بالنبلِ و ما بيده الّا سيفُهُ فقال يا جابر اماتنظر اليه كيف يصعد في الهواۤء تارة و ينزل في الارض اخري و يأتي من قبل المشرق مرّة و من قبَلِ المغرب اخري و جعل المغارب و المشارق بين يديه شيئاً واحداً فلايمرّ بفارس الّا طعنَهُ و لايلقَي احداً الّا قتله او ضربَهُ او اكبَّهُ لوجهه او قال مُت يا عدوّ اللّهِ فيموت فلايفلت منه احدٌ فتعجّبت ممّا قال و لا عجبَ من اسرار اميرالمؤمنين عليه السلام و غراۤئب فضاۤئله و باهر معجزاته ه‍ ، [ص 37] و روي في المجلي ايضاً عن المقداد بن الاسود الكِندي انّ علياً عليه السلام يوم الاحزاب و قد كنتُ (ظ) واقفاً علي شفير الخندق و قد قتل عمراً و تقطّعت بقتله الاحزاب و افترقوا سبع‌عشرة ( سبعة‌عشر ، في خ ) فرقة و انّي لاَري كلّ فرقةٍ في اعقابها عليّاً يحصدُهم بسيفه و هو عليه السلام في موضعه لم‌يتّبع احداً منهم لانه عليه السلام من كريم اَخلاقه انّه لايَتّبعُ منهزِماً ه‍ ، فهذانِ الحديثان صريحان في ظهوره عليه السلام فيما شاۤء و تعدّد مظاهره و لاسيّما الثاني حيث قال فيه يحصدهم (ع) بسيفه و هو (ع) في موضعِهٖ و امّا الاوّل فالاستشهاد به ظاهر حيث انه ظهر في الصورة القبيحة و هي صورة مروان بن الحكم للاتّفاق علي انّ طلحة انّما رماه بالنبلة مروان بن الحكم و لمّا كان طلحة قد حضره الموتُ و عاين الملاۤئكة كشف عنه غطاۤءه فبصره حينئذٍ حَدٖيدٌ فشاهدَ الحقيقة انّ الّذي رماه هو عليٌّ عليه السلام في صورة مروان بن الحكم لكونه اٰلةَ هلاكه فاقتضت قابليّةُ هلاكِهٖ علي يديه ظهوره عليه السلام في صورته لان مقتضي قوابل افعاله سبحانه و تعالي ان تظهر اسباب تعلّقها بالمفعولات علي ما اقتضَتْه تلك القوابل تمْشِيةً لاحكام الحكمة الالهيّة علي النظم الطبيعي فظهرت صورة رضوان خازن الجنان عليه السلام علي احسن صورة كما هو مقتضي النعيم و ظهرت صورة مالك خازن النيران عليه السلام علي اقبح صورة كما هو مقتضي التعذيب و التّأليم و انّ عليّاً صلوات اللّه عليه ليظهر في احسن صورة لاولياۤئه و آنِسها و يظهر في اوحش صورة لاعداۤئه و هذا مقتضي الحُبّ و البُغْضِ فلمّا كان طلحة في حالة النزع و المعاينة و هي حالة كشف الغطاۤء لم‌ير مروان بن الحكم و انّما رأٰي علِيّاً عليه السلام و مَن لم‌يكشف عنه الغطاۤء لكمالٍ او لاحتضارٍ لَمْ‌يَرَ علِيّاً عليه السلام و انّما يُعَايِن مَرْوان بنَ الحَكم فعلي عدم وجود الصّارف عن الاحسن فلا اشكال في جواز الفداۤء [ص 38] لتلك الاجساد لتَشَرُّفِها بهِمْ و لاجل هذا استشهدنا بكلام مجنون ليلي حيث يقول سلامي علي جيرانِ ليلي و قد تقدّم و امّا مع الصارف عن الاحسن و وجود المقتضي لِلَبْسِ غير الاَحْسن فالطّريق فيه مثل توجيه الثّناۤء علي جهة العَدْلِ و الحكمة في خلقِ ابليس و خلق الشرّ بعمل العاصي و خلق الكفر بعمل الكافر فافهم .

و قوله عليه السلام : و ارْواحُكم في الارواح يراد منه انّ الروح هنا غير النفس لذكر النفوس بعد ذٰلك نعم قد يراد منه ما هو اعم من ذلك فيشمل العقول الّا ان يقال ان العقول في حقهم عليهم السلام غير متعدّدةٍ و انّما عقلهم واحد و هو العقل الكلّي و ليس بشئ فانّه كما ان عقولهم غير متعدّدة كذلك ارواحهم غير متعدّدة و انما هو روح واحدة و الجواب للاحتمالين المتعارضين معاً ان تعدّد الارواح في حقهم من حيث ظهوره في المتعدّد ظاهراً و كذلك العقول و الاتّحاد فيهما من وحدة حقيقة عقلهم و حقيقة روحهم فتشمل الارواح العقول لاطلاقِ الاَرْواحِ عليها و امّا النفوس فلاتراد من الارواح هنا لذكر النّفوس و ذلك لانّ الروح قد يطلق و يراد منها النفس كما يقال قبَض روحه اي نفسه و قد يراد بها العقل كما قال صلّي اللّه عليه و آله اوّل ما خلق اللّه روحي اي عقلي هذا ما يراد من معني الرّوح من حيث اللّفظ باعتبار استعمال لفظِهٖ و امّا ما يراد منه من معناه من حيث الوضع فالعقل هو الكون الجوهري و هو المعاني المجرّدة عن المادة العنصريّة و المدّة الزمانية و الصورة النفسيّة و المثالية و هو محل المعاني ايضاً و هو مدرك المعاني كذلك بنفسه و يدرك الصور النفسانية بالنفس و المثالية بالخيال و الاشباح الماديّة بالحواۤسّ الظّاهرة فاذا ادرك المعاني بنفسه فهو حينئذٍ كتابٌ في قرطاس فهو هي في نوره و امّا النفس فهي الصور المجرّدة عن المادة العنصرية و المدّة الزمانية و ليست [ص 39] مجرّدة عن الصور النّفسيّة و علي الحقيقة مجرّدة عن الصور المثاليّة فزيد في العقل معني لا صورة له بل هو كالنطفة اي كما هو في النّطفة و العلقة و في النفس مثله اذا كسي لحماً و انشي خلقاً آخر و امّا الروح فهي برزخ بين العقل و النفس فزيد فيها كالمُضْغةِ و العظام فالعقل صورته الالف القاۤئم هكذا و النفس صورتها الالف المبسوط هكذا و الروح صورته الالف القاعد هكذا علي هيئة قاۤئم الزاوية فقيام العقل كناية عن بساطته و انبساط النفس كناية عن انتشاره لكثرة الصور و قعود الروح عبارة عن بَرْزخيّتهٖ فانّه بين بين لا كبساطة العقل لانه لا هيئة له الّا المعنويّة و لا ككثرة النفس لانّها عبارة عن الصور بل هي علي هيئة وَرَق الٰاس فاِذا قيل ورق الٰاس في الاخبار فالمراد به الرقاۤئق الرُّوحية يعني المُضَغ المجردة و هي الارواح و امّا الذر فهي الصور النّفسانية فَانَّها عَلَي صُوَرِهمْ في الدُّنيا و انما كانت الروح بصورة ورق الٰاس لانّها كاملة في نفسها و كل كاملٍ مستديرٌ استدارة صحيحة و لمّا لم‌تكن تاۤمّة في التجرّد مطلقاً بل لها نوع ارتباطٍ ببعض افعالها بالجسم و هي في ذاتها و في بعض افعالها مجرّدة مفارقة كان وجهها الاعلي متوجِّهاً الي العقل بكل ذاتها و ببعض افعالها كان ما يلي الجهة العليا منها يعني ما يلي العقل دقيقاً للطافته و مفارقته للارتباط و كان اسفلها واسعاً لِغلَظِهٖ و تعلّقه في الجملة بالاجسام فلمّا ارتبطَت ببعض افعالها السفليّة بالاسفل الذي هو الجسم و مالت بطبعها الي جهة العقل صاعدة الي نحوه امتدّت فكانت صورتها باعتبار فعلَيْها العلوي المفارق و السفلي المقَارِن كصورة وَرق الٰاس و الرُّوح هي الكون الهواۤئي و النفس هي الكون الماۤئي كما روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام و العقل في انوار العرش هو الابيض و الروح هو الاصفر و النفس هو [ص 40] الاخضر و مثل هذا قوله عليه السلام و انفسكم في النّفوس .

