اقول الذي وجدته في نسخة انيس السّمراۤء هكذا و هو المكوِّن بكسر الواو و نحن المكان و في النسخة بضم الميم بمعني المكوَّن بفتح الواو و يجوز ان يكون بفتح الميم بمعني المكوّن بفتح الواو و انّما اطلق عليه لانّه محلّ التكوين او قابل التكوين و يحتمل انه و نحنُ الكان بغير ميم قبل الكاف اي الممكن قال في مجمع البحرين و في الحديث ان اللّه كان اذ لا كان اي لميكن شيء من الممكنات فخلق الكانَ اي الممكن الكاۤئن كذا عن بعض الشّارحينَ و هذا المقصد الثالث لاهل العصمة عليهم السلم و طريق كمّل شيعتهم في الرّجعة و لمحمد و آله صلي اللّه عليه و آله حال اخبروا عنه في احاديثهم علي ما رواه كثير من علماۤئنا و هو قول الصادق عليه السلم لنا مع اللّهِ حالات نحن فيها هو و هو نحنُ و هو هو و نحْن نحنُ و قول الحجة عليه السلم في دعاۤء شهر رجب كما تقدّم يعرفُكَ بها مَن عَرَفك لا فرق بينك و بينها الّا انَّهُمْ عبادُكَ و خلقك الدعاۤء ، و قد تتّحد هذه الحال مع المقام الثالث و قد يتعددان و التعدُّدُ بالاعتبار .
و قوله عليه السلم اَيْضاً مَنْ ارَادَ اللّهَ بَدأَ بِكم يُرَاد به من اَرَادَ وَجْهَ اللّٰهِ [ص 248] و التقرّبَ اليه بالاعمال الصّالحة بَدَأَ بكم يَعْني اَخَذهَا عنكم و سلّم اليكم و فوَّض في ذلك كله اليكم ظاهراً بالقول و العمل و باطناً بالاعتقاد و الاعتماد مشفوعة بحبّكم و ولايتكم لانّ ذلك شرط في قبولها و تزكيتها و النظر اليها كما دلّت عليه اخبارهم و قد ذكرناه مراراً و قوله عليه السلم ايضاً مَنْ اراد اللّهَ بدأ بكم يراد به انّكم سبيله الي عباده و سبيل عباده اليه فمن سلك الي اللّه من غيركم فكأنما خَرَّ من السَّماۤءِ فتخطفه الطير او تهوي به الريح في مكانٍ سحيقٍ فلايصل الي اللّه و لايصعد اليه منْ عملِهٖ شيء لانّ اللّه لميجعل له طريقاً موصلاً اليه غيرهم اَوْ انّ مريد اللّه تعالي لايقدر علي الوصول الي الممكن له من القرب الّا بهم لانّهم صلي اللّه عليهم يقوّون العباد علي التوصّل الي نهايات حظوظهم من خيره تعالي لانهم جعلهم اللّه اعضاداً لخلقه و اشهاداً و مُناة و اذواداً و حفظة و روّاداً و معني اعضاد يقوّون كلّ ضعيف و يتمِّمُون كل ناقص و يرشدون كلّ ضاۤلّ حتّي يبلّغوه كلّ ما لَهُ من الوجود و اشهادٌ له و عليه و مُنَاة يقدّرون كلّ شيء بعمله فيما هو عليه من السعادة و الشقاوة و الغني و الفقر و القوّة و الضعف و غير ذلك باذن اللّه و امره الذي حمّلهم ايّاهُ و اذواد يمنعون كلّ شيء عمّا ليس له لعَدم قبولِه لَهُ و حفظة اي معقبات من مستقبله و ماضيه يحفظونه من امر اللّه و روّاد في الخير قادة و دعاة و ادلّاۤء و في الشر ساۤئلون و محاسبون و تاركون و مُبَوِّؤُنَ كلّاً مسكنه من الجنّة او النار او من اراد اللّه استشفع بكم اوّلاً او قدّمَكم اَمام طلبته مقسماً علي اللّهِ عز و جل بكم لانه تعالي لايردّ ساۤئلاً اقسم عليه بكم او لانّكم اسماۤؤهُ التي يُدعَي بها و صفاته التي يعرف بها و نعمه التي يسئل من فاضلها و خزاۤئن رحمته التي ينفق منها او من اراد اللّه بدأ بكم في الارادة لتعذر ارادة اللّه بدون ارادتكم لانكم جهته و وجهه الّذي يتوجّه اليه من اراد اللّه او مَنْ اراد اللّه بدأ بكم [ص 249] اي ارادكم ليكون بكم مُريداً لِلّهِ بارادتكم اي بفاضل ارادتكم او وجودكم او كرمكم و جُودكم او بتعليمكم او بدلالتِكم و ارشادكم او بقيّوميّتكم و حفظكم له او من اراد اللّه لزمه ان يريدكم اوّلاً لانكم واسطة بينه و بين جميع خلقه فاذا اراد اللّه بايّ معني ممّا ذكر و غيره فالارادة و المراد من اللّه او للّه او باللّه و المريد كلها مخلوقة للّهِ و هم الواسطة في ذلك كلّه فلا بُدَّ ان يبدأَ بالواسطة و الّا لميكونوا في حال عدم البدءِ بهم واسطة و قد تقدّم بيان كونِهمْ عليهم السلم وَاسِطَةً في كلِّ شيءٍ مراراً فراجع ان توقّفتَ في معني ذلكَ .
و قوله عليه السلم : و مَن وحّده قَبِلَ عنكم ما ذكره الشّارح (ره) في بيان هذه الفقرة الّا ان الوجه الثالث و هو قوله اوْ عُرِفَ التّوحيد و غيرهُ من المعارف من قولكم لايجري علي ظاهر اللفظ و انّما يصح علي التأويل بمعني انّ من عرف التَّوْحٖيد و غيره من المعارف الحقّة قد قبل عنكم ما قلتم في بيانه و تعريفه و وصفه و الّا لميعرف التوحيد فاذا رأينا اعتقاده صحيحاً و قوله حقّاً حكمنا بانه قد قبل الحقّ لمّا جاۤءَهُ منهم و ذلك لما قام عليه البرهان عَقْلاً و نقلاً انّه لايكون عند احدٍ من الخلق حقّ الّا ما كان عنهم لا فرق بين اوّل الخلق و آخرهم فيلزم كلّ ذي حقٍّ قَبُولُه لمَا عَلِمَ من الحَقّ و قبوله مِنْ مُفيضِ ما قبِل من الحقّ و لَوْ لميقبل من المفيض للحَقّ لميَقْبَلِ الحَقَّ فَاِذَا قَبِل الحَقّ لزمه انّه قبِل عن مفيضه و المتفضِّل به و عن جَميع ما هو سبب في كونه اوْ ايصاله و لمّا ثبت انهم عليهم السلم هم سبب كون كلّ حق لجميع من سواهم من الخلق و سببُ ايصاله بل و سبب قبوله فبمثل هذا التوجيه يتّجه كلامه رحمه اللّه في كونه تفسيراً لقوله عليه السلم و مَنْ وحّده قبلَ عنكم بل كل وجوهه السّتّة تحتاج في تطبيقها [ص 250] علي ظاهر كلامه عليه السلم الي نحو ما وجّهنا به الوجه الثالث فانّ قوله رحمه اللّه في الوجه الاوّل اي كلّ من يقول بتوحيد اللّه يقبل عنكم فيه لقاۤئل ان يقول كثير ممّن يقول بتوحيد اللّه و هو ناصب لهم العداوة قد جعل ديدنه الردّ عليهم فاين قبوله عنهم لكن اذا وجّهناه قلنا المراد بالقول بتوحيد اللّه القول الحقّ و لايحصل لاحد من الخلق الّا بالقبول عنكم لانّه اذا لميكن طريق الي الحقّ الّا منهم فلا بدّ من القبول منهم او يكون ليس قوله حَقّاً و تعليله (ره) بانَّ البرهان الدال علي التوحيد دالّ علي وجوب نصب خليفةٍ معصومٍ لايلزم منه ان من قال بالتوحيد قبِل عنهم فانّ هذا لايلزم في حق الانبياۤء عليهم السلم و لا اوصياۤئهم عليهم السلم و لا في احدٍ من المؤمنين لانّ كلّ من سواهم لَمْيكن باباً لجميع ما افَاض اللّهُ من العلوم و المعارف و غيرهما ليصدق عليه انّ من وحّد اللّهَ قبِل اي لزمه القبول عن ذلِك الباب و انّما ذلك خاۤصّ بهم عليهم السلم و في الثاني تفسير لمفهوم كلامه عليه السلم و هو متّجه علي قصدِ ارادةِ كونِهم عليهم السلم بابَ كلِّ شيءٍ و ارادة اللزوم المذكور الّا انّه في الثاني اظهر و في الرابع و هو قوله او نهاية مراتب التوحيد لايوصل اليها الّا بمتابعتكم ، انّ كلامه هذا يدلّ علي انّ كلّ ما دون النهاية من مراتب التوحيد يمكن الوصول اليها بدون متابعتهم فان اراد المتابعة الظّاهرة امكن ان يقال لا بأس به لو ● اردنا علي ما تفهمه العوام فان اكثر المراتب انّما تعرف بعقولهم حتي انّا نُقِلَ لنا قول بعضٍ ممّن يقال انّه من الشيعة انّه قال نحن لانحتاج الي الائمة عليهم السلم في المعارف و الاعتقادات لانّها امور عقلية و انّما نحتاج اليهم في الشرعيّات و ان اراد ما في نفس الامر فهو خطأ لانّ العقول كلّها جميع انوار بصاۤئرها من فاضل انوارهم فاذا اردنا ان نعرّفك حقيقة عقل زيد قلنا انّ العقل الكلي الّذي هو [ص 251] من امر اللّهِ ملك له رؤس بعدد الخلاۤئق من ولد و من لميولد فلزيد رأسٌ من العقل يخصه و هو علي صورته في متعلّقه من زيد فاذا تم نموّ دماغ زيد مثلاً ظهر نور ذلك الرأس و اشرق علي دماغِ زيد فاستضاۤءةُ دماغِ زيد بذلك النور المشرق من ذلك الرأس المختص به هي عقله فعقل زيد هو استضاۤءة دماغه باشراق نور ذلك الرأس و ذلك الرأس وجه من ذلك الملك و ذلك الملك هو عقلهم عليهم السلم فعقلهم الذي هو الملك الكلّي الذي هو من امر اللّهِ كالشمس و عقل زيد كاستضاۤءة الجدار المشرقة باشراق نور الشمس علي وجه الجدار فكما ان استضاۤءة الجدار انما هي عبارة عن اشراق نور الشمس علي وجهه فلا قوام لها الّا بوجود الاشراق كذلك عقل زيد انما هو عبارة عن اشراق وجه ذلك الرأس من الملك فلا قوام له الّا بوجود اشراق ذلك الرأس و الاشراق من كل منير ليس الّا عبارة عن ظهور المنير بصفته لمن ظهر له و قد دلّت الاخبار المستفيضة و العقول المستريضة بانوارهم عليهم السلم علي ان جميع عقول الخلق انما هي ظهورات العقل الكلي و تعلّقاته فكيف يستغني الظهور عن الظاهر و كيف يتحقق للظهور وجود او اظهار لشيء بغير الظاهر و كيف يستغني شيء عن علله الاربع حتي يفرض له تقوّم او شيئيّةٌ بدونها فاذا عرفت ذلك ظهر لك ان جميع مراتب التوحيد من البداية الي النهايَة لايوصل الي شيء منها لشيء من الخلق الّا بمتابعتهم و لكن من لميعرف ما هم عليه مما رتّبهم اللّه سبحانه فيه من مراتب امثاله تعالي و افعاله لايري انّ الاشياۤء بهم قامت و انّهم عِلَلُ اكوانِها و اعيانها علي نحو ما اشرنا اليه سابقاً و في الخامس تفسير للمفْهوم و هو حسن جارٍ علي ما ينبغي و في السادس من الوجوه التي ذكرها رحمه اللّه سِرٌّ مستور ان ارادَهُ فقد تفوّق و تعمّق و هجم علي كنزٍ من العلم لاينفد ان كان قصده تفصيله و ان عني اجماله فحسن و لكن [ص 252] لايستخرج الكنز الذي لاينفد لان مجمله ينفد و الاشارة الي بيان ما ذكرنا علي سبيل الاختصار انه قال عليه السلم و مَن وَحّده قبل عنكم و الشارح رحمه اللّه قال او من عرف اللّه حق معرفته فهو يقبل منكم كلّ ما تقولونه لانه اذا عرف اللّه حقّ معرفته فقد عرف جميع الشروط المتوقّف عليها حقيّة المعرفة و ركن الشروط المذكورة بل كلّها معرفتهم في رتبتهم من المقامات و المعاني و الابواب و في ولايتهم من احكام ربوبيّة و ارشادٍ و هداية و حفظٍ و تقدير و ايرادٍ و ذَوْدٍ و معونةٍ و نصرة و خذلان منوطة بكلّ الخلق اجراها العليم الحكيم بهم علي جميع الخلاۤئِق و هم صلي الله عليهم اذْ ذٰاكَ عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم مما لميفعلوه و ما خلفهم مما فعلوه او بالعكس علي الاحتمالَيْنِ و لايشفعون لشيءٍ من الخلاۤئق باعطاۤء و تمكين و تمكّن و حفظ و معونة الا لمن ارتَضي دينه ممّن تولّاهم و تبرّأَ من اعداۤئهم و سلّم اليهم و لميجد في نفسه شيئاً ممّا فعلوه و قالوا به و اخبروا به عن انفسهم فيما لهم و فيما لاتباعهم و فيما علي اعداۤئهم و يسلّم تسليماً و هم من خشيته مشفقون خاۤئفون من ان يروا انفسهم في شيء ممّا ذكرنا و غيره و من يقل منهم اني الٰه من دونه فذلك نجزيه جهنّم كذلك نجزي الظَالمين اي و من يقل من اعداۤئهم انّي استغني عن الولي الذي جعله اللّه محلّ مشيّته و لسانَ ارادته في شيء قليل اَوْ كثير من الوجود الكوني اَوْ شرعه و الوجود الشرعي او شرعه فذلك نَجْزٖيه جهنّم لان مَنْ وجد في نفسه انه مستغنٍ عنهم بنفسه او بشخصٍ غيرهم فقَد اشرك باللّهِ من حيث لايعلم لانّ اللّه تعالي اَمره بالاخذ عنهم و التسليم لهم و اَنّ الراۤدّ عليهم راۤدّ علي اللّهِ و الراۤدّ علي اللّهِ مشرِك و قد اخبر اللّه تعالي عن حكمهم و انهم مشركون حيث يقول و يوم نحْشرهم جميعاً ثم نقول للّذين اشركوا اين شركاۤؤكم الذين كنتم تزعمون [ص 253] ثم لمتكن فتنتهم الّا ان قالوا واللّهِ ربّنا ماكنّا مشركين يعني ماوضعوا اصناماً ظاهرة يعبدونهم من دون اللّه و يصلّون لهم و لٰكنّهم اتخذوا رجالاً من دون وليّ اللّه فامروهم بخلاف ما امر اللّه فاطاعوهم في خلاف امر اللّه فعبَدوهم من حيث لايعلمون فَردّ عليهم سبحانه فقال انظر كيف كذبوا علي انفسهم و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون ، و قال الصّادق عليه السلم حكاية عنهم هيهاتَ فات قوم و ماتوا قبل ان يهتدوا و ظنّوا انّهم آمنوا و اشركوا من حيثُ لايعلمون ، و لايعرف اللّهَ احدٌ حقّ معرفته حتّي يأتي بالشروط التي تتوقّف عليها المعرفة و هذه الشروط كلّها معرفتهم عليهم السلم كما وصفتُ لك و فسّرتُ الٰاية به فاذا كٰانَ كذلك فكيف لايقبل عنهم و هو قد قَبِلَ عنهم لانّه قبِل العلمَ و المعرفةَ و التوحيدَ عنهم و لو لميقبل لميعلم و لميعرف اذ لايكون ذٰلِك من غيرهم .
