و قول الشارح (ره) لانهم قاۤئلون بانّ ائمّتنا داعون الي الجنّة بلا خلاف بينهم فيه شيء لان اتباعهم علي ثلاثة اقسام : قسم منهم تبيّن لهم الحقّ و عاندوا عليه بعد ان بيّنَ لهم اللّه الحق في انفسهم فهؤلاۤء في دعويهم و اعتقادهم في ائمّتهم مثل ائمّتهم فيما ذكرنا من الشك و التردّد لاجل مقتضي الصورتين و قسم منهم تبيّن لهم الحق فكتموا امرهم فهم يعملون بعمل ائمّتهم و يقولون بقولهم ظاهراً و لهم في انفسهم احوال متعددة منهم من يقرّ بخطأ ائمتهم و لكنه لملازمته لعملهم قد يختم له بالسّوۤء لانّ العمل هو الذي يحدث اللّه به الصورة من احدي الصورتين فان كان يعمل بعملهم غير معتقدٍ له بل اذا تمكن من العمل الحق عمل به فهذا مؤمن و ان كان لايعتقده و لكن لايعمل بالحق مع التمكن فهذا فاسق ينظر اللّه في يوم تقوم قيامته في حياته او يوم القيمة و ان كان يعتقده و لم‌يتبيّن له الهدي فهو مرجي لامر اللّهِ و ان تبيّن له الهدي فهو منهم لان الاعمال السيئة ترين علي القلب و تخرجه من الحق الي الباطل كلّا بل رانَ علي قلوبهم ما كانوا يكسبون و قال تعالي و قالوا قلوبنا غلف بل طبع اللّه عليها بكفرهم فلايؤمنون الّا قليلاً اي الّا قليلاً ممّن كفر علي جهلٍ و لم‌يتبين له الحق اوْ الّا قليلاً من احوالهم يؤمنون و لاينفعهم لانّهم مقيمون [ص 201] علي اعتقاد الكفر بعد البيان و من هذا القسم الثاني ابوبكر بن قريعة من علماۤئهم و قد سئل عن ما هم عليه في خلوة فقال للساۤئل :

يا من يسائلُ داۤئباً عن كل مسئلةٍ سخيفة

لاتكشِفنّ مغطّأً فلربّما كشّفتَ جٖيفة

و لرُبَّ مستورٍ بَدا كالطبلِ من تحت القطيفة

لولا حدود صوارم امضي مضاربَها الخليفة

و سيوف اعداۤءٍ بها هاماتُنَا ابداً نَقٖيفة

لكشفتُ من اسرار آل‌محمد جُمَلاً طرٖيفة

تُغْنٖيكُم عمّا رواه مالكٌ و ابوحنيفة

و اَرَيْتكم انّ الحسين اُصٖيبَ في يوم السقيفة

و لايّ شيءٍ اُلْحِدَتْ بالليل فاطمةُ العَفٖيفة

و لِمٰا حمَتْ شَيْخَيْكمُ عن وطئِ حجرتها المُنٖيفة

آهٍ لبنتِ محمّدٍ ماتَتْ بغُصَّتِها اَسٖيفة

انّ الجوابَ لَحاضرٌ لٰكنَّنٖي اُخْفٖيه خٖيفة

و كلامه هذا كما تري ظاهر الانكار عليهم و اللّهُ اعلم بما في قلبه و قسم منهم لم‌يتبيّن لهم الحق فهؤلاۤء لا حكم لاقرارهم و لا انكارهم حتي يتبيّن لهم الهدي في الدنيا او في الٰاخرة فيلحق باحد الفريقين فريق في الجنّة و فريق في السّعير و كثير من هؤلاۤء شاهدناهم اذا رضي عليهم او غضِب علينا اثني علي ائمّتِهٖ و جعلهم الدعاة الي الجنّة و اذا غضِب عليهم او رضي علينا طعن عليهم و ربّما لعنهم و اذا كانت اتباعهم علي هذه الاقسام فلايقال بقول مطلق انهم قاۤئِلون بانّ ائمّتهم داعون الي الجنّة بلا خلافٍ .

[ص 202] قال عليه السلم : فثبَّتَنِي اللّٰه ابداً ما حَيٖيتُ ( ما بقيتُ . خ‌ل ) علي موالاتكم و محبّتكم و دينكم .

مقتبس من قوله تعالي يثبّت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الٰاخرة ، و في الكافي عن سويد بن عُفَلة عن اميرالمؤمنين عليه السلم في صفة الحساب في القبر الي ان قال فاذا ادخل قبره اتاه ملكا القبر يجرّان اشعارهما و يخدّان الارض باقدامهما و اصواتهما كالرعد العاصف و ابصارهما كالبرق الخاطف فيقولان له مَنْ ربّك و ما دينُكَ وَ مَنْ نبيّك وَ مَنْ اِمَامُكَ فيقول اللّه ربّي و الاسلام ديني و نَبِيّي محمّد صلي اللّه عليه و آله و امامي علي فيقولان له ثبّتكَ اللّه فيما يحبّ و يرضي و هو قول اللّه عز و جلّ يثبّتُ اللّهُ الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الٰاخرة الحديث ، و في الفقيه و قال الصادق عليه السلم انّ الشيطان ليأْتي الرجل من اولياۤئِنا عند موته عن يمينه و عن شماله ليضلّه عما هو عليه فيأبي اللّه عز و جلّ له ذلك و ذلك قول اللّه عز و جل يثبّت اللّه الّذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الٰاخرة و غير ذلك من الاحاديث و لما كانت القلوب قد تزيغ و تتقلّب امر اهل العصمة عليهم السلم شيعتهم بان يقولوا كلّ يوم يا مقلِّب القلوب و الابصار ثبّت قلبي علي دينك و دين نبيّك صلي اللّه عليه و آله و لاتزغ قلبي بعد اذ هدَيْتَني و هب لي من لدنك رحمة انك انت الوهّاب ، لانّ القلوب و ساۤئر الممكنات انّما تقوم بامر اللّه و لا قوام لها من نفسِها الّا ان الاشياۤء مختلفة في لزوم الصفات لموصوفاتها و التوابع لمتبوعاتِها لانّ الوصف ان كان للصورة الاولي الاصليّة كان لزومها اشدّ و انفكاكها ابعد و ان كان يجوز عليها ذلك ففي حديث التكليف الاوّل في عالم الذرّ في حكم قبض قبضةً بيمينه فقال للجنّة و لااُبالي و قبض قبضةً بشماله فقال للنار و لاابالي و اشترط [ص 203] لنفسه البداۤء في اصحاب الشمال و لم‌يشترط ذلك في اصحاب اليمين و ذلك لان الصفة اللازمة من اعمال اصحاب الشمال من الصورة الثانية التي هي الشجرة المجتثّة بخلاف الصفة اللازمة من اعمال اصحاب اليمين من الصورة الاولي التي هي الشجرة التي اصلُها ثابت فالملزوم في المجتثّة اصله عدم اي مستنِد الي الافتقار و الملزوم في الثابتة اصله وجود اي مستند الي الاستغناۤء بمدد الغني و لذا كان اللزوم في الخير اشدّ من اللزوم في الشر و الانفكاك في الخير اَبْعَد من الانفكاك في الشرّ و لمّا اسْتقَرّ اليقين عَلَي معني ما ذكر ممّا وصفهم به و نسبه اليهم و انّه سبيل الهدي و طريق النجاة من النار و غضب الجبّار و طريق النجاح و الظفر بالجنان و رضي الرحمن اغتبطَ بما تفضّل به عليه مولاه المتفضّل المنان و استحقَر نفسه في مقام عظيم هذه النعمة الكبري سأل ربه الذي ابتدأه بهذا الفضل العظيم من غير استحقاق اَنْ يُثبِّتَه عليه ما ابقاه يعني في الدنيا الّتي هي محلّ التبدّل و التغيّر لانّه ان لم‌يعصمه المتفضّل ابتداۤءً غيّر ما بنفسه فيغيّر اللّهُ ما به من نعمة فاذا ثبّته علي ذلك الي الموت استقرّ الفضل مقرّه و لم‌يخف عليه بمجري عادة الفضل و لمّا كان سبحانه لايسئل عمّا يفعل و هو علي ما يشاۤء قدير فان ابقاه فهو ملكه اَدامَهُ علي ملكه و ان شاۤء ان يغيّره فالملك له يتصرّف في ملكه كيف يشاۤء اذ لم‌يكن له شريك في الملك امر بالدعاۤء بالتّثبيت في الدنيا التي هي محلّ التغيّر الكوني و في الٰاخرة التي هي محلّ التغيّر الامكاني و الخلق كله له و في قبضته في الدنيا و الٰاخرة و دعاۤء منكر و نكير كما مر في الحديث للمؤمن مع انه خرج من دار التغيّر الكوني بالتثبيت في الدنيا و الٰاخرة من ذلك القبيل لان الٰاخرة و الدنيا في التغيّر الامكاني سواۤء الا له الخلق و الامر و اليه يرجع الامر كله الا الي اللّه تصير الامور و انّما امرَ بالدُعاۤء [ص 204] مع اَنّ السببَ في التثبيت الاعمال الصالحة لانّ الدعاۤء هو الركن الاعظم من السبب من جهة انه من القدر بمنزلة الروح و العمل بمنزلة الجسد كما قاله علي بن الحسين عليهما السلم لما سأله رجل فقال جعلتُ فداك أبقدر يصيب الناس ما اصابهم ام بعمل فقال عليه السلم ان القدر و العمل بمنزلة الروح و الجسد فالروح بغير جسد لاتحسّ و الجسد بغير روح صورة لا حراك بها فاذا اجتمعا قويا و صلحا كذلك العمل و القدر الحديث رواه في التوحيد ، و في كثير من النسخ ما بقيتُ مكان ما حييتُ و المراد من اللفظتين هو انّ المراد بالحيوة في دار الدّنيا و بالبقاۤءِ ( دار الٰاخرة ، نسخة ) و انما خصّ التّثبيت بالدنيا لما قلنا من انّها هي دار التغيّر الكوني فاذا سلم في الدنيا الي ان خرجت روحه سَلِمَ من التَّغَيُّرِ و الانقلاب غالِباً لمن محض الايمان محضاً اوْ محض الكفر محضاً امّا من لم‌يمحض فحكمه موقوف علي بلوغه مقام المحض سواۤء كان في الدّنيا او في الٰاخرة .