امّا الاشارة الي المعني المراد من النّفس فقد ذكرناه قبل هذا و هنا مع ذكر الرّوح علي جهة الاشارة الي بعض احْوالها و نقول هنا النفس المذكورة يراد منها صدر العقل و مركبه لان النفس اذا اطلقت يراد منها احد امور :

احدها الكلّيّة الاوليّة و هي بقولٍ مطلق حقيقة الشئ من حيث ربّه و يراد منها الوجود و النور الذي خلق منه و الفؤاد و النفس التي مَن عرفها فقد عرف ربّه و حقيقته من حيث نفسه و يقال لها الماهيّة و هذه خلقت من نفس الاولي من حيث نفسها اي من جهة انفعالها و قبولها للايجاد و هي حقيقة الظلمة فيه و اصل الشرور و المعاصي كما ان الاولي حقيقة النور فيه و اصل الخيرات و الطاعات و حقيقته مطلقاً و هي العَيْن و الماۤئيّة و مجمع البحرين و هي النفس النّاطقة المشار اليها في تمييزها باَنَا و ذلك قول علي عليه السلام كما رواه في الغرر و الدُّرَر الشيخ عبدالواحد بن محمد بن عبدالواحد الايدي قال عليه السلام و خلق الانسان ذا نفسٍ ناطقة ان زكّاهَا بالعلم و العمل فقد شابهَتْ اَواۤئلَ جواهِرِ عِلَلِها فاذا اعتدَلَ مزاجُها و فارقَت الاضدادَ فقَد شاركَ بها السَّبع الشِّدَاد ه‍ ، اقول و تمام اعتدال مزاجها و كماله كما قال عليه السلام اذا كان نصفها الاسفل نفساً كاملةً كما يأتي و لايكونُ كذلك الّا اذا كان الاعلي هو الماۤء الذي كان العرش عليه فاذا كانَ كذلكَ كانت به هي قلب العبد المؤمن الذي قال تعالي فيه ماوَسِعَني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلبُ عبدي المؤمن .

و ثانيها النفس الامارة بالسُّوۤء المعبّر عنها بالجهل و لها سبع مراتب : الاولي الامّارة بالسّوۤء شأنها الخروج عن الطاعة و فعلها المعاصي و الثانية الملهمة و هي الاولي بعد اَنْ تُعَلّم بعض الخيرات يكون لها تَروُّحٌ و انتباهٌ [ص 41] مع ما هي فيه من الحالة الاولي و الثالثة اللوّٰامة و هي الاولي بعد ان تُعَلّم بعض الخيرات و تتعلّم و تعمل فتكون لها حالتانِ وَ مَيْلانِ مَيْلٌ بحقيقتها فهي حالة الامّارة بالسوۤء و ميل بالحالة الثانية من تَطبّعِها و فعْلِها بعض الخيرات فتلومُه علي فعل الخير بطبعها و علي فعل الشرّ بتَطَبُّعِهَا و الرابعة المطمئنّة و هي اذا تركت طبعَها و تطبّعت باطباع العقل و كانت اخته حين علّمها ممّا علّمه اللّه فتعلّمت و تخلّقَتْ بالخيراتِ كما قال تعالي في التّأويل فان تابُوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين فحينئذٍ يرضي بفعلها العقل و يأكل من صَيْدِها كما في تأويل قوله تعالي تعلِّمونَهُنَّ ممّا علّمكم اللّهُ فانّ اللّه سبحانه علّم العقل بانّ العبد لايملك شيئاً بل كلّما كسب و حصّل فهو لسَيِّدِه لايأكل منه الّا مَا اطعمه منه و لايمضي حتي يأذنَ له و يترك اذا امره بالتّرك فهذا حال العقل في معاملته مع ربّه و هو حال العبد المطيع مع سيّده فلذا قال تعالي في ذكر الكلاب المعلّمة للصّيد قال و ما علّمتم من الجوارح مكلّبين تعلّمونهُنَّ ممّا علّمكم اللّه فان اللّه علّمهم بانّ العبد لايكون صادقاً مع سيّده الّا بما ذكرنا و نحوه فعلّموا كلابكم بنحو ما علّمكم اللّه بانهنّ لايأكلن ما يصِدْنَ و لايمضين اذا رأينَ الصيد الّا بامر صاحبهن و اذا امرهُنَ بالتّركِ تركن فاذا كنّ كذلك فقد تعلّمن فكلُوا ممّا امسكن عليكم فكذلك النفس اذا علّمها العقل بانّها لاتفعل شهوتها اِلّا بامره و اذا امرها بالتركِ تركت و اذا فعلَتْ شهوتَها بامرِهٖ انما فعَلَتْها له فكذلك هذه النفس اذا فعَلَتْ ما امرَها به العقل من مقتضي ماتعلّمتْه منه فقد سكنَتْ فيما تطبّعت عليه من اَخْلاقِ الْعَقْلِ و قَرَّتْ فهي مطمئِنَّةٌ و الخامسة النفس الراضيَة و هي بعد ما اطمئنَّتْ و استقامت علي الاطمئِنانِ فتح اللّه عليها باب الرّضا فرضيَتْ بما اجري عليها من فضل او عدلٍ و ذلك هو حال صدق العبوديّة فاذا استقامَت علي ذلك حتّي كانت تلقي كلّما يجري [ص 42] عليها من احكام القدر بالرّضَي رضيَها اللّهُ و رضي عنها و هي السّادسة المسمّاة بالمرضِيّة لانّ اللّه سبحانه رضي عنها و رضيَهَا لنفسِهٖ و اصطنعَها له و السّابعة النفس الكامِلة الّتي اعْتَدلَ مزاجُهَا و فارقت الاضداد كما تقدّم عن علي عليه السلام و هي بما قامت مظهر الرحمانيّة في النَّشْأتَيْنِ الّتي وَسِعَتْ كلّ شَيْءٍ .

و ثالثها اللّاهوتيّة الملكوتيّة الكليّة و هي قوّة لاهوتيّة و جوهرة بسيطة حيّة بالذاتِ اصلها العقل منه بدءت و عنه وَعَتْ و اليه دَلَّتْ و اشارَتْ و عودُهَا اليه اذا كملت و شابهته و منها بدءت الموجوداتُ و اليها تعود بالكمال فهي ذاتُ اللّه العليا و شجرة طوبَي و سدرة المنتهي و جنّة المأوي مَن عرفها لم‌يشقَ و مَن جَهِلها ضلّ و غوي كما قال علي عليه السلام للاعرابي حين سأله عن النفس و هذه النفس هي المسماة باللّوح المحفوظ و هي نفس فلك البروج و كتاب الابرار فيه لانّه علّيّون و كتاب الابرار صورهم و صور اعمالهم و اقوالهم و كثير من معتقداتهم فيها يعني في ظلِّها و شعاعها و هي في الحقيقة نفس الامام عليه السلام و هي النفس التي نسبها اللّه تعالي اِليْه و سَمَّيها نَفْسه و لهذا قال عليه السلام فهي ذاتُ اللّهِ العُلْيَا و قوله عليه السلام اصلها العقل دَلٖيلٌ عَلَي ما قُلْنَاه و قول عيسي بن مريم عليه السلام تعلم ما في نفسي و لااعلَم ما في نفسك في تفسير التّأويل هذه هي النفس التي لايعلم ما فيها عيسي و يظهر من كلامه عليه السلام في قوله و عودُها اليه اذا كملت ان المراد بهذه النفس هي التي وسعت الرحمانيّة و هو ما ذكرناه في الكاملة من النفس المقابلة للعقل و هذه هي مركب العقل فهي منه لانّها اوّل مظاهره و تنزّلاته بدليل قوله و منها بُدِئَت الموجودات و لا بأس بذٰلكَ الّا انّ هذه ركن من مظهر الرَّحمانيّة من اربعة اركانٍ فمجموع الاربعة هي العرش بخلاف تلك فانّها مع ما قامت به تمام المظهر و هذه الاركان الاربعة التي هي العرش اركان تلك مع ما قامت به [ص 43] فانها مع ما قامت به كزيدٍ مثلاً و هذه الاربعة كالجاذبة و الهاضمة و الدافعة و الماسكة في زَيْدٍ فانّ حقيقةَ زيدٍ مرَبّعةٌ بهذه الاربع و هذه النفس هي الّتي اشار اليها اميرالمؤمنين عليه السلام في جوابه لكميل بن زياد قال عليه السلام و الكليّة الالهيّة لها خمس قويً بقاۤء في فناۤءٍ و نعيم في شقاۤء و عزّ في ذلٍّ و فقر في غناۤءٍ و صبر في بلاۤء و لها خاصيّتان الرضا و التّسليم و هذه التي مبدؤها من اللّهِ تعالي و اليه تعود قال اللّه تعالي و نفختُ فيه من روحي و قال تعالي يا ايّتُها النفس المطمئِنَّةُ ارجعي الي ربِّكِ راضيةً مرضيّةً الحديث .

