شرح الزيارة الجامعة الكبيرة الجزء الرابع
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد الامجد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
[ص 2] بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحٖيمِ
الحمد لله رب العالمين و صلّي اللّهُ علي محمد و آله الطاهرين .
امّا بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحسائي هذا الجزء الرابع من شرح الزيارة الشريفة الزيارة الجامعة الكبيرة :
قال عليه السلام : بابي انتم و امّي و نفسي و اهلي و مالي ذكركم في الذّاكرين و اسماۤؤكم في الاسماۤء .
قال الشارح المجلسي رحمه اللّه ذكركم في الذاكرين اي اذا ذكره الذاكرون فانتم فيهم او ذكرُكم للّهِ في جنب الذاكرينَ ممتازٌ اوْ كالشمس اذا ذكروا فانتم داخلون فيهم لٰكن ايّ نسبةٍ لكم بهم لقوله فما احلي اسماۤؤكم و كذلك البواقي انتهي .
و قال السيد نعمتاللّه الجزاۤئري رحمه اللّه في شرح التهذيب ذكركم في الذاكرين الخ ، مبتدأ و خَبر اي ذكركم موجود بين الذاكرين كما انّ اسماۤءكم موجودة بين الاسماۤء الّا انّ ذكركم لَا نِسْبَةَ لَهُ اِلي ذكر الذاكرين و كذلك اسماۤؤكم بل هي احلي و اشرف من كل ذكر و من كل اسم و هكذا باقي صفاتكم فانّها مشاركة لصفات البشر في الاسم مفترقةٌ عنها بالمعني انتهي .
اقول قد تقدّم الكلام في بأبي انتم و امّي و انّ بأبي خبر مقدّم وَ اَنْتُمْ مُبْتدأ مؤخّر و انّه اَيْ بِاَبٖي كان معمولاً ثانياً لِاَفْدٖي و انتم كان معمولاً اَوّلاً له [ص 3] فلمّا حُذِفَ لكثْرةِ الاِسْتعمالِ حَتَّي انَّهُ غلَب حُضورُ مَعْنَاهُ بالبَالِ ضمِن مَعناهُ المعمول الثَّاني لانّهُ ثَمرةُ عَامِلهٖ فَنَابَ عَنْهُ وَ لِاَنّه نفسُ الْفِدَاۤءِ فيكون اَوْلي مِنْ اَنتم بالتضمنِ وَ بالنِّيَابةِ و لِاَجْلِ هٰذَا تَصَدَّرَ و تقدّم و تأخّر المبتدأ وَ ذِكْرُكُمْ بَدَلٌ مِنْ اَنْتُمْ بَدَل اشْتِمالٍ اَيْ بابي و امي و نفسي و اهلي و مالي اَفدِي ذكرَكُمْ في الذّاكِرٖينَ الموجود في اَلْسُنِ الذاكِرٖين او في نفوسهم او في قلوبهم او المسموع من اَلْسِنَتِهم او المرئيّ في اعمالهم فانّ اتّباع سبيلهِمْ و الأخذ عنهم و الرّدّ اليهم و الرضي بهم و التسليم لهم اَعظم ما يذكرهم به شيعتُهم و اتباعهم او المعلوم من معتقداتِ ذاكريهم من شيعتهم و اتباعهم فانه اعلي ما يُذْكَرُونَ به كما اذا اعتقد المؤمن العارفُ توحيدَ اللّه بتعريفِهم عليهم السلام و بسبيل معرفتِهم و بمعرفتِهم فانّ هذا اَعلَي ما يُذكَرُونَ به نفسي لساداتي و مواليّ الفِداۤء فان شِئتَ اسمعتك اَلْحٰانَهُمْ و اَلْحَانَ شيعتهم الاوّلٖين الّذين جعلهم اللّه خلف العرش فاقول او يكون المعني بابي و امي و نفسي و اهلي و مالي اَفْدي ذكرَكم للّهِ ما بين الذّاكرين باسراركم و عقولكم و اَنْفسكم و اشباحكم و اجسامكم و اجسادكم و الفاظكم و اعمالكم و احوالكم و الوانكم و جميع ما لكم و ذكركم لانْفُسِكم في هذه المراتب و ذكركم لشٖيعَتِكم في ما لهم من هذه المراتب و ذكرَكم لاعداۤئِكم باعمالهم و بما لهم من هذه المراتب و ذكركم لمن دونهم الي التُّراب و الثَّرَي او ذكر اللّهِ ايّاكم فيما ذكر و فيما لميذكر فصار المعني ان المصدر الذي هو المفدي بهذه الامور التي احبّ الاشياۤء و اعظمها عندي بعد اللّهِ و بعدكم يا مواليَّ يجوز ان يكون مضافاً الي المفعول اوْ الي الفاعل فعلي انّه مضاف الي المفعول يكون ذاكركم هو اللّه سبحانه و تعالي في كلّ مرتبةٍ من مراتب وجوداتكم من الحقيقة المحمدية الي التراب الطّيّب مما هو منسوب الي باطنكم و فيما هو منسوب الي ظاهرِكم من الجهل الي الارض السبخة و ذلك [ص 4] يومَ اتّخذكم اعضَاداً و اطواداً فبَسط بكم عواملَ افعاله كما قال تعالي اولميروا الي ما خلق اللّه من شيء يتفيّؤ ظلاله عن اليمين و الشّماۤئل سُجّداً للّهِ و هم دٰاخرون و قال تعالي و للّه يسجد ما في السّموات و ما في الارض طوعاً و كرهاً و ظلالهم بالغدوّ و الٰاصال حتي اعلن كلّ شَيءٍ بتوحيده و تمجيده و تسبيحه و تحميده فبذلك ذكركم خير الذّاكرين حين ذكرتموه بذلك فانزل فيكم و بكم فاذكروني اذكركم اَوْ علي انّه مضاف الي المفعول ايضاً ذكركم الذاكرون فاللّه سبحانه ذكركم بما ذكر به نفسه فجعل طاعتكم طاعته و معصيتكم معصيته و رضاكم رضاه و سخطكم سخطه و ذكر بكم مَن سواكم من خلقه و ذكركم الذاكرون و ذكروا بكم مَن عرفوا فباحب الاشياۤء عندي افدي ذكر اللّهِ تعالي لكم من بين ما ذكر تعالي من سواكم و افدي ذكر الذاكرين لكم من بين ما ذكروا ممن عرفوا و افدي ذكر اللّه تعالي بكم مَن سواكم من بين ذكر اللّهِ بسواكم مَن سواكم و افدي ذكر الذاكرين بكم مَن سواكم مِن بين ذكرِهم بسواكم مَن سواكم و افدي ذكر اللّه تعالي لكم فيما احبّ من ملكه و بما ابغضَ من ملكه و افدي ذكر الذاكرين لكم فيهم و في جميع مراتب وجوداتِهم من الافئدة و العقول و الارواح و النفوس و الطباۤئع و المواۤدّ و الاشباح و الاجسام و الاجساد و الاعتقادات و المتيقّنات و العلوم و الاعمال و الاقوال و الاحوال و عَلَي انّه مضاف الي الفاعل يكون المعني فباحبّ الاشياۤء عندي افدي ذكركم للّهِ تعالي بما ذكركم به في كل مقامٍ ظهر بكم لكم و لمن سواكم من بين ذكر الذاكرين للّه تعالي في كل مقام و بكل كلام و افدي ذكركم باللّه تعالي لكلّ من شاۤء اللّهُ بما شاۤء كما شاۤء من بين ذكر الذاكرين باللّه تعالي لمن شاۤء اللّه بما شاۤء كما شاۤء و افدي ذكركم للّه تعالي فيما شاۤء من خلقه الذاكرين لٰالاۤئه الشاكرين لنعماۤئه و افدي [ص 5] ذكركم باللّه تعالي فيما شاۤء من خلقه الذاكرين لٰالاۤئه الشاكرين لنعماۤئه فهذه الاشياۤء التي ذكرتها صور اغصان سدرة المنتهي و اغصان شجرة طوبي في جنة المأوي و علي هذه الغصون اطيار علي صور الطواويس من امثالهم في قوالب الصّاۤفّين و الكروبيّين و المسبّحين لااقدر اَنْ اُسَمّيَ باسماۤئهم و لاينقشَ قلمي هيئاتَ الحانهم لئلايسمعَ من الناس صنفانِ فيهلك قوم و يخرّ صعِقين قومٌ و لقد قال سلمٰن الفارسي عليه سلام اللّهِ لعلي اميرالمؤمنين صلي اللّه عليه و آله يا قتيل كوفان لولا ان تقول النّاس واش واه رحم اللّه قاتل سلمن لقلتُ فيك مقالاً تشمئزّ منه القلوب يا محنةَ ايّوب و انا اقول لولا هذه العلّة لبيّنتُ بعض تلكَ الاطيار و اريتُك الوانها كالوان الطواويس و اسمعتُكَ بعض الحانها المهلكة و المسكرة لحسن اصواتها و نغماتها علي انّ الاوراق تكاد تضيق عن بيانها و انّ سلمن الفارسي رحمنا اللّه به و بحبّه لمّا اشار الي هذه الاطيار و الحانها و نغمات سجعها علي