قال عليه السلم : طأطأ كلّ شريفٍ لشرفكم و بَخع كلُّ متكبّرٍ لطاعتكم و خضَع كلُّ جَبّارٍ لفضلِكم و ذَلّ كلّ شيء لكم .
قال الشارح المجلسي رحمَهُ اللّه طأطأ اي خضع او خفض و لميصل كل شريف لشرفكم اي اليه او لاجله و بخع بالباۤء المُوَحدة و الخاۤء المعجمة اي خضع كل متكبّر لطاعتكم اي فيها او لاجل اطاعتكم للّه و ذل كل شيء لكم بقدرة اللّه تعالي انتهي .
و قال السيد نعمتاللّه الجزاۤئري في شرح التهذيب و بخع بالباۤء الموحدة من تحت و الخاۤء المعجمة و في بعض النسخ بالنون و الخاۤء المعجمة و كلاهما بمعني الاقرار و الاعتراف انتهي .
اقول يقال طأطأ راسَهُ طامنَهُ و خفضه و الشرف العلو و المكان العالي الحسّي كما في الحديث كان يكبّر علي شرفٍ من الارض و المعنوي و منه يسمّي الرجل العالي المقام و المكانة شريفاً لعلوّ رتبته و قد يقال لمن نال شيئاً لمينله بعض امثاله من الناس حتي انه ليقال لصاحب المال المتموّل [ص 347] و المتملّك شريفاً و روي في الحديث اذا اتاكم شريف قوم فاكرموه سُئِل ما الشريف فقال الشريف مَن كان له مال ه ، لانه عالي الرتبة بين من لميملك مثله من المال و لايختصّ بامرٍ بل كل من فاق بعْض ابناۤء جنسه في شيء فهو شريف و قد شرّفه اللّه تشريفاً علّاه و رفع درجته و قد يفرق بينه و بين الحسب فانّ الحسب الشرف من قبل الٰاباۤء اي لٰاباۤئه شرف و مراتب عالية و شرف الرجل من نفسه فلمّا كان الشرف العلوّ الرتبة و الشريف العالي و هو بخلاف معني طأطأ ابان عليه السلم ان كل شريف يخضع و يخفض رأسه خشوعاً و خضوعاً لشرفكم من جميع العالمين لانه لمّا ذكر ان اللّه سبحانه آتيٰهم ما لميؤت احداً من العالمين كما اشرنا الي بيانه سابقاً لزم من ذلك ان مقامهم عليهم السلم اعلي من كلّ مقامٍ وصل اليه احد من الخلق من الجمادات و النباتات و الحيوانات لان علوّ العالي امّا ان يكونَ بسبب نجابة الشخص او طهارة مولده او نوريّة طينته و طيبها او استقامة خلقه بفتح الخاۤء و ضمّها و اعتدال مزاجه و حسن صورته او صوته او قوّته او شجاعته او كرمه و سخاۤئه و جوده و زهده و تقويٰهُ و ورعه و يقينه و معرفته و عبادته او علمه او قدرته او اقتداره او انقياد اشياۤء لامره او ارادته او محبته او الاحتياج اليه في شيء مما ذكر او غيره او حفظه او فهمه او غير ذلك من جميع الصفات الحميدة و الاخلاق الحسنة و الطباع المستقيمة و الاحوال المحبوبة للنفوس و العقول و المستطابة للاوهام و الافهام و الاحلام مما يتميّز من اتّصف به من بعض اهل نوعه او كلّهم من كل محبوب و مطلوب و مرغوب او من جهة ما خصّه اللّه به من النعم و الفضاۤئل العظيمة و المنن الابتداۤئية او من جهة شرافة الاباۤء و طهارة الامّهات و تطهير الاصل و الفرع من جميع الخباۤئث و الارجاس الظاهرة و الباطنة و ما اشبه ذلك و هم صلّي اللّه عليهم [ص 348] قد جمعوا جميع ذلك و جمع اللّه لهم متفرِّقَهُ حتي انّهم حلّوا في كلّ كمالٍ و طهرٍ و قدسٍ بمكان لايصل الي ادني ادانيه احد من خلق اللّه لا ملك مقرّب و لا نبي مرسل بل لايمكن في الامكان كونٌ و لا ذو كَونٍ يفوق عليهم او يساويهم في شيء من ذلك لانّ كل من سواهم مما خلق اللّه سبحانه معلول لهم و محتاج اليهم و اثر من آثارِهم و لزم من جميع ما ذكر انْ يُطَأْطِئَ كلّ شريف لِشرفهم اذ ليس في الكون ممّا خلق اللّه سبحانه شريف يفوقهم او يساويهم بل كل من سواهم معلول لهم اقامه اللّه تعالي بهم قيام صدور او قيام ظهور او قيام تحقّق او قيام عروض لما لهم او منهم او عنهم او بهم فيخضع كل عالٍ لعلوّهم خضوع افتقارٍ و استمداد و انقيادٍ اِذ لايعبد اللّه سبحانه و تعالي الّا بذلك لا فرق في ذلك بين محبّهم و مُبْغِضِهمْ ان اللّه سبحانه يقول اولميروا الي ما خلق اللّه من شيء يتفيّؤا ظلاله عن اليمين و الشماۤئِل سُجّداً لِلّهِ و هم داخرون فعنِ اليمين محبّوهم و اليمين علي اميرالمؤمنين عليه السلم و الشماۤئل اصحاب الشمال و ائمّتهم ائمة الضّلال و الكل داخرون منقادون يسجدون للّه سبحانه بقبول قدره تعالي فيهم و يعبدونه بالاقرار بوحدانيته و نبوة محمد نبيّه صلي اللّه عليه و آله و بولاية اولياۤئه علي و آله الاحدعشر عليه و عليهم السلم و بالبراۤءة من اعداۤئهم و هو تأويل قوله تعالي انّ اللّه فالق الحبّ و النوي فانّ اللّه سبحانه و تعالي كما فلق الحبّ الذين هم المحبّون فلق النوي الذين هم المناوُونَ و مافلق سبحانه الّا من قبل الفلقَ منه تعالي و ماقبل من هو مكرَهٌ و انّما يقبل من هو مطيع في القبول احبّ كالمؤمنين او كره كالمنافقين فانّ اعداۤءهم يعصونهم و هم يطيعونهم و يكرهونهم و هم يحبّونهم كيف يطيعونهم و هم نصبوا لهم العداوة حتي غصبوهم ما جعله اللّه لهم من المراتب و الفيء و قتلوهم و سبوهم و ساموهم [ص 349] كُلَّ اِهَانةٍ و مَعَ ذٰلِكَ يحبّونهم كمالَ المحَبّةِ بمعني انهم لعنهم اللّه لَايرون فيهم عليهم السلم شيئاً يكرهونه و لا حالاً لايَسْتَحْسِنونَهُ و لا عملاً و لا قولاً و لا حركةً و لا سكوناً الّا ما هو الاحسن المطلوب و الاحب المرغوب و لكنهم لايقدرون علي شيء من ذلك فحسَدُوهم و بلغ بهم الحسد علي تلك الفضاۤئل التي لاتحصي و المناقب التي لاتعدّ و لاتستقصي الي ان سعوا في ابطال تلك المناقب و حطّ تلك المراتب لمّا عجزوا عن نيلِها و انحطّوا عن تحصيلها كما سعي ابليس اللعين ابوهم و شيخهم و امامهم في كيدِ آدمَ عليه السلم لمّا وَجدَهُ اهلاً لفضاۤئل يعجز عنها و يقصر دونها حسده و سعي في افسادِ هِمَمِه بالخيرات و في اهلاكه و طرده عن حظّه من الفضاۤئِل فسلك جنوده المنافقون و فروعه الظالمون في اطفاۤء انوار اللّه التي اشرقها و ابانها لعباده حسداً و بغياً و يأبَي اللّه الّا ان يتمّ نورَهُ و لو كره المشركون و هذا هو معني قول الصادق عليه السلم اَمٰا وَاللّهِ لو قدروا اَنْ يُحِبّونا لاَحَبُّونَا و لٰكنهم لايقدرون فقوله عليه السلم لاَحَبُّونا لانّا لايصدر