و رابعها الناطقة القدسيّة و هي قوّة لاهوتيّةٌ بدؤ ايجادِها عند الولادة الدنيويّة مقرّها العلوم الحقيقيّة الدينيّة موادُّها التأييدات العقليّة فعلُهَا المَعارف الرّبّانيّة سبب فراقها عند تحلّل الٰالاتِ الجسمانيّة فاذا فارقَتْ عادت الي ما منه بُدِئَتْ عودَ مُجاورَةٍ لا عَوْد مُمَازَجةٍ قال عليه السلام هذا في جوابه للاعرابي و في جوابه لكُمَيْل بن زياد لَها خمس قُويً فكرٌ و ذِكرٌ و علم و حلم و نباهة وَ ليس لها انبعاثٌ و هي اشبه الاشياۤء بالنفوس الملكيّة و لها خاصيّتان النزاهة و الحكمة ه‍ ، اقول يجوز ارادة الاتّحاد بين هذه و بين الماۤئيّة المتقدّمة المعبّر عنها بِاَنَا فانّ هذه قد يُعَبّر عنها باَنا و يجوز ارادة المغايرة بين الماۤئيّة و بين هذه فان المراد بتلك العَيْن اي الحقيقة الجامعة لهذه و للوجود و المراد بهذه القوّة المتقوّمة بذٰلك الوُجود المعبّر عنه بالماۤدّة اي الحصّة الحيوانيّة و هي صورة اجابة تلك الحصّة لدعوة الحقّ و هيئتها المتميّزة بالحدود الشّريفة و المشخّصات الكريمة اللطيفة كالعلم و الحلم و الصدق و الخير و التقوي و المروّة و الطاعة و السّخاۤء و غير ذلك من حدود التقدّس و الحكمة .

و خامسها النفس الحيوانية و هي قوّة فلَكيّة و حرارة غريزيّة اصلها الافلاك و بدءُ ايجادها عند الولادة الجسمانيّة فعلها الحيوة و الحركة و الظلم و الغشم و [ص 44] الغلبَة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيويّة مقرّها القلب سبب فراقها اختلاف المتولّدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بُدِئَت عودَ ممازجةٍ لا عودَ مجاورة فتعدم صورتها و يبطل فعلُها و وجودُها و يضمَحِلُّ تركيبها هذا كلامه عليه السلام في حديث الاعرابي و في جواب كميل قال عليه السلام و الحسيّة الحيوانيّة لها خمس قوي سمعٌ و بصر و شمّ و ذَوق و لمسٌ و لها خاصيتان الرضا و الغضب و انبعاثها من القلب ه‍ ، فقوله عليه السلام اصلها الافلاك اي اصل حركتها و جرمها لانها بخارٌ تكوّنَ عن الطباۤئع الاربع المتعلّقة بالدَّمِ الاصفر المتعلق بالعلقةِ الدم التي في تجاويف القلب الصنوبري من الجانب الايسر اكثر و ذلك البخار تألّف من بُخَارٍ حار يابسٍ جزؤ و من بخارٍ حار رطبٍ جزؤ و من بخار بارد رطبٍ جزءانِ و من بخارٍ بارد يابسٍ جزؤ فامتزجت و طبختها الحرارة و الرطوبة بمعونة تأثيرات اشعّة الكواكب و العناصر حتي نضجت نضجاً معتدلاً و تلطّفت حتي ساوت فلك القمر في التلطّف و الاعتدال فاثّرت فيها نفسه فتحرّك بحركته مثاله اذا قرّبت خشبةً يابسةً من الجمر بحيث لايصل الجمر اليها و لايماۤسّها و لكن بحرارته اصفرّت الخشبة و اسودّت لشدّة حرارة الجمر فلمّا كلّستها حرارة الجمر حتي وصلت الي رتبة الفحميّة اشتعلت بالنار و ان لم‌تماسّها لقربها منها في الرتبة و مساوَاتها لما تعلّقت به النار فكذلك هذه الابخرة فكما ان تلك الخشبة كان وجهها المقارب للحرارة حتي شابَه ما اشتعلت به قد تعلّقت به النار حتي كان ناراً كذلك تلك الابخرة لمّا نضجت و تلطّفت حتي شابهت فلك القمر تعلّقت نفسه بها فتحركت بحركته و قال عليه السلام في النفس الناطقة و بدؤ ايجادها عند الولادة الدنيويّة و قال عليه السلام هنا و بدؤ ايجادها عند الولادة الجسمانيّة لانّ النَّاطقة هيئة الادراك و المعرفة و العلم و الفهم فتوجد عند مبادي اَسْبَاب التمييز المعبّر عنه بالولادة الدّنيويّة [ص 45] و امّا الحيوانية الحسّيّة فهي من لوازم الجسم لان الجسم الحيواني لايكادُ يَنْفَكُّ عن الحركة الحسيّة فلاجل ذلِك ذكرها عليه السلام معه فقال وَ بَدْؤ اِيْجادِها عند الولادة الجسمانيّة .