اغصان الشجرة نقشتُ لك بقلمي في هذا الشرح كثيراً من صور اغصانها و اشجارها و اوراقها و اطيارها ، و اعلم انّ في لغة اهل البيت عليهم السلام فيما يتخاطبون به و يخاطبون به مَن علّموه بعض لغاتهم معاني لاتجري علي ظاهر اللغة العربيّة لان المعروف عنهم عليهم السلام ان اللّغة تصرف علي سبعين وجهاً في الكلمة الواحدة فقد يسمّون الشيء بما يخالف المعني المصطلح عليه ففي مثل ما نحن بصدده و هو انّا قلنا ان قوله عليه السلام ذكركم في الذاكرين بدل اشتمالٍ و قد يطلقون عليه بدل بعض من كل سواۤء قلتَ انه مجرّد اصطلاح ام لمناسبة قويّة فانك اذا قلتَ نفعني زيد علمه يقولون علمه بدل من زيد بدل اشتمال و هم عليهم السلام يطلقون عليه ما هو حكم بدل بعضٍ من كلّ كما في رواية حمران بن اعين عن الصادق عليه السلام حين سأله فقال يا حمران كيف تركتَ [ص 6] المتشيّعين خلفك قال تركتُ المغيرة و بُنان البيان احدهما يقول العلم خالق و يقول الٰاخر العلم مخلوق قال فقال (ع) لحمران فايّ شَيء قلتَ انت يا حمران قال فقال حمران لماقل شيئاً قال فقال ابوعبداللّه عليه السلام افلاقلتَ ليس بخالقٍ و لا مخلوقٍ فقال ففزع لذلك حمران قال فقال فاَيْشٍ هو قال فقال من كمالِهٖ كيدِك منك ه ، فجعل عليه السلام العلم بعضاً من الشئ فعلي هذا اذا قلتَ نفعني زيد علمه يكون علمه بدل بعضٍ من كلٍّ و هذا معني صحيح لان علماۤء العربيّة انما قالوا بدل اشتمال لانّ زيداً مشتمل علي علمه و علي قوله عليه السلام ان زيداً جملةٌ بعضها الجسم و بعضها العلم و بعضها العقل و بعضها الحواس الظاهرة و الباطنة و غير ذلك و لايعني ببدل البعض الّا كون البدل بعضاً من جملة اُسْند العامل اليها اوّلاً فظنّ السامع ان حكم العامل واقع علي الجملة فبيّن المتكلّم ان الجملة لميسند العامل الّا الي بعضها و انّما اَتينا بالكلِّ لكونه مقوِّماً للمسندِ اليه بخلاف بدل الاشتمال و ان كان بهذا النحو يَعني انه لميسند الي الكل و لكن الجملة لمتكن مقوّمةً للمسنَدِ اليه و انما هي ظرف له و هذا الاختلاف راجع الي المعني لا الي اللّفظ فانّ العلم اذا كان بدل بعض لميُرَدْ منه كونه صورة انتزاعيّة ليكون مظروفاً فيتحقق الاشتمال و انّما هو ركن الذّات و الصورة انّما هي علامة كما قيل في الاعراب انه تغيير الٰاخر و امّا الحركات فهي علامات ففي ما نحن فيه علي الظاهر يخلص المعني في بدل الاشتمال و امّا علي الباطن و التّأويل يجوز ان يكون بدل بعضٍ من كلٍّ او بدل كلٍّ من كلٍّ فعلي المعني الظاهري بالقول بالاشتمال فالمراد بالذكر ما يحضر عند الذاكر من ذات المذكور او صفته و يحصل له او يقع عليه او يحصل له من ذات المذكور او صفته من قول او عمل او تصوّر او حضور ذهني او حسي عند وجودِ مقتضٍ له [ص 7] و امّا علي الباطن و التّأويل فعلي ارادة بدل البعض نقول ان الذاكر لميحط منهم عليهم السلام بجميع مايقتضي المذكوريّة و انّما يحيط بالبعض من جهاتهم فتتّجِهُ ارادة البعض لارادة جهةٍ واحدةٍ من جهات كثيرة هي كل الشيء لا انّ المراد هو الصِفاتُ ليُقال هذا هو الاشتمال و انّما يراد بالجهاتِ الابعاض كما يقال جهات الشئ لاجزاۤء ماهيّتِهٖ مثلاً للانسان جهتان جهة حيوانيّته و جهة نَاطِقِيَّتِهٖ فتقول الٰان عرفتُ زيداً حيوانيّته او ناطقيّته و هذا علي الاضافة الي المفعول و كانَ الذاكر مَن سواهم من الخلق فان كان هو الخالق سبحانه كان علي هذا بدل كلٍّ من كُلٍّ لانه تعالي محيطٌ بهم في كل رتبةٍ من مراتب وجوداتهم فاوّل مرتبة ذكرهم فيها ذكرهم بهم فبكلِّ ما يعزّ عَليّ اَفْدي ذكر اللّهِ تعالي لكم بكم من بين ذكره لجميع خلقه بهم بل و بمحمد و آله صلي اللّهُ عليه و آله اي من بين ذكر اللّه تعالي لخلقه بهم و من بين ذكر اللّه تعالي لخلقه بكم و لو قدّرنا في معني ذكر اللّه ارادة الاوصاف و الاحوال فانه كما يذكرهم بهم يذكرهم باوصافهم و باحوالهم كان بدل اشتمال كما مرّ و هل يتمشي بدل كلٍّ من كلٍّ علي تقدير الاضافة الي الفاعِلِ الظاهر المعلوم من المذهب علي ظاهر المذهب انّه لايتمشّي و ظاهر الروايات تنفيه منها ما رواه الكشّي في رجاله بسنده عن علي بن حسّان عن عمه عبدالرحمن بن كثير قال قال ابوعبداللّهِ عليه السلام يوماً لاصحابه لعن اللّه المغيرة ابن سَعٖيد و لعن اللّهُ يهوديّةً كان يختلف اليها يتعلّم منها السِّحر و الشعبذة و المخاريق انّ المغيرةَ كذبَ علي ابي عليه السلام فسلبه اللّه الايمان و ان قوماً كذبوا عَليّ ما لهم اَذاقهم اللّه حرّ الحَديد فواللّهِ ما نحن الّا عَبٖيدُ الذي خلقَنا و اصطفانا مانقدِرُ علي ضرٍّ و لا نفعٍ و ان رحمنا فبرحمته وَ اِنْ عذّبَنَا فبذُنُوبِنا واللّهِ ما لنا علي اللّه من حجّةٍ و ما معَنا من اللّهِ براۤءة و انّا لميّتُون و مقبورون و منشَرُون و مبعوثون [ص 8] و موقوفون و مسئولون ويلهم ما لهم لعنهم اللّه لقد آذَوُا اللّه و آذَوْا رسوله في قبرِه و اميرالمؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي صلواتُ اللّه عليهم و ها انا ذا بين اظهركم لحم رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و جلد رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله اَبيتُ علي فراشي خاۤئفاً وجِلاً مرعوباً يأمنون و افزع ينامون علي فرشهم و انا خاۤئفٌ ساهر وَجلٌ اتقلقلُ بين الجبالِ و البراري ابْرأ الَي اللّهِ ممّا قالَ فِيّ الاجدع البَرّاد عبد بنياسد اَبُوالخَطَّاب لعَنه اللّهُ واللّهِ لو ابتُلوا بنا و امرناهم بذٰلك لكان الواجب اَلَّايقبَلُوه فكيفَ و هم يروني خاۤئفاً وَجِلاً اَسْتَعْدِي اللّهَ عليهم و ابرأ الي اللّه منهم اشهدكم انّٖي امرُءٌ ولدني رسول اللّه صَلّي اللّهُ عليه و آلِهٖ و مَا معي براۤءة من اللّه ان اطعتُه رحمني و ان عصيتُه عذّبَني عذاباً شديداً او اشدّ عذابه ه ، و امثال هذا كثير في رواياتهم و امّا بَواطن اخبارهم فداۤلّة علي ذلك تصريحاً و تلويحاً اَمّا التّلويح فمثل ما في الاختصاص بسنده الي الحسن بن عبداللّهِ عن ابيعبداللّه عليه السلام قال خطب اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه فقال ايّها النّاسُ سَلُونٖي قبل ان تفقِدُوني ايها النّاس انا قَلْبُ اللّهِ الواعي و لسانه الناطق و امٖينُه علي سرِّهٖ و حجّته علي خلقه و خليفتُه علي عباده و عينه الناظرة في بريّتهِ و يده المبسوطة بالرأفة و الرحمة و دينه الذي لايُصَدِّقُني الّا مَن محض الايمان محضاً و لايكذّبُنٖي الّا مَن محضَ الكفرَ محضاً ه ، و امثال هذا كثير و امّا التّصريح فممنوع منه وَ مَا اكثر ما كتبته في شرحنَا هَذَا .
