فنورُهُ وَحْيُهُمُ و وجهُه قبلَتُهُمْ فحيثُ صلَّوْا وَصَلُوا

اي فحيثُ توجّهوا الي وجهِه عليه السلم و دعوا وصلوا الي ما طلبوا من ربّهم و امّا قولي فنورُه وحيُهُمُ فمعناه ان الوحي الذي نزلت عليهم به الملاۤئكة من اللّه سبحانه فهو شعاع نوره عليه السلم و ذلك كما في قوله تعالي و كذلك اوحينا اليك روحاً من امرنا و المراد به الملك الذي هو من امرِ اللّه الذي يكون مع محمد و آله صلي اللّه عليه و آله بكلّه فانه منذ هبط عليهم ماصَعِد قطّ و هكذا يكون مع جميع الانبياۤء و الرسل عليهم السلم بوجه من وجوهه و رأس من رؤسه فانّه ماهبط علي مخلوقٍ ابداً الا علي محمد و اهل بيته الطيبين صلي اللّه عليه و عليهم و امّا ما كان منه قبلهم عليهم السلم من اوّلِ ما اكل الباكورةَ من حداۤئقهم الي ان خرجوا فانما هو تنزّلاته حين خلقه اللّه تعالي فقال له ادبر فادبرَ ثم قال له اقبل فاقبل فالادبار الاعظم و الاقبال الاعز الاجل الاكرم ما كان بهم صلّي اللّه عليهم ماكنتَ تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نوراً نهدي به مَنْ نشاۤء من عبادنا اي جعلنا ذلك الروح الذي هو من امرنا نوراً اي كتاباً منيراً و هو القرءان نهدي به من نشاۤء من عبادنا و المعني المراد ان الوجود المقيّد اول ما ظهر منه في الوجود الكوني معنيً و لفظ متساوِقان في الظهور يعني [ص 295] كل معني فله اسم فهما مبني كلّ منهما علي صاحبه فالمعني هو الملك المذكور الذي هو القلم بعبارة و العقل بعبارة و الروح من امر اللّه بعبارة و روح القدس باخري و اللفظ هو القرءان و لهذا وحّد الضمير العاۤئد اليه و ثنّي الصفة فقال فيه من حيث هو معني روحاً من امرنا و من حيثُ لفظ نهدي به من نشاۤء من عبادنا فافهم و قولي سابقاً كان التنوير او ظهورهم عليهم السلم بعقول الانبياۤء و الرسل و اوصياۤئهم و باَرْوَاحهم و انفسهم لهم بغير واسطةٍ مرادي منه بالتنوير ما اشرتُ اليه و اما قولي او ظهورهم عليهم السلم بعقول الانبياۤء الخ ، فالمراد ان عقول الانبياۤء و الرسل و اوصياۤئهم حقيقتها ظهورهم (ع) بها لهم و ان شئت قلتَ لها و كذلك ارواحهم و نفوسهم فهي تشهد لهم صلّي اللّه عليهم بسرّ ما اودعوها مما وعَتْه من ظهورهم بها بانهم نور الاخيار و هداة الابرار و حجج الجبار فسَبّحوا اللّه باسماۤئه و مجّدوه بنعماۤئه و آلاۤئه و هو تأويل قوله فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم .

و قوله (ع) : و هداة الابرار لَعلّ المراد بهم من كان التنوير لهم او الظهور بعقولهم بالواسطة لانه الاغلب في الاستعمال و قد يستعمل في المقرّبين و لكن استعماله في اصحاب اليمين اغلب و اما الاخيار فيستعمل في المقربين و في اصحاب اليمين و لكنهما اذا اريد بواحدٍ منهما المقرّبين فهو من المشكِّك لانّ بين المقرّبين بعضهم بعضاً درجات متفاضلة لاتكادُ تتنَاهَي في مراتب الامكان بمعني انّ محمّداً و آله صلي اللّه عليه و آله و ان كانوا من المقرّبين بينهم و بين من سواهم مراتب لايصل اليها احد ممن سواهم ابداً و ان بلغ كلّ مبلغ كما ذكرنا سابقاً من انّ النور و ان قرب من المنير غاية القرب لايكون من المنير بل هو ابداً نور من المنير و شعاع منه فمن سواهم لايزال مستمدّاً [ص 296] للهداية منهم كل ما وصل رتبةً وُضِعت لهُ رتبةٌ اعلي من الاولي و هكذا بلا نهاية و لا غاية فان اهل الجنّة لاينتهي نعيمهم و كلّ استمدادهم لاسيّما في النعيم الاعظم الغير المتناهي الذي هو الرضوان كما قال تعالي و رضوان من اللّه اكبر لانه الحجاب الاعلي و عالمُ فاحببتُ ان اُعْرَف و اليه تنتهي النهايات في الامكان و لا نهايةَ له و كلّ ذلك انّما هُوَ بهم و عنهم فهم يدلجُونَ بين يدي المدلج من الخلق و اللّهُ سبحانه يدلج بين يدي المدلج منهم و مِن خلقه بهم .

و قوله عليه السلم : و حجج الجبّار قد تقدمت الاشارة الي معناه و انّ له معانِيَ متعدّدةً في كلّ رتبةٍ من مراتب الوجود بحسبها مثلاً ما ظهرت علي الانبياۤء و الرسل عليهم السلم و اتوا به من المعجزات كاحياۤء الموتي و نطق الجمادات و الحيوانات العجم و قلب الجمادات حيوانات كعصي موسي و غير ذلك فانّها آياتهم و امثالهم و ذلك ما اشار اليه علي ابن الحسين عليهما السلم كما تقدم في رواية جابر بن يزيد الجعفي في حديث طويل ثم تلا عليه السلم قوله تعالي فاليوم ننساهم كما نسوا لقاۤء يومهم هذا و ما كانوا بٰاياتنا يجحدون و هي واللّهِ آياتنا و هذه احدها و هي واللّهِ ولايتنا يا جابر الحديث ، و من المعاني كونهم تراجمة لوحيه الوجودي الكوني و الوجودي التشريعي كما تقدّم فيكون من الاول ترجمة الاغذية و الامزجة للاجسام النّامية بمعني ان اللّه سبحانه خلقهم عليهم السلم علي اكمل وجهٍ يمكن في مقام الخلق في اعتدال الامزجة و التركيب بحيث لايمكن ذلك الّا في تأليف انوارهم الذاتيّة و خلق من فواضل تلك الامزجة المعتدلة و التأليفات المتسقة جميع الخلاۤئق سواهم كلّ شيء علي حسب قابليّته و جعلهم كما ذكرنا سابقاً علل جميع الخلاۤئق العلل الفاعليّة لكونهم [ص 297] محاۤل مشيّته و اَلْسِنةَ ارادته و ايدي ايجاده و ابداعه و العلل الماديّة لكون مواۤدّ الاشياۤء من فاضل انوارهم و اشعّة وجوداتهم و العلل الصوريّة لكونِ صور الاشياۤء من فاضل هيئات ذواتهم و حركاتهم و اقبالاتهم و ادباراتهم للمؤمن علي نحو التوالي و الموافقة و للكافر علي نحو خلاف التوالي و علي المخالفة و العلل الغاۤئيّة لكون الاشياۤء السنة الثناۤء عليهم قال تعالي و جعل لكم من جلود الانعام بيوتاً تستخفّونها يوم ظعنكم و يوم اقامتكم و من اصوافها و اوبارها و اشعارها اثاثاً و متاعاً الي حين فبهم خلق ما خلق و لهم خلق ما خلق و علي مثالهم خلق ما خلق فاختلفت الاشياۤء باختلاف اجابتها و قبولها فمن اختلف و اعوجّ و ضعف و اسودّ و التوي و زاد و نقص فمن قابليته و تقصيره و سوۤء اجابته و لم‌يأتهم ربّهم سبحانه الّا باكمل مزاج و احسن تأليف لانه اَتٰيهم بفاضل مزاج اصفياۤئه عليهم السلم و شعاع تأليفهم و لكنهم اختلفوا لاختلاف دواعيهم فمن لم‌يستقم لعدم اجابته فمقصّر ملوم و الحجة عليه المزاج المستقيم الذي اتاه اللّهُ به فغيره باختياره و اعلم ان وجوه معني كونهم حجة عليهم السلم كثيرة ظاهرة و باطنة كما في تأويل قوله تعالي و اسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنةً فالظاهرة معلومة و الباطنة ذكرت منها هنا وجهين و فيما تقدّم ذكرتُ اكثر من ذلك و ان اعدّدها لم‌اُحصِها و لكن تعرف بكلامي و ما مثّلتُ به نوع ذلك فان فهمتَ مرادي و سألتَ الكريمَ الجواد سبحانه بنحو لسان استعدادي اعطاك ما شاۤء فانه الغني الحميد و من الثاني ما عبَّرُوا عنه بهذه الاوامر و النواهي و هو في الظاهر ظاهر لايكاد يخفي و في الباطن باطن لايكاد يُدْرَي و اغلبُ ما سوي هذين من معاني حجج الجبّار من الاوّل و يُعْلَمُ كثير منها ممّا مَضَي .

