اعلم ان الحشر عند اهل البيت عليهم السلم حشرانِ الحشر الاصغر و هو عند قيام القاۤئم عليه السلم في السنَة التي يخرج فيها يكون الحشر في اوّل شهر رجب و هو قول علي عليه السلم كما تقدّم قال عجب و اي عجبٍ بين جُمَيدي و رجب فسُئِل عن ذلك العجب فقال عليه السلم و ما لي لااعجب من امواتٍ يضربُون هام الاحياۤء و قد تقدم في ذكر الرجعة ذكر ذلك و يكون ايضاً عند رجعتهم عليهم السلم و هو قوله تعالي و يوم نحشر من كلّ امّة فوْجاً ممّن يكذّبُ بٰاياتِنا فهم يوزَعُون فانه قال من كلّ امّةٍ و آية الحشر الاكبر و حشرناهم فلمنُغَادِر منهم احداً و كذلك قوله تعالي و اقسموا باللّه جهد اَيْمانهم لايبعثُ اللّه مَن يموت بلي وعداً عليه حقّاً و لكنّ اكثر النّاس لايعلمون لِيبيّنَ لهم الذي يختلفون فيه و هو القاۤئم عليه السلم الذي هم فيه مختلفون منهم من قال مات و منهم من قال لميوجد و منهم من قال هو عيسي بن مريم و منهم من قال هو المهدي العباسي من بنيالعباس و هو الأن في الاصلاب قال تعالي ليبيّنَ لهم انّه من صلب الحسن العسكري عليهما السلم و انّه الأن موجود حي الي ان يخرج و يملأها قسطاً و عدلاً كما مُلِئَتْ جوراً و ظلماً و ليعلم الّذين كفروا بنصّ القرءان و الروايات الصحيحة انهم كانوا كاذبين و الدليل علي ان المراد بهذا الحشر حشر الرجعة قوله تعالي و اقسموا باللّه [ص 224] جهد اَيمانِهِم لانهم من المسلمين و لو كان المراد بهم الكفار مَااقسموا باللّه جهد ايمانهم كما قال عليه السلم و هو القيمةُ الصغري ، و الثاني الحشر الاكبر وَ هو القيمة الكبري و يحشر كلّ ذي روح من الانس و الملاۤئكة و الجن و الشياطين و جميع الحيوانات البرّيّة و البحريّة و الهواۤئية و الناريّة و يحشر فيها كلّ مَنْ له شيء او عليه شيء او منه شيء او فيه شيء من النباتات و المعادن و الجمادات و ما بينَها و ما بين ما ذكر من البرازخ و اهلِها و ما له شيء كارضٍ مظلومة مِنْ عِرْقٍ ظَالمٍ بكسر العين و سكون الرّاۤء مثلاً و الذي عليه كالعكس و الذي منه كالاسباب الوضعيّة المخالف تأثيرها لمراد اللّه تعالي و الذي فيه كالازمنة و الامكنة تحشر لتشهد للعاملين فيها او عليهم فافهم هذه الجملة فانّ تحتَها كنزاً من علوم الغيب اشار اليها سبحانه بقوله و ما من داۤبّة في الارض و لا طاۤئر يطير بجناحيه الّا امم امثالكم مافرّطنا في الكتاب من شيء ثم الي ربّهم يحشرون و بقوله تعالي انكم و ما تعبدون من دون اللّه حصب جهنم و قد عبدوا من دون اللّه جميع المعادن و النباتات و الحجارة و العناصر و النجوم و الحيوانات و غيرها و في بشارة المصطفي باسناده الي ابيهريرة قال كنتُ انا و ابوذرٍّ و بلال نسير ذات يوم مع علي بن ابيطالب عليه السلم فنظر عليّ الي البطّيخ فحمل درهماً فدفعه الي بلالٍ فقال ائتِني بهذا الدرهم من هذا البطيخ فاخذ عليّ (ع) بطّيخةً فقطعها فاذا هي مُرَّة فقال يا بلال اَبْعِد هذا البطّيخ عنّي و اَقْبِلْ علَيَّ حتّي اُحَدِّثَكَ بحديثٍ حدَّثَنٖي به رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و يدُهُ علي منْكبٖي انّ اللّهَ تبارَكَ و تَعالي طرَحَ حُبّي علي الحجر و المدر و البحار و الجبال و الشجر فما اجاب الي حبّي عَذُبَ و ما لميُجِبْ الي حبّي خَبُثَ و مرّ و انّي لَأَظُنّ هذا البطّيخ ممّا لميُجِبْ الي حبّي و في الاختصاص باسناده الي قنْبر مولي اميرالمؤمنين عليه [ص 225] السلم قال كنتُ عند اميرالمؤمنين عليه السلم اذ دخل رَجُل فقال يا اميرالمؤمنين انا اشتهي بطّيخاً فامرني اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه بشراۤء البِطّٖيخ فوجّهتُ بدرهمٍ فجاۤؤنا بثلاث بطّيخاتٍ فقطَعْتُ واحدة فاذا هِيَ مُرّةٌ فقلتُ مُرَّةٌ يا اميرالمؤمنين فقال ارمِ به من النار الي النار قال و قطعتُ الثاني فاذا هو حامض فقلتُ حامضٌ يا اميرَالمؤمنين فقال ارم به من النار و الي النار قال و قطعتُ الثالثَ فاذا هو مُدَوِّدٌ فقلت مدَوِّدَةٌ قال ارمِ به من النار و الي النار قال ثم ذهبتُ بدرهمٍ آخر فجاۤؤنا بثلاث بطّيخات فوثبتُ علي قدمي و قلتُ اعفني يا اميرالمؤمنين عن قطعه كأَنّه تأثّم بقطعِه فقال له اميرالمؤمنين اجلس يا قنبر فانّها مأمورة فجلستُ فقطعتُ فاذا هو ( هي خل ) حلوة فقلتُ حلوة يا اميرالمؤمنين (ع) فقال كُلْ و اَطْعِمْنا فاكلتُ ضلعاً و اطعمتُه ضلعاً و اطعمتُ الجليس ضلْعاً فالتفَتَ اليّ اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه فقال يا قنبر انّ اللّهَ تبارك و تعالي عرض ولايتَنا علي اهل السمواتِ و اهل الارض من الجنّ و الانس و الثمر و غير ذلك فما قبِل منه ولايتَنا طاب و طَهُرَ و عَذُبَ و ما لميقبل منه خبث و رَدَي و نَتنَ ه ، و روي عنه (ع) ما معناه انه سئل قد نجدُ في بعض الرطب مثل الرماد قال عليه السلم انّ اللّهَ وَكَّلَ بها مَلَكاً اذا تركتِ الذكر ذلك اليوم ضربَها بمنقاره فتفسد ه ، و امثال ذلك كثير و لَا دلالةَ لمَنْ يعقِل اصرح من قوله تعالي و ان من شيء الّا يسبّح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم انّه كان حليماً غفوراً و من انكر مثل هذا اوْ اوّله علي المجازات و الكنايات و انكر معناه الحقيقي فهو ممّن قدّر عظمة اللّه علي قدر عقله تعالي اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً و لو قال لااعلم لكان اسلم له .