بقي شيء من مكنون العلم علي تقدير الاضافة الي المفعول و كون الذاكر هو اللّه سبحانه و هو ذكر اللّه لكم بخلقه و ذكر اللّه لخلقه بكم فان المذكور في الاوّل افضل من الذكر و الذكر في الثاني افضل من المذكور فان اريد بالذكر المصدر من غير تأويل بالمفعول كان المعني بكلّ ما يعزّ علَيّ افدي [ص 9] ذكر اللّهِ تعالي لخلقه بكم من بين ذكر اللّهِ تعالي لكم بخلقه و ان اريد بالمصدر المفعول كان المعني بكل ما يعزّ عليّ افدي ذكر اللّه تعالي لكم بخلقه من بين ذكر اللّهِ تعالي لخلقه بكم هذا اذا اريد بالذكر الذكر الظاهر و هو ما يحضر عند الذاكر و يحصل له من ذات المذكور او صفته او يقع عليه و يحصل له من ذات المذكور او صفته من قول او عمل او تصوّرٍ او حضورٍ ذهني او حسّي عند وجودِ مقتضٍ له و امّا اذا اريد به الباطن و التأويل كما تقدّم فهو كالوجه الاوّل و هو عدم تأويل المصدر بالمفعول الّا انّ في فهم المراد من قولي ذكر اللّه تعالي لكم بخلقه اشكالاً و في قولي ذكر اللّه تعالي لخلقه بكم دقّةً و غموضاً و قد بيّنتُه في مواضع من هذا الشرح و لكن اشير اليه هنا كما هو عادتي بالتكرير للبيان و الايضاح .
فامّا الاشكال فاعلم انا نريد بالذكر في الباطن و التأويل هو الايجاد بالمشيّة التي هي الذكر الاول للمشاۤء كما في حديث يونس بن عبدالرحمن عن الرضا عليه السلام حين سأله عن المشيّة و الارادة و القدر و القضاۤء و الامضاۤء قال عليه السلام تعلم ما المشيّة قال لا قال عليه السلام هي الذكر الاوّل تعلم ما الارادة قال لا قال (ع) هي العزيمة علي ما يشاۤء الحديث ، و اراد عليه السلام بقوله هي الذكر الاول انّ المشاۤء قبل ذلك موجود بالوجود الامكاني و لميكن شيئاً مذكوراً بالتكوين يعني انه كان ممكناً و لميكن مكوَّناً فاوّل ما يذكر بالايجاد ان يشاۤء اللّه تعالي كونه فكونه يَعني وجوده بدون ماهيته هو اوّل ما ذكر به فالكون في المشية و ايجاد العين في الارادة فالمحدَثُ بالمشيّة هو الكون اي الوجود و المحدث بالارادة هو العين اي المتقوّم بمادته و صورته سواۤء كانتا مجرّدتَيْن ام جسمانيَّيْن و الوجود هو المادة البسيطة و لكن لايظهر الّا بالماهيّة و متمّماتها من المشخِّصات فاذا قلنا ان المراد بقوله [ص 10] ذكركم في الذاكرين انّ هذا الذكر هو ايجادكم فاذا قلنا ايجاد اللّه لكم بخلقه صار المعني ان اللّهَ سبحانه اوجدهم بخلقه و هذا في غاية الاشكال . و رفع الاشكال ان نقول انّهم عليهم السلام قد خلقهم اللّه سبحانه قبل الخلق بالفِ دهرٍ و في روايةٍ بالفِالفٍ و الذي فهمتُ من وجه الجمع بين هاتين الروايتين ان الخلق في الاولي الانبياۤء عليهم السلام و في الثانية ساۤئر المخلوقاتِ فكانوا عليهم السلام يعبدون اللّه عز و جلّ و يسبّحونه و لميكن في الوجود الكوني غيرهم و كانوا عنده تعالي و كان ظهورهم في الوجود مساوِقاً لتحقّق الامكان الراجح في حجُب الغيوب و لمينزلوا الي هذا العالم و لميظهروا فيه لانه لميخلق بعد فلميمكن ظهورهم في لاشئ فلمّا خلق هذا العالم اوجدهم فيه و لميكونوا موجودين في هذا العالم الّا بوجود هذا العالم و هذا الخلق فكان اللّه تعالي موجداً لهم في هذا الخلق بهذا الخلق و اضرب لك مثلاً تعرف به المراد و هو من الامثال التي ضربها رب العباد و هو انّ الشمس اذا طلعت طلعت بنورها و اشراقها غير مفارقٍ لها و لا فاقدة له فلو لمتقابلها الارض بكثافتها لميظهر لها نور كما تراها في الليل فانها مقابلة للسموات و لميظهر لها نور لعدم كثافة السموات و يظهر نورها في القمر و الكواكب لكثافتها فاذا طلعت من الافق لو فرض عدم الارض او عدم كثافتها رأيتها كالجمرة لا نور فيها فاذا ظهرت الارض ظهر نور الشمس فاوجد اللّه سبحانه نور الشمس بالارض مع انّ نور الشمس معها و مثال آخر انت سميع في ذاتك فاذا لميقع بقربك صوت لميظهر سمعُك فاذا تكلّم عندك متكلّم وجد سماعُك بوجود الصوت اي وجد ظهوره بوجود الصوت و لميكن سماعك في نفس الامر معدوماً و انّما اُحدث حال كلام الغير بل شرط وجوده في الظاهر و تعَلّقِه بمدركه وجود مُدرَكِه و شرط [ص 11] وجود نور الشمس في الارض وجود الارض مع انه قبل ذلك لميكن معدوماً و امثال ذلك كثير كالكسر و الانكسار و كصورتِك في المِرْءاة و غير ذلك و هذا معني ان اللّه سبحانه اوجدهم عليهم السلام بخلقه و لا ريبَ انّ ايجادَ اللّه تعالي لهم عليهم السلام بخلقه كما سمعتَ لايساوي ايجادَ اللّه تعالي للخلق بهم عليهم السلام اِذْ لا فضيلةَ لهم عليهم السلام في كون ايجادهم بالخلق بل قد يتوهم من هذا حُصول النّقص في ظاهر حاجتهم الي مَن هو دونهم بخلاف كون ايجاد الخلق بهم فان فيه كمال الفضيلةِ و معني ايجاد الخلق بهم ان اللّهَ سبحانه خلق مواۤدّ جميع مَن خلق و ما خلق من فاضل اشعّة انوارهم و خلق صور الخلق كلهم من هيئات احوالهم و اعمالهم هذا في صور المؤمنين و الملاۤئكة وَ النّبِيّٖينَ و ما لَحِقَ بهم و اما صور الكافرين و الشّياطين و المنافقين و مَا لَحِقَ بهم فمن هيئاتِ خلافِ اَحْوَالِهم و اعمالِهم و قد تقدّم هذا المعني في مواضع من هذا الشرح فان قلتَ كيف تفرض ما لميكن في الواقع و هو ان اللّه سبحانه اوجدهم بخلقه فان هذا لايكون لانّه يلزم منه انّهم يتكمّلون بمن دونهم مع انّه لا دليل عليه قلتُ نعم قد كان هذا و هم كذلك يحتاجون لمن دونهم و يتكمّلون بهم الّا ان حاجتهم الي من دونهم و تكمّلهم بهم ليس راجعاً الي ذواتهم عليهم السلام لِانَّ ذوَاتهم كاملةٌ بل مَن دونهم محتاجون اليهم و متكمِّلون بهم و انّما ذلك التكمّل و تلك الحاجة رَاجعَانِ الَي ما يكون لهم و الي من ينتسِب اليهم و ذلك كالشجرَة فانّها تحتاج اِلَي الوَرق الّذي لايوجد و لا بقاۤء له الّا بمددها الّا انّها يحسن منظرها بوجود الورق و كالوَزِير فاِنّه اذَا صَلُحَتْ رعيّته كَانَ بذلك وجيهاً عند السُّلْطان و اذا عصت رَعيّة الوزير كانَ ذٰلِكَ مُبَعِّداً لَهُ عند السُّلْطَان و ان لميقع منه تقصير فَكذلك هم عليهم السلام فانّهم ينتفِعُون بصلاح شيعتِهم فيما يرجع الي كونهم ذوي اتباعٍ صالحين بصلاحهم و هو زيادة [ص 12] في حسن ظاهرهم بحيث يكون ذلك فضيلة لهم نِسْبيّةً لا ذاتيّةً كما مثّلنا بالشجرة و الورق و لاجل هذا قالوا صلي اللّه عليهم لشيعتهم اعينونا بورعٍ و اجتهاد يعني اعينونا فيما تريدونَ منّا من الشفاعة و العَفْو و ترك حقوقِنا فانكم اذا تورّعتم و اجتهدتم لمتحتاجوا الي ان نستشفع فيكم و قال صلي اللّه عليه و آله تناكحوا تناسلوا فانّي مُباهٍ بكم الاممَ الماضيةَ و القرونَ السالفة يوم القيمة و لو بالسِّقْطِ الحديث ، فان قوله صلي اللّه عليه و آله مُبَاهٍ بكم الامم الماضيةَ الخ مشعر بالانتفاع و لكنه كما قلنا لايرجع الي تكمُّلِ ذواتهم بذلك بل يَرجع الي بعض الاحوال الظاهرة منهم .