و قوله (ع) : علي موالاتكم المرادُ به المُوَالاةُ الصُّوريّةُ و لهذا عطف عليها المحبّة و الدّين و العطف يقتضِي المغايرة و لو اريد بها الولاية الحقيقيّة لَماعطف عليها المحبّة و الدين اذ كلّ شيء مما يحبّ اللّه و يريده من اَحدٍ من خلقه فهو من الولاية الّا ان يراد بالعطف عطف الخاۤصّ علي العام كما قيل في قوله تعالي فيهما فاكهة و نخل و رمّان و عطفهما علي فاكهة مع انهما منها لزيادة مزيّة لانّهما لم‌يخلصا للتفكّه لان ثمرة النخل فاكهة و طعام و الرمان فاكهة و دواۤء كذلك المحبّة و الدين فان المحبّة ربّما تكفي عن ظاهر الولاية حتي ان الاخبار وردت من الفريقين بما ظاهره الاكتفاۤء بها في النجاة يوم القيمة مثل ما رووا من طرقٍ متعدّدة انّما سمّيت فاطمة لان اللّه فطم محبّها و محبّ محبّها و محبّ محب محبّها من النار في عدة احاديث لم‌يكن عندي الكتاب الذي وجدتها فيه و لكن هذا محصّل معني اكثرها [ص 205] و مثل ما روي من طرقهم ايضاً كما رواه ابن‌شاذان عنهم و قد تقدم و من طرقنا ايضاً ما معناه قال تعالي اقسم بعزّتي و جلالي اني ادخل الجنّة مَن احبّ عليّاً و ان عصاني و اقسم بعزتي و جلالي اني ادخل النار من ابغض علياً و ان اطاعني و الاحاديث في ان حبّهم منج من النار لاتكاد تحصي و كذلك الدِّين فانه في الظّاهر غير الولاية و في الكافي قال ابوعبداللّه عليه السلم يسئل الميتُ في قبره عن خمس عن صلاته و زكاته و حجه و صيامه و ولايته ايّانا اهل البيت فتقول الولاية من جانب القبر للاربع ما دخل فيكن مِن نقصٍ فعلَيّ تمامه و في رواية عن احدهم عليهم السلم ما معناه اذا دخل المؤمن في قبره دخل معه خمس صور صورة عن يمينه و صورة عن يساره و صورة من قِبَلِ رأسه و صورة من قِبَل رجليه و صورة ترفرف من فَوْقهٖ فيأتيه العذاب من عن يمينه فتدفعه الصورة التي عن يمينه و يأتيه من يساره فتدفعه الصورة التي عن يساره و يأتيه من قبلِ رأسه فتدفعه الصورة التي من قبل رأسِه و يأتيه من قبل رجليه فتدفعه التي من قبَل رجليه فتقول الصورة التي تُرَفْرِف من فوقه لهن ما نقص منكن فعَليَّ تمامُه و ان عجزتم فانا اكفيكم ايّاه فقال الساۤئل له عليه السلم ما هذه الصور فيقول عليه السلم اما التي عن يمينه فالصلوة و امّا التي عن يساره فالزكوة و امّا التي عند رأسه فالصيام و اما التي عند رجليه فالسعي الي المساجد و امّا الّتي تُرَفرِف عليه فولايتنا ، و امثال ذلك من الاخبار و هي تدلّ علي انّ الدّين و الاعمال غير الولاية و المراد بالولاية هنا ولايتهم و ولاية مواليهم و البراۤءة من اعداۤئهم و محبّتهم و محبّة محبّيهم و بغض اعداۤئِهمْ و هي المرادة في هذا الكلام من الزيارة و امّا الولاية المطلقة الّتي مابقي احدٌ من الخلق غيرهم لا نبي مرسل و لا ملك مقرّب و لا مؤمن ممتحن الّا وقع منه تقصير فيها في شيء من احوالها فالمحبّة و الدِّين و جميع [ص 206] الاَعْمال من التكاليف الشرعيّة و الوجوديّة منها .