عنّا شيء يكرهه احد و انّما لايقبلونه لما فيهم من الحسد و الاعوجاج الصادرَين من تغيير خلق اللّه و تبديل فطر اللّه التي فطر الناس عليها فهم مطيعون لانّهم يعلمون انّ هذا هو الصواب و الصَّلاح كما قال الثاني لابنه لما سأله قال لو قَلّدُوهَا الاصلع لهجم بهم علي الهدي و لانّهم لايردون ما ذادهم ولي اللّه عليه السلم عنه و لايصدرون عما اوردهم و محبون لهم لانهم لايرون منهم الّا الصفات المطلوبة لهم و لجميع الخلق و المحبوبة عند الكل بل لاتجد احداً من اعداۤئهم الّا و هو يحبّ اكل السّكر و حلاوته من اسماۤء ولايتهم عليهم السلم و لاتجد احداً من اعداۤئهم الّا و هو يكره اكل الصّبِر و مرارته من اسماۤء ولاية ائمّة الضّلال و من اسماۤء بغض ائمة الهدي عليهم السلم فكلّهم يكرهون [ص 350] انفسهم و صفاتها بحيث لو كان ذلك في غيرهم لماقبلوا منه شيئاً كما في الحديث القدسي في بعض كتب اللّه و لعلّه الزبور يا ابن آدم لو سمعتَ وصفكَ من غيرك و لميعلم الموصوف لسارعتَ بالمقتِ اليه و اليهِ الاشارة بقوله عليه السلم في الدعاۤء لايخالف شيء منها محبّتك و مع هذا كلِّهٖ فهم عاصون لهم و للّه حيث لميأخذوا عنهم و لميأتمروا بامرهم و ينتهوا بنَهْيِهم و كارهون لهم لما في طباۤئعهم من الاعوجاج الناشئ من تغيير خَلْق اللّهِ و تبديلِ فطرة اللّهِ التي فطر الناس عليها فلهذا قلنا انّهم عليهم اللّعنة يحبّون ائمة الهدي عليهم السلم و هم يبغضونهم و يسبّحون اللّه و هم عاصون له لانه تعالي اخبر ان كل شيء يسبّح بحمده و ما تسبيحهم له تعالي الّا باسماۤئِه و هم عليهم السلم اسماۤؤه فيحبّونهم و يسبّحون اللّه تعالي بذلك لاجل ما خلقهم و فطرهم عليه من فطرة الاسلام و في الزيارة الجامعة الصغيرة يسبّح اللّه باسماۤئه جميع خلقه ، و قد تقدم مكرراً و يبغضونهم و يستكبرون عن عبادةِ اللّه سبحانه كذلك لاجل ما غيّروا من خلق اللّه سبحانه و ما بدّلوا من فطرته و لاجل ما اشرنا اليه من قولنا فلقَ سبحانه النوي الذين هم المناوون و مافلقَ سبحانه الّا مَن قبِلَ الفلْقَ منه تعالي و ماقبِلَ و هو مكرهٌ و انّما يقبَلُ من هو مطيع في القبول احبّ كالمؤمنين او كره كالمنافقين و لاجل هذا الذي اشرنا اليه ايضاً بخعَ كلّ متكبّرٍ لطاعتهم فانّ كثيراً مِن المتكبّرين لايخضع لطاعتهم عليهم السلم الّا علي النحو الذي اشرنا فانه بعض الدواعي الي ان يذلّ لهم المتكبّرون من اعداۤئهم و ليس قولي من اعداۤئهم تخصيصاً لعموم المتكبّرين فيكون من محبّيهم متكبّرون بل و لا تقييداً لمطلقٍ ليقال قد يصدق علَي بعضِ محبّيهم التكبّر و ان لميوضع بازاۤئه لان محبّيهم اهل الخضوع و الخشوع و الخشية و ما يصدر عنهم من المعاصي التي هي في الحقيقة من ولاية ائمة الضلال و الاكل [ص 351] من شجرة الزّقّوم و ذلك استكبار عن طاعتهم التي هي طاعة اللّه لانّ امر اللّه و نهيه يجري علي المكلّفين بواسطتهم فطاعتهم طاعة اللّه تعالي فليس ذلك من حقيقتهم من رَبّهم و لهذا تراه يفعل المعصية و هو في قلبه ماقتٌ لنفسه و لفعله و انْ غلبَتْه الشهوة لما فيه من امكانها من قبل الماهيّة و انّما فعل المعصية بما فيه من لطخ طينة المتكبّرين و اتباع المتكبّرين فالتّكبر منسوب الي مبدئه و هو طينة اللّطخ و هي من المتكبّرين و لهذا اذا كان يوم القيمة و لحق كل شيءٍ باصله لحقت طينة المتكبّر التي في المؤمن التي عصي بها مع ما كان عنها من الذنوب الي ذلك المتكبر المنافق و ليس ذلك ظلماً لانّ المؤمن حقيقة لميعص و انّما المعصية من ذلك اللطخ فلحِقَتْ معه الي اصلها فان قلتَ و ان سلّمنا ان اللطخ من المنافق و انّما ترتّب عليه من المعاصي يلحق به و يلحقان بالمنافق و لا شَيءَ من ذلك علي المؤمن بل هذا حقّ و لكن ذلك المؤمن لو لميكن فيه ما يلاۤئم ذلك اللطخ لميصبه الاتري الي المعصوم لعدم وجود ما يلايم اللطخ فيه لميصبه فلمّا كان فيه ما يلاۤئم اللطخ اصابه و اللطخ من طينة الخبيث المنافق و هو لطخ ظلمانيّ عدمي المدد مجتثّ الاصل و لايلايمه الّا ما كان كذلك و هو من حقيقة المؤمن فيصدق عليه التكبر لما قرّرتم ان العاصي متكبّر و لما ثبت انّ عليه عقوبةً ما من مجاورة اللطخ العاصي فانه محلّ له و لمعصيته فيلحقه ما يحقّق هذا الصدق و هو وصمة مجاورة المعصية و مَكانيّتها قلتُ ان المؤمن فيه ما يلايم اللطخ و هو اسفل طينته و هو و ان كان لاحقاً بالطيّب الّا انه قابل للكدورة لكثافته و سفليّته و قلّة نوريّتِهٖ لانه ظاهر الطيب من الجانب الشمال و لكنه في الحقيقة من الطيب المنير الّا ان نوريّته ضعيفة [ص 352] لقربها من الطيَنِ المظلمة بفتح الياۤء و ما فيها من الكدورة لايبلغ مقام الظلمة التي توجب لمحلِّها فعل المعصية نعم اذا حصل لها اللطخ من الخبيث كان متمِّماً لما فيها من الكدورة فكانت به مقتضية لمحلّها فعل المعصية فهي باللطخ محلّ لملزوم التكبّر و هو المعصية و اذا عاد اللطخ بما فيه من المعصية لميبق في المحلّ الذي تعلّق به اللطخ الّا كدورته الاصلية و هي لاتقتضي المعصية بنفسها من غير متمم لظلمتها و لاسيّما بعد مفارقة اللطخ بما صدر عنه من المعصية فان طينة المؤمن طيبة منيرة لانها من شعاع محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله فيقوّي القوي منها نور الضعيف منها فبما بيّنّا لك يظهر لك ان قولي من اعداۤئهم في قولي الي ان يذلّ لهم المتكبرون من اعداۤئهم ليس للتخصيص و انما هو للبيان لما هو الواقع و علي ما اَوّلْنٰا و قرّرنا يظهر انّ المراد من قوله عليه السلم و بخع كل متكبّر لطاعتكم غير شيعتهم قطعاً و غير ساۤئر محبيهم علي الظاهر عند الفهم و علي التأويل في الحكم لان شيعتهم و محبيهم ليسوا من المتكبّرين لانّ المتكبّر مَن ترفّع علي ولي الامر من اللّهِ و لان شيعتهم يطلبون طاعتهم بل لا محبوب لهم مثل طاعة مواليهم فلايقال خضع للطاعة الّا لمن لايريدها و لكن لا مناص له عنها و هذا حال اعداۤئهم لا شيعتهم .