و سادسها النفس النباتيّة قوة اصلها الطباۤئع الاربع بدءُ ايجادِها عند مسقط النّطفة مقرّها الكبد ماۤدّتُها من لطاۤئف الاغذية فعلها النموّ و الزيادة و سببُ فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بُدِئَتْ عودَ ممازجةٍ لا عودَ مجاورةٍ هذا كلامه عليه السلام للاعرابي و جوابُه لكميل لها خمس قويً مَاسكة و جاذبةٌ و هاضمةٌ و دافعة و مربّيَةٌ و لها خاصيّتان الزيادة و النقصان و انبعاثُها من الكبد ه‍ ، اقول هذه النفس تتألّف من العناصر علي نحو ما ذكرنا من حال الحيوانيّة الحسّيّة في التأليف فلا بُدَّ من وجود جزءٍ من الحرارة و جزء من الهواۤء و جزءين من الماۤء و جزءٍ من التراب فتجتمع الاجزاۤء في ارْضِها فتنحلّ بمعونة حرارة الفصل و رطوبته و تكون الاربعة غذاۤءً واحداً فتتحرَّك حركة النموّ بما فيها من الحرارة و الرطوبة فاذا فارقت عادَت الي مَا منْه بُدِئَتْ عَوْدَ مُمازجةٍ لا عَوْدَ مجاورة يعني انّ ما فيها من الاجزاۤء النّاريّة تلحَقُ بالنار العنصريّة فتمتزجُ بها و تلحق الاجزاۤء الهواۤئيّة بالهواۤء فتمتزج بها و الاجزاۤء الماۤئيّة تلحق بالماۤء و الترابيّة بالتراب فتضمحلّ مميّزات الاجزاۤء و مشخّصاتها و يمتزج كلّ جزءٍ باصله و الظاهر ان المراد بها هنا هي الثالثة و هي اللّاهوتيّة الملكوتيّة الكليّة المسماة باللوح المحفوظ و هذه النفس كما وصفها اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه فيما نقلنا عنه هي نفسهم الشريفة فلذا قال عليه السلام فهي ذاتُ اللّهِ العُلْيَا و شجرة طُوبَي و جنة المأوي الي آخر ما قال (ع) و انما قال فهي ذات اللّه لانّه يريد انها ذاتٌ خلقها اللّه تعالي و نسبها الي نفسِهٖ تشريفاً لها و لانّها لاتكون في حالٍ من احوالها لغيره [ص 46] تعالي و ذلك قوله تعالي و اصطنعتُك لنفسي و في الانجيل خلقتُكَ لاجلي و خلقتُ الاشياۤء لاجلك الخ و قال اميرالمؤمنين عليه السلام نحن صناۤئع اللّهِ و الخلق بعد صناۤئع لنا ، اي نحن الذين اصطنَعنا لَهُ و صَنَع الخلق لَنَا و جميع الاَنْفُس منها كالشعاع من المنير فهي نفس النفوس كما رُوِي عنه عليه السلام انا ذاتُ الذوات و الذَّاتُ في الذَّواتِ للذَّاتِ و بالجملة يكون المعني كما تقدّم علي الوجه الْاَوّلِ يعني بما يعزّ عليّ افدي انفسكم مَا بين نفوس ما سواكم او في نفوس الخلق كما تقول اَفْدي نفسكَ في جَسَدكَ فعلي الوجه الاوّل تصدق المغَايَرةُ الصَّالحة للتّخصيص بالمماثلة و علي الثاني انَّما تكمل الظّرفية اذا اعتبرت الربوبيّة فان فرض الظرف نفوس الخلق مع اعتبار الربوبية كان المفروض مظروفاً افعال نفوسِهم و آثارها المتعلقة بنفوس الخلق بالصنع و بالمواۤدّ و الصور لشؤنهم عليهم السلام اي افدي افعال نفوسهم و امداداتهم او ثأثيراتها في نفوس ما سواهم فقد احكموا باللّهِ سبحانه الصنع و الصنيع كما قال تعالي فاسلكي سبل ربّكِ ذُللاً فانّ النحل بما اوحي سبحانه اليها و الهمها قد احكمت الصنع و الصَّنيع حيث سَلكَتْ سُبُلَ ربِّها ذُلُلاً فيما علّمها من عمل العسل و الشمع و هذا مثالهم و مثال صنعهم و صنيعهم فبتَسْبٖيحهم سبّحت الملاۤئكة و بتهليلهم و تمجيدهم هلَّلُوا و مَجَّدوا و كذلك ساۤئر الخلاۤئق و لولاهم ماعُبِد اللّه و لولاهم ماعرف اللّه و لولاهم مَاخَلَقَ اللّهُ خلقاً و حَيْثُ خلق فَبِهِمْ خلقَ ما خلق و بهم رزق ما رزَق و بهم يمسِك السماۤء اَنْ تَقعَ علي الاَرْض الّا باذنِهٖ و بهم يحيي و بهم يميت و بهم يحشر الاموات و بهم ينبت النَّباتَ و بهم ينزل الماۤء من السّماۤء و بهم فتح اللّه الخلق و بهم يختم و لم‌يكلهم الي انفسهم فيفعلون بانفسهم بل يفعلونَ باللّهِ لايَسْبقونه بالقول و هم بامره يعملون و لم‌يتّخذ اللّه سبحانه غيرهم اعضاداً لخلقه فيفعل بدونهم بل [ص 47] يَفْعَلُ بهم ما شاۤء و لايفعل الّا بهم لانهم محالّ مشيّته و اَلْسِنَةُ ارادتِهٖ .

و قوله عليه السلام : و آثارُكم في الٰاثار و قبوركم في القبور اقول قال اللّه سبحانه سنكتبُ ما قدّموا و آثارهم الٰاثار هي اعمالهم و سُننهم او آثار اقدامِهم في سعيهم في اعمالهم يعني انّا لانترك شيئاً من احوالهم حتّي اٰثار اقدامِهم او المراد آثار اعمالهم في ارزاقهم و آجالهم و اعمارهم و قلوبهم و ارواحهم و نفوسهم و اجسامهم و جميع احوالهم حتي لانغادر صغيرة و لا كبيرة الّا احصيناها اوْ آثار هَدْيهم و تعلّمهم و تعليمهم و علومهم و هدايتهم و اضلالهم و غير ذلك فقوله عليه السلام و آثاركم يراد منه كما في الٰاية لانّه اقتباس منها و المَعْني افدي اَعْمالَكم ما بين الاعمال و اقوالكم ما بين الاقوال و احوالكم ما بين الاَحْوال و علومَكم ما بين العلوم و ما اشبه ذلك لانّ اٰثارهم صلي اللّه عليهم تُقال علي جميع آثار افعالهم الباطنة كالاعتقادات التي هي المَعارف للتوحيد من معرفة صفات افعال الحق سبحانه و آثارِها و نبوّةِ الانبياۤء و ولاية الاولياۤء و ما يتبعه من احوال النشأتين و علي جميع آثارِ افعالِهم الظّاهرة من الاَوامر و النَّواهي و الٰاداب و مَا يتَرتّب علي شَئٍ مِنْ ذلك موجبات ثوابٍ او عقابٍ او استنارة قلوبٍ عن اعمال صالحة و سواد قلوبٍ عَنْ اعمالٍ طالحةٍ و من علوم اَسَّسُوها و سُنَنٍ اَقامُوها و غير ذلك من الكلم الطيّب و السعي المشكور من حركة او سكون او تحريك او تسكين مما يتعلّق بالقلوب و الاعمال و الاقوال للدنيا و الٰاخرة لهم و لاولياۤئهم و لاعداۤئهم ظاهراً و باطناً فانّهم عليهم السلام في ذلك كلّه المبدء و المعاد فالعلّة الفاعليّة بهم و العلّة الماديّة منهم اي من شعاعهم و ظلّهم و العلّة الصورية بهم علي حسبِ قوابل الاشياۤءِ من خيرٍ و شَرٍّ و العلّة الغاۤئيّة هم لِاَنَّ الاشياۤء خلقت لاجلِهمْ امّا اولياۤؤهم و محبّوهم و اتباعهم و ساۤئر الطاعات و انواع الخيرات فظاهر و امّا اعداۤؤهم [ص 48] و مبغضوهم و اتباعهم و ساۤئر المعاصي و انواع الشرور فلانّ وجودَها شرط لوجود اضدادِها فكما انّ اصلهم عليهم السلام نور و اصل شيعتهم و محبيهم و اَتْباعِهم نور و كذلك الطاعات و انواع الخيرات نور و هم اصل نور شيعتِهم و محبّيهم و اتباعهم بذواتهم و نور الطاعات و ساۤئر انواع الخيراتِ فرْع نور اعمالهم كذلك اعدَاۤؤهم و مبغضوهم اصلهم ظلمة و ظلمة اصل اتباعهم فرع ظلمة اعدائهم و ظلمة اصل المعاصي و انواع الشرور فرع ظلمة اعمالهم مثلاً الامام نور و نور اصلِ شيعتهم فرع نور ذواتهم و شعاعهُ و اصلُ الصلوةِ نورٌ و هو اي اصل الصلوة فرع نور اعمالهم اي فرع نور ولايتهم و اصل عدوهم ظلمة و اصل الفحشاۤء ظلمة متفرّعة من ظلمة اعمال عدوّهم و غصبهم مقامهم و انّما اتّبعهم اتباعهم علي الفحشاۤء لان اولۤئك الاتباع ظلمة اصلهم متفرّعة من ظلمة ذوات متبوعيهم فلذا اتّبعوهم في الاعمال لان ذلك فرع اتّباعهم في الذوات و قد ذكر بعض ما ذكرنا الامام جعفر بن محمد عليهما السلام ان الاعمال فروع الرجال ذكره في الحديث الطويل الذي كتبه للمفضل بن عمر كما رواه الحسن بن سليمن الحلي في مختصر بصاۤئر سعد بن عبداللّه الاشعري بسنده الي المفضل و ذلك حين سأله عن اقوام يزعمون ان الدين هو معرفة الرجال فمن عرف ان الصلوة رجل فقد اقام الصلوة و ان لم‌يصل و كذلك من عرف ان الزنا رجل فقد اقام الدين و ان زنا و الحديث طويل في هذا المعني فكتب له الجواب مفصلاً فكان مما كتب عليه السلام ان قال اخبرك انه من كان يدين بهذه الصفة التي كتبتَ تسألني عنها فهو عندي مشرك باللّهِ تبارك و تعالي بَيِّنُ الشركِ لا شكّ فيه و اخبرك ان هذا القول كان من قوم سمعوا ما لم‌يعقِلوهُ عن اهله و لم‌يُعْطَوا فهمَ ذلك و لم‌يعرفوا حدَّ ما سمعوا فوضعوا حدودَ تلك الاشياۤء مقايسةً برأيهم و منتهي عقولهم و لم‌يضعوها علي حدودِ [ص 49] ما امروا كذباً و افتراۤءً علي اللّهِ و رسوله و جراۤءة علي الوصي فكفي بهذا لهم جهلاً الي ان قال (ع) و اخبركَ ان اللّه تبارك و تعالي اختار الاسلام لنفسه ديناً و رضي من خلقه فلم‌يقبل من احدٍ الّا به و به بعثَ انبياۤءه و رسله ثم قال و بالحق انزلناه و بالحق نزل فعليه و به بعثَ انبياۤءه و رسله و نبيّه محمداً صلي اللّه عليه و آله فافضل الدين معرفة الرسل و ولايتهم و طاعتهم هو الحلال فالمحلّل ما احلّوا و المحرّم ما حرّموا و هم اصله و منهم الفروع الحلال و ذلك سعيهم و من فروعهم اَمْرُهم شيعتَهم و اهل ولايتهم بالحلال من اقام الصلوة و ايتاۤء الزكوة و صوم شهر رمضان و حج البيت و العمرة و تعظيم حرمات اللّه و شعاۤئره و مشاعره و تعظيم البيت الحرام و الشهر الحرام و الطهور و الاغتسال من الجنابة و مكارم الاخلاق و محاسنها و جميع البر ثم ذكر بعد ذلك فقال في كتابه ان اللّه يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاۤء ذي القربي و ينهي عن الفحشاۤء و المنكر و البغي يعظكم لعلّكم تذكّرون . . . ( فعدوّهم اهم المحرم ، كذا ) و اولياۤؤهم هم الداخلون في امرهم الي يوم القيمة فهم الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الخمر و المَيْسر وَ الزنا و الربا و الدم و الميتة و لحم الخنزير فهم الحرام المحرّم و اصل كل حرام و هم الشرّ و اصل كل شرّ و منهم فروع الشرّ كلّه و من ذلك الفروع الحرام و استحلالهم ايّاها و من فروعهم تكذيب الانبياۤء و جُحود الاوصياۤء و ركوب الفواحش الزنا و السرقة و شرب الخمر و المسكر و اكل مال اليتيم و اكل الربا و الخدعة و الخيانة و ركوب الحرام كلها و انتهاك المعاصي و انّما يأمر اللّه بالعدل و الاحسان و ايتاۤء ذي القربي يعني مودّة ذي القربَي و ابتغاۤء طاعتهم و ينهي عن الفحشاۤء و المنكر و البغي و هم اعداۤء الانبياۤء و اوصياۤء الانبياۤء و هم المنهي عن مودّتهم و طاعتهم يعظكم به لعلّكم تذكرون و اُخبرك اني لو قلتُ لك ان الفاحشة و الخمر و الميسر و الزنا [ص 50] و الميتة و الدم و لحم الخنزير هو رجل و انا اعلم انّ اللّه قد حرّم هذا الاصل و حرّم فرعه و نهي عنه و جعل ولايته كمن عبدَ من دون اللّهِ وثناً و شركاً و من دعا الي عبادة نفسه فهو كفرعون اذ قال انا ربّكم الاعلي فهذا كله علي وجهٍ ان شئتُ قلتُ رجل و هو الي جهنم و من شايَعهُ علي ذلك فانهم مثل قول اللّهِ انما حرّم عليكم الميتة و الدّم و لحم الخنزير لصدقتُ الحديث ، اقول و هذا الحديث مشتمل علي ما هو من هذا النّوع و غيره ممّا هو صريح في كثير ممّا نذكره و ذكرناه في هذا الشرح ممّا قد تَشْمَئِزُّ منه القلوب من اسرارِ محمدٍ و اهلِ بيته الطاهرين صلي اللّه عليه و آله و انّما تشمَئِزُّ منه القلوب من ضعْفِ الايمانِ وَ اِلّا فالواجب علي المحبِّ الّذي يدّعي امامتهم و وجوب طاعتهم و انّهم اولي بالمؤمنين مِنْ اَنْفُسِهِمْ انّه اذا ورَد عليه منهم الخبر الوارد بالطريق الذي ورد به خبر الوضوء فعمل به عَلَي جهة الوجوب في كِتابٍ وَاحدٍ اَنْ يقبلَهُ و يعتقد مضمونه فان انكره عقله لدليلٍ معمولٍ عليه ردّه الي اهله و قال هم اَعْلَمُ بما قالوا و اِنْ اَنْكَرهُ لا لِدليلٍ فعليه اَنْ يُخالفَ هوي نفسِهٖ اذِ الواجب اَنْ يعتقد انّهم اعلم منه و لايقولون بٰاراۤئهم و انّما هو عن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و في البصاۤئر بسنده عن عنبسة قال ( سئل ظ ) رجل اباعبداللّهِ عليه السلام عن مسئلةٍ فاجابَه فيها فقال الرجل اِنْ كان كذا و كذا ما كان القول فيها فقال له مهما اجبتُكَ فيه بشئٍ فهو عن رسولِ اللّه صلي اللّه عليه و آله لسنا نقول برأيِنا مِنْ شَيْءٍ و روي في البحار عن سُلَيم ابن قيسٍ في كتابه ان علي بن الحسين عليه السلام قال لابان بن ابن ابي‌عياش يا اخا عبدقيس فان وضح لك امر فاقبله و الّا فاسكت تسلَم و رُدَّ علمه الي اللّهِ فانك في اوسع مما بين السماۤء و الارض ه‍ ، و الاحاديث بهذا المعني مستفيضة في ذلك فاذا لم‌تقبل عنهم (ع) اِلّا مَا قبِلَهُ عَقْلُكَ [ص 51] لم‌تقبل من رسول اللّهِ صلّي اللّهُ عليه و آلِهٖ وَ لَا مِنَ اللّهِ سبحانه و تعالي فلَيْسَ لَكَ عُذْرٌ مع دعوي التشيّع في عدم القبول الّا اَنْ تحتَمِلَ عَدم صحّةِ الْوُرودِ بان تردّ الخبر بضعف السَّند و بمخالفة المذهب و بجهالة الكتابِ وَ هذا قد يتّفقُ لك في خبرٍ لا داۤئماً فاذا ورد في كتاب الكافي مثلاً حديثٌ في الوُضوءِ وَ لَهُ مُعَارِضٌ الّا انّ سند الاوّل اصحّ مثلاً عملتَ بالاوّلِ و لاتتوقّف في ذلك و ليس لك مرجّح الّا صحّة السّند و الحال انّك