و قوله عليه السلم : و محبّتِكم يُراد منه الدعاۤء بالتثبيت علي محبّتهم و هي في الحقيقة منبعثةٌ من الفؤاد لتفرّعها علي المعرفة و اذا انبعثت عن غير الفؤاد لم‌تكن حقيقيّة بل يجوز ان تكونَ لِغَرضٍ لأَن المحبة الذاتيّة الحقيقيّة هي الّتي تكون لمحض الذات مع قطع النظر عن الصفات الفعليّة سواۤء وافقت ارادة المحب ام خالفت لانّها ليست ملحوظة كما قلتُ في بعض قصيدةٍ في الغزل :

فان جفا وَ اِنْ وَفَي وَ اِنْ صَفَي فهو الحبيبُ ايَّ حالٍ ارْتضي

يتبعُه قلبيَ لا احوالَهُ فَلْيَنْقَ من احوالِه بما يَشاۤ

و هذه قد تكون عن معرفةٍ و قد تكون عن جهل فان كانت عن معرفةٍ بصفات المحبوب فلاتكون المحبّة حقيقيّة يعني غير معلّلةٍ الّا بأَحد وجهين : احدهما ان المحب وجد صفات المحبوب عين مطلوبه فيكون حينئذٍ المحبة حقيقيّة فانه اذا احبّ تلك الصفات كانت حقيقيّة غير معلّلةٍ بغير المحبوب فالمحبوب تلك الصفات المطلوبة لا الموصوف و محبّة الموصوف ليست حقيقيّة لانّها معلّلة بصفاته المطلوبة و ان وجدها غير المطلوبة اَوْ وجد بعضَها كذلك لم‌تتحقق الحقيقية الّا علي الوجه الثاني الذي نذكره فالذات ليست مطلوبة و الصفات كذلك فاذا احبّ فهو لطمعٍ او خوفٍ و ثانيهما ان يكون المطلوب للمحب هو ذات المحبوب بغير التفاتٍ الي شيء من صفاته و هنا تكون المحبّة علي الاصح حقيقيّة سواۤء وافقت صفاته ام خالفَتْ و انّما قلتُ علي الاصح لان العلماۤء قد اختلفوا مع ظاهرِ اتّفاقِهم علي انّ المحبّة اذا وقعت من شخص فانّها راجعة الي نفسِ المحبّ و شهوته و هوي نفسه و انما اختلفوا في محبّته للّه سبحانه هل يمكن ان تكون خالصةً للّه تعالي ام تكون كمحبة غيره فانّه انّما احب اللّه تعالي [ص 207] ليدخله الجنّة او ينجيه من النار او ليقرّبه اليه او يعلّمه او يرزقه و امثال ذلك فتكون محبّته راجعة الي نفسه و الاصح امكان وقوعها للّه خالصة بدون التفات نفسه لان المفروض وقوع ذلك من العارف باللّه تعالي و الشخص لايكون عارفاً باللّه سبحانه علي جهة الحقيقة بحيث يشاهد الجمال الحق الّا في حال لايجد نفسه و لا شيئاً من الخلق كما قال علي عليه السلم كشف سبحات الجلال من غير اشارة و قال الصادق (ع) دنوّه من الخالق بلا اشارة و لا كيف و هو معرفة النفس التي هي معرفة الربّ و ان كانت عن جهل فقد تحصل الحقيقيّة اذا كان المحبوب حقيقة المحب و المحب فرعه اي خلق من فاضل طينته اي من شعاع نوره كمثل الشيعي مع ائمته عليهم السلم فانّه ربّما يسمع ذكرهم اوْ شيـٔاً من فضاۤئلهم فيبكي لميل فؤادِهٖ و جعل افئدةً من الناس تهوي اليهم و ليس حين بكي عند ذكرهم رجاۤء للثواب او دفعاً للعقاب و لكن بمجرّد الطبيعة و ميل الفرع الي الاصل فهذه محبّة حقيقيّة غير معلّلةٍ بالاغراض و لاتكون من غير الفرع للاصل مع الجهل فلا تحقّق منه في محبّة اللّه تعالي لعدم كون المحب فرعاً عن اللّه تعالي بمعني انه خلق من فاضل شعاعه و لا من فعله تعالي اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً لأَن المخلوق اصله من الامكان و الامكان محلّ الفعل و الفعل حدث بنفسه و الحاصل قولي اوّلاً و هي في الحقيقة منبعثةٌ من الفؤاد لتفرّعها علي المعرفة تعريف للحقيقية لأَنّ ما لم‌تكن من الفؤاد تكون طلباً لشيء من الاشياۤء في مظاۤنّ وجوده و محبّة اهل البيت عليهم السلم الحقيقية موجبة للنجاة من النار و لدخول الجنّة البتّة و امّا المحبَّة المعلَّلة فتقبل في الدنيا و امّا في الٰاخرة فلا بد من الاختبار حيث اللّه يقول ام حسبتم ان تدخلوا الجنّة و لمّايأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساۤء و الضراۤء الٰاية ، فالمعلّلة لاتبقي و انّما تبقي الامور الحقيقية [ص 208] و امّا الامور العارضة فهي فانية لاتبقي الي الٰاخرة و الي هذا اشار تعالي الاخلّاۤء يومئذٍ بعضهم لبعض عدوّ الا المتقٖين فظهر لمن تدبر كلامي و فهم مرامي اَنَّ المحبّة الجزئيّة ولايةٌ جزئيّة و هي المنبعثة من الفؤاد و هي احد افراد الولاية الكليّة و المحبّة الكلية هي بعينها الولاية الكليّة لانّ الجزئيّة تَولّي الفؤاد لانها فرع المعرفة بقي تولّي القلب باليقين و التصديق و التسليم و تَولّي النفس بالذكر الجميل و التخيّل الحسن و تولّي اللّسان بالحديث الحسن و الكلم الطّيّب و تولّي الاركان بالاعمال الصالحة التي امر اللّهُ بها فمجموع الجميع هو الولاية الكليّة و المحبّة الحقيقيّة الكليّة و هذه المذكورة في الزيارة هي الجزئيّة لعطفها علي الولاية و عطف الدين عليها او علي الولاية و العطف مقتضٍ للمغايرة .

و قوله (ع) : و دينكم يراد به الطّاعَة و الجزاۤء بمعني اسأل اللّهَ اَنْ يُثَبِّتَنٖي علي طاعتِكم و لو اريد بعطف المحبّة و الدين العطفَ التّفسيري جازَ كما ذَكرنا هناكَ في المحبّة الكلّيّة فيكون المراد بالدين ما فسّره به بعضهم بانه وضعٌ الهي لاولي الالباب يتناول الاصول و الفروع قال اللّه تعالي ان الدين عند اللّه الاسلام و المراد بالاسلام هنا الايمان الكامل كما يدل عليه قول اميرالمؤمنين صلي اللّه عليه و آله علي ما في الكافي لأَنسبنّ الاسلام نسبةً لم‌ينسبه احد قبلي و لاينسبه احد بعدي الّا بمثل ذلك انّ الاسلام هو التسليم و التسليم هو اليقين و اليقين هو التصديق و التصديق هو الاقرار و الاقرار هو العمل و العمل هو الاداۤء انّ المؤمن لم‌يأخذ دينه عن رأيه و لكن اتاهُ من ربّه فاخذه انّ المؤمنَ يُرَي يقينه في عمله فو الَّذٖي نفسي بيده ماعرفوا اَمْرَهُمْ فاعتبروا انكار الكافرين و المنافقين باعمالهم الخبيثة ه‍ ، فهذا الاسلام هو الايمان الكامل و له مراتب مختلفة غير متناهية و هي مراتبُ الولايةِ الكلّيّة و في الكافي عن [ص 209] ابي‌عبداللّه عليه السلم قال ان اللّه تعالي وضع الايمان علي سبعة اسهمٍ علي البرّ و الصِدقِ و اليقٖينِ و الرضا و الوفاۤء و العلم و الحلم ثم قسم ذلك بين الناس فمن جعل فيه سبعة الاسهم فهو كامل محتمل و قسم لبعض الناس السَّهْمَ و لبعضٍ السهمين و لبعضٍ الثلاثة حتي انتهوا الي سبعة ثم قال لاتحملوا علي صاحب السهم سهمين و لا علي صاحب السهمين ثلثة فتبهظوهم ثم قال كذلك حتي ينتهي الي السبعة و فيه عن شهاب قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلم يقول لو علم النّاس كيف خلق اللّه تعالي هذا الخلق لم‌يَلُمْ احَدٌ احداً فقلتُ اصلحك اللّه و كيف ذاك قال انّ اللّهَ تعالي خلق اجزاۤء بلغ بها تسعةً و اربعين جزءاً ثم جعل الاجزاۤء اَعْشاراً فجعل الجزءَ عشرة اجزاۤء ثم قسمه بين الخلق فجعل في رجل عُشْرَ جُزْءٍ و في آخر عُشْرَيْ جُزْءٍ حتي بلغ به جُزْءاً تاۤمّاً و في آخر جُزءاً و عُشْرَ جُزْءٍ و آخر جُزْءاً و عُشْرَيْ جُزْءٍ و آخر جُزْءاً و ثلٰثةَ اعشارٍ حتّي بلغ به جُزْئَيْن تاۤمّيْنِ ثم بحساب ذلك حتّي بلغ بارْفعِهم تسعة و اربعين جزءاً فمن لم‌يجعل فيه الّا عُشْرَ جُزءٍ لم‌يقدر علي ان يكون مثل صاحبِ العُشْرَيْنِ و كذلك صاحب العُشْرَيْنِ لايكون مثل صاحب الثلاثة الاعشار و كذلك من تَمَّ له جُزْءٌ لايقدر علي ان يكون مثل صاحب الجزئين و لو علم الناس ان اللّه تعالي خلق الخلقَ علي هذا لم‌يَلُمْ احدٌ احداً ه‍ ، فتأمّل في هذه المراتب التي هي الايمان الّذي هو الاسلام الّذي هو الدين و مع هذا فكم فيه من خبايا في زوايا هي من الولاية الكلّيّة و في الحب بالنظر الي اعلي مراتبها كذلك لكن هذه الفقرات بناها عليه السلم علي ما هو المُتَعارف الظَّاهِر .

قال عليه السلم : و وفّقني لطاعتكم و رزقني شفاعتكم و جعلني من خيار مواليكم التّابعين لما دعوتم اليه .

[ص 210] اقول توفيق اللّه توجيه الاسباب نحو الخير المطلوب و الاصل في ذلك ان اللّه تعالي جعل لكلّ شيء سبباً و هي من دواعي علّة بَدْئِهٖ من جهة الفَيْض وَ التمكين و من جهة القبول و التمكّن و قد جعل لكل شيء ضدّاً فجعل من جهة الضدّ من دواعي قبضه و تخليته مانعاً و الاسباب و الموانع ناقصة الوجود و التأثير و لاتتم فيهما الّا بالتعلّق بالاشياۤء المقدّرة بها و لايكون المانع اقوي من السّبب المقتضي الّا اذا تساويا في الرتبة و الوقت و المكان و الكمّ و الكيف و الجهة فتبقي الاسباب المثبتة و الموانع النافية شايعة في كلّيّاتِها معلّقة في اُصولها غير متميّزةٍ في انفسِها حتّي ترد المشيّة بالاذن فيتوجّه السّبب الي المسبّب الامكاني بالتمكين و يبقي المسبّب مغموساً في بحر الكمون حتي يتوجّه نور السبب الي تقدير المسبّب بالقبول و التمكّن او ترد الارادة بالمنع فيتوجّه المانع الي الشيء الامكاني بالصرف فان وردا في مشهدِ المتممات السِّتّةِ انتفي الايجاد لقوة المانع و كذا و انْ ورَد المانع قبل و ان ورد السبب في مشهدِ المتمّمات الستة قبل المانع وجب الايجاد و لا حكم لورود المانِع اِلّا للمحوِ اِنْ كانَ صالِحاً للكلِّ اوْ للبعض .

ثم اعلم ان الاسباب قد تكون بسيطةً بمعني انها لاتحتاج في تأثيرها الي متمِّمات من جهة القوابل و هي ما سبق به الكتاب من العناية الازليّة و قد تكون مُرَكّبةً بمعني انها تحتاج في تأثيرِها الي متمّماتٍ من جهة القوابل امّا لكونها قليلة في جانب المسبّب او لوجود مانعٍ فيحتاج الَي مُرَجّحٍ للمقتضي عليه و لمّا كان المؤمن خلق من فاضل طينتهم بدليل محبّته لهم و ولايته و التسليم و الردّ اليهم كما سمعتَ ثبت المقتضي وَ هذا لا شَكَّ فيه و لكن قد ثبت في العقل و في النّقل انّ كلّ شيء فهو مؤجّلُ الوجود بمعني انّ ظهوره في الكون موقّت مضبوط الاوّل و الٰاخر و الاشياۤء مختلفة فمنها ما وقته طويل [ص 211] يبقي الي اَنْ يدخل اهل الجنّةِ الجنّةَ و اهل النارِ النارَ و منها الي البرزخ الي اوله اوْ اوسطه اوْ آخره و منها الي الموت و منها ما ينتهي في الدنيا و هذه الاسباب المقتضية من ذلك فقد يكون الشخص مؤمناً خمس سنين ثم يتغيّر كالمُعَارين نعوذ باللّه من سخط اللّهِ و منهم من يتغيّر عند خروج نفسه و منهم الثابت المستمرّ الي ان يدخل الجنّة و لمّا ثبت في العقل و النقل انّ اللّهَ مالكُ الامور و هي في قبضته هو المالك لما ملّكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه اذ لا بقاۤءَ لشيء الّا بمدده الابتداۤئي في كل آنٍ ابداً و الّا لكان مستغنِياً عن اللّه تعالي و لهذا وجب علي المطيعين ان يخافوا مكر اللّه و الّا كانُوا عاصين و وجب علي العاصين الرجاۤء في اللّه و الّا كانوا كافرين و ثَبتَ اَنَّ غير المعصومين مزجت طينتهم بطينة العاصين فلهذا تقع منهم المعَاصي و ثَبتَ اَنّ اَعْظَمَ الاَسْبَابِ المقتضية بل جُلّها بَلْ كُلّهَا الاَعْمال الصَّالحة للخير و السَّيّئة للشَّرّ و ثبت اَنّ الدعاۤء و الانقطاع من اشدِّ الاَعْمال تأثيراً حتَّي انه جعله تعالي هو العبادة فقال تعالي ادعوني اَسْتجِبْ لكم انّ الّذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين ، و ثبَت اَنّ القلوب تزيغ فعن الكاظم عليه السلم في حديث هشام يا هشام ان اللّه حكي عن اقوام صالحين انهم قالوا ربنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمةً انّك انت الوهّاب حين علموا اَنَّ القلوبَ تزٖيغُ و تعود الي عماها و رداها الحديث ، و في العياشي عن الصادق عليه السلم اكثِروا من اَنْ تقولوا ربّنا لاتُزِغ قلُوبَنا بعد اِذْ هديتَنا و لاتأمنوا الزّيغ ه‍ ، و انّما كانت تزيغ لانّ ثباتها بيده تعالي و للَّطْخِ الخبيث المقتضي للاعمال الخبيثة التي شأنها الرّين علي القلوب ثبت علي كل مؤمنٍ ان يسأَل اللّه اَنْ يُثبّتَه علي دينه و لمّا كان ما ذكره عليه السلم في كلمات هذه الزيارة الشريفة هو حقيقة الايمان و الولاية و المحبّة و الدين و ظاهرها و باطنها سأل اللّه اَن [ص 212] يثبّتَهُ علي ذلك و لمّا كان ذلك كله عبارةً عن طاعتهم سأل اللّه تعالي ان يوفّقَهُ لها ليكون الدعاۤء متمّماً لما نقصَ من مقتضي كونِهٖ و تمكينه و من مقتَضٖي قابليّته و تمكّنه .