و قوله عليه السلم : و خضع كل جبّار لفضلكم مثل ما قبله في كلّ شيء الّا ان ظاهر المراد من الطاعة هو امْتثال الامر و الانزجار عند النهي و ظاهر المراد من الفضل هو الاقرار بالفضل و القبول من حامليه و التسليم لراويه و ناقِلٖيه و امّا باطن المقامَيْن فلا منافاة بين ارادة احدهما من لفظ الٰاخر فان الاقرار بالفضل منه وجوب امتثال الامر و الانزجَار عند النهي و كذلك امتثال الامر و الانزجار عند النهي منه قبول ما ورد في بيان فضلهم و التسليم لرواته فانّهم عليهم السلم قد امروا بذلك و نهوا عن [ص 353] الشك فيه و التردد و الاحتمال في مقابلته كما نهي تعالي عن ذلك في تأويل قوله تعالي يا ايّها الذين آمنوا صلّوا عليه و سلموا تسليماً و قوله تعالي فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجاً مما قضيت و يسلموا تسليماً و قوله تعالي و ماقدروا اللّه "٢" حق قدره "-٢" و الارض جميعاً قبضته "-٢" يوم القيمة و السمواتُ مطويات بيمينه "٣-" "-٢" صلوات اللّه و سلامه "-٢" عليه "-٣" .
و قوله عليه السلم : و ذلّ كلّ شيءٍ لكم معناه كما قبله .
بقي تنبيه و هو ان كلّ ما سواهم انّما يُطَأْطِئُ و يَبْخع و يخضع و يذلّ لهم عليهم السلم لما يجد في نفسِهٖ من وجودِ شَيءٍ له شَرفٌ و مجد ليس في امكانه ان يبلغ ادني ادانيه و له عزة و كبرياۤء ليس في امكانه مقابلته و لا مساواته بل لايجد في نفسه و ان تعزّز و تكبّر في نفسه و عند غيره الّا الانقياد لطاعته سواۤء تطابقت فطرة اللّه سبحانه فيه مع طبيعته العمليّة كالمؤمنين ام تقابلَتَا كالمنافقٖينِ و سواۤء عرفا ذلك بالتصور و العلم اَمْ لَا و سَواۤء عرفاهم عليهم السلم بانّهم هم ارباب ما شاهَدُوا من الكبرياۤء و العزة و الشّرف اَمْ لَا و لهُ فضاۤئل و مَناقِبُ ليس في امكانِهٖ بلوغ ادني اداني بعضها له و لغيره سواهم و له عزّة ليس في اِمْكٰانِهٖ اَنْ يحوم حول ادنَي مراتبِها هو او غيره سواهم و في هذِهٖ كلِّها و ما يجري مجراها من الصفات الحميدة كالعلم و القدرة و الغني باللّهِ عن كل من سواهم من الخلق في كل شيءٍ و حاجة كل من سواهم اليهم في كلّ شيء و غير ذلك يجري جميع المخلوقات عَلي حَدٍّ وَاحدٍ بل قد كان كلّ من اتّصفَ بشيء من هذه الصفات الحميدة بالحق لا بالدعوي كالانبياۤء و الاوصياۤء و الاولياۤء تكون ذلّتُهُ و طاعته و خضوعه لهم اشدّ بنسبة ما اُوتي لقوّة مَعْرفتِه فمن عرفهم و عرف ذلك منهم فذلك [ص 354] و الّا فكما قلنا يجد في نفسه وجود شيء قد تفرّدَ بخصال حميدة لايُدَانٖيهِ احدٌ من الخلق فيها بحيث تجد في نفسه انحطاطَهُ و انحطاط غيره عن اَدْنَي مَرْتَبةٍ من مراتبها فقد يشرق بعض اشعتها عَلَي بَعْضِ الخلق من صادقٍ و مُدّعٍ وَ اِذَا نسبَهُ من وَجده في نفسِه او غيرِهٖ الي ما آتيٰهم اللّه سبحانه من جزيل عطاۤئه لميجده شيئاً و طأطأَ لشرفهم و بخعَ لطاعتهم و خضع لفضلهم و ذلّ لهم علي نحوِ ما قلنا يعني سواۤء عرف و تصوّر ام لا و سواۤء ظهرت له عليهم صلوات اللّه عليهم ام علي غيرهم كما لو رأٰي نهر الفرات في حال احتياجه الي الشرب و السحاب الهامي حال احتياجه الي المطر و الدواۤء حال مرضه و الطّبيب الماهر حال احتياجه الي المعالجة و نظر الي الجبل العظيم و نسب قدرته الي حمله بنفسِهٖ كما هو و الجبل كما هو و كذا لو رأي السماۤء و نسب قدرته الي صعوده كما هو و السماۤء كما هو او نسب قدرته علي خَوْضِ الماۤء الي خوض البحر المحيط كما هو و البحر كما هو و امثال هذه فانّه يجد العجز في نفسه و القصور عن ذٰلِك و انما وجد العجز لما ظهر لهُ من امر لايحتمله و كذلك الحال في نفس الامر فانه لايحتمله فلاتنفكّ نفسُه عن الخضوع و الانقياد و الذّلّة فما ظهر له من عظم هذه او افتقاره الي ما لا استغناۤء له عنه منها فانّه اثر قليل و حال ضعيف بل ظلٌّ مُتَلَاشي ممّا هم عليه صلوات اللّه عليهم من العزة و العِظَم و الاستغناۤء باللّهِ عما سواه و احتياج ما سواهم اليهم و انحطاط مقاماتهم و مراتبهم و هممهم دونهم عليهم السلم بل دون ما ظهر من آثارِ ما هُم عليه علَي هذِه الاُمورِ المذكورة و معني قولي سواۤء ظهرت له عليهم صلوات اللّه عليهم ام علي غيرهم هو هذا المذكور كما يجد في نفسه مثلاً من عجزه عن حمل الجبل لعظم الجبل و ثقله لاتنفكّ نفسه عن وجدان ذلك و هو اثر من آثار عظمتِهم بل آثار الٰاثار الي سبعين الفاً [ص 355] في رتبة النزول و ما عِظَم الجبال لولا اشراق جزئيّ من آثار عظمتهم و هكذا ساۤئر ما ذكر و ما لماذكر هذا في جانب الحب و الرغبة و الرجاۤء و المطلوب و في جانب الكراهة و الرهبة و اليأس و المحذور علي العكس و كلّ لايتناهَي في الامكان قال عذابي اصيب به مَن اشاۤء و رحمتي وسعت كلَّ شَيْءٍ ، و اعلم انا قلنا كما اشار عليه السلم بقوله فيما تقدم حتي لايبقي ملك مقرّب و لا نبي مرسل و لا صدّيق و لا شهيد و لا عالم و لا جاهل و لا دنيّ و لا فاضل و لا مؤمن صالح و لا فاجر طالح و لا جبّار عنيد و لا شيطان مريد و لا خلق فيما بين ذلك شهيدٌ الّا عرّفهم جلالة امركم و عظم خَطركم و كبر شأنكم و تمام نُورِكم و صدق مقاعدكم و ثبات مقامكم و شرف محلّكم و منزلتكم عنده و كرامتكم عليه و خاصّتكم لديه ه ، تدبّر في هذه الكلمات هل بقي شيء لميعرّفه اللّه ما هم عليه عنده سبحانه فاذا قلتَ لميبق شيء قلتُ لك و هل احد غيرهم يعلم ذلك او يحصي ذلك فيكون مساوياً لهم او اعلي منهم فاذا قلتَ لا قلتُ لك فقد دلّ هذا علي ان كلّ شيء من الخلق عرف منهم ما لايحيط به و لايحصيه و لا ريْبَ انه يلزم منه خُضوعه و ذلّته و اقراره بالعجز و القصور سواۤء عرف الشيء بنفسه امْ اثره فيهم ام في غيرهم و اللّه يقول الحق و هو يهدي السبيل .