فاذا فهمتَ ان الحشر حشرانِ كلُّ حشر منهما اَمْرُهُ و ملكهُ راجعٌ الي محمدٍ و اهلِ بيته الطاهرين صلي اللّه عليه و عليهم اجمعين و ذلك لانّ اللّهَ سبحانه [ص 226] خلقهم و خلق لهم كُلَّ شيءٍ و كلُّ شيء فجميع ما له و عليه لايكون الّا في الدنيا و الٰاخرة و الرجعة و هي ايّامهم و زمان ملكهم الّذي اعطاهم مالكهم فهم ملوك الدنيا و هم ملوك الرجعة و هم ملوك الٰاخرة و هذا ظاهر و المؤمن العارف بحقّهم الزاۤئر لهم يسئَلُ اللّهَ اَنْ يحشره في زُمْرَتِهِمْ اي في جماعتهم و ظاهر الكلام ان الحشر المطلوب هو الحشر الاكبر لانّه عطف عليه حكم الرجعة فقال و يكرّ في رجعتكم فيكون سأل الاجتماع معهم في الرجعة و في القيمة و يحتمل اَنْ يرادَ بالحشرِ المَسْئُول هو الاوّل بان يبعثه في ذلك الوقت و يكرّ معهم اي يصير معهم و هو بعيد الّا ان يراد بقوله و يكرّ بيان و تفسير ليحشر او يكرّ معهم اي يرجع معهم بعد الموت و يكون يحشر معناه يبعَث و يجمع عليهم او يريد بالحشر ما هو اعم فيدخل الحشران لانهم يومان لسلطنتهِمْ و تنصب علي ملايمته الفقرات التي قبله و التي بعده و انّما سأل الحشر معهم الذي هو مشفوع بالكرة او مفسّر بها علي تقدير ارادته بالخصوص و كذا في العموم لان حصول هذا الحشر الاوّل مستلزم لحُصول محض الايمان و هو الايمان الكامل بالفعْل او القوّة القريبة لان من لميمحض الايمان لميحشر في الحشر الاوّل و ان اتاه الخبر بخروج القاۤئم عليه السلم حتي يفرح في قبره و يستبشر الّا انه لايخرج الّا ان يكون له قصاص او عليه قصاص فان هؤلاۤء يحشرون حتي يقتص للمقتول من القاتِل و يعيش المقتول بعد اخذ القصاص من قاتله ثلاثين شهراً ثم يموتون في ليلة واحدة لانهم لا حيوة لهم و انّما بقي لهم من عمر الدنيا ثلاثين شهراً قطعها القاتل و بقي لهم ممّا كتب في اللوح المحفوظ من ارزاقهم رزق ثلاثين شهراً فبُعِثوا ليستوفوا قصاصهم و يعيشوا كمال عمرهم المكتوب لهم و ينالوا نصيبهم من الكتاب من الرزق لانهم مامحضوا الايمان محضاً و اما من محض [ص 227] الايمان محضاً فلقلبه المستنير و نفسِه الصافية مُدَداً و آجالاً و غاياتٍ لاتسعها الدنيا و لاتسع مقتضياتها فانه مثلاً يعزم علي طاعات و اخلاصات و مراتب من التسليم و الاخلاص و التوكل و التفويض كلُّ زمان الدنيا لايقوم بها في حقّه و تلك النيّات و الارادات اعطاها اللّه سبحانه عبده بحقيقةِ ما هو اهله و لكن الدنيا في حقّه لاتفي بها لعدم تأهله في الدنيا لها بدون متمّم و في الرجعة يحصل المتمّم فيتمّم المقتضي بما كتب لهم في اللوح الحفيظ فيرجعون مع المتفضِّلٖين بتتميم ما نقصَ عليهم و هم ائمّتهم صلّي اللّه عليهم فيعيشوا بالضعف من اعمارهم في الدنيا او باضعافٍ مضاعفةٍ و كذلك مَن مَحَض الكفر محْضاً علي العكس ممّن محض الايمان محضاً و قد يعرف في الدنيا من محض الايمان محضاً كما رواه في مختصر بصاۤئر سعد بن عبداللّه الاشعري للحسن بن سليمن الحلي (ره) بسنده الي جابر بن يزيد الجعفي عن ابيجعفر عليه السلم قال سألته عن قول اللّه عز و جلّ و لئن قتلتم في سبيل اللّه او متّم فقال يا جابر اتدري ما سبيل اللّه قلتُ لَا واللّهِ الّا اذا سمعتُ منك فقال القتل في سبيل علي عليه السلم و ذرّيّته فمن قتل في ولايته قُتِل في سبيل اللّه و ليس من احدٍ يؤمن بهذه الٰاية الّا و له قتلة و مٖيتةٌ انه مَن قُتِل فينشر حتي يموت و من يموت ينشر حتي يُقْتَلَ ه .
اقول ظاهر هذا الحديث انّ محض الايمان هو معرفة الامام عليه السلم بالنُّورانيّة و ظاهر الٰاية الشّريفة ذلك مع بعض الاعمال الصَّالحة و هي قوله تعالي فمن يعمل من الصّالحات و هو مؤمن فلا كفرانَ لسعيه و انّا له كاتبُونَ فانَّ المراد بهٖ من محضَ الايمان مَحْضاً بدليل قوله و حَرام علي قَرْيةٍ اهلكناها انّهم لايَرْجِعُونَ يعني انّ مَنْ اَهْلَكْنَاهُ في الدنيا بالعَذاب لٰايرجع في رجعتهم عليهم السلم و حكم هذه الٰاية مرتبط بالّتي قبلها فدَلّ مفهومُهَا انّ مَن لميهلك [ص 228] بالعذاب يَرْجع و قد ثبتَ انه لايرجع الّا مَنْ محض الايمان محضاً و مَن محض الكفر محضاً و انّما المفهوم علي ماحض الكفر لانّ ماحض الايمان لايهلك بالعذاب في الدنيا ليعتبر المفهوم في حكم الرّاجع منه و انّما دلّ في الكفر علي ماحضِ الايمان لانّ الرجوع في الفريقَيْن شرطه ان يكون ماحضاً فهما متساويان في الرجوع لتساويهما في شرطه و هذه المعرفة النورانيّة التي هي دليل ماحض الايمان لاتنحصر في مدلول آية و لئن قُتِلتم في سبيل اللّهِ الٰاية ، بل ضابطها ما في رواية داود بن كثير الرقّي علي ما رواه الطوسي (ره) باسناده اليه قال قلتُ لابيعبداللّه عليه السلم انتم الصلوة في كتاب اللّه عز و جلّ و انتم الزكوة و انتم الحجّ فقال يا داود نحنُ الصلوة في كتاب اللّه عز و جلّ و نحن الزكوة و نحن الصيام و نحن الحج و نحن الشهر الحرام و نحن البلد الحرام و نحن كعبة اللّه و نحن قبلة اللّه و نحن وجهُ اللّهِ قال اللّهُ تعالي فاينما تولّوا فثمَّ وجهُ اللّهِ و نحنُ الٰايات و نحنُ البيّنات و عدوّنا في كتاب اللّه عز و جل الفحشاۤء و المنكر و البغي و الخمر و المَيْسِر و الانصاب و الازلام و الاصنام و الاوثان و الجبت و الطاغوت و الميتة و الدم و لحم الخنزير يا داود ان اللّهَ خلقَنا فاكرم خَلقنا و فضّلنا و جعلنا اُمَناۤءَهُ و حفظته و خزّانه علي ما في السموات و ما في الارض و جعل لنا اضداداً و اعداۤءً فسمّانا في كتابه و كنّي عن اسماۤئنا باحسن الاسماۤء و احبِّها اليه تكنيةً عن العدوِّ و سمّي اضدادنا و اعداۤئَنا في كتابه و كنّي عن اسماۤئهم و ضرب لهم الامثال في كتابه في ابغض الاسماۤء اليه و الي عباده المتّقين ه ، قوله عليه السلم تكنية عن العَدُوّ لانّ اعداۤءهم دائماً يتتبّعون القرءان و الاحاديث فايّما آية وجدوا فيها دلالة علي اسماۤئهم عليهم السلم بمدحٍ اوْ امرٍ باتّباعهم حذفُوها و غيّروها و كذلك الخبر فكنّي عن اسماۤئهم [ص 229] لئلّايحذِفوها مثلاً و يوم يعضّ الظالم علي يديه لو قال يعضّ ابوفلانٍ يقول يا ليتني اتّخذتُ مع الرسول سبيلاً و قال مع الرسول عليّاً اماماً داۤلّاً علي اللّه تعالي و علي ما تحب يا ليتني لماتّخذ فلاناً خليلاً و قال لماَتّخذ الثاني خليلاً و صاحِباً و بطانةً من دون مَنْ امر اللّه بالكون معه لقد اضلّني عن الذكر بعد اذ جٰاۤءني و قال