و قوله عليه السلم : و رزقني شفاعتكم الرزق ما ينتفع به و لمّا كان جميع ما خلق اللّه تعالي من الجواهر و الاعراض من المعاني و الاعيان من كل شيء انّما خلقه بمشيّته و ارادته و ذلك امّا يحبّه او يكرهه و كلّ شيء احبّه فقد دلّ عليه و امر به و كلّ شيء كرهه فقد دلّ عليه و نهي عنه و كُلُّ ذلك لمصلحةِ عبادِهٖ من فعلٍ او تركٍ فما احبّه فقد امر به و ما امر به فهو نافع للمأمور و تركه قد يكون مضرّاً بهٖ او يكون مانعاً من الكمال غير مضرٍّ بالتمام و ما كرهَهُ فقد نهي عنه و ما نَهَي عنه فَفِعْلُهُ ضاۤرٌّ للمنهيّ عنه و قد يكون تركه نافعاً له في تمامه او في كماله بعكس المأمور به فالرزق اذا اريد به ما ينتفع به فهو من المحبوب فلايكون الحرام رزقاً و ان احتسب عليه من رزقه فانه يحاسب عليه خلافاً للعاۤمّة حيث جعلوا الحرام من الرّزق فانّه ممّا ينتفع به و غلطُوا فانه و ان استقامَ به البدن من جهة انّ اللّه احتسبه عليه من رزقه و لكن القلب و الصدر و الدين لاتستقيم به بل يرينُ علي القَلْب و يُضَيّق الصَّدْر بتعارُضِ دواعي الحقّ من تأثير الفطرة الحق و دواعي الباطل من تأثير الغذاۤء الحرام فسأله تعالي ان يرْزقه ما ينتفعُ به في تمامه و كماله و الشفاعة مأْخوذة من الشفع و هو غير الوتر و في القاموس الشفع غير الوتر و هو الزوج و قد شفعه كمنعه و يوم الاضحي و قيل في قوله تعالي و الشفع و الوتر هو الخلق لقوله تعالي و من كل شيءٍ خلقنا زوجين او هو اللّه عزّ و جلّ لقوله تعالي مايكون من نجوي ثلٰثةٍ الّا هو رابعهم انتهي ، اقول مراد مَن نقَل الفيروزبادي عنه انّ اللّه سبحانه اقسم بنفسه فقال و الشفع و الوتر [ص 213] فانه تعالي هو الشفع لانّه مايكون شيء من خلقه واحد اوْ اكثر الّا هو تعالي معه فقد شفع كلّ شيء من خلقه و هو تعالي وَتْرٌ اي علي ما هو عليه في عز وحدانيّتهٖ تعالي فمعني الشفاعة ان ينضمّ الي الشخص المشفوع له غيره في بلوغ مطلوبه او دفع محذوره فسأل اللّه تعالي ان يرزقَهُ شفاعتهم عليهم السلم بان يضمّهم اللّه تعالي اليه في نيل جميع مطالبه و دفع جميع ما يخاف و يحذر لانّهم كما روي عنهم هم الشافعون و في الخصال عن الصادق عليه السلم عن علي عليه السلم قال انّ للجنّة ثَمَانية ابواب باب يَدْخُلُ منه النبيّون و الصدّٖيقون و باب يدخل منه الشهداۤء و الصالحون و خمسة ابوابٍ يدخل منها شيعتُنَا و محبُّونا فلاازال واقفاً علي الصراط و انا ادعو وَ اقول ربِّ سلِّم شيعتي و مُحِبّيَّ و انصاري وَ مَنْ تولّاني في دار الدنيا فاذا النداۤء من بطنان العرش قد اُجيبَتْ دعوتُكَ و شُفِّعْتَ في امّتِكَ و يشفع كلّ رجلٍ من شيعتي و مَنْ تَولّاني و نصرني و حاربَ مَن حاربَني بفعلٍ او قولٍ في سبعين الفاً من جٖيرانه و اقرباۤئه و باب يَدْخل منه ساۤئر المسلمين ممن يشهد اَلّا الٰه الّا اللّه و لم‌يكن في قلبه مقدار ذرةٍ من بغضِنا اهْلَ البَيْتِ ه‍ ، و انّما قال و رزقني شفاعتهم لانّ محمّداً صلي اللّه عليه و آله يشفع لاهل بيته عليهم السلم ليؤذَنَ لهم بان يشفعوا فيشفعون لشيعتهم بان يشفعوا و شيعتهم باذنهم عن ائمتهم عن النبي صلي اللّه عليه و آله عن اللّه تعالي يشفعون لمن شاۤؤا و في تفسير القمي عن الصّادق عليه السلم واللّهِ لنشفعنّ للمذنبين من شيعتِنا حتي يقول اعداۤؤنا اذا رأوا ذلك فما لنا من شافعين و لا صديقٍ حميمٍ ، و في الكافي عن الباقِر عليه السلم و انّ الشفاعة لمقبولة و ماتُقْبَل في ناصبٍ و انّ المؤمن ليشفع لجاره و ما له حسنة فيقول يا رب جاري كان يكفّ عنّي الاذي فيشفع فيه فيقول اللّهُ تعالَي انا ربُّك و انا احقّ مَنْ كافَي عنك فيدخله اللّهُ الجنّة و ما له من حسنة و انّ ادني المؤمنين شفاعةً ليشفع [ص 214] لِثَلٰثٖينَ انساناً الحديث ، و في المجمع عنه صلي اللّه عليه و آله انّ الرجل يقول في الجنّة ما فعل صديقي فلانٌ و صديقه في الجحيم فيقول اللّهُ تعالي اخرجوا له صديقه في الجنّة فيقول من بقي في النار فما لنا من شافعين و لا صديق حمٖيمٍ ه‍ ، فقوله و رزقَنٖي شفاعتكم ظاهره ان تشفعوا لي في ذنوبي و يحتمل ان يراد منه ان تشفعوا لي لأَكونَ شافعاً لاهلي و جيراني و اصدقاۤئي و يمكن ان يقال ان العارف العالم هو من اهل الشفاعة كما قال تعالي و لايملك الذين يدعون من دونه الشفاعة الّا من شهد بالحقِّ و هم يعلمون كما دلّت عليه النصوص و شهدت به العقول لايمنعه من ذلك الّا المعاصي فاذا شفعوا له في ذنوبه كان شافعاً باذنهم و ربّما يشفعون لمذنبٍ و يكون من اهل الجنّة و لايكون شافعاً باذنهم لانّه لم‌يكن عالماً عن بصيرةٍ علي انّه لو كان كلّ واحدٍ شافعاً لكان كثير شافعين مشفوعاً لهم فيلزم في كثيرٍ من المواضع الدّور لتوقّف كونه شافعاً علي كونه مشفوعاً له ثم اذا علم ان اهل الشفاعة اي الذين يأْذنون لهم ائمتهم لايكونون من جهّال شيعتهم فعلي ظاهر الحال ان القاۤئل لهذه الفقرات الشريفة لايكون جاهِلاً بحالها و من لم‌يكن جاهلاً بحالها فهو ممّن يصلح للشفاعة البتّة فيترجّح بهذا اللِّحاظ ارادة ان يشفَعُوا له لكي يكون شافعاً .