[ص 298] قال عليه السلم بكم فتح اللّٰهُ و بكم يختم و بكم ينزّل الغيثَ و بكم يمسكُ السماۤء ان تَقع علي الارض الّا باذنه و بكم ينفّس الهم و يكشف الضّرّ .

قال الشارح المجلسي رحمه اللّه تعالي بكم فتح اللّه اي في جميع الفيوض و الخيرات كما يشعر به الصلوة او في الخلق فانه اوّل ما خلق ارواحهم كما في الاخبار المتكثّرة و تقدّم بعضها اوْ لكم خلق اللّه الخلق اوْ انتم وساۤئط الفيوض الالهية و بكم يختم كما في الرجعة و المهدي او كل خيرٍ يصل الي احدٍ فانه بسببكم لانهم العِلّةُ الغاۤئيّة و بكم ينزّل الغيث كما ورد في الاخبار الكثيرة لانهم المقصود بالذاتِ او بدعاۤئهم كما ورد ايضاً متواتراً و بكم يمسك السماۤء ان تقع علي الارض مع حصول اسبابه من ادِّعاۤء الولد و الٰالهة الباطلة كما قال تعالي تكاد السموات يتفطرن من فوقهنَّ و تنشقّ الارض و تخرّ الجبال هداً ان دعَوا للرحمن ولداً الّا باذنه عند قيام الساعة او غيره ان اراد انتهي .

اقول بكم فتح اللّه في كل وجودٍ بل في كل امكان امّا في الايجاد فمن حيث كونهم العلَلَ الاربع للخَلْقِ كلّه علي نحو ما اشرنا اليه في العلّة الفاعلية لكون التمشية اليها لاتجري علي الظاهر لانّه غلوّ ممنوع منه و انّما يقال في الْعِلّةِ الفاعليّة علي نحو ما ذكرنا سابِقاً من كون الفاعلية هي المثال المتقوّم بالفعل فانّ المثال الذي هو اسم الفاعل كالقاۤئم لزيد هو المشيّة المتقوّمة بالحقيقة المحمّديّة تقوّم ظهورٍ بمعني انّ المثال هو المشيّة حال تعلّقها بالحقيقة المحمديّة كما تقول ان السّراج هو النار حال تعلّقها بالدهن و الاَوْلي في التحقيق ان يقال انّه الحقيقة المحمديّة حال تعلّق المشيّة بها و رَبطها بها كما تقول ان السراج هُوَ الدهن حال تعلّق المشيّة بها المعبّر عنه في الٰاية الشريفة اٰية النور بمسّ النار في قوله تعالي يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تمسسه نار [ص 299] و المراد من هذا ان السراج المضيۤء للغير الّذي تعلّقت به الاشعّة و توجّهَتْ اليه في عبادتها له بافتقارِها اليه في تلقّي وجوداتِها منه انّما هو في الحقيقة الدُّهْنُ الذي تكلّس بحرارة النار و يبوستها حتي كان دخاناً فانفعَلَ بالضياۤء عن مسّ النار التي هي الحرارة و اليبوسة فمسُّها هو فِعلُهَا ابرزَتْهُ بنفسه لا من ذاتها لانه ليس جزءاً منها و هذا هو الذي اشار اليه تعالي قال يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تمسسه نارٌ و لم‌يقل يكاد النار تضيۤء و لو لم‌تتعلق بالدهن لانّ الاستنارة انّما هي من الدهن و ذلك لشدّة صفاۤئه و بياضه قال يكاد يضيۤء لكنه لايضيۤء الّا بمس النار فالدهن هو المضيۤء بمس النار و هيهنا قال ابن‌سينا في الاشارات اعلم ان استضاۤءة النارِ السّاۤئرة لما وراۤئها انّما تكون اذا عُلِفَتْ شيئاً اَرضِيّاً ينفعل بالضوء عنها الي ان قال فاذا طفئت انفصَلتِ النارُ هواۤء و الكثافةُ دخاناً انتهي ، فقد ثبت بالٰاية الشريفة و كلام الحكماۤء انّ السراج المضيۤء الذي تعلّقت به الاشعة و وجدتْ بافاضتِهٖ و تحقّقت بظهوره وَ قَامت باستمدادها منه انَّما هو الدخان المستضيۤء بمسّ النار اي المنفعل بالضياۤء عنها و هذا الدخان المستضيۤء ليس من النارِ و انّما هو اجنبي منها و هو دُهن قد كلّسَتْهُ و جفّفَتْهُ و نعّمته حتي يبس و خَفَّ فقرب منها فاستنار بتأثيرها فهو عرش لَها قد استوت عليه بظهور فعلِها فاعطَتْ كلّ جزءٍ من الاشعّةِ علي قدره فالاشعّة صفاتٌ لما ظهر بالدهن عليه من تأثير النار بفعلها فيه و المثال هو السّراج و السراج هو الدُّهْن المستضيۤء بمسّ النار كما تلونا عليك و الحقيقة المحمّدية هي الزيت المستضيۤء بمسّ النار و الزّيت هو الوجود المخترع بالفعل فاستضاۤءتهُ بهذا الاختراع فالحقيقة المحمّديّة بالاختراع هو المثال المشار اليه فكما انّ السراج الظاهر الذي بيّنّا لك انّه في الحقيقة هو الدخان المنفعل بالاستضاۤءة عن مسّ النار هو علّة وجود الاشعّة [ص 300] بل لا وجود لشيء منها الّا بكونه صورة ظهور ذلك السراج و هو العلّة الفاعليّة لتلك الاشعة كذلك الحقيقة المحمديّة بالاختراع اي بكونها محلّاً له هي علّة وجود الاشعّة و هي العلّة الفاعليّة لها لانّ الحقيقة المحمديّة بذلك هي اسم الفاعل فهي كالقاۤئم بالنسبة الي زيد من حيث هو فاعل القيام و هذا اٰية معرفة ذلك للعالِمين بكسر اللّامِ و قولي هذا اشارة الي قاۤئم و الي السراج و قولي آية معرفة ذلك اشير به الي قول اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه من عرف نفسه فقد عرف ربّه مشيراً الي قوله تعالي سَنُرٖيهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم فانّ الٰايات الداۤلّة علي ما ذكرتُ لك في الٰافاق كالسّراج و القاۤئم و الشمس و الكلام و الاصوات و الصدا من الصوت و الصورة في المِرءاة و غير ذلك و في الانفس معرفة النفس مجرّدة عن سبحات الجلال بلا اشارة الي التجريد فهي الٰاية الكبري فهذا مراد لي من قولي هذا بقرينة ذكري آية معرفة ذلك فافهم فيكون المعني بهم فتح اللّه ايجاد الاشياۤء و بهم يختم يعني بهم يختم علي فم القلم الاعلي فلاينطق ابداً و امّا في الوجود فهم عالم الحمد في قوله الحمد للّه ربّ العالمين فانه قد افتتح الخلق بالحمد فقال الحمد للّه الذي خلق السموات و الارض و ختمه بالحمد فقال و تري الملاۤئكة حاۤفين من حول العرش يسبّحون بحمد ربّهم و قضي بينهم بالحق و قيل الحمد للّه ربّ العالمين هذا دليل الافتتاح في الظاهر باوّلِ سورة الانعام و في الباطن باوّلِ فاتحة الكتاب ليكون اول الكتاب التكويني مدلولاً لاوّل الكتاب التّدويني و لوصفه تعالي عند الحمد بربّ العالمين لتدلّ في الافتتاح و الاختتام علي اعتبار الايجاد و التَّرْبيَة و الملك علي اختلاف احوالها و لهذا قال و قضي بينهم بالحقِّ و قيل الحمد لِلّهِ رَبِّ العالَمٖينَ فهم عليهم السلم اوّل الخلق في الكون و البَدْءِ و آخر الخَلْق و العود . [ص 301] و ما قيل من اَنّ اوّلَ ما خلق الله العقل فهو و ان كان ظاهره العموم الّا اَنّه مخصوص بالوجود المقيّد و هم عليهم السلم كانوا في الوجود المطلق و قد دلَّتْ اخبارهم اَنّ الوجودَ المقيد من زرع حدَاۤئِقهم فانّ العقل هو القلم و قد ورد انّه اوّل غُصْنٍ من شجرة الخلدِ و قال الحسن بن عليّ العسكري عليه السلم في تاريخه قال و رُوحُ القدس في جنان الصاقورة ذاقَ من حداۤئقنا الباكورة يعني روح القدس هو المذكور المسمي بالروح من امر اللّه و بالعقل الكلي و بالقَلم و الباكورة هي اوّل الثمرة يعني انّ روح القدس اوّل مَن ذاقَ ثمرة الوجود الكوني من حداۤئِقنا التي غرسناها في ارض الجرز و الارض الميتة و اليه الاشارة بقوله تعالي حتي اذا اقلّت سحاباً ثقالاً سقناه لبلدٍ ميتٍ فانزلنا به الماۤء فاخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلّكم تذكّرون و البلد الطيّب يعني مثل قابلية العقل الكلّي يخرج نباته باذن ربّه يعني باسمه البديع و هو اكله اول ثمرة الوجود و الذي خبث كقابلية الجهل الاوّل و مظاهره و رُؤُسِه فاللّه سبحانه فتح الوجود الكوني فكانوا و لم‌يكن خلق كما مرّ فيما رواه جابر ابن عبداللّه الانصاري كما في رياض الجنان قال قلتُ يا رسول اللّه اوّل شيءٍ خلقه اللّه تعالي ما هو فقال