لقد اضلّني عن علي او عن ولايته او عنهما معاً و كان الشيْطان للانسان خذولاً و قال و كان الثاني لعليّ خذولاً و صاۤدّاً عنه و عن ولايته لحذفوا ذلك و غيّروه فلمّا كنّي بذلك فهموا التكنية و قالوا هذه الٰايات مانفتضح بها لان الناس مايَفهمون ذلك و هو شيء القاه اللّه سبحانه في قلوبهم من قوله تعالي سنستدرجهم من حيث لايعلمون لتبقي تذكرةً للمؤمنين و القي في قلوبهم انّا لو غيّرنا ما اشار اليه و كنّي عنه لزم تغيير اكثر كتابه اوْ كلّه و هو اشدّ فضيحة فالاولي الاقتصار في التغيير علي ما تفهمه العوام علي انّ العواۤمّ اذا مالوا معنا مانبالي بالخواۤصّ لقِلّتهم و الحاصل هذا الحديث و مثله ميزان لمحض الايمان و لمحض الكفر فمن سمعه و عرفه و قبِلَهُ عن معرفة فهو ماحض للايمان و من سمعه و عرفه و انكره عن معرفةٍ فهو ماحض الكفر و رتبة الخواۤصّ من الشيعة لاتقصر عن ادراك هذه المعرفة بل اكثرهم يعرف ما اشرنا اليه من الحديث و اعلم ان شرحنا مشتمل علي مراتب من معرفتهم لاتحتملها الخواۤصّ بل تكفر بها و انما يعرفها الخصٖيصُون من الشيعة و في هذا المعني قال عليه السلم لو يعلم ابوذر ما في قلب سلمن لكفّره اَوْ لقتَلهُ ، فالداعي الساۤئل بان اللّه سبحانه يحشره في زمرتهم قد يكون يقصد انّه يبلّغه ذلك بحصول شرطه من التوفيق لمعرفتهم بالنورانية و قد لايفهم ذلك فيكون دعاۤء بما لايفهم في الحقيقة و قد يستجاب فيوفّق للمعرفة و قد لايستجاب لجهله بما يسئله و انّما اشرنا الي بيان شرط الرجوع معهم في رجعتهم [ص 230] لئلّايجهل الدّاعي شرطَ مطلوبِهٖ هذا اذا اُرٖيد بالحشرِ المطلوب الاوّلُ او هو مع الثاني علي جهة الملاحظة لهما معاً حال الدّعاۤء و امّا اذا اُرٖيد به الحشر الاكبر فلايستلزم ذلك لعدم اعتباره فيه .
و قوله (ع) : و يكُرُّ في رجعتكم يقال كرّ عليه كرّاً و كروراً و تكراراً عطف عليه و كرّ عنه رجع و المعني انّي ارجع اي اعطف عليكم كأنّه في حال البرزخ مستدبر الدنيا مستقبل الٰاخرة فلمّا جاۤء وقتهم استقبل الدنيا راجعاً عاطفاً عليهم و قد يراد منه ما يراد من الحشر كما قال تعالي و حشرنا عليهم اي جمعنا عليهم و عطفنا كأن المحشور سالك غير جهة المحشور عليه فعطف و المعني واضح لان المراد منه العود الي الدنيا و يكُرّ بضم الكافِ كيَمُدُّ و قد تقدّم بَيان المراد من الرجعة فراجعه .
و قوله عليه السلم : و يملّك في دولتكم اي اسأل اللّه سبحانه ان يجعلني في زمان دولتكم و تمكينكم من الارض مُمَلَّكاً اي مالكاً لامور رعيّةٍ من قبلكم او ملكاً حاكِماً من جهتكم ليجعلني من الّذٖينَ ينتصر به لدينه من اتباعكم الصادرين عن امركم و هذا لايكون الّا لمن قد كمل ايمانه و بلغت معرفته و لطف حسّه و زكا عمله و خلصت نيّته و الّا لميجعلوه والياً علي اصلاح جهّال شيعتهم فحقيقة المطلوب هذه الصفات الموجبة للتّمليك عندكم لا مجرّد الجاه و العزّة لانّ ذلك محرّم في رجعتهم بمعني انه لايكون لا بمعني انه ممنوع منه شرعاً فان هذا لايختصّ بذلك الوقت بل في هذا الوقت ايضاً هو محرّم و انّما المطلوب رفع الدرجة عند اللّه و القرب منه بالتوفيق لكمال الايمان باخلاص النيّة و تزكية العمل المقبول عند اللّه و عندهم و بلوغ المعرفة للّه و لهم و قوّة الفهم فيما يحب اللّه فان مَن كان كذلك جعله ممّن ينتصر به لدينه و يظهر به الحق و يزهق به الباطل [ص 231] و في الدّعاۤء و اجعلني ممّن تنتصر به لدينك و لاتستبدل بي غيري ه ، و روي الشيخ ياسين بن صلاحالدين البحراني في كشكوله انه كتب رجل الي ابيعبداللّه عليه السلم يسأله ان يدعو اللّه له ان يجعله ممّن ينتصر به لدينه فاجاب رحمك اللّهُ انما ينتصر اللّه لدينه بشرّ خلقه ه ، و وجه الجمع انّ الساۤئل طلب اعلي المراتب لهذه النصرة بان لايكون في نصرته لدين اللّه تابعاً لغيره و ذلك مقام الامام عليه السلم و مقام النبي صلي اللّه عليه و آله و مقام خلفاۤئه و مقام الانبياۤء و اوصياۤئهم عليهم السلم اذا لميكن ثَمَّ اشرف منه يأخذ عن اللّه تعالي بغير واسطته و علم عليه السلم من نِيَّتِهِ ذلك فكرّهَ ذلك اليه بان النّصرة تكون من شرِّ خلقِ اللّه كما قال تعالي في شأن بَخْتنَصّر و ذلك في قوله تعالي و كم قصمنا من قرية كانت ظالمةً و انشأنا بعدها قوماً آخرين فلمّا احسّوا بأسنا اذا هم منها يركضون قيل القرية حَضُور قرية بالحجاز مما يلي الشام ارسل اليهم نبي اسمه شعيب بن ذيمهدم و قتلوه و قبره باليمن بجبل يقال له مَتين كثير الثلج و هو غير شعيب صاحب مدين و في ذلك الوقت اصحاب الرس اليَمَني و هو غير اصحاب الظّلة اصْحَاب الرَّسِّ قوم شعيب صاحب مدين و غير الرَّسِّ العَجَمي اصحاب اسمعيل بن حزقيل و اصحاب الرّس اليمني في وقت قصّة حضور قتلوا نبيّهم و اسمه حنظلة بن صفوان و طبخوه و اكلوه فاوحي اللّه الي ارميا ان ائتِ بختنصّر و اعلمه انّي قد سلّطته علي ارض العرب و انّي منتقمٌ بك منهم و اوحي الي ارميا ان احمل معدّ بن عدنان علي البراق الي ارض العراق كيلاتصيبه النّقمة فاني مستخرج من صلبه نبياً في آخر الزمان اسمه محمد صلّي اللّه عليه و آله فحمل معدّ و هو ابن اثنتيعشرة سنةً و كان مع بنياسراۤئيلَ الَي اَنْ كَبُرَ و تزوّجَ امرأةً اسْمُهَا مُعَانةٌ ثم اِنَّ بَخْتنصّر نَهَزَ بالجيوش و كمَن للعَرب في مكانٍ و هو اوّل مَنِ اتّخذَ [ص 232] المَكامِنَ في الحروب فيما زعموا ثمّ شَنَّ الغَارات علي حضور فقتَلَ و سَبا و خرّب العامر و لميترك لحضور اثراً قال اللّه تعالي فمازالت تلك دعويهم حتّي جعلناهم حصيداً خامِدٖين ثم وطئ اَرْض العَرب يمَنَها و حجازَها و اكثر القتل و السبي و خرّب و حرّق ثم كرّ راجعاً الي السَّواد و الحاصل انه سبحانه انتصر لدينه ببختنصّر شرّ خلقه و سمّي قوّة بختنصّر و تسلّطه عليهم بأْساً له فقال تعالي فلمّا احسّوا بأسنا اذا هم منها يركضون و كما ينتصر لدٖينه بشر خلقه كذلك ينتصر لدينه بخير خلقه و انّما نهي عليه السلم الساۤئل عن دعوي ذلك و لو قصد بان يكون تحتَ لواۤء امام معصوم عليه السلم لمانهاه لان هذا المقام العالي اذا لميكن في الانتصار تابعاً لغيره لايقوم فيه الّا نبي او وصيّ نبي اَوْ شقيٌّ فالمؤمن الزاۤئر يريدُ بسؤاله من اللّه تعالي ان يكون مملّكاً في دولتهم عليهم السلم اي بامرهم و منصوباً من قبلهم لانّ من وُفِّقَ لذلك فقد كمل له خير الدنيا و الٰاخرة .