لاتُدْرِكُ الصِّحّةَ بعقلك ليَكون ما رددتَه غير موافقٍ لعقلك و اذا ورد حديث في الكافي بل عشرة احاديثَ في الكافي صحيحة السَّند و ليْسَ لها مُعَارِضٌ الّا انّ عقلَكَ لايُدْرِكُ معناه فينبغي منك كما قبلتَ حديثاً لهُ مُعَارِض مَعَ انّكَ لَمْ‌تدرك معناه و انّما قبِلتَهُ لصحّةِ سندِهٖ اَنْ تَقْبَلَ العشرة الاحاديثَ الصحيحة التي لا مانع لها الّا عدم ادراكِكَ لها و هذا كحديثِ الوضوء الذي قَبلْتَ مع وجود المعارض و عَدمِ الاِدْرٰاكِ بل هذه العشرة اولي بالقبول لعدم المعارض و وجود المعارض في حديث الوضوء مع انّك في احكام الشريعة التي لاتعرف بعقلِك منها شيئاً تثبت الحكم بحديثٍ واحدٍ له معارض و تدين اللّه به و تقول هذا حكم اللّه في حقّي و حق مقلّدي و تؤسّس حكماً تقول هو حكم اللّه و تجريه عليك و علي غيرك و تنكر احاديث متكثّرة لنفسك خاۤصّة فان قلتَ العقل ينكرها قلتُ ان اردتَ عقلك انت و مثلك فقل انا لااعرفه و لاتقل اضرب به عرض الحاۤئط او هذا من احاديث الغلاة او المفوّضة لأنّ مَن يُؤمن به و يعرفه اكثر من اَنْ يحصي فان اردتَ معرفته فاطلبه منهم و تعلّم منهم و لاتري في نفسك انّك كبير مستغنٍ عن التّعلّم كما يرونك العوامّ و الجهّال و انت في نفسك و عند اللّه سبحانه صغير محتاج للتّعلّم و ذلك لانك تقرّ بتلك الاحاديث و تصدّق كلّ حديثٍ يؤيّدُها علي جهة الاجمال فاذا فُصِّلَ لك ما صدّقتَ بمجمله انكرته و ذلك انّك تسمع من الاحاديث [ص 52] الصحيحة الواردة في الكُتب المعتبرة احاديث كثيرة لاينكر مجملها احد بل كل احدٍ يقبلها علي سبيل الاجمال و تقبلها بلا شكٍّ منك و لا تردّد و ذلك مثل قولهم عليهم السلام ان امرنا هو الحق و حق الحق و هو الظاهر و باطن الظاهر و باطن الباطن و هو السرّ و سرّ السّرّ و سرّ المستسرّ و سرّ مقنّع بالسرّ ه‍ ، بهذا المعني احاديث كثيرة و مثل قولهم ان حديثنا صعب مستصعَبٌ لايحتمله الّا ملك مقرّب او نبي مرسل او عبد امتحن اللّه قلبه للايمان و قولهم ان حديثنا صعب مستصعب وعِرٌ و في آخر اجرد ذكوان ثقيل مقنّع لايحتمله ملك مقرّب و لا نبي مرسل و لا مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان قيل فمن يحتمله قال عليه السلام نحن و في رواية مَن شِئنا او مدينةٌ حصينة قيل فما المدينة الحصينة قال القلب المجتمع و في آخر ان حديثنا صعب مستصعب خشِنٌ مخشوش فانبذوا الي الناسِ نبذاً فمن عرف فزٖيدوهُ و مَنْ انكر فامسكوا لايحتمله الّا ثلٰث ملك مقرّب او نبي مرسل او عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان و في حديث آخر في معاني الاخبار عن ابي‌عبداللّه عليه السلام انه قال حديث تدريه خير من الف ترويه و لايكون الرجل منكم فقيهاً حتي يعرف معاريض كلامنا و ان الكلمة من كلامنا لتنصرف علي سبعين وجهاً لنا من جميعها المخرج و في البصاۤئر عن ابي‌جعفر او عن ابي‌عبداللّه عليهما السلام قال لاتكذِّبوا بحديثٍ اتيٰكم به احد فانكم لاتدرون لعلّه من الحق فتكذّبوا اللّهَ فوق عرشه و فيه عن ابي‌الحسن عليه السلام انه كتب اليه في رسالته و لاتقل لما بلغك عنّا او نُسِب الينا هذا باطل و ان كنتَ تعرفُ خلافه فانّك لاتدري لِمَ قلنا و علي ايِّ وجهٍ و صفةٍ ه‍ ، و فيه عن ابي‌جعفر عليه السلام قال سمعته يقول اَما واللّهِ انّ احبَّ اصحابي الَيَّ اورعهم و افقَهُهُمْ و اكتمهم لحديثنا و ان اسوءهم عندي حالاً و امقتهم اليّ الذي اذا سمع الحديثَ ينسب [ص 53] الينا و يُرْوَي عنّا فلم‌يعقله و لم‌يقبله قلبه اشمأزّ منه و جحده و كفر بمن دانَ به و هو لايدري لعلّ الحديثَ من عندنا خرج و الينا اسند فيكون بذلك خارجاً مِن ولايتنا و فيه عن سفيان بن السمط قال قلتُ لابي‌عبداللّه عليه السلام جُعِلتُ فداك ان الرجل ليأتينا من قِبَلِك فيخبرنا عنك بالامر العظيم فتضيق بذلك صدورنا حتي نكذّبَهُ قال فقال ابوعبداللّه عليه السلام اليس عني يحدّثكم قال قلتُ بلَي قال فيقول للّيل انه نهار و النهار انه ليل قال فقلتُ له لا قال فقال ردَّهُ الينا فانّك ان كذَّبتَ فانّما تكذِّبُنا و فيه عن المفضل بن عمر قال قلتُ لابي‌عبداللّه عليه السلام بايّ شئ عَلِمت الرسل انّها رُسُلٌ قال قد كُشف لها عن الغطاۤء قال قلتُ لابي‌عبداللّه عليه السلام بايّ شئٍ عَلِم المؤمن اَنّه مؤمنٌ قال بالتسليم للّهِ في كل ما ورد عليه ه‍ ، و الاحاديث بهذا المعني كثيرة جدّاً و انت تقبَلُها و تنكر تفصٖيلها و ما معناهُ الّا انّه يرد عنهم الحديث الذي لايدرك العقل معناه فيقبله المؤمن بالتسليم و يردّه مَن ليس بمؤمن و ليس معني المقبول هو ما يدركه العقل فانَّ ما يدركه العقل يقبله و ان كان حديثَ كافرٍ و دهري لانّ الحكمة ضاۤلّة المؤمن حيثما وجدها اخَذَها و انّما المراد به ما يقبله من باب التسليم لهم و الردّ اليهم باعتقادِ انّه ليس كلّما قالوه تدركه عقولنا و ان لم‌يجب علينا اعتقاده اذا خالف ظاهر الاعتقاد و ليس لك ان تقول هذا الذي نردّه مخالف لظاهر الاعتقاد لان الّذي نردّه موافق في الاجمال كما تعتقده و يخالف تفصيلك لانّك تفصّل علي ما يخالف الاجمالي الذي تعتقده مثلاً قالوا عليهم السلام اجعلوا لنا رَبّاً نَؤُب اليه و قولوا فينا ما شئتم و لن‌تبلغوا الحديث ، و معناه في كل ما تنسب اليهم اي اجعل لهم ربّاً يرجعون اليه في كلّ ما تنسبون الينا لا مطلقاً يعني ليس المراد اجعلوا لنا ربّاً نرجع اليه في العلم بمعني لانعلم الّا به الّا انا نقدر بدونه و نسمع بدونه و هكذا بل المراد [ص 54] انّا لانعلم شيئاً حتي في الٰانِ الثاني ممّا علّمنا الّا به و لانقدر علي شئ الّا به و لانحكم علي شئ الّا به و لانريد شيئاً الّا به و لانترك شيئاً الّا به و لايكون لنا من الامر شئ في قليل و لا كثير لا في الدين و لا في الدنيا و لا في الٰاخرة الّا به و هذا معني اجعلوا لَنا ربّاً نَؤُب اليه و قولوا فينا ما شئتم و لن‌تبلغوا الحديث ، فتفهّم و تدبّر في هذه الكلمات و ما قبلها من كلّ هذا الشرح و ما يأتي منه فانه جارٍ علي هذا النحو و هو تفصيل كثير ممّا سمعتموه مجملاً فانّ هذا من المستصعب الذي لايحتمله الّا ملك مقرّب اوْ نبي مرسل او عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و هذا الذي عليَّ في النصيحة و كلٌّ ميسّر لما خلق لهُ و كلٌّ عامل بعمله و اللّه يهدي من يشاۤء الي صراط مستقيم فقوله عليه السلام و آثاركم في الٰاثار يراد منه علومهم و اعمالهم و ما اقاموه عن امر اللّه من كلّ ما اشرنا اليه فيما يعزّ عليَّ افدي آثاركم في الٰاثار اي ما بين الٰاثارِ افديها من كلّ شَئٍ حتي من عدم قبول المكلّفين لها و الاقتداۤء بها و الاخذ بها و السلوك مسلكها و من الدثورِ و الاضمحلال و ان كان في نفس الامر لا دثور يعتريها و لا اضمحلال لها فان اللّه سبحانه هو الحافظ لها و كيف لاتقبل ايضاً و اللّه عز و جل جعل حيٰوة الخلق و رزقهم و معاشهم و بقاۤءهم بها بل بها يمطرون و بها يرحمون و بها يدخل الجنّة من قبلها و يدخل النار مَنْ رَدَّها مع ان كلّ شئٍ يقبلها فهل تري اَحداً يكره بقاۤءه و حياته و رزقه و دفع المكاره عنه و ما اشبه ذلك و كل ذلك ممّا ذكرنا لك و انّما يردّها الحاسدون المتكبرون علي نحو ما سبق و امّا علي معني الظرفيّة فكَونُ اٰثارهم في الٰاثار ظاهر علي نحو ما تقدّم من انّه لايكون حقّ في ايدي جميع المكلّفين الّا ما كان عنهم و لا باطل الّا ما لم‌يكن عنهم روي المفيد في المجالس بسنده عن محمد بن مسلم عن ابي‌جعفر عليه السلام قال [ص 55] اَما انه ليس عند احدٍ من الناسِ حقّ و لا صوابٌ الّا شئ اخذوه منّا اهل البيت و لا احدٌ من الناسِ يقضي بحقٍّ و لا عدلٍ الّا و مفتاح ذلك القضاۤء و بابُه و اوّله و سُنَّتُه اميرالمؤمنين علي بن ابي‌طالب عليه السلام فاذا اشتبهت عليهم الامور كان الخطأ من قِبَلهم اذا اخطأوا و الصواب من قِبَلِ علي ابن ابي‌طالبٍ اذا اَصابُوا و فيه بسنده عن يحيي بن عبداللّه بن الحسن قال سمعتُ جعفر بن محمد عليهما السلام يقول و عنده ناس من اهل الكوفة عجباً للناس يقولون اخذوا علمهم كلّه عن رسولِ اللّه صلي اللّه عليه و آله فعملوا به و اهتدوا و يَروْن انّا اهلَ البَيْت لم‌نأخذ علمه و لم‌نقتدِ به و نحنُ اهلُه و ذرّيّتُه في منازلِنا انزل الوحي و من عندِنا خرج الي النّاسِ العلمُ افتراهم علموا و اهتدَوْا و جهِلنا و ضلَلنا انّ هذا محال ه‍ ، امَّا لانّهم عليهم السلام كما كانوا اسبَاباً في الاسباب اي اسباب الاسباب في كلّ مقامٍ من مراتب وجودات الجواهر كذلك اٰثارهم اسباباً لٰاثارِ مَن سواهم قد تقوّمَتْ بٰاثارهم في مواۤدِّها و هيئاتها و امّا لانّهم مُعَلّمون بتعليمٍ كلّيٍ فلم‌يبق كلّي في الخلق و لا جزئيّ الّا اَوقَفوا كلّ من له اهليّة العَمَل في شئٍ من الاشياۤء مما يتصور في حق احدٍ من الخلق عليه اِمَّا بقوْل وَ اِمّا بعَمَلٍ و امّا لانّهم هادون بهداية اللّه و امّا بمعني التّوفيق فانَّ اللّهَ سبحانه بهم حبّب الي شيعتهم الايمان و زيّنه في قلوبهم اذ الحبّ من اللّه عز و جلّ و التّحبيب بهم و التّزيين انما هو اظهار آثار جمالهم عَلي ما شاۤء كما شاۤء لمن شاۤء هذا في آثار الطيّبين الطيّبات ظاهر و امّا كون آثارهم عليهم السلام في آثارِ الخبيثين الخبيثات فعلي نحو ما اشرنا اليه فيما سبق من نظاۤئرها لانّهم بما آتيٰهم اللّه من فضله سبقوا اهل الخيرات فيما عملوا من الاعمال الصّالحات فعملوا اعمالهم الصالحة بتعليمهم و هدايتهم و اتّباعاً لهم و اقتفاۤءً لٰاثارهم بل هم المُنَاة المقدّرون لكلّ شَئٍ منهم الموردون لهم حوض هدايتهم و ولايتهم [ص 56] الذّاۤئدُون لهم عن ورود حياض اعداۤئهم الشياطين الداعين الي النار و سبقوا اهل الشرور فيما عملوا من الاعمال الطالحة الخبيثة فعملوا الاعمال الطيّبة الصالحة تعليماً لهم ليقتدوا بهم فخالفوهم استكباراً عن امرهم و استنكافاً عن اتّباعهم فهم عليهم السلام المُناةُ المقدّرون لكلّ شئ منهم الذاۤئدون لهم عن ورود حوضهم باعراضهم لانّ حوضهم لايردُه احدٌ الّا بطاعتهم و امتثال امرهم و الاقتداۤء بهم اذ ليس له طريق الّا ذٰلكَ و ذلك لمّا قال تعالي لهم لعنهم اللّه في قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرةً و قدّرنا فيها السّير قال تعالي لهم لعنهم اللّه سيروا فيها ليالي وَ ايّاماً آمنين فقالوا ربّنا باعِد بين اسفارنا يعني اجعل لنا طريقاً اليك و الي رضاك غيرهم لنصل اليك بدونهم و بغير واسطتهم فاخبر اللّه عنهم فقال و ظلموا انفسهم اي ارادوا من انفسهم ما لايمكن في حقّها او ظلموا وساۤئطهم عليهم السلام الي كلّ خير بارادة تأخيرهم عن مراتبهم الّتي رتّبهم اللّه فيها فان اللّه سبحانه بفضله عليهم جعلهم الدعاة اليه و الي رضوانه و لم‌يجعل لاحدٍ مِن خلقه طريقاً الي شئ من الخير الّا بواسطتهم فحاولوا تأخيرهم عن مرتبة الوساطة العاۤمّة و البابيّة المطلقة فظلموهم بدعواهم مراتبهم او ظلموا انفسهم بارادتهم منها ما لايمكن في حقّها الا بالوساطة المخصوصة فكان تركهم الاقتداۤء بهم مستلزِماً لضلالتهم لانّ مَن ترك الهِدَاية ركب الضلالة اذ لا واسطة بينهما و مستلزماً لكون الائمة صلّي اللّه عليهم ذاۤئدين لهم عن طريق الهداية باعراضهم عن طريقها و موردين لهم طريقَ الضّلالة باستحبابهم لها و ميلِهم اليها و ذلك كله باذن اللّه تعالي اما الاستلزام الاول فظاهر و امّا الاستلزام الثاني فلما ثبت انّه لايكون شئ الّا باذن اللّه و قدره و قضاۤئه و قد جعلهم عليهم صلوات اللّه اجمعين اولياۤء امره و قدره و قضاۤئه فهم بامره يعملون و هذا هو [ص 57] المراد من كلام الحجة عليه و علي آباۤئه الطاهرين صلوة اللّه و سلامه في دعاۤء شهر رجب المشهور الذي مرّ الاستشهاد به مراراً كثيرةً حيث يقول اعضاد و اشهاد و مُناةٌ و اذواد و حفظة و رُوّاد و قد تقدّم بعض بيان هذه الكلمات فقوله مُناة جمع ماني اي مقدّرون و اذواد جمع ذاۤئد اي يذودُون مَنْ شاۤؤا بامر اللّه و اذنه عمّا شاۤؤا الي ما شاۤؤا و قد تقدّم ذكر حديث ابي‌الطفيل عامر بن واثلة قال قلتُ يا اميرالمؤمنين اخبرني عن حوض النبي صلّي اللّه عليه و آله في الدنيا ام في الٰاخرة قال بل في الدُّنيا قلتُ فمن الذاۤئد عليه قال انا بيدي فليردنّه اولياۤئي و ليصرفن عنه اعداۤئي و في رواية و لاُوردَنَّهُ اولياۤئي و لاَصْرِفَنَّ عنه اعداۤئي الحديث ، و اوصيك وصيّة ناصح اَلَّاتستغرب هذه