قال عليه السلم : و اشرقت الارض بنوركم و فاز الفاۤئزون بولايتكم بكم يسلَكُ الي الرضوان و علي مَنْ جحدَ وِلايتكم غَضَبُ الرحمن .
قال الشارح المجلسي رحمه اللّه و اشرقت الارض بنوركم اي بنورِ وجودكم و هدايتكم و فاز الفاۤئزون بولايتكم اي لميصل احد الي مرتبةٍ من المراتب الا بسبب اعتقاد امامتكم و محبّتِكم و مُتَابعتِكم بكم يسلك الي الرضوان خازن الجنان الموصل اليها او الجنّة او رضي اللّه سبحانه فانه اعلي [ص 356] الدرجات انتهي .
اقول قوله عليه السلم و اشرقت الارض بنوركم اقتباس من قوله تعالي و اشرقت الارض بنورِ ربّها ، و روي عن الصَّادِق عليه السلم في هذه الٰاية قال رَبُّ الارْض امَام الارض قيل فاذا خرج يكون ماذا قال يستغني الناس عن ضوء الشمس و نور القمر و يجتزون بنور الامام و روي المفيد عن الصادق عليه السلم قال اذَا قامَ قاۤئمُنا اشرقتِ الارض بنور ربِّها وَ اسْتغني العباد عن ضوء الشمس و ذهبت الظلمةُ ، اقول قوله عليه السلم في الٰاية ربّ الارض امام الارض لان الربّ هو المربّي لها و المصلح و هذه صفة الامام و قوله يستغني الناس عن ضوء الشمس يحتمل وجوهاً و ظني انّها كلّها مرادة و لهذا قلتُ يحتمل وجوهاً و لماقل يحتمل احدَ وجوهٍ منها ان المؤمن اذا قام القاۤئم عليه السلم تنكشف له العلوم و الاسرار كما روي عن علي عليه السلم انه قال اذا قام قاۤئمنا يستغني كل احدٍ عن علم الٰاخر و هو تأويل قوله تعالي يغن اللّه كلّاً من سعته و يشرف علي حقاۤئق الاشياۤء لشدّة نور قلبه من جهة مقابلة الامام عليه السلم لقلب المؤمن فيشرق قلبه بنوره عليه السلم و يكمل ايمانه في اركانه الثلاثة الاعتقاد فيثبت علي ما لو سمعتموه لكفرتم كما كان في حق سلمن و ابيذرٍّ و اللسان فينطق بما يوضح عن مرادِ امامه عليه السلم من كل ما احبّ اللّه تعالي ان يقال و الاركان فيعمل بعمل امامه عليه السلم لانه حينئذٍ قوي الايمان و العلم و المعرفة و الامام عليه السلم داۤئماً ناظرٌ اليه فانه في وجوده يراه كل احدٍ في مشرق الارض و مغربها و هو في مكانه كما يرون القمر لانه عليه السلم اذا خرج وضع يده علي رؤس الخلاۤئِق فيكمل بذلك ايمانهم فيكونون في جميع الاعمال علي حدّ الصدق مع اللّهِ و الاخلاص في العمل بنسبة ما يمكن في حقّه فاذا كان بهذا المقام [ص 357] من العلم و الاطّلاع علي حقاۤئق الاشياۤء بما يمكن له و الصلاح و الدّٖين و التقوي و الزهد و الورع و اليقين و الايمان الكامل في غاية ما يمكن في حقّه من صحة الاعتقاد و صدق اللسان و مطابقته للقلب و الاخلاص في الاعمال الصحيحة الصالحة التي هي مطابِقَة لمراد امامه عليه السلم الي غير ذلك بحيث يصدق عليه انه متابع لامامه عليه السلم في الاعتقادات و الاقوال و الاعمال فيكون اذ ذاك منشرح الصَّدْر للاسلام ممتحن القلب للايمان فاذا اطمأنّ علي ذلك رفع اللّه عن بصيرته الحجاب و ارقاه في الاسباب و فتح له الابواب و اراه ما استتر و غاب فحينئذٍ يستغني بهذا النور الذي هو نور امامه عن ضوء الشمس و نور القمر و يجتزون بنور الامام (ع) كما قال جعفر بن محمد عليهما السلم و تذهب الظلمة كما في الحديث الٰاخر بحيث يشاهد الاشياۤء في الظلمة كما يشاهدها في النور فمعني ذهبت الظلمة يعني لاتحجب ابصٰارهم لقوّة بصاۤئرهم لا انه لا ظلمةَ في الوجود .
و منها ان اشراق الارض بنور الامام عليه السلم كناية عن ظهور الحق و انتشار العدل عند ظهوره عليه السلم حتي لايُستخفَي بشيء من الحق مخافة احدٍ من الخلق فان العدل الذي ينشره تزين به الارض كالنّور بعد ما ملئت ظلماً و جوراً الذي هما ظلمة باطنيّة و قد روي الظلم ظلمات يوم القيمة ففي دولة الظالمين قد عمّت ظلمة الظلم و اذا قام القاۤئم اللهمّ عجّل فرَجه ذَهبت هذه الظلمة .
و منها زمان رجعتهم ليس مثل زمان الدنيا بل هو زمان واسطة بين زمانِ هذه الدّنيا و بين زمان الٰاخرة فهو و ان لميكن علي حدّ لطافة زمان الٰاخرة لكنه الطف من زمان الدنيا فيستغني العباد بنور وجودهم عليهم السلم عن ضياۤء الشمس و نور القمر و ان كانا موجودين لشدّة صفاۤء ذلك الزمان ببركة [ص 358] وجودهم و تذهب هذه الظلمة الموجودة في هذه الدنيا لانها انّما حدثت بكثافة الارض و كثافة الارض انّما حدثت بوقوع المعاصي فيها و لهذا قيل ان البقاع التي لميَطأ عليها ابن آدم بذنوبه شفّافةٌ لاتُرَي كمثل السموات و انّما هذه الكثافة حدثت من ذنوب العباد و في زمان رجعتهم عليهم السلم تطهر الارض من المعاصي و اهلها فتذهب الظلمة لذهاب علّتِها و لان ذلك الزمان زمان البرزخ و لهذا يري الناس الملاۤئكة رأي العين و الجنّ و ساۤئر الارواحِ و تظهر الجنّتان المدهاۤمّتان و قد روي ان عليّاً عليه السلم قال في وصف حال رجعتهم و زمانها و عند ذلك تظهر الجنّتان المدهاۤمّتان عند مسجد الكوفة و ما وراۤء ذلك بما شاۤء اللّه و قد تقدّم هذا الحديث في ذكر الرجعة فراجعه و علي هذا تذهب هذه الظلمة و ان وجدت ظلمة بنسبة ذلك الزمان كما اشار اليه قوله تعالي و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيّاً و ذلك في حقهم و حق اصحاب جنان البرزخ من الارواح فان الوقتَ واحد الّا ان تلك الظلمة لاتحجب ابصارهم فصحّ انهم يستغنون عن ضوء الشمس و صح انّ هذه الظلمة التي الٰان موجودة تذهب هنا كما ذهبت عن ارواح المؤمنين عند مفارقتهم للابدان في هذه الدنيا .