قوله (ع) : و يشرّف فٖي عاقِبَتِكم الشّرف العلوّ و المكان المرتفع و المال و المجد و المجد قد لايستعمل الّا بالٰاباۤء و العاقبة الولد و آخر كلّ شيء و في نُسخ كثيرة في عافيتكم بالفاۤء و بعدها ياۤء مثناة مِنْ تَحْت السَّلامة من البلايا و المحن و من الامراض و الٰالام فالمؤمن الزّاۤئر سئل اللّهَ ان يرفعَ درجته فيما يمكن له او يجعل مكانه او مكانته عاليةً بمتمِّمٍ من فاضلِ خيرهم عليهم السلم لما يمكن له في عاقبتهم اي في وقت آخر اَمرهم و هو ملكُ الارض كلّها مشرقها و مغربها من قوله تعالي و العاقبة للمتقين و المتّقون هم الصالحون في قوله تعالي و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر انّ الارض يرثها عبادي الصّالحون اي يملكها و يملكُ امرها و امرَ مَن عليها و ذلك عاقبتهم و علوّ المكان و الدرجة و المكانة رفع [ص 233] شأنه بتقريبه عندهم و المال فانّه شرف رفعةٍ في اعين الخلق و في الحديث عن الصادق عليه السلم اكرموا اهلَ الشرف و الشرف هو المال و المعني انّ اللّهَ سبحانه وضع الاشياۤء في مواضعها فاذا اغني شخصاً سواۤء كان لاستحقاقٍ لانه شاكر للنعمة او لاملاۤءٍ و استدراجٍ فانّ المال اذا انضمّ اليه الاهانة و الذّلّة لايجد صاحبه فيه اثر النّعمة و التفضّل لان المستحقّ اذا وجد معه العزّة و التّكريم شاهد التفضّل عليه و شكر اللّه تعالي و المستدرَج اذا وجد العزّة معه و التّكريم شاهد التفضّل و كونه نعمة من اللّهِ فتقوم عليه الحجة بخلاف العكس بل ربّما مع العكس يشاهد التَنَغُّص و الكدر فلايراها نعمة فقال عليه السلم اكرموا اهل الشرف و الشرف المال و المراد باكرامهم و تعظيمهم انزالهم المنزلة التي وضعهم اللّه فيها من لوازم المال لا للاحتيال في تحصيل شيء من مالهم فان ذلك ممنوعٌ منه و في الحديث من تواضع لغنيّ لاجل غناه ذهبَ ثُلُثا دينه اوْ كما قال لانّي نقلته بالمعني الّذي حضرني حال الكتابة . و علي نسخة عافيتكم بالفاۤء و المثناة بعدها من تحتُ المراد انّهم جري عليهم في منح التكليف لهم وَ لشيعتهم في هذه الدنيا كلّ بلاۤء من الغصب و الضرب و القتل و السبي و السّبّ و الغيبة في اعراضهم و القذف و غير ذلك من اعداۤئهم ما لايجري علي احد ممّن مضي من الامم و ممّن يأتي و ما لحقهم منهم من التكذيب و الردّ عليهم و تغيير احكام اللّه خلافاً لهم و ما اشبه ذلك و ما ابتلوا به من الفقر و الهمّ و الغم و الجوع و ضيق المعيشة و غير ذلك من بلايا الدنيا مما لميُبْتَلَ به خلق حتّي فسّروا قوله تعالي و امّا ان كان من اصحاب اليمين فسلام لك من اصحاب اليمين انه قال تعالي لنبيه صلي اللّه عليه و آله فسلام لك يا محمد من اصحاب اليمين و اليمين علي بن ابيطالب عليه السلم يعني ماسلمتَ من احدٍ من الخلق الّا من شيعة علي [ص 234] و اصحابه بمعني ان كل شيء من الخلق من حيوان و نبات و جمادٍ اخلص اليك بالاذيّة فيك و في اهل بيتك و في شيعتهم لاجلهم حتي الجمادات كالارض السبخة و الحديد و ما اشبه ذلك من الجمادات و النباتات و الحيوانات اٰذَوكم من اوّل التكليف الي ان يقوم قاۤئمكم عجّل اللّه فرجَهُمْ و فرجه و فرجنا بهم فتنكشف عنكم البلايا من جميع ما تكرهون و ذلك زمان عافيتكم و سلامتكم انتم و شيعتكم من المكاره كلّها فسأل ان يشرّف في زمان عافيتكم من المكاره كلّها او يشرّف ببركة عاقبتكم او عافيتكم ففي بمعني الباۤء للمصاحبة او السببيّة او هي للظرفية علي المعني الاوّلي فقولنا اوّلاً سأل اللّه ان يرفع درجته فيما يمكن له يعني بالفعل او بالقوّة و هو ما يحصل له بحبّهم و التسليم لهم و اتّباعهم في اقوالهم و افعالهم فانه ليس حاصلاً له بالفعل اي بدون العمل بل الاعمال القلبيّة و اللسانية و الاركانيّة فانّها متمّماتٌ لقابليّته لما فضل من افاضاتهم فعن الباقر عليه السلم ما مِن عبدٍ حَبَّنا و زاد في حبّنا و اخلص في معرفتنا و سُئِلَ مسئلة اِلّا و نفثنا في روعه جواباً لتلك المسئلة ه ، و ذلك لانه اذا حبّهم اي بقلبه و لسانه و زاد في حبّهم بالعمل بسنّتهم و الاقتداۤء بافعالهم و الاخذ بٰاثارهم و اخلص في معرفتهم بنحو ما كتبنا لك في هذا الشرح مما لميكتب في كتاب و لميجر في خطاب و لميسمح به جواب فقد تَمّ له ما يمكن له بمتمّمات قابليّته و امكان ما بقوّته و ح يكون قلبه مفتاحاً لخزاۤئن علومهم و لساناً لارادتهم و هو معني قولنا فيما يمكن له و انّما قلنا هذا بياناً لِغَايةِ ترقّيه و احتِرازاً عن توهّم وصولِهٖ الي رتبة العصمةِ بتقريبهم له فانّه بذلك لايكون معصوماً ابداً ما دام هو ايّاه لانّ النور من حيث هو نورٌ لايكون منيراً ابداً نعم لو شاۤء اللّهُ او شاۤؤا من اللّهِ كان و لو نشاۤء لجعلنا منكم ملاۤئكةً في الاَرْض يخلفون و هو سبحانه قادر علي قلب حقيقةٍ الي حقيقةٍ اُخْري [ص 235] و قولهم بامتناع انقلاب الحقاۤئق باطل الّا ان يراد به خصوص امتناع انقلاب القديم حادثاً و الحادثِ قديماً و ظاهر كلام كثيرين انّ هذا ليس هو المراد بقولهم او يرادُ اَنَّ الشيء حال كونِهٖ هو ايّاه غيرَهُ في حال كونه ايّاه و هذا فرض جنون لا فرض عقلٍ و امّا غير هذين فانقلاب الحقاۤئق بعضها الي بعض ممكن كامكان وجودها و عدمِها بلا فرقٍ و علي تفسير الشرف بالمَالِ يكون المسئول اليسار من الطاعات و الحَسَنات بمعني اسأل اللّه تعالي في زمن عاقبتِكم المحمودة التي تجتمع فيها القلوب علي ارادة الطاعات او في زمن عافيتكم المسعودة التي تسلمون فيها انتم و من تابعكم من جميع المحذورات ان يمكّنني من كمال طاعتكم و نهاية خدمتكم حتي اكون ذَا يسارٍ من الحسنات كما فسّر به دعاۤء الوضوۤء في غسل اليد اليُمنَي اللهم اعطني كتابي بيميني و الخلدَ في الجنان بيساري علي احد الوجهين بان يعطيَني كتابي بيميني و براۤءَةَ الخلود في الجنان بسبب يساري من الحسنات ضد الاِعْسَار فانّه افضل كل يسار و في عيون الاخبار عن الرضا عليه السلم ما معناه انه قال عليه السلم انّ امّ سليمن عليه السلم قالت لابنها يا بُنيَّ ايّاك و كثرة النوم بالليل فان كثرة النوم بالليل يدع الرجل فقيراً يوم القيمة ه ، يعني لقلّة حَسَناته .