و قوله عليه السلام : و اسماۤؤكم في الاسماۤء يراد منه بما ذكرتُ مما يعزّ علي افدي اسماۤؤكم في الاسماۤء اي من بين الاسماۤء و الاسم انّما وضع علامة للشئ قال في القاموس و اسم الشئ بالكسر و الضم و سِمَةٌ و سِمَاةُ مُثَلَّثَيْن علامته انتهي ، و ذكره في ماۤدة سَما تنبيهاً علي انه من السموّ لا من الوسم و تفسيره ينافي تنبيهَهُ الّا ان اختياره ما دلّ عليه تنبيهه كما هو اختيار البصريين في الاشتقاق و التفسير مقتضي معني الاسم و لذا جرت به طبيعته كما هو اختيار الكوفيّين و هو اولي لمطابقة الاشتقاق للمعني لان الاسم انما وضع لتمييز المسمي فهو علامة له و العلامة من الوسم اليق بها من السمو لان الرفعة المعنيّة لايراد بها المسمّي و لا فاۤئدة في ان يراد بها الالفاظ و دليلهم بالجمع و التصغير لاينهض بالحجة لانه اذا قام الاحتمال بطل الاستدلال و الاحتمال القاۤئم المساوي بل الراجح لاجل صحة معناه هو انّهم انما قال الصرفيّون بانهما يردان الاسماۤء الي اصولها غالباً بقي فيه غير الغالب و لايقال ان غير الغالب لايعارض الاستدلال لانا نقول اذا رجعنا الي المعني و كان معَنا لا مع البصريّين و رجعنا الي السبب الموجب لكون [ص 13] الجمع و التصغير يردان الاسماۤء الي اصولها غالباً شهد بصدق غير الغالب و كان غالباً في مورده و ذلك لان شويكِياً تصغير شاكٍ مقلوب شاۤئك انما لميردّه التصغير الي اصله لمعلوميّة اصله انّه شاۤئِكٌ و انّما يردّ ما كان اصله مجهولاً لان ما كان اصله في الغالب مجهولاً لو لميردّ الي اصله في التصغير و التكسير لجهل اصله بخلاف ما كان اصله معلوماً فانه لايجب مع احدهما الردّ و ان جازَ لاسرارٍ في الوضع يطول بها الكلام اذ لايمكن تبيينها الّا بذكر كثير من الامثال ليتبيّن الحال و الاسم لمّا كان كثير الدوران في الكلام و الاستعمالات و المحاورات و كان معلوم الاصل بشهادة معناه و انه علامة علي المسمي التي لايناسب معناها الّا الاخذ و الاشتقاق من الوسم لا من السموّ لميغيّره التصغير و التكسير لان التغيير لما لايستعمل الّا علي هذه الهيئة خلاف الاصل و خلاف الاستعمال و خلاف المأنوس و لو كان مجهول الاصل بحيث لو لميردّ الي اصله في بعض الاحوال لجهل اصله وجب ردّهُ الي الاصل في التصغير و التكسير حفظاً لاصله و ان خالف غالب الاستعمال بحيث لو كان الردّ مصادِماً لغالب الاستعمال بحيث يحصل من الردّ مجهوليّة الاستعمال و لو في بعض الاحوال وجب نصب قرينة لرفع هذا الاختلال و لمّا زال المحذور من جهل اصل الاسم و حصل المحذور من تغيير اصل سلاسة الاستعمال و خلاف المأنوس ابقي علي اصل استعماله لمعلومية اصل وضعه و هذا مع حسنه و ظهور دليله موافق لمعناه فيجب المصير اليه و الشهرة ليست في مثل هذا الذي يخالف اصل معناه دليلاً اذ رُبَّ مشهور و لا اصل له و في عيون الاخبار و معاني الاخبار عن الرضا عليه السلام في تفسير بسم اللّه قال عليه السلام يعني اَسِمُ نفسٖي بسمةٍ من سماتِ اللّه و هي العبادة قيل له ما السمة قال العَلَامة ه ، فتدبّر هذا الحديث من حجة اللّه تعالي عليك [ص 14] هل ابقي للسموِّ المدّعَي رسماً اوْ اثراً و ايضاً سُئِل عليه السلام عن الاسم ما هو قال صفةٌ لموصوفٍ ه ، و لا ريبَ ان العلامة صفة للشئ و السمو لا معني له اما في المسمي فظاهر و امّا في اللفظ بان الاسم مرتفع علي اخويه الفعل و الحرف فاظهر في البطلان فاذا عرفت ما اشرنا اليهِ من ارادة كون الاسم علامة للمسمّي و وقفتَ علي ما قرّرنا في اصول الفقه من ان بين الاسماۤء و المعاني مناسبة ذاتية لانّه علامة للمسمّي و مميّز له فاذا كان الواضع عالماً بالمناسبة و قادراً عليها كان العدول عنها الي عدمها فيما يريدُ تمييزه عن الاشتباه مخالفاً للحكمة و لاتقان الصنع لانّ العلامَة اذا كانت مناسبة لذي العلامة في مادّتها و صورتها كانت دلالتها ذاتية و ارتباطها ارتباطاً مع الموافقة فتكون اَدلّ في التعريف و اظهر في التمييز فان عثر عليها المُخَاطَبُونَ فذلك و الّا فكان الواضع لميهمل الحكمة و لميظلمها و لميضع في غير ما جعلها مقتضيةً له فمن شاۤء اِطْلاعَهُ علي علل الاشياۤء و اسبابها علّمه ذلك بتفهيمه او بوضع القراۤئن له و الامارات و الّا فهو يحبّ من المخاطب في غير ما يريد منه من ايقاع الافعال موافقةً للامر التسليم و الانقياد و منه انه لايسئل عمّا يفعل و هم يسئلون علي انّه كما عرّف كثيراً من خلقِهٖ و ترك كثيراً ممّا خلق علي ابهامِهٖ علي اكثر المكلّفين لانّ الانقياد و التسليم في حقّهم خير لهم من التعريف في كثير من الاشياۤء لانّ العباد خلقهم تعالي مختلفين منهم من يحسن تفهيمه كما يحسن تكليفه و منهم من لايحسن تفهيمه و ان حسن تكليفه فان قلتَ هذا انّما يتم علي القول بانّ الواضع هو اللّه سبحانه و امّا علي القول بانّ الواضع غيره فلا قلتُ لو قلنا بانّ الواضع غير اللّهِ لميكن محذور في انّ الاَلْفاظ بينها و بين المعاني مناسبة ذاتيّةٌ لانّ الوضع لايمكن الّا ممّن له قوّة المعرفة التي لاتنقص عن المعرفةِ بالمناسبة و اعتبارها يدل علي هذا [ص 15] انّا وجدنا في اللّغة و اشتقاق الالفاظ بعضها من بعض و نظمها علي ما يوافق الحكمة ما يبهر العقول مع ما عرفنا من قصورنا عن اكثر اسرارها و لايكون ذلك الّا ممّن يقدر علي المناسبة و يعرف كمال حسنها و شرفها علي عدمها و اذا كان قادراً علي العلم بها و علي فعلها مع معرفته بانّها اكمل و ادلّ علي المطلوب و اوفق بالحكمة كان العدول عن ذلك نقصاً في الكمال و عدولاً الي الاهمال عن الحكمة لان الاسماۤء في الحقيقة صفات المسمّيات فلو لميكن بين الصفة و موصوفها مناسبة ذاتيّة و مطابقة حقيقية لكانت صفة زيدٍ التي يطلب بها تمييزه تصلح لعمرو و اذا صلحت لعمرو كان وصف زيد بها للتمييز عن عمرو يزيد في التباسه بعمرو فافهم و لايلزم علي كون الواضع غير اللّه لو اريد المناسبة ان يعرفها غيره لوجود المماثِلِ له فيعلم مراده لان الشخص اذا صنع شيئاً قد تكون له ارادات و ملاحظات و مناسبات لايعرفها غيره بل ربّما لايعرفها هو في وقتٍ آخر و هذا ظاهر لا شبهة فيه و اذا ثبت هذا قلنا لو فرضنا ان الواضع غيره تعالي يكون وضعه للمناسبة و لايعثر علي اكثر اراداته غيره فلزم الواضع ان يعرّف غيره ما عني بالاسماۤء من المسمّيات بالتّرديد و التكرار حتّي يعرفوا المقصود منها و لايلزمه تفهيم المناسبات لان مطلوبه و هو التفهيم حاصل من دون تعريف المناسبات و معرفة المناسبات و ان كان اكمل للمخاطبين لكنّه لو التزمها في تفهيم المعاني لتعذّر اكثرها علي اكثر المخاطبين اذ ليس كلهم اولوا ( اولي ظ ) افهام دقيقة و الباب عميقة علي انّا لانريد بالواضع الّا اللّه سبحانه لانه تعالي اخبر في كلامه الصدق بذلك فقال تعالي و علّم آدم الاسماۤء كلّها و الجمع المحلّي بالالف و اللام يفيد العموم ثم اكّد بكلها لئلّايتوهم العموم العرفي ثم عرضهم اي المسمّيات علي الملاۤئكة فقال انبئوني باسماۤء هؤلاۤء و الجمع المضاف يفيد العموم [ص 16] ليتطابق العاۤمّانِ و يرتفع الاحتمال و لميكن حينئذٍ احدٌ من الخلق يمكن ان يكون واضعاً فاخبر بانه تعالي علم آدم الاسماۤء كلها من جميع اللغات و الّا لميكن المعلّم كلّ الاسماۤء و في المجمع و تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام انه سُئل ماذا علّمه قال الارضين و الجبال و الشعاب و الاودية ثم نظر الي بساطٍ تحته فقال و هذا البساط مما علّمه ه ، و في تفسير العسكري عليه السلام عن السجّاد عليه السلام علّمه اسماۤءَ كلّ شئ ه ، و الحاصل مَن يريد العلم لايشكّ في ان الواضع هو اللّه فان اللّه سبحانه خالق كلّ شئ و قد بيّنّا جميع هذا في فواۤئد الاصول مَن اراد البَيان وقف عليه هناك و الحاصل لمّا ثبت بالاشارة انّ المراد من الاسماۤء هي العَلامات المميّزات و الصفات المعيِّنَاتِ للمسمّيات تَبيَّن لمن عرف المراد ان المراد بها الاعمّ من اللفظيّة و المعنويّة لان العلامة و التمييز يحصل بكلّ منهما و الاسم كما يسمي صفة كما في قول الرضا عليه السلام الاسم صفة لموصوف كذلك تسمي الصفة اسماً كقول اميرالمؤمنين عليه السلام رواه الحسن بن سليمن الحلي في المختصر قال رواه بعض علماۤء الامامية في كتاب منهج التحقيق الي سواۤء الطريق باسناده عن سلمن الفارسي رضي اللّه عنه في حديث طويل معروف بحديث السحابة عنه عليه صلوات اللّه حين قال له سلمن و اصحابه يا اميرالمؤمنين كيف تملك و تعلم بهذه الاشياۤء قال عليه السلام اعلم (ظ) ذلك بالاسم الاعظم الذي اذا كتب علي ورق الزيتون و القي في النار لميحترق و باسماۤئنا التي كتبت علي الليل فاظلم و علي النهار فاضاۤء و استنار و انا المحنة النازلة علي الاعداۤء و انا الطاۤمّة الكبري اسماۤؤنا مكتوبة علي السموات فاقامت و علي الارض فانسطحت و علي الرياح فذرَتْ و علي البرق فلمع و علي النور فسطَع و علي الرعد فخشع الحديث ، [ص 17] فان المراد بالاسم هنا الصفة كما تقول كُتبَ اسم الشمس علي وَجه الارض فاسْتَنار يعني انّ نور الشمس الذي هو صفتها حين اوقعه اللّه تعالي و اوجده علي وجه الارض استنار و كتب بمعني اوجد و خلق كما قال تعالي اولۤئك كتب في قلوبهم الايمان و ايّدهم بروحٍ منه ، عن الباقر عليه السلام في قول رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله اذا زني الرجل فارقه رُوح الايمانِ قال هو قوله و ايّدهم بروح منه ذاك الذي يفارقُه ه ، فبحضور هذا الملك الذي هو روح الايمان يكتب اللّه الايمان بواسطة فعل الطاعة اي يثبته في قلب المؤمن فيبيضّ و يستنير و بغيبته يحضره الشيطان المقيَّض فبحضورِ ذلك الشيطان يكتب اللّه الكفر و النفاق بواسطة فعل المعصية الموجبة لذلك في قلب الكافر و المنافق و في الكافي و تفسير العياشي عن الباقر عليه السلام قال ما من عبد مؤمن الّا و في قلبه نكتة بيضاۤء فاذا اذنب ذنباً خرج في تلك النكتة نكتةٌ سوداۤء فان تاب ذهب ذلك السواد و ان تمادَي في الذنوب زاد ذلك السّواد حتّي يغطّي البياض فاذا غطّي البياض لميرجع صاحبه الي خيرٍ ابداً و هو قول اللّهِ عز و جل كلّا بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبون ه ، و امّا انّ الكتابة بالملك بواسطة الطاعة و بالشيطان بواسطة المعصية فما رواه في الكافي في قوله تعالي بروح منه عنهما عليهما السلام هو الايمان ه ، اي انّ الروح روح الايمان اي المكتوب به و عن الصادق عليه السلام ما من مؤمن الّا و لقلبه اُذُانِ ( اذنان ظ ) في جوفه اذُن ينفثُ فيها الوسواس الخنّاس و اذن ينفث فيها الملك فيؤيّد اللّه المؤمنَ بالملك و ذلكَ قوله و ايّدهم بروح منه ه ، و فعلُ اللّهِ تعالي انّما هو بمقتضي الاسْبَاب للفعل من تَهيُّأِ المكلّف و ميله و ترجيحِه للفعل و اخذِهٖ في الفِعلِ و روي في المجمع قد وردت الرّواية الصَّحيحة انّه لمّا نزلت هذه الٰاية يعني قوله تعالي فمن يرد اللّه ان يهديه يشرح صدره للاسلامِ سُئِل رسول اللّه صلّي [ص 18] اللّه عليه و آله عن شرح الصدر ما هو فقال نورٌ يقذفهُ اللّه تعالي في قلب المؤمن فينشرح صدره و ينفسح قالوا فهل لذلك امارة يعرف بها فقال نعم الانابة الي دارِ الخلود و التجافٖي عن دار الغرور و الاستعداد للموت قبل نزول الموت ه ، و في التوحيد و العيّاشي عنه (ع) ان اللّه تبارك و تَعالي اذا ارادَ بعبدٍ خيراً نكتَ في قلبه نكتةً من نورٍ و فتح مسامع قلبه و وكّل به ملكاً يسدّده و اذا اراد بعبدٍ سوۤءاً نكتَ في قلبه نكتة سوداۤء و سَدَّ مسامع قلبه و وكّل به شيطاناً يُضِلُّه ثم تلا هذه الٰاية ه . فاذا فهمتَ هذه الاخبار ظهر لكَ انّ الايمان الذي يكتبه اللّه تعالي في قلب المؤمن هو النور الذي يستنير به قلبه فيكون باعثاً له علي طاعة الرّحمن و يكتسب به الجنان و هو النكتة البيضاۤء التي كتبها اللّه علي يد ذلك الملك المسدِّد له بواسطةِ طاعة المكلف حتّي ابيضّ قلبه و اتّصفَ بالبياض و سُمِّيَ بهٖ و هو الايمان الذي كتب تعالي في قلب المؤمن فاذا عرفتَ هذا الكتْبَ عرفتَ قوله عليه السلام و باسماۤئِنا التي كُتِبَتْ علي الليل فاظلم و علي النهار فاضاۤء و استنار و لميكتب علي الليل علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الائمة عليهم السلام و كذلك علي النهار و انّما كُتِبَتْ اسماۤؤهم التي هي صفاتهم و كذلك كُتِبَتْ علي قلب المؤمن فاضاۤء و استنار و علي قلب الكافر و المنافق فاظلم فان قلتَ كيف يظلم قلب المنافق و الكافر اذا كتبت عليه مع انّ اسماۤءهم نور قلتُ انّ استنارة القلب باَسْمَاۤئِهم اذا قَبِلَها و ظلمته اذا لميَقْبَلْها لان الاسماۤء المرادة هي ولايتهم و محبّتهم و طاعتهم فاذا عرضت محبّتهم و ولايتهم علي القلوب و الليل و النهار مثلاً و غير ذلك قبِلها قلبُ المؤمن و النّهار فاستضاۤءا وَ استنارٰا و انكرها الليل و قلبُ المنافق و قلب الكافر فاظلمت و ذلك ما اشار اليه تعالي بقوله بابٌ باطنه فيه الرحمة و ظاهره [ص 19] من قبله العذاب فالباب هو علي عليه السلام باب مدينة العلم باطنه الولاية اي اذا قبلها مَن عرضت عليه و ظاهره يعني انكار ولايته ممن لايقبلها و هو العَذاب فان قلتَ كيف يكون النور ظلمة و الرحمة عذاباً قلتُ هذا ظاهر فان قبول النور نور و عدم قبوله ظلمة و قبول الرحمة رحمة و عدم قبولها عذابٌ لانهما ضدّان و مثال ذلك ما قال الشاعر :