و منها انّ الامام عليه السلم اذا ظهر بسط العدل و الحق في الارض و ارتفع الجور و الظلم منها وَ هذا نور الامام عليه السلم الذي اشرقت به الارض و تزيّنت بظهور البركات حتي انّ الاشجار تحمل في كل سنةٍ مرّتين و تظهر الكنوز و يستغني الناس حتّي ان الرجل ليحمل زكوة ماله و يطلب فقيراً يأخذها فلايجده و يظهر في الارض ظاهر قوله تعالي لاصحاب الزراعات من المؤمنين كمثل حبّة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبّة و اللّه يضاعف لمن يشاۤء ، و كانت الارض قبل ظهوره عليه السلم قد مُلِئَتْ ظلماً [ص 359] و جوراً و الناس في تلك الظلمات ظلمات الظلم و الجور يسعون فيها ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج المؤمن يده لميكد يراها فانهم حينئذ لميجعل اللّه لهم نوراً اي لميظهر لهم اماماً و هذه الظلمات المشار اليها سنة الشمس و بدع القمر فانّ الشمس و القمر اعرابيّان من المنافقين اسَّسَا هذه الظلمات التي كان المؤمن لايبصر فيها يده و هي اثرهما و نور الشيء اثره و كان اصحابهما يسمّونهما بالشمس و القمر فانزل اللّه سبحانه علي نبيّه صلي اللّه عليه و آله الشمس و القمر بحسبان و حسبان اسم النار كما قال تعالي و يرسل عليها حسباناً من السماۤء فتصبح صعيداً زلقاً اي يرسل عليها ناراً فلمّا كانا يسمّيانِ بالشمس و القمر و يسمّون ما احدثا من البدع حقّاً و هدي و الحق ضياۤء كضياۤء الشمس و الهدي نورٌ كنور القمر قال عليه السلم ان العباد كانوا ينتفعون في هذه الدنيا في سعيهم الي الٰاخرة بهذه البدع التي هي ظلمات بعضها فوق بعض و يسمّونها ضياۤءً و نوراً اي حقّاً و هُديً مع انها ظلمة فاخبر بانه اذا قام قاۤئمهم عليهم السلم اشرقت الارض بنور عدله و استغني العباد بنور عدله عن ضياۤءِ ذلك الشمس و نور ذلك القمر و ذهبت تلك الظلمة .
و منها انّ من حكمة خلق الشمس انّها حاۤرّة فتسخّن العالم بحرارتِها فتصلح بها الزروع و الثمار و الابدان و الارواح بتقوية الحرارة الغريزية المصلحة لمطارح الارواح و يعين القوي و الطباۤئع علي تجفيف الرطوبات الفضلية من القلب و الدماغ فيستضيۤء البدن باشراق الانوار المعنوية لارتباطها بها فتتعلق بها الارواح و العقول تعلّق التدبير و من حكمة خلق القمر انه بارد فيبرّد العالم ببرودته لان الشمس حارّة و لو استمرت حرارتها احرقت مَا كانت اصلحته كما لو اردت ان تجفّف ثوبك الرطب علي النار لتلبسه فصلاحه [ص 360] منها حتي تجفّ رطوبته و لو تركته بعد ما جفّ احرقته و فسد فكما ان الشمس انما جعلت تعاقب القمر لتسخّن ما بَرَّدهُ لان البرودة لو دامت افسدت العالم كذلك القمر يعاقبها ليبرّد ما زاد من حرارتها علي القدر النافع ذلك تقدير العزيز العليم فاذا كثرت معاصي العباد ادّبهم سبحانه و روّعهم باَنْ حجَب عنهم نور الشمس في وقت الحاجة اليه او حجب عنهم نور القمر في وقت الحاجة اليه و ذلك في الكسوف و الخسوف فينحبس عنهم المدد المصلح و يقع في العالم اثر فقدان ذلك المصلح فتحدث مفاسد في زروعهم و اشجارهم و مواشيهم و ابدانهم و نفوسهم و اراداتهم و عقولهم و عزاۤئمهم و اعمالهم و غير ذلك ممّا يريد سبحانه علي قدر ما استحقوه بعضاً من بعض او من كلّ فامرهم حين حبس عنهم المدد الظاهري بذنوبهم باَن يفزعوا الي اللّه سبحانه و يتوبوا و يستغفروا و يصلّوا ففتح لهم بما امرهم به باب المدد الباطني الذي هو اقوي في اصلاح ما فسد بفقدان المدد الظاهري فكان هذا العمل و الصلوة مغنية عن ضوء الشمس و نور القمر مع انها فرع من فروع الامام عليه السلم و باب لبعض بيوت ولايته و مساكنها لانّها هي و جميع الاعمال مبنيّة علي ولايته و محبّته و طاعته و الاقرار بفضاۤئله و الامتثال لامره و الانزجار عند نهيه فاذا ظهر انما يظهر باقامة الاعمال الصالحة التي هي قوام المدد الباطني الذي به صلاح الدنيا و الٰاخرة علي اكمل وجهٍ يريده اللّه سبحانه من عباده فبظهوره و بما اقام من دين اللّه تصلح الشمس و القمر و جميع الافلاك و العالم العلوي و السفلي و جميع الخلاۤئق من الحيوانات و النباتات و المعادن و الجمادات فتستغني العباد بنوره عن ضوء الشمس و نور القمر لانهما في الحقيقة آلَتَانِ لنوره و اقوي من هذه الٰالةِ فان نور الشمس اقوي من نور القمر بسبعين مرة و نور الامام عليه السلم اقوي من نور الشمس [ص 361] في كلّ ما خلقت الشمس له و ما يراد منها الفالفالف مرّة و اربعةٰالافالف مرة و سبعمائةالف مرة و عشرةٰالاف مَرّة كما اشارت اليه رواية علي بن عاصم في باب الرؤية عن الصادق عليه السلم نور الشمس جزؤ من سبعين جزءاً من نور الكرسي و الكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش و العرش جزؤ من سبعين جزءاً من نور الحجاب و الحجاب جزؤ من سبعين جزءا من نور الستر الحديث ، و الحجاب هم الكروبيّون و هم شيعتهم من الخلق الاول خلق اللّه تعالي انبياۤءَهُ علي صورهم فنوح عليه السلم علي صورة احدهم و اسمه يعني نوح سمّي باسمه و ابراهيم عليه السلم علي صورة احدهم و اسمه و موسي عليه السلم علي صورة احدهم و اسمه و هذا هو الذي تجلّي للجبل حين سأل موسي ربّه ما سأل فجعله دكّاً و عيسي عليه السلم علي صورة احدهم و اسمه و بنور هذا الكروبيّ كان عيسي عليه السلم يبرئ الاكمه و الابرص و يحيي الموتي . فاذا عرفتَ ما ذكرنا تبيّن لك ان العباد يستغنون عن ضوء الشمس و نور القمر بنورهم عليهم السلم اذا رجعوا الي الدنيا و مكّنهم اللّه في الارض لاظهار دينه و قوله عليه السلم و اشرقت الارض بنوركم يريد به ما ذكرنا في الارض و ما كان في هذه الدنيا ايضاً و ان كان في دولة الباطل اذ لولا وجودهم في هذه الدنيا في قلوب شيعتهم و اَلْسنتِهِم و ابدانهم و في صدور المسلمين و السنتهم و ابدانهم لاشتدّت الظلمة و تراكمت فلميعبد اللّه سبحانه في ارضه من ساۤئر خلقه الّا بما اضطرّوا اليه لانّه من لوازم الايجاد اذ لو لميوجدوا عليهم السلم لميوجد مخلوق فلمّا وجدوا وجد الخلق و اضطر الخلق في ايجادهم الي عبادة اللّه سبحانه بشرع الكون الوجودي و لمّا ظهروا عليهم السلم في هذه الدنيا اظهروا في الخلق عبادة اللّه عز و جلّ بشرع [ص 362] الكون التشريعي الاختياري لانه اثر ظهورهم في هذه الدار و تمكينهم اي تمكين اللّه سبحانه ايّاهم في القوالب و ان لميمكّنهم في الظاهر و اذا رجعوا الي الدنيا مكّنهم في الارض و ما فيها فيظهرهم علي الدين كله و لو كره المشركون اللهم عجّل فرج محمد و آلمحمد صلي اللّه عليه و آله و اجعلنا من انصارهم و اتباعهم و اللازمين لهم في الدنيا و الٰاخرة بفضلِك و منّك انك ذو الفضل العظيم و المن الجسيم و انت ارحم من كل رحيم .