و قوله عليه السلم : و يمكّن في ايّامِكم التمكين يراد به ما تقدّم في معني المراد من يملّك في دولتكم وَ يُشَرَّفُ في عاقِبتِكم بان يجعلَه بما يوفّقه له من طاعته و طاعة اَوْلِيَاۤئه و محبّته لهم و القيام بواجبِ حقوقهم و مندوبِهَا والِياً مملّكاً مُقدَّماً علي اكثر ابناۤء صنفه بكمال ايمانه و اخلاصِ نيّته متصرِّفاً في امورِهمْ عَلَي ما حَدّد ائمتهم عليهم السلم لَهُ مما اَمرَ اللّهُ و هَدَي اليه وَ اَيّامُهم يراد منها ما يراد من دولتِهمْ وَ عَاقبتهم وَ عَافيتهم و هو زمانُ سَلْطَنتِهم و تمكينهم في الدنيا او يراد من ايّامِهم [ص 236] ايّامُ اللّهِ اي الّتي يظهر فيها دينَه و يُعْلٖي كلمته بهم و هي آلاۤؤه و نعمه او هي قهره و نقمه و هي ما في الخصال عن مثني الحنّاط قال سمعتُ اباجعفرٍ عليه السلم يقول ايام اللّه يوم يقوم القاۤئم عليه السلم و يوم الكرّة و يوم القيمة و في تفسير علي بن ابراهيم ايّامُ اللّه ثلاثة يوم يقوم القاۤئم و يوم الموت و يوم القيمة و في تفسير العياشي عن ابيعبداللّه عليه السلم في قول اللّه و ذكّرهم بايّام اللّه قال آلاۤءُ اللّهِ يعني نعمه فاذا فسّرت بالٰالاۤءِ اُريد منها انّها زمان اتمام دينه و اكمال نعمته علي عباده المؤمنين بما يفيض عليهم من بركات السّماۤء و الارض و قد ذكر ابنطاووس (ره) في كتاب سعد السعود انّي وجدتُ في صحف ادريس النبي علي محمد و آله و عليه السلم عند ذكر سؤال ابليس و جواب اللّه تعالي لَهُ قال يا ربّ فانظرني الي يوم يبعثون قال لا و لٰكنّك من المنظرين الي يوم الوقت المعلوم فانّه يومٌ قضيتُ و حَتَمْتُ اَنْ اُطَهِّر الارضَ ذلِك اليومَ من الكفر و الشرك و المعاصي و انتخبُ لذلك الوَقْت عباداً لي امتحنتُ قلوبهم للايمان و حشوتُها بالورع و الاخلاص و اليقين و التقوي و الخشوع و الصدق و الحلم و الصبر و الوقار و التّقي و الزهد في الدّنيا و الرغبة فيما عندي و اجعلهم رعاة الشمس و القمر وَ اسْتَخلَفهم في الارض و امكّن لهم دينهم الذي ارتضيته لهم ثم يعبدونني لايشركون بي شيئاً يقيمون الصلوة لوقتِها و يؤتون الزكوة لحينها و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و اُلْقِي في ذلك الزمان الامانةَ علي الارض فلايضرّ شيء شيئاً و لايخاف شيء من شيء ثم يكون الهواۤمّ و المواشي بين الناس فلايؤذي بعضهم بعضاً و اَنْزِعُ حَمّةَ كل ذي حمّةٍ من الهواۤمّ و غيرها و اُذْهب سمَّ كلّ ما يلدغ و اُنْزل بركاتٍ من السماۤءِ و الارض و تزهرُ الارض بحسن نباتها و تُخرِجُ كلّ ثمارها و انواع طيبها و اُلقي الرأفةَ و الرحمة بينهم فيتساوَوْنَ و يقتسمون بالسويّة فيستغني الفقير و لايعلو [ص 237] بعضهم بعضاً و يرحم الكبير الصغيرَ و يوقّر الصغيرُ الكبيرَ و يدينون بالحقّ و به يعدِلُونَ و يحكمون اولۤئك اولياۤئي اخّرتُ لهم نبيّاً مصطفي و اَمٖيناً مرتَضي فجعلتُه لهم نبيّاً و رسولاً لهم و جعلتهم له اولياۤء و انصاراً تلك امّة اخّرتُها للنبي المصطفي و اميني المرتضي ذلك وقتٌ حجبتُه في علم غيبي و لا بد انه واقع اُبيدُك يومئذٍ و خيلك و رجلك و جنودك اجمعين فاذهب فانك من المنظرين الي يوم الوقت المعلوم ه ، و اذَا فُسِّرتْ بالنقمة فظاهر لانّها الايّام التي ينتقم اللّه سبحانه فيها من اعداۤئه و اعداۤئهم امّا في الٰاخرة او في الرجعة و كذلك اذا فسّر الاول بقيام القاۤئم عليه السلم و امّا اذا فسّر بالدنيا كما في ظاهر التفسير قال في الٰاية في الكشاف اي انذرهم بوقاۤئعه التي وقعت علي الامم قبلهم قوم نوح و عاد و ثمود و منه ايام العرب لحروبها و ملاحمها الخ ، و اقول بل تجري الي قيام القاۤئم عليه السلم فكذلك لان اللّه تعالي ينتقم فيها منهم و ان امهلهم حتي يستوفوا ما كتب لهم من الٰاجال و الارزاق و حتي يبلغوا دركاتهم في هُوِيّهم في جهنّم منها فانّ لكلٍ درجاتٍ مما عملوا فهو في هذه الدنيا يهوي في جهنّم باعماله و اعتقاداته و اقواله فهو يسير سيراً حثيثاً هاوياً حتي يصل الي قعرِها من رتبته فيموت فمنهم من يستدرجه بالنعم حتي يأخذه بغتة و منهم من يبتليه بالمرشدين و الادلّة فيهلكهم علي ايدي دُعاته بما يستحقه من انواع الهلاك من الموت او القتل او الطاعون او المسخ او الخسف او غير ذلك و لايظلم ربّك احداً و منهم من يهلكه باقامة الحجة عليه حتي يحترق بها و في كل ذلك يكون المؤمن مملّكاً في ايّامهم في كلّ شيء بحسبه فانّ مَن علّمه حجّتهم عليهم السلم حتي كسر بها حجّة عدوِّهم فقد ملّكه معاني ما علّمه و جعله والياً علي كثير من اتباعه من الشيعة الٰاخذين منه و علي كثير من الملاۤئكة حتي سلّطهم علي ناصري عدوّه من الشياطين فيهزونهم باذن اللّه تعالي و لقد كنتُ قاعداً في الاحساۤء [ص 238] في دكّانِ عَطّارٍ فحضر معنا رجل من مشاۤئخ الناصبة فسألني العطّار و كان شيعيّاً بمحضره عن وجه النّصب في قراۤءة فامسحوا برؤسِكم و اَرْجُلَكم الي الكعبين فتكلّمتُ له و تعرّضتُ للناصب بذكر بعض حججهم ليدخل معنا في البحث فدخل فاخذتُ في ابطال مذهبهم في غسل الرجلين و كلّما تواني عن الكلام او غفل عن حجّتهم ذكّرته حتي انقطع و لميقدر علي ردّ جوابٍ ابداً و اسودّ وجهه في مجلسه ذلك سواداً لايخفي علي الغبي فضلاً عن الذكي ثم قام و مضي بيته و لميخرج عشر ايّام الّا الي قبره لارحمه اللّه حين اخرجوه و وضعوه في حفرة النار و هذا من انتقامِ اللّه سبحانه في الدنيا لاولياۤئه عليهم السلم و انتصاره لدينه اجريٰهُ علي يديّ فضلاً منه وحدَهُ لا شريك له بل من ذلك ما اذا عرفتَ انّ الوزغ عدوّ لهم فقتلتَهُ نصرةً لهم فانه يصدق عليك انّكَ مُكِّنْتَ في ايّامهم في الدنيا بقتل اعداۤئهم و الانتقام و ذلك حين كانوا وزغاً و لو كانوا بصورة الانسان لماتمكَّنتَ من ذلك فالدنيا يوم من ايّامهم المخفيّة فهم متمكِّنون فيها و ان لميكن التمكن ظاهراً و لو لمتعرف هذا لمتتقرّب الي اللّه بقتل حيوانٍ صغيرٍ لانك لمتمكّن في ايّامهم كلّها و هذا منها و ان كان خفياً روي ابوالفتح محمد بن علي بن عثمن الكراجكي (ره) في كتاب كنز الفراۤئد قال و روي ابونصر ● قال كنتُ عند الامام الباقر محمد بن علي صلوات اللّه عليه ذات يوم و سامابرص علي حاۤئط ينقُّ فقال