نور نبيّك يا جابر خلقه اللّه ثم خلق منه كلّ خيرٍ ثم اقامه بين يديه في مقام القرب ما شاۤء اللّهُ ثم جعله اقساماً فخلق العرش من قسم و الكرسي من قسم و حملة العرش و خزنة الكرسي من قسمٍ و اقام القسم الرابع في مقام الحب ما شاۤء اللّه ثم جعله اقساماً فخلق القلم من قسم و اللوح من قسمٍ و الجنّة من قسم و اقام الرابع في مقام الخوف ما شاۤء اللّه ثم جعله اجزاۤء فخلق الملاۤئكة من جزءٍ و الشمس من جزء و القمر و الكواكب من جزءٍ و اقام الرابع في مقام الرجاۤء ما شاۤء اللّه ثم جعله اجزاۤء فخلق العقل من جزء و العلم و الحلم من جزء و العصمة و التوفيق [ص 302] من جزء و اقام القسم الرابع في مقام الحياۤء ما شاۤء اللّه ثم نظر اليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور و قطرَتْ منه مائة الف و اربعة و عشرون الف قطرة فخلق اللّه من كلّ قطرة روح نبي و رسول ثم تنفّست ارواحُ الانبياۤء فخلق اللّه من انفاسها ارواح الاولياۤء و الشهداۤء و الصالحين انتهي ، و قد تقدّم هذا الحديث و انما اعدته تسهيلاً و قد اشتمل علي جهات كثيرة من العلوم خصوصاً فيما نحن فيه و لايمكن بيان ذلك لاستلزامه الطول لكن لا بدّ من قليل يحصل به بعض الاشارة منه انّ قوله صلي اللّه عليه و آله ما شاۤء اللّه يراد منه بيان الرتبة و هي دهر من الدهور التي ذكروها عليهم السلم انهم قبل الخلق بالف دهرٍ و قد يعبّر عنه باربعين‌الف عام او ثمانين‌الف عام او اربعة‌عشرالف عام او غير ذلك باختلاف مقامات التعبير و الخلق الذين هم قبله قد يراد منه ما في الجبروت او الملكوت او الملك او ما بينها من البرازخ في سلسلة الطول او في سلسلة العرض كما قيل في الالف‌الف عالم ان المراد منها الاجْناس او الانواع او الاصناف في العوالم الثلاثة في سلسلة الطول او سلسلة العرض او فيهما و منه انّ المراد بالقلم عقل الكل و المراد بالعقل المذكور في مقام الرجاۤء عقل النوع و قد يعبر عن الاوّل بغيب فلك محدد الجهات و عن الثاني بغيب فلك زحل و منه ان العرش مركب من اربعة انوارٍ احدها النور الابيض و هو المراد بعقل الكل فان قيل فلم ذكر العرش قبل مع ان الاجزاۤء سابقة في الوجود علي المركب و الجواب ان العرش هو الكلّ و الكل في الرتبة سابق علي الجزء باعتبار البساطة و التركيب فان الجملة كالشجرة مقدّم علي الابعاض كالاغصان في هذا اللحاظ كما في قوله صلي اللّه عليه و آله في قوله تعالي كشجرة طيبة انا الشجرة و فاطمة اصلها و علي لقاحها الخ ، و يحتمل ان المراد بالعرش هنا المشيَّة او الحقيقة المحمديّة المعبر عنها بالوجود الراجح [ص 303] و الماۤء الذي به حيوة كلّ شيء و الدواة الاولي و ذلك كلّه قبل عقْل الكلّ كما تقدّم و منه ان كون ارواح الاولياۤء و الشهداۤء و الصالحين من تنفّس ارواح الانبياۤء ككون ارواح الانبياۤء من تنفس ارواحهم صلي اللّه عليهم اجمعين و الحاصل ان من المعلوم انهم كانوا و لم‌يكن خلق ففتح بهم الوجود و يعودون اليه تعالي حيث لايكون خلق سواهم لان كلّ مخلوق فمَدَي عودِهٖ بقدرِ مَدَي بدئه لاينقص و لايزيد فمَن كانَ مدي بدئه منذ خمس سنين مثلاً لايكون مَدي عَودِهٖ خمس سنين و يوماً و الّا لكان موجوداً قبل اوّلِ وقتِ وجودهٖ و لا فرق في جميع انحاۤء الوجود لكلِّ موجود فكما لايختلف المدي في وجود ذاته لايختلف في ادراكاته لان الادراك مساوقٌ للوجود هذا في الوجود الكوني و كذلك فتح سبحانه بهم الوجود الامكاني و ذلك لان الامكان كلّه و ان كان في الوجود الراجح في الجملة اِلّا انّ الممكنات فيه مرتّبة قد ترتّبت معلولاتها علي عللها فمنها مَن امكنه المبدع المريد جل و علا بنفسه و منها مَن امكنه بواسطة امكانِ آخر و منها بوساۤئط كما في الوجود الكوني حرفاً بحرف بل الكوني شرح الامكاني فكان امكانهم صلّي اللّه عليهم اجمعين بنفسه لم‌يتوقّف في امكانه الّا علي خلق المشية فيه و هو قوله تعالي يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تمسسه نارٌ نور علي نور و امكانُ غيرهم متوقّف علي امكانِهم فبهم فتح اللّه الوجود الامكاني و بهم يختم فيعودون حيثُ لايكون خلق ثم ما ذكره الشارح المجلسي رحمه اللّه جارٍ هُنا علي بعض ما اشرنا اليه و ان لم‌يكن مُتّسِقاً لانه قابل بكم فتح اللّه الفيوض و الخيرات بقوله بكم يختم كما في الرجعة و يجوز بكم فتح اللّه الاسلام و بكم يختمه في الرجعة كما قال تعالي ليظهره علي الدين كلّه و لو كره المشركون ، فان قلتَ قولك بتساوي البدء و العود يلزم منه القِدم لانهم بل ساۤئر الخلق [ص 304] باقون في الجنّة و النار بلا نهاية و لا انقطاع في الٰاخريّة فاذا كان البدء مساوياً للعود لزم ان يكون البدء لا نهاية له و لا انقطاع في الاوّليّة و لايعني بالقديم الّا هذا فيلزم من القول بتساوي البدء و العود القول بقدم العالم او انقطاع النعيم و العذاب الاليم و فناۤء الجنّة و النار و اهلهما و القول باللازمين او احدهما كفر قلتُ لايلزم ذلك لانّي اقول انّ الاشياۤء مسبوقة بالعدم بمعني ان اللّه سبحانه كان و لا شيء معه ثم خلق ما شاۤءَ مما تعلمون و مما لاتعلمون و لانعني بالحادث الّا ما كان بعد ان لم‌يكن و ما وجد غيره قبله و جميع ما سوي اللّه تعالي خلقه اللّه و لا ريب انه لم‌يكن في الازل لانّ الازل ليس الّا ذاته عز و جل و خارج الذات خارج الازل و ليس الا الحادث سواۤء طالت مدته ام قصرت و اذا لم‌يكن في الازل لزمه شيئانِ احدهما كونه مسبوقاً بصانعه تعالي و ثانيهما كونه مسبوقاً بالعدم اي عَدَم وجوده في الازل و امّا توهّم مَن ذهب الي انّ القول بوجود شيء من الاشياۤء قبل الزمان فهو قول بقدم العالم اذ لا حادث الّا الحادث في الزمان فهو غلط لانّ الزمان مخلوق و لم‌يخلق في الزمان فيتسلسل مع الاتفاق علي انّ اوّل ما خلق اللّه العقل و لو كان في الزمان لم‌يكن اوّل مخلوقٍ بل يجب ان يكون قبل الزمان و كذا الماۤء علي قول انه اوّل ما خلقه اللّه و امّا قول قديم زماني و ذاتي فشيء لا معني له صحيح و ليس في كلام اهل العصمة عليهم السلم و انما مبني كلامهم عليهم السلم علي انّ كلّ ما سوي اللّٰهِ مخلوق خَلَقَهُ اللّهُ تعالي وَ انّ اوّل ما خلقَ اللّٰهُ نور محمد صلي اللّه عليه و آله و امّا قديم زماني و حادث زماني فَاصْطِلاحٌ باطلٌ لاستلزامِهِ القول الباطل و الحقّ ما قاله اهل الحق عليهم السلم من انّ اللّه سبحانه ليس معه شيء و كل ما سواه فهو محدث خلقه اللّه لا من شيء و صنعه لا علي احتذاۤءِ [ص 305] شيء بل احدث فعله بنفسه لا من شيء غير نفسه حين احدثه و شقّ الماۤدّة من كينونة فعله بفعله و خلق الصورة من انفعال الماۤدة و خلق المصنوع في وقت الفعل فما كان ظرفاً للامكانات فسرمد و ما كان للممكنات فدهر و زمان فوقت الفعل علي حسب تعلّقه بالمفعول فبساطة الوقت و لطافته بسبب تعلّقه بمفعول بسيط لطيف و تركيب الوقت و غلظه و كثافته بسبب تعلّقه بمفعول مركب و غليظ و كثيف فوقت كل شيء بحسبه و ما بينها من البرازخ فعلي حسب حالها فالزمان مخلوق يجري فيه حكم ما يجري في غيره فلا معني لقديم زماني او حادث زماني فان كل شيء خلقه اللّه سبحانه و لم‌يك شيئاً و لا فرق بين المحقّق عند الناس و المقدّر بالنسبة الي صنع اللّه تعالي و لكن اكثر الناس لايعلمون فخذها قصيرةً من طويلةٍ تهتدِ سواۤء السبيل .