و قوله عليه السلم : و فاز الفاۤئزون بولايتكم المراد به انّ من والاكم فقد فاز اي ظفر بمطلوبه او من قوله تعالي فمن زحزح عن النار و ادخل الجنّة فقد فاز اي فقد نجي كقوله تعالي و ينجّي اللّه الّذين اتّقوا بمفازتهم اي بسبب منجاتهم يعني بسبب العمل الصّالح او فاز النّاجون او الظافرون بولايتكم لانّها هي الخير او خير الخير او كلّ الخير او هي الجنّة كما قال الصادق عليه السلم لِمَنْ سَمِعه يقول اللهم اَدْخلنا الجنّة قال انتم في الجنّة و لكن سَلُوا اللّه اَلَّايخرجَكم منها انّ الجنّةَ هي ولايتنا فولايتهم هي الجنّة و هي نعيم الجنّة و هي سبب الجنّة و هي صورة الجنّة و هي معني الجنّة فاذا جعلتَ الفوْز بالمطلوب و الظفر بالمحبوب هو الولاية كان المراد بالولاية النعيم كما في قوله تعالي ثم لتسئلنّ يومئذ عن النعيم ، و في عيون الاخبار عن الرضا عليه السلم ليس في الدنيا نعيم حقيقي فقال له بعض الفقهاۤء ممّن حضره فيقول اللّه تعالي ثم لتسئلنّ يومئذٍ عن النّعيم اَمَا هذا النعيم في الدنيا و هو الماۤء البارد فقال له الرضا عليه السلم و علّا صوته كذا فسّرتموه انتم و جعلتموه علي ضروبٍ فقالت طاۤئفة هو الماۤء البارد و قال غيرهم هو الطعام الطيّب و قال آخرون هو طيّب النوم و لقد حدّثني ابي عن ابيعبداللّه عليهما السلم انّ اقوالكم هذه ذكرت [ص 363] عنده في قول اللّه عز و جل ثم لتسئلُنّ يومئذ عن النعيم فغَضِب و قال انّ اللّه عز و جل لايسئل عباده عما تفضّل عليهم به و لايمنّ بذلك عليهم و الاِمتنان بالانعام مستقبَحٌ من المخلوقين فكيف يضاف الي الخالق عز و جل ما لايرضي المخلوقون و لكن النعيم حبّنا اهل البيت و موالاتنا يسئل اللّه عنه بعد التوحيد و النبوّة لانّ العبد اذا وَفي بذلكَ اَدّاه الي نعيم الجنّة الذي لايزول و في الكافي عن الصادق عليه السلم في هذه الٰاية ان اللّه عز و جل اكرم و اجلّ ان يطعمكم طعاماً فسوَّغكموه ثم يسألكم عنه و لكن يسألكم عمّا انعم عليكم بمحمد و بٰالمحمّد صلي اللّه عليه و آله ، فَعلَي انَّ المراد بالولاية النّعيم يترتّب علي ذلك بعض نَعيمٍ ليس مطلوباً لعدم علم الفاۤئز به بكنهه بل و لايخطر علي قلبه و هو مما يترتّب علي الولاية من النعيم كما قال تعالي فلاتعلم نفس ما اخفي لهم من قرّة اعين ، و كما في الرواية ما لا عين رأت وَ لٰا اُذْنَ سمعَتْ و لاخَطر علي قلبِ بَشرٍ و كذلك قوله تعالي و لدينا مَزٖيد فان هذا المزيد الذي قال تعالي لدينا لميكن ممّا يشاۤؤن لانهم لايعلمونه و لا من الّذٖي قال تعالي فلاتعلم نفس ما اخفي لهم من قرّة اعين لانّ المزيد يرد علي اهل الجنّة قبل هذا و انزل منه رتبةً لان المزيد و ان لميشأه المؤمن لعدم علمه به الّا انه قد يعلمه غيره بخلاف ذلك فانه لاتعلمه نفس و يترتّب عليها ما هو معلوم بالاجمال و ما هو معلوم بالتفصيل و من هذا محبّتهم و هي محبّة اللّه و في حديث الاسرار قال اللّه تعالي يا احمدُ انّ في الجنّة قصراً من لؤلؤة فوقَ لؤلؤةٍ و درّةٍ فوقَ درّة ليس فيها قصم و لا وصل فيها الخواۤصّ انظر اليهم كل يوم سبعين مرة و اكلّمهم كلّما نظرتُ اليهم ازداد ملكهم سبعين ضعفاً و اذا تلذّذ اهلُ الجنّة بالطعامِ و الشراب تَلذّذوا اولۤئِك بذكري و بكلامي و حديثي الحديث ، هذان اذا جعلتَ المطلوب الذي ظفِرَ به الفاۤئز هو الولاية [ص 364] و المحبّة و ان جعلتَ الولاية صورة المطلوب قلتَ المراد بالولاية هو طهارة الباطن بالمعرفة للّه سبحانه و اسماۤئه و صفاته و افعاله و بمعرفة محمّد و اهل بيته علي و فاطمة و الحسن و الحسين و التسعة الاطهار من ذريّة الحسين صلي اللّه علي محمد و علي و عليهم اجمعين و بمعرفة انبياۤئه و رسله و كتبه و باليوم الاوّل الذي هو رجعتهم عليهم السلم و باليوم الٰاخر و معرفة محمّد و اهل بيته صلي اللّه عليه و عليهم معرفة انهم معانيه و معرفة انهم ابوابه و بمعرفة انهم ائمة الهدي و اعلام التقي و العروة الوثقي و بمعرفة اركان قاۤئمهم و نقباۤء شيعتهم و نجباۤئهم و طهارة الظّاهر من رفع الاحداث عن الجسد بالوضوء و بالغسل و التيمّم و رفع الاخباث عن الجسد و الثياب للعبادات من الاحياۤء و الاموات و عن الاواني للاستعمال و عن المطاعم و المشارب للاكل و الشرب وَ عن المسَاكِنِ للسُّكنَي و نحو ذلك و اقامة الصلوة و اٖيتاۤء الزكوة و صيام شهر رمضان او بالتزام و ما كان مندوباً مِن الصيام اَوِ اعْتكاف او حج للبيت الحرام او لزيارة لِاَحَدِهم عليهم السلم و القيام بما حَدَّد من الحدودِ و الاحكام و بما اَبٰان من معاملة ساۤئر الْاَنام و بالجملة فهي جميع ما اَرادَ معرفته من اَحْوَال النّشأتَيْن و امرَ بهٖ عبادَهُ من اعمال الدَّاريْنِ و بيان هذا بالاشارة علي وجه الاجمال انّ كلّ صورة معنويّة خلقها اللّه سبحانه في العبد او للعبد اوّلاً و بالذّات فهي من صور الولاية كصورة الايمان مثلاً فان الصورة محدودة بخُطوطٍ و اوضاع كما في هيئة السرير فانه مربّع مستطيل فيحيط به خطّان طويلان متوازيان و خطّان قصيرانِ متوازيانِ كذلك الايمان فانه صورة انسانيّة ربّانيّة يحيط بها خطوط معنويّة كثيرة كخطّ التوحيد في احواله الاربعة توحيد الذات و توحيد الصفات و توحيد الافعال و توحيد العبادة فالاول : و قال اللّه لاتتّخذُوا الهين اثنين انما هو اله واحد و الثاني : ليس كمثله شَيء [ص 365] و الثالث : اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات و الرابع : و لايشرك بعبادة ربه احداً ، و كخطّ الشهادة بالرسالة يجمعهما اشهد اَلّا الٰه الّا اللّه وحده في هذه الامور الاربعة لا شريك له في شيء منها و اشهد انّ محمداً عبده و رسوله صلي اللّه عليه و آله و ما يتبع ذلك من الاقرار بنبوّة انبياۤء اللّه و رسله و كخطّ الولاية و الاقرار بانّ علياً و اهل بيته الطاهرين صلي اللّه عليه و عليهم اجمعين خلفاۤء اللّه و اوصياۤء رسول اللّه صلّي اللّهُ عليه و آله و اولياۤء اللّه و حُججه علي خلقه و امناۤؤه علي وحيه و حُفّاظه علي خلقه و منارُهُ في بلاده و الولاية لهم و لشيعتهم الي التُّراب الطَّيِّبِ و البَراۤءة من اَعْدَاۤئِهم و اشياعهم الي التراب المالح وَ الاَرْضِ السَّبِخَةِ و كخطّ الايمان بالموت و القبر و المسئلة و البرزخ و النشر وَ الحشر و الحساب و الصراط و الميزان و تطاۤئر الكتب و الختم علي الافواه و انطاق الجوارح و النار و ما اعدّ فيها من العذاب و الاغلال و الحوض و الجنّة و ما اعدّ لاهلها من الملابس و المشارب و النكاح و برجعة محمد و آلمحمّد صلي اللّه عليه و آله الي الدنيا حتي يملئوا الارض قسطا و عدلاً كما ملئت جوراً و ظلماً و الاقرار بالبداۤء و الّا جبر و لا تفويضَ اِلي غير ذلك من الامور التي يجب الايمان بها مما جاۤء به محمد صلي اللّه عليه و آله من احوال النشأتين و كخطّ الاعمال كالصلوة و الزكوة و الصيام و الحج و الجهادِ و غير ذلك و كخطّ المروة و الشجاعة و الكرم و الزّهد و الورع و التقوي و اليقين و التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلودِ و القول بالعلم و عدم القول مع الجهل و ترك هوي النفس الامّارة و اتّباع دواعي العقل و امثال ما ذكرنا فان الصورة التي تحيط بها هذه الخطوط علي جهة التّبعيّة و التفقّد و لو غالباً هي صورة الايمان و لو كان ذلك علي جهة الاصالة و التفقّد علي [ص 366] جهة الاحاطة مع عدم الترك لشَيءٍ منها و لا لبعضٍ من شَيء كانت صورة الايمان الَّتي هي مَحلّ العصمة و صورة الايمان المطلقة صورة كليّة ذات صور متعددة من صور الولاية و هي صور متعدّدة مثلاً الطهارة صورة تاۤمّة منها لاشتمالها علي الحدود الّتي حدّدوها المذكورة في علم الشريعة من الوضوء و الغسل بالماۤء الطاهر المباح و التيمّم بالتراب الطاهر المباح علي الوجه الذي امر به في الامور الثلاثة و كذلك الصلوة و الزكوة و غيرهما فكلّ شيء مما امر اللّه به او ندب اليه فهو صورة من صور الولاية الظاهرة و الباطنة و مجموع باطن هذه الصور صورة الايمان الكامل و باطن باطنِها صورة العصمة و صور عكوسٰاتها من صور المعاصي اي عكوسات ما مثّلنا به صور ولاية اعداۤئهم فامتثال اوامر اللّه سبحانه و اجتناب مناهيه كلها ظاهرها و باطنها علميّها و عَمَلِيّها اعتقاداً و قولاً و عملاً هو صورة الولاية الكليّة و عكس ذلك كله ولاية الاشرار و ائمة الكفار فانهم صالوا النار فولاية الحق و ما يترتّب عليها من الاعتقادات الحق و الاعمال الحق و الاقوال الحق و ما تثمر تلك من انواع النعيم الذي لاينقطع ابداً و جميع ذلك هو باطن الامانة و باطن الباب من الرحمة المكتوبة لعباده المؤمنين و ولاية الباطل و ما يترتّب عليها من الاعتقادات و الاعمال و الاقوال الباطلة و ما تثمر تلك من انواع العذاب الاليم المخلّد ابداً جميع ذلك هو ظاهر الامانة و ظاهر الباب الذي من قبله العذاب و ذلك من قوله تعالي فضرب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب فالسور محمد صلي اللّه عليه و آله لأنه مدينة العلم و الباب علي صلي اللّه عليه و آله باطنه و هو القيام بولايته فيه الرحمة اي المكتوبة و كان بالمؤمنين رحيماً و ظاهره خلاف ولايته و هو اتّباع ولاية اعداۤئه و بغضه من قبله اي من جهتِه العذاب فان [ص 367] المحبّة منسوبة اليه و هي الجنّةُ لمحبّيه و البغض منسوب اليه و هو النار لمبغضيه فكانت الجنّة و اهلها و اعمالها التي اوصلتهم اليها من ولايته و هي محبّته و كانت النار و اهلها و اعمالها التي اوصلتهم اليها من خلاف ولايته و ظاهرها الذي هو وراۤءَها و خلفها و خلافها و هي بغضه و عداوته فكانتا منسوبتيْنِ اليه و لهذا كان عليه الصلوة و السلام قسيم الجنّة لانّها من حُبّه و قسيمَ النار لانّها من بغْضِهٖ فظهر لمن نظر و اعتبر ان قوله عليه السلم في الفقرة الشريفة و فاز الفاۤئزون بولايتكم جامع لكلِّ خير فمن فاز بها فقد ظفر بكلّ خير في الدنيا و الٰاخرة اللهم يا مقلِّب القلوب و الابصار صل علي محمد و آله الاطهار و ثبّتْنا علي ولايتهم و محبّتهم و علي البراۤءة من اعداۤئهم في الدنيا و الٰاخرة انك ذو الفضل العظيم .