و قوله (ع) : و جعلني من خيار مواليكم التابعين لما دعوتم اليه اقول يراد من خيار الموالي قسمان : الاوّل الابدال سمّوا بذلك لانهم علي ما قيل لايخلو العالم من اربعين منهم لبقاۤء النظام و ان كان في بعض الاوقات قد يزيدون لانّهم قالوا لا بد لبقاۤء النظام من قطبٍ و هو الغوث و هو محلّ نظر اللّه من العالم و من اركانٍ اربعة تتلقّي عنه ما يتلقّي من الوحي و الاِلهام فيما يتعلّق بتدبير العالم من خلق و رزق و حيوة و ممات و تكليف [ص 215] علي نحو ما اشرنا اليه سابقاً من انّ القطب هو خزانة المالك عز و جلّ بمعني انّ ما اراد ابرازه و ايجاده و حياته و مماته و رزقه و تكليفه و غير ذلك من متعلّق الارادة فقد انهي علم ذلك كله الي قطب العالم عليه السلم و الاركان الاربعة تتلقّي منه و تؤدي احكام ذلك علي ما حدّدَ اللّهُ لوليّه عليه السلم و لا بدّ من اربعين بدلاً و ان كان قد يزيدون لكنّهم لاينقصون فان مات واحدٌ من الاربعين تفضّلَ اللّه علي واحدٍ من النجباۤء فعَلَّي درجته حتّي يكون بدلاً من الذي مات فهو علي هيئتِه و عبادته حتي يكون مثله و لهذا يسمّي بدلاً و لا بدّ من نجباۤء سبعين لا اقل من ذلك و لا بد من ثلاثمائة و ستين صالحاً و لم‌اجد هذا التفصيْل من طرقنا و ان نقله بعض علماۤئنا و ظنّي انّه من طرق العاۤمة لانّ المتصوفة منهم ذكروه في كتبهم و انّما وجدنا من طرقِنا ما رواه صاحب كتاب انيس السمراۤء و سمير الجلساۤء باسناده الي جابر بنِ يزيد الجعفي عن علي بن الحسين عليهما السلم في حديث طويل الي ان قال يا جابر اَوَتدري ما المعرفة المعرفةُ اثباتُ التوحيد اوّلاً ثم معرفة المعاني ثانياً ثم معرفة الابواب ثالِثاً ثم معرفة الامام رَابِعاً ثم معرفة الاركان خامساً ثم معرفة النقباۤء سادساً ثم معرفة النجباۤء سابعاً الحديث ، و المراد بالامام هو القطب و بالاركان الاربعة الاركان المذكورة و بالنقباۤء الابدال الذين قالوا انهم اربعون و لم‌نجد في كتبنا مما فهمتُ و وقفتُ عليه ما يُشير الي الاربعين و انما تشير الي انهم ثلاثون في قوله عليه السلم و نعم المنزل طيبة و ما بثلاثين من وحشةٍ كما رواه في الكافي و الحاصل ان القسم الاول من خيار الشيعة الابدال و هم النقباۤء في حديث علي بن الحسين عليه السلم .

و القسم الثاني النجباۤء و في بعض احاديثنا سَمَّوا (ع) الاوّل بالخصٖيصٖينَ وَ الثّانٖي بالخواۤصِّ و سمّاهم علي بن الحسين عليهما السلم بالنّقباۤء و النّجبَاۤءِ [ص 216] و قَدْ تقدَّمت الاشارة الي انّ الخواۤصّ قد لايعرفون مقام الامام عليه السلم في رتبة المقامَاتِ و المعاني و الابواب و قد يعرفون ذلك لٰا علي سَبيلِ الحقيقة بل علي جهة المجاز و الاجمال و في الحقيقة ما معرفتهم الّا محض التّسليم لما يدرك من مفاهيمها و ما ادرك من مفاهيمها لايطابق المصداق الحقيقي و لهذا ورد لو يعلم ابوذرّ ما في قلب سلمن لقتله او لكفّره لان سلمن من الخصيصين و ابوذرّ من الخواۤصّ و الخصيص يحتمل معرفة المقامات و المعاني و الابواب و قوله و جعَلني من خيار مواليكم يعني بان يوفّقني لطاعتكم بحيث لااعصيكم في شيءٍ فانّي اذا كنتُ كذلك فان فتحَ اللّهُ لي بابَ ما غلقتْهُ عنّي حُجبُ الغيوب كنتُ من الخصيصين و الّا كنتُ من الخواص و في الغالب ان المؤمن اذا لازم طاعتهم انفتحت له ابواب الغيوب و نال المطلوب و في حديث الاسرار قال تعالي يا احمد ان العبد اذا جاع بطنه و حفظ لسانَهُ علّمتُه الحكمة فان كان كافراً تكون حكمته حجةً عليه و وَبالاً و ان كان مؤمِناً تكون حكمته له نوراً و برهاناً و شفاۤء و رحمة فيعلم ما لم‌يكن يعلم و يبصر ما لم‌يكن يبصر فاوّل ما يبصره عيوب نفسِهٖ حتي يشتغل بها عن عيوب غيره و اُبَصِّره في دقاۤئِق العِلم حتي لايدخل عليه الشيطان في مواضع و اُبصّره حيَل الشيطانِ و حيَل نفسِهٖ حتي لايكون لنفسه و للشيطانِ عليه سبيل ه‍ ، هذا اذا كان كثير النظر و الاعتبار في ملكوت السّموات و الارض و التّفكر في آثار الصفات و امّا اذا كان همه العبادة و الطاعة و امتثال الاوامر و اجتِناب المناهي و اصلاح امر دينه و آخرته و لم‌يكن كثير التدبر في كتاب اللّه و النظر في مخلوقات اللّه سبحانه فان مثل هذا يكون من الخواۤصّ و لايكون من الخصيصين لانه لم‌يفتح له ابواب الغيوب و هذا الزاۤئر سأل اللّه ان يجعله من خيار مواليهم و اذا استجاب اللّه له وضع في موضعه اللاۤئق به من القرب علي العبد ان يسعي [ص 217] لاصلاح شأنِه و ليس عليه ان يكون موفّقاً .

و قوله التابعين لما دعوتم اليه آل‌محمد صلي اللّه عليه و آله دعَوا الي اللّه سبحانه كما اراد و الدعاۤء الي اللّه تعالي الي معرفته و معرفة ما يصح عليه و يمتنع منه و معرفة انبياۤئه و حججه و ملاۤئكته و كتبه و معرفة اوامره و نواهيه و معرفة ما اراد و احب من خلقه و ما كره و سخط و طاعته و امتثال اوامره و نواهيه و اجابته الي ما دعا اليه علي السنة انبياۤئه و اولياۤئه صلي اللّه علي محمد و آله و عليهم اجمعين و التابعون لما دعوا اليه هم المستجيبون لهم بالقبول و الطاعة و الامتثال كما اخبر اللّه سبحانه في كتابه فقال يا ايّها الذين آمنوا استجيبوا للّه و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم اي اذا دعاكم فاستجيبوا لا فاجيبوا لان الاستجابة تستلزم الاجابة و الامتثال و الاجابة لايستلزم الامتثال فمعني التّابعين المؤتمّون بكم في جميع احوالكم و اعمالكم و اقوالكم و اعتقاداتكم مما يتعلق بالنفس و المال و النسب و العرض و الدنيا و الدين و الٰاخرة فمن فارقهم في شيء متعمّداً ردّاً عليهم في شيء ممّا ذكر خرج من امان اللّه الي غضب اللّه و سخطه و ماويه جهنّم و بئس المصير و مَن فوّض الامر في جميع ما ذكر لم‌يفارقهم في شيء عن عمدٍ ردّاً عليهم فالجنة مردُّه و ان اتي بذنوب الثقلَيْن .