بقي هُنا شيء ينبغي الاشارة الي التنبيه عليه علي جهة الاقتصار لعَلّ اللّهَ ان يجعله سبباً لتوفيقه عبدَهُ لفهمه ان كان ممن كُتِب من اهله و هو انّا قد ذكرنا هنا ما يدل علي انّ الزمان فيه لطيف و غليظ و بسيط و مركب و هذا شيء مستغرب لانه لم‌يوجد في كتاب و لم‌يسمع في جواب فاعلم انَّ الوجود الذي خلق اللّه منه كلّ شيء بسيط لايكون شيء من المخلوقات ابسط منه و لا الطف و ماۤدّة كل شيء منه و انّما اختلفت الاشياۤء في اللطافة و الكثافة بسبب المشخّصات و الوجود و ان كان في نفسه مختلفاً في مراتبه فما كان منه مشرِقاً الطف و اشرف مما كان منه اشراقاً الّا انّه الي آخر مرتبة منه لطيف في غاية اللطافة بالنسبة الي المركّبات و هي انّما كانت غليظة و كثيفة مع انّ مادّتها الوجود اللطيف من جهة المشخّصات فالمشخّصات ان كانت لطيفة كان المركب منها لطيفاً كالعقول و الارواح و النفوس و ان كانت كثيفةً كان المركب منها كثيفاً و ان كانت مادّته التي هي من الوجود لطيفاً [ص 306] و المشخصات كثيرة منها الاعتقادات و الاقوال و الاعمال و الاحوال و منها الكم و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة و منها لوازم لها كالوضع و النسبة و الكينونة و غير ذلك فالوقت من الاصول المشخصة فالوجود المتشخّص بالسرمد الطف من المتشخّص بالدهر و هو الطف من المتشخّص بالزمان بل ما في الزمان مختلف باختلافه ففلك المحدد الطف من فلك الثوابت لان زمانه الطف من زمان فلك الثوابت و كذلك في المكان و ساۤئر المشخصات و لهذا تكون حركته اسرع لرقّة المتعلِّق و هكذا الي الارض فهي ابطأ من كل الاجسام و كلّ ما قَلَّت ارضيّته قويت حركته و اسرعت و بالعكس و هكذا و لو كان الغلظ و الرقة راجعاً الي المادة لتساوت الاجسام في القوّة و الحركة فافهم فان قلتَ ان المشخّصات من الوجود ايضاً فلم اختلفت قلتُ هي ايضاً لها مشخّصات نوعية قبل تشخيصِها لغيرها و شخصيّة مع تشخيصها للغير و لهذا اختلفت و اختلفت بها المتشخّصات بها فان قلت انّ فلك الثوابت الطف من السموات السبع فلم كانت حركته ابطأ منها و هو خلاف ما ذكرتم قلتُ هي الطفُ من السبع و لكن لكثرة كواكبها ابطأت حركتها لان الادلّة دلّت علي ان لكل كوكب فلك تدوير منها او خارج مركز و ان تقاربت حركاتها المختلفة لعلّةٍ ذكرناها في بعض اجوبتنا فلاختلاف الدائرات فيها ابطأت حركة مجموعها و لقلّة مختلفات السبع بالنسبة الي فلك الثوابت اسرعت حركاتها فافهم هذا كله في الكون الوجودي و شرعه اي بكم فتح اللّه الكونَ الوجودي في العلل و المعلولات و بكم يختم كذلكَ و بكم شرع الوجودي في العلل و المعلولات و بكم يختم كذلكَ و كذلك في الكون التشريعي و وجوده علي نحو ما مرّ من التفصيل الّا ان التكوين الوجودي ظاهر التكوين التشريعي و التشريعي باطنه و الشرع الكوني [ص 307] ظاهر الوجود الشرعي و الوجود الشرعي باطنه و قد اشرنا الي هذا المعني فيما سبق و في بعض رساۤئلنا علي وجه الاقتصار و امّا علي جهة كمال البيان فلم‌اكتبه لانه يقتضي بسطاً كثيراً و لم‌يحصل داعٍ موجب الي ذٰلِك و غيري لم‌يذكره لانّ هذه اشياۤء لايعرفونها و لم‌تذكر في كتب احدٍ لعدم علمهم بذلك و انّما هذه الاشياۤء مذكورة في كلام اهل العصمة عليهم السلم و عليها الف حجاب فلايعرفها الّا هم اَوْ مَن شاۤؤا بتعليمٍ خاص منهم عليهم السلم لانّ اللّه سبحانه قال و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الّا العالمون و هم عليهم السلم يعلّمونها من شاۤؤا بامرٍ خاۤصٍّ من اللّه سبحانه نعم قد يذكر بعض الحكماۤء الالهيون خصوصاً اهل العلم المكتوم قواعد اَوْ مَساۤئل تدلّ علي نوع ما اشرنا اليه فان قبلتَ منّي ما اقول فمن توفيق اللّه سبحانه و الّا فاعلم ان اللّه سبحانه بذل الحكمة و الانوار لاهلها و نشرَها في السماۤء كما نشرت الشمس نورها في السماۤء و الهواۤء و لايلقيها الا مع حصول قابليّتها من عبده كما ان نور الشمس لايظهر الّا في كثيف كمد فافهم .