اري الاحسانَ عند الحُرِّ دَيْناً و عند النَّذْلِ منقصَةً و ذمَّا
كقطر الماۤء في الاَصْدَافِ دُرٌّ و في بَطْن الافاعي صَارَ سَمَّا
و حقيقة ولايتهم هي امتِثال اوامر اللّهِ وَ اجْتِنَاب نواهٖيهِ و ذلك هو الرحمة و سبب الرحمة و هو الجنّة و سبب الجنّةِ و هو النُّورُ وَ سَبَبُ النّور و هو الخير كلّه و انكار ولايتهم هو تركُ اوامر اللّهِ و فعل نواهيه و ذلك هُو العذاب و سببُ العذاب و هو النار و سبب النار و هو الظلمة و سبب الظلمة و هو الشرّ كلّه و الولاية المشار اليها و انكارها يجري كل منهما في الاعتقادات و الاعمال و الاقوال و قبولُها هو الخير خلقه اللّه فطوبَي لمن اجراه علي يديه و انكارُها هو الشرّ خلقه اللّه فويل لمن اجراه علي يديه فكلّ ما تسمع من كل خيرٍ و كل ما تري من كل خير و كل ما تجد من كل خير الذي اعني به ولايتهم هي اسماۤؤهم التي كتبَها اللّه علي الواح المكلفين من اوْلياۤئه من الاعتقادات الصَّحٖيحة كتبها كتب علي الواح افئدةِ اولياۤئِه معارفها و في قلوبهم معانيها و في نفوسهم صورها و في اشباحهم مُثُلَها و من الاعمال الصالحة كتبها كتبَ في جوارحِهم صُوَرَها و في نفوسهم مُثُلَها و في قلوبهم معانيها و من الاقوال الطيّبة كتبها كتب اصواتها في السنتهم و في آذانهم هياكلها و في خيالاتهم صورها فاستنارت هذه الالواح بما جرت به اقلام الحق عليها من اسماۤئهم صلّي اللّهُ عليهم اجمعين و هو تأويل قوله تعالي و اشرقت الارض [ص 20] بنور ربّها و وضع الكتابُ ، و كل ما تسمع من شرّ و كل ما تري من شرٍّ و كل ما تجد من كل شرٍ الذي اعني به ترك ولايتهم و هو ولاية اعداۤئهم هي اسماۤء اعداۤئِهم التي كتبها اللّه سبحانه علي الواح المكلّفين من اعداۤئهم بانكارهم لانواع ولاية محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و عليهم من الاعتقادات الباطلة و من الاعمال السيئة و من الاقوال المنكرة علي تفصيل ما ذكرنا في حق اهل الحقّ و كل ما تسمع و تري و تجد من خير او شرّ او حلوٍ او مرّ او منير او مظلم او حسن او قبيح في جميع الخلق من المكلّفين و غيرهم من الحيوانات و النباتات و المعادن و الجمادات و ما بين ذلك من البرازخ فهي اسماۤؤهم في كلّ محبوب و اسماۤء اعداۤئهم في كلّ مكروهٍ كتبها العدل الحكيم باقلام الحق المستقيم علي حسب قوابلها و ذلك قوله عز و جل انّا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابينَ ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظَلوماً جَهُولاً ، ففي البصاۤئر عن الباقر عليه السلام هي الولاية ابين ان يحملنها كفراً و حملها الانسان و الانسان ابو فلان ه ، و هو ابوالدواهي و في المعاني عن الصادق عليه السلام الامانة الولاية و الانسان ابوالشرور و قول علي عليه السلام هي الصلوة لان الصلوة هي صورة الولاية و الركن الاعظم من ظاهرها و من صورتها فما وجدتَ من جمال او رأيتَ او سمعتَ فهو اسمهم كُتِب علي ذلك الجميل و اسم ولايتهم و كذا ما سمعتَ او رأيتَ او وجدتَ من نور او حلاوة او قوّة او اعتدال او شفاۤء او دواۤءٍ او اصابةٍ او توفيق او غير ذلك من كلّ مستحسنٍ في كل شئٍ فهو اسماۤؤهم و ولايتهم كتبت في ذلك الشئ بقبوله لها و كل ما سمعتَ او رأيتَ او وجدتَ من اضداد ذلك كله في شئ فهو اسماۤءُ اعداۤئهم و ولايتهم و عداوة محمد و اهل بيته صلّي اللّه عليه و آله كتبت في ذلك الشئ بانكاره لولاية [ص 21] محمد و آله صَلَّي اللّه عليه و آله و بقبوله لولاية اعداۤئهم التي هي انكار ولاية النبي و آله صلي اللّه عليه و آله فما تَجد من حلاوة السُّكّر فهي اسم من اسماۤئهم و ما تجدُ من مُرورة الصّبر فهي اسم من اسماۤء اعداۤئهم و عن انس بن مالك قال دفع علي بن ابيطالب عليه السلام الي بلالٍ درهماً ليشتري به بطّٖيخاً قال فاشتريتُ به فاخذ بطّيخةً فقوّرهَا فوجدَها مرّة فقال يا بلال رُدّ هذا الي صاحبه و ائتني بالدرهم ان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قال لي ان اللّه اخذ حُبَّكَ علي البشر و الشجر و الثمر و البذر فما اجاب الي حُبِّك عَذُبَ و طاب وَ ما لميُجب خَبُثَ و مَرّ و اني اظنّ ان هذا ممّا لايُجيبني اخرجه الملّا في سيرته قال بعدَ هذا و فيه دلالة علي ان العيب الحادث اذا كان مما لايُطّلع به علي العيب القديم لايمنع من الردّ انتهي ، و في الاختصاص بسنده عن قنبر مولي اميرالمؤمنين عليه السلام قال كنتُ عند اميرالمؤمنين عليه السلام اذ دخل رجل فقال يا اميرالمؤمنين انا اشتهي بطّيخاً قال فامرني اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه بشراۤء البطّيخ فوجّهتُ بدرهم فجاۤؤنا بثلاث بطّيخاتٍ فقطعتُ واحدة فاذا هو مُرٌّ فقلتُ مرّة يا اميرالمؤمنين فقال ارمِ به من النار الي النار قال و قطعتُ الثاني فاذا هو حامض فقلتُ حامض يا اميرالمؤمنين فقال ارمِ به من النار و الي النار قال فقطعتُ الثالث فاذا هو مُدَوِّدٌ فقلتُ مدوِّدة قال ارمِ به من النار و الي النار قال ثم ذهبتُ بدرهمٍ آخر فجاۤؤُنا بثلاث بطّيخات فوثبتُ علي قدمي و قلتُ اعفني يا اميرالمؤمنين عن قطعه كأنه تأثّم بقطعه فقال له اميرالمؤمنين اجلس يا قنبر فانّها مأمورةٌ فجلستُ فقطعتُ فاذا هي حلوة فقلتُ حلوةٌ يا اميرالمؤمِنٖين فقال كُل و اطعمنا فاكلتُ ضلعاً و اطعمتُه ضلعاً و اطعمتُ الجليس ضلعاً فالتفتَ اليّ اميرالمؤمِنٖين صلوات اللّه عليه فقال يا قنبر انّ اللّه تبارك [ص 22] و تعالي عرض ولايتنا علي اهل السمٰوات و اهل الارض من الجنّ و الانس و الثمر و غير ذلك فما قبل منه ولايتنا طاب و طهر و عذب و ما لميقبل منه خبث و ردي و نتن ه ، و مثل معناه ما في بشارة المصطفي بسنده الي ابيهريرة و ما في العلل بسنده عن سليمن بن جعفر عن الرضا عليه السلام فهذه الحلاوة اسم ولايتهم اي صفتها وَ المرورة و الحموضة و التدويد اسم ولاية عدوهم يعني انكار ولايتهم