قال عليه السلم : و جعلني ممن يقتصّ آثاركم و يسلك سبيلكم و يهتدي بهديٰكم .

قال الشارح المجلسي (ره) يقتص اي يتّبع انتهي .

اقول سأل الزاۤئر المؤمن ربّه ان يجعله ممّن يقتصّ آثار آل‌محمّد صلّي اللّه عليه و آله و معني يقتصّ يتّبع مستخبراً او مطلقاً و ليس المراد انّ الاستخبار الواقع حالاً علّةٌ للاتّباع بل الاستخبار احد معلولات الاتّباع و انّما المراد ان يكون متّبعاً [ص 218] حقيقياً اي لايكون في حالٍ "٢" غيرَ متّبعٍ فيكون فيها "-٢" مستقلاً نعوذُ باللّهِ من طلب الاستقلال بدونهم فانّ مَنْ شذّ عنهم شذّ الي النّار لا فرق في هذا بين حكم العمل و القول و الاعتقاد و ليس القول بوجوب اخذ المعارف و الاصول الدينيّة عن العقل مُنَافياً لما نقوله لانّ الحق لهم و معهم و فيهم و بهم و العقل انّما حكم له باصابة الحقّ لانّ نوره من نورهم اَلاتري مَنْ يدّعي العقل من اعداۤئهم بل ربّما تشهد له انت بالعقل الدقيق و الفهم الشديد عند التحقيق و كذلك كثير من اهل الملل و الانتحال من الكفار و المسلمين مع انّهم لايدركون بعقولهم في اعتقاداتهم الّا الاعتقادات الباطلة مثل مميت الدّين بن الاعرابي في فتوحاته المكية بل حتوفاته و في الفصوص و غيرها مع ما هو عليه من شدة الرياضات و دعوي المكاشفات حتّي خضعت له رقاب اشباه العلماۤء فاعتقدوا حقيّة اختياراته و تركوا كلام اهل العصمة عليهم السلم الذين اذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً و هم يعتقدون فيهم انّ روح القدس لايزال معهم يسدّدهم عن الخطا و الغفلة و السّهو و النسيان و مع هذا فيتركون كلامهم و حكمتهم و يرون رأي هذا الملحِد و ليس هو علي مذهبهم بما موّهَ لهم من العبارات و زيّن لهم مزخرف الاعتقادات حتي انّه قال بوحدة الوجود و هو كفر و قالوا به و قال بانّ اهل النار مرجعهم الي النعيم و قالوا به و حكم بان فرعون مات مؤمناً طاهراً مطهّراً و استحسنوا كلامه حتي قال الملاصدرا الشيرازي هذا كلام يشمّ منه راۤئحة التّحقيق و قال ما معناه انّ السّامري جري في صنعه العجل علي محبّة اللّه لان اللّه سبحانه يحب ان يعبد في كلّ صورة و قال انّ علم اللّه بالخلق مستفاد منهم و قال به الملا محسن الكاشي في الوافي في باب الشقاوة و السعادة و قال بان مشيّة اللّه احديّة التعلق يعني ليس له ان شاۤء فعل و ان شاۤء لم‌يفعل لئلاينقلب علمه جهلاً و قال [ص 219] به الملا محسن في المكان المشار اليه من الوافي في مقام بيان انّ قوله تعالي و لو شاۤء لهديٰكم اجمعين انّما فرض امكان هداية الجميع راجع الي حكم العقل بان الممكن قابل للهداية و الضلالة من حيث ما هو قابل فهو موضع الانقسام و في نفس الامر ليس للحقّ فيه الّا امر واحد قال قبل هذا الكلام فمشيّته احديّة التعلّق و هي نسبة تابعة للعلم و العلم نسبة تابعة للمعلوم و المعلوم اَنْتَ و احوالُكَ انتهي كلامُهُ و ما انتهي هو عَن غيِّهٖ و هذه عبارة ابن‌عربي في الفصوص نقلها في الوافي و ذكر في حتوفاته المكيّة منكرات من القول و الاعتقاد يَضيق بذكرها المقام و قد قَبِلَها كثير لدقّة فهمه و عظم تمويهه حتي انّ فخرهم و شرفهم عندهم فهم كلامه فضلاً عن اَنْ يردّوه و كلّه في مقابلة كلام ائمّتهم عليهم السلم و يـٔوِّلون ( يأولون ، ظاهر ) كلام الامام عليه السلم و يردّونه الي كلام ابن‌عربي و عبدالكريم الجيلاني و امثالهُمَا و لو كان العقل يستقل في ادراك شيء من الاعتقادات بدون انوارهم صلّي اللّه عليهم لاهتدي هؤلاۤء و اتباعهم و لو عاينتَ ما كنّا نُعاينُ لرأيتَ قطعاً انّ العقول التي في جميع مَن سواهم لاتستغني عن مددهم و نورهم حتي في امر البيع و الشراۤء و الاكل و الشرب و الخياطة و جميع الصناۤئع و الزراعات فضلاً عن امر الاعتقادات و رُبَّ قاۤئلٍ نحنُ لانحتاج اليهم عليهم السلم في شيء من احوال الاعتقادات و انّما نحتاج اليهم في الشرعيات فينبغي ان يقالَ له :

اذا كنتَ ماتدري و لا انتَ بالذي تطيعُ الذي يدري هلكتَ و لاتدري

وَ اَعْجَبُ من هذا بانَّكَ ماتدري و انّك ماتدري بانّك ماتدري

اَمايَعْلم انّهم علل الوجود الكوني فكيف يكونُ معلول بدون علّةٍ و قد اشرنا الي ادلّة مَا ذكرْنا فيما قَبْلُ فراجع .

[ص 220] و قوله (ع) : وَ يَسْلُكُ سبيلكم المراد بالسبيل هنا في الظاهر هو الولاية الظاهرة من امر الدين من احكام الاسلام و الايمان في الدنيا و الٰاخرة مما قرّروه بالقيام به علي حسب ما اَمَرهُم اللّه تعالي به من التبليغ و التعريف و الامر بما امر اللّه سبحانه و النّهي عما نهي عنه و القيام بالواجبات و المندوبات و الٰاداب الشرعية و الاخلاق الالهيّة و ترك المحرمات و المكروهات و ما لايَنْبَغي من الاخلاق الذميمة حتي اشادوا الدين بالعمل و العِلم و التبيين بالقول و العمل فهذا و مثلُه سبيلهم و سبيلهم في كل شيء قصدٌ و هي اقصر الطرق و اَقْربُها الي اللّه تعالي و السبيل في الباطن هو الامام عليه السلم و ولايته و معني السُّلوك علي الاوّل اتّباعه في جميع ما جعل اللّه له من الامامة في احوال الدنيا و الدين و الٰاخرة و علي الثاني القيام بمقتضي احكامها من المحبّة لهم و لاولياۤئهم وَ البغض لاعداۤئهم و التّابعين لهم .