صلوات اللّه عليه هل فيكم احد يدري ما يقول هذا المسخ قلنا ماندري فقال صلوات اللّه عليه و لكنّي ادري ما يقول يقول لَأن شتمتم معوية لاشْتمَنَّ عليّاً فقلنا يا ابنَ رسول اللّه لو امرتَ بقتله فقال صلوات الله عليه لغلام يا غلام اقتل هذا الوزغ فانه مسخ و هو عدوّ موليٰنا اميرالمؤمنين علي بن ابيطالبٍ [ص 239] صلوات اللّه و سلامه عليه قلتُ جعلتُ فداك يا ابن رسول اللّه (ص) و هذا الوزغ ممّن يبغض اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه قال يا ابانصر تدري ما كان هذا الوزغ قبل ان يمسخ في هذه الصورة قلتُ اللّه و رسوله و ابنُ رسوله اعلم قال صلوات اللّه عليه كان رجلاً من بنياميّة و كان جبّاراً عصيّاً ذا سلطانٍ شديدٍ و حشمٍ و عبيد فمسخه اللّه عز و جل كما تري ثم قال صلوات اللّه عليه ايّما رجل قتل وزغاً و عاد مريضاً و مشي علي اثر جنازة مؤمن في يوم واحدٍ اوجب اللّه عز و جل له الجنّة ه ، و الحاصل المراد من سؤال التمكين في ايّامهم لاقامة دين اللّه و اعلاۤء كلمته لا لِنَيْل حظوظ الدنيا فافهم .
و قوله (ع) : و تقرّ عينه غداً برؤيتكم قرت العين كناية عن الفرح و السرور و في القاموس و عينُه تقرّ بالفتح و الكسرِ قَُرّةً و تضم و قروراً بردت و انقطع ماۤؤها اذا رأت ما كانت متشوّقةً اليه ه ، و المراد بالغدِ يوم القيمة او يوم يقوم القاۤئم عليه السلم او يوم الرجعة و هذه الاحتمالات مبنيّة علي ما تقدّم من قوله عليه السلم يحشر في زمرتكم و يكرّ في رجعتكم يعني انه اذا حصل الاجتماع و هذا في المعني مرتّب علي ما قبله و هو قوله فثبتني اللّه ابداً ما حَيِيتُ علي موالاتكم و محبّتكم و دينكم و وفّقني لطاعتكم و رزقني شفاعتكم و جعلني من خيار مواليكم التابعين لما دعوتم اليه و جعلني ممّن يقتصّ آثاركم و يسلك سبيلكم و يهتدي بهديٰكم و يحشر في زمرتكم و يكرّ في رجعتكم و يملّك في دولتكم و يشرّف في عاقبتكم و يمكّن في ايّامكم ، و معني ترتّبهِ علي هذه التي قبله في المعني انّ قرّة عينه علي كمال ما ينبغي انّما تحصل له اذا استجيب له دعاۤؤُه في هذه كلّها فاذا استجيب له دعاۤؤه فيها علي نحو ما اشرنا اليه حصل له كمال السرور و نهاية الفرح الذي هو غاية قرّة العين لانه اذا بقي من طلباته شيء كان عند رؤيتهم مغموماً لفواتِ [ص 240] حال يحبّون ان يكون عليها محبهم و يلقيهم بها فلذا قلنا انه مرتّب علي ما قبله معني و انما قلنا معني لانه في الظاهر معطوف عليها فهو من جملتها .
قال عليه السلم : بابي انتم و امّي و نفسي و اهلي و مالي .
قد تقدّم الكلام في معني بابي انتم الخ ، فان قلت هنا ذكر النفس و فيما سبق لميذكر النفس فما الفاۤئدة في ذلك قلتُ لانّه لمّا ذكر سابقاً كثيراً مما هم اهله من صفاتهم و فداهم عند ذكرها بما ذكر و كان قد ذكر بعد ذلك من صفاتهم ما ذكر و عظم الشأن في نفسه و كبر في قلبه و لميبق عنده شيء اعزّ و لا احبّ من نفسه بل كل عزيزٍ و حبيبٍ فانما كان عزيزاً و حبيباً لاجْلِها فداهم بها فان قلتَ لِمَ لميقتصر عليها و كيف ذكر من ذكر قبل ذلك معها مع ان ذكره اوّلاً كافٍ قلتُ لو اقتصر عليها ربّما فهم من ذلك الاختصاص هنا بها و هناك بهم او علي جهة البدليّة و التخيير بمعني انه انما يفديهم باحدهما فذكرهم معها ليدلّ علي استحقاقهم لذلك كله و لمّا ذكرهم و ذكر نفسه دلّ علي ان هذا غاية جهده و لو وجد غير ذلك لبذله فان قلتَ لم قدّم الاب مع ان الاَولي تقديم النفس لان كل محبوبٍ فانما هو لاجلها قلتُ قد يقال انما اخر النفس لانه ذكر المذكورات علي جهة الترقي من الاضعف الي الاقوي و الترقي قد يكون في الاثبات من الاضعف الي الاقوي و ان كان خلاف الغالب و الذي يظهر لي ان الجواب الحق ان الترقي جارٍ علي حكم الاغلب و قد تقدم كثير من الجواب و انما الاب بحكم الاقوي لتقدمه علي النفس و اصالته و كذا الام و لاحترامهما و لان ذلك من المعروف المأمور بالمصاحبة به و قولي سابقاً في هذا البحث بحيث يفني الحبيب و العزيز من كتاب الرعاية مرادي عند التفدّي و معني كتاب الرعاية و المحافظة الذي اشرتُ اليه في قوله عليه السلم بابي انتم و امي الخ السابق لا هذا اريد [ص 241] به ان كل شيء تحبّه او تكرهُه او تحذره فهو في كتاب عندك مسطور يسمونه اهل الظاهر و القشر بالخيال و اهل الشرع عليهم السلم يسمونه بالكتاب و قد اشرنا فيما تقدّم الي ما يبيّن هذا فراجعه و انما يصح ان يقال له الخيال لانّ لخيالك عَيْنَيْنِ يلاحظ بهما ما في كتابي الزمان و المكان من الامثال القاۤئمة المعلّقة بالاعيان الخارجيّة تعلّق الظلّ بالشاخص فاذا ظهر لك المخاطب مثلاً بما استمال به كل قلبك من الصفة المستحسنة احببتَ دوامَها عليك و لحظتَ احتمال تغيّرها او تبدّلها بما لمتستحسن او فناۤء الذي قامت به ملاحظةً بلا تشخّصٍ لذلك المكروه الذي حذرته لاستغراق تعيينك في تعيُّنِهٖ لَكَ و انّما يرد المحذور علي وهمك لا علي جهة التعيّن و لذا اكثر الناس لايتوهمه فضلاً عن ان يجده اَوْ يعرفه و هو ما ذكرتُ فلاتصغ الي غير ما ذكرنا :
يا ابن الكرام الاتدنو فتبصر ما قد حدّثُوك فما رائٍ كمن سَمِعَا
فاذا عرفت هذا فاعلم انّ الصفة التي ظهروا بها لمن عرفهم هي مجموع ما اشتملت عليه مشيّة اللّهِ من كلّ صفة مستحسنةٍ في نفس الامر ليس في الامكان مثلها اوْ احسن منها و قد اشتملت هذه الزيارة المباركة علي الاشارات الي كثير من ذلك و قد ضمّنّا في هذا الشرح كثيراً من معَاني قولهم اجعلوا لنا ربّاً نَؤُبُ اليه و قولوا فينا ما شئتم علي انّي و للّه الحمد لماقل فيهم ما شِئتُ و انّما قلتُ فيهم ما شاۤؤا لٖي اَنْ اَقُولَ فيهم فقلتُ باذن اللّه و اذنهم ما لو سمعه السميع لصُمَّ و البصير لعَمِي و هذا و امثاله من صفاتهم الحقيّة التي هي الاسماۤء الحسني و الامثال العليا و النعم التي لاتحصي هي تلك الصفة المقتضية لميل القلوب العارفة بهم الي حدٍّ يفني عنده الجنان و تدأب في القيام بمدحه الاركان و ينطق في تيّار لُجَّتِهٖ اللّسان بكلّ لغةٍ لها منه ترجمان [ص 242] الي ان قال بابي انتم و امّي و نفسي و اهلي و مالي ثم التفت القلبُ الي ان يُجْمِلَها اوْ اغلَبُها في بعض جوامع الكلم فعلّمه الامام عليه السلم .