و قوله عليه السلم : و بكم يُنزّل الغيث قد تقدم انّ الشارح المجلسي (ره) قال كما ورد في الاخبار الكثيرة لانّهم المقصود ( المقصودون ظ ) بالذّاتِ يُشٖيرُ الَي ما ذكرنا مِرَاراً كثيرة من انّهم العلل الاربع خصوصاً العلّة الغاۤئيّة لان الغيث من فواۤئد نزوله انّه مثل للدنيا قال تعالي انّما مثل الحيوة الدنيا كماۤء انزلناه من السماۤء فاختلط به نبات الارض فاصبح هشيماً تذروه الرياح كذلك الدنيا في نعيمها الزاۤئل و قوله فاختلط به نبات الارض يراد منه انه ينحَل منه جزءان مشاكلان في جزء من التراب مشاكل بتسخين الشمس فيكونان بعد الانحلال شيئاً واحداً غذاۤء للنبات فتمصّ منه العروق غذاۤء الاغصان و قال تعالي كماۤء و لم‌يقل كمثل ماۤء لانّ [ص 308] نفس الماۤء و نزوله هو مثل الدنيا لا ان مثله مثل الدنيا بل هو بنفسه مثل الدنيا و لو اريد به انّ مثله مثل الحيوة لقال كمثل ماۤءٍ كما قال في نظاۤئر هذا مثل قوله مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً و قال مثل الذين حمّلوا التورية ثم لم‌يحملوها كمثل الحمار ، و امثال هذا في القرءان و كلام الائمة عليهم السلم كثير فاذا اريد الاتّحاد لم‌يأت بمثل كما قال تعالي في تَمثيل حالِ المنافقينَ قال في تشبيه المثل بالمثل مثلهم كمثل الذي استوقَد ناراً فلمّا اضاۤءَتْ ما حوله الٰاية ، و قال في تشبيه المثل بالشيء او كصيّبٍ من السماۤء فيه ظلماتٌ و رعد و برق الٰاية ، فافهم فانّ البيان يحتاج الي تطويل و انه مثل للٰاخرة قال تعالي و من آياته انك تري الارض خاشعة فاذا انزلنا عليها الماۤء اهتزّت و ربت انّ الذي احياها لمحيي الموتي ، وَ انّه مثلٌ للدنيا و الٰاخرة قال تعالي و انزلنا من السماۤء ماۤءً مباركاً فانبتنا به جناتٍ و حبّ الحصيد و النخل باسقاتٍ لها طلع نضيد رزقاً للعباد هذا مثل للدنيا و مثل الٰاخرة وَ اَحْيَيْنا به بلدةً ميتاً كذلك الخروج فهذا من فوٰاۤئده و هم عليهم السلم الذين يعقلون الامثال المضروبة فلهم نزل الغيث و من فواۤئده رزق العباد و العباد غنمهم و الغيث ينبت عَلف غنمهم لان من سواهم انعامهم تعمل لهم ما يراد منهم من اقامة الوجود الكوني و شرعه و الكون الشرعي و وجوده قال تعالي و جعل لكم من جلود الانعام بيوتاً تستخفّونها يوم ظعنكم و يوم اقامتكم و من اصوافها و اوبارها و اشعارهَا اثاثاً و متاعاً الي حين ، و ما ورد في تفسير قوله تعالي فلينظر الانسان الي طعامه ما معناه الي علمه من اين يأخذه انّا صببنا الماۤء صبّاً اي العلم ثم شققنا الارض شقّاً و هي قلبُ الامام عليه السلم فانبتنا فيها يعني من انواع العلوم حباً من علم الولاية و عنباً من رحيق المعرفة و قضباً من علوم الاحكام و زيتوناً من اخلاق الكرم و الزهد و نخلا من لذة الايمان [ص 309] و محبّته يعني الولاية كما قال تعالي و لكنّ اللّه حبّب اليكم الايمان و زيّنَهُ في قلوبكم و حداۤئق غلباً من مراتب اليقين و الاستقامة و فاكهة و ابّاً من علوم الطريقة و الابّ مثل لما تعلمه العوام من الشريعة اوْ ان الفاكهة ما بطن و تحقّق من العلوم للانسان و الابّ ما ظهر منها و ظُنَّ للجاهل متاعاً لكم اي للمؤمنين العالمين العارفين و لانعامكم اي لرعيّتكم و عوامّكم فانهم انعام العلماۤء كما اشار اليه الصادق عليه السلم في كلامه لعبيد بن زرارة قال و الّذي فرّق بينكم هو راعيكم الذي استرعاه اللّه خلقه و هو اعرف بمصلحة غنمِهٖ في فساد امرِها فان شاۤء فرّق بينها لتسلم ثم يجمع بينها لتأمن الحديث ، و هذه المعاني التي اشرتُ الي ذكرها في تأويل الٰاية اخذته من معاني اَحَاديث متعددةٍ لفّقْتُ بعض معانيها و عبّرتُ عنه بما يناسب معني ما نحنُ فيه من هذا الشرح فانّه طُلِبَ منّي علي هذا النّحو لا علي النّحو الظاهرِ و بالجملة فكونهم العِلّة الغاۤئيّة في نزول الغَيْث فمعلومٌ بل في كلِّ شيءٍ كما يُشٖيرُ اليه كلامه رحمه اللّه اِلّا اَنَّ ظاهر الفقرة الشريفة يدلُّ علي كونهم سبباً اوْ اَنَّ وجودهم او فعلهم او دعاۤءَهم او كون المطر مطلوباً لهم لبعض شؤنهم الكونية او الشّرعية لهم او لغنمهم آلةٌ لانزال المطر و المراد بالٰالة السبب الصوري او الماۤدّيّ و المراد بكونهم غير انهم آلة بمعني الصوري او الماۤدّيّ لان الاوّل يراد منه العلّة الفاعلية سواۤء اريد بالعلة الفاعليّة فعل الفاعل ام محلّ الفعل و ترجمانه و الحامل له و لانريد بالعلّة الفاعليّة ذات الفاعل لان ذلك غير جاۤئزٍ بل و لا واقعٍ و انما نريد بها فعله كما ذكرناه فيما سبق مكرّراً فراجع .

و قوله عليه السلم : و بكم يمسك السماۤء ان تقع علي الارض الّا باذنه ما اشار اليه الشارح (ره) من معناه من قوله مع حصول اَسْبَابه من ادِّعاۤءِ الولد و الٰالهة الباطلة الخ ، له وَجْهٌ و لكنه ناقص فالاقتصار علي خصوص [ص 310] ما ذكره ليس في الحقيقة بشيء و ان كان في الظاهر له وجهٌ لانّ المراد انّ اللّه سبحانه يمسك بهم السماۤء لانّهم عمَدُهَا و بهم قوامُها فهي قاۤئمةٌ بهم قيامَ صُدُورٍ و قيامَ تَحقُّقٍ لانّهم امرُ اللّهِ قال تعالي و من آياته ان تقوم السماۤء و الارض بامره و في الدعاۤء و كلّ شيء سواك قامَ بامرِك او لانهم محاۤلّ امرِ اللّه و قد صرّحوا بذلك في احاديثهم عليهم السلم بانهم امر اللّه الوجودي و محاۤلّ امر اللّه الفعلي فبهم امسك اللّه السموات و الارض و كل شيء سواۤء قيل بان للّه ولداً او بان معه شريكاً ام لم‌يقل لانهم للاشياۤء كلّها العلل المَاۤدِّيّة و الصُّوريّة كما ذكرنا سابِقاً وَ اللّهُ سُبحانه يُمْسِكُ الشيء بمادته و صورته نعم لو قال رحمه اللّه تعالي انّ من معني ذلك ان اللّه تعالي يمسك السماۤء اَن تقع علي الارض اذا حصَل لها مقتضي ذلك من دعوي الولد و الشريك لم‌يكن به بأس و كان مما يراد من ذلك اللّفظ و معني ما اشرنا اليه من انّ اللّه سبحانه بهم عليهم السلم يمسك كلّ شيء سواهم من الخلق انّ كلّ شيء له اصلٌ يقوم الشيء به و ذلك الاصل هو صورته من امر اللّهِ يعني انّ لامر اللّه هيئاتٍ و رؤساً بعدد الخلاۤئق و هي تلك الاصول المشار اليها كما ان لكلّ جزءٍ من شعاع الشمس وجهاً من الشمس يستمدّ ذلك الجزء من ذلك الوجه و هو وجهُه الذي لايهلك و به قوامه كما اشار اليه سبحانه كل شيء هالك الّا وجهه علي احد التفاسير بان الضمير في وجهه يعود الي الشيء و ذلك الجزء من الشعاع خلق من ذلك الوجه من الشمس و هو وجهه منه بُدِئ و اليه يعود و بينهما مسافة لايقطعها ذلك الجزء ابداً مع شدّة سيره اليه و سرعته فهم ذلك المنير الذي فيه وجوه كلّ شيء من الخلق و كل شيء اقامه اللّه عز و جل بوجهه من المنير الذي هو امر اللّه صلّي اللّه عليهم اجمعين .

[ص 311] و معني قوله عليه السلم الّا باذنه كما في الٰاية الشريفة فهو انّ الاشياۤء بمشيّته دون قوله مؤتمرة و بارادته دون نهيه منزجرة فلمّا شاۤء امسك بمشيّته السماۤء فلاتزال قاۤئمة حتّي يأذن لها اَنْ تقع و امساكه بامره و اذنه بامره و امرُه هو مشيّته و محاۤلّ مشيّته و حَمَلتُها و اَلْسِنَةُ ارادته و كلماتُهَا اللهم صل علي محاۤلّ مشيّتك و اَلْسِنَةِ ارادتك و خزاۤئن كرمك و مفاتح غيبِك و اسلك بنا محجّتهم و منهاجَهم و توفّنا علي ولايتهم و محبّتهم و علي البراۤءة من اعداۤئهم و اجعلنا من انصارهم علي الحق في السر و العلانية يا ارحم الراحمين .