و قوله (ع) : وَ يَهْتدي بهُديٰكُمْ في اهدنا الصراط المستقيم قيل ادْلُلْنَا عليه و ثبّتنا و عن الصادق عليه السلم ارشدنا للزوم الطريق المؤدّي الي مَحبَّتِكَ و المُبَلِّغ اِلَي جَنَّتِك من اَنْ نتّبِعَ هوانا فنعطب اَوْ نَأخذ بٰاراۤئِنا فنَهلك ه‍ ، فالهداية بمعني الارشاد و الدلالة الموصلة الي المطلوب اوْ اِلي ما يوصل الي المطلوب و الظاهر انه يكون ذلك في المتعدّي بنفسه و في المتعدّي باللّام و باِلي و الفرق بينها مدخول و قوله تعالي يهدي الي الحقّ و الي طريق مستقيم يَردّ قول مَنْ فصّل و فرق لانّ المراد بالحقِّ و الطريق المستقيم هو الدين المطلوب لا المُوصل الي المطلوب و كذا ظاهراً قوله و يهتدي بهديكم انّ المراد به الحق لَا المُوْصِل اِليه لانّه لايسئل من اللّهِ اَنْ يُوَفِّقَهُ الَي ما يُوْصِلُ المطلوب لانّ الموصل الي [ص 221] المطلوب هو تبيين طريق الخير و الشرّ كما قال تعالي و امّا ثمود فهدَيْنَاهم فَاستحبُّوا العمي علي الهدي فانّ المراد به تعريف طريق الخير و تعريف طريق الشّرّ و لم‌يسأل هذا و امّا التوفيق لطاعتهم حتّي يعمل كما عملوا و يَتْرك كما تركوا فانَّ ذلك هو المطلوب لا الجنّة كما قاله الاكثرون و ان سلّمنا فمطلوب الدّاعي صحّة اتّباعهم و سلوك طريقهم كما هو صريح هذه الكلمات و المَعْلوم منها هو اقتصاص آثارهم و سلوك سبيلهم و الاهتداۤء بهديهم و اما النّعيم في العُقْبَي من جميع ما اعدّ اللّهُ فيها للمطيعين فهو آثار تلك و لوازمها و عوارضها ففي الحديث ما معناه لم‌يحضرني ان الصّادق صلوات اللّه عليه سمع رَجُلاً يقول من الشيعة اللهم ادخلني الجنّة فقال عليه السلم انتم في الجنّة و لٰكن سَلُوا اللّه اَلَّايخرجكم منها انّ الجنّة هي ولايتُنَا ه‍ ، و انما قلنا ان المطلوب هو العمل الصالح الصحيح المقبول نظراً الي الصحيح من الاقوال في انّ الاعمال هل تُجسَّم و هي الثواب و العقاب كما قال تعالي ان الذين يأكلون اموال اليتامي ظلماً انّما يأكلون في بطونهم ناراً و سيُصْلَوْن سعيراً و قال تعالي و ماتجزون الّا ما كنتم تعملون ، ام هي غيرها و قد جعل اللّه لكلّ عملٍ اجْراً معيّناً اذا كان يوم القيٰمة و كشف عن الخلق الغِطاۤء عرفوا موافقة كلّ جزاۤء لعمله الموجب له علي كمال العدل المستقيم ام الاعمال صور الثواب و العقاب و معني هذا ان كل شيء فله ماۤدّة منها يخلق و له صورة عليها يخلق و له ايجاد فيه يخلق و له حيوة لها يخلق فلا بدّ من هذه العلل الاربع لايكون بدونها فالاولي العلّة الماۤديّة و هي امر اللّهِ سبحانَهُ و نهيه و ذلك ماۤدّة الثواب و العقاب كما تقوله انت ان الوجود الذي هو خير كلّه هو ماۤدّة المؤمن و الكافر فهو مع الطاعة مؤمن و ايمان و مع المعصية كافر و كفر و الثانية العلّة الصّورية و هي فعل المكلّف لانّه اِنْ وافق الامر و النهي كان ايماناً و طاعةً [ص 222] و كان مقبولاً فيخلق اللّه منهما بالعلّة الثالثة التي هي العلّة الايجاديّة التي فيها يخلق كما قَبِلَ كما اشارَ اليه سبحانه حين عاتبَ الكفّار من النصاري حيث لم‌يفهموا ما اراد اللّه منهم بالقيام به و قالوا نحن لم‌نفهم ذلك لان قلوبَنا انتَ خلقتها مطبوعاً عليها فردّ سبحانه عليهم و قال لم‌اخلقها كذلك الّا باعمالهم و انكارهم و لو اطاعوا و لم‌ينكروا لفتحتُ عليهم باب الفهم و التوفيق فقال تعالي و قالوا قلوبنا غلفٌ بل طبع اللّهُ عليها بكفرِهم فخلقَهم كما قبلوا و لم‌يقبلوا اِلّا الكفر و الانكار فخلق في العلّةِ الفاعليّة للرّابعة التي هي العلّة الغاۤئيّة و هي التي كلّ الخلق ميسّرون لها اِذْ كلٌّ ميسّرٌ لما خُلِقَ لَهُ وَ كُلٌّ عاملٌ بعمله و الاخير عندي هو الصحيح و هو ان عمل العبد صورةُ ثوابه و عقابه فاذا عمل الطاعة فالمراد انّه قد عمل بما امر اللّهُ به فكان عمله صورةَ ثوابه و امرُ اللّهِ الذي امتثل به من حيث هو مُمْتَثَلٌ به مَاۤدّةُ ثوابِهٖ و الغاۤئيّةُ رُوحُ ثوابهٖ و الفاعِليّة مؤثّرةُ تكوينه و كونه و مُحْدِثتُهُمٰا و اذا عمل المَعصية فالمراد قد عمل بخلاف ما امرَ اللّهُ به فكان عمله صورةَ عقابه و مخالفةُ اَمْرِ اللّهِ يعني امر اللّه المخالَف بفتح اللام ماۤدة عقابه و مخالفةُ الغاۤئيّة اي الغاية المخالَفة بفتح اللام روح عقابه و جريانُ الفاعليّة في دَوَرَانِ مقتضي عمله عليها علي خلافِ التوالي مُحْدِثُ تكوُّنِه و قابله و مؤثّرهُمَا و كذلك امتثٰال النهي في الطَّاعةِ و مخالفته في المعصية فكان علي ما قرّرنا انّ المطلوب هو هديهم و سبيلهم الي اللّه عرفَ من عَرف و من انكر فاَمَامَهُ اليَقٖينُ .

قال عليه السلم : وَ يُحْشَرُ في زُمرتكم و يَكُرُّ في رجعتِكم و يُمَلّك في دَوْلتِكم و يشرّفُ في عافيتِكم ( عاقِبَتِكم . خ‌ل ) و يمكّن في ايّامِكم و تقرّ عينه غداً برؤيتِكم .

[ص 223] قال الشارح المجلسي (ره) و يَكرّ اي يرجع في رجعتكم اي جعلني من الخلّصِ حتي ارجع معهم و يُملَّك في دولتكم اي صيّرني ملِكاً لِاِعلاۤءِ كلمةِ اللّهِ فانّ كلّ واحدٍ من الخلّص في الرجعة يصير ملِكاً من الملوكِ كما كان في زمان رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و اَميْرِالمؤمنين صلواتُ اللّهِ عليه و يشرّف في عاقبتكم بالقاف و الفاۤء اي جعلني شريفاً معظّماً في عاقبة امركم و هي الدولةُ او في زمان سلامتكم من الاعادي انتهي .