و قوله عليه السلم : بكم يُسْلَكُ الي الرّضوان اي بولايتكم و محبّتِكم و اتّباعكم فيما امرتم و فيما نهيتم عنه و بالتسليم لكم و الردّ اليكم و الاخذ عنكم و باللزوم لكم مع البراۤءة من اعداۤئكم و من اتباعهم و الراضين بافعالهم و المقتدين بهم و المسلّمين لهم و الراۤدّين اليهم و العاملين باقوالهم و المقتدين بافعالهم اذ لاتتحقق ولايتكم الّا بالبراۤءة منهم يسلك الطريق الموصل الي الرضوان او بكم لانكم الادلّاۤء الي كل خير و ذلك لانهم القاۤئدون الي الجنّة مَن اتّبعَهم و احبّهم و تولّي بهم او ببركة وجودكم او لاجلِ حبّكم و ولايتكم او لاجلكم يسلك اللّه تعالي بمن اتبعكم و احبّكم او مَنْ عمَّتْه بركةُ وجودِكم او لاجل حبّكم اوْ لاجلِكم طريق الرضوان او يوصله الرضوان و هو الجنّة او يراد به رضوان اللّه او يراد به انه سبحانه يجعل محبّيكم و تابعيكم مجاورين لمحمد صلي اللّه عليه و آله في جنّة عدن لانه صلي اللّه عليه و آله هو الرضوان كما في تأويل قوله تعالي و رضوان [ص 368] من اللّه اكبر ، او يراد من الرضوان ما قيل ان اهل الجنّة لاهلها مقامات و مراتب في القرب كلّما استقرّوا في رتبة من مراتب القرب ما شاۤء اللّه انتقلوا الي مقامٍ فوقه و هكذا فقيل اوّل مقامٍ لهم مقام الرفرف الاخضر ثم ينتقلون منه الي مقام الكثيب الاحمر او الاصفر المسمي بارض الزعفران و هو اعلي من مقام الرفرف علوّاً كبيراً و اشرف و اقرب فاذا مكثوا فيه ما شاۤء اللّه تعالي انتقلوا الي مقام الاعراف و هو اعلي من مقام الكثيب الاحمر او ارض الزعفران علوّاً كبيراً و اشرف و اقرب فاذا مكثوا فيه ما شاۤء اللّه تعالي انتقلوا منه الي مقام الرضوان و هو اعلي ممّا ذكر و اشرف و اقرب بما لايكاد يوصف و يمكثون فيه ما شاۤء اللّه بلا غاية و لا نهاية و ليس وراۤء هذا مقام الّا انه له درجات ينتقلون من درجة الي اخري اشرف من الاخري و لا نهاية لذلك فانهم قبل وصول هذه الرتبة التي هي الرضوان كل جمعة تأتيهم الملاۤئكة المقرّبُون بنجائبَ من نورٍ من نجائب الجنّة فيقول للمؤمن ان ربّك يدعوك ليجزيك او يزيدك من فضله و عطاياه فيركب و يصعد حتي يصل الي المقام الذي دُعِي اليه فيعطي ضعف ما عنده من ممالك الجنّة و نعيمها و لايزال هكذا كلّ جمعة و هو يتنقّل في المقامات كما ذكر و يعطي في كلّ مقامٍ ممّا فوقه حتي ينتهي في سيره في الدرجات و تنقّله في مقامات القرب الي ان يصل الي الرضوان فاذا دُعِي و اتَي قال يا ربّ لا حاجة لي الي العطاۤء فيقال له بلي رضاي عنك و لايزال هكذا ابداً كلّما وفد علي ربّه زاده رضيً عنه جديداً ليس في الجنّة نعيم يدانيه فيمكثون يتنقّلون في مقامات الرضوان و درجات القرب الي الرحمن بلا غاية و لا نهاية فعلي هذا يكون المراد من الفقرة بكم يسلك المؤمن او يسلك اللّه به او يسلكون به الي الرضوان الذي ليس وراۤء نعيمه نعيم هذا معني ما قيل .
[ص 369] و الذي يجول في نفسي من معني الرضوان المذكور هنا و هو الرتبة القصوي من نعيم اهل الجنّة و فيها تكون تُحَفُ اهلِ الجنّة فيها رضي اللّه سبحانه انّ اوّل هذا المقام بحر الحجاب الابيض و هو اعلي الحجب و اشرفها و الطفها و اشَفُّهَا و هو اوّل ما خلق اللّه من الحجب و لهذا كان هو النهاية في التقييد ليس وراۤء ذلك الّا البيان و رفع الحجاب و هذا آخرُ المقال لان اهل الجنّة في هذا المقام الذي هو كمال الرضوان و غاية الرضوان المسمّي بالبيان و العيان و رفع الحجاب و هو الذي اشار اليه سيّد الوصيين علي اميرالمؤمنين صلي اللّه عليه و آله في جوابه لكميل بن زياد حين سأله ما الحقيقة فقال له ما لك و الحقيقة يا كميل فقال أَولستُ صاحبَ سرّك قال بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح منّي فقال اومثلك يخيِّب ساۤئلاً فقال عليه السلم الحقيقة كشفُ سُبُحاتِ الجلال من غير اشارة فقال زدني بياناً قال محو الموهوم و صحو المعلوم فقال زدني بياناً قال هتكُ السِّتر و غلبة السِّرِّ الحديث ، فقوله عليه السلم محو الموهوم المراد بالموهوم هو ما قبل مقام الحجاب الابيض لانه ليس من الموهوم مطلقاً و لكنه برزخ المعلوم و المراد بالمعلوم هو ما اشرنا اليه بقولنا البيان و العيان و رفع الحجاب الذي هو الحجاب الابيض المشار اليه لانّ البيان مقام لا بياض فيه و لا سواد و لا شيء الّا شيء ليس كمثله شيء و هو آية اللّه و دليل اللّه سبحانه و ما وصف به نفسه لعباده المقرّبين عنده و هذا المقام غاية الرضوان و اعلي الجنان و آية الرحمن و هو اوّل ما فاضَ من فعْلِ اللّهِ خلقه اللّه سبحانه و جعله اصل الاصول و نهاية المحصول و هو شيء ليس كمثله شيء و كيف يكون مثله شيء و انّما خلقه اللّه دليلاً عليه ليُعرف به فلو شابهَهُ شيء لكان ذلك الشيء مِثل اللّه تعالي بكسر مٖيم المثل و اللّه سبحانه ليس له مِثل فلايكون شيء مِثل هذا [ص 370] لان هذا هو وصف اللّهِ نفسه لعباده فلو كان شيء يشابهه لكان اللّه تعالي وصف نفسه بوصف لايختصّ به بل يشاركه فيه غيره تعالي اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً و هذا المقام ايضاً هو صحو المعلوم لانه تعالي وصف نفسه بوصفٍ لايشاركه فيه غيره فصَحا المعلوم لمن عرفه في وصفِهٖ كما وصف نفسه فالبيان هو رفع الحجاب و اوّل الرضوان الحجاب الابيض و آخر الرضوان و كماله و غايته البيان و هو الذي اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلم كما رواه جابر بن يزيد الجعفي عن الباقر عليه السلم انه قال يا جابر عليك بالبيان و المعاني قال فقلتُ له و ما البيان و المعاني قال فقال علي عليه السلم اما البيان فهو ان تعرف اللّه سبحانه ليس كمثله شيء فتعبده و لاتشرك به شيئاً الحديث ، و هذا اوّل ما خلق بعد المشيّة فخلق اللّه سبحانه منه ما شاۤء فاوّل ما خلق منه هذا الحجاب الابيض فالبيان هو الولاية الكبري و الحجاب الابيض هو اليد اليمني و ذلك قوله تعالي يد اللّه فوق ايديهم و هو هذه اليد و لايصل احد من خلق اللّه الي هذا الرضوان المشار اليه الّا بهم صلوات اللّه عليهم .