و قوله عليه السلم : وَ من قصده تَوجَّهَ بِكم اي و مَنْ قصده من حيثُ القصدِ الذي امرَ به لما لايملكه غيره من خير الدنيا و الٰاخرة لان كلّ شيء فانّما يطلب منه و لايوجد عند غيره كما قال في محكم كتابه من كان يريد ثوابَ الدنيا فعند اللّه ثواب الدنيا و الٰاخرة و هذا العند خزاۤئنه في عالمه الّتي لاتنفد ، توجّه بكم اي استشفعَ بكُمْ ليَسْتَجٖيبَ له فيستجيبُ له و لايردّ مَن سألَهُ بكم و ذلك لانّهم صلّي اللّه عليْهِم في الحقيقةِ هم خزاۤئنُ المَطَالِبِ كلّها لانّهم خزّان اللّه في ارضه و سماۤئه ففي البصاۤئِر عن الثمالي عن ابيجعفر عليه السلم في قولِ اللّهِ تَبارك و تعالي صراطِ اللّه الَّذي لهُ ما في السمواتِ و مَا في الارض الا الي اللّه تصير الامور يعني عليّاً انّه جعل علياً خازنه علي ما في السموات و ما في الارض مِنْ شيء و ائتَمنه عليه ه ، اقول ما تفيد العموم فكلّ شيء فعندهم خزاۤئنه و هم خزاۤئنه و عندهم مفاتحه و هم مفاتحه و امّا قوله عليه السلم يعني [ص 254] عليّاً فيريد اَنّ معني الا الي اللّه تصير الامور انّها تصير الي عليّ عليه السلم و بيان ذلك ان الامور حادثة مخلوقة و الحادث المخلوق لايصل الي القديم و لايرجع اليه سبحانه لانه متعال عن كل شيء و انّما المعني انّ الامور ترجع و تصير الي امره تعالي و امره تعالي جعله عند وليّه فالمصير اليه مصير الي اللّه و الراۤدّ اليه راۤدٌّ الي اللّه تعالي و قد قال اللّه تعالي ان الينا ايابهم ثم انّ علينا حسابهم و قد دلّت الادلّة القاطعة مع الاجماع علي ان اياب الخلق اليهم عليهم السلم و حسابهم عليهم فان الاخبار متواترةٌ معني بذلك كما في هذه الزيارة الشريفة و اياب الخلق اليكم و حسابهم عليكم و فصل الخطاب عندكم فهذا معني قوله عليه السلم في بيان الا الي اللّه تصير الامور يعني علياً مراده ان اللّه سبحانه بقوله الا الي اللّه اي الَا الي عليّ عليه السلم لان علياً عليه السلم جعله اللّه وليّ الامور فالرجوع الي اللّه رجوع اليه ثم انه بين عليه السلم معني قوله يعني علياً فقال انه جعل عليّاً خازنه علي ما في السموات و ما في الارض من شيء و ائتمنه عليه ه ، و هذا ظاهر لاينكره الّا اهل الغباوة و من طبع اللّه علي قلبه و جعل علي بصره غشاوة لانّ هذا اليوم قد انعقد علي معناه اجماع الفرقة المحقة و هو حال متوسطة بين قول الغالي و قول القالي امّا الغالي فيبطل قوله قولنا انّ اللّه سبحانه متعالٍ عن الحوادث لاتصل اليه و انّما اصطفي من خلقه عباداً معصومين مطهّرين مكرمين لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و ولّيٰهم جميع امور سلطنته علي خلقه و ليس هذا تفويضاً كما يتوهمه الجاهلون لانّ التفويض لو قيل بانه جعل الامور اليهم و رفع يده و هذا كفر و شرك كما تقدم و انّما نريد انه جعل الامور اليهم فهم بامره و هدايته و قدرته يعملون يدبّرهم فيما ولّاهم عليه كيف شاۤء لايتحركون و لايسكنون و لايريدون و لايتركون الّا بقدرته و مشيّته و امره في كل [ص 255] جزئيّ جزئيّ و هم عليهم السلم قد اخبروا بهذا كلّه في جميع ما ورد عنهم فالمنكر لهذا منكر لهم و قالٍ لهم الاتسمع قولهم الحق اجعلوا لنا ربّاً نؤب اليه و قولوا فينا ما شئتم ، و امّا القالي فهو من وضعهم و ازالهم عن هذه الرتبة التي رتّبهم اللّه فيها سبحان اللّه ما اكثر ما اردّد هذه المعاني في هذا الشرح و غيره مما جري به قلمي و نطق به فمي و الاغيار ينكرون كأنهم لايسمعون بل قلوبهم في غمرة من هذا و لهم اعمال من دون ذلك هم لها عاملون .
و الحاصل لمّا كانوا عليهم السلم خزّانه سبحانه و تعالي في ارضه و سماۤئه و في جميع عالمه كما قال عليه السلم في خطبته يوم الغدير و يوم الجمعة كما رواه الشيخ في المصباح و قد ذكرته فيما مَضَي و اذكره هنا تذكرة لمن يخشي قال في خطبته عليه السلم و اشهد انّ محمداً عبده و رسوله استخلصه في القدم علي ساۤئر الامم علي علمٍ منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناۤء الجنس و انتجبه آمراً و ناهياً عنه اَقامه في سَاۤئر عالَمِهٖ في الاداۤء مقامَهُ اِذْ كان لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثّله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الّا هو الملك الجبّار ، اقول تأمل قوله عليه السلم اقامه في ساۤئر عالَمِهٖ في الاداۤء مقامه ثم ذكر العلّة في ذلك لانه تعالي لاتدركه الابصار الخ ، فوجب في الحكمة ان يتولّي امر الخلق مَن هو من الخلق لتدركه ابصارهم و يفهمون كلامه فاقام محمّداً صلي اللّه عليه و آله في ساۤئر عالمه تعالي اي في جميع خلقه في الاداۤء اليهم ما شاۤء اللّه تعالي ان يؤدّيه اليهم مقامَهُ ثم انه عليه السلم ذكر بعد هذا الكلام آلمحمد صلي اللّه عليه و آله فقال و ان اللّه تعالي اختصّ لنفسه من بعد نبيه صلي اللّه عليه و آله من بريّته خاۤصّة علّاهم بتَعْليتِه و سما بهم الي رتبته و جعلهم الدعاة [ص 256] بالحق اليه و الادّلاۤء بالارشاد عليه لقرنٍ قرْنٍ و زمنٍ زَمنٍ انشأهم في القدم قبل كل شيء مذروۤء و مبروۤء انواراً انطقها بتحميده و الهمَها شكره و تمجيده و جعلها الحجج علي كل معترفٍ له بملكة الربوبيّة و سلطان العبوديّة و استنطق بها الخرَسات بانواع اللغات بخوعاً له بانه فاطر الارضين و السموات و اشهدَهم خلقَ خلقِهٖ و ولّاهم ما شاۤء من امرِه جعلهم تراجمة مشيّتِهٖ و السُنَ اِرَادَتِهٖ عبيداً لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفَهُمْ و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون يحكمون باحكامه و يستنّون بسنّته و يعتمدون حدودَهُ و يؤدُّون فرضه الخطبة ، و قوله عليه السلم في القدم يراد بالقدم القدم الامكاني الذي هو اوّل