و قوله عليه السلم : و بكم ينفّس الهم نفّس بتشديد الفاۤء بمعني فرّجَ و وسع يقال نفّس عنه كربته اي فرّجَها و كان في نَفَسٍ من امره و النفس محركةً هنا بمعني السعة اي في سعةٍ من امره و الهمّ الحزن او الحزن قوِيّ الهمّ و هو مما يتعلّق بالقلب قيل انواع الرذاۤئل منها نفسانيّة و منها بدنيّة و منها خارجيّة و الأَوّل بحسب القُوَي التي للانسان العقليّة و الغضبيّة و الشهويّة و الهم و الحزن يتعلّق بالعقليّة و الجبن بالغضبية و البخل بالشهويّة و العجز و الكسل بالبَدنيّةِ و الضَّلْع و الغلبة بالخارجيّة اقول مراد القايل بالعقليّة النفسانيّة اي التي في الجانب الايسر من القَلْب ان كان للدنيا و ما يرتبط بها و يكون لها و ان كان ذلك الاعتناۤء و التّوجّه للٰاخرة او لما يرتبط بها و يكون لها سواۤء في تحصيلِ محبوبٍ او تخلُّصٍ من محذورٍ ففي الجانب الايمن فلمّا كان الهمّ لايخلو من احدهما و كان مصدر الدّاعيين من القلب من جانبه الايمن او الايسر و هو يطلق علي القلب قيل يتعلق بالعقليّة و الهم و الغم قيل يطلق احدهما علي الٰاخر لانهما بمعني الحزن او الغمّ بمعني التغطية لانه يغطّي السرور و الحلم و الهمّ بمعني الاعتناۤء بالشيء و توجّه النفس الي طلبه و جهة تحصيله او التخلص منه [ص 312] و قيل الهم لما سيكون و ينفي النوم و الغم لما كان و يجلب النوم و ربّما قيل بالعكس بان الغم لما يأتي و الهمّ لما مضي و العكس اشْهَرُ وَ اَظْهر و معني بكم يُنَفِّس الهمّ بِكم يفرّج الكرب و الضيق لان من اهتمّ لما سيقَعُ به محبوس العزيمة وَ الانبعاثِ في مطمورة هَمّه و كونُ ذلك التفريج بهم علي نحو ما مر .

و قوله عليه السلم : و يكشف الضرّ اي بهم يكشف الامراض و الاوجاع و سُوۤءُ الحال يعني يزيلها بهم لاجل وجودهم فيمن ابتلي بالضرّ كما قال تعالي و ماكان اللّه ليعذّبهم و انتَ فيهم اوْ لانّ من ابتلي بالضرّ انما هو بتقصيره في ولايتهم و اذا تسامح الولي و عفا عن حقّه كما قال تعالي و لقد عفا عنكم و قوله تعالي و يعفو عن كثير او انّ المبتلي تاب و رجع كما قال تعالي و انيبوا الي ربّكم و اسلموا له اي انيبوا الي اللّه سبحانه باقراركم بالولاية كلها لمن جعله اللّه سبحانه وليّاً و اسلموا له اي للولي بتسليم الامر له اوْ اسلموا للّه سبحانه بتسليم الامر لوليّ الامرِ الذي ولّاه اللّٰهُ الامر فاذا عفا صاحب الحق عن حقّه او تاب و ادّي المطلوب بالحق لولي الحق كشف اللّه تعالي الضر الذي هو اثر تقصيره في الولاية بسبب ولايتهم او لاجل اقامة ولايتهم اوْ اَنّ مقتضي انّيّة المكلّف استحقاق الضرّ و مقتضي ولاية محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله او مقتضي ذواتهم عليهم السلم كشف الضرّ فاذا اجتمع المقتضيان في محلٍّ واحد كان حكم الوجود و الغلبة للاقوي منهما و هو الولاية و لمّا كانت الولاية ولاية الولي المخلوق كانت غير مستقلّة بالاِحْداث بل كان ربّها و مالكها الحقّ سبحانه و تعالي هو الذي اجراها علي عبده و وليه و هو الذي خلقها سبحانه و خلق بها ما شاۤء فكان عَزّ و جل بها يكشف الضر و كذا اذا اردنا [ص 313] بالضمير في بكم الحقيقة ( المحمدية صلي الله عليه و آله ) حقيقةً كان تعالي بها يكشف لانها اسمه الاعظم و محلّ مشيّته و مظهر فعله و كذا اذا قلنا المراد من بكم بدعاۤئكم و غير ذلك و كيفيّة هذا الكشف في حق المكشوف به و المكشوف عنه و المكشوف يتوقّف بيانها علي تطويل و يشتمل علي بيان البيوت "٢" الّتي يتّخذها المكشوف به من المكشوف عنه ليستخرج منها مقتضياتها منها و هي المكشوف فيسكنها "-٢" المكشوف به مدة الاستخراج و تقع في المكشوف به ارادة الكاشف سبحانه و تعالي علي حسب مقتضي قوابل الجميع من المكشوف به و البيوت التي يسكُنُهَا و المكشوف عنه و المكشوف مع ما يتمّمها من قوابل الوقت و المكان و الاسباب الخارجة كالاوضاع و الاضافات و النّسب و غير ذلك ممّا يطول به الكلام و اتّخاذ هذه البيوت مما اشار اليه تعالي في تأويل قوله ان اتّخِذي من الجبال بيوتاً و من الشجر و ممّا يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً فتأويل ثم كلي من كلّ الثمرات هو معني بكم و تأويل فاسلكي سبل ربّك ذُلُلاً هو معني يكشف الضر فافهم او فاسئَلْ و تعلّم و سَلِّم تَعْلَمْ و اللّه سبحانه ولي التَوفيق .

قال عليه السلم : و عندكم ما نزلَتْ به رسله و هبطت به ملاۤئكتُه .

يراد من النزول الهبوط من اعلي معنويٍّ كالانبياۤء عليهم السلم فانهم حال التلقّي للوحي في مكان عالٍ علوّاً معنوياً لايصل اليه احد من اُمَمهِم الي اسفل حسيّ و هو مقامهم في التأدية و البلاغ الي اممهم او الهبوط من اعلي معنوي و حسيّ معاً كنبيّنا محمدٍ صلّي اللّه عليه و آله فانه حال التلقّي للوحي في اعلي مقامٍ معنوي كمقامِ اوْ اَدْنَي و حسيّ فانه صلي اللّه عليه و آله تجاوَز بجسمه الشريف مقام الاجسام حتي وقف في معراجه بجسمه الشريف علي [ص 314] كل جسم من اجسام الدنيا جزءٍ و كلٍّ في جَرْيةٍ من جريات البراق و علي كلّ جسم من اجسام الٰاخرة في الجرية الاخري كذلك فوقف علي كلّ جسم من النّشأتين في اوّل بدئه و آخر عوده و ما بينهما و كذلك وقف بجسمه و روحه علي كل قلبٍ و روحٍ و جسمٍ ممّا سواه و سوي اهل بيته عليهم السلم في الدنيا و الٰاخرة كما ذكرنا لك و وقف بجسمه صلي اللّه عليه و آله علي اجسام اهل بيته الطاهرين صلّي اللّه عليهم اجمعين و بعقله و روحهٖ علي عقولهم و ارواحهم وَ علي عقله و روحِهٖ صلي اللّه عليه و آله كذلك اي في النّشأتيْن في جَرْيتَيْنِ الي اسفل حسّيٍّ و هو مقامه في التأدية و البلاغ الي امّته ظاهراً و معنويّ و هو مقامه في التأديةِ و البلاغ الي عقولِهم و ارواحهم و نفوسهم و طباۤيعهم و مواۤدّهم و صورهم و الي جميع الحيوانات و النّباتات و المعَادنِ و ساۤئر الجماداتِ اِمّا بنزُولِهٖ الي مرتبة كلِّ واحدٍ منها او رفع مَا يُبَلِّغُه الي مقامه في تبليغِهٖ ايّاهَا او الي اعلي معنوي كما قال تعالي نزل به الروح الامين علي قلبك ، وَ يُرَاد من الهبوط النّزول من اعلي حسِّي يلزمه المعنوي الي اسفل حسّي او من اعلي معنوي الي اسْفل معنوي كما قال تعالي قيل يا نوح اهبط بسلام منّا و بركات عليك و علي امم ممن معك فانه مقام اعلي من حاله في السفينة و ان استلزمَ الاسفل الحسّي و الي اسفل معنوي كما قال تعالي قال اهبط منها فمايكون لَكَ اَنْ تتكبّر فيها . و الحاصل ان الفارق بينهما الاستعمال في المقامات المختلفة و الّا فهما ظاهراً بمعني واحدٍ في هذا المقام و الّا فقد يراد من النزول السكون و اللبث في المكان و المجاورة و الحلول فلايتّحدان اِلّا بتَمَحُّلٍ و لكن المقام يقتضي ارادة اتّحادهما ظاهراً او تقاربهما و علي هذا فان اعتبرنا الظاهر كان التعبير [ص 315] بهما في مقام كلّ منهما انّما هو لتحسين اللفظ برفع توهم التكرير و ان اعتبرنا التّأويل