و المراد بهذه الفقرة الشريفة مثل ما قبلها يعني بما يعزّ عليّ افدي اسْماۤءَكم من بين الاسماۤء فانّ اسماۤءَكم حبيبَةٌ عند جميع الخلاۤئق من محبّيهم و مبغضيهم علموا اوْ لميعلموا فان لميعلموا فظاهر فانّهم يحبّون اكل السّكّر لحلاوته و اكل المطاعم اللذيذة و شرب الماۤء البارد في ايام الصيف و لبس الثياب الحسنة و الذهب و الفضّة و الجواهر النفيسة و امثال ذلك و الصفات الحسنة كالعلم و الشجاعة و الكرم و الحلم و العقل و ما اشبه ذلك و لايعلمون ما هذه الصفات المحبوبة و من اين نشئت و الي مَن انتسبت و يكرهون اضدادها و هي اسماۤءُ ساداتهم و كبراۤئهم و اسماۤؤهم يلعن بعضهم بعضاً و ان علموا فكذلك فلايَرَوْن صفةً و لا حٰالاً من ائمتنا عليهم السلام الّا و هو محبوب عندهم و انما يعادونهم حَسداً مِنْ عنْدِ اَنْفُسِهمْ من بعدِ ما تبَيَّن لَهُم الْحقّ وَ الْحٰاصل انّ اَسماۤءهم التي اشار اليها منها ما ذكرنا من اَسْمَاۤئهم الصفاتيّة و ما لمنذكر و منها اللّفظية فانّها مشتقّة من اسماۤئِهٖ تعالي يَعني خلقها سبحانه من اسماۤئِهٖ كما خلق صفاتهم و اسماۤئها من صفاته الفعلية و اسماۤئِها و كما خلق انوارهم اي وجوداتهم من نوره يعني النور الذي احدثه بنفس مشيّته بغير واسطةٍ غيره و نسبه الي نفسه تعالي و اقرَّهُ في ظلّه فلايخرج منه الي غيره و هذا معني ما روي عن علي بن الحسين عليه السلام قال حدثني ابي عن ابيه عن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله [ص 23] الي ان قال قال اللّه يا آدمُ هذه اشباح افضل خلاۤئقي و بريّاتي هذا محمد و انا الحميد المحمود في فعالي شققتُ له اسماً من اسمي و هذا عليّ و انا العلي العظيم شققتُ له اسماً من اسمي و هذه فاطمة و انا فاطر السموات و الارض فاطم اعداۤئي من رحمتي يوم فصل قضاۤئي و فاطم اولياۤئي عمّا يعرّهم و يشينهم شققتُ لها اسماً من اسمي و هذا الحسن و هذا الحسين و انا المحسن المجمل شققتُ اسميهِما من اسمي الحديث ، فتأمل في هذا الحديث يظهر انّه سبحانه يريد بالاسم ما هو اعم من اللّفظ و لو اراد خصوص اللفظ لَمٰاقال تعالي و هذه فاطمة و انا فاطر السموات و الارض و لو اراد خصوص المعني لماعلّقه بالالفاظ و لكنه تعالي يريد الاسماۤء المعنويّة و الاسماۤء اللفظيّة و هو المفهوم من احاديثهم الكثيرة ما ذكرنا و ما لمنذكر فيكون المراد بقوله عليه السلام و اسماۤؤكم في الاسماۤء عَلي هذا ما ذكرنا في قوله (ع) ذكركم في الذاكرين من المعنيَيْن احدهما ما ذكرنا هنا و الثاني الظرفيّة الظاهرة مِن في ، ثم ان اعتبرنا اللفظيّة في اللفظية كانت اَسْمَاۤؤهم عليهم السلام في ساۤئر الاسماۤء كالواحدِ في الاعدادِ و كالفِعْلِ في ما اشْتُقَّ منه كضَرَبَ محرّكاً في الضَّرْبِ و كالصوت في الصَّدا و ما اشبه ذلك فانّ الاعداد متقوّمة بامثال الواحد المتكررة فيها و المصادر متقوّمةً بمواۤدّ افعالها و ما فيها من الحروف كالضادِ في المصدر مثال لما في الفعل الذي هو ضَرَبَ محركاً يعني ان الضاۤدّ في المصدر مثال الضاد في الفعل و الراۤء مثال للراۤء و الباۤء مثال للباۤء فيه و الصداۤء مثال للصوت مع انّك تري الواحد في الاربعة مثل الواحد و المادة في المصدر مثل مادة فعله و الصداۤ مثل الصوت و كذلك هي في الاسماۤء كصورة المقابل للمِرءٰاة في الصورة التي في المرءاۤة و هكذا و كذلك اذا اعتبرنا المعنويّة مع المعنويّة علي نمطٍ واحد [ص 24] و الاصل في ذلك ما ثبت بالادلّة القطعيّة من ان الظاهر صفة الباطن و آيته و دليله فهو مطابق و الشهادة شاهدُ الغيب و سفيره قال الصادق عليه السلام العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة فما فُقِدَ في العبوديّة وُجد في الربوبيّة و ما خَفِي في الربوبيّة اُصٖيبَ في العبوديّة قال اللّه تعالي سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم حتّي يتبيّن لهم انّه الحقّ اولميكف بربك انه علي كلّ شئ شهيد يعني موجود في غيبتك و في حضرتك انتهي ، او كما قال و ان اعتبرنا اللفظية في المعنوية فهي باعتبار كونها محلّاً لمعنويّتها بمنزلة كن في المكوّنات و ان اعتبرنا المعنوية في المعنوية فكاللفظيّة في اللفظيّة و ان اعتبرناها في اللّفظيّة لميجز ذلك الاعتبار الّا مجازاً يعني باعتبار توسُّطِ الاسباب المتعدّدة و الّا لاحترقت اللّفظيّة و في الحديث انّ للّه سبعينالف حجاب و روي سبعمائة و روي سبعين و روي غير ذلك من نور و ظلمة لو كشف حجاب منها اوْ لو كُشِفَتْ لاحرقت سبحاتُ وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه او كما قال (ص) ه ، و انّما قُلْنَا ذلك كله لانّ الصانع عز و جل واحد و الصنع واحد و المصنوع واحدٌ او كواحدٍ قال اللّه تعالي ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفسٍ واحدةٍ فلذا قلنا من عرف شيئاً من جميع جهاته فقد عرف الاشياۤء و اللّه سبحانه يرزق من يشاۤء بغير حساب .
قال عليه السلام : و اجسادُكم في الاجساد و ارواحكم في الارواح و انفسكم في النفوس و آثاركم في الٰاثار و قبوركم في القبور .
اقول الجسد لغةً هو الجسم اوْ اخص منه و في القاموس محرّكةً جسم الانسان و الجنّ و الملاۤئكة و الزعفران و عجل بنياسراۤئيل و الدم اليابس ه ، و في مجمع البحرين قوله تعالي عجلاً جسداً اي ذا جسَدٍ اي صورة لا حراكَ فيها [ص 25] انما هو جسد فقط او جسدا بدَناً ذٰا لحمٍ و دَمٍ ثم قال و الجسد من الانسان بدنه و جثّته و الجمع اجساد و في كتاب الخليل لايقال لغير الانسان من خلق الارض جسد و كل خلق لايأكل و لايشرب نحو الملاۤئكة و الجنّ فهو جسد و عن صاحب البارع لايقال الجسد الّا للحيوان العاقل و هو الانسان و الملاۤئكة و الجنّ و لايقال لغيره جسد انتهي ، و قال في القاموس الجسم جماعة البدن او الاعضاۤء من الناس و ساۤئر الانواع العظيمة الخَلق كالجُسمان بالضم الجمع اجسام و جُسوم انتهي ، و في مجمع البحرين تكرّر في الحديث ذكر الجسم قيل هو كل شخص مدركٍ و في كتاب الخليل نقلاً عنه الجسم البدن و اعضاۤؤه من الناس و الدواۤبّ و نحو ذلك مما عظم من الخلق و عن ابيزيد الجسم الجسد و كذلك الجسماني و الجثماني و قد مر الفرق بينهما في كلام الاصمعي في جثم و الجسم في عرف المتكلمين هو الطويل العريض العميق فهو ما يقبل القسمة في الابعاد الثلاثة انتهي ، و كلام الاصمعي الذي اشار اليه هو الجثمان الشخص و الجسمان الجسم ه .