فقال عليه السلم : مَن اراد اللّٰهَ بدأ بكم و من وحّده قبل عنكم و من قصده توجّه بكم .
قال الشارح المجلسي رحمه اللّه من اراد اللّهَ بدأ بكم فانه لايمكن الوصول الي معارفه و مرضاته الّا باتّباعِهم في العقد و العمل و من وحّده قَبِل عنكم اي كلّ مَن يقول بتوحيد اللّهِ يقبل عنكم فانّ البرهان كما يدُلُّ علي التوحيد يدل علي وجوب نصب الخليفة المعصوم او لميوحّدِ اللّهَ وَ لميعبده حقّ عبادته مَن لميقبل العلوم منكم اَوْ عرف التوحيد و غيره من المعارف من قولكم و ادلّتِكم او نهاية مراتب التوحيد لايوصل اليها الّا بمتابعتكم او مَنْ لميقبل منكم فهو من المشركين او مَن عرف اللّه حقّ معرفته فهو يقبل منكم كلّما تقولونه انتهي .
اقول هذه الفقرات الثلاث من جوامع الكلم لانّ كل واحدٍ يراد منها كلّ معنيً فقوله (ع) مَنْ اَرَادَ اللّهَ بَدَأَ بكم يراد به مَن اراد ان يَعرف اللّهَ قصَدَهُم ليعرّفوه معرفة اللّه و ما يصح عليه و يمتنع لانهم السنة ارادة اللّهِ و لايعرف مراد اللّهِ الّا بتعليمه و لايعلّم احداً من خلقه الّا بهم لانهم محاۤلّ مشيته و السنة ارادته و ظاهره في خلقه و نوّابه في عبادِه و ابوابه في بلاده و امثاله العليا في بريّته و قصدهم اي ليعرفَهُمْ فاذا عرفهم عرف اللّه بمعرفتهم لانّهم اٰيات معرفته فمن عرفهم فقد عرف اللّه لان الشيء انّما يعرف بصفته و هم صفته و آثار صفته فاذا عرفتَ الصفة عرفتَ الموصوف بتلك الصفة بهيئتها كالطويل فانّك اذا عرفتَ الطول عرفت الطويل الموصوف بالطول بهيئة الطول و كالقاۤئم اذا عرفت القيام عرفت القاۤئم الموصوف بالقيام باثره الذي هو القيام و ذلك انه [ص 243] سبحانه لمّا كان لايعرف بالكنه لانّ الشيء لايدرك الّا ما هو من جنسه و في رتبته و ح يحيط به فاذا احاط به كان اعلي منه كما في رواية المُفضّل عن الباقر (ع) الي ان قال في قوله تعالي اللّه نزّل احسن الحديث فاحسن الحديث حديثنا لايحتمل احد من الخلاۤئق امره بكماله حتي يحدّه لانّ من حدّ شيئاً فهو اكبر منه ه ، و لمّا اراد ان يُعْرف تعرَّفَ لعباده بصفةٍ يعرفونه بها و لاتكون الّا مخلوقة من جنسهم فاوّل ما تعرّف تعرّف لمحمد و آله الطاهرين الثلاثةعشر المعصوم صلي اللّه عليه و آله بهم اي ظهر لهم بهم يعني وصف نفسه و كنههم ذلك الوصف و تعرّف للانبياۤء عليهم السلم بهم بمحمد و آله صلي اللّه عليه و آله و معني ذلك ظاهراً لتفهمه ان النور صفة المنير فيعرف المنير بما وصف به نفسه و هو النور لانه يشابه ظهور المنير به كالشمس فان نورها يشابه ظهورها به و نور القمر كذلك و لايشابه نور الشمس و نور الشمس لايشابه نور القمر لان كل واحد انما ظهر بنوره الذي هو صفة ظهوره به و دليله عليه لا بنور غيره فافهم فالوصف الاول حقيقة محمد و آله صلي اللّه عليه و آله و نور هذا الوصف الذي لايوجد و لايظهر الّا به لكونه صفته حقيقة الانبياۤء عليهم السلم و نور تلك الحقيقة الذي لايوجد و لايظهر الّا بها لكونه صفتها حقيقة المؤمنين و هكذا فالمؤمنون انما يعرفون اللّه بهيئة ظهوره لهم بالانبياۤء الذين لايعرفون اللّه الّا بهيئة ظهوره لهم بمحمد و آله صلي اللّه عليه و آله كما لو قابلتَ مِرْءٰاةً فانّ وجهك ينطبع فيها بلا واسطة فاذا قابلتِ المِرْءٰاةُ مرءٰاةً اخري كان في المرءٰاة الثانيةِ صورةُ المِرءٰاةِ الاولي فيها صورة وجهك و هكذا فالذي يقابل الثانية انما يري صورة الوجه المنطبعة في صورة الاولي فلمير الّا صورة الصورة و الظاهر بها في الثانية صورة المرءاة الاولي لا نفسها و الصورة التي في الثانية مركبة من ماۤدة و صورة فالمادة ظهور الاولي بما فيها من الصورة للثانية و الصورة صفاۤء زجاجة الثانية [ص 244] و استقامتها او اعوجاجها و بياضها او سوادها و كبرها او صغرها و لهذا يختلف صورة الاولي و ما فيها من صورة الوجه باختلاف الثانية في الصفاۤء و الكدورة و الاستقامة و الاعوجاج و البياض و السواد و الكبر و الصغر و ماۤدة الصورة التي في الاولي ظهور الظاهر لها بفعله ايّاها و صورتها هيئتها من صفاۤء و استقامة و بياض و كبر فقوله تعالي سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحق اذا اريد بالمعنييْن محمد و آله صلي اللّه عليه و آله كان المراد بالٰايات الٰايات الكبري و يصدق قول اميرالمؤمنين عليه السلم من عرف نفسه فقد عرف ربّه حقيقة النفس و حقيقة المعرفة و ليس فوق هذه رتبة و اذا اريد بهم غيرهم عليهم السلم احتمل وجهان :
احدهما ان المراد بالانفس محمد و آله صلي اللّه عليه و آله كما قال تعالي لقد جاۤءكم رسول من انفسكم اي جاۤءكم رسول من آلمحمد صلي اللّه عليه و آله لانهم هم انفس الخلق و ذواتهم اي هم انفس النفوس و ذوات الذّوات و المعني ان الخلق يعرفون اللّه بهم لانّهم الٰايات الكبري قال اميرالمؤمنين عليه السلم ليس للّه آية اكبر مني و لا نبأ اعظم مني رواه في الكافي و في قوله تعالي لقد رأي من آيات ربّه الكبري اذا جعل الكبري منصوباً علي انّه مفعول رأي و هو افعل التفضيل اي رأي علياً عليه السلم الذي ليس للّه آية اكبر منه ليلة المعراج لميصل الي مكان الّا و يراه امامه و خاطبه اللّه بلسانه هذا علي معني الٰاية و علي معني الحديث انّ مَن عرفهم فقد عرف اللّه كما تقدّم .