كان الانسب بالانبياۤء النزول لظهور النزول اذا ذكر مع الهبوط في المعنوي لعدم صعودهم عليهم السلم الصعود الحسّي و لاشرفيّته علي الهبوط و ان كان بمعناه كما ذكرنا في الفرق بين صاحب و ذو الّا اذا استلزم الحسّي كما قال في نوح عليه السلم فانه لا نقص فيه لانه جمع المعنوي و الحسّي فهو كالنزول و الانسب بالملاۤئكة عليهم السلم اذا ضمُّوا الي الانبياۤء عليهم السلم الهبوط لنقص مقامهم عن الانبياۤء و لنزولهم من الاعلي الحسّي فيلزمه الاسفل الحسّي و معني هاتين الفقرتين ظاهر و هو انّهم صلّي اللّه عليهم جامعون لجميع علوم ما كان و ما يكون فجميع ما نزل علي الانبياۤء عليهم السلم من الوحي و الكتب و ما سمعوه من الملاۤئكة و ما علموه من الجمادات و الحيوانات و جميع اِلْهَامَاتِهم من جميع ما حدّثهم به روح القدس و ساۤئر الملاۤئكة فهو عند محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله و جميع ما هبطت به الملاۤئكة مطلقاً سواۤء كانت الملاۤئكة ملاۤئكة الوحي او الالهام او التدبير للامر او زواجر السحاب او غيرهم كما اشار اليه سيد الساجدين عليه السلم في دعاۤء الصحيفة في الصلوة علي الملاۤئكة قال و حمّال الغيب الي رسلك و المؤتمنين علي وحيك ثم قال عليه السلم و الذين علي ارجاۤئها اذا نزل الامر بتمام وعدك و خُزَّانِ المطر و زواجر السحاب و الذي بصوت زجره يُسْمَعُ زَجَلُ الرعود و اذا سبّحت به حفيفة السحاب التمعت صواعق البروق و مشيّعي الثلج و البرد و الهابطين مع قطر المطر اذا نزل و القوّام علي خزاۤئن الرياح و الموكلين بالجبال فلاتزول و الذين عرّفتهم مثاقيل المياه و كيل ما تحويه لواعج الامطار و عواجلها و رسلك من الملاۤئكة الي الارض بمكروه ما ينزل من البلاۤء و محبوب الرخاۤء [ص 316] و السفرة الكرام البررة و الحفظة الكرام الكاتبين و ملك الموت و اعوانه و منكر و نكير و رُومان فتّان القبور و الطاۤئفين بالبيت المعمور و مالك وَ الخزَنة و رضوان و سدَنة الجنان و الذين لايعصون اللّه ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون الي غير ذلك فانّ هؤلاۤء و نظاۤئرهم من الملاۤئكة ينزلون باحكام ما وكّلوا به علي جميع الاشياۤء مثل ما اشار اليه عليه السلم و مثل قوله تعالي و اوحي ربّك الي النحل ان اتّخذي من الجبال بيوتاً الٰاية فما من ذرّة في الارض و لا في السماۤء الّا و عليها ملاۤئكة يؤدّون اليها جميع احكام خلقها و رزقها و مماتها و حياتها ممّا يتلقّونه من فوّارة القدر و كل ذلك عند الامام عليه السلم و كلّ شيء احصيناه في امام مبين و هو قوله تعالي و لا رطب و لا يابس الّا في كتاب مبين ، و في احتجاج الطبرسي عن ابي‌عبداللّه عليه السلم حديث طويل فيه قال لصاحبكم اميرالمؤمنين عليه السلم قل كفي باللّه شهيداً بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب و قال اللّه عز و جلّ و لا رطب و لا يابس الّا في كتاب مبين و علم هذا الكتاب عنده ه‍ ، و لو شرحتُ بعض ما اشار اليه عليه السلم في ذكر الملاۤئكة و ما اومَي اليه مما اقامهم اللّه فيه من تدبير امور العالم لتحيّر فيه ذو اللبّ الحكيم و لوقف عنده الماهر العليم الّا من علّموه فقبل وَ اتي اللّه بقلبٍ سليم . و امّا بيان الفقرتين علي ما اشرنا اليه فقد مرّ مكرّراً و علي ما اتت به اخبارهم عليهم السلم فذلك كثير متواتر معني فمنه ما رواه في البصاۤئر بسنده عن ابي‌جعفر عليه السلم قال ان للّه علماً عاۤمّاً و علماً خاۤصّاً فامّا الخاص فالذي لم‌يطّلع عليه ملك مقرّب و لا نبي مرسل و امّا علمه العامّ الذي اطّلعت عليه الملاۤئكة المقربون و الانبياۤء المرسلون فقد وقع ذلك كلّه الينا الحديث ، اقول هذا مما اشرتُ اليه بقولي فما من ذرّة في الارض و لا في السماۤء الخ ، [ص 317] و مرادي بقولي في الارض الارض الظاهرة و الارض الباطنَة ليشمل ما في الوجود الكوني باجمعه فانه ليس في الوجود الكوني ذرّة و لا دُرَّة الّا و قد وكّل اللّه بها ملاۤئكة في جميع ما لها و عليها و اعطاهم علم جميع جهات التصرف فيما وكلوا به و كذلك الانبياۤء عليهم السلم فيما ارسلوا به الي اممهم في جميع ما يراد منهم و اخبر الباقر عليه السلم ان جميع ذلك وقع الينا و فيه بسنده عن ضريس عن ابي‌جعفر عليه السلم قال سمعته يقول انّ لِلّهِ علمين علم مبذول و علم مكفوف فاما المبذول فانه ليس من شيء تعلمه الملاۤئكة و الرسل الّا و نحن نعلمه و اما المكفوف فهو الذي عنده في ام الكتاب اذا خرج نفذَ ه‍ ، اقول معني نفذ اي لا مردَّ له بخلاف العلم الاوّلي و الظاهر انّ المراد بالاوّل الذي هو المبذول هو صورة المعلوم كالصورة التي تكون في خيالك الّتي انتزعها الخيال من كون زيدٍ قاۤئماً اِمّا لانّك شاهدتَهُ قاۤئماً في آنٍ او اخبرتَ بقيامه في ذلك الٰان مثلاً فانه بعد ذلك الٰان يجوز ان يتغيّر فلو اخبرتَ بقيامه بعد ذلك الوقت و لم‌يكن زيد حاضراً عندك جاز فيه التغيّر و التبدّل و البقاۤء و اما العلم الثاني الذي هو المكفوف فهو نفسُ قيام زيد لا صورته المنتزعة الخياليّة بل هو العلم الحضوري و معني كونه مكفوفاً هو انه موجود حين هو موجود و ذلك في زمان وجوده و مكان حدوده و حيث لم‌يكن عنده سبحانه مضي و لا استقبال و لا امتداد فما يكون عندنا كان عنده ففي حال كونه مستقبلاً عندنا اذا اُخْبِرنا به حصل لنا صورته المنتزعة و هو لم‌يحصل عندنا فيجوز في الصورة التغيّر و التبدل و البقاۤء و هذا المستقبل عندنا هو عنده تعالي حاصل بنفسه في مكان حدوده و زمان وجوده حاضراً لا مستقبلاً كما عندنا فاذا خرج اي كان عندنا حاضراً بنفسه في زمان وجوده و مكان حدوده نفَذَ اي لم‌يمكن تغيّره و تبدّله يعني انه كان [ص 318] فلايمكن حين كان انه ماكان فهو يعلم الشيء بنفس الشيء لا بصورته لا غير و يعلم صورته بنفسها في الثلاث الصفحات كلّاً بما هي عليه صفحة ما لايجري في كونه البداء بعد كونه و صفحة ما يجري في كونه البداۤء و صفحة ما لايجري في كونه البداۤء بعد كونه و يجري البداۤء في بقاۤئه و ثباته و في فناۤئه و تبدّله و تغيّره فهذه الثلاث الصفحات من اللوح المحفوظ فالاولي منها جفّ فيها القلم و هو رطب في الثانية و الثالثة يجري فيهما بمشيّة اللّه سبحانه و الاولي لاتتعلّق المشيّة بشيء مما فيها الّا كما هو فيها فقد ختم فيها علي فم القلم فلاينطق ابداً و ذلك لان جميع ما في المرتبة الاولي ليس في شيء من الامكان الّا كما هو لا غير و فيه بسنده عن سدير قال سمعتُ حمران بن اعين يسئل اباجعفر عليه السلم عن قول اللّه تبارك و تعالي بديع السموات و الارض قال ابوجعفر عليه السلم انّ اللّه ابتدع الاشياۤء كلّها علي غير مثال كان و ابتدع السموات و الارض و لم‌يكن قبلهن سمواتٌ و لا ارضون اماتسمع لقوله تعالي و كان عرشه علي الماۤء فقال له حمران بن اعين ارأيتَ قوله عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً فقال له