الامكان الراجح لا القدم الذي هو الوجوب و الازل تعالي اللّه عما سواه علوّاً كبيراً فتدبّر هذه الكلمات من خطبته عليه السلم يظهر لك صحة ما اشرتُ اليه لانّي لااقول الّا بقولهم و لكن بحمد اللّه سبحانه و فضله و فضلهم علّموني مرادهم من كلامهم و مَن ادّعي ما ليس فيه كذّبته شواهد الامتحان فلمّا كانوا خزّانه سبحانه في ارضه و سماۤئه و في ساۤئر عالمه كان مصير الامور اليه مصيرها اليهم لما قلنا فهم خزاۤئن جميع مطالب الخلاۤئق و مقاصدها فيكون من قصد اللّه في حاجةٍ او باداۤء امرٍ امرَهُ به او اجتناب نهيٍ نهاه عنه او لمعرفته و معرفة ما اراد من صفاته و اسماۤئه و كتبه و رسله و حججه عليهم السلم يعني مَن قصد اللّه تعالي في شيء من الاشياۤء توجّه بهم اي استشفع بهم او سلك في طريقه الي اللّه تعالي طريقهم او جعلهم ادلّاۤء علي اللّه تعالي اوْ انهم وجهه و اذا قصد اللّه توجه بقلبه و عمله و لسانه بوجهه تعالي و جهته و هم وجهه و هم جهته او سلك طريقه و سبيله و هم طريقه و سبيله او يستضيۤءُ في طريقه الي اللّه تعالي بنورهم اوْ انهم عَضُدُ وجودِ القاصد الي اللّه تعالَي او سأل اللّه تعالَي بهم كما هو عادة من عرفهم [ص 257] و من لميعرفهم امّا من لميعرفهم فانّه يتصوّر كريماً علي من يملك حاجته فيسأله به فقد يتوهم انّ ذلك الكريم حُجْزة كريمة علي مالك حاجته فيسأله بها و في الحقيقة لايملك حاجة احد من الخلق الّا اللّه تعالي و لا اكرم عليه من محمد و آله صلي اللّه عليه و آله فاذا سأل الساۤئل مالكاً بكريم عليه فقد عني في التصوّر المالك و الكريم عليه و اصاب و قد اخطأ في التصديق حيث جعل المالك زيداً او شجراً و جعل الكريم عليه الذي يسئله بجاهه عمراً او شيئاً آخر و ان كان قد اخطأ الطريق لجهله او عناده الذي غطّي نور بصيرته لكن قد يدرك حاجته لمحض عنايته في التصور الاجمالي و اما من عرف فانه يخصصهم باسماۤئهم ففي جامع الاخبار و الامالي بالاسناد الي معمّر بن راشد قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلم يقول اتي يهوديٌّ النبيَ صلّي اللّه عليه و آله فقام بين يديه يحدّ النظر اليه فقال يا يهودي حاجتك قال انت افضل ام موسي بن عمران عليه السلم النبي الذي كلّمه اللّه و انزل عليه التورية و العصي و فلق له البحر و اظلّه بالغمام فقال له النبي صلي اللّه عليه و آله و سلم انه يكره للعبد ان يزكي نفسه و لٰكني اقول ان آدم عليه السلم لمّا اصاب الخطيۤئة كانت توبته ان قال اللهم اني اسألك بحقّ محمد و المحمد لمّا غفرتَ لي فغفرها اللّه له و انّ نوحاً لمّا ركب في السفينة و خاف الغرق قال اللهم اني اسألك بحق محمد و المحمد لمّا انجيتني من الغرق فنجّاه اللّه منه و ان ابراهيم لمّا القي في النار قال اللهم اني اسألك بحق محمد و المحمد لمّا انجيتني منها فجعلها اللّه عليه برداً و سلاماً و ان موسي لمّا القي عصاه و اوجس في نفسه خيفة قال اللهم اني اسألك بحق محمد و المحمد لمّا آمنتنٖي فقال اللّه جل جلاله لاتخف انك انت الاعلي يا يهودي ان موسي لو ادركني و لميُؤْمِنْ بي و بنبوّتي مانفعه ايمانه شيئاً و لانفعته النبوّة يا يهودي [ص 258] و من ذرّيّتي المهدي اذا خرج نزل عيسي بن مريم لنصرته فقدّمه و صلّي خلفه و في قصص الراوندي باسناده عن الرضا عليه السلم قال لمّا اشرف نوح (ع) علي الغرق دعا اللّه بحقّنا فدفع اللّه عنه الغرق و لمّا رُمِي ابراهيم عليه السلم في النار دعا اللّه بحقّنا فجعل اللّه النار عليه برداً و سلاماً و ان موسي عليه السلم لمّا ضرب طريقاً في البحر دعا اللّه بحقّنا فجعله يبساً و ان عيسي عليه السلم لمّا اراد اليهود قتله دعا اللّه بحقّنا فنُجّي من القتل فرفعه اليه ه ، و العارفون بهم في معرفتهم علي مراتب لاتتناهي و فيها قال صلي اللّه عليه و آله و قال الصادق عليه السلم ايضاً لو يعلم ابوذرّ ما في قلب سلمن لقتله او لكفّره ، و لايعرفهم كنه معرفتهم الّا الذي خلقهم و هم يعلمون من ذلك ما علّمهم اللّه تعالي وَ الّذٖي كتبتُ لكَ فوق معرفة الجمهور و هو يدور علي ستّة استارٍ كلّ ستْرٍ تحته الف معني اثنان منها مذكورانِ في الكتب و علي السن العلماۤء و هما الظاهر و الباطن و اثنان منها عند العرفاۤء و عند اهل التصوّف و هما ظاهر الظاهر و التّأويل و كلّ طاۤئفة تتكلّم فيهما علي حسب ما تذهب اليه و تعتقد فبعض منهم يصيب الحق و هو يعلم و ما اقلّ هذا البعض علي ما رأيت ممّن شافهتُ او نظرتُ في كتبه و بعض يصيبُ الحقّ و لايعلم و اكثرهم يخطئون و كذلك اصحاب الظاهر و الباطن :
و لكلّ رأيتُ منهم مقاماً شرحُه في الكتاب ممّا يطولُ
و اثنان منها و هما باطن الباطن و باطن التأويل فلايكاد يوجدانِ في السطور و قد يوجدان في الصّدور سيّما باطن الباطن و قد ملأتُ منهما كتُبي و رساۤئلي لاسيّما هذا الشرح و لٰكنّي اكنّي عن ذلك خوفاً عليه و عليَّ و علي من يسمعه كما قال :
اخاف عليك من غيري و منّي و منك و من مكانك و الزمانِ
و لو انّي جعلتُكَ في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني [ص 259]
و كم ساۤئل يسأل عن ذلك فبعضٌ اسكت عنه و بعض اسوّفه و بعض اعطيه من جراب النورة و بعض اقول له لايجوز لك ان تسئل عن هذا :
و مستخبرٍ عن سرِّ ليلَي اجبتُه بعَمياۤءَ من ليلَي بلا تَعْيين
يقولون خبّرنا فانتَ اَمينُها و ما انا اِنْ خبّرتُهم باَمٖينِ
و يكفيك قول سيد العابدين عليه السلم :
اني لاكتمُ من علمي جواهرَهُ كي لاتري الحقَّ ذو جهلٍ فيَفتَتِنَا
و قد تقدّم في هذا ابوحسن الي الحسين و اوصي قبله الحَسَنا
و رُبَّ جوهرِ علمٍ لوْ اَبُوحُ به لقٖيلَ لي انتَ ممّن يعبُدُ الوثَنَا
و لاستحَلَّ رجالٌ مسلمونَ دَمٖي يرون اقبحَ ما يأتونه حَسَنَا
فخذها قصيرةً من طويلة .
قال عليه السلم : مواليّ لااحصي ثناۤءَكم و لاابلغُ من المدح كنهكم و من الوصف قدركم و انتم نور الاخيار و هداة الابرار و حجج الجبّار .
قال الشارح رحمه اللّه مواليّ منادي لااحصي ثناۤءَكم كما انه لايمكن الثناۤء علي اللّه لانه لايمكن لغيرهم معرفة كمالاتهم كما روي في الاخبار الكثيرة انه قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله يا عليّ ماعرف اللّهَ الّا انا و انت و ماعرفني الّا اللّه و انت و ماعرفَك الّا اللّه و انا و انتم نور الاخيار اي كيف احصي ثناۤءكم و امدحكم كنه مدحكم و اصف قدركم و الحال انكم نور الاخيار اي منوّرهم و مُعلِّمُهم و هاديهم مع انه لايمكنني معرفة الاخيار من النبيين و المرسلين و الملاۤئكة المقرّبين اوْ انتم كالشموس من بينهم و لايمكن رُؤْية الشمس كما ان البصر عاجِزٌ عن رُؤْيةِ الشمس كذلك البصيرة عاجزة عن اِدراك مراتبهم و كمالاتهم و صفاتهم فانهم مرايا كماله تعالي و صفاته تقدّس [ص 260] ذكره انتهي .
اقول المولي له معان احدها المحب و ثانيها ولاۤء الاسلام كقوله تعالي ذلك بانّ اللّهَ مولي الَّذين آمنوا اي القرب و الدنو و النصرة و الصداقة كما قال تعالي عسي اللّه ان يجعل بينكم و بين الّذين عاديتم منهم موّدة ، و ثالثها المالك و رابعُها العبد و خامسها المعتق بكسر التاۤء و سادسها المعتق بفتح التاۤء و سابعها الرب و ثامنها الناصر و تاسعها المنعم بكسر العين و عاشرها المنعم عليه و حاديعشرها التابع و ثانيعشرها مالك الطاعة و ما سوي هذه لايمكن اجراۤؤه و اما هذه المعاني الاثناعشر فبعضها ظاهر و بعضها بتأويل و نشير الي ما سنح عند الكتابة كما هي عادتنا فنقول علي الاوّل يكون معني مواليّ اي يا احبّاۤئي و ذلك لما جعله اللّه لكم علي كل مسلم و مسلمة من اجر رسالة جدّكم صلي اللّه عليه و آله فقال تعالي قل لااسالكم عليه اجراً الّا الموّدة في القربي و المحبّة الصادقة هي كما سمعتَ مما مر عليك من انها هي الطاعة كما امروا و الخدمة بما ارادوا و الاستبطان لما اسرّوا و الاعلان بما اظهروا فان صدقهم في المواطن بهذه و امثالها فهم مواليه و هو موليهم حقاً و ان كذبهم فيما عاهدهم عليه في الذر بعدم الموافاة فان عفوا و تسامحوا فهم اهل العفو و التسامح و الاغْضاۤء عن محبّيهم و الّا فلهم اَنْ يردّوه و يحجبوه حتي يتوب الي اللّه تعالي و يخلص في الدعوة و علي الثاني يكون المعني يا مقرّبيّ الي اللّه تعالي و الي ما يحبّ من طاعته و رضاه و جنّته و الي من يحبّ اي اليكم يا سادَتي و الي من احبّكم بان يحشر معهم و يجمعني معهم في مستقرٍّ من رحمته من حبّكم و ولايتكم و جواركم في الدارين و يا ناصريَّ علي اعداۤئكم بالغلبة و الحجّة و عدم تسلّطهم علي غوايتي بتسديدكم و تأييدكم من الانس و الجنّ و الشّياطينِ و عَلي اعداۤئي من [ص 261] النفس الاَمّارة بالسّوۤءِ و علي سكّانها وَ مجاوريها من الشياطين من الانس و الجن و من الدّنيا الغرّارة الخدّاعة بزينتها و تمويهاتها و شهواتها الصاۤدّة عن طاعة اللّه تعالي و طاعتكم و من الشيطان الغويّ المجتهدِ في اضلالي عن طريق قصدِكم و ازلالي عن نهج ولايتكم بالميل الي اعداۤئِكم و الي شيء من اعمالهم و اتباعهم و يا مؤلِّفٖينَ بيني و بين كثير ممّن كان عدوّاً لكم و لي حتي فتحتم عليهم بابَ هدايَتِكم و حبّبتم اليهم طريقتكم و سلوك نهجكم حتي كانوا احِبّاۤئي فيكم بعد ان تبَاغَضْنا فيكم و اصدِقاۤئي بعد ان تعادَيْنا فيكم و انصاري بعد ان تقاطعنا و تخاذَلْنا فيكم و علي الثالث يكون المعني يا مالكي طاعتي اي انّ اللّهَ تعالي فرض طاعتكم بفرض طاعته و جعلكم اَوْلَي بي من نفسي في احوال نفسي و عقلي و مالي و ديني و دنياي و آخِرتي و ما خوّلَني ربّي كما قال تعالي انّما وليّكم اللّه و رسوله و الذين آمنوا فاثبتَ سبحانه لمحمد و عليّ و اهل بيتهما صلّي اللّه عليهما و آلهما ما اثبتَ لنفسه من الولاية علي خلقه و شرّكهم في سلطانه علي خلقه حتي خصّهم بما انفردَ به عن جميع خلقه بان جعل كلّ ما لَه من خلقه لهم عليهم السلم و لا شَيء ممّا لَهُمْ له الّا بهم يعني انهم عليهم السلم له تعالي و ما سواهم لهم فكلّ شيءٍ سوَاهم فهو له تعالي بهم لا بدونهم لانّ ما سواهم بدونهم ليس شيئاً يقع عليه التملّك و انّما جعله اللّه شيئاً بهم فحيث كان شيئاً كان للّه بتبعيّةِ كونهم لِلّهِ تعالي فهم اعضادُ الخلق و ابواب الرزق و اسبابُ الرتق و الفتقِ الّا انه لايكون لهم عليهم السلم شيء الّا ما كان للّهِ ليصح كونه و ما ليس للّه تعالي فهو باطل و لايكون الباطل لهم فافهم و قد تقدّم هذا المعني سابقاً و علي الرابع يكون المعني هو المعني الثاني للثالث و هو ان معني المالك [ص 262] مالك الرّقّ و قد تقدم في اوّل الشرح الاشارة الي هذا و انَّه هل يصح هذا المعني كما تشير اليه احاديثهم ام لا لانه لميسمع ظاهراً عنهم ذلك علي جهة الحقيقة و لميسمّ احد في زمانهم من شيعتهم بذلك فلاتجد فيما سبق و في زمانهم من سمّي عبدمحمّد و لا عبدعلي و لا عبدالحسن و لا عبدالحسين و للاول اطْبَاقُ شيعتهم في هذه الاعصار في جميع الاقطار علي استعمال ذلك منْ غير انكار و الحجّة عليه السلم بين ظهرانَيْهم و قد تَواردت الاخبار عنهم صلي اللّه عليهم بانّ الارض لاتخلو من حجةٍ كيما انْ زاد المؤمنون ردّهم و اِنْ نقَصُوا اَتمّه لهم فان كان هذا تغييراً في الدين و اِتياناً بما ليْس منه فيه كان زيادة و نقيصةً يجب علي الامام عليه السلم ردّ الزاۤئد و اتمام الناقص لان التغيير زيادة باطل و نقصان حقّ اوْ احدهما و اطباقهم علي ذلك مع وجود حجّة اللّه بينهم عجّل اللّه فرَجَهُ و سهّلَ مخرجه و لميردّهم علي ذلك دليل الصّحة فان قلتَ ان