الاشياۤء اَوْ تنكرها فانّا لانريد بذلكَ انهم عليهم السلام فاعلون او خالقون او رازقون بل نقول اللّه سبحانه هو الخالق و الرازق و هو الفاعل لما يشاۤء وحده عز و جل لم‌نجعل له شريكاً في شئ الّا انّا نقول انه سبحانه لايفعل شيئاً بِذاته لتكرّمه و تنزّهه عن المباشرة و انّما يفعل ما يشاۤء بفعله و بمفعوله من غير تشريكٍ بل هو الفاعل وحدَهُ امّا فعلُه للشئ بفعله فهو انّه اذا اراد شيئاً كان ما اراد كما اراد من غير حركةٍ و لا مَيْل و لا انبعاثٍ و لا تفكّرٍ و لا رَوِيّة و ليس معه شئ يفعل به ما يفعل زاۤئدٌ علي فعلِهٖ لما فعل اذ ليس شئ غير ذاته المقدّسة و فعله و مفعوله فلا شئ يصح عليه اطلاق الشيئيّة الّا ذاته ثم فعله شئ بشيئيّة ذاتِه اي ان فعلَهُ انّما هو شئ بذاته تعالي و مفعوله انّما هو شئ بِفعلِهٖ و امّا مفعوله فهو تعالي يفعل بما شاۤء من مفعولاتِه ما شاۤء مِن صنعه مثلاً اذا اراد ان ينبت الحنطة خلق لها الارض بفعله او شئ من مفعوله و خلق الماۤء كذلك و خلق زيداً مثلاً يزرعها و خلق لزيد جميع ما يتوقّف عليه عمله من القوي و العلوم [ص 58] و تسليطه علي البذر و الماۤء و الارض فاذا القي البذر في الارض و سقاه كما علّمه اللّه و الهمه انبت اللّه سبحانه بهذه الاشياۤء التي هي مفعولاته ما شاۤء من صنعه فقال تعالي افرأيتم ما تحرثون ءَانتم تزرعونه ام نحن الزارعون و اللّه سبحانه هو الزارع وحده من غير تشريك مع غيره و كذلك ما خلق في الارحام كما روي انّه خلق ملكين خلّاقين يقتحمان الي البطن من فم امّه فهما يقدّرانه كما امرهما و كذلك ميكاۤئل جعله موكّلاً بالارزاق و هو تعالي وحده هو الرزاق ذو القوة المتين و كذلك ملك الموت جعله موكّلاً علي قبض الارواح قال تعالي قل يتوفّيكم ملك الموت الذي وُكِّلَ بكم مع انه تعالي قال اللّه يتوفّي الانفس حين موتها و اذا قلنا هو الفاعل سبحانه نريد انه يفعل بفعله لا بذاته لانّ كلّ فاعل لايفعل الّا بفعله و مرادنا بفعله الذي يفعل به ما شاۤء هو فعله و مفعوله فان مفعوله يفعل به كما يفعل بفعله لا فرق بينهما الّا بشيئين احدهما ان فعله احدثَهُ بنفسه و مفعوله احدثه بفعله و ثانيهما انّ فعله يفعل به كل ما سواه تعالي فهو عاۤم و كلّي و غير متناهٍ في تعلّقاته و لا اوّلَ له في الامكان و مفعوله خاۤصّ و جزئي و متناهٍ في تعلّقاتِهٖ بالنسبة الي الفعلِ لا مطلقاً فانه ايضاً غير متناهٍ بالنسبة الي نفسه و لَهُ اوّل في الامكان فانّ اوّله الفعل الذي به كان و هذا المقام من غامض الاسرار و سرّ الاقدار فان اتي له ذكر فيما بعد فتحتُ بابه الذي مافتح قبلي و مرادنا ان هذه الاشياۤء من الفاعلين و المفعولات و الافعال كلّها قاۤئمة في وجوداتها و في كل ما يصدر عنها و تفعله بفعله تعالي قيام صدور يعني كقيام الكلام بالنسبة الي نفَس المتكلّم و شفتيه وَ اضراسه و لهاته و حلقه و حركته فيها مع قيامه بالنسبة الي الهواۤء فلو صحّ عنهم عليهم السلام انّهم قالوا انا نفعل شيئاً من ذلك فليس فيه اشكال كما سمعتَ قوله تعالي في حق عيسي عليه السلام و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني [ص 59] و لايلزم منه غلوّ و لا جبر و لا تفويض و لا شئ ينافي الحق بوجهٍ مَا لانه اذا ورد شئ من ذلك فمرادنا منه ما ذكرنا اوّلاً و هو كمال العبوديّة و الادلّة من الكتاب و السنّة جارية علي ذلك متواردةٌ فيه و انّما نتوقّف في صحة ورود ذلك عنهم و انت اذا عرفتَ هذه الجملة و امثالها لاترد عليك شبهة قطّ . و امّا كلام بعض العلماۤء بنفي كثير من هذا و حكمه بكفر مَن اتَي بشئ منه و لو بلفظة و ان لم‌يعرف المراد منها و تصحيح بعضهم لبعض الوجوه فليس الامر الواقعي كما قال النافي معمّماً و لا كما قال المصحّح مخصِّصاً لانَّ الصراط المستقيم ادق مما ذهبا اليه و انا انقل لك بعض عباراتهم و بعض ما كتبتُ عليها ليتبيّنَ لك اذا عرفتَ انّ الاستقامة في الدين في غير ما ذكروا و ان كان في بعض ما ذكروا حقّ اوْ حقّ للضعفاۤءِ و قد ذكرنا سابقاً شيئاً في ذلك و هنا احببتُ ايراد بعض كلامهم لما في نفسي مما اسمع من الجهّال لعلّ ناظراً في ذلك يذّكّر او يخشي قال الشيخ عبداللّه ابن نوراللّهِ البحراني في كتابه عوالم العلوم و هو من تَلامذة محمدباقر المجلسي و كلّ كلامِه او جلّه من البحار قال بعد نقله لاعتقاد الصدوق (ره) و نقل كلام المفيد (ره) عليه قال تتميم و تحقيق اعلم انّ الغلوّ في النبي و الائمة عليه و عليهم السلام انّما يكون بالقولِ بالُوهِيّتهم او بكونهم شركاۤء للّه تعالي في المعبوديّة او في الخلق او في الرزق او انّ اللّه تعالي اتّحد بهم اَوْ انّهم يَعْلمون الغيب بغير وحي او بالقول في الائمة عليهم السلام انهم كانوا انبياۤءَ او القول بتناسخ اَرواح بعضهم الي بعض او القول بان معرفتهم تغنٖي عن جميع الطاعات و لا تكليف معها بتركِ المَعاصي و القول بكلٍّ منها الحاد و كفر و خروج عن الدّين كما دلّت عليه الادلّة العقلية و الٰايات و الاخبار السّالفة و غيرها و قد [ص 60] علمتَ انّ الائمّة عليهم السلام تَبرّؤا منهم وَ حكموا بكفرهم و امروا بقَتْلِهم و ان قَرَعَ سمعَك شئ من الاخبار الموهمة لشَئٍ من ذلك فهي امّا مُأوَّلة او هي من مفتريات الغلاة و لٰكن افرط بعض المتكلّمين و المحدّثين في الغلوّ لقصورهم عن معرفة الائمة عليهم السلام و عجزهم عن ادراك غراۤئب احوالهم و عجاۤئب شؤنهم فقدحوا في كثير من رواياتِ الثقات لنقلِهمْ بعض غراۤئب المعجزات حتّي قال بعضهم من الغلوِّ نفي السَّهْو عنهم او القول بانّهم يعلمون ما كان و مَا يكون و غير ذلك مع انه قد وردَ في اخبارٍ كثيرة لاتقولوا فينا ربّاً و قولوا فينا ما شئتم و لن‌تبلغوا و وَرد انّ امرنا صعب مستصعبٌ لايحتمله الا ملكٌ مقرّب او نبي مرسل او عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان و ورد لو علم ابوذرٍّ ما في قلب سلمن لقتله و غير ذلك مما مرّ و سيأتي فلا بدّ للمؤمن المتديّن اَلّايُبادرَ بردّ ما ورد عنهم من فضاۤئِلهم و معجزاتهم و معالي امورهم الّا اذا ثبت خلافه بضرورة الدين بقواطع البراهين او بالٰايات المحكمة او بالاخبار المتواترة كما مرّ في باب التسليم و غيره .