اقول هذا بعض ما ذكره اهل اللغة و غيره من هذا النوع و المعروف المحصّل من كلام اهل اللغة و العلماۤء و المفسّرين ان الجسد هو جسم الحيوان الظاهر المشاهد و قد جري اصطلاح اهل الصناعة الداۤئر علي السنتهم في محاوراتهم ان الجسد هو المعدن كالمعادن السبعة الذهب و الفضة و الرصاصَيْن و النحاسين و الزيبق و كأنّ اطلاق الجسد في اصل اللّغة علي جسم الحيوان من حيث كونه لا روح فيه اغلبي او فيما تأخّر من لغة العرب و الّا فيطلق علي غيره كما ذكر في القاموس في اطلاقه علي الزعفران و كاستعماله في ذي الروح كقولك جسد زيد و منه ما في هذه الزيارة الشريفة الّا ان يقال انّما يطلق علي ذي الروح من حيث هو بدون روح اي يراد به عند الاطلاق غير الرّوح لا الرّوح [ص 26] و لا المركّب منهما و لعلّ اخْتصَاص اَهْلِ الصَّناعةِ به في المَعٰادِنِ من هَذا القبيل امّا لانّها لا ارواحَ فيها اوْ لانّهم فرضوا ناقصها كالرصاصين و النحاسَيْن و متوسّطها كالفضّة و كالزيبق و تاۤمّها كالذّهب بالنِسبَةِ الي الاكسير الذي يكمّلها كالستّة الاُوَل او يجعلها مكمّلةً لغيرها كالذهب كالاجساد من غير ارواح و الرّوح هو الاكسير و لعلَّ اختصاص اصحاب الافلاك بالجسم للطافتها كالارواح او لفرض ملازمة نفوسها لَها علي الدوام كما هو رأي اهل الطبيعة و جري اصطلاح المسلمين منهم علي ذلك لكون كلامهم معهم في مطلق تلك الاجرام و امّا الجسم بقول مطلق فهو المتحيّز الذي يقبل القسمة في الجهات الثلاث و هو اما مطلق بسيط اي لا تركيب فيه كما قيل و هذا يسمّي جسماً من حيث جوهره و ذاته و يسمي هيولَي من حيث قبوله للصورة النوعية و امّا تعليمي و هو ما يعتبر فيه المقدار خاۤصّة سمّوه بذلك لانهم يعلمون فيه اولادهم الهندسة التي الحدود و الخطوط لا غير و امّا طبيعي لتعلّق البحث فيه من حيث الطبيعة و احاديث اهل العصمة عليهم السلام و ادعيتهم تارة يستعمل فيها اجسامهم و تارة اجسادهم و تارة اجسادهم و اجسامهم و تارة اجسامهم بدل اجسادهم و لهم صلّي اللّه عليهم في مخاطباتهم للمكلّفين اعتبارات لايطّلع علي كلِّها الّا هم و المعروف عند من يعرف شيئاً من لغاتهم سلام اللّه عليهم انّ الاجساد يطلق في مقابلة الارواح و الاجسام في اطلاقها اَعَمُّ من ذلك و الاشباح كالاجساد و الارواح كالاجسام و اعلم وفّقك اللّهُ انّ الانسان له جَسَدانِ و جسمانِ فامّا الجسد الاوّل فهو ما تألّف من العناصر الزمانيّة و هذا الجَسَد كالثوب يلبَسُه الانسان و يخلعه و لا لذّة له و لا الم و لا طاعة و لا معصية الاتري اَنَّ زَيْداً يمرض و يذهب جميع لحمه حتي لايكاد يوجد فيه رطل لحم و هو زيد لميتغيّر و انت تعلم قطعاً [ص 27] ببدٖيهتك ان هذا زيد العاصي و لمتذهب من معاصيه واحدة و لو كان ما ذهب منه اوْ له مدخل في المعصية لذهب اكثر معاصيه بذهاب محلّها و مصدرها و هذا مثلاً زيدٌ المطيع لمتذهب من طاعاته شئ اذ لا ربط لها بالذاهب بوجه من الوجوه لا وجه علّيّة و لا وجه مصدريّة و لا تعلُّقٍ و لو كان الذّاهب من زيدٍ لذهب بما يخصّه من خير و شرّ و كذا لو عفِن و سمن بعد ذلك هو زيد بلا زيادة في زيدٍ بالسمن و لا نقصان فٖيه بالضعف لا في ذاتٍ و لا في صفاتٍ و لا في طاعة و لا في معصية و الحاصل هذا الجسَد ليس منه و انّما هو فيه بمنزلة الكثافة في الحجر و القلي فانهما اذا اُذٖيبا حصل زجاج و هذا الزجاج بعينه هو ذاك الحجر و القلي الكثيفانِ لمّا ذاب زالَتْ عنه الكثافة و ليست من الارض فان الارض لطيفة شفّافة و انّما كثافتها من تصادم العناصر الاتري الماۤء اذا كان ساكناً كان صافياً تري ما تحتَهُ فاذا حرّكته لمتر ما فيه و هو يتحرك لتصادم بعض اجزاۤئه ببعض مع قليل من الهواۤء فكيف بتصادم الطباۤئع الاربع و هذا الجسد كالكثافة في الحجر و القلي ليست من ذاتهما و مثال آخر كالثوبِ فانه هو الخيوط المنسوجة و امّا الالوان فهي اعراض ليست منه يلبس لوناً و يخلع لوناً و هو هو و لعل قول علي عليه السلام في جوابه للاعرابي في النفس الحسّية الحيوانية يشير الي ذلك حيث يقول فاذا فارقت عادت الي ما منه بُدِئَتْ عود ممازجة لا عودَ مجاورة فتعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودُها و يضمحلّ تركيبُها ه ، حيث صرّح بعدم صورتها و بطلان وجودها و اضمحلال تركيبها و اما الجسد الثاني فهو الجسد الباقي و هو الطينة التي خلق منها و يبقي في قبره اذا اكلت الارض الجسد العنصري و تفرّق كل جزء منه وَ لحق باصله فالناريّة تلحق بالنار و الهواۤئيّة تلحق بالهواۤء و الماۤئيّة تلحق بالماۤءِ و التّرابيّةُ تلحق بالترابِ يبقي مستديراً كما قال الصّادق عليه السلام و قد قال [ص 28] علي عليه السلام في النفس الناميّة النباتيّة فاذا فارقَت عادت الي ما منه بُدِئَتْ عود ممازجةٍ لا عودُ مُجَاورَةٍ و عني بها هذا الجسد العنصري الذي ذكرنا و امّا الثَّاني الباقي هو الذي ذكره الصادق عليه السلام تبقي طينته التي خلق منها في قبره مستديرة اي مترتّبة علي هيئة صورته اجزاۤء رأسه في محل رأسه و اجزاۤء رقبته في محلها و اجزاۤء صدره في محلّه و هو تأويل قوله تعالي و ما منّا اِلّا لَهُ مقامٌ مَعْلُوم و هذا الجسد هو الانسان الّذي لايزيد و لاينقص يبقي في قبره بعد زوال الجسد العنصري عنه الذي هو الكثافة و الاعراض فاذا زالت الاعراض عنه المسمّاة بالجسد العنصري لمتره الابصار الحسّيّة و لهذا اذا كان رميماً و عدم لميوجد شئ حتي قال بعضهم انه يعدم و ليس كذلك و انما هو في قبره الّا انّه لمتره ابصار اهل الدنيا لما فيها من الكثافة فلاتري الّا ما هو من نوعِها و لهذا مثّل به الصادق صلوات اللّه عليه بانه مثل سحالة الذهب في دكّان الصّاۤئغ يعني ان سحالة الذهب في دكّان الصاۤئغ لمترها الابصار فاذا غسل التراب بالماۤء و صفّاه استخرجها كذلك هذا الجسد يبقي في قبره هكذا فاذا اراد اللّه سبحانه بعث الخلاۤئق امطر علي كل الارض ماۤء من بحرٍ تحت العرش ابرد من الثلج و راۤئحته كراۤئحة المني يقال له صاد و هو المذكور في القرءان فيكون وجه الارض بحراً واحداً فيتموّج بالرياح و تتصفّي الاجزاۤء كل شخص تجتمع اجزاۤءُ جسده في قبره مستديرة اي علي هيئة بُنْيَتِهٖ في الدنيا اجزاۤء الرأس ثم تتّصل بها اجزاۤء الرقبة ثم تتّصِل اجزاۤء الرقبة باجزاۤء الصدر و الصّدر بالبطن و هكذا و تمازجُها اجزاۤء من تلك الارض فينموا في قبره كما تنمو الكُماءةُ في نبتها فاذا نفخ اسرافيل في الصور تطايرت الارواح كلّ روح الي قبر جسدها فتدخل فيه فتنشق الارض عنه كما تنشق عن الكُماءةِ فاذا هم قيام ينظرون و هذا الجسد الباقي هو من [ص 29] ارض هُورقليا و هو الجسد الذي فيه يحشرون و يدخلون به الجنّة او النار فاِنْ قلتَ ظاهر كلامِك ان هذا الجسد لايبعث و هو مخالف لما عليه اهل الاسلام من انّها تبعث كما قال تعالي و ان اللّه يبعثُ من في القبور ، قلتُ هذا الّذي قلتُ هو ما يقوله المسلمون قاطبة فانهم يقولون ان الاجساد التي يحشرون فيها هي هذه التي في الدنيا بعينها و لكنّها تصفّي من الكدورة و الاعراض اذ الاجماع من المسلمين منعقد علي انّها لاتبعث علي هذه الكثافة بل تصفّي فتبعثُ صافيةً و هي هي بعينها و هذا الذي قلتُ و ايّاه اردتُ فانّ هذه الكثافة تفني يعني تلحق باصلها و لا تعلّق لها بالروح و لا بالطاعة و المعصية و لا باللذّة و الالم و لا احساس لها و انّما هي في الانسان بمنزلة ثوبه و هذه الكثافة هي الجسد العنصري الذي عنيتُ فافهم و ما ورد عن اهل البيت من ان اجسادهم الٰان رفعتْ الي السماۤء فانّ الحسين عليه السلام لو نُبِش في اوّل دفنه لرُئيَ و الٰان لمير و انّما هو الٰان معلق بالعرش ينظر الي زوّاره الي آخر معني ما روي فمحمول علي مفارقة الاجساد العنصريّة التي هي البشريّة للاجساد الاصليّة فلمتدركها بعد مفارقة البشريّة ابصار اهل الدنيا و قد تقدّم فراجع .