سلّمنا رضاه عليه السلم بذلك لمنسلّم ارادة الرقّيّة فلعلّ العبوديّة يراد منها عبوديّة طاعةٍ و اذا قام الاحتمال بطل الاستدلال قلتُ انّما يبطل الاستدلال بقيام الاحتمال المساوي و امّا الاحتمال المرجوح فلايبطل الاستدلال لان الرجحان امارة الصحة و لايعارض المرجوحُ الراجحَ و ذلك لانّ الاصل في الاستعمال الحقيقة علي انّ الصادق عليه السلم قد اقرَّ ابابصيرٍ علي ذلك و ذلك حين اراد ان يبيّن له انّ كلّ شيء قليلٍ او كثير فله عندهم حكم حتي ارش الخدْش و نصف الجلدة و ثلث الجلدة فقال لأبيبصير ائذَنْ لي يريد يحرّكه او يغمزه باصبعه ليُمَثِّل له بانّ في ذلك اَرْشاً فقال ابوبصير له (ع) انّما انَا لك يعني لاتحتاج الي الاذن منّي فانّي ملكُكَ فاقرَّهُ علي ذلك ، و لو تتبعْتَ الاخبار الواردة عنهم وَجدْتَ ما قلتُ لَكَ و منها ما اشار [ص 263] اميرالمؤمنين عليه السلم اليه في قوله نحنُ صناۤئع اللّهِ و الخلقُ بعدُ صناۤئع لَنا يعني انّ الخلق صنعهم اللّهُ لنا و قد تقدّم الكلام في هذا فان قلتَ فاذا يجوز للامام ان يبيع الحرّ علي هذا لانّه ملكه قلتُ هذا امرٌ مبنيّ علي ما اَتَوْا بِه المكلّفين من ظاهر الشريعة و لميأتوهم بجواز بيع الحرّ و لميظهروا حكماً خاۤصّاً يجري علي العموم لانّ هذا لايجوز شرعاً و الذي تكلّمنا عليه انّما هو حكم خاۤصّ فلايظهرونه لئلّايكون عامّاً بخلاف ما هو عليه في نفس الامر و لو اظهروا الخاص مخصّصاً لوقع الاشتباه و عظم البلاۤء و وقع من اهل الاقرار الانكار اَماسمعتَ ما تقدّم في قصّة اصحاب القاۤئم عليه السلم حين دعاهم ليبايعوه فانكروا عليه و تركوه حتي ان الصادق عليه السلم قال واللّهِ اني لاعرف الكلام الذي قاله لهم فيكفرون به نعم اذا استقرّ حكمهم عليهم السلم في رجعتهم عرفتَ ما قلنا علي انّ الاجماع منهم و من شيعتهم منعقد علي انهم اولي بالخلق من انفسهم و معناه عاۤمّ في كلّ شيء فان امرك بشيءٍ ما وجب عليك القبول فان حرّم عليك مالك الحلال حرم عليك لانه اولي به منك كما هو شأن الموالي مع مماليكهم و ان امرك بقتل نفسك او ولدك وجب و هكذا في كلّ شيء و ما ذكره صاحب مجمع البحرين في تفسير المولي من انه بمعني مالك الرق و المعتق و المعتق قال و هذه الثلاثة ساقطة في قول النبي (ص) مَنْ كنتُ موليه فعلي موليه الي ان قال لانه (ص) لايملك بيع المسلمين و لا عتقهم من رقّ العبوديّة الخ صحيح علي الحكم الشرعي الظاهري في هذه الدّار لانّ الاحكام ترد علي جهة العموم فلاتخصّص و لو خصّصت لزم امّا تخصيص كل ما هو مخصّص في نفس الامر بهم فلايمكن الانتفاع بافعالهم و اعمالهم و لايقع التأسي بهم في حال و هو منافٍ للغرض من الخليفة و الحجّة او تخصيص بعض دون بعض و هو ترجيح [ص 264] من غير مرجحٍ فملّكوا شيعتهم ما امرهم اللّه تعالي بتمليكه علي حسب ما تقتضيه دولة الباطل حتي يمكّنهم اللّه في الارض فيحكمون بالحقّ الوجودي لارتفاع التقية و ذهاب الموانع فافهم و علي الخامس يكون المعني انّكم الّذينَ اَعْتَقْتُموني من رقِّ الكفر و الجهالة و الضّلالة و المعاصي و من رقّ الفقر و الحاجة و من رقِّ الضّعْف و الخمول حَتَّي انعم اللّهُ عليَّ بتحرير الاسلام و الايمان بكم و علّمني بكم ما لماكن اعلم و هَداني بكم الي ما يرضيه و وفّقني لطاعته و طاعتكم و اغناني بكم و سَدَّ خَلّتي بكم و قوّاني بكم و رفع ذكري بكم و نوّهَ باسمي بكم و انّكم الَّذين وهبتموني نفسي حتّي جعلني اللّه سبحانه بهم و بحبّهم و بولايتهم و اتّباعهم مؤدِّياً لحقّه الذي وجب عليّ له تعالي بخلقه ايّاي و رزقه لي و حياتي و مماتي و جميع ما انعم به عليّ و بدئي و قِوامٖي و ملكي و مرجعي و السادس يعلم من الخامس و السابع يكون المعني فيه كالثالث يعني بمعني المالك و يكون بمعني المربّي و المصلح اي يا ايّها الذين تربّونني باذن اللّه في جميع اطوار التكوين و شرعه و في جميع احوال التشريع و كونه و تصلحونني بتعليمكم و ارشادكم و اعانتكم بفاضل علمكم و رشدكم و عملِكم و الثامن يعلم من الثاني في احد وجوهه كما تقدم و التاسع و العاشر من الطرفين يعلمان ممّا تقدّم في الثاني و في السّابع و بانّ افضل النعم نعمة الاسلام و الايمان اي يا من انعم اللّه عليّ بسببهم بنعمة الاسلام و الايمان او علي الظاهر يا ايّها المنعمون عليّ بنعمة الاسلام و الايمان كما قال تعالي و اذ تقول للّذي انعم اللّهُ عليه و انعمتَ عليهِ بنعمة الاسلام و علي معني المفعول اي المنعم عليه اي يا ايّها الّذين اتمّ اللّه عليهم نعمته حتي جعلهم محاۤلّ مشيته و اَلْسِنَةَ ارادته و خزاۤئن رحمته او [ص 265] يا ايّها الّذين هديهم اللّه باصطناعهم لنفسه الصراطَ المستقيمَ صراطَ الذين انعم عليهم يعني صراطهم حتي وصل فاضل تلك النعم و الهدايات و آثار الرّحمة اليه فصحّ له ان يقول مَواليّ جمع مولي بمعني المنعم عليهم و علي الحاديعشر يكون المعني ايّها المطيعون للّه التابعون لامره و مشيّته و ارادته الذين لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و اضاف ظهورهم بهذه الصفات اليه حيث كان احَدَ متعلقات آثار تلك الصفات و علي الثانيعشر يكون المعني يا مالكي طاعتي اي يا مفترضَي الطاعةِ عليّ و علي جميع الخلاۤئق يا اَوْلياۤئي و يا مالكي اختياري في بَدَواتي في اِعلاني و اِسْرَاري و وجه ذلك ان الاختيار انّما نشأ من ميل الوجود و الماهية بداعي فقرهما الي ما يتمّمهما من المدد الذي لا قوام للممكن الّا به و ذلك الميل اقتضاۤؤهما و قابليّتهما لذلك المدَدِ فلمّا كان الوجود يدور علي وجهه من علّته علي التّوالي كان مدده الذي به بقاۤؤه كلّ ما يحبّه اللّه من الخيراتِ الوجوديّة الثابتة الاصل بما يحبّه اللّه سبحانه من