و ثانيهما ان المراد بالانفس انفس الخلق اي سنريهم آياتنا اي آيات معرفتنا في انفسهم و المعني كما مثّلْنا لك بالمِرْءاة المقابلة للمِرءاة المقابلة للوجه فانك تري صورة الوجه في صورة المِرْءٰاة و ذلك لانك اذا عرفتَ نفسك عرفتَ وصف اللّه تعالي نفسه لك الظاهر لك فيهم و بهم عليهم السلم و قصدهم [ص 245] ليعرفهم لان معرفتهم هي معرفة اللّه حقيقة و الي الثلاثة المقاصد اشار علي عليه السلم بقوله نحن الاعراف الذين لايعرف اللّه الّا بسبيل معرفتنا اي لايعرف اللّه الّا بما وصفناه تعالي و دللنا عليه فمن اعرض عن شيء مما دللنا عليه من صفاته فانّما اعرض الي الشيطان و هذا علي المقصد الاوّل الذي هو مأخذ الخواۤصّ من شيعتهم و له معني ثانٍ فوق هذا اي لايعرف اللّه الّا بمعرفتنا يعني انا اركان توحيده فمن انكرهم فقد انكر اللّه و من لميعرفهم لميعرف اللّه فلميعرف اللّه من وحّد اللّه و لميشهد ان محمداً رسول اللّه و لميوحّد اللّه من شهد اَلّا اله الّا اللّه وحده لا شريك له و شهد ان محمداً رسول اللّه و لميشهد ان علياً ولي اللّه صلوات اللّه عليه و لميوحِّد اللّهَ مَن شهد الّا اله الّا اللّه و شهد انّ محمداً رسول اللّه صلي الله عليه و آله و شهد انّ علياً ولي اللّه صلوات اللّه عليه و لميشهد بان الائمة الاحدعشر عليهم السلم حجج اللّه في ارضه و خلفاۤؤه في بلاده و اُمناۤؤه علي دينه في عالَمِهٖ و هكذا و هذا المقصد الثاني هو طريق الخصيصين من شيعتهم و له معني ثالثٌ و هو انّك لاتعرف زيداً الّا بظاهرٍ منه من صفةٍ اوْ اسم او اشارة و هذا آية معرفة اللّه في قوله تعالي سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحق و قال تعالي و في انفسكم افلاتبصرون فاذا عرفتَ بأَيّ شيءٍ عرفتَ زيداً عرفتَ اللّه سبحانه الاتسمع الي قول الصادق عليه السلم العبوديّة جوهرة كنهها الرّبُوبيّة فما فقد في العبوديّة وجد في الرُّبُوبيّة و ما خفي في الربوبية اصيبَ في العبودية الحديث ، فلمّا تأمّلنا معرفتنا بزيد وجدنا طريقنا الي معرفته انما هو وجهه الذي نتوجّه اليه من صفته و اسمه و الاشارة اليه و لا سبيل لنا الي غير ذلك من الاحاطة بكنهه و لمّا طلبنا معرفة خالقنا الذي لايمكن ان يعرف من نحو ذاته استرشدناه فارشدنا بناطق كتابه و ترجمانه الذي ارسله الينا صلّي اللّه عليه و آله فقال في كتابه و تلك الامثال نضربها [ص 246] للناس و مايعقلها الّا العالمون و كأَيّن من آية في السماۤء و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون فاخبرنا العالمون الذين يعقلون آيات اللّهِ فقال صلي الله عليه و آله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربّه و قال علي عليه السلم مَنْ عَرف نَفْسَه فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ فلمّا طلبنا معرفة نفسِنا من حيث هي موجودة قاۤئمة بنفسها لمنقدر علي ذلك الّا بمعرفة صفتها و اسمها و الاشارة اليها ثم نظرنا فاذا الذي عرفناها به هو اثرها و صفة فعلها و ما ينسب اليها و لمّا نظرنا في الاثر و صفة الفعل و ما ينسب الي الشيء وجدناه وجه معرفتها الذي يدلّ بما فيه علي جهة المبدئيّة فالاثر يدلّ علي مؤثره يعني من التأثير لا مطلقاً كما تدلّ الكتابة علي الكاتب من هذه الجهة و لهذا اذا رأيت الكتابة حسنة استدللتَ بذلك علي استقامة حركة يد فاعلها و لاتدلّ علي جماله او كماله او علمه او تقويٰهُ لانّ الاثر انّما يدل بما فيه علي جهة المبدئيّة له و كذلك صفة الفعل تدلّ علي فاعل لا علي ذاتٍ و كذا احوال النسب كالاشارات و الاوضاع و الاقترانات و امثال ذلك هذا و نحن قد عرفنا حدوث انفسنا بالفقر و التركيب و التغيّر و التحوّل و غير ذلك من صفات الحدوث فلمّا طلبنا معرفة انفسنا من حيث هي وجدنا انموذجاً منقوشاً فهوانِيّاً قُدِّر في التّوصيف علي قدر التّعريف لانّ النقش يقع علي قدر الرَّقِّ المنشور المنقوش ففتّشنا حقيقته فاذا هو قول الواصف لنفسه بذلك القول فلمّا قرأناه عرفناه بانّه الوجه الذي يتوجّه اليه طالب المعرفة و رأينا فيه مَرايا قد انتقش فيها وجه الوجود و الغنا و البقاۤء و الدّوام السّرمدي وَ لا رَيْبَ انّ المنتقش وجه و نور و هو قول علي عليه السلم انّما تدرك الٰالات انفسها و تشير الادوات الي نظاۤئِرها و قال عليه السلم انا الذي لايقع عليه اسم و لا صفة و في الٰاية الشريفة و انّ اِلَي ربّك المنتهي و قال علي عليه السلم انتهي المخلوق الي مثله و اَلْجأَهُ الطَّلَب الي شكله فعرَفْنَا بما كُتِبَ لنا من [ص 247] ذلك الانموذج صورةَ وجهٍ تبارَك وَ تَعَالي لهُ الجَلالُ و الاكرام و هو اسم المعبود و ظاهر الوجود و منبع الكرم و الجود وَ هُوَ العَلِيُّ العَظٖيمُ فتَوجَّهْنَا الي المسمي بهذا الاسم الكريم المعني بهذا الوصفِ العليِّ العظيم و هذا سبيلُ معرفتهم يعني بهذا يعرفهم مَنْ عرفهم و من عرفهم بهذا فقد عرف اللّهَ تعالي حقّ ما يمكن من معرفته و هو قول الصادقِ عليه السلم و هو المكوِّنُ و نحن المكان و هو المُشٖيۤءُ و نحن الشيء و هو الخالق و نحن المخلوقون و هو الرب و نحنُ المربوبون و هو المعني و نحنُ اسماۤؤهُ و هو المحتَجِبُ و نحنُ حُجُبُه الحديث .