ابوجعفر عليه السلم الّا من ارتضي من رسول فانه يسلك من بين يديه و من خلفه رصداً و كان واللّهِ محمد صلي اللّه عليه و آله ممّن ارتضاه و اما قوله عالم الغيب فان اللّه تبارك و تعالي عالم بما غاب عن خلقه بما يقدّر من شيء يقضيه في علمه فذلك يا حمران علم موقوف عنده اليه من المشيّة فيقضيه اذا اراد و يبدو له فيه فلايمضيه فامّا العلم الذي يقدّره اللّه و يقضيه و يمضيه فهو العلم الذي انتهي الي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله ثم الينا و منه بسنده الي ابي‌بصير عن ابي‌عبداللّه عليه السلم قال انّ للّهِ علمين علم لايعلمه الّا هو و علم علّمه ملاۤئكته و رسله فما علّمه ملاۤئكته و رسله فنحن نعلمه و فيه بسنده الي ابراهيم بن عبدالحميد [ص 319] عن ابيه عن ابي‌الحسن الاول عليه السلم قال قلتُ جعلتُ فداك النبي صلي اللّه عليه و آله ورثَ علم النبيّين كلهم قال لي نعم قلتُ من لدن آدم الي ان انتهي الي نفسه قال نعم قلتُ وَرِثهم النبوّة و ما كان في آباۤئهم من النبوّة و العلم قال مابعث اللّه نبيّاً الّا و قد كان محمد صلي اللّه عليه و آله اعلمَ منه قال قلتُ ان عيسي بن مريم كان يحيي الموتي باذن اللّه تعالي قال صدقتَ و سليمن بن داود كان يفهم كلام الطير قال و كان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله يقدر علي هذه المنازل فقال ان سليمن بن داود عليه السلم قال للهدهد حين فقده و شكّ في امره ما لي لااري الهدهد ام كان من الغاۤئبين و كانت المردة و الريح و النمل و الجن و الانس و الشياطين له طاۤئعين و غضب عليه فقال لاعذّبنّه عذاباً شديداً او لاذبحنّه او ليأتينّي بسلطان مبين و انما غضب عليه لانه كان يدله علي الماۤء فهذا و هو طير قد اعطي ما لم‌يعط سليمن و انما اراده ليدلّه علي الماۤء فهذا لم‌يعط سليمن و كانت المردة له طاۤئعين و لم‌يعرف الماۤء تحت الهواۤء و كانت الطّير تعرّفه ان اللّه عز و جل يقول في كتابه و لو ان قرءاناً سيّرت به الجبال او قطّعت به الارض او كلّم به الموتي فقد ورثنا نحن هذا القرءان فعندنا ما نسيّر به الجبال و نقطع به البلدان و نحيي به الموتي باذن اللّه عز و جل و نحن نعرف ما تحت الهواۤء و ان كان في كتاب اللّه لٰاياتٍ مايراد بها امر من الامور التي اعطاها اللّه الماضين و المرسلين الّا و قد جعل اللّه عز و جل ذلك كله لنا في ام الكتاب ان اللّه تبارك و تعالي يقول و ما من غاۤئبة في السماۤء و الارض الّا في كتاب مبين الحديث ، و بالجملة ما ورد عنهم عليهم السلم مما هو صريح في ان جميع ما وصل الي الملاۤئكة و الانبياۤء و المرسلين بل و جميع الخلق من العلوم بكل نوع فهو عندهم كثير لايكاد يمكن حصره فعلي ما سمعتَ ممّا ذكرنا من [ص 320] الاحاديث قد يتوهّم انّ جميع ما عندهم هو جميع ما عند الملاۤئكة و الرسل و الانبياۤء فهم مساوون لهم و ليس كذلك و انّما ذلك انّ الانبياۤء و المرسلين و الملاۤئكة منذ خلقوا و كلّفوا بما يراد منهم من تدبير انفسهم و تدبير مَن دونهم مما وُكِّلوا به و ان اللّه سبحانه بعظيم فضله و جزيل منِّهٖ و لطيف صنعه و سابغ احسانه انهي اليهم علم ذلك كله و ما يتوقف ما يراد منهم عليه من علم و عمل و قد انتهي ذلك كله الي محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و عليهم و كان اللّه سبحانه قد خلق محمداً و آلَه صلي اللّه عليه و آله قبل خلق اولٰۤئك كلهم بالف دهر فبقوا في حجب الغيوب يسبّحون اللّه و يحمدونه و يهللونه و يكبّرونه يطوفون حول حجب الاسرار قاۤئمين باحكام الاقدار و لم‌يكن خلق معهم لا ارض و لا سماۤء و لا هواۤء و لا ماۤء و لا انس و لا جاۤنّ و قد اعطاهم اللّه الجواد المتفضّل من علوم تلك المقامات و المراتب ما انتظم به ذلك الوجود و لذلك عرف بٰاياته المعبود سبحانه كما اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلم في خطبته حيث قال لم‌تكن الدعاۤئم من اطراف الاكناف و لا مِن اعمدة فساطٖيطِ السجاف الّا علي كواهل انوارنا و نحن العمل و محبّتنا الثواب و ولايتنا فصل الخطاب و نحن حجبة الحجاب ( حجة الحجاب خ ) الخ ، و جميع ما وصل الي الملاۤئكة و الانبياۤء و المرسلين و من دونهم من الخلاۤئق من العلوم في العلوم التي وصلت اليهم من اللّه سبحانه و خصّهم بها و لم‌يطلع عليها احداً غيرهم كالقطرة في البحر الخضمّ الّذي لا ساحل له و يؤيده ما في كتاب المختصر للحسن بن سليمن بسنده قال وجد في ذخيرة احد حواري عيسي عليه السلم رق مكتوب بالقلم السرياني منقولاً من التورية و ذلك لما تشاجر موسي و الخضر عليهما السلم في قصّة السفينة و الغلام و الجدار و رجع موسي الي قومه [ص 321] سأله هرون عما استعلمه من الخضر و شاهده من عجاۤئب البحر قال بينما انا و الخضر علي شاطئ البحر اذ سقط بين ايدينا طاۤئر اخذ بمنقاره قطرة من ماۤء البحر و رمي بها نحو المشرق ثم اخذ ثانية و رمي بها نحو المغرب ثم اخذ ثالثة و رمي بها نحو السماۤء ثم اخذ رابعة و رمي بها نحو الارض ثم اخذ خامسة و القيٰها في البحر فبهتَ الخضر و انا قال موسي (ع) فسألتُ الخضر عن ذلك فلم‌يجب و اذا نحن بصيّادٍ يصطاد فنظر الينا و قال ما لي اراكما في فكر و تعجُّبٍ فقلنا في امر الطاۤئر فقال انا رجل صيّادٌ و عرفتُ اشارته و انتما نبيان لاتعلمان قلنا لانعلم الّا ما علّمنا اللّه عز و جل قال هذا طاۤئر في البحر يسمّي مسلم لانه اذا صاح يقول في صياحه مسلم و اَشار بذلك الي انه يأتي في آخر الزمان نبيّ يكون علم اهل المشرق و المغرب و اهل السماۤء و الارض عند علمه مثل هذه القطرة الملقاة في البحر و يرثُ علمه ابنُ عمِه و وصيّه فسكن ما كنّا فيه من المشاجرة و استقلّ كلُّ واحدٍ منا علمه بعد ان كنّا معجبين و مشينا ثم غاب الصيّاد عنا فعلمنا انه ملك بعثه اللّه عز و جل الينا يعرّفُنا بنقصِنا حَيث ادّعينا الكمال ه‍ ، و في بصاۤئر الدرجات باسناده الي ابي‌جعفر (ع) قال لما لقي موسي (ع) العالم كلّمه و ساۤئَله نظر الي خطّافٍ يصفر يرتفع في السماۤء و يتسفّل في البحر فقال العالم لموسي اتدري ما يقول هذا الخطّاف قال و ما يقول قال يقول و رب السماۤء و ربّ الارض ما علمكما في علم ربكما الّا مثل ما اخذت بمنقاري من هذا البحر قال فقال ابوجعفر عليه السلم اما لو كنتُ عندهما لسألتهما عن مسألةٍ لايكون عندهما فيها علم ه‍ ، و فيه عن ابي‌عبداللّه (ع) و هو في الحجر فقال و ربِّ هذه البنية و ربِّ هذه الكعبة ثلاث مرات لو كنتُ بين موسي و الخضر لاخبرتهما اني اعلم منهما و لانبأتهما بما ليس في ايديهما ه‍ ، و في بعض روايات [ص 322] الحديث الاول و اخذ قطرة فرمي بها نحو الشمال و اخري نحو الجنوب او كما قال او كمعناه و كلامهم عليهم السلم و ادعيتهم و خطبهم و احاديثهم صريحة في هذا المعني و انّما قال عليه السلم و عندكم ما نزلت به رسله و هبطت به ملاۤئكته علي ما هو الشأن الاعلي عند العواۤمّ .