الخيرات التشريعية في الاعتقاد و الاقوال و الاعمال و لمّا كانت الماهية تدور علي وجهها من نفس الوجود من حيث نفسه بدون وجهه من علّته علي خلاف التوالي لانها هي و جميع ما لها بعكس الوجود و جميع ما له هي و كلّ شيء منها ضدّ عاۤم لعكسِهٖ مثلاً الوجود ضد الماهية و صفته النور و صفتها الظلمة و صفته الخير و صفتها الشر فاذا رضي غضبتْ بسبب رضاه و اذا غضِبَ بذلك رضيتْ و ان انبعثَ قرّتْ و ان قرَّ انبعثتْ و ان تحرّك سكنتْ و ان سكنَ تحركتْ و ان اقبلَ ادبرتْ و ان ادبر اقبلَتْ و ان فعلَ تركَتْ و ان تركَ فعلَتْ و هكذا كان مددها الذي به بقاۤؤها عكس مدد الوجود و هو كل ما يكره اللّه سبحانه من الشرور المجتثّة الاصل بما يكرهه اللّه [ص 266] سبحانه من الشرور الصادرة بمخالفة الاوامر الشرعية بالترك و النواهي الشرعية بالفعل و ذلك في الاعتقادات و الاقوال و الاعمال و لمّا كان الانسان مركّباً منهما و هو عبارة عنهما منضمين غير متمازجَيْنِ تمازُجَ استهلاكٍ و لا متمايزين تمايز انفكاك الّا بٰاثارهما من الاعتقادات و الاقوال و الاعمال فلايصدر عن ذلك الانسانِ شيء من الخير الّا بميل الوجود الي ما يجانسه من النّور الثابت الاصل و لايصدر عنه شيء من الشر الّا بميل ماهيّته الي ما يجانِسُها من الظلمة المجتثّةِ الاصل و كان لايستغني عن المدد باحدهما لحظة و اذاً لَتَلاشَي جري له عنهما الاختيار لانه اذا مال الوجود بفقره الي شيء مالَت الماهية بفقرها الي ضد ذلك الشيء و الميلَانِ صادران عن ذلك الانسان لانّه عبارة عنهما فكلّ ميلٍ له و عنه فلما كان كل هذه الاشياۤء انما هي ذلك الانسان لميكد يفرق بين الميلين فخلق اللّه له خلقاً اختارهم لنفسه و جعلهم محاۤلّ مشيّته و اَلْسِنَةَ ارادته لميكن لهم ميل فعلي الّا من جهة وجودهم الي كل خير و ان كان لهم ميل امكاني من جهة ماهيتهم الي كل شرّ و ذلك لان اللّه سبحانه علم منهم في زمان اعمالهم و امكنتها اَلّايفعلوا الّا ما يحبّه اعانهم فاستولي وجودهم بتلألُئِ انواره علي ماهيّتهم حتي فنِيَتْ ظلمتها و كادت هي ان تفني و تتلاشي فلميبق لها رسم الّا للوجود و لا فعل الّا في الامكانِ فلذلك جعلهم الادِلّاۤء اليه و الهادين الي سبيله فهم يميّزون للمكلّف بين ميْليه و داعييه لئلّايلتبس عليه داعي الخير و داعي الشر بالامر بكل داعٍ الي الخير و بالنهي عن كل داع الي الشرّ و وجود المكلّف ظهور اللّه تعالي بنورهم و شعاعهم عليهم السلم للمكلّف و ماهيّته قبول ذلك الظهور بمقتضاه و لا شك انه اي ذلك القبول بارشادهم و هداهم هذا في الخير و في الشر قبول ذلك الظهور بخلاف مقتضاه و لا شك انه اي ذلك القبول بتركهم له و تخليتهم [ص 267] له و نفسه المعبّر عنه عندهم بالذَّود و الطرد كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم لابيالطفيل حين سأله عن حوض محمد صلي اللّه عليه و آله الذي يسقي منه في الدنيا ام في الٰاخرة قال عليه السلم بل في الدنيا اوردهُ اولياۤئي و اَذُودُ عنه اعداۤئي ، و قد تقدّم فاذا عرفت ما ذكرنا صرحَ لكَ صحة ما قلنا لك في الوجه الثاني من الثانيعشر من قولنا و يا مالكي اختياري في بَدوَاتي في اعلاني و اِسْراري .
و قوله عليه السلم : لااحصي ثناۤءَكم اي لااَقْدِر اَنْ اُعَدِّد ممادِحكم قال في مجمع البحرين و في حديث الدعاۤء لااحصي ثناۤءك انت كما اثنيتَ علي نفسك اي لااطيقه و لااحصي نعمك و احسانك و ان اجتهدتُ انتَ كما اثنيتَ علي نفسك هو اعتراف بالعجز اي لااطيق ان اثني عليك كما تستحقّه و تحبّه انت كما اثنيتَ علي نفسك بقولك فللّهِ الحمد ربّ السموات و ما في كما موصولة او موصوفة انتهي ، و ظاهره ان احصي بمعني اطيق و الظاهر ان معناه اعدَّ و في القاموس و احصاه عدَّهُ فيكون المعني لااقدر ان اعدّ الثناۤء عليكم لانّه في كل شيء ثناۤء عليهم و قال الغزّالي في الاحياۤء ليس المراد انه عاجز عما ادركه بل معناه الاعتراف بالقصور عن ادراك كنه جلاله و علي هذا فيرجع المعني الي الثناۤء علي اللّه تعالي باتمّ الصفات و اكملها الّتي ارتضاها لنفسه و اسْتأثر بها مما هو لاۤئق بجلاله تعالي انتهي ، و هذا و ان كان له وَجْهٌ بمعني انّي لااُحٖيط بك علماً و لايعلمك غيرك فانت كما قلتَ لكنّ الظاهر من هذا اللفظ ان المعني فيه انّه اذا ذكر بعض الثناۤء علي اللّه تعالي بذكر بعض صفاته اعترف بالعجز عن تعدادِها و احصاۤئها و انّما يعدّها و يحصيها هو عز و جلّ و قوله عليه السلم انت كما اثنيْتَ علي نفسك لايَدُلّ علي ارادة الكنه بقوله انت لان [ص 268] الخطاب لايعيّن الّا بقيدٍ و الكنه لايطلبُ بالقيد لانه غير الكنه و يلزم منه التعدّد و الكثرة و هو تعالي و ان كان انّما يثني في الظاهر علي نفسه بنحو ما نثني عليه مثل قوله تعالي فلِلّهِ الحمد ربّ السموات و ربّ الارض رب العالمين الّا ان الكلام يقع من المتكلم علي حسب علمه و ارادته فيكون قوله ذلك لنفسه غير قولنا ذلك لنفسه و الي مثل هذا اشار تعالي بقوله في الردّ علي من يعارض القرءان حين تَحَدّيٰهُمْ فقال فأتوا بعشر سُوَرٍ مثله مفتريات و ادعوا من استطعتم من دون اللّهِ ان كنتم صادِقين فاِنْ لَمْيستجٖيبوا لكم فاعلَمُوا انَّما اُنْزِلَ بعلم اللّهِ و اَلَّا اله الّا هُوَ يعني فان عجزوا عن الاتْيان بعشرٍ سور مفترياتٍ مثل القرءان علي دعويهم بانه مفتري فاعلموا ان الكلام يكون بنسبة عقل المتكلّم و علمه و لو كان القرءان من عند غير اللّه لامكن الاتْيان بمثله لانّ كلّ مَن لكلامه نظير فله نظير و لعلمه نظير و مَنْ لَا نظيرَ له و لا لعلمه فلا نظير لكلامه قال فاعلموا انّما اُنزِل بعلم اللّه و لا مثل لعلم اللّهِ و لا مثل لكلامه و من لا مثل لكلامه فلا مثل له فلا اله الّا هو فاذا اثني علي نفسه بشَيء مثل الٰاية المذكورة مثَلاً فلايقدر احد من الخلق ان يثني عليه بمثل ذلك و ان اثني عليه بما تضمنَتْهُ الٰاية لان ما سواه لايعلم علمه و لايريد ارادَته فكلام الغزّالي انْ حصر المعني فيه فقد اخْطَأَ الصَّواب وَ انِ احْتمَلَه مع عدم منعه من الظاهر فلا بأسَ هذا معني لااحصي ثناۤءَكم في الجملة بقي معني لااحصي باعتبار جهة تعلّقه و معني الثناۤء امّا الاوّل فالاحصاۤء في الثّناۤءِ مثلاً بالنسبة الي نعمه تعالي من اين اتت و كم توقَّفَتْ علي اسباب لاتكاد تحصَي و الي اين تنتهي و لهذا قال تعالي و ان تعدّوا نعمة اللّه لاتحصوها و لميقل نعم اللّه ليقال انّها كثيرة لاتحصي من جهة عَدِّ افرادها و ان كانت هي كذلك و اعظم ممّا يدخل في الاَوْهام الّا انّ المراد مباديها و اسبابها و ما سخّر [ص 269] لتلك النعمة من المدبّرات في الاوقات المتجَدّدة و الامكنة المتعددة في الابتداۤء و الانتهاۤء و قد ذكر ذلك سلمن الفارسي رضي اللّه عنه كما في عيون الاخبار عن الرضا عليه السلم عن ابيه موسي بن جعفر عن ابيه الصادق جعفر بن محمد عن ابيه عن جدّه عليهم السلم قال دعا سلمن اباذرّ رحمةُ اللّهِ عليهما الي منزله فقدَّم اليه رغيفَيْن فاخذ ابوذرٍّ الرغيفَيْن فقلّبَهما فقال سلمن يا اباذرٍ لأيِّ شيءٍ تقلّبُ هٰذَيْنِ الرَّغٖيفَيْن قالَ خِفتُ اَلَّايكونا ناضِجَيْن فغضِبَ سلمان من ذلك غَضباً شديداً ثم قال مَا اجرأك حيثُ تقلِّب هذين الرغيفَيْن فواللّهِ لقد عمل في هذا الخُبزِ الماۤءُ الذي تحت العرش و عمِلَتْ فيه الملاۤئكة حتي القَوْهُ الي الريح و عملت فيه الريح حتي القاه الي السحاب و عمل فيه السحابُ حتي امطَرهُ الي الارض و عمل فيه الرعدُ و الملاۤئكة حتي وضعُوه مواضعَهُ و عمِلَتْ فيه الارض و الخشب و الحديد و البهاۤئم و النار و الحَطب و الملح و ما لااحصيه اكثَر فكيفَ لكَ ان تقوم بهذا الشكر ه ، فَنبّه سلمن رضي اللّه عنه اباذرّ علي سرٍّ لايَعْثر عليه الّا مثل سلمن و ذلك من قوله تعالي و ان منْ شيءٍ الّا عندنا خزاۤئنُه و مانُنزّله الّا بقَدَرٍ معلومٍ و لا ريبَ انّ الرّغيفَيْن شيء و خزاۤئنهما عنده في ملكه كلّ خزانة في محلِّها من الوجود يدبّرها فيه بامر اللّهِ الملكُ الموكّل بها و هو رأس من الملَكِ الموكّل بتلك الرتبة مثلاً معناهما اي الرغيفين في الجبروت الذي هو عالم العقول موكّل بهما هناك ملك عقليّ و هو وجه و رأس من الملك الاكبر المسمّي بالعقل الكلّي و روحِ القدس و روحٍ من امر اللّه فلمّا قال اللّه تعالي للملك الكلي الذي هو العقل الكلّي ادبر فاَدْبَر يعني فتنَزّل بصور الاشياۤء في النفس يعني كتب القلم باذن اللّه تعالي في اللوح فالقلم هو ذلك الملك المسمّي بالعقل الكلّي و بروح القدس و بروح من امر اللّهِ صلّي اللّه علي محمد و آله و النفس اي الكليّة هي اللوح المذكور [ص 270] في الاخبار و هو علّيّون كلّا ان كتاب الابرار لفي علّيّين فلمّا تنزّل العقل بصورِ ما كان و ما يكون الي يوم القيمة في النفس الكليّة اي اللوح نزل بكلّ صورة من تلك الصور الملك الموكّل بها و هو رأسٌ من الملك الاكبر النازل بالكلّ و هذا رأسٌ منه خاۤص بالرغيفَيْن نزل بالرغيفَيْن في محلّهما من الوجود النفسي اي في رتبتهما من اللوح حتي سلّمهما بيد الملك النفسي الموكّل بهما في هذه الرتبة و هكذا في رتبة الطّبيعة و في رتبة المواۤدّ و في رتبة المُثُل بضم الميم و الثاۤء المثلّثة و الاشباح التي هي اظلّة الانوار الجوهريّة ثم الي الافلاك ثم العناصر ثم الي الارض و الموادّ و قد تقدم بعض البيان لهذا المقام و لايمكن تمام البيان هنا الّا بالخروج عما نحن بصدده و لا فاۤئدة مهمّة هنا الّا مجرّد الاشارة الي ان الاشياۤء متعددة الاوقات و الامكنة و في كلّ رتبة يدبّرها الملك الموكّل بها و هو من جنس تلك المرتبة الي ان يصل الرغيفان مثلاً الي عند الٰاكِلِ فاذا وصلَا اليه قطعا نصفَ مسافةِ وجودهما ثم يأخذانِ في العود الي ما منه بُدِئَا و اوّل العود كسرهما ثم الاكل و القطع بالاسنان و التنعيم و ارسال الماۤء من تحت اللسان من النّهرين المُعَدَّيْن لِبَذْرقَةِ الطعام ثم الازدراد و البَلْع ثم الكيلوس و ينقسم اسفله الي الشعر و اعلاه الي الكيموس ثم الي الغذاۤء المشاكل و الي النطف و الاولاد و هكذا الي ما لا غاية له في الامكان و هذا نصف المسافة الٰاخر و لايمكن ان يحصي العباد مراتب لُقمةٍ واحدةٍ مثلاً في النزول و الصعود و لهذا افرد سبحانه ذكر النعمة فقال تعالي و ان تعدّوا نعمت اللّه لاتحصوها فخزاۤئن الشيء اطواره في مراتب وجوداته و قد روي عن علي عليه السلم انه قال قال تعالي رفيع الدرجات ذو العرش و في العرش مثل ما خلق اللّه في البرّ و البحر و ذلك قوله تعالي و ان من شيءٍ الا عندنا خزاۤئنُه ه ، [ص 271] و العرش له اطلاقات في الشرع فيجوز ان يراد به في هذا الحديث العرش العِلْمي او الوجودي و علي الاوّل ظاهر و علي الثاني يمكن توجيه ما روي في التوحيد عن الباقر عليه السلم عليه و ذلك حين سُئِل عن قوله تعالي افعيينا بالخلق الاوّل بل هم في لبس من خلق جديد فقال (ع) تأويل ذلك ان اللّه تعالي اذا افني هذا الخلق و هذا العالم و سكن اهل الجنّة الجنّة و اهل النارِ النارَ جدّد اللّه عالماً غير هذا العالم و جدّد خلقاً من غير فحولةٍ و لا اناث يعبدونه و يوحّدونه و خلق لهم ارضاً غير هذه الارض تحملهم و سماۤء غير هذه السماۤء تظلّهم لعلّك تري ان اللّه تعالي انما خلق هذا العالم الواحد اَوْ تري انّ اللّه لميخلق بشراً غيركم بلي واللّهِ لقد خلق اللّه الفالف عالم و الفالفِ آدم انت في آخر تلك العوالم و